Полный текст (9 112 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ثنى رجليه، قيل له: فالمحمل؟ قال متربع مثل الجالس، فقيل له يثني رجليه عند السجود؟ قال إن صاحب المحمل يشق عليه أن يثني رجليه، فإن لم يشق عليه فليفعل ذلك، ولكن أخشى أن يشق عليه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وهو أمر لا اختلاف فيه، في المذهب أن الاختيار للمصلي جالسا في النافلة أن يكون متربعا، وأن الذي لا يقدر على القيام في صلاته يصلي متربعا.
وقد روي عن عائشة، ﵂، أنها قالت: «رأيت رسول الله ﷺ صلى متربعا» ، وما روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، يحتمل أن يكون معناه على التربع في موضع الجلوس.
ومن أهل العلم من ذهب إلى العاجز عن القيام في صلاته يجلس بدلا من قيامه كجلوسه في تشهده، وهو قول زفر وما ذهب إليه الجمهور، وهو القياس، أن يفرق بين القعود الذي هو بدل من القيام، وبين القعود الذي هو للتشهد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع» وهذا يدل على نقصان صلاة القاعد في النافلة متربعا عن صلاته غير متربع، إلا أنه حديث ليس بالصحيح.
[الصلاة في مسجد النبي ﷺ في النوافل]
ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي ﷺ في النوافل،
стр. 247
أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ قال مالك: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "شك" فلا فائدة في تكريره.
[مسألة: الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل ينظر ما يكون من شأن الميت]
مسألة وقال مالك في الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل من إخوانه ينظر في أمره مما يكون من شأن الميت، قال مالك: ما أرى بذلك بأسا أن يتخلف في أمره، ورآه سهلا.
قال محمد بن رشد: شهود الجمعة فرض واجب على الرجال الأحرار البالغين، فلا يحل لأحد منهم التخلف عنها إلا من عذر أو علة، لقول رسول الله ﷺ : «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه» . فمن العذر عند مالك ما ذكره من الاشتغال بشأن الميت، ومعناه إذا لم يكن له من يكفيه أمره وخاف عليه التغيير، وكذلك إذا كان في الموت يجود بنفسه يجوز له التخلف عنها بسببه قاله مالك بعد هذا.
وقد روي أن عبد الله بن عمر استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة وهو على الخروج إليها، فتركها وخرج إليه بالعقيق.
[مسألة: النداء الذي يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن أي النداء يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة؟
قال النداء الذي ينادى به والإمام جالس على المنبر، فإذا أذن تلك الساعة رفعت الأسواق فلم يبع فيه عبد ولا غيره.
стр. 248
قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة متكررة في رسم "نذر سنة" وفي رسم "العارية" من سماع عيسى، وهي مثل ما في المدونة وغيرها، لقول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قوله فلم يبع فيها عبد ولا غيره، يريد أن الأسواق يمنع أن يتبايع فيها العبيد أو غيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة، كما يمنع من ذلك من تجب عليه للذريعة، فإن باع فيها من لا تجب عليه الجمعة لم يفسخ بيعه.
وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد والنساء والمسافرين وأهل السجون والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم، فإن باع منهم من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه فسخ بيعه، كما يفسخ بيع من تجب عليه ممن لا تجب عليه ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن، وقيل إنها ترد إلى القيمة وقت البيع، وقيل بعد أن تحل الصلاة، وقيل إن البيع لا يفسخ وإن كانت السلعة قائمة وقد باء المتبايعان بالإثم ويتصدق البائع بالربح، وقيل ليس ذلك عليه.
[مسألة: التكبير أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات]
مسألة وسئل مالك عن التكبير، أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات؟ قال نعم. فقيل له: أفرأيت الناس في الآفاق، أترى أن يكبروا كذلك؟ قال إن كبروا لم أر بذلك بأسا، فأما الذين أدركت والذين أقتدي بهم فلم أرهم يكبرون إلا خلف الصلوات. علي بن زياد عن مالك في التكبير بعد الصلوات في أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولم يحد فيها مالك ثلاثا إلا أنا نستحسن ثلاثا، ولو زاد أحد أو نقص من ثلاثة لم أر به بأسا.
стр. 249
قال محمد بن رشد: مثل هذا كله في المدونة، إلا أن التحديد في رواية علي بن زياد وقع فيها من قول مالك، وهنا من قول علي بن زياد. واستحب ابن حبيب التهليل والتحميد مع التكبير، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، وذلك كله واسع.
[مسألة: الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء]
مسألة وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء، فكره ذلك، فقيل له فإن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع إليه الناس ويكبرون، قال ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: كره مالك هذا وإن كان الدعاء حسنا وأفضله يوم عرفة؛ لأن الاجتماع لذلك بدعة. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» ، وسيأتي هذا المعنى متكررا في رسم "صلى نهارا ".
[مسألة: الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع]
مسألة وسئل مالك عن الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع، فقنت معهم ثم صلى، قال: هذا لم يدرك من الصلاة شيئا وعليه القنوت، ولم يره مثل من أدرك معهم ركعة فقنت، ذلك القنوت مجزئ عنه ولا يقنت في الأخرى.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح؛ لأنه إذا لم يدرك الركوع من الركعة الثانية فلا يعتد بالقنوت كما لا يعتد بما أدرك من السجود. وأما إذا
стр. 250
ركع الركوع من الركعة الثانية فلا يقنت في الركعة التي يقضي، كان الإمام ممن يقنت بعد الركوع فقنت معه أو ممن يقنت قبل الركوع فلم يدركه معه، وهذا على القول بأن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، وأما على القول بأن ذلك أول صلاته وعلى مذهب أشهب الذي يقول إنه بان في القراءة وصفة القيام والجلوس، فعليه أن يقضي القنوت أدركه مع الإمام أو لم يدركه، والله أعلم.
[مسألة: النفر يكونون في المسجد يقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا]
مسألة وسئل مالك عن النفر يكونون في المسجد فيخف أهل المسجد فيقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال إنما هذا يشبه الغناء. فقيل له: أفرأيت الذي قال عمر لأبي موسى: ذكرنا ربنا، قال من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، ووالله ما سمعت هذا قط قبل هذا المجلس، وكره القراءة بالألحان وقال هذا عندي يشبه الغناء، ولا أحب أن يعمل بذلك، وقال إنما اتخذوها يأكلون بها ويكسبون عليها.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك ﵀ للقوم أن يقولوا للحسن الصوت: اقرأ علينا إذا أرادوا بذلك حسن صوته كما قال، لا إذا قالوا ذلك له استدعاء لرقة قلوبهم بسماع قراءته الحسنة، فقد روي أن رسول الله، ﵇، قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» ، أي ما استمع لشيء مما استمع لنبي يحسن صوته بالقرآن طلبا لرقة قلبه بذلك.
وقد كان عمر بن الخطاب إذا رأى أبا موسى الأشعري قال: ذكرنا ربنا فيقرأ
стр. 251
عنده، وكان حسن الصوت، فلم يكن عمر ليقصد الالتذاذ بسماع صوته، وإنما استدعى رقة قلبه بسماع قراءته القرآن، وهذا لا بأس به إن صح من فاعله على هذا الوجه.
وقول مالك: إن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، إنما اتقى أن يكون التحدث بما روي عن عمر بن الخطاب من هذا ذريعة لاستجازة القرآن بالألحان ابتغاء سماع الأصوات الحسان والالتذاذ بذلك حتى يقصد أن يقدم الرجل للإمامة لحسن صوته لا لما سوى ذلك مما يرغب في إمامته من أجله.
فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «بادروا بالموت ستا» فذكرها أحدها بشر يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها، فالتحذير إنما وقع في الحديث لإيثارهم تقديم الحسن الصوت على الكثير الفقه، فلو كان رجلان مستويين في الفضل والفقه وأحدهما أحسن صوتا بالقراءة لما كان مكروها أن يقدم الأحسن صوتا بالقرآن؛ لأنها مزية زائدة محمودة خصه الله بها.
وقد قال رسول الله ﷺ لأبي موسى الأشعري تغبيطا له بما وهبه الله من حسن الصوت: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» . وأما ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، فقيل معناه من لم يستغن به، أي من لم ير أنه به أفضل حالا من الغني بغناه، وقيل معناه من لم يحسن صوته بالقرآن استدعاء لرقة قلبه بذلك. وقد قيل لابن أبي مليكة أحد رواة الحديث فمن لم يكن له حلق يحسنه، قال يحسنه ما استطاع. والتأويل الأول أولى؛ لأن
стр. 252
قوله في الحديث «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» يدل على أن من لم يفعل ذلك فهو مذموم، وليس من قرأ القرآن ابتغاء ثواب الله من غير أن يحسن صوته به مذموما على فعله، وبالله التوفيق.
[مسألة: الغلمان في الكتاب أيصلي بهم بعضهم ولم يحتلم]
مسألة وسئل مالك عن الغلمان في الكتاب، أيصلي بهم بعضهم ولم يحتلم؟ فقال: ما زال ذلك من فعل الصبيان وخففه، فقيل له: فالنساء في قيام رمضان؟ فقال: إن النساء ليفعلن ذلك، وغير ذلك أعجب إلي أن يقدموا المحتلم أو العبد.
قال محمد بن رشد: إنما خفف للغلمان أن يأتموا بالغلام، وكره ذلك للنساء في النافلة وإن كانت الصلاة للغلمان نافلة؛ لأن الغلمان غير مكلفين فلم يلزمهم انتقاء من يأتمون به، وإن كان ائتمامهم بالبالغ الذي تلزمه المحافظة على الطهارة والنية أولى بهم، والنساء مكلفات داخلات في عموم قول النبي، ﵇: «أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون» ، فمن النظر لهن أن لا يأتممن في صلاتهن النافلة بمن لم يحتلم إذ لا يأمن أن يصلي بهن بغير طهارة، إذ لا حرج عليه في ذلك. ألا ترى إلى شهادته إذا ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور إذ لا حرج عليه في ذلك.
[مسألة: اشتمال الصماء في الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الصماء كيف هي؟ قال: يشتمل الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار، فقيل له: أفرأيت إن لبس هكذا وعليه إزار؟ قال لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار. قال
стр. 253
ابن القاسم: وتركه أحب إلى للحديث، ولست أراه ضيقا إن كان عليه إزار.
قال محمد بن رشد: القول الأول هو القياس؛ لأن الحكم إذا ثبت لعلة وجب أن يزول الحكم بزوال العلة. ووجه القول الثاني مخافة الذرائع ولئلا يرى الجاهل الذي لا يعلم علة نهي النبي، ﵇، عن اشتمال الصماء ما هي، فيرى العالم يشتمل الصماء على ثوب فيشتملها على غير ثوب.
[مسألة: الرجل يقرأ للناس في المسجد فيمر بسجدة فيسجد أترى أن يسجدوا]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد إليه النفر إبان الصلاة فيقرأ لهم فيمر بسجدة فيسجد، أترى أن يسجدوا؟ قال لا أحب له أن يسجد ولا يسجدوا معه، وأرى أن ينهى عن ذلك، فإن أبى أن ينتهي وإلا لم يقعد إليه. فقيل له فإنهم جلسوا إليه وشأنهم القرآن فلا يسجدون إذا مروا بسجدة إذا سجد؟ فقال أما أنا فلم أكن أفعل ذلك ولا أحب لأحد أن يفعله.
قال محمد بن رشد: قوله في إبان الصلاة، أي في وقت تحل فيه الصلاة. وجلوس القوم إلى الرجل الذي يقرأ القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يجلسوا إليه للتعليم، فهذا جائز أن يجلسوا إليه وواجب أن يسجدوا بسجوده إذا مر بسجدة فسجد فيها، واختلف إن لم يسجد فيها، فقيل إنهم يسجدون وإن لم يسجد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل إنه لا سجود عليهم إذا لم يسجد، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، ومثله في الأثر الواقع في المدونة. وقد اختلف في المقرئ الذي يقرأ عليه القرآن، فقيل إنه يسجد بسجود القارئ إذا كان بالغا في أول ما يمر بسجدة، وليس عليه السجود فيما بعد ذلك، وقيل ليس ذلك عليه بحال. والثاني أن يجلسوا
стр. 254
إليه ليستمعوا قراءته ابتغاء الثواب في استماع القرآن، فهذا جائز أن يجلسوا إليه، ويختلف أن يجب عليهم أن يسجدوا بسجوده إذا مر بسجدة فسجد، فقال في آخر هذه الرواية إنهم لا يسجدون بسجوده، وقال ابن حبيب إنهم يسجدون بسجوده إلا أن يكون من لا يصح أن يأتم به من امرأة أو صبي.
والذي في المدونة محتمل للتأويل، والأظهر منها أنهم لا يسجدون بسجوده مثل هذه الرواية. والثالث أن يجلسوا إليه ليقرأ ويسجد بهم، فهذا يكره أن يجلسوا إليه وأن يسجدوا بسجوده، وهو معنى قوله في أول هذه الرواية ونص قوله في المدونة.
[مسألة: الرجل يدخل في رمضان وقد صلى الناس ركعة من الركعتين الأوليين]
مسألة قال: وسئل عن الرجل يدخل في رمضان وقد صلى الناس ركعة من الركعتين الأوليين من التسليمة، كيف يصنع إذا سلم الإمام من الركعة الثانية؟ قال: لا يسلم وليدخل معهم في الركعة الثالثة بإحرامهم فإذا فرغوا من الركعة قعد فتشهد ثم سلم ثم قام معهم فأدركهم في صلاتهم، فإذا فرغ الإمام قام فصلى الركعة الأخرى وهي الرابعة.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه يدخل معهم لركعته الثانية التي فاتته في ركعتهم الثالثة التي ابتدءوا بها مؤتما بهم فيها، وقد نص على ذلك ابن حبيب عن ابن القاسم، وهو بعيد؛ لأنه يصير مؤتما بهم في الثالثة التي يدخل فيها معهم وهو قد أحرم قبلهم ثم يسلم من صلاته أيضا قبلهم، وهذا خلاف سنة الائتمام بالإمام في الصلاة، إلا أنه نحو ما كان من فعل أبي بكر، ﵁، إذا صلى بالناس في مرض النبي ﷺ ، فلما خرج رسول الله ﷺ وهو يصلي، استأخر فجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي، ﵇، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر
стр. 255
إذا قلنا إن النبي ﷺ كان الإمام في تلك الصلاة على ما يدل عليه ما وقع في البخاري من أن رسول الله ﷺ كان عن يسار أبي بكر؛ لأن أبا بكر قد عاد مؤتما به ﷺ في بقية الصلاة وقد أحرم قبله فيها، فهذا نحو ظاهر هذه الرواية وما حكى ابن حبيب عن ابن القاسم.
وقد قيل إن أبا بكر، ﵁، لم يخرج عن إمامته في هذه الصلاة وإنه كان الإمام فيها بالنبي، ﵇، وهو الصحيح في النظر. ويصح أن يتأول عليه ما في الأثر والذي في سماع أشهب مخالف لظاهر هذه الرواية، وذلك أنه قال فيها: يقضي لنفسه الركعة التي فاتته ويتوخى أن يكون قيامه موافقا لقيامهم وركوعه موافقا لركوعهم وسجوده موافقا لسجودهم من غير أن يأتم بهم فيها، وهو أحسن وأصح في المعنى والنظر. وسحنون وابن عبد الحكم يقولان: إنه يقضي لنفسه الركعة التي فاتته ويخفف فيها ثم يدخل مع الإمام، وهذا أولى ما قيل في هذه المسألة، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يكون مع صاحبه فيمرض مرضا شديدا أيدع الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون مع صاحبه فيمرض مرضا، شديدا، أيدع الجمعة؟ قال لا إلا أن يكون في الموت.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في أول هذا الرسم فلا وجه لإعادته.
[مسألة: الذي يكون في المسجد فتقام الصلاة أيقيم الصلاة في نفسه]
مسألة قال: وسئل عن الذي يكون في المسجد فتقام الصلاة، أيقيم الصلاة في نفسه، قال لا، قيل له: ففعل؟ قال: هذا مخالف.
قال محمد بن رشد: قوله هذا مخالف، أي مخالف للسنة؛ لأن السنة أن يقيم المؤذن الصلاة دون الإمام والناس، بدليل ما روي أن رسول
стр. 256
الله ﷺ لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وحانت الصلاة جاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم. وإنما الذي يجب للناس في حال الإقامة أن يدعوا لأنها ساعة الدعاء، قال رسول الله ﷺ : «ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء والصف في سبيل الله » .
[مسألة: حكم صلاة من يمر تحت السقائف فيقع عليه ماء]
مسألة قال: وسئل مالك عن الذي يمر تحت السقائف فيقع عليه ماء، قال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب الوضوء، وزاد فيها من سماع عيسى منه زيادة فيها تفسير.
[مسألة: يصلي في السقائف وبينه وبين الإمام والصفوف فضاء]
مسألة وسئل عن الذي يصلي في السقائف وبينه وبين الإمام والصفوف فضاء مثل ما يصيب الناس في مكة من الحر، قال: أما من خاف حر الشمس ولم يقو عليه فلا أرى به بأسا، والفضل في التقدم.
قال محمد بن رشد: استخف ترك تقدمه إلى الصفوف لضرورة حر الشمس، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لجازت صلاته إن كان معه غيره باتفاق، وإن لم يكن معه غيره على اختلاف، وقد مضت العلة في ذلك في أول رسم "شك في طوافه ".
стр. 257
[مسألة: الرجل يبطن خفيه بدم الطحال]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يبطن خفيه بدم الطحال، قال لا أحبه، وكره أن يبطن به الخف. قال سحنون: فإن صلى بها لم تكن عليه إعادة.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح؛ لأن الطحال قد خرج عن أن يكون دما بقول رسول الله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والحوت والجراد» ، فإنما الطحال طعام يكره أن يبطن به الخف لحرمته، كما يكره غسل اليد بشيء من الطعام.
[مسألة: الرجل يكون في أرض خوف من اللصوص هل يجوز له أن يخفف صلاته]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في أرض خوف من اللصوص، هل يجوز له أن يخفف صلاته؟ قال رب تخفيف لا ينقص من الصلاة، فأما أن ينقص من صلاته فلا.
قال محمد بن رشد: الذي يباح له من التخفيف أن ينقص من طول القيام والركوع والسجود والجلوس، وأقل ما يجزئه من القيام قدر ما يقرأ فيه أم القرآن، ومن الركوع والسجود أن يتمكن راكعا وساجدا، ومن الجلوس مثل ذلك، فإن نقص من شيء من ذلك بطلت صلاته، وإن لم يزد على هذا القدر فترك التشهد وما سوى أم القرآن من القراءة كان قد أساء ولم تجب عليه إعادة الصلاة إن كان قد اعتدل في القيام من الركوع والرفع من السجود، وإن كان لم يعتدل في ذلك أعاد، وقيل يستغفر الله ولا يعيد، وبالله التوفيق.
стр. 258
[مسألة: يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه]
مسألة وقال مالك: لا أحب لأحد أن يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه.
قال محمد بن رشد: معناه عندي إذا خشي إن ظفر به غرماؤه أن يبيعوا عليه ماله بالغا ما بلغ وينتصفوا منه ولا يؤخروه، وهو يرجو لتغيبه أن يتسع في بيع ماله إلى القدر الذي يجوز تأخيره إليه عند بعض العلماء.
وأما إن خشي أن يسجنه غرماؤه وهو عديم، فقال سحنون في كتاب ابنه: إنه لا عذر له في التخلف، وفي ذلك نظر؛ لأنه يعلم من باطن حاله ما لو تحقق لم يجب عليه سجن، لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، فهو مظلوم في الباطن محكوم عليه بحق في الظاهر.
وأما إن خشي أن يعتدي عليه الحاكم فيسجنه في غير موضع سجن أو يضربه أو يخشى أن يقتل فله أن يصلي في بيته ظهرا أربعا ولا يخرج.
[مسألة: الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثة]
مسألة وسئل عن الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثة، فكره ذلك وقال: لا أحب لباسها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدمت والقول فيها في آخر رسم "شك"، فلا فائدة في إعادة ذلك.
[مسألة: الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد أيستحب ذلك]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد، أيستحب ذلك؟ قال إن كان قد بلغ موضع الأدب وعرف ذلك ولا يعبث في
стр. 259
المسجد فلا أرى بأسا، وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة مكشوف لا يفتقر إلى بيان، إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المساجد، قال الله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وفي الحديث: «أن الناس كانوا إذا رأوا أول التمر جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ دعا بالبركة في التمر وللعام ثم يدعو أصغر ولد يراه فيعطيه إياه» .
ومحمل أمره أنه كان في المسجد. وكان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي في الصلاة فيتجوز في الصلاة مخافة أن تفتن أمه، وإلا فالكراهة في إدخالهم فيه إذا كانوا لا يقرون فيه ويعبثون؛ لأن المسجد ليس بموضع العبث واللعب، وبالله التوفيق.
[مسألة: القراء الذين يقرؤون للناس]
مسألة وسئل عن القراء الذين يقرؤون للناس عندنا، فكرهه وعابه وقال: ما كان يعمل هذا على عهد عمر بن الخطاب، ولا أرى هذا صوابا، ولو كان يقرأ واحد ويثبت من قرأ عليه ويفتي لم أر به بأسا، فأما أن يقرأ ذا ويقرأ ذا فلا يعجبني. قال لي ابن القاسم: ثم خففه بعد ذلك وقال: لا بأس فيه، قال ابن القاسم: وهذا رأيي.
стр. 260
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "سلعة سماها " موفى فليس لإعادة ذلك معنى.
[مسألة: الإمام يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه حشمه ثم يسير أيقصر الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن أمير المدينة وخرج على مسيرة ثلاثة أميال من المدينة وهو يريد الإقامة به حتى يتكامل ظهره فيه ويأتي أكرياؤه بإبلهم ويجتمع إليه حشمه، أترى أن يقصر الصلاة؟ قال لا؛ لأن هذا لم يخرج يريد المسير، وإنما خرج ليقيم حتى تتكامل له حوائجه، فلا يقصر إلا من أجمع على المسير.
قال محمد بن رشد: قال مالك في هذه المسألة إن الإمام يتم، وقال في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات " بعد هذا في الذي يخرج من الفسطاط إلى بير عميرة وهو يقيم ثم اليوم واليومين مثل ما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس ويفرغوا إنه يقصر الصلاة.
والفرق عندي بين المسألتين أن الأمير إنما خرج ليقيم حتى يجمع حشمه ويأتي أكرياؤه قرب ذلك أو بعد، وحينئذ يسير، فوجب أن لا يقصر، إذ لم يعزم على المسير قبل أربعة أيام.
ولو خرج على أن يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه حشمه ويأتي أكرياؤه ثم يسير لوجب أن يقصر كما قال في مسألة جب عميرة، إذ قد عزم على أن يسير قبل أربعة أيام. وقد كان بعض الشيوخ يفرق بينهما بأن الأمير لما كان لا يمكنه السفر إلا مع حشمه وقد لا يجتمع إليه حشمه، وجب أن يتم، ولما كان الخارج إلى جب عميرة يمكنه السفر وإن لم يجتمع الناس وجب أن يقصر، وليس هذا بصحيح، إذ المنفرد لا يمكنه السفر أيضا. ومنهم من كان يحمل المسألتين على التعارض ويرى ذلك اختلافا من القول، ويقول الأمير كان أحق بالقصر من المسافر لأنه قادر على أن يجبر حشمه على الخروج معه، ولا يقدر المسافر على إخراج الناس معه، وليس ذلك أيضا بصحيح، إذ المعنى إنما
стр. 261
هو في عزمه على التحرك من المكان الذي تقدم إليه قبل أربعة أيام، لا على قدرته على جبر من يخرجه معه، بدليل أنه لو كان قادرا على أن يجبر من يخرج معه على الخروج بعد أربعة أيام من خروجه لوجب أن يتم ولم يصح له القصر، وإنما وجب أن يقصر إذا خرج على أن يتحرك من المكان الذي تقدم إليه مع من يجتمع من الأكرياء وإن كان لا يتأتى له السفر دونهم؛ لأن الغالب من أمرهم أنهم يخرجون إلى الميعاد الذي جرت عادتهم بالخروج إليه ولا يتأخرون عنه، وكون غلبة الظن كاليقين أصل في الشرع، وبالله التوفيق.
[مسألة: أيحصب الرجل أحدا يوم الجمعة إذا تكلم والإمام يخطب]
مسألة قال: وقيل لمالك أيحصب الرجل أحدا يوم الجمعة إذا تكلم والإمام يخطب؟ قال لا، وليقبل على شأنه.
قال محمد بن رشد: قد روى مالك في موطاه عن نافع أن عبد الله بن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة، فحصبهما أن اصمتا، فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله تعالى.
[مسألة: التكبير في العيدين قرب الصلاة أيكبر بالطريق وفي قعوده]
مسألة وسئل مالك عن التكبير في العيدين يغدو الرجل قبل الفجر أو بالغلس قرب الصلاة، أيكبر بالطريق وفي قعوده؟ قال مالك ليس يكون التكبير إلا قرب طلوع الشمس في الإسفار البين الذي يكون عند طلوعها، فيكبر الرجل تلك الساعة وفي المصلى حتى يخرج الإمام، فقيل له: التكبير في العيدين جميعا؟ قال: نعم. قال سحنون: أخبرني علي بن زياد أنه لا تكبير إلا على من غدا بعد طلوع الشمس، وهي السنة، وقاله سعيد بن المسيب.
стр. 262
قال محمد بن رشد: الأصل في التكبير في الغدو إلى صلاة عيد الأضحى تكبير الحاج عند رمي جمرة العقبة، فهو الذي يتحرى، ولذلك قال مالك في رواية علي بن زياد عنه إنه لا تكبير إلا على من غدا بعد طلوع الشمس؛ لأنه وقت الاختيار في الرمي.
ومن أهل العلم من يرى أن الرمي لا يجزئ قبل طلوع الشمس، ورأى في رواية ابن القاسم عنه التكبير إذا غدا قرب طلوع الشمس أولى من تركه، لقرب ما بين الوقتين، ولجواز الرمي في ذلك الوقت عنده، وإن كان الاختيار أن يكون بعد طلوع الشمس.
والتكبير عند الغدو إلى صلاة عيد الفطر محمول على ذلك عند جميع من يرى التكبير من العلماء، وهم الجمهور، لقوله : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] فيكبر عند مالك في العيدين إذا غدا إلى المصلى، وفي المصلى حتى يخرج الإمام. فيكبر بتكبيره وقد قيل إنه يكبر في الطريق ولا يكبر في المصلى، وإلى هذا ذهب الطحاوي لأنه حكى عن ابن عمر وأبي قتادة أنهما كانا يكبران في غدوهما إلى المصلى حتى يأتيا المصلى، وحكي عن شعبة مولى ابن عباس قال. كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون فيقول: ما. شأن الناس أكبر الإمام؟ فأقول لا، فيقول أمجانين الناس؟ قال فيحمل إنكار ابن عباس التكبير على التكبير في المصلى حتى لا يختلف ما روي في ذلك عن الصحابة. قال: وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه أنكر التكبير يوم الفطر وقال إنما يفعله الحواكون، قال وما رويناه عن سواه أولى.
[الرجل يكون في الصلاة فيحول خاتمه في أصابعه أصبع أصبع للركوع في سهوه]
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل عن الرجل يكون في الصلاة فيحول خاتمه في أصابعه أصبع أصبع للركوع في سهوه، قال لا بأس بذلك وليس عليه فيه سهو، وإنما ذلك بمنزلة الذي يحسب بأصابعه لركوعه.
стр. 263
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم له في أول رسم "شك " في الذي يحصي الآي بيديه في صلاته، فأجاز ذلك وإن كان الشغل اليسير مكروها في الصلاة؛ لأنه إنما قصد به إصلاح صلاته. وقوله إنه ليس عليه فيه سهو، يريد أنه لا سجود عليه فيه صحيح لأنه لم يفعل ذلك ساهيا، ولو فعله ساهيا مثل أن ينسى أنه في صلاة، لتخرج إيجاب السجود عليه لذلك على قولين.
[مسألة: الإمام يطيل القعود في اثنتين فسبح به أصحابه فقام أترى عليه سجود سهو]
مسألة وسئل مالك عن الإمام إذا طول القعود في اثنتين فسبح به أصحابه فقام، أترى عليه سجود سهو؟ قال لا. قال سحنون: إن طول القعود جدا حتى يخرجها عن حدها ينبغي أن يسجد.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هو الصواب؛ لأن تقصير الجلسة الوسطى من مستحبات الصلاة لا من سننها، ولا يجب السجود إلا في نقصان السنن لا في نقصان الاستحباب. وكذلك يقول ابن القاسم أيضا: إنه لا سجود عليه إذا أطال القيام بعد الركوع أو الجلوس بين السجدتين، مثل أن يشك في شيء من صلاته فيثبت على حاله متفكرا فيما شك فيه حتى يذكر، قاله في سماع موسى، وأشعب يرى عليه في هذا السجود، بخلاف إذا كان ثبوته للتذكر في موضع شرع تطويله في الصلاة، فهو قول ثالث في المسألة أصح من قول ابن القاسم ومن قول سحنون؛ لأن ترك تطويل القيام بعد الركوع وفيما بين السجدتين من السنن لا من الاستحباب.
[مسألة: الرجل يتنفل ويقول أخاف أن أكون ضيعت في حداثتي]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتنفل ويقول: أخاف أن أكون ضيعت
стр. 264
في حداثتي فأنا أجعل هذا قضاء لتلك إن كنت فرطت، قال ما سمعت أحدا من أهل الفضل فعل هذا، وما هو من عمل الناس. قال محمد بن رشد: وجه هذا السؤال ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن أتمها وإلا قيل أنظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» ، وهذا معناه والله أعلم فيمن سها عن فريضة ثم ذكرها فكان عليه أن يصليها ثم نسيها ولم يذكرها إلى أن مات، وأما من نسيها ولم يذكرها أصلا إلى أن توفي فلا يحاسب بها لقول النبي، ﵇: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ» الحديث، وأما من تركها عمدا أو نسيها ثم ذكرها فلم يصلها فلا تجزئه النافلة عنها؛ لأن الأعمال بالنيات، ولا تجزئ نافلة عن فريضة. وكذلك إذا شك في أن يكون ضيع شيئا من صلواته لا تجعل نافلته قضاء مما شك فيه، بل ينبغي له أن يصلي بنية القضاء حتي يوقن أنه قد صلى أكثر مما ضيع، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يصلي فيما بين الأسطوانتين وبينه وبين سترته قدر مصلى صفين]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيما بين الأسطوانتين، فيكون مقعده مستقبل القبلة، فيصلي في مجلسه وبينه وبين سترته قدر مصلى صفين، قال ليس ذلك بصواب أن يصلي كذلك. قال والعلماء مختلفون، فمنهم من يقوى على أن يعظ الناس ومنهم من
стр. 265
لا يقوى على ذلك، وذكر ذلك في موعظة الذين يصلون إلى غير سترة أواجب هو؟ قال لا أدري ما واجب، ولكنه حسن.
قال محمد بن رشد: زيادته في الجواب قال: والعلماء مختلفون إلى آخر قوله، يدل على أنه سقط من السؤال ما تفتقر إليه هذه الزيادة، وأراه قال في سؤاله كما يفعل الناس فلا ينكر العلماء عليهم.
وقوله إن موعظة الذي يصلي إلى غير سترة حسن وليس بواجب صحيح؛ لأن وعظ من ترك الواجب واجب، ووعظ من ترك المستحب حسن، والصلاة إلى السترة من مستحبات الصلاة ليس من واجباتها.
[مسألة: الرجل يصلي مع الإمام في رمضان الوتر فيوتر معه ثم يريد أن يصلي]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي مع الإمام في رمضان الوتر فيوتر معه، فيريد أن يصلي وتره بركعة أخرى ويوتر هو بعد ذلك، قال لا، ولكن يسلم معه ويقوم فيصلي بعد ذلك لنفسه ما أحب، قال: قال لي مالك قبل ذلك: ويتأنى قليلا أعجب إلي.
قال محمد بن رشد.: وجه كراهيته للداخل مع الإمام في الوتر أن يشفع وتره، يريد وقد صلى بعد العتمة أشفاعا يوترها له هذا الوتر، قول رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» . وإذا لم يسلم بسلامه وشفع وتره فقد خالفه في أن ائتم به في شفع وهو في وتر.
وأما لو أوتر مع الإمام بعد أن صلى العتمة قبل أن يصلي نافلة لشفع وتره كما قال في المدونة: إذا أوتر معه قبل أن يصلي العتمة. ومن أهل العلم من يقول: إن الوتر لا يكون إلا في آخر ما يصلى من النوافل، وأن من صلى نافلة بعد أن أوتر انتقض وتره وأوتر مرة أخرى، ومنهم من يقول: إذا أوتر أول الليل بعد أن صلى نافلة ثم أراد أن يصلي آخر الليل يشفع وتره بركعة ثم يصلي ما شاء
стр. 266
ويوتره مرة أخرى، وهذا القول مشهور في السلف ويسمونه مسألة نقض الوتر، ولهذا الاختلاف وقع هذا السؤال هاهنا. وأما استحبابه إذا سلم معه أن يتأنى قليلا قبل أن يصلي فهو مثل ماله في المدونة، ووجهه مراعاة ما روي من «أن رسول الله ﷺ كان يأمر من صلى أن لا يتنفل حتى يتقدم أو يتكلم» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرقيق العجم يريدون أن يطعموا ويعلموا الإسلام والصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الرقيق العجم يشترون في رمضان وهم مقيمون في بلد فيريدون أن يطعموا ويعلموا الإسلام والصلاة، فيجيبوا إلى أن يصلوا كما يعلمون ويريدون الأكل فيخبرون بذلك ولا يفقهون ما يراد به منهم، أترى أن يجبروا على ذلك أم يطعموا؟ قال أرى أن يطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفق بهم حتى يعلموا ويعرفوا الإسلام.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأنهم إذا لم يفقهوا معنى ما يراد منهم فلا معنى لتجويعهم، إذ لا فائدة لصيامهم بغير نية، ولا تصح النية إلا ممن يفقه معناها.
[مسألة: حكم جعل المقصورة في المسجد]
مسألة قال مالك: إن أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، قال فجعل مقصورة من طين وجعل فيها تشبيكا.
стр. 267
قال محمد بن رشد: وجه قوله الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي ولا عهد الخلفاء بعده، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم، فاتخاذها في الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانا وتغلق أحيانا فالصف الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصف الأول هو اللاصق بجدار القبلة في داخلها.
روي عن مالك ذلك. وقوله جعل فيها تشبيكا يريد تخريما يرى منه ركوع الناس فيها وسجودهم للاقتداء بهم.
[مسألة: الرجل لا يدرك من الجمعة إلا التشهد أيركع ركعتين نافلة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل لا يدرك من الجمعة إلا التشهد فيقعد مع الإمام بتكبيرة فيتشهد ثم يسلم الإمام، أيركع ركعتين نافلة؟ أو يقوم يصلي أربعا؟ قال لم يتنفل استنكارا لذلك، ثم قال بل يصلي أربعا كما هو إذا سلم الإمام. قال مالك: وأحب إلي أن يبتدئ بتكبيرة أخرى، ولو صلى بذلك التكبير أجزأ عنه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها؛ لأنه إذا أدرك الإمام في التشهد فإنه يحرم على أن يصلي أربعا؛ لأنه قد علم أن الجمعة قد فاتته، واستحبابه أن يبتدئ بتكبيرة أخرى هو مثل استحبابه في المدونة لمن دخل مع الإمام في التشهد الأخير أن يقوم بتكبير، وخلاف أصله فيمن أدرك من صلاة الإمام ركعة أو فاتته منها ركعة في غير المغرب أنه يقوم بغير تكبير.
ومن الناس من ذهب إلى أن يفرق بين الموضعين، وليس بصحيح. وأما مسألة الاختلاف لو أدرك الإمام وقد رفع رأسه من الركوع فأحرم معه وهو يظن أنه في الركعة الأولى فإذا هو في الركعة الثانية، فقال مالك في كتاب ابن المواز: إنه يبني على إحرامه مع الإمام أربعا، واستحب أن يجدد إحراما آخر بعد سلام الإمام من غير أن يقطع. ويأتي على قول
стр. 268
أشهب في أول سماع سحنون على رواية ابن وهب عن مالك في الذي يرعف يوم الجمعة قبل عقد ركعة أنه لا يبني على الإحرام، بخلاف من رعف في غير الجمعة قبل عقد ركعة أنه لا يبني على إحرامه في هذه المسألة؛ لأنه أحرم بنية الجمعة ركعتين.
[مسألة: الرجل يدعو في الصلاة فيقول يا لله يا رحمان]
مسألة وسئل عن الرجل يدعو في الصلاة فيقول: يا لله يا رحمان، قال: يقول يا رحمان، ثم قال واللهم أبين عندي. فقيل له: يدعو بما دعت به الأنبياء؟ قال نعم، في كتاب الله ﵎ اللهم. قال محمد بن رشد: قوله واللهم أبين عندي أي أحب إلي، لا أن إجازة الدعاء بيا رحمان غير بين، إذ لا اختلاف بين المسلمين أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى المختصة به.
[مسألة: الفرجة يراها الرجل وأمامه صف أيشقه إليها]
مسألة وسئل مالك عن الفرجة يراها الرجل وأمامه صف، أيشقه إليها؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا جائز لا بأس به كما قال، لما جاء من الترغيب في سد الفرج.
[مسألة: الرجل يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة أيصلي قبل أن يغسل يديه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة، أترى أن يصلي قبل أن يغسل يديه؟ قال ليغسل يديه قبل أن يصلي أحب إلي.
стр. 269
قال محمد بن رشد: ما استحب مالك من غسل يديه قبل الصلاة من اللحم النيء كما استحبه لأن المروة - والنظافة مما شرع في الدين، وقد استحب في المدونة أن يتمضمض من اللبن [واللحم] ، ويغسل الغمد إذا أراد الصلاة، فكيف باللحم النيء.
[مسألة: أفيقرأ المسافر في الظهر بسبح والمطففين]
مسألة قال مالك: وقد كان ابن حزم يطيل القراءة في الظهر، فقيل له قدر كم؟ فقال: الكهف وما أشبهها، فقيل أفيقرأ المسافر بسبح وويل للمطففين، فإن الأكرياء يسرعون بهم؟ قال: لا بأس بذلك، فقيل له فإذا زلزلت وما أشبهها؟ قال هذه قصار جدا، كأنه يقول: لا.
فقال أصبغ: سألت ابن القاسم عن إمام مسجد عشيرة وما أشبهه يقرأ بقل هو الله أحد وما أشبهها في صلاة الصبح، قال الصلاة تامة. قال سحنون: وقد أخبرني ابن وهب «عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما من القرآن شيء إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بالناس به» ، فلذلك رأيت أن يجزئ.
قال محمد بن رشد: التطويل في قراءة الصبح والظهر مستحب غير واجب، وهما سيان فيما يستحب فيهما من التطويل. ألا ترى أنه استخف في المدونة للمسافر في الصبح من التخفيف القدر الذي استخفه له هاهنا في الظهر.
ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول قراءة من الثانية في الصبح والظهر، لما جاء من «أن رسول الله ﷺ كان يطيل أول ركعة من الظهر وأول ركعة من الغداة» ، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى الاختيار في الظهر دون
стр. 270
الصبح أن تكون الركعتان الأوليان متساويتين في القراءة، كما أن الركعتين الآخرتين متساويتان في القراءة. ويستحب أن لا يقرأ في الصبح والظهر في مساجد الجماعات بدون طوال سور المفصل، ويقرأ في المغرب بقصارها، وفي العشاء الآخرة بوسطها.
واختلف في العصر فقيل هي والمغرب سيان في قدر القراءة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل إنها والعشاء الآخرة سيان فيما يستحب فيهما من قدر القراءة. واختلف في حد المفصل فقيل إنه من الحجرات، وقيل إنه من سورة ق، وقيل إنه من سورة الرحمن، روي ذلك عن ابن مسعود، والصحيح قول من قال إنه من سورة ق؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصل مكي.
روي عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله على رسوله المفصل بمكة فكنا حججا نقرأ ولا ينزل غيره.
ومن الدليل على ذلك ما روي عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف كنتم تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة، وفي بعض الآثار كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن فذكر نحوه؛ لأن القرآن يأتي على هذا سبعة أحزاب بعدد الأيام، المفصل منها حزب من أول سورة ق؛ ولأن الستة الأحزاب تتم إذا عدت السور بسورة الحجرات، ويحتمل أن تكون سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود بعد سورة الحجرات، فلذلك قال فيها إنها أول المفصل والله أعلم. وأما جواز صلاة من لم يقرأ في الصبح إلا بقل هو الله أحد فهو إجماع.
ومن الدليل على ذلك قول الله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . وقول الرسول ﷺ : «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
стр. 271
خراج» . وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي استدل به فلا دليل فيه، إذ ليس فيه أنه سمع النبي ﷺ يؤم الناس في الصبح بقل هو الله أحد، فالذي يحمل عليه أنه إنما سمعه يؤم الناس بها في المغرب، والله أعلم.
[مسألة: الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه]
مسألة وسمعت مالكا يقول: إن أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره، وقد كان مسمتا، فقيل له: أفعيب ذلك عليه؟ قال: قد قال سحنون: عيب ذلك عليه، وهذا مكروه من الفعل.
قال محمد بن رشد: قال سحنون: الرجل المسمت هو عباد بن كثير، ويروى مسبئا أي يسبأ الثناء عليه، فجائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على أحدهما دون الآخر؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام، وكان من محدثات الأمور.
وأما الاعتماد على اليدين عند القيام من الجلسة الوسطى فمرة استحبه مالك وكره تركه، ومرة استحبه وخفف تركه، ومرة خير فيه، وسيأتي القول على هذا في رسم "باع غلاما "، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يقوم الليل أو جله فيأتي إلى صلاة الصبح وهو ناعس]
مسألة وسئل مالك عن الذي يقوم الليل أو جله فيأتي إلى صلاة الصبح وهو ناعس، أفيستحب ذلك له؟ فقال: أما الذي يغلبه النوم
стр. 272
في صلاته فلا أحبه، فقيل له: إنه يصيبه النوم والنعاس، قال: أما النعاس والكسل والتكسير فلا بأس به ما لم يصبه نوم يغلبه في ذلك.
قال محمد بن رشد: أما قيام جل الليل إذا لم يوجب ذلك عليه أن يغلبه النوم في صلاة الصبح فذلك من المستحب المندوب إليه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] . واختلف قول مالك في قيام جميعه مع أن لا يوجب ذلك عليه أن يغلبه النوم في صلاة الصبح، فمرة أجازه لأن قيام الليل فعل بر فاستيفاء جميعه نهاية في ذلك، ومرة كرهه مخافة السآمة عليه والملل، فقد قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . ولما قيل له في الحولاء بنت تويت إنها لا تنام الليل كره ذلك ﷺ حتى عرفت الكراهية في وجهه وقال: «إن الله لا يمل حتى تملوا اكفلوا من العمل ما لكم به طاقة» . وقال، ﵇، في الذي صام الدهر «لا صام ولا أفطر» .
وقع اختلاف قوله في رسم "باع غلاما " بعد هذا. وأما إذا كان إذا قام الليل لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب عليه فذلك مكروه له، قام الليل أو جله قولا واحدا، لقوله ﵇: «لا إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله
стр. 273
يذهب يستغفر فيسب نفسه» . فيحصل بين أمرين: إما أن يصلي على هذه الحال التي قد نهي عن الصلاة فيها، أو يرقد فتفوته صلاة الصبح في جماعة. وقد قال عثمان بن عفان، ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة، وذلك لا يقوله إلا عن توقيف، وبالله التوفيق.
[القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة]
ومن كتاب سن رسول الله قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس.
قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف؛ ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بين والله أعلم. وقد مضى من هذا المعنى في رسم "سلعة سماها "، وتأتي المسألة متكررة في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى.
[مسألة: علم الإمام أنه لا يستطيع أن يصلي قائما]
مسألة وقال مالك: إذا علم الإمام أنه لا يستطيع أن يصلي قائما فليأمر غيره يصل بالناس، وليقعد، وليس من هيئة الناس اليوم أن يصلوا جلوسا. قال مالك: لم يفعل ذلك أبو بكر ولا عمر بعد النبي ﷺ فيما بلغنا، ولعل هذا شيء نسخ، والعمل على حديث ربيعة أن أبا بكر كان يصلي والنبي ﷺ يصلي بصلاته. وقال مالك عن ربيعة: ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته.
стр. 274
قال محمد بن رشد: قوله ليس من هيئة الناس اليوم أن يصلوا جلوسا، أي ليس من هيئتهم أن يصلي المريض الجالس بالأصحاء قياما، يريد أن ذلك إنما كان من هيئة النبي ﷺ لمرتبته التي لا يشاركه فيها غيره، فكان ذلك من خواصه ﷺ . وقوله بعد ذلك ولعل هذا شيء نسخ والعمل على حديث ربيعة إلى آخر قوله، يدل على أنه لم يرد ذلك من خواصه ﷺ ، وأنه كان شرعا شرعه لأمته ثم نسخه عنهم بما كان من فعله أيضا في ذلك المرض الذي توفي فيه.
وقد تعارضت الآثار في ذلك فجاء في بعضها ما دل على أن النبي ﷺ لما خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس تأخر أبو بكر عن الإمامة وتقدم رسول الله ﷺ فصلى بالناس بقية صلاتهم وهو جالس والقوم خلفه قياما، وجاء في بعضها ما يدل على أن أبا بكر لم يتأخر عن الإمامة، وأن رسول الله ﷺ إنما صلى مؤتما بأبي بكر، فمن الناس من صحح ما دل منها أن النبي ﷺ كان الإمام ورأى ذلك شرعا لأمته ثم لم ينسخه عنهم ولا اختص به دونهم، فأجاز إمامة المريض جالسا بالأصحاء قياما، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك، وفي هذا نظر، كيف أم النبي ﷺ الناس في صلاة قد دخلوا فيها قبله، إلا أن يتأول أنه أحرم خلف أبي بكر ودخل في الصلاة معه، ثم حينئذ تقدم فصار هو الإمام رجع أبو بكر مأموما، فيستقيم معنى الحديث ويصح التعلق به لمن أجاز إمامة الجالس منه.
ومنهم من صحح أيضا ما دل منها أنه كان الإمام إلا أنه رأى ذلك من خواصه، فلم يجز لأحد بعده إذا كان مريضا أن يؤم الأصحاء قياما، وهو قول مالك في هذه الرواية على ما قلناه.
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كان منه ﷺ في صلاتين فكان في الصلاة الأولى هو الإمام، وائتم في الثانية بأبي بكر، فكان فعله في الصلاة الثانية ناسخا لفعله في الصلاة الأولى.
وإلى هذا ينحو آخر قول مالك في هذه الرواية على ما قلناه. فعلى هذا التأويل تخلص الآثار من التعارض، فهو أولاها بالصواب، والله أعلم. فإن أَمَّ المريض جالسا بالأصحاء قياما على ما في رواية ابن القاسم عن مالك أجزأته وأعاد القوم
стр. 275
أبدا، وقد قيل: إنهم لا يعيدون إلا في الوقت مراعاة لقول من يجيز ذلك ابتداء، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك. وقد قال بعض أصحاب مالك: إن الإمام يعيد، وهو بعيد، وستأتي هذه المسألة أيضا في آخر رسم "استأذن " من سماع عيسى.
وأما ما روي «عن النبي ﷺ من أنه صلى وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» فلا اختلاف بين أهل العلم أن ذلك منسوخ إلا ما جاء عن أسيد بن الحضير، وجابر بن عبد الله أنهما عملا بعد النبي ﷺ بذلك، وهو شذوذ، فإن صلى المريض بالأصحاء جلوسا أعادوا في الوقت وبعده، وقد قيل: إنهم لا يعيدون إلا في الوقت، وهو بعيد لضعف الاختلاف في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: يكبر الإمام إذا صعد المنبر في العيدين]
مسألة قال مالك: من السنة أن يكبر الإمام إذا صعد المنبر في العيدين، ويكبر في الخطبة الثانية.
قال محمد بن رشد: التكبير من شعار العيد. روي عن الحسن بن علي أنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس أحسن ما نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد: البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار» . ولم يحد مالك، ﵀، في تكبير الإمام في الخطبة حدا، قاله في رسم "اغتسل " بعد هذا، وقال ابن حبيب: إنه يكبر في
стр. 276
مبتدأ الخطبة الأولى تسع تكبيرات، وفي مبتدأ الثانية سبع تكبيرات، وفي خلال كل فصل ثلاث تكبيرات، وحكي ذلك عن مطرف وابن الماجشون، قال: وقد روي عن أبي هريرة أنه يكبر في مبتدأ الخطبة خمس عشرة تكبيرة، والاقتصار على الأولى أحب إلينا.
[مسألة: يصلي المريض المكتوبة على المحمل]
مسألة قال: ولا يصلي المريض المكتوبة على المحمل، وإن اشتد مرضه حتى ينزل بالأرض فيصلي عليها وإن كان يومئ إيماء، ولا يصلي مكتوبة على المحمل.
قال ابن عبد الحكم: إنما ذلك إذا كان المريض يقوى إذا نزل بالأرض على الصلاة جالسا وساجدا؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل إيماء وهو ممن يقوى على السجود، فإذا كان ممن إذا نزل بالأرض لم يقو على الصلاة إلا مضطجعا وإيماء فلا بأس أن يصلي على المحمل؛ لأن الحالة قد استوت به، ورواه يحيى عن ابن القاسم عن مالك.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وظاهر روايته هذه عن مالك وما في المدونة أن المريض لا يصلي المكتوبة على المحمل أصلا وإن لم يقدر على السجود بالأرض ولا على الجلوس، ورواية يحيى عن ابن القاسم عن مالك أنه يجوز له أن يصلي على المحمل إذا لم يقدر على السجود وإن قدر على الجلوس، ومثله رواية أشهب عن مالك بعد هذا، فهي ثلاثة أقوال على ما ذكرناه، فرواية يحيى عن ابن القاسم عن مالك مخالفة لقول عبد الحكم ولرواية أشهب عن مالك، فسياقة العتبي لرواية يحيى على أنها مثل قول ابن عبد الحكم سياقة فاسدة، فتدبر ذلك وقف عليه إن شاء الله، وبه التوفيق.
стр. 277
[مسألة: الصلاة على السرير]
مسألة وقال لا بأس بالصلاة على السرير، وهو عندي مثل الفراش يكون على الأرض للمريض.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو أمر لا اختلاف فيه؛ لأن الصلاة على السرير كالصلاة في الغرف وعلى السطوح، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يكون في الصلاة فيخرج الرجل من الصف]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في الصلاة فيخرج الرجل من الصف، قال إن كان إلى جنبه فإني أرى أن يشير إليه بالتسوية إذا كان ذلك شيئا يسيرا، فأما الصف يتعرج فإني أرى أن يقبل على صلاته ولا يشتغل به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن اشتغاله بالإقبال على صلاته آكد عليه من الاشتغال بتقويم الصف إذا اعوج؛ لأن الإقبال على صلاته مما يخصه بخلاف تقويم الصف.
[مسألة: حكم وضوء من ينام وهو قاعد]
مسألة وسألته عن الذي ينام وهو قاعد، قال مالك: لا أرى عليه وضوءا إلا أن يتطاول ذلك، ومن الرجال من ينام في المسجد فيتطاول به النوم عامة الليل حتى يذهب ليل طويل وهو قاعد، فأما إذا كان مثل يوم الجمعة وما أشبهه فلا أرى في ذلك شيئا، فقيل له: يا أبا عبد الله ربما رأى الرؤيا في ذلك، فقال: إنما ذلك أحلام وليست برؤيا، فلا أرى في مثل هذا وضوءا.
وحدث ابن القاسم عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان ينام وهو جالس ثم يصلي
стр. 278
ولا يتوضأ. قال مالك فلا أرى الوضوء إلا على من تطاول ذلك عليه، فأما الرجل ينام يوم الجمعة والإمام يخطب وما أشبهه فلا أرى عليه وضوءا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن النوم ليس بحدث فتنتقض الطهارة بقليله وكثيره، وإنما هو سبب للحدث. قال رسول الله ﷺ : «العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» ، فلا يجب الوضوء إلا من النوم الذي يمكن إذا كان منه الحدث ألا يشعر به، فالقدر الذي يحكم على النائم بانتقاض وضوئه من أجله يختلف باختلاف هيئته في نومه، وهو على أربع مراتب: أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها بالنوم الاضطجاع، ثم السجود، ثم الجلوس والركوب، ثم القيام والاحتباء. واختلف في الركوع فقيل إنه كالقيام، وقيل إنه كالسجود، واختلف أيضا في الإسناد فقيل: إنه كالجلوس وقيل: إنه كالاضطجاع.
فإذا نام الرجل مضطجعا وجب عليه الوضوء بالاستثقال وإن لم يطل، وإذا نام ساجدا لم يجب عليه الوضوء إلا أن يطول، وقيل: إنه يجب عليه بالاستثقال وإن لم يطل، وإذا نام جالسا أو راكعا فلا وضوء عليه إلا أن يطول، وإذا نام قائما أو محتبيا فلا وضوء عليه وإن طال؛ لأنه لا يثبت، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
[مسألة: أصابه الرعاف يوم الجمعة بعد أن صلى ركعة فغسل الدم عنه]
مسألة قال مالك: فيمن أصابه الرعاف يوم الجمعة بعد أن صلى ركعة فغسل الدم عنه، قال: أرى أن يرجع إلى المسجد فيركع ركعة، وإن صلى في بيته ابتدأ أربعا؛ لأن الجمعة لا تصلى في البيوت.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أرى أن يرجع إلى المسجد، أنه
стр. 279
يرجع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه، وهو المشهور في المذهب. ومن أصحابنا من يقول إنه يتم صلاته في أقرب المساجد إليه، وهو الذي يدل عليه تعليله بأن الجمعة لا تصلى في البيوت.
وجه القول الأول أن المسجد شرط في صحة الجمعة، فإذا دخل في الجمعة في مسجد ما تعين عليه إتمام الصلاة في ذلك المسجد. ووجه القول الثاني أنه لا يتعين عليه إلا إتمام الصلاة في مسجد لا في ذلك المسجد بعينه.
ويدل تعليله أيضا على أن الجمعة لو أقيمت في مسجد سوى المسجد الجامع لأجزأت خلاف ما ذهب إليه القاضي أبو الوليد من أن ذلك لا يجوز إلا أن تنتقل إليه الجمعة على التأبيد.
[مسألة: نسي صلوات كثيرة فذكرها في وقت صلاة]
مسألة قال ابن القاسم فيمن نسي صلوات كثيرة فذكرها في وقت صلاة، إن كانت صلاة يوم وليلة فأدنى بدأ بها ثم صلى الصلاة التي حضرته وإن فات وقتها، وإن كانت أكثر من ذلك بدأ بالصلاة التي حضرته ثم قام فقضى ما فاته.
قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية حد الصلوات الكثيرة الذي يبدأ بما حضر وقته عليها ست صلوات فزائدا، وروى ابن سحنون عن أبيه أن حدها خمس صلوات فزائدا، وقد قيل إن حدها أربع صلوات فزائدا على ظاهر ما في المدونة.
والصواب أن حدها أكثر ما قيل في ذلك وهي الست الصلوات للاتفاق على أنها كثيرة؛ لأن ظاهر قول النبي ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، يقتضي بحمله على عمومه، إذ الصلاة من ألفاظ العموم، أن يبدأ بالفوائت، قلت أو كثرت ساعة يذكرها قبل ما هو في وقته، فلا يخصص من هذا العموم إلا ما يتفق على تخصيصه منه وهو الكثير، وبالله التوفيق.
стр. 280
[الرجل يصلي في الإزار والرداء فيجد الحر فيطرح رداءه على منكبيه]
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك عن الرجل يصلي في الإزار والرداء فيجد الحر ويكون متربعا فيطرح رداءه على منكبيه، قال: أما النافلة فأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: يكره للرجل أن يصلي مكشوف الظهر والصدر، فاستخف ذلك في النافلة لشدة الحر، ولو لم يفعل لكان أحسن.
[مسألة: الوتر يقرأ فيه الرجل بأم القرآن وحدها ثم يركع]
مسألة وسئل عن الوتر يقرأ فيه الرجل بأم القرآن وحدها ثم يركع، فإذا رفع رأسه ذكر أنه لم يقرأ فيه إلا بأم القرآن وحدها، كيف يصنع؟ قال أرى أن يمضي وتره على حاله، فقيل له: أترى عليه سجود سهو؟ قال: لا وخففه وقال: ألا ترى أن ركعتي المكتوبة اللتين تكونان في آخر الصلاة ليس يقرأ فيهما إلا بأم القرآن وحدها، فلا أرى في مثل هذا سجود سهو.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن سجود السهو إنما يجب لنقصان السنن لا لنقصان الاستحبابات، وقراءة ما عدا أم القرآن في الوتر مستحب.
[مسألة: الجمع بين المغرب والعشاء في المطر]
مسألة وسئل عن الجمع بين المغرب والعشاء كيف هو يكون المطر دائما لا ينقطع وليس لتعجيلها أمر يتعجلان فيه منفعة لأن المطر كما هو، قال أرى أن تجمعا، وما زال الناس يجمعون، فأرى أن تعجل العشاء قليلا عن وقتها وتؤخر المغرب إلى العشاء. قيل له فإنهم إذا
стр. 281
فرغوا من المغرب قام المؤذنون يؤذنون واحدا بعد واحد كأنهم يريدون أن يبطئوا بالعشاء قليلا، قال: ذلك أحسن ولا أرى به بأسا، وذلك رفق بالناس في جمع الصلاتين. فقيل له إنه ربما تجلت السماء وانقطع المطر إلا أنه يكون الطين والوحل فيجمعون، فكأنه لم ير به بأسا، قال ما زال الناس يجمعون.
قال محمد بن رشد: سلم السائل قوله إن الجمع لا منفعة لهم فيه لتمادي المطر، وليس ذلك ببين، بل هم مع تمادي المطر في الجمع أعذر، والرخصة لهم فيه أكثر، للمشقة الداخلة عليهم في الذهاب والرجوع مرتين مع تمادي المطر.
وظاهر هذه الرواية أنه أجاز الجمع في الطين والوحل وإن لم يكن مطر ولا ظلمة، إذ لم يشترط الظلمة، وذلك خلاف قوله في المدونة والواضحة، وخلاف ما في قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب، وقد مضى التكلم في وقت الجمع بينهما في رسم "شك في طوافه " فلا وجه لإعادته.
[التكبير خلف الصلوات بأرض العدو]
مسألة وسئل مالك عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو، وقال ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة، فقيل له: فإن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح، فقال هو ما أحدثه المسودة.
قال محمد بن رشد: المسودة هم القائمون على بني أمية بدولة بني العباس، وكانت لهم ألوية سود فنسبوا إليها، وأنكر في هذه الرواية التكبير دبر الصلوات بأرض العدو، وسكت عنه في غير دبر الصلوات، وأجازه في الجهاد من المدونة، وفي سماع أشهب من كتاب الجهاد بحضرة العدو وبغير حضرتهم وسكت عن دبر الصلوات، فكل واحدة من الروايتين مبينة لصاحبتها. وحكى ابن حبيب أن أهل العلم يستحبون التكبير في العساكر
стр. 282
والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء وصلاة الصباح تكبيرا عاليا ثلاث تكبيرات، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديما، وسمعتهم يكرهون التطريب في ذلك وأن يتقدمهم واحد بالتكبير أو التهليل ثم يجيبه الآخرون بنحو من كلامه جما غفيرا، ولا بأس أن يخترق تكبيره، وما ذهب إليه مالك من كراهية التكبير دبر الصلوات أظهر؛ لأنه أمر محدث لم يكن في الزمن الأول، ولو كان لذكر ونقل، والله أعلم.
[الصلاة في مثل مساجد الحرس أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين]
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسألت مالكا عن الصلاة في مثل مساجد الحرس، أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين؟ فكره ذلك وقال: لا أحب أن تجمع في المسجد صلاة واحدة مرتين يجمع فيها بعد الصلاة.
قال ابن القاسم: إذا كان المسجد يجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعضها فلا تجمع فيه صلاة مرتين. قال ابن القاسم: قال لي مالك كل مسجد تجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعض فلا أرى أن يجمع فيه مرتين ما يجمع فيه وما لا يجمع.
قال مالك: وقد كان بالمدينة هاهنا مساجد يجمع فيها المغرب والعشاء والصبح ولا يجمع فيها الظهر والعصر. قال ابن القاسم: ولا أعلم إلا أنه كان من قوله فلم يكن يجمع فيها صلاة واحدة مرتين مما لم يكن يجمع فيه.
وفي رواية أشهب وابن نافع من كتاب الصلاة قال: وسئل مالك عن مساجد بالإسكندرية يحرس فيها يصلى فيها المغرب والعشاء والصبح بالأذان والإقامة، ولا يصلى فيها الظهر والعصر، فربما شهدنا الجنازة بالنهار فصلينا فيها الظهر
стр. 283
والعصر فتجمع فيها الصلاة منها مرتين، أترى ذلك واسعا؟ قال نعم لا بأس بذلك، وأما الصلوات التي تجمع فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: رواية ابن القاسم في المنع من الجمع مرتين في المسجد الذي يجمع فيه بعض الصلوات التي لا تجمع فيها، تأتي على أن الجمع في مسجد واحد مرتين كره لوجهين:
أحدهما: تفريق الجماعة.
والثاني: لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع في اعتزالهم أهل السنة وتفرقتهم بأئمتهم؛ لأن الصلاة التي لا تجمع فيه إذا جمع فيه مرتين كل ذلك ذريعة لأهل البدع إلى ما يذهبون إليه من إظهار بدعهم وإن لم يكن في ذلك تفريق جماعة، إذ ليس لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق. ورواية أشهب تأتي على أن الجمع مرتين في مسجد واحد إنما كره لعلة واحدة وهي تفريق الجماعة، فإذا لم يكن لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق جاز الجمع فيه مرتين، فهذا وجه الروايتين.
[مسألة: يصلي العصر ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي ثم يذكر صلى]
مسألة وسئل عن الرجل يصلي العصر لنفسه ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي الثانية فيركع ركعتين ثم يذكر أنه قد صلى، قال: أرى أن يضم إليها أخرى، فقلت له: يا أبا عبد الله أتكون صلاة بعد العصر؟ فقال قد كان المنكدر يصلي، وقد كان عمر ينهاه عن ذلك، وقد جاء فيها بعض ما جاء، فالشيء إذا كان صاحبه لا يريد به خلاف السنة، وإنما يفعله على غير خلاف السنة رأيت أن يفعل ذلك للذي جاء فيه من الرخصة، وإنما كره من ذلك ما كان صاحبه يتعمد به خلاف الحق.
قال محمد بن رشد: النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس نهي ذريعة، وإنما حقيقة الوقت
стр. 284
المنهي عن الصلاة فيه عند الطلوع وعند الغروب. ألا ترى أن رجلين لو كان أحدهما قد صلى العصر والثاني لم يصلها لجاز للذي لم يصل العصر أن يتنفل ولم يجز ذلك للآخر والوقت لهما جميعا وقت واحد، فإنما نهي الذي صلى العصر عن الصلاة بعد العصر حماية للوقت المنهي عن الصلاة فيه، لا لأن الصلاة فيه حرام.
روي عن المقدام ابن شريح: «قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله ﷺ بعد الظهر والعصر، قالت: كان يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين. ثم كان يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين، قال فقلت: فأنا رأيت عمر يضرب رجلا رآه يصلي بعد العصر، فقالت: لقد صلاهما عمر ولقد علم أن رسول الله ﷺ صلاهما، ولكن قومك أهل اليمن قوم طغام فكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر وإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب فقد أحسن» .
فلما كان هذا الذي صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه قد صلاها في وقت ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه لأن الصلاة فيه حرام، وجب أن يتم ركعتين ولا يبطل عمله، لقول الله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، فهذا وجه قول مالك والله أعلم.
ولو ذكر قبل أن يركع لكان الأظهر أن يقطع على قياس قوله في مسألة رسم "أوله مرض " بعد هذا، ولو ذكر قبل أن يركع من صلاة يصلي بعدها لجرى ذلك على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في كتاب الصيام من المدونة في الذي يظن أن عليه يوما من رمضان فيصبح صائما، ثم يعلم أنه لا شيء عليه، وبالله التوفيق.
стр. 285
[مسألة: القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف]
مسألة وسئل عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف، فكره ذلك كراهية شديدة وعابه وقال لا يفرق القرآن وقد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه، لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: أنزل الله ﵎ القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي ﷺ شيئا بعد شيء حتى كمل الدين، واجتمع القرآن جملة في الأرض كما أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا، فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه والله أعلم.
[مسألة: الصلاة في الحمام وقراءة الآية والآيتين]
مسألة قال مالك: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام وأن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام، معناه إذا أيقن بطهارته؛ لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه «نهى عن الصلاة في سبعة مواطن، أحدها الحمام» ، ومعنى النهي عن ذلك عند مالك لما يتقى من نجاسته إذ هو موضع يتخذ للاغتسال من النجاسة وغيرها، فينبغي أن يحمل داخله على النجاسة حتى يوقن بطهارته، وخارجه حيث يخلع الناس ثيابهم على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة.
ولعله تكلم في هذه الرواية على خارج الحمام، ولذلك لم يشترط أن يعلم طهارة الموضع الذي صلى فيه، وتكلم في المدونة على داخله، ولذلك اشترط طهارة الموضع فقال: إذا كان مكانه طاهرا فلا بأس به، ولم يجز أن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث، على سبيل الارتياع والتعوذ لأنه قرآن كريم، فواجب أن يجل على أن يتلى في المواضع
следующие страницы →