Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
ثم يعدم الأب؟ قال: يقال للابن: جئ بالصداق. فإن أبا طلقت عليه، واتبعت المرأة الأب بنصف الصداق.
قلت: فإن أعطى الابن الصداق ودخل ثم أيسر الأب، أيرجع على أبيه بما أدى؟ قال: نعم. وهو القياس أن يرجع به عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يرجع على أبيه بما أدى نص جلي على أنه حمل ضمانه عنه الصداق على الحمل، وذلك مثل ما تقدم فوق هذا. وقد مضى القول عليه في أول رسم من سماع يحيى. لا يختلف في وجوب الرجوع له على أبيه على القول بأن الضمان في ذلك حمل ولا حمالة، وإن كان قد اختلف في التي تصالح زوجها على مؤونة حملها أو رضاعه ونفقته إلى فطامته، فتحتاج ولا تجد ما تنفق، فينفق الأب، هل له أن يتبعها أم لا؟ ففي رسم البز من سماع ابن القاسم من طلاق السنة، ورسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير أنه يتبعها. وروي عن ابن القاسم أنه لا يتبعها. والفرق بين المسألتين أن النفقة قد كانت في الأصل واجبة على الأب المنفق، والصداق لم يكن في الأصل واجبا على الابن، لحمل أبيه إياه عنه في أصل العقد. وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها]
مسألة قال أصبغ: قلت لأشهب: فالرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها، فتطلق باليمين، أيكون لها نصف الصداق؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا تزوجها وسمى لها في أصل العقد صداقا، قال: لها نصف الصداق؛ لأنها مطلقة قبل الدخول. وقد
стр. 2102
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، ولو لم يسم لها في أصل العقد صداقا لم يجب لها شيء، إلا أن يدخل بها، فيجب لها صداق مثلها. واختلف إذا سمّى لها في أصل العقد صداقا فدخل بها، فقيل: لها صداق كامل، وهو قول مالك. وقيل: لها صداق ونصف، وهو قول أهل العراق. قال ابن نافع: وهو في القياس حسن، يريد لأن الطلاق لزمه قبل الدخول، فوجب عليه بذلك نصف الصداق، ثم لما دخل بها بعد ذلك وهي بائنة منه، يرى أنها زوجته لم تبن منه، لزمه بالدخول صداق كامل، فكان عليه صداق ونصف، وعلى هذا القياس يأتي ما في كتاب النكاح الثاني من المدونة، وفي الأختين يتزوجهما أخوان فتدخل امرأة كل واحد منهما على صاحبه أنه ترد امرأة كل واحد منهما إليه، فيكون على كل واحد منهما صداقان: صداق لزوجته، وصداق للتي دخل بها وهو يرى أنها زوجته وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل تزوج إلى قوم بصداق مسمى وأهدى هدية وأشهد في السر]
مسألة وسألته: عن رجل تزوج إلى قوم بصداق مسمى، ومن سنة البلد أن يهدي الرجل إلى امرأته هدية تطيب بذلك نفسها، ويُسر بذلك أهلها، فأعد الرجل هدية، وأشهد في السر أن هذا الذي أرسل ليس هو هدية، وإنما هو عارية منه أو متعة، إلى حين القيام في استرجاعها وأخذها منها، وإنما فعلتُ هذا الآن وبعثت به إليها لأطيب به نفسها، ومن كان منها فأرسل إليها وامرأته ترى ويرى أهلها أنها هدية على حال ما يصنع غيره، فقبلوها وهم يرون أنها هدية إليهم، فقام بعد ذلك يطلبها إليهم، فقال: أختانه وامرأته بعد البناء أو قبل البناء لا ندفع إليك شيئا؛ لأنا لم نقبله منك إلا على هدية على حال ما يهدي الناس إلى أزواجهم. ولو علمنا ما تذكر حقا لم نقبله منك. قيل: أترى لما طلب وجها؟ قال سحنون: إن كان
стр. 2103
قد أشهد بذلك في السر ولم يعلمهم بأنه منه إليهم هدية، ثم امتهنوا ذلك على غير علم، فليس عليهم في امتهانهم شيء، وهو يأخذ ما وجد بعينيه، وإن ضاع منها شيء لزمهم ذلك، إلا أن تكون لهم بينة على الذهاب. وقال أبو زيد بن أبي الغمر مثله.
قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه المسألة: ومن سنة أهل البلد وشأنهم، يريد من عادة أهل البلد وما استمر عليه فعلهم. وقوله: إن كان قد أشهد بذلك في السر، ولم يعلمهم بأنه منه إليهم هدية، كلام فيه إشكال، كيف يصح أن يعلمهم بأنه منهم هدية وهو لم يرد به الهدية؟ فمعنى قوله: إن كان أشهد بذلك في السر ولم يقل لهم في العلانية إنه منه إليهم هدية نفعه الاستشهاد، وكان له أن يأخذ متاعه، ولم يكن عليهم مما امتهنوا منه على غير علم شيء، يريد إن كانوا امتهنوا ذلك امتهانا لا تمتهن العواري. وأما إن كانوا امتهنوا ذلك كما تمتهن العواري فلا شيء عليهم امتهنوا ذلك على علم أو على غير علم. وأما قوله: وإن ضاع منها شيء لزمهم إلا أن تكون له بينة على الذهاب، فوجهه أنه أعمل إشهاده في السر، فحكم لها بحكم العارية في الضمان كما حكم لها بحكمها في الاسترجاع. وقول ابن القاسم في رسم النكاح من سماع أصبغ، إنه لا ضمان عليها إذا لم تقبل ذلك على وجه العارية أصح في القياس والنظر، إذ ليس له أن يلزمهم ضمان ما لم يلتزموا ضمانه وحبسه أن ينفعه الإشهاد في استرجاع متاعه. ولو قال لهم في العلانية إنه منه إليهم هدية، لم ينفعه الإشهاد في السر، بدليل قوله: ولم يعلمهم بأنه منه إليهم هدية. وجوابه في هذه المسألة على القول بأنه لا يقضى بالعرف في الهدية. وقد مضى اختلاف قول مالك في ذلك، والقول فيه في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم. وأما على القول بأنه يقضى فلا ينتفع بالإشهاد
стр. 2104
في السر في ذلك إذ ليس له أن يبطل بإشهاده حقا واجبا عليه وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يهب جاريته النصرانية لعبده المسلم]
مسألة وقال: لا بأس أن يهب الرجل جاريته النصرانية لعبده المسلم، إذا كان ذلك مما يصلح في خدمتها، ويريد بذلك أن يولد للعبد منها.
قال محمد بن رشد: لا فرق في هذا بين المسلمة والنصرانية؛ لأن المسلم يجوز له ملك النصرانية، كما يجوز له ملك المسلمة، سواء، فإذا كان العبد ممن يشبه أن يملك مثل ملك الجارية وكانت هبة صحيحة مستقيمة، قصد بذلك تمليكه إياها، لا عارية فرجها له، جاز ذلك على ما مضى في رسم باع غلاما في سماع ابن القاسم، ورسم الطلاق الثاني من سماع أشهب وبالله التوفيق.
[مسألة: الأمة يزوجها سيدها بصداق هل يحق له أن ينتزع منها صداقها]
مسألة وعن الأمة يزوجها سيدها بصداق فزعم ابن القاسم أن للسيد أن ينتزع منها صداقها ولا أرى ذلك، يريد ليس له أن يأخذه منها. ألا ترى أن من قول مالك في الحرة تريد أن تقضي دينا من صداقها أن ذلك لا يكون لها، إلا الشيء اليسير وكذلك الأمة.
قال محمد بن رشد: لمالك في كتاب الرهون من المدونة مثل قول سحنون ها هنا. ودليل قول ابن القاسم في كتاب النكاح الثاني منها مثل قوله ها هنا: إن له أخذ مهرها، كما له أخذ مالها. ولبكير بن الأشج فيه أن له أخذه إلا ما يستحل به فرجها. وقال ابن حبيب: إنه يلزمه أن يجهزها منه إلى زوجها بما يجهز به مثلها، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، أجراها على المذهب
стр. 2105
قول مالك، وأصحها في القياس والنظر قول ابن القاسم، وقول بكير وابن حبيب استحسان وبالله التوفيق.
[المرأة تستحلف وليها على نكاحها على أن يزوجها من فلان بكذا]
من سماع محمد بن خالد من عبد الرحمن بن القاسم
قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن المرأة تستحلف وليها على نكاحها على أن يزوجها من فلان بكذا وكذا، وشرط كذا وكذا، وأشهدت على الولي الموكل بذلك. فذهب الولي فزوجها بذلك من الصداق وترك الشرط.
فقال ابن القاسم: إن كان لم يدخل، فالأمر إليها، إن شاءت أقامت، وإن شاءت انفسخت من تزويجه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان لم يدخل، فالأمر إليها إن شاءت أقامت وإن شاءت فسخت. ظاهره في القرب والبعد، إذ لم يفرق بين ذلك. وهو مثل ما مضى في سماع سحنون، وخلاف لما تقدم في أول سماع يحيى، وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتصدق بداره على رجل على أن يتزوج ابنته]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق بداره على رجل على أن يتزوج ابنته فيقبل صدقته على ذلك، فيتزوج ابنته ويصدقها الدار التي تصدق بها عليه أبوها ليس مع الدار شيء غيرها. قال: أراه نكاحا جائزا، ولا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، وقد تقدمت والقول فيها في سماع سحنون، فلا وجه لإعادته والله الموفق.
[مسألة: الرجل يخصى من قبل أن يدخل على امرأته هل لها الخيار في نفسها]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يُخْصَى من قبل أن يدخل على امرأته. هل لها الخيار في نفسها؟ فقال: نعم ذلك لها.
стр. 2106
قلت: لابن القاسم: فإن خصي بعدما دخل بها ومس؟ فقال: لا خيار لها.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب. وذهب أصبغ إلى أنه لا فرق بين أن يخصى قبل أن يمس أو بعد ما مس؛ لأنها بلية نزلت به، وليس ذلك من قبله ليضر امرأته، فهي مصيبة نزلت بها، وقوله هو القياس. ووجه القول الأول: أن المرأة إنما تزوجت على الوطء، فإذا نزل به ما يمنعه من الوطء قبل أن يطأ، كان لها الخيار، إذا لم يتم لها ما نكحت عليه، وإذا نزل به ذلك بعد أن وطئ لم يفرق بينهما، إذ قد نالت منه ما نكحت عليه، ولا حجة لها في امتناع المعاودة، إذا لم يكن ذلك من قبله إرادة الإضرار بها وبالله التوفيق.
[الوصي يزوج يتيمته في حجره قبل أن تبلغ المحيض]
من سماع عبد المالك بن الحسن من عبد الرحمن بن القاسم قال:
وأخبرني عبد المالك بن الحسن أنه سمع ابن القاسم سئل عن الوصي يزوج يتيمته في حجره قبل أن تبلغ المحيض، قال: يفسخ النكاح إن كان لم يبن بها، وإن كان بنى بها وأصيب بها النكاح وتطاول ذلك عليها مضى، إلا أن تكون مسكينة لا قدر لها فيمضي النكاح وإن لم يدخل بها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم. فلا معنى لإعادته ها هنا.
[مسألة: الرجل يزوج ابنته البكر ولا ولد له غيرها فيموت فتزعم أنها ليست ابنته]
مسألة وسألت عن الرجل يزوج ابنته البكر، ولا ولد له غيرها، فيموت الأب، فتزعم الابنة أنها ليست ابنته، وإنما هي يتيمة، وتنتفي من الميراث، ولا بينة للزوج أنها هي بعينها، إلا سماعا من الأب أن له ابنتا بكرا، فشا ذلك في الناس، ولا يثبتها الشهود. هل يلزمها النكاح؟ وكيف إن كان لها إخوة غير عدول، فشهدوا أنها أختهم، ما الأمر فيه وما يصنع بنصيبها من الميراث؟ وكيف إن قبلت
стр. 2107
قولها ولم يلزمها النكاح إن زعمت بعد ذلك أنها ابنته؟ قال: لا يلتفت إلى قولها. وقول أبيها هو الذي يلزمها على ما أحبت أو كرهت في نكاحها وميراثها، ولحوق نسبها، وجميع أمورها.
قال محمد بن رشد: سحنون في النوادر فيمن أقام بينة على رجل أنه زوجه ابنته فلانة، لا يعلمون أن له ابنة غيرها، وهي بكر، فأنكرت الابنة، إن النكاح لا يلزمها، إلا أن تعرف البينة التي شهدت على النكاح عينها أو غيرهم فيلزمها، وقوله: حقيقة القياس؛ لأن النبي ﵇ يقول: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» . والزوج مدعٍ على هذه الجارية أنها ابنة الرجل الذي زوجها، والجارية منكرة لذلك، فوجب أن يكون على الزوج إقامة البينة على ما يدعي. وهذا إذا مات الأب أو غاب؛ لأنه إن كان حاضرا فالقول قوله إنها ابنته؛ لأن استلحاقه لها جائز، ما لم يتبين كذبه. والصواب قول ابن القاسم، وإن لم يكن على حقيقة القياس، إذ قد يؤدي طرد القياس إلى غلو في الحكم، ويكون الاستحسان أولى منه. وقد كان ابن القاسم يقول: ويروى عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان. فإذا أقر الرجل أن له ابنة بكرا وفشا ذلك من قوله وزوجها ومات وهي في حجابه، فلما طلبها الزوج بالنكاح أنكرت، وقالت: لست ابنة له، وإنما أنا يتيمة في حجره، ولم يكن في حجره غيرها، فيشك فيها، ولا سمع أن ابنته التي تزوجها، وكان يقر بها سمع أنها ماتت ولا غابت، وجب أن تحمل على أنها هي ابنته التي زوجها، وكان يقر بها، فيلزم النكاح ويحكم عليها به؛ لأن الظن يغلب على صحة ذلك حتى يكاد أن يقطع عليه. والحكم بما يغلب عليه الظن فيما طريقه غلبة الظن أصل في الشرع. وقد روي عن القاضي أبي
стр. 2108
بكر بن زرب أنه كان يقول في رجل هلك وأحاط بوراثته زوجه وبنوه منها، فشهد الشهود أنهم يعرفون عين الزوجة، ولا يعرفون أعيان البنات، إن شهادتهم جائزة، واستدل على ذلك برواية عبد المالك هذه قال: ولو قال الشهود إنهم يعرفون أعيان البنات، ولا يعرفون عين المرأة لم تجز الشهادة؛ لأن البنات محمولات على الحجاب، ولذلك يعذر الشهود في ذلك، وتنفذ شهادتهم. والزوجات لسن محمولات على الحجاب كالبنات، ولذلك فرقت بينهما وليس قوله بصحيح، لا فرق في هذا بين الزوجات والبنات. والذي جرى به العمل ألا يكلف الحاكم الشهود على الموت والوراثة، الشهادة على أعيان الورثة ابتداء، لا الزوجة ولا غيرها، حتى يحتاج إلى الإعذار إليهم فيما يثبت عليهم أو على الميت الذي ورثوه، فحينئذ يكلف الشهود الشهادة على أعيانهم ليعذر إليهم، فإن لم يثبتوا أعيانهم لم يصح له الحكم عليهم، إلا أن يثبت أعيانهم عنده بغيرهم، وكذلك إن ماتوا أو غابوا، هذا الذي لا يصح سواه والله أعلم.
[مسألة: الرجل يبتلى بالجذام هل لامرأته الخيار في الطلاق]
مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يبتلى بالجذام ونسأل الله العافية، فترفع امرأته أمرها إلى السلطان، ويكون المبتلى حينئذ ليس بفاحش المنظر، غير أنه بين به لا يشك فيه فهل لامرأته الخيار. إذا كان شيئا لا شك فيه؟ فإنه بلغنا أنه لا يكون لها الخيار حتى يكون من ذلك ما لا قرار عليه، وليس على شيء منه صبر ولا قرار إذا استيقن به. فما حد ذلك الذي إذا بلغه كان لامرأته الخيار واجبا؟ والمجنون الذي لا يفيق إذا كان يخاف أذاه، أو كان ممن لا يخاف ذلك منه. هل لامرأته الخيار أيضا إذا أرادت فراقه؟ وإن كان ينفق عليها من ماله إذا كان الجذام بينا عند الناس لا شك فيه،
стр. 2109
فرق بينهما إذا طلبت الفرقة، وإن لم يكن مؤذيا ولا فاحشا؛ لأنه يزيد، ولا تؤمن زيادته ولا نقصانه. وإن كان الأمر الخفي الذي شك فيه، وليس بيّنًا يعرفه الناس أنه جذام، لم يفرق بينهما، ولم يكن لها خيار. وأما المجنون، فسواء كان معتوها مطبقا مخبلا، أو جنون أفاقه، يخنق فيه المرة بعد المرة، إذا كان يؤذي امرأته في ذلك، ولا يعفيها من نفسه، ويخاف عليها منه، حيل بينه وبينها في الخوف، وضرب لها أجل سنة يتعالج فيها، وهو قول مالك في السنة، ولا أعلمه إلا أنه قال: يحبس في حديد أو غيره، إذا لم يكن يؤمن عليها منه، وينفق عليها من ماله، فإن برئ، وإلا كان لها الخيار إذا انقضت السنة. وذلك رأيي.
وأما إذا كان يعفيها من نفسه ولا يرهقها السوء في صحابته، ولا يخاف عليها منه ولا من ناحيته في خلوته، لم أر لها الخيار، ورأيتها امرأته بحالها. وقال أشهب: ليس للجذام حد، إلا أنه إذا كان متفاحشا لا يحتمل النظر إليه، وتغض الأبصار دونه. فأرى أن لها الخيار، وإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت، فإن شاءت الإقامة، ثم بدا لها كان ذلك لها. وأما الجنون الذي لا يفيق منه، فإن كان ممن يخاف أذاه ولو مرة أو مرتين في الشهر، فأرى لامرأته الخيار، وإن كان لا يخاف أذاه فلا خيار لها.
قال محمد بن رشد: في قول ابن وهب في الجذام: إنه يزيد ولا يؤمن زيادته ولا انتقاصه، دليل على أنها إن رضيت بالمقام معه ثم أرادت بعد ذلك القيام عليه، لم يكن ذلك لها. وإن زاد جذامه على ما كان حين رضيت بالمقام معه خلاف ما مضى في رسم الجواب قبل هذا. وتفرقته في المجنون بين أن يعفي امرأته من نفسه أو لا يعفيها، خلاف ما مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى. وقول أشهب في الجذام إنه لا يكون للمرأة الخيار إلا إذا كان
стр. 2110
فاحشا تغض الأبصار دونه، معناه: إذا كان حادثا بعد العقد. وقوله: إذا رضيت بالإقامة ثم بدا لها، كان ذلك لها، ظاهره وإن لم يزد خلاف ما مضى في رسم الجواب من سماع عيسى قبل هذا. وخلاف قول ابن وهب هنا فهو قول تافه في المسألة. وقد مضى تمام القول على هذه المسألة موعبا في رسم نقدها من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: أسلم النصراني وهو غائب وامرأته نصرانية فأسلمت بعده ثم نكحت]
مسألة قال عبد الله بن وهب: إذا أسلم النصراني وهو غائب، وامرأته نصرانية فأسلمت بعده، ثم نكحت، ولا علم لها بإسلام زوجها، وقالت البينة إن إسلامه كان قبل إسلامها، فإنه إن أدركها قبل أن يبتني بها زوجها فالأول أحق بها، وإن لم يدركها إلا بعد البناء فلا سبيل له إليها. قال مالك: إن كان إسلام المرأة قبل إسلام زوجها وهو غائب فانقضت عدتها ثم نكحت، فقدم زوجها، فلا سبيل له إليها بعد انقضاء عدتها نكحت أو لم تنكح.
قال محمد بن رشد: إذا أسلمت النصرانية قبل إسلام زوجها فإسلامها يوجب الفرقة بينهما، إلا أن السنة قد أحكمت أنه يكون أحق بها إن أسلم في عدتها، واختلف إن لم تعلم بإسلامه في عدتها حتى تزوجت. فقيل: إنه لا سبيل له إليها إذا تزوجت. وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في المبسوطة وقيل: وهو أحق بها. وإن تزوجت ما لم يدخل بها الزوج، وهو قول مالك في المدونة وغيرها وقول ابن وهب ها هنا.
ونظير هذه المسألة الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها فتعلم بالطلاق ولا تعلم بالرجعة، فتتزوج بعد انقضاء العدة، ثم يعلم أنه قد كان راجعها في العدة، والمفقود تتربص امرأته أربع سنين بأمر السلطان ثم تعتد وتتزوج فيقدم زوجها، أو تعلم حياته. فقيل: إنهما يفوتان جميعا بالعقد، وقيل: إنهما لا
стр. 2111
يفوتان إلا بالدخول. اختلف في ذلك قول مالك، واختلفت فيه الرواية أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁. واختلف أيضا إذا كان إسلامه قبل إسلامها فلم يعلم بذلك حتى تزوجت. فقال ابن وهب ها هنا، ومثله في الشفعة من المدونة: إنه أحق بها ما لم يدخل بها الزوج الثاني الذي تزوجها بمنزلة إذا كان إسلامه في عدتها. وقال ابن الماجشون: إنه أحق بها أبدا، وإن دخل الزوج فيفسخ النكاح وترد إليه بعد الاستبراء، واختاره محمد بن المواز، وهو الصواب؛ لأنها نصرانية تحت مسلم، فلم تجب عليها عدة. وسواء دخل بها الأول أو لم يدخل. فالاختلاف إذا أسلم قبلها، إنما هو هل تفوت بالدخول أو لا تفوت به؟ ولا اختلاف في أنها لا تفوت بالعقد، والاختلاف إذا أسلم في عدتها إنما هو هل تفوت بالعقد أو لا تفوت به؟ ولا اختلاف في أنها تفوت بالدخول. فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة.
وقوله في آخرها في التي أسلمت قبل زوجها وهو غائب إنه إن قدم فلا سبيل له إليها بعد انقضاء عدتها نكحت أو لم تنكح، كلام فيه تقديم وتأخير وحذف. ومعناه: إن قدم بعد انقضاء عدتها فأسلم، فلا سبيل له إليها نكحت، أو لم تنكح. وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: التي لم تبلغ المحيض إذا زوجت وافتضت وطلقت هل يعفى عن صداقها]
مسألة قال: وسألته عن الصبية الصغيرة التي لم تبلغ المحيض، ومثلها يوطأ، زوجها أبوها رجلا فدخل بها ووطئها ثم طلقها قبل أن تبلغ المحيض، إلا أنه افتضها. هل يجوز عفو الأب عما بقي عليه من الصداق؟ قال: لا أرى عفو الأب جائزا ولا أرى عفوها هي جائزا؛ لأنه يولى عليها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا دخل بها الزوج وافتضها فقد وجب لها جميع صداقها بالمسيس، وليس للأب أن يضع حقا قد وجب لها، إلا في الموضع الذي أذن الله له فيه، وهو قبل المسيس. لقول الله عز
стр. 2112
وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، وهو عند مالك الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته. وأن يكون ذلك منه على وجه النظر، رجاء استدامة العصمة عند ابن القاسم، وهذا لا وجه فيه للنظر إذ قد وقع الطلاق، فوجب ألا يجوز وضعه حقها باتفاق وبالله التوفيق.
[مسألة: ينكح ابنة الرجل فيقول ماذا لابنتك فلا يلتزم الناكح بما سمى]
مسألة قالت: وسألت ابن وهب عن الذي تنكح إليه ابنته، فيقول الناكح: ماذا لابنتك؟ فيقول: لها كذا وكذا لأشياء يسميها، فيرجع الناكح في صداقها للذي قال الأب وسمى، ثم يوجد الأمر على غير ما قال وسمى، فقال: إذا عُثر على هذا قبل الدخول، قيل للزوج: إن شئت فأقم على هذا، وإن شئت ففارق ولا شيء عليك من الصداق، لا قليل ولا كثير، وإن لم يعثر على هذا إلا بعد الدخول ردت إلى صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يُعثر على هذا إلا بعد الدخول، ردت إلى صداق مثلها، يريد أنه يرجع بالزائد عليها، لا على الولي، فيؤخذ ذلك من صداقها إن كان قائما، وإن كان قد تلف أخذ من مالها واتبعت به دينا إن لم يكن لها مال، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب، من أنه يرجع بذلك على الولي الذي غره، إلا أن تكون ثيبا، وقد علمت بكذب وليها فتقدمت على معرفة ذلك، فيرجع عليها إن كان لها مال، وإلا رجع على الولي. وقد قيل إنه لا كلام للزوج في ذلك؛ لأنه فرط، إذ لم يتجسس ويتثبت لنفسه، وهو قول أصبغ في الخمسة ورواية يحيى عن ابن القاسم في العشرة. ووقعت أيضا في رسم الكبش في بعض الروايات. وذلك إذا وصفها الولي بذلك من غير شرط. وأما إذا تزوجها على أن لها من المال كذا وكذا لما ليس لها، فيكون للزوج إن علم بذلك قبل الدخول أن يردها، ولا يكون عليه شيء من
стр. 2113
الصداق. وإن لم يعلم بذلك حتى دخل ومس كان لها الصداق بالمسيس، ورجع هو على من غره وزوجه على ذلك من الأولياء إلا أن تكون هي التي غرته دون الولي، فيرجع عليها بما أصدقها، ويترك لها منه قدر ما يستحل به فرجها. هذا قول مالك وأصحابه، إلا محمد بن المواز فإنه ذهب إلى أن الولي إذا زوج وليته بشرط أن لها من المال ما ليس لها، فإنما ترجع على من شرط له ذلك، وغره بما زاد من المهر على صداق مثلها إن هو خلى سبيلها ولم يرض بها، وهو بعيد. وقد مضى هذا كله في رسم يوصي من سماع عيسى. فإن سمى لها الولي شيئا من ماله عرضا كان أو أصلا عند النكاح، بشرط أو بغير شرط، فقال لها: داري الفلانية، أو عبدي فلان، كان ذلك لها نحلة لا تفتقر لحيازة. وقيل إنها تفتقر إليها، اختلف في ذلك قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه الواقعة في بعض روايات العتبية. وأما إن قال: لها الدار الفلانية أو المملوك المسمى بفلان، فقيل إن ذلك نحلة، بمنزلة إذا قال لها: داري الفلانية أو عبدي فلان، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه. وإليه ذهب ابن حبيب. وقيل إنه لا يجب لها بهذا القول شيء من ذلك، وهو قول أصبغ في الخمسة. وإذا لم يجب ذلك لها، فقد مضى الاختلاف فيما للزوج في ذلك من الحق في الشرط وغير الشرط. واختلف إذا سماها دنانير أو دراهم أو طعاما أو عروضا موصوفة، فقال لها كذا وكذا، أو سكت، أو قال: في مالي، أو عندي، أو علي، أو قبلي، على ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يلزمه من ذلك شيء إذا كان ذلك منه على وجه التزيين لوليته إلا أن يرى أنه أراد بذلك، وهو قول أصبغ. والثاني أنه قال في مالي أو عندي أو علي أو قبلي لزمه ذلك نحلة لا تفتقر إلى حيازة، يؤخذ بذلك عاش أو مات، وإن لم يقل إلا: لها كذا وكذا، وسكت لم يلزمه، إلا أن يكون أبا أو وصيا، وهو قول ابن حبيب. والثالث أنه قال لها في ماله، كان ذلك في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له لم يتبع بذلك. وإن قال لها عندي فهي عدة لا يلزمه إخراج ذلك، إلا أن يتطوع
стр. 2114
به، كان له مال أو لم يكن. وإن قال لها: علي أو قبلي، فهو لازم له في ماله إن كان له مال ودين يتبع به في ذمته إن لم يكن له مال. وإن قال: لها كذا وكذا ولم يزد على ذلك لم يلزمه شيء. وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه وبالله التوفيق.
[مسألة: حكم نكاح الشغار إذا لم يعلم به إلا بعد البناء]
مسألة قال: وسألته عن نكاح الشغار، إذا لم يعلم به إلا بعد البناء، قال: إن علم به قبل البناء فسخ، ولم يكن لها من الصداق شيء، وإن لم يعلم به إلا بعد البناء، فسخ أيضا، وكان لها صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يفسخ قبل البناء وبعده، ويكون فيه صداق المثل، إن فسخ بعد الدخول، هو مثل ما في المدونة في نكاح الشغار،، ومعناه إذا لم يكن معه تسمية صداق. وقد قيل إنه لا يفسخ بعد الدخول، وهي رواية علي بن زياد عن مالك. واختلف في وجه فسخه بعد الدخول، قيل لمطابقة النهي له على القول بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقيل: لأنه نكاح فسد لعقده، إذ لا ينفرد البضع عن الصداق؛ لأن كل واحد من البضعين بإزاء صاحبه، فإذا بطل الصداق، بطل العقد، بخلاف الصداق الفاسد الذي هو بائن عن البضع، فإذا بطل الصداق، لم يبطل ببطلانه العقد. وقد قيل إن فسخه بعد الدخول على القول بأن النكاح إذا وقع بخمر أو خنزير، أو بغير صداق يفسخ قبل الدخول وبعده، ووجه رواية علي بن زياد قياسه على ما فسد لصداقه، إذ لا يكون البضع صداقا. وقد قيل: إنما اختلف قول مالك في فسخه بعد الدخول؛ لاختلاف الناس في تأويل الشغار، إذ ليس نص في الحديث؛ لأن المروي عن النبي ﷺ إنما هو أنه «نهى عن الشغار» ، وما في الحديث تفسير من نافع، وأما إذا سُمِّيَ مع نكاح
стр. 2115
الشغار صداق لم يختلف قول مالك، في أنه لا يفسخ بعد الدخول، واختلف هل يكون فيه صداق المثل بالغا ما بلغ؟ أو الأكثر؟ من صداق المثل أو المسمى؟ وذهب ابن لبابة إلى أنهما إذا دخلا على كل واحد منهما، الأكثر من صداق المثل أو المسمى، وإذا دخل أحدهما ولم يدخل الآخر ففسخ نكاح الذي لم يدخل منهما كان على الذي دخل صداق المثل، كان أقل من المسمى أو أكثر؛ لأنه يقول: إن كان صداق مثلها أقل من التسمية. إنما زدت على صداق مثلها ليزوج وليتي وليخلو ذراعي منها، فإذا فسخ نكاحها فلا أعطيها إلا صداق مثلها، وكذلك إن سميا في إحداهما صداقا لم يسميا في الآخر، فدخلا؛ لأن التي لم يسم لها صداقا يفسخ نكاحها بعد الدخول. وحمل ما في المدونة على هذا وبالله التوفيق.
[مسألة: المسلم هل يعقد نكاح ابنته النصرانية]
مسألة قال: وسألته عن المسلم هل يعقد نكاح ابنته النصرانية؟ قال: يعقد نكاحها إذا زوجها مسلما، وإن أراد نكاحها نصراني لم يَلِ عقد نكاحها، وكان ذلك إلى أهل دينها، ليس لأبيها من ولايتها شيء؛ لقول الله ﵎: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] .
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا أراد نكاحها نصراني، فلا ينبغي له أن يلي عقد نكاحها، إذ لا حظ فيه لمسلم. وقد أجاز ابن حبيب أن يزوجها من نصراني إذا لم تكن من نساء الجزية. وهذا أصح والله أعلم. وأما تزويجه إياها من مسلم فقد مضى القول عليها موعبا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
[المعتقة إلى أجل هل لسيدهاتزويجها]
من سماع من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب القضاء العاشر:
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في المعتقة إلى أجل: إن لسيدها
стр. 2116
أن يزوجها. قال: قال مالك: ويأخذ مال المعتقة إلى سنة إلا أن يقرب عتقها. قال ابن القاسم: وكذلك النكاح، إلا أن يقرب عتقها، مثل أخذ المال سواء. قيل لابن القاسم: فمرض السيد قبل عتقها بسنة، أيأخذ مالها؟ قال: لا لأنه يأخذه لغيره، وليس للورثة أن يأخذوه بعده. قيل لأصبغ: فللورثة أن يزوجوها بعده؟ فقال: لا، كما لا ينتزعون المال بعده، كذلك لا يزوجون، وقد خرج موضع الانتزاع والتزويج بمرضه الذي يسقط ذلك عنه، فهو لا يرجع لورثته.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم الأقضية من سماع يحيى، أن تزويج الأمة تابع لانتزاع مالها. وقد قيل إنه تابع لجواز وطئها، وهو قول مالك في إحدى روايتي أشهب عنه. والقياس أن للسيد انتزاع مال معتقه إلى أجل وإن مرض، إذا كان الأجل بعيدا، وأن ورثته ينزلون بمنزلته في ذلك ما لم يقرب الأجل، وهو قول مالك في رواية مطرف عنه. وقول ابن عبد الحكم وأصبغ، واختيار ابن حبيب. واختلف في حد جواز ذلك، فقيل: الأشهر، وهو قول مالك، وقيل: الشهر، وهو قول أصبغ. ولا اختلاف في المدبر وأم الولد أن السيد لا ينتزع أموالها إذا مرض؛ لأن المرض فيها كقرب الأجل في المعتق إلى أجل.
[مسألة: رجل أهدى لامرأته أملك بها هدية ثم طلقها قبل الدخول]
مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن رجل أهدى لامرأته أملك بها هدية ثم طلقها قبل الدخول، أو وجد النكاح مفسوخا. قال: أما الطلاق، فلا شيء له فيها. وإن أدركها بعينها. قيل له: فلم يجد ما ينفق عليها، ففرق بينهما. قال: هذا وما أشبهه
стр. 2117
طلاق، حتى يكون نكاحا حراما لا يقر عليه، أو إنكاحا مفسوخا يفسخ إذا لم يدخل. وإن كان مما يثبت إذا دخل فإن هذا إذا كان وعلم فرق بينهما، فإنه إن أدرك هديته بعينيها فهو أملك بها وهي له كلها؛ لأنه أعطى حين أعطى وهو يرى أنها امرأته، فإذا هي ليست بامرأته؛ لأنه نكاح لا يقرَّان عليه. وإن كانت قد فاتت، فلا شيء له عليها، بمنزلة من تصدق عليه بصدقة فأثاب عليها ثوابا وهو يرى أن الثواب يلزمه في الصدقات، ثم علم فطلب، فإنه إن أدرك ثوابه أخذه، وإن فات فلا شيء له عليه. قال: ولو أثابه حين أثابه وهو يعلم أن ذلك لا يلزمه، لم يكن له أن يرجع فيه، وإن أدركه بعينه.
قلت: أرأيت إن كان النكاح مفسوخا وأدرك هديته بعينها، إلا أنها قد نقصت؟ قال: فلا شيء له غيرها يأخذها منقوصة. قيل له: فإن كانت قد زادت ونمت؟ قال: لا أرى له زيادتها، ولا أرى له إلا القيمة يوم أعطاها. والقياس أنها له بنمائها، وإن كانت قد زادت، ولكن القيمة في هذا عندي أعدل. قال أصبغ: وإن دخل بها في النكاح المفسوخ فلا شيء له أيضا وإن أدركها بعينها؛ لأن النكاح الذي أهدى عليه وأعطى قد تم له بالدخول، وإنما الجواب على أنه فسخ قبل البناء بعد العطاء. ولو كان العطاء بعد الدخول ثم فسخ، رأيت ذلك له؛ لأنه أعطى على الثبات والقناعة وإكمال لنكاحه. والعشرة بينهما فيه، فلم يقر عليه. وذلك إذا كان الفسخ فيه بحدثان العطية، فأما إن كان زمان ذلك قد طال جدا السنتين أو السنين قبل الفسخ ثم فسخ، فلا أرى له فيه شيئا، وإن أدركه بعينيه، مثل الخادم
стр. 2118
يدركها، أو المنزل بعينيه؛ لأن الذي أعطى له قد رسخ له حين استمتع منه واستمتع بعطيته، فالفسخ فيه كطلاق حادث منه ها هنا، وهو رأيي ولم أسمع فيه بشيء.
قال محمد بن رشد: أما الذي أهدى لامرأته هدية قبل البناء، ثم طلقها قبل البناء أو بعده، فبين أنه لا رجوع له في هديته، وإن كانت قائمة لا تنطلق باختياره، ولو شاء لم يفعل فلا شيء له فيما أعطى. وأما الذي يجد ما ينفق عليها ففرق بينهما. فقوله: إنه لا رجوع له فيما أهدى كالطلاق، هو على أصله في أن ذلك طلاق، يجب للمرأة فيه نصف صداق. وعلى قول ابن نافع الذي لا يرى للمرأة في ذلك شيئا من الصداق، يرى الطلاق عليه بعدم النفقة أو الصداق، كالفرقة بينهما بالجنون والجذام، يكون له أن يرجع في هديته إن كانت قائمة. وقد مضى الفرق بين المسألتين في سماع سحنون. وأما إذا ألفى النكاح مفسوخا، ففرق بينهما قبل البناء، فقال: إنه يرجع في هديته إن كانت قائمة؛ لأن السبب الذي أهدى عليه لما بطل، وجب أن تبطل الهدية ببطلانه، كمسألة نوازل سحنون من كتاب جامع البيوع في الذي يضع من ثمن سلعة باعها بسبب ما كان خشي المبتاع من تلفها أو الوضيعة فيها، فيسلم من ذلك، أن له الرجوع فيما وضع. ومسألة يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق، في الذي يؤخر بالحق لسبب. فلا يتم ذلك السبب. وقد قال ابن القاسم في الدمياطية إنه لا يرجع بها. ولو كان النكاح صحيحا فوجد بالمرأة عيبا يجب له به ردها، فردها قبل الدخول، لكان له أن يرجع في هديته، على ما في كتاب الصرف من المدونة، في الذي يبيع من الرجل السلعة، فيهبها له هبة من أجل ما باع منه السلعة، ثم يجد بالسلعة عيبا، أنه يرجع بالثمن والهبة، خلاف قول سحنون: إنه لا يرجع بالهبة، وقوله على أن الرد
стр. 2119
بالعيب نقص بيع. وأما مسألة الثواب في الصدقة التي نَظَّرَها بها فلا تشبهها؛ لأن المعنى فيها أنه أعطى ما ظن أنه واجب عليه، ثم علم أنه غير واجب عليه. وقد اختلف في ذلك أيضا، ولها نظائر كثيرة في المدونة والعتبية، ومنها مسألة الذي ينفق على المطلقة وهو يظن أنها حامل، أو على زوجته ويظن أن النكاح صحيح ثابت. وقد فرق ابن القاسم بين الوجهين في الدمياطية، فقال في الرجل يتزوج المرأة ويهدي هدية الملاك، ثم يسأله أهلها أن يدخل بها، أو ينفق عليها، فينفق عليها ثم يوجد النكاح مفسوخا، إنه لا يرجع عليها بهدية الملاك، ويرجع عليها بالنفقة، ولمراعاة هذا القول استحسن في الرواية إذا تمت أن تكون له القيمة، ولا يأخذها بنمائها؛ لأن القياس على ما قال أن يكون له النماء، كما يكون عليه النقصان، ولا اختلاف إذا فسخ النكاح بعد الدخول في أنه لا شيء له في الهدية، وإن كانت قائمة، إلا أن تكون الهدية بعد الدخول والفسخ بحدثان ذلك، على ما قال. وهذا كله في الهدية التي يتطوع بها الزوج من غير شرط، ولا جرى بها عرف. فأما الهدية المشترطة فحكمها حكم الصداق في جميع الأحوال، وأما الهدية التي جرى بها عرف فأجراها ابن حبيب على القول بوجوب القضاء بها، مجرى الصداق يرجع بنصفها في الطلاق، فعلى قوله: إن طلق قبل أن يدفعها يلزمه نصفها. وأبطلها مالك ﵀ عن الزوج في الموت والطلاق. وقد تكلمنا على وجه قوله في رسم مساجد القبائل، من سماع ابن القاسم. فعلى قياس قوله: إن طلق بعد أن دفعها، لم يرجع بشيء منها، وعلى القول بأنه لا يحكم بها، حكمها حكم التي يتطوع بها من غير شرط. وقد مضى القول في ذلك، والله الموفق للصواب.
[مسألة: الرجل يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر في حجره وقد استهلكه]
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يزوج ابنته ويقر بقبض صداقها وهي بكر في حجره وقد استهلكه فقال: هو ضامن له أيضا. قيل
стр. 2120
له: فقال: قد دفعته إليها. قال: فإن كان دفعه إليها عينا فهو يضمنه؛ لأن الأبكار ليس يدفع إليهن الدنانير، إنما يجهزن. قيل: فدخلت على زوجها، فزعم أنه جهزها بكذا وكذا، ودفعه إليها، وأنكرت ذلك، قال: تحلف وتبرأ. قال أصبغ: وذلك ما لم يكن التناكر مع الدخول بما يتبين فيه كذبه بدخولها بغير شيء.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في أصل السماع عقب مسألة الرجل يتزوج البكر فيدفع صداقها إلى أبيها ببينة فيستهلكه ولا مال له. وجوابه فيها أن الأب ضامن للصداق، ويدخل الزوج بامرأته ولا شيء عليه، ولذلك قال في هذه المسألة: هو ضامن له أيضا، يريد ويدخل الزوج بزوجته، ولا شيء عليه، فساوى بين أن يكون للزوج بينة على دفع الصداق، أو لا تكون له بينة على ذلك إذا أقر الأب بالقبض، مثل قوله في آخر السماع خلاف قول ابن وهب وأشهب قبل ذلك في تفرقتهما بين ذلك في دعوى الضياع. والذي يأتي على قولهما في هذه المسألة ألا يكون للزوج سبيل إلى الدخول بامرأته، حتى يدفع الصداق إليها، فيدفعه إليها، ويتبع به الأب المقر في ذمته. وقوله: إن الأبكار ليس يُدفع إليهن الدنانير، إنما يجهزن صحيح. والأصل في ذلك قول الله : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فنهى أن تدفع إليهم أموالهم لئلا يفسدوها ويبذروها، وأمر أن يُرزقوا ويُكسوا منها، فوجب أن يدفع إليهم ما يحتاجون إليه من نفقتهم وكسوتهم، وكذلك ما تحتاج إليه المرأة من جهازها إلى زوجها. وأحب أن يدفع إليها وإن كانت مولى عليها. وإنما وجب أن يكون القول قول الأب في أنه جهز ابنته البكر، إلى زوجها، بما قبض من صداقها، وإن كان مدعيا في ذلك؛ لأنه على ذلك قبضه منه، والعرف يشهد له به. وإنما وجبت عليه اليمين، لما تعلق في ذلك من حق الزوج.
стр. 2121
والذي يسقط عنه اليمين، إحضار البينة، وإبراز الجهاز، وإقامته وإرساله بمحضر البينة. وإن لم تبلغ البينة مع الجهاز بيت ابنته. قال ذلك ابن حبيب في الواضحة. ولو ادعى الأب أنه جهز ابنته إلى زوجها بما لها قبله من ميراث أمها أو غير ذلك، وأنكرت، لما كان القول قوله في ذلك، ولكلف إقامة البينة على إيراد الجهاز بيتها. لقول الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] .
ومن كتاب الكراء والأقضية قال: وسمعت أصبغ يُسأل عن الرجل تشترط عليه امرأته في كتاب صداقها ألا يسيء إليها، فإن فعل فأمرها بيدها، فإن تزوج عليها أو تسرر عليها. هل ترى هذا من الإساءة؟ فقال أصبغ: لا أراه من الإساءة، إلا أن يكون ذلك وجه ما يشترطون، ويأخذون عندهم بظاهر معروف عندهم، إن الإساءة في هذا الشرط النكاح وشبهه، وإلا فلا. قيل له: فإن ضربها ضربا مبرحا أو غير مبرح، أتراه من الإساءة؟ فقال: إن ضربها في أمر تستأهله على وجه الأدب بالأمر الخفيف، فلا أراه من الإساءة، ولو كان على غير ذلك ضربها مرارا، رأيتها إساءة، أو جاء من ذلك أمر مفرط وإن كان غير مرار.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال في النكاح والتسرر: لأن الله تعالى أذن في ذلك وأباحه بقوله : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ومن فعل ما أباحه الله تعالى له فليس بمسيء، ولا حجة للمرأة عليه في ذلك بشرطها، إلا أن يعلم أنهما قصدا
стр. 2122
ذلك وأراداه بسبب يدل على ذلك أو بساط. قال في الضرب الخفيف على وجه الأدب في أمر تستأهل عليه الأدب، إن ذلك ليس من الإساءة؛ لأن الله أذن للأزواج في ضرب أزواجهم بقوله: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وهذا إذا علم السبب الذي أدبها عليه ببينة أو أقرت به. وأما إن لم يعلم ذلك وأنكرته فلا يصدق الزوج عليه، ويكون لها الأخذ بشرطها بعد يمينها إنه ضربها على غير سبب استوجبت عليه الأدب، إلا أن يكون الرجل من الموثوق به في دينه وفضله وأمانته، فيصدق في ذلك، وأما الضرب المفرط فهو من الإساءة، وكذلك إن ضربها مرارا وإن لم يكن ضربا مفرطا، فيحمل ذلك من فعله على الإساءة، إلا إن تبين أنه إنما ضربها على أمر تستأهل الضرب وبالله التوفيق.
[مسألة: تغر من نفسها بأنها حرة وهي أمة فتنكح وتلد ثم تُستحق]
مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم وسئل عن التي تغر من نفسها بأنها حرة، وهي أمة، فتنكح وتلد، ثم تُستحق فيدعي الناكح أنه ظن أنها حرة، أيصدق ويكون القول قوله؟ قال: نعم. وقاله أصبغ وهو على ذلك أبدا وعلى ما ادعى، ولا يكلف البينة أنه نكح على ذلك ولم يعلمه، حتى يأتي خلافه. والسيد ها هنا مدع فعليه البينة أنه أعلمه. وقال أصبغ: ويقوم الولد على الأب يوم يحكم عليه فيهم. قيل له: فما مات منهم قبل ذلك؟ قال: ليس فيهم شيء، وليس لسيد أمهم فيهم شيء. قيل له: فما قتل منهم فأخذ الأب ديتهم؟ قال: يكون عليه قيمته، وتكون له الدية، إلا أن تكون القيمة أكثر مما أخذ من الدية، فلا يكون عليه غير ذلك.
стр. 2123
وقاله أصبغ: ولو أقر الأب أنه نكح على معرفة أنها أمة، والفاشي غير ذلك من أمرها أو أمر الأمة أنها غرت وادعت أنها حرة، والنكاح كان على ذلك بالسماع والمأخذ أو السبب أو الشك، لم يصدق الأب؛ لأنه يدفع عن نفسه الغرم، ويريد إرقاق الولد وهم أحرار. قال أصبغ: ولو قتلوا فأخذ الأب الدية فاستهلكها، ثم جاء السيد وهو عديم، ثم اتبعه بالقيمة، لم يكن له على غارم الدية إتباع؛ لأن الأب أخذها بوجه ما يجوز وبحكم حكم له به يوم أخذها وهذا رأيي.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يتزوج المرأة، فتُستحق، فيدعي أنه لم يعلم أنها أمة، وأنه ظن أنها حرة، إن القول قوله، وإن السيد مدعٍ عليه إن ادعى عليه أنه علم أنها أمة صحيح بَيّن؛ لأن نكاحه إياها بإذنها ورضاها شاهد على أنه إنما تزوجها على أنها حرة، زوَّجها منه رجل ادعى أنه وليها أو سيدها؛ لأن السيد لا يستأمِر أمته في النكاح، إذ له أن يكرهها على ذلك. وقول أصبغ: إن الأب لا يصدق أن امرأته علم أنها أمة، إذا كان الظاهر من أمره أنه تزوجها على أنها حرة صحيح، إذ ليس فداء ولده منها بقيمتهم حقا له، إن شاء أن يتركه تركه، وإنما هو حق عليه في مذهب مالك وجميع أصحابه وعامة العلماء، فيتهم على أن يسقط ذلك عن نفسه بإقراره. وقد كان القياس أن يكون الولد رقيقا لسيد الأمة؛ لإجماعهم على أن كل أمة تلد من غير سيدها، فولدها بمنزلتها، إلا أنهم تركوا القياس في هذا لإجماع الصحابة على أنهم أحرار وعلى أن على الأب قيمتهم، حاشا أبو ثور، وداود، فإنهما قالا: الأولاد رقيق على مقتضى القياس. وقوله: إن القيمة فيهم على الأب يوم الحكم، وإنه لا شيء عليه فيمن مات منهم قبل ذلك. وهو قول مالك في المدونة وجميع أصحابه، حاشا المغيرة وأشهب، فإنهما أوجبا على الأب
стр. 2124
قيمتهم يوم ولدوا، فلا تسقط القيمة عندهما بموت من مات منهم قبل الحكم والله أعلم. وقد مضى في سماع سحنون الحكم في غرور الزوج، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تم كتاب النكاح الرابع
стр. 2125
[كتاب النكاح الخامس] [ أيكلم الرجل امرأته وهو يطأها]
стр. 2126
ومن كتاب النكاح
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل: أيكلم الرجل امرأته وهو يطأها؟ قال: نعم ويعيد بها، لا بأس بذلك إجازة منه. قال أصبغ: قال ابن القاسم: حدثنا الدراوردي عن من حدثه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن التخير عند ذلك، فقال: إذا خلوتم فاصنعوا ما شئتم، فسئل أصبغ: أينظر الرجل إلى فرج امرأته عند الوطء؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، قيل له: إن قوما يذكرون كراهيته، فقال: من كرهه، إنما كرهه بالطب، لا بالعلم، لا بأس به وليس بمكروه.
قال محمد بن رشد: في أصل السماع عند السؤال عن نظر الرجل إلى فرج امرأته عند الوطء، قال: نعم، ويلحسه بلسانه. فطرح العتبي بلفظه: ويلحسه؛ لأنه استقبحه. وفي كتاب ابن المواز: ويلحسه بلسانه وهو أقبح، إلا أن العلماء يستجيزون مثل هذا إرادة البيان، ولئلا يحرم ما ليس بحرام، فإن كثيرا من العوام يعتقدون أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته في حال من الأحوال. وقد سألني عن ذلك بعضهم فاستغرب أن يكون ذلك جائزا، وكذلك تكليم الرجل امرأته عند الوطء، لا إشكال في جوازه، ولا وجه لكراهيته. وأما الخبر عند ذلك فقبيح ليس من أفعال الناس، وترخيص ابن
стр. 2127
القاسم في ذلك لمن سأله عنه على معنى أن ذلك ليس بحرام والله أعلم.
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في السفيه يتزوج بمائة دينار، فيفرق وليه بينهما وقد دخل بها، إنه ينزع منها ما أعطاها، ويترك لها قدر ما تستحل به. قال أصبغ: وذلك ربع دينار في قولهم أدنى ما يتزوج به إذا كانت دنية. وأما من لها قدر فإن ابن القاسم قال: لها فيها في المسألة بعينها، لم يحد لنا مالك في ذلك حدا، إلا أني أرى في مثل هذا على قدر الاجتهاد من حالها وقدرها وموضعها. وقاله أصبغ، وتقاضى بما يدل على نحو ذلك مما هو دون صداق مثلها، وما لا يبلغه ولا يقاربه، فيكون صداقا تاما ولا مذهب صداق ثم تام.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم: في ذات القدر إنه يترك لها من صداقها على قدر الاجتهاد في حالها وموضعها، ولم يحد في ذلك حدا، وله في المدنية أنه يترك لها من المائة ثلاثة دنانير، وأربعة، ونحو ذلك. وقال ابن نافع: يترك لها من المائة عشرة دنانير. ولابن الماجشون في الواضحة أنه لا يترك لها منه قليلا ولا كثيرا، وهو القياس، وما عداه استحسان. وأما السفيهة تتزوج بغير إذن وليها، فيفرق بينهما بعد الدخول، فإن لها جميع صداقها، لا يرد وليها منه شيئا. وروى ذلك عيسى عن ابن القاسم في المدنية. وقال ابن دينار: إنه يترك لها قدر ما استحل منها، وهو الأظهر؛ لأنها غارة.
[مسألة: نصراني يعقد نكاح ابنته وأخته أو وليته النصرانية لمسلم]
مسألة قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن نصراني، أيعقد نكاح ابنته وأخته أو وليته النصرانية لمسلم؟ فقال: نعم، وهو أولى بذلك من
стр. 2128
غيره، وما له لا يعقده؟ وقاله أصبغ. ومثل ذلك إنكاح حكامهم وأساقفتهم إياهم وعقدهم للمسلمين، فذلك الذي لا كلام فيه إنهم يزوجونهن، فسواء زوجوا مسلما أو نصرانيا لأنهم ولاتهم، فالولي منهم دونهم أولى فالولاة أولى. قال أصبغ: وقد قلت لابن القاسم: فإن أرادت وليته هذه نكاح مسلم وأبى ذلك هو، أيجبر على ذلك، بكرا كانت أو ثيبا؟ وهو يأبى ذلك ويقول: لا أزوج للمسلمين؟ فقال: لا أرى أن يعرض لهم في ذلك وليردوا إلى أحكام دينهم وحكامهم. قال أصبغ: يعني فيزوجون إن رأوا ذلك، ويجوز. قال: فالولي إذا رضي بمنزلة ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: وهو أولى بذلك من غيره، يريد أن المسلم أولى بعقد نكاحها من ولاتها من النصراني، إذا لم يشاحوه في ذلك؛ لأنه أن يلي عقد النصرانية لمسلم مسلم، أحسن من أن يليه النصراني. وقوله في آخر المسألة: فالولي منهم دونهم أولى فالولاة أولى، يريد أن الولاة النصارى أحق بعقد نكاحها من المسلمين إن تشاحوا في ذلك وطلبوه، وهذا في أهل الجزية، فهذا وجه هذه الرواية، وتبين تأويلنا هذا قوله في آخر المسألة: فالولي إذا رضي بمنزلة ذلك يقول: فكما لا يكون للمسلم أن يتزوجها إلا برضى أهل دينها، فكذلك لا يكون للمسلم أن يعقد نكاحها إلا برضى أهل دينها وولاتها، يعني من أهل الجزية. وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، فلا معنى لإعادته هنا وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يخطب إليه القوم فيقول قد زوجت فلانا ثم ينكر بعد ذلك]
مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يخطب إليه القوم، فيقول: قد زوجت فلانا، ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم أقل إلا لأدفعهم عن نفسي. قال: إن ادعى الذي أقر له وسمى أنه قد كان
стр. 2129
زوجه قبل ذلك، حلف على ذلك بالله لقد زوجه، وثبت له النكاح بالبينة التي قامت على إقراره له. وإن كان إنما يريد أن يأخذها بما سمع منه الخاطبون فقط، رأيت أن يحلف الأب بالله ما كان ذلك منه إلا اعتذارا إليهم، وما زوجه، أي وما أراد به تزويجا موجبا له، ويكون القول قوله وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: قال أصبغ ها هنا وروايته عن ابن القاسم مثل قول ابن كنانة في سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، خلاف قوله فيه، إن النكاح للطالب واجب لا يبالي بأن ذلك كان طلبه بهذا القول أو بنكاح كان قبله؛ لأن النكاح لا لعب فيه ولا اعتذار، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وذهب ابن المواز إلى أن النكاح لا يلزم بهذا الإقرار ولا بدعوى متقدمة. وهي أشبه الأقوال الثلاثة وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يدعي نكاح امرأة وهي تحت رجل آخر فأقام شاهدا واحدا أنه تزوجها قبله]
مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يدعي نكاح امرأة وهي تحت رجل آخر، فأقام شاهدا واحدا أنه تزوجها قبله، أيعزل عنها زوجها؟ قال: نعم، أرى أن يعزل عنها إذا أقام هذا شاهدا واحدا إلى أن يستبين ذلك، إذا كان ما يدعي أمرا قريبا ولا يدعي شهادة بعيدة. وكذلك الجارية يدعيان الحرية إذا أقام شاهدا واحدا، ويدعيان مع ذلك أمرا قريبا، يعني فيوقفان على صاحبهما ويخرجان من يده إلى ذلك، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: هذا كله صحيح على معنى ما في المدونة من وجوبها توفيق العرض المدّعى فيه بالشاهد الواحد. ونص ما في كتاب ابن
стр. 2130
المواز والواضحة: قال عبد الملك في الواضحة: ولا يعزل بدعواه فقط حتى يقيم شاهدا عدلا. وقال محمد بن المواز: فإن لم يصح لهما شاهد آخر، وكان ذلك بعيدا، حلف السيد، ولا شيء على الزوجة وعلى الزوج. فأما قوله: إنه لا شيء على الزوج ولا على الزوجة صحيح؛ لأنهما لو أقرا له أو أحدهما بما ادعاه من النكاح، لم ينتفع بذلك، ولو لم تكن المرأة تحت زوج وادعى رجل نكاحها وهما طاريان، وعجز عن إثبات ذلك، لزمتهما اليمين؛ لأنها لو أقرت له بما ادعاه من النكاح، كانا زوجين. وقد قيل: إنه لا يمين عليها؛ لأنها لو نكلت عن اليمين لم يلزمها النكاح. وهذا على الاختلاف في التي يزوجها وليها، فتنكر أن يكون ذلك بعلمها، إذ لا فرق بين المسألتين، لثبوت النكاح فيهما بإقرار الزوجة. وقد كان القياس إذا نكلت عن اليمين في المسألتين جميعا، أن يحلف الزوج، ويجب له النكاح، إلا أن ذلك لا يوجد لهم نصا. وقد ألزمها النكاح بالنكول في آخر سماع يحيى إذا كان سبب يدل على علمها به. وقد مضى القول على ذلك هناك. وأما قوله إذا حلف السيد فصحيح، على ما في المدونة وغيرها إذا كان ادعى على السيد أنه أعتقه وأقام على ذلك الشاهد. وأما إذا كان ادعى أنه حر من أصله، أو أن غيره أعتقه قبل أن يشتريه هو وأقام على ذلك شاهدا فلا يمين على الذي هو بيده، والواجب في ذلك أن يوقف عنه ويحال بينه وبين وطئها إن كانت أمة ويؤجل في طلب شاهد آخر، الشهر والشهرين والثلاثة، على ما في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق. وإن أراد أن يذهب إلى موضع يمينه، كان له ذلك بعد أن يعطي حميلا بقيمته. قاله ابن القاسم في سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وابن وهب في سماع يحيى من كتاب الشهادات، وفي توقيف غلته وخراجه إن كانت له غلة وخراج اختلاف. قيل: إنه يوقف ذلك، فإن استحق الحرية كان له ما وقف من خراجه. وقيل: إنه لا يوقف
стр. 2131
ذلك إلا في حال الإعذار بعد ثبوت الحرية بشاهدين. وقيل: لا يوقف ذلك أصلا. والغلة للذي في يديه حتى يقضى عليه بحريته، والثلاثة أقوال قائمة من المدونة.
[مسألة: ادعى نكاح امرأة فأنكرته وادعى بينة بعيدة]
مسألة وسئل عن رجل ادعى نكاح امرأة فأنكرته وادعى بينة بعيدة، هل يؤمر بالانتظار؟ قال: لا، إلا أن تكون بينة قريبة، ولا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لِمَا ادعى وجها.
قلت: فإن عجز وجاء ببينة بعد ذلك وقد نكحت المرأة أو لم تنكح؟ قال: قد مضى الحكم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يقبل منه بينة إن جاء بها بعد التعجيز، خلاف ما في سماع أصبغ، من كتاب الصدقات والهبات، وخلاف ظاهر ما في المدونة إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب والمطلوب. وقال: إنه يقبل منه القاضي ما أتى به بعد التعجيز، إذا كان لذلك وجه. وقد قيل: إنه لا يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز كان طالبا أو مطلوبا. وفرق ابن الماجشون في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه، قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان. وفي تعجيز الطالب ثلاثة أقوال، قبل هذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام. وقيل: بل فيه وفيما بعده من الحكام. وهذا الاختلاف إنما هو إذا عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه السلطان بعد التلوم والأعذار، وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه.
[مسألة: يزوج ابنته فيقيم بعد ذلك حسبته]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن الذي يزوج ابنته
стр. 2132
فيقيم بعد ذلك، حسبته قال: سنة أو سنتين، ثم يظهر بها جذام فيزعم الزوج أنه كان بها يوم تزوجها، ويقول: غرتني، ويقول الأب: بل زوجتك صحيحة، القول قول من قال: القول قول الأب.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم التمرة من سماع عيسى، فأغنى ذلك عن إعادته وبالله التوفيق.
[مسألة: يزوج ابنته فيخرج جهازا وشوارا فيقول أشهدكم أن هذا عارية في يدها]
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن الرجل يزوج ابنته فيخرج جهازا وشوارا، فيقول: أشهدكم أن هذا عارية في يد ابنتي، ولم يروا البنت ولم تحضر، فطلب الأب المتاع والشورة بعد ذلك، فلم يقدر عليه عند ابنته وقد شهد الشهود أنه أدخله بيت زوجها، فقال: إن كانت بكرا وقد علمت بالعارية فلا ضمان عليها، إلا أن يكون هلاكه يوم هلك بعد أن رضي حالها، فهي ضامنة، إلا أن يكون طرقها من ذلك أمر من الله تكون عليه بينة، وإن لم تكن علمت بذلك فلا شيء عليها أصلا وإن حسنت حالها، وإن كانت ثيبا فعلمت بذلك فهي ضامنة له، وإن لم تعلم فلا ضمان على واحد منهما، البكر والثيب، فيما لم يعلم ولم يقبله على وجه العارية. وقاله أصبغ، ولا شيء على الزوج في هذا كله إذا لم يستهلك هو شيء من ذلك استهلاكا. وهذا فيما يفضل عن صداقها وجهازها مما لم تجهز به من صداقها ولا عطية أبيها لها، وقال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن الرجل يتزوج المرأة ويبعث إليها بحلي ومتاع، ويشهد أن ذلك عارية، ولا يعلم ذلك أولياؤها. قال: هو كذلك على ما أشهد عليه من ذلك، إن أدركه كان له، وإن تلف ولم يعلم ما أشهد عليه حتى تقبله على وجه العارية فلا ضمان عليها.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا ضمان على الابنة فيما جهزها به
стр. 2133
الأب من المتاع، وأشهد أنه عارية عندها إذا لم تعلم بإشهاده، ولم تقبله على وجه العارية، وأنه لا ضمان على الزوجة فيما بعث به الزوج إليها من المتاع، وأشهد أنه عارية عندها إذا لم تعلم بذلك أيضا، ولم تقبله على وجه العارية صحيح، إذ ليس لواحد منهما أن يلزم أحدا ضمان ما لم يلتزم ضمانه، وحسبه أن ينفعه الإشهاد في استرجاع متاعه وإن طال زمان ذلك عند الابنة، وذلك خلاف ما مضى لسحنون في سماعه. وقد مضى القول على ذلك هنالك وبالله التوفيق.
[مسألة: زوج ابنته وهي بكر رجلا فأدخلها عليه ثم ادعى بعض ما جهزها به]
مسألة قلت: فلو زوج ابنته وهي بكر رجلا فأدخلها عليه ومضى لدخولها حين، ثم قام الأب فادعى بعض ما جهزها به، وزعم أنه إنما كان عارية منه ليجملها به وصدقته الابنة، أو أنكرت ما ادعى وزعمت أنه لها ومن جهازها؟ قال: القول قول الأب إذا قام بحدثان ما ابتنى الزوج بها، وليس للزوج مقال، والأب مصدق، ولا يلتفت إلى إنكار الابنة بذلك، ولا إلى إقرارها؛ لأن هذا من عمل الناس معروف، وذلك من شأنهم يستعيرون المتاع يتجملون به، ويكثرون بذلك الجهاز، إذا كان فيما بقي من المتاع وفاء بالمهر، فإذا كان هذا فليس للزوج فيه مقال، وسواء كان ذلك المتاع معروفا أصله للأب أو غير معروف هو فيه مصدق، إذا كان فيما بقي وفاء بالمهر.
قلت: فإن طال الزمان ثم قام الأب يدعي ذلك، وفيما بقي بعد ما ادعى وفاء بالمهر، وكان الأصل معروفا أو غير معروف، كانت الابنة مقرة أو منكرة، قال: إذا لم يعرف أصل المتاع وطالت حيازتها للمتاع الزمان الطويل، فإن للزوج في هذا مقالا، ولا أرى الأب فيه مصدقا إذا جاء مثل هذا من الطول والبعد، وأراه له بطول حيازتها.
стр. 2134
قلت: فإن كانت مقرة بأن المتاع للأب ولم تنكر ما ادعى الأب من ذلك، قال: لا يجوز إقرارها إذا بلغ هذا الحد من الطول؛ لأن إقرارها هنا عطية متبداة، ولا يجوز إقرارها إذا أراد عليها ذلك زوجها، وإن كان فيما بقي بعد ذلك وفاء بالمهر.
قلت: فإن عرف أصل المتاع للأب؟ قال: عرف أصله أو لم يعرف، فطول حيازتها له هذا الزمان يقطع دعوى الأب إذا أنكر الزوج أو المرأة.
قلت: فإن كان قيام الأب في ذلك بحدثان دخول زوجها بها، وكان أصل المتاع معروفا للأب، وليس فيما بقي من الجهاز ما فيه وفاء بالمهر؟ قال: فهو للأب إذا عرف أصله ويتبع الزوج الأب بوفاء الصداق حتى يتم له من الجهاز لابنته ما فيه وفاء ما أصدقها من المهر.
قال محمد بن رشد: قال: إن الأب مصدق فيما ادعى مما جهز به ابنته أنه كان عارية منه لها بشرطين: أحدهما أن يكون ذلك بحدثان البناء، والثاني أن يكون فيما بقي بعدما ادعى وفاء بالمهر، يريد أنه مصدق في ذلك مع يمينه، كذلك قال ابن حبيب، وزاد فقال: ولا أرى السنة فيه طولا. وهذا في الأب خاصة في ابنته البكر، وأما في الثيب، أو في وليته البكر، أو الثيب، فلا، وهو فيها كالأجنبي، وقاله بعض أصحاب مالك. فأما إيجابه اليمين في ذلك على الأب فصحيح، ولا يقال إن اليمين تسقط عنه من أجل أن الوالد لا يحلف لولده، إذ ليس ذلك عليه حكم باليمين، وإنما هو حكم لديه، إن شاء أن يأخذ ويحلف حلف وأخذ، وإن شاء أن يترك ترك، وإنما خص في ذلك الأب في البكر؛ لأنها في ولايته، ومالها في يده. فعلى قياس هذا، يكون في الثيب إذا كانت في ولايته، بمنزلته في البكر، ويكون الوصي فيمن إلى نظره في
стр. 2135
اليتامى الأبكار والثيب، بمنزلته فيها أيضا، ويحمل قوله: وأما في الثيب، أنه أراد بها الثيب التي لا ولاية له عليها. وقوله: فإذا كان هكذا، يريد إذا ادعى ذلك الأب بحدثان البناء، وفيما بقي وفاء بالمهر، فليس للزوج فيه مقال، كلام صحيح؛ لأنه إذا لم يكن فيما بقي وفاء بالمهر، فإنما يصدق فيما زاد على قدر الوفاء به، بخلاف إذا عرف أصل المتاع له؛ لأنه إذا عرف أصل المتاع له، فيأخذه ويتبعه بوفاء المهر، إذ من حقه أن يجهز زوجته به إليه. وأما قوله إذا ادعى الأب ذلك بعد طول زمان، إن للزوج في ذلك مقالا وإن كان فيما بقي وفاء بالمهر، إذا لم يعرف أصل المتاع للأب، مقرة كانت أو منكرة، وان طول حيازتها يقطع دعوى الأب إذا أنكر الزوج أو المرأة، ففيه نظر، إذ لا كلام للزوج فيما دون الثلث من مالها، إلا على وجه الحسبة، لكونها مولى عليها، لا تجوز عطيتها في شيء من مالها لأبيها ولا لغيره، فقوله: إن طول حيازتها يقطع دعوى الأب إذا أنكر الزوج، معناه إذا أنكر بالحسبة، إذ ليس له معنى ينكر له سوى ذلك. وفي قوله: إذا أنكر الزوج أو المرأة، دليل على أنهما لو لم ينكرا وسلما جميعا ورضيا لجاز ذلك للأب، وهو بعيد، إلا أنه دليل الخطاب. وقد اختلف في القول به، فلا ينبغي أن يعمل ها هنا. وفي الدمياطية لابن القاسم: إن الأب إنما يصدق فيما ادعى من جهاز ابنته بعد البناء أنه عارية لها، وإن كان فيما بقي وفاء بالمهر، إذا كان على أصل العارية بينة. والمشهور ما تقدم في المسألة التي قبل هذه أنه مصدق إذا أشهد على العارية، وإن طال الأمر إذا كان فيما بقي وفاء بالمهر، وإن لم يكن فيما بقي وفاء به صدق فيما زاد على قدر الوفاء به وبالله التوفيق.
[مسألة: السفيه ينكح بغير إذن وليه ثم مات أيتوارثان]
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن السفيه ينكح بغير إذن وليه ثم مات، أيتوارثان؟ قال: إن مات هو فلا ترثه، وإن ماتت هي فالنظر إلى وليه إن رأى أن يثبت النكاح ويأخذ له الميراث أخذه، وإن رأى أن يرده رده وتركه. قال سحنون مثله، قال أصبغ: ثم
стр. 2136
سمعته بعد ذلك يقول في السفيه يتزوج ثم يموت، إنها لا ميراث لها منه إذا لم يكن وليه علم وينتزع منها جميع ما أعطاها، إلا قدر ما تستحل به، ربع دينار، إذا كان أصابها.
قال محمد بن رشد: قوله: سمعته بعد ذلك يقول، ليس بخلاف لما حكاه عنه أولا، وإنما فيه زيادة التكلم على حكم الصداق أنه يبطل كما يبطل الميراث، ولا يكون لها شيء إلا قدر ما تستحل به الفرج، إذا كان قد دخل بها. ووجه هذا القول: أن النظر في النكاح يرتفع بموت السفيه، ولا يرفع بموت الزوجة. فإذا مات هو لم يكن لها صداق ولا ميراث، لكون النكاح محمولا على الرد حتى يجاز، وإذا ماتت هي نظر له الولي فيما يرى له من الحظ في إجازة النكاح أو رده، إذ قد يكون الميراث أكثر من الصداق، فيكون الحظ له في إجازة النكاح. وقد يكون الصداق أكثر من الميراث، فيكون الحظ له في رد النكاح. وقد قيل: إن نكاح السفيه بغير إذن وليه محمول على الجواز حتى يرد، وقيل: إن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما، وقيل: إن النظر فيه قائم لا يرتفع بموت من مات منهما. فيتحصل على هذا في المسألة ثمانية أقوال: أحدها هذا وهو قول مطرف وابن الماجشون، وأبيه، وعبد العزيز بن أبي حازم. والثاني أنهما يتوارثان ويمضي الصداق على القول بأن النكاح محمول على الإجازة حتى يرد وأن النظر في النكاح يرتفع بموت من مات منهما. وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه. والثالث أنهما لا يتوارثان، ويبطل الصداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها منه قدر ما يستحل به الفرج، على القول بأن النكاح محمول على الرد يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما. وهو قول ابن القاسم في العشرة، والرابع أن الميراث بينهما ثابت مراعاة الاختلاف ويبطل الصداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به الفرج،
стр. 2137
على القول بأن النكاح محمول على الرد حتى يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما، وهو قول ابن القاسم في العشرة. والخامس أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف وينظر في النكاح، فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي يوم وقع أجازه، كان لها الصداق، دخل أو لم يدخل. وإن كان على غير ذلك بطل الصداق إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به الفرج. وهو قول أصبغ في الخمسة. والسادس أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف، ويبطل الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة، فإن كان نكاح غبطة كان لها الصداق، وإن لم يكن نكاح غبطة بطل الصداق، إلا أن يكون كان الزوج قد دخل، فيكون لها قدر ما يستحل به الفرج. وهذا القول يتخرج على القول بأن النكاح على الرد حتى يجاز، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج، لا بموت الزوجة. والسابع أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف، ويثبت الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة على ما ذكرناه في القول الذي قبل هذا. وهذا القول يتخرج على القول بأن النكاح على الجواز حتى يرد، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج، لا بموت الزوجة. والثامن أنه ينظر في النكاح، فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي أجازه، كان الميراث بينهما، ووجب لها الصداق. وإن كان على غير ذلك لم يكن بينهما ميراث، ولا كان لها صداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج المرأة بعبد غائب]
مسألة قال: وسمعت ابن القاسم وسئل عن الذي يتزوج المرأة بعبد غائب قال: لا بأس به. وإن كانت غيبة بعيدة، وإن كان لا يدخل بها، وهي مثل الاشتراء لا بأس أن يشتريه إن كانت غيبة
стр. 2138
بعيدة. وإن كانت غيبة العبد قريبة في الذي تزوجت به فلا بأس أن يدخل بها مثل الاشتراء أيضا. وإن أصيب العبد فلها قيمته، قال: وإن لم تعلم المرأة العبد ولم يوصف لها فلا ينبغي التزويج على ذلك، كما لا ينبغي اشتراء عبد آبق، ولا بعير شارد، ولا شيء غائب غير موصوف، فإن وقع النكاح على ذلك فسخ، إن كان لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها كان لها صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: أجرى ابن القاسم النكاح بالعبد الغائب مجرى البيع في جميع الأحوال، فقال: إنه لا بأس أن يتزوج به وإن كانت غيبة بعيدة، يريد: ما لم يتفاحش بعد ذلك، وقد اختلف في حد ذلك، فحكى الفضل عن أصبغ أنه أجازه فيما بين إفريقية والمدينة، وأراه غلطا؛ لأن الذي حكى عليه ابن مزين، أنه إنما يجوز في مثل ما بين المدينة ومصر، وفيما بين مصر وإفريقية، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وزاد قال: وعلى مسيرة العشرين والشهر ونحوه. ولم يجز ابن القاسم أن يدخل بها في الغيبة البعيدة، كما لا يجوز النقد فيه. وقد أجاز أن يدخل بها في القريب الغيبة، كما لا يجوز النقد فيه. وحد القرب على ظاهر قوله إذا قاسه على الشهر اليوم واليومين والثلاثة، ونحو ذلك. وقال أصبغ: الأربعة والخمسة. وأجاز ابن حبيب للزوج أن يدخل بها في البعيد الغيبة، إلا أنه استحب أن يعطيها ربع دينار عند ابتنائه بها قبل قبضها الرقيق الغائبة، ففرق بين الدخول في النكاح، والنقد في البيع. وقوله: فإن أصيب العبد فلها قيمته، يريد في القريب الغيبة والبعيد، على ما اختاره من قول مالك، في أن المصيبة في الغائب الذي يشترى على الصفة من البائع حتى يقبضه المتاع، قربت غيبته أو بعدت. وقوله: إن لها قيمته، على أصله في أن الصداق إذا استحق وكان عرضا أن لها أن ترجع بقيمته. وعلى ما في رسم الطلاق من سماع أشهب، يكون لها
стр. 2139
صداق مثلها، إذ لا فرق بين المسألتين. وقد مضى القول على ذلك هنالك. وفي العشرة ليحيى أن المصيبة من المرأة بالعقد في النكاح، بخلاف البيوع. وزاد: ولو ماتوا قبل النكاح لا يفسخ النكاح، فيلزم على قياس قوله: إذا استحق الصداق وهو عرض قبل الدخول أن يفسخ النكاح، وكذلك إذا مات العبد الغائب المتزوج به بعد العقد وقبل القبض على القول بأن المصيبة من الزوج وبالله التوفيق. وأما إذا لم تعرف المرأة العبد ولم يوصف لها فلا إشكال ولا اختلاف في أنه نكاح فاسد، قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل وبالله التوفيق.
[مسألة: اليتيمة يزوجها وليها وقد أشعرت وقاربت الحيض]
مسألة وقال: في اليتيمة يزوجها وليها وقد أشعرت وقاربت الحيض وجرت عليها المواسي وشارفت الحيض فأنكحت برضاها فذلك جائز، وقاله أصبغ: حسن.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، وتحصيل القول عليها في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك أيضا في سماع ابن القاسم وأشهب وفي سماع عيسى.
[مسألة: تزوج امرأة بكرا فدخل عليها فافتضها بأصبعه ثم طلقها]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل تزوج امرأة بكرا فدخل عليها فافتضها بأصبعه، ثم طلقها، أترى أن يكون لها الصداق كاملا لأنه قد فعل ذلك على وجه النكاح؟ قال: نعم، وليس بمنزلة الأجنبي يفعل ذلك بها، أرى في الأجنبي أن يكون عليه
стр. 2140
بقدر ما شانها. أصبغ: إن قيل هذا على الاستحسان فعسى، وإنه لضعيف، والقياس أنه وغيره بالأصبع سواء. وهو رأيي لا أرى غرم ذلك عليه واجبا، ولها نصف الصداق.
قال محمد بن رشد: قد مضى لابن القاسم في سماع سحنون مثل قول أصبغ ها هنا، ومضى القول على المسألة هناك، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
[مسألة: يصيبه الجذام قبل الدخول فيفرق بينهما هل لها من الصداق شيء]
مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الذي يصيبه الجذام قبل الدخول، فيفرق بينهما هل لها من الصداق شيء؟ قال: ليس لها من الصداق قليل ولا كثير؛ لأنها فارقته ولم تصبر عليه، بمنزلة النصرانية تسلم قبل الدخول فلا يكون لها من الصداق شيء، كذلك قال في مسألتك: إنه لا صداق لها ولا شيء. قال أصبغ: وهو قول مالك في النصرانية أيضا، وهو قولنا جميعا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الزوج غلب على الفراق، ولم يكن منه طلاق، فوجب ألا يكون عليه شيء من الصداق؛ لأن الله إنما أوجب نصف الصداق قبل الدخول على المطلق بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، وقد مضى هذا المعنى وما يتعلق به في سماع سحنون، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج المرأة ثم يجد بها ضررا ترد منه وقد مسها]
مسألة قال أصبغ: قال: وسمعت ابن القاسم وسئل في الذي يتزوج
следующие страницы →