Полный текст (9 112 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ولم يشغله عن صلاته فلا إعادة عليه، قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقول مالك: وليس في الأحاديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ فعل ذلك من ضرورة، وظاهرها العموم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك كان في أول الإسلام، وحين كان يجوز في الصلاة الكلام، ثم نسخ ذلك كما نسخ الكلام، فروي «عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فأمرنا بالسكوت والقنوت والخشوع والإقبال على الصلاة وترك الاشتغال بغيرها من فعل ومن قول» . وقد مضى العمل في الصدر الأول وما بعده على ترك مثل هذه الأفعال في الصلاة، فدل على أنهم علموا النسخ فيها؛ إذ لا يجمعون على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عندهم، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف وهو ممن لا يتحفظ في الوضوء، فقال: أرجو أن يكون ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون ذلك واسعا يدل على أن الاختيار عنده أن يتنحى عنه حتى لا يكون في قبلته، وسيأتي بيان هذا في رسم "الجواب" من سماع عيسى.
[مسألة: المسافرين ينزلون بالقرية فيحبسهم الرجل فيقدموه ليتم بهم الصلاة]
مسألة وسئل عن المسافرين ينزلون بالقرية، فيحبسهم الرجل من أهل القرية، فيريدون أن يقدموه ليتم بهم الصلاة. فقال: لا أحبه،
стр. 457
أحب إلي أن يقدموا رجلا منهم ليقصر بهم. قال: وبلغني أن سالم بن عبد الله كان يسافر، فيقال له إذا نزل القرية: هذا أمير القرية وهذه الصلاة وهذه الجمعة، فلا يأتيه. قلت له: ولم ترك ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: أرى ذلك أنه يجب أن يصلي صلاة المسافر ويكون على حاله، ما كان ألزم الناس لما أدركوا عليه أوليتهم وما ذلك بسواء. أما إذا نزل المسافرون برجل في غنمه أو قريته، فأرادوا أن يجمعوا معه فأرى ذلك ولا أرى به بأسا؛ لأنه أحق بمنزله ومسجده، وكان ابن عمر يصلي بمنى مع الإمام أربعا، فإذا صلى وحده صلى ركعتين. ولقد كان منزله واسعا لو شاء صلى وحده، فما أرى بذلك بأسا. قال: وصاحب المنزل أولى بالصلاة بهم، فقلت: وإن كان عبدا؟ قال: نعم وإن كان عبدا. وقد كان عبد لعائشة يؤمها في الصلاة وعندها ناس يصلي بها وبهم. قلت له: أيؤم العبد في رمضان؟ قال: أما في مساجد الجماعات فلا، وأما في أهله فلا بأس بذلك.
قال الإمام أبو الوليد: قد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم "شك في طوافه" منه القول في تقديم المسافرين للمقيم ليتم بهم الصلاة، وفي رسم "باع غلاما منه " الوجه في كون صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي المسجد المرتفع المعلق والصلاة قائمة أيصلي تحته بصلاته]
مسألة وسئل عن الذي يأتي المسجد المرتفع المعلق على العمد والصلاة قائمة فلا يجد فيه موضعا، أيجزئه أن يصلي تحته بصلاته؟ فقال: ما يعجبني أن يصلي أمامه، ولكن لو صلى في الفضاء من
стр. 458
ورائه. فقلت له: أرأيت القوم يكونون في السفينة فتضيق عنهم فيكون بعضهم فوقها وبعضهم فيها، فقال: ليس السفينة مثل هذا ولا بأس بذلك، صاحب السفينة في البحر لا يجد بدا من ذلك. قيل له: فأين أحب إليك أن يكون الإمام؟ فقال: لا أدري أي ذلك أصوب؟ أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ قيل: أرأيت إذا كان القوم تضيق عليهم السفينة حتى لا يقدروا أن يصلوا إلا جلوسا، أيصلون؟ قال: إن كانوا لا يقدرون على البر ولا على الصلاة قياما فأرى ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك ﵀ أن الإمام إذا صلى بقوم في موضع مرتفع جاز للرجل أن يصلي بصلاته في موضع أخفض منه، إلا أن يكون أمام الإمام، فإنه يكره ذلك له ابتداء، فإن فعل أجزأته صلاته. هذا معنى قوله في " المدونة "، وهو نص قوله في هذه الرواية في المسجد المرتفع المعلق على العمد. وأجاز في السفينة إذا صلى الإمام فوقها بمن معه أن يصلي من فيها بصلاتهم وإن كانوا أمام الإمام؛ إذ لا يجدون من ذلك بدا كما قال؛ لأنه موضع ضرورة.
وكذلك على مذهبه إذا صلى الإمام بقوم في موضع منخفض جاز للرجل أن يصلي صلاتهم في مكان أرفع منه؛ لأنه لم يكره في " المدونة " الصلاة على قيقعان وأبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام إلا من أجل بعدهما عن الإمام مع ارتفاعهما، لا من أجل ارتفاعهما خاصة، إلا أن يكون الموضع الذي صلى عليه ظهر المسجد والإمام مع جماعته داخل المسجد، فاختلف في ذلك قول مالك في " المدونة " أجازه مرة وكرهه أخرى، بخلاف الجمعة؛ إذ لم يختلف قوله في أن الجمعة لا يصليها أحد فوق ظهر المسجد، فإن فعل أعاد في الوقت وبعده، قاله ابن القاسم في " المدونة "، ومالك في " المبسوطة "، وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ في " المدنية "، وقال ابن الماجشون: جائز للمؤذن أن
стр. 459
يصلي الجمعة فوق ظهر المسجد؛ لأنه موضع أذانه، وظهر السفينة هو موضع الركوب، فإن ضاقت السفينة عن أهلها فكان بعضهم فوقها وبعضهم أسفلها صلى الذين فوق بإمام، والذي أسفل بإمام، قاله في " المدونة "؛ لأنهما موضعان، فإن لم يكن لهم إلا إمام واحد فالاختيار أن يكون فوق حيث معظم الناس، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية: أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ بخلاف المسجد إذا كان له طبقتان لا يجوز أن يصلي في كل طبقة إمام، ويصلي الإمام بالجماعة في إحدى الطبقتين، فإن لم تحمل الطبقة الواحدة الجماعة فالاختيار أن يصلي الإمام أسفل، ويصلي فوق من الناس من ضاقت عنهم الطبقة، فإن صلى الإمام فوق وصلى أسفل من الناس من ضاقت عليهم الطبقة العليا جاز، ولا ينبغي أن يكون الإمام وحده دون الجماعة في موضع أرفع منهم ولا أخفض إلا أن يكون ذلك يسيرا، فإن فعل بقصد إلي ذلك لتكبره عليهم أو تكبرهم عليه أعادوا في الوقت وبعده؛ لأنهم عابثون. وإن صلى الإمام في مكان أرفع ممن خلفه من غير قصد إلى ذلك، مثل أن يكون الإمام فوق سقف السفينة والقوم تحته فيصلون على حالهم فقد أساؤوا، وصلاتهم تامة. وكذلك لو افتتح الرجل صلاته في موضع مرتفع فأتى قوم فائتموا به. واختلف إذا كان الإمام أسفل والقوم فوق السقف، فقال في " المدونة ": لا بأس بذلك. وعلى ما في سماع موسى بن معاوية لا ينبغي ذلك؛ لأنه قال: إذا كان الإمام أرفع ممن خلفه، أو كان من خلفه أرفع منه فلا بأس به إذا تقارب ذلك فساوى بين الوجهين.
[يشد جبهته بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس]
مسألة وقد رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه سجدة، فدعاه فقال: منذ متى أسلمت؟ فقال: منذ كذا وكذا، فقال له سعد: فأنا قد أسلمت منذ كذا وكذا، فهل ترى بين عيني شيئا؟
قال محمد بن رشد: كره له سعد ﵁ أن يشد جبهته
стр. 460
بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس؛ إذ ليس ذلك المراد بقول الله : ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وإنما هو ما يعتريهم من الصفرة والنحول بكثرة العبادة أو سهر الليل، وقيل: إن ذلك في الآخرة لا في الدنيا، ولعله اتهمه أن يكون قصد بذلك ليعرف به؛ فلذلك وبخه بما قرره عليه في الرواية، والله أعلم. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن عياض على مكة، فاستعداه عليه رجل ذكر أنه سجنه في حق، فلم يخرجه من السجن حتى باع ماله منه بثلاثة آلاف وقد كان أعطاه به ستة آلاف، فأبى أن يبيعه منه واستحلفه بالطلاق ألا يخاصمه في ذلك أبدأ، فنظر عمر إلى عروة ونكت بالخيزران بين عينيه في سجدته ثم قال: هذه غرتني منك -لسجدته- ولولا أني أخاف أن تكون سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فقور، ثم قال للرجل: اذهب فقد رددت عليك مالك ولا حنث عليك. وبالله التوفيق.
[مسألة: أذان الصبي وإقامته وإمامته للبالغين]
مسألة وسئل: أيكره من أذان الصبي وإقامته ما يكره من إمامته؟ فقال: نعم، لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء أو في الموضع الذي لا يوجد غيره، يغيب الرجل فيؤذن لهم ويقيم كذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المؤذن معلم بالأوقات، مؤتمن على مراعاتها، مصدق قوله فيها؛ لقول رسول الله ﷺ : «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن» فلا يصح أن يؤتمن ويصدق إلا من تعلم أمانته وتجوز شهادته، وبالله التوفيق.
стр. 461
[مسألة: يسهو فيتكلم وهو جالس قبل السلام]
مسألة وسئل عن الذي يسهو فيتكلم وهو جالس قبل السلام، قال: يسجد سجدتين. قيل: أرأيت إن أحدث قبل السلام؟ قال: يعيد الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على المذهب لا يخرج من الصلاة إلا بالسلام؛ لقول رسول الله ﷺ : «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها السلام» فسواء على المذهب تكلم أو أحدث بعد التشهد قبل السلام أو في أثناء صلاته. وأهل العراق يقولون: إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد فقد خرج من الصلاة وإن لم يسلم، ويتعلقون بما روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته» . فعلى قولهم لا يضره الحدث ولا الكلام بعد الجلوس وقبل السلام. وقد راعى ابن القاسم قولهم في رسم "يدير ماله " من سماع عيسى فقال: إن الإمام إذا أحدث بعد التشهد، فتمادى حتى سلم بهم متعمدا أن صلاتهم مجزئة، يريد: وتبطل عليه هو.
[يصلي المرء جالسا أو متوكئا على عصا]
مسألة قال لي: رأيت صفوان بن سليم يصلي وهو متوكئ على عصا، قد جعل على رأسها عصائب من خرق يمسك عليها يديه جميعا، فيجعل إحدى يديه على الأخرى يجعلها أمام وجهه، فقلت لمالك: أفترى ذلك في النافلة؟ فقال: لا بأس بذلك في النافلة
стр. 462
والمكتوبة إذا كان من ضعف. قلت له: فأحب إليك أن يصلي المرء جالسا أو متوكئا على عصا؟ فقال: إن قدر أن يتوكأ على عصا فأحب إلي أن يصلي متوكئا من أن يجلس في المكتوبة والنافلة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا لم يقدر على أن يستقل قائما إلا أن يعتمد على شيء فقد سقط عنه فرض القيام، وجاز له أن يصلي جالسا في المكتوبة، وإن كان أحب إليه أن يصلى قائما متوكئا؛ لأنه لما سقط عنه فرض القيام صار له نافلة وفضيلة كما هو في النافلة.
[مسألة: الرجل الضعيف أترى أن يصلي قائما بالسورة القصيرة]
مسألة قيل له: أرأيت الرجل الضعيف أترى أن يصلي قائما بالسورة القصيرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، أو أحب إليك أن يصلي جالسا ويقرأ من السور الطوال في الصبح والظهر؟ قال: أحب إلي أن يصلي قائما.
قال محمد بن رشد: قوله: أحب إلي أن يصلي قائما، لفظ فيه تجاوز وليس على ظاهره، بل الواجب عليه أن يصلي قائما] ولو لم يقدر منه إلا على قدر ما يقع فيه أم القرآن لم تجزئه صلاته جالسا؛ لأن القيام عليه فرض، والتطويل مستحب، فلا يسقط الفرض عنه بضعفه عن الاستحباب، وهذا بين، والله أعلم.
[مسألة: المريض لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه]
مسألة وسألته عن المريض لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه، فقال: يتيمم ويصلي، قلت له: وترى أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ قال: لا، بل إلى وسط الوقت.
стр. 463
وسألته عن أبي لؤلؤة حين طعن عمر بن الخطاب ﵁ طعنه وهو في الصلاة أو قبل؟ فقال: قبل أن يدخل في الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المريض الذي لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه يتيمم ويصلي، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه غير واجد للماء ولا قادر عليه، والله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] . وإنما اختلفوا في المريض الذي لا يقدر على مس الماء لمرضه وهو واجد له، فمن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا رآه من أهل التيمم، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في " المدونة "، ومن قدر فيها تقديما وتأخيرا لم يره من أهل التيمم؛ لأنه يعيد شرط عدم الماء على المرض والسفر، وهو قول مالك في أول رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، وقد مضى القول عليه هناك. وقوله: إنه يؤخر إلى وسط، القول هو مثل ما في " المدونة "، ويريد به وسط الوقت المختار. والوجه في ذلك أن فضيلة الماء أفضل من فضيلة أول الوقت، فهو يؤخر الصلاة عن أول وقتها رجاء أن يجد الماء الذي هو أفضل، فإن لم يجده إلى وسط الوقت [المختار] أمر أن يتيمم ليدرك فضيلة ما بقي من الوقت مخافة أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فلا يجد الماء، فتفوته الفضيلتان جميعا. وذهب ابن حبيب إلى أنه يؤخر إلى آخر الوقت المستحب ثم يتيمم ويصلي، فإن وجد الماء في بقية من الوقت أعاد. وقول مالك أظهر؛ لما ذكرناه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يدخل المسجد والإمام ساجد]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد والإمام ساجد، فقال:
стр. 464
الصواب أن يسجد ولا يعتد بذلك من صلاته، قيل له: أرأيت الذي إذا رآهم سجودا أرفق في المشي حتى يسبقوه بتلك السجدة؟ فقال: ما أرى أن يفعل. قيل: أرأيت إذا جاء وهو ساجد فكبر ثم سجد معه إذا قام، أيبتدئ بتكبيرة الإحرام أم تكفيه تلك التكبيرة؟ فقال: تكفيه تلك التكبيرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يسجد السجدة التي أدركها مع الإمام ولا يعتد بها، هو مثل ما في " المدونة " وغيرها، ولا اختلاف فيه، وإنما أوجب عليه أن يسجدها مع الإمام؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا» وهو مدرك لها مع الإمام فوجب أن يصليها، وإنما وجب أن يلغيها ولا يعتد بها ويقضيها لأن الركوع والسجود كشيء واحد، فإذا وجب أن يقضي الركوع الذي لم يدرك وجب أن يقضي السجود المتصل به؛ لقول عبد الله بن عمر: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة، فهو مدرك للسجدة في وجوب اتباع الإمام فيها، وفي حكم من لم يدركها في وجوب قضائها بعد سلام الإمام. وقوله: إنه يكتفي بتلك التكبيرة التي كبر حين دخل مع الإمام، ولا يكبر إذا قام خلاف ما في " المدونة " من أنه إذا أدرك الإمام في التشهد الآخر قام بتكبير، إلا أنه صحيح على قياس ما أصله فيها من أنه إذا جلس مع الإمام في موضع ليس له موضع جلوس قام بغير تكبير، فهو تناقض من قوله في " المدونة "، وقد فرق بين المسألتين بتفاريق لا تسلم من الاعتراض، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقرأ في نفسه في الصلاة لا يسمع أحدا]
مسألة وسئل عن الذي يقرأ في نفسه في الصلاة لا يسمع أحدا
стр. 465
ولا نفسه، ولا يحرك به لسانا، قال: ليست هذه قراءة، وإنما القراءة ما حرك به اللسان. ولا بأس أن يرفع المرء صوته بالقراءة إذا كان وحده وكان في بيته، ولعل ذلك يكون أنشط له وأقوى له على ذلك. وقد كان الناس بالمدينة يرفعون أصواتهم بالقراءة من جوف الليل، حتى إن القوم يريدون السفر فيقولون: موعدكم الساعة التي يقوم فيها القرآن.
قال محمد بن رشد: أما قراءة الرجل في نفسه ولم يحرك بها لسانه ليست بقراءة، صحيح؛ لأن القراءة إنما هي النطق باللسان، وعليها تقع المجازاة. والدليل على ذلك قول الله : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقول النبي ﷺ : «تجاوز الله لأمتي عفا حدثت به أنفسها مما لم ينطق به لسان أو تعمل به يد» ، فكما لا يؤاخذ الإنسان بما حدثت به نفسه من الشر ولا يضره، فكذلك لا يجازى على ما حدث به نفسه من القراءة أو الخير المجازاة التي يجازى بها على تحريك اللسان بالقراءة وفعل الخير. وأجاز للذي يصلي من الليل أن يرفع صوته بالقراءة، وإن كان في ذلك إظهار لعمله؛ لما في ذلك من العون له على الصلاة والنشاط عليها؛ لقوله: لا بأس بذلك، واستحب ذلك له في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول هنالك في وجه ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يجد الإمام راكعا قبل أن يصل إلى الصف]
مسألة وسئل عن الذي يجد الإمام راكعا، قال: أحب إلي ألا يركع
стр. 466
حتى يصل إلى الصف، قيل: أرأيت الذي يدخل وقد أحرم الإمام، أيحرم أم يمشي فيصل الصف؟ قال: بل يؤخر ذلك حتى يصل الصف ثم يكبر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، وهذا يمشي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم مستوفى، فلا وجه لإعادته.
[مسألة: متى يكبر في عيد الفطر]
مسألة قال: وسألته متى يكبر في عيد الفطر؟ قال: يكبر حين يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإمام المنبر وإلى أن يسكت الإمام عن التكبير. قال: وينزل إلى العيدين من مثل ما ينزل به للجمعة ثلاثة أميال.
قال محمد بن رشد: قد مضى في آخر رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم القول في التكبير في العيدين، وفي رسم "صلاة الاستسقاء " من هذا السماع القول في حد النزول إليها وإلى الجمعة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
[مسألة: كان خلف الإمام فقال: سبحان الله بكرة وأصيلا]
مسألة وسئل عمن كان خلف الإمام فقال: سبحان الله بكرة وأصيلا، فقال: لا أحب أن يفعل ذلك ولا أرى عليه إعادة الصلاة.
قال القاضي أبو الوليد: هذا من التسبيح الحسن، فإنما كرهه - والله أعلم- إذا قاله والإمام يسمع كالجواب لما سمعه من قراءته، كنحو ما مضى في هذا الرسم من قول القائل في صلاته إذا قرأ الإمام:
стр. 467
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] : كذلك الله، وما أشبه ذلك. وسيأتي في سماع ابن معاوية نحو هذا المعنى.
[مسألة: امرأة انقطع عنها الحيض سنين ثم رأت صفرة أترى أن تدع الصلاة]
مسألة وسألته عن امرأة انقطع عنها الحيض سنين ثم رأت صفرة، أترى أن تدع الصلاة؟ فقال: يسأل النساء عن ذلك وتصف لهن شأنها، فإن قلن: إن النساء يرين مثل هذا من الحيضة فلتدع الصلاة.
قال المؤلف: الصفرة من الدم، فإن رأته وهي في سن من تحيض من النساء أمسكت عن الصلاة، ولما لم يكن في ذلك حد يرجع إليه في القرآن والسنة، وجب أن يرجع فيه إلى العادة؛ ولذلك قال: إنه يسأل عنه النساء، وهذا معنى ما في " المدونة " وغيرها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصبي إذا أثغر أيؤمر بالصلاة]
مسألة وسئل عن الصبي إذا أثغر فقال: إذا أثغر الصبي: أمر بالصلاة وأدب عليها ولا يضرب بعض الضرب.
قال محمد بن رشد: ولا يضرب بعض الضرب، معناه: ولا يضرب بعض الضرب الذي يضربه كثير من الناس فيتعدى في الضرب، يريد: أنه لا يضرب إلا ضربا خفيفا.
ووقع في بعض الكتب مكان ولا يضرب وإلا ضرب، وهو خطأ لا معنى له.
قوله إنه يؤدب على الصلاة إذا أثغر خلاف ظاهر ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «إذا بلغ الصبيان سبع سنين فمروهم بالصلاة وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها وفرقوا بينهم في
стр. 468
المضاجع» وفي رسم "الجواب" من سماع عيسى أنه يفرق بينهم في المضاجع إذا أثغروا وهو خلاف ظاهر ما في الحديث أيضا والله أعلم.
[مسألة: الحامل ترى الماء الأبيض على حملها]
مسألة وسألته عن: الحامل ترى الماء الأبيض على حملها، فقال: ليس ذلك بشيء وأرى أن تصلي به.
قال محمد بن رشد: قوله ليس ذلك بشيء يدل على أنه لم ير عليها غسلا ولا وضوءا، وهو الصواب، خلاف قول ابن القاسم في رسم "الجواب من سماع" عيسى من كتاب الوضوء: إن عليها الوضوء.
وقد مضى القول على ذلك هناك، وبالله التوفيق.
[مسألة: التسليمة الواحدة في الصلاة]
مسألة وسئل عن: التسليمة الواحدة في الصلاة، فقال: على ذلك كان الأمر، ما كانت الأئمة ولا غيرهم يسلمون إلا واحدة، وإنما أحدث تسليمتان منذ كانت بنو هاشم.
قال المؤلف: قد مضى القول في هذه المسألة في آخر رسم "شك في طوافه " من سماع ابن القاسم، ومضى من معناها في رسم "نذر سنة" ورسم "المحرم" منه.
[مسألة: رفع الصوت في المساجد]
مسألة قال: وقد قال عمر بن الخطاب: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت.
قال محمد بن رشد: ليس في قوله ﵁ إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت - دليل على أن ذلك جائز في غيره من المساجد؛ لأن
стр. 469
معنى قوله إن مسجدنا هذا الذي أحضره لا يرفع فيه الصوت؛ لأني أمنع من ذلك، يريد: وكذلك ينبغي لكل وال أن يفعل بمسجد موضعه.
والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم» ، وقال ﷺ : «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا» ، فرفع الصوت في المسجد مكروه حتى في العلم.
قال ابن حبيب: ولقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل مجلسه في العلم، يقول: يا أبا مروان اخفض من صوتك وأمر جلساءك يخفضوا أصواتهم.
[مسألة: يقرأ بالناس في رمضان أيكره له أن يسر بالاستعاذة أو يجهر بها]
مسألة قال: وسألته عن الذي يقرأ بالناس في رمضان، أيكره له أن يسر بالاستعاذة أو يجهر بها؟
فقال: أما في نفسه فليستعذ إن شاء، وأنا أكره له أن يجهر بذلك ولا أجيزه، وأنا أحب له أن يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
ووصف الذين يقولون أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ، إن الله هو السميع العليم، فعابه وكرهه
стр. 470
ونهى عنه، فقيل له: إنما يحتج بقول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ، قال: أفرأيت قوله ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ، إن الله هو السميع العليم.
قلت له: أفتجيز له أن يستعيذ من الشيطان الرجيم؟ قال: لا، ولكن هو أيسر.
قال محمد بن رشد: كراهة الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان خلاف قوله في " المدونة ".
ووجه هذا: أن الاستعاذة لما لم تكن من القرآن كره أن يجهر بها في قيامه كما يجهر بقراءة القرآن فيه، وأجاز أن يستعيذ في نفسه لقول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ، ولم ير ذلك واجبا عليه؛ لأن الأمر بذلك عنده على الندب لا على الوجوب.
ووجه ما في " المدونة ": الاتباع، وبذلك علل قوله فيها، ولم يزل القراء يتعوذون.
وأما استحبابه له أن يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، ولا يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد مضى ما في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: المريض يكون في المحمل فلو نزل يصلي للأرض كيف يصلي]
مسألة وسألته: عن المريض يكون في المحمل فلو نزل يصلي المكتوبة في الأرض صلى إيماء، أيجزئ عنه أن يصلي على المحمل؟ قال: أرجو أن يجزئ عنه ذلك، ولكن يوقف له البعير موجها إلى القبلة، وأحب إلي أن ينزل فيصلي بالأرض.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في رسم "سُنّ " من سماع ابن القاسم مثل قول ابن عبد الحكم فيه، ورواية يحيى فيه أيضا عن ابن القاسم
стр. 471
قول ثالث.
وقد مضى بيان ذلك كله في سماع ابن القاسم المذكور، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي إلى الجمعة والإمام في التشهد فيكبر ويسلم الإمام أيكبر أخرى]
مسألة وسئل: عن الذي يأتي إلى الجمعة والإمام جالس فيكبر ويجلس ويسلم الإمام فيقوم، أيكبر تكبيرة أخرى أم تكفيه التكبيرة الأولى؟
قال: تكفيه الأولى ولا إقامة عليه ويصلي أربعا.
قال محمد بن رشد: استحب في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم أن يبتدئ بتكبيرة أخرى، وقد مضى القول هناك على ذلك فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أهل القرى الذين لا جمعة عليهم أيصلون العيدين]
ومن كتاب صلاة العيدين مسألة قال: وسئل عن أهل القرى الذين لا جمعة عليهم، أيصلون العيدين؟
فقال: ما رأيت أن يصلي العيدين إلا من يصلي الجمعة.
قال محمد بن رشد: لم ير في هذه الرواية أن يصلي العيدين بجماعة وخطبة من لا تجب عليهم الجمعة، وقال في أول رسم من سماع عيسى: إنه لا بأس أن يجتمعوا ويصلوا صلاة العيدين بغير خطبة، وإن خطب فحسن، خلاف هذه الرواية.
وفي " المدونة " في هذه المسألة اختلاف في الرواية.
وأما إذا كانوا ممن تجب عليهم الجمعة فلا اختلاف في أنهم يصلون صلاة العيدين على وجهها بخطبة، وبالله التوفيق.
[مسألة: غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده]
مسألة وسئل: عن غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده؟
فقال: ذلك واسع، من الناس من يغدو قبل الفجر.
стр. 472
قال محمد بن رشد: قد مرت هذه المسألة في صدر رسم الصلاة الأول وفي آخره من هذا السماع، ومضى القول عليها في رسم "الصدر" المذكور بما أغنى عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يجب أن يعلم ويحب أن يلفى]
ومن كتاب العقول
مسألة قال: وقال مالك: سمعت ربيعة يسأل عن المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يجب أن يعلم ويحب أن يلفى في طريق المسجد ويكره أن يلفى في طريق غيره، فلا أدري ما أجابه به ربيعة، غير أني أقول: إذا كان أصل ذلك وأوله لله فلا أرى به بأسا، وإن المرء يحب أن يكون صالحا، وإن هذا ليكون من الشيطان يتصدق فيقول له إنك لتحب أن يعلم ليمنعه من ذلك. قلت له: فإذا كان أصل ذلك لله لم تر به بأسا؟
فقال: إي والله ما أرى بذلك بأسا، وقد قال النبي ﷺ : «ما شجرة لا يسقط ورقها شتاء ولا صيفا"، قال عبد الله بن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة فأردت أن أقولها» فقال له عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، فأي شيء هذا إلا هذا، وإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك، قال الله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ، وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] .
قال محمد بن رشد: وقع في هذه الرواية أنه لم يدر بما أجابه به ربيعة، وقد وقع في سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات أنه أنكر ذلك من
стр. 473
سؤال السائل ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير والبر.
والذي ذهب إليه مالك ﵀ من أنه لا بأس بذلك إذا كان أصل ذلك وأوله لله تعالى هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
روي «عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا، فأي ذلك الشهيد من أهل الجنة؟ فقال: "يا معاذ بن جبل من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» .
وهذا نص في موضع الخلاف.
[مسألة: يحرم مع الإمام ثم يسهو فيركع ويسجد والآخر ساه أو مشتغل أو غافل]
سماع عيسى بن دينار من كتاب أوله نقدها نقدها مسألة قال عيسى: سئل مالك عن الذي يحرم مع الإمام ثم يسهو فيركع ويسجد والآخر ساه أو مشتغل أو غافل، وذلك في الركعة الأولى أو غيرها، أيتبعه؟
قال ابن القاسم: قال لي مالك: في هذه أقاويل ثلاثة: أحدها: أنه قال يتبعه ما لم يرفع من الركعة التي نهض إليها، والثاني: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود الركعة التي غفل عنها، والثالث: إن كان في الركعة الأولى فلا يتبعه رأسا، وإن كان في غيرها اتبعه إن طمع أن يدركه في السجود، وإن لم يطمع فلا يتبعه، وليس فيها قول أبين من هذا.
قال: ثم سألته عن الرجل يصلي مع الإمام فيزحم أو يغفل ينعس عن الركوع مع الإمام حتى
стр. 474
يرفع الإمام رأسه من ركعته، قال ابن القاسم: إن كان في أول ركعة دخل مع الإمام في سجوده ولم يركع بعده ويتبعه كما وصفت ويكون كالداخل، والزحام والغفلة والنعسة في هذا سواء.
قال ابن وهب وأشهب مثله.
قال ابن القاسم: وإذا عقد مع الإمام الركعة الأولى وتمت له بسجدتيها ثم عرض له في الركعة الثانية فإنه يركع ويتبعه ما رجا أن يدركه في سجوده، إلا في الزحام فإنه في الأولى والثانية والرابعة سواء، ويعمل في الثانية كما يعمل في الأولى.
قال ابن وهب وأشهب: الغفلة والنعسة والزحام كل ذلك سواء، يركع ويتبعه ما طمع أن يدركه في سجوده.
قال ابن القاسم: ولو اشتغل رجل بحل إزاره أو ربطه حتى سبقه الإمام بالركعة، وذلك فيما بعد الأولى، فأنا أرى أن يتبعه ما طمع أن يدركه في سجوده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول في تحصيلها في رسم "كتب عليه" ذكر حق من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة القول فيها هاهنا.
ومضت أيضا في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وستأتي متكررة أيضا في رسم "لم يدرك" بعد هذا.
[مسألة: صلاة أهل البادية العيدين بجماعة يجتمعون لذلك]
مسألة وقال في صلاة أهل البادية العيدين بجماعة يجتمعون لذلك بحيث لا تجب الجمعة: إنه لا بأس بذلك، إن شاءوا فعلوا، يصلي بهم رجل منهم ركعتين ويكبر تكبيرة الفطر والأضحى وإن لم يخطب، وإن خطب فحسن، ولا أرى الخطبة في مثل هذا إلا في المدائن والقرى التي تجب فيها الجمعة، وإن كانت قرية وبيوت متصلة يجوز أن يجمع فيها الجمعة فلا يصلون العيدين إلا بخطبة،
стр. 475
وإن لم يكونوا يجمعون.
ولا ينبغي لهؤلاء أن يتركوا الجمعة كان عليهم وال أو لم يكن، أمرهم الوالي بذلك أو لم يأمرهم، فإن لله حقوقا في أرضه لا تترك لشيء، الجمعة من ذلك.
قال: والخصوص والمحال إذا كانت مساكنهم كمساكن القرى في اجتماعها وكان لهم عدد لم يحل لهم أن يتركوا الجمعة، وليخطب بهم رجل منهم، ويصلي ركعتين كان عليهم وال أولم يكن.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي لا جمعة عليهم إن لهم أن يصلوا صلاة العيدين على سنتها بالإمام والخطبة خلاف ما تقدم في رسم "العيدين" من سماع أشهب، وقد ذكرنا ذلك هنالك.
وأما قوله في الذين يجب عليهم الجمعة إنهم لا يتركونها كان عليهم وال أو لم يكن فهو مثل ما في " المدونة "، وهو المعلوم في المذهب وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في أول رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب.
وأما قوله في الخصوص والمحال إذا كانت مساكنهم كمساكن القرى في اجتماعها إنهم يجمعون الجمعة، فهو خلاف ما مضى في الرسم المذكور من سماع أشهب، وقد مضى القول على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.
[مسألة: قرية يجمع في مثلها الجمعة وحولها المنازل فاتتهم الجمعة]
مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في قرية يجمع في مثلها الجمعة وحولها المنازل على مسيرة ميلين أو ثلاثة فاتتهم الجمعة، فكيف يصلون؟
قال: يصلون أفرادا ولا يجمعون الظهر لأنهم أهل الجمعة.
قلت: فإن صلوا جماعة ظهرا؟ قال: بئس ما صنعوا ولا أرى عليهم إعادة.
قلت: فإن كان ذلك في المصر مثل الفسطاط وغيرها؟
قال: هو مثله يصلون أفذاذا، فإذا جمعوا الظهر فبئس ما صنعوا ولا أرى عليهم إعادة، ولا أحب ذلك لهم، فإن فعلوا فلا إعادة عليهم.
стр. 476
قال المؤلف: قوله في الذين تجب عليهم الجمعة إنهم لا يجمعون إذا فاتتهم الجمعة ويصلون أفذاذا - هو المشهور في المذهب.
وقوله: لا إعادة عليهم إن جمعوا - صحيح؛ لأن منعهم من الجمع ليس بالقوي، وذلك أنهم إذا منعوا من الجمع ليحافظوا على الجمعة؛ لأنهم إذا علموا أنه يفوتهم بفواتها فضل الجمعة والجماعة لم يتهاونوا بها.
وقيل: إنهم إنما منعوا من الجمع لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع، وهذه العلة أظهر، فإذا جمعوا وجب أن لا يعيدوا على كل واحدة من العلتين.
وقد روي عن مالك: أنهم يجمعون، وهو قول ابن نافع وأشهب في المجموعة، فلم يراع على هذه الرواية واحدة من العلتين.
وكذلك من تخلف عن الجمعة لغير عذر غالب - المشهور أنهم لا يجمعون، إلا أنه اختلف إن جمعوا، فروى يحيى عن ابن القاسم في رسم "أول عبد أشتريه" فهو حر من هذا الكتاب: أنهم يعيدون، وقال ابن القاسم في المجموعة: إنهم لا يعيدون، وقاله أصبغ في المتخلفين من غير عذر، وهو الأظهر، إذ قد قيل: إنهم يجمعون؛ لأنهم وإن كانوا تعدوا في ترك الجمعة فلا يحرموا فضل الجماعة.
والاختلاف في الإعادة على من جمع في الموضع الذي يقوى فيه ترك الجمع، وهو أن يتخلفوا عن الجمعة لغير عذر أو لعذر غالب - مبني على اختلافهم فيمن وجب عليه أن يصلي فَذًّا فصلى بإمام، فعلى هذا لا يعيد الإمام.
والمشهور في الْمَرْضَى والمسجونين أنهم يجمعون لأنهم مغلوبون على ترك الجمعة.
وقد روى ابن القاسم: أنهم لا يجمعون، وهو غير المعروف من قوله.
ووجهه: أنهم وإن كانوا غلبوا على ترك الجمعة فيمنعون من الجمع من ناحية الذريعة.
واختلف ابن القاسم وابن وهب في المتخلفين عن الجمعة لعذر يجيز لهم التخلف عنها مع القدرة على شهودها.
وسيأتي هذا في رسم "باع شاة" من هذا السماع.
واختلافهما في ذلك على الاختلاف في علة منع من فاتته الجمعة من الجمع هل هي من أجل الذريعة أو ليحافظوا على الجمعة، وبالله التوفيق.
стр. 477
[مسألة: فاتته الجماعة وكان على الإمام سهو قبل السلام فسجد معه ثم قام وسها]
مسألة وسئل: عمن فاتته صلاة الإمام وقد كان على الإمام سهو يكون سجوده قبل السلام فسجد معه ثم قام وقضى بعده فدخل عليه سهو يكون زيادة في الصلاة أو نقصانا، قال: يسجد أيضا.
قلت: أرأيت إن كان سجود الإمام بعد السلام فلم يسجد معه وقام يقضي فدخل عليه سهو يكون نقصانا متى يسجد؟ قال: قبل السلام ويجزيه من سهو الإمام، وإن كان أيضا بعد السلام فسجدتان بعد السلام تجزيانه.
قال ابن القاسم: ولو كان سجد مع الإمام قبل السلام فدخل عليه هو أيضا فيما يقضي نقصانٌ فإنه يسجد أيضا قبل السلام.
قال الإمام: اختلف في الذي يدخل مع الإمام في آخر صلاته ولم يدرك منها شيئا وعلى الإمام سجود السهو، فقيل: إنه يسجد معه إن كان السجود قبل السلام ولا يسجد معه إن كان السجود بعد السلام، وهي رواية زياد عن مالك وظاهر هذه الرواية، لقوله فيها فسجد معه في السجود قبل السلام، ولم يسجد معه في السجود بعد السلام.
وأراه قول مالك بدليل عطف قول ابن القاسم عليه في المسألة نفسها.
وقيل: إنه لا يسجد معه، كان السجود قبل السلام أو بعده، وهو قول ابن القاسم في " المدونة " وظاهر قوله هاهنا؛ لأن قوله ولو كان سجد مع الإمام قبل السلام يدل على أنه أراد لو فعل ذلك وهو ليس له أن يفعله، والله أعلم، وقيل: إنه يسجد معه بعد السلام، فأحرى أن يسجد معه قبل السلام، وإن كان لم يفعله إلا إذا أدرك بعض صلاته وهو عنده سواء.
وجه القول الأول: أنه قد دخل مع الإمام فلا يخالفه فيما فعل قبل السلام، لقول رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به
стр. 478
فلا تختلفوا عليه» .
ووجه القول الثاني ما ذكر في " المدونة " من أنه لم يدرك من الصلاة شيئا فلا يلزمه من سهو الإمام شيء.
ووجه القول الثالث أن السجدتين وإن كانتا بعد السلام فهي من تمام صلاة الإمام، وقد دخل معه فيها فوجب ألا يخالفه في شيء منها.
وقوله إنه يسجد لسهوه فيما يقضي من صلاته زيادة كان أو نقصانا صحيح لا اختلاف فيه.
[مسألة: الرجل يحرم للنافلة ثم تقام فريضة]
مسألة وسئل عن الرجل يحرم للنافلة ثم تقام فريضة كيف يصنع؟ أيسلم قاعدا أو قائما؟ قال: بل قائم، قال عيسى: أحب إلي أن يصلي ركعتين إذا رجا أن يفرغ قبل أن يركع الإمام الركعة الأولى، وإن لم يرج ذلك فليسلم على أي حال أحب.
قال القاضي: اختلف فيمن أحرم في نافلة أو فريضة فأقيمت عليه تلك الفريضة قبل أن يركع على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقطع في الفريضة والنافلة وإن كان يطمع أن يتم ركعتين قبل أن يركع الإمام، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية في النافلة، ونص ما في " المدونة " في الفريضة.
والثاني: أنه يتمادى إلى ركعتين إن رجا أن يتممهما قبل أن يركع الإمام في الفريضة أيضا والنافلة، وهو قول مالك في " المدونة "، وقول عيسى بن دينار هنا في النافلة، وقول ابن حبيب وأشهب، ورواية ابن وهب عن مالك في الفريضة.
والثالث: الفرق بين الفريضة والنافلة، فيتمادى في النافلة ويقطع في الفريضة، وهذا القول يتأول على أنه مذهب مالك في " المدونة ".
وحكى الفضل أنه مذهب أصحاب مالك.
ولم يختلفوا إذا أقيمت عليه الصلاة وقد عقد ركعة من الفريضة والنافلة أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ولا يقطع، وهذا
стр. 479
فيما عدا المغرب.
وأما إذا أقيمت عليه صلاة المغرب فإن كان لم يركع قطع قولا واحدا، وإن كان قد ركع، فقيل: إنه يقطع، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في " المدونة "، وقيل: إنه يتم الثانية وتكون له نافلة ويدخل مع الإمام، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم، وقول ابن حبيب في الواضحة.
وإن كان قد صلى ركعتين، فقيل: إنه يتم الثالثة ويخرج من المسجد، وهو قول ابن القاسم في بعض روايات " المدونة "، وقول ابن حبيب في الواضحة.
وقيل: إنه يسلم ويدخل مع الإمام، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
وإن كان قد أتم الثالثة سلم وخرج من المسجد قولا واحدا، وكذلك إن عقدها بالركوع أو الرفع منه على الاختلاف في ذلك.
قال في سماع سحنون: ويضع يده على أنفه.
فما في " المدونة " مطرد على أنه وقت لا تصلى فيه نافلة، وما في سماع سحنون مطرد أيضا على أنه وقت تصلى فيه نافلة، وقول ابن حبيب في الواضحة متناقض؛ لأنه قال: إن كان قد صلى ركعة أضاف إليها أخرى، وإن كان قد صلى ركعتين أتم الثالثة وخرج من المسجد، فجعل الوقت مرة يصلح للنافلة ومرة لا يصلح لها، والله أعلم.
ومن كتاب أوله استأذن سيده
[مسألة: الذي يقلس طعاما في الصلاة]
مسألة وسئل: عن الذي يقلس طعاما في الصلاة فيلقيه أو يرده، قال: يتمادى في الصلاة ولا شيء عليه.
وقال أيضا: إن كان بلغ مبلغا لو شاء أن يطرحه طرحه فازدرده فأحب إلي أن يقضي يوما مكانه، والصلاة مثله.
قال محمد بن رشد: قوله في أحد قوليه في الذي يرد القيء بعد فصوله أنه لا شيء عليه في صلاته وصيامه، معناه إذا رده ناسيا أو مغلوبا، وأما إن رده عامدا وهو قادر على طرحه فلا ينبغي أن يختلف في فساد صومه
стр. 480
وصلاته. وقد روى ابن نافع عن مالك أنه قال في القلس يظهر على لسان الرجل فيبتلعه: بئس ما صنع، وكان ينبغي أن يطرحه، ولكن لا قضاء عليه إن ابتلعه.
وهو بعيد؛ لأن ظاهره العمد.
وأما إن ذرعه القيء أو القلس فلم يرده فلا شيء عليه في صلاته ولا صيامه على هذه الرواية، وهو المشهور.
وقد مضى في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب ما فيه، دليل على أن ذلك يقطع صلاته في القيء بخلاف القلس، وبالله التوفيق.
[مسألة: الإمام يحدث بعد التشهد الآخر أو يرعف]
مسألة وسئل: عن الإمام يحدث بعد التشهد الآخر أو يرعف، قال: يقدم من يسلم بالقوم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في معنى هذه المسألة ووجه السؤال عنها في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: ينسى الظهر فلما صلى العصر من يومه ذلك وسلم منها ذكر الظهر]
مسألة وسألته: عن الذي ينسى الظهر فلما صلى العصر من يومه ذلك وسلم منها ذكر الظهر ولم يعد العصر جهل أو نسي فذكر أو انتبه لذلك بعد الوقت، قال: إن كان خرج وقتها فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله جهل يريد جهل أنه مأمور بإعادة الصلاة في الوقت. وكذلك لو جهل أنه في الوقت مثل أن يكون ذكر الظهر قبل الغروب وقد كان صلى العصر فلما صلى الظهر الذي ذكر ظن أن الشمس قد غربت فلم يصل العصر، ثم انكشف أنه لو صلاها لأدرك منها ركعة قبل الغروب.
وقد قال في رسم "أسلم بعد هذا" في الذي جهل الوقت وظن أنه قد كان خرج، أن عليه القضاء بعد خروج الوقت، فهو اختلاف من قوله في الوجوه الثلاثة، إذ لا فرق بينهن، فمرة رأى أنه لا إعادة عليه فيهن بعد خروج
стр. 481
الوقت، وهو المشهور من قوله الذي يشهد النظر بصحته؛ لأن الإعادة في الوقت إنما هي استحباب ليدرك فضيلة الترتيب فيه، فإذا خرج الوقت لم يعد بعد الوقت كما لا يعيد بإجماع إذا لم يفرغ من الصلاة التي نسي حتى خرج الوقت؛ ومرة رأى أن الإعادة واجبة عليه بعد الوقت، إذ قد كانت وجبت عليه في الوقت، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في هذا الأصل وحكاه عن ابن الماجشون عن مالك.
[مسألة: أمة صلت ركعة من المكتوبة ثم أتاها العتق ورأسها مكشوف]
مسألة وسئل: عن أمة صلت ركعة من المكتوبة ثم أتاها العتق ورأسها مكشوف فوجدت من يعطيها خمارا فأبت أن تأخذه أو جهلت وهي قادرة أن تأخذه فلم تأخذه، أو لم تجد من يناولها خمارا، أتعيد في شيء من ذلك في الوقت أم لا؟ أو عريان صلى ركعة ثم أتى رجل بثوب ففعل مثل ما فعلته الأمة أيعيد الصلاة أم لا؟
قال ابن القاسم: أما إذا لم تجد من يعطيها فلا إعادة عليها، وأما إذا قدرت عليه فلم تأخذه أو أعطيته فلم تأخذه فإنها تعيد ما كانت في الوقت؛ والعريان كذلك إذا كان يقدر على ثوب.
قال أصبغ: وأنا أرى قول ابن القاسم في التي سبق لها العتق قبل دخولها في الصلاة، فأما التي أعتقت وهي في الصلاة فتمادت وهي تجد سترة فلا إعادة عليها في وقت ولا غيره؛ لأنها عقدت الصلاة بما يجوز لها وهي من أهل الكشف، فهي على ما دخلت به فيها تمضي عليه ويجزي عنها، بمنزلة المتيمم يعقد الصلاة بالتيمم ثم يطلع عليه الماء وهو في صلاته فيمضي على صلاته، وهو أشد من الأمة.
وإنما استحسن لها الاستتار عند ذلك إذا وجدته استحسانا؛ لأنه ليس عليها مضرة في تناوله ولا قطع صلاة، وليس بواجب عليها، ولا يعجبني
стр. 482
قول ابن القاسم هذا.
قال أصبغ: ومثل الذي يسبق لها العتق قبل الدخول في الصلاة مثل الذي يكون في رحله الماء فلا يعلم به، فيقوم ويتيمم ويصلي أنه يعيد، فكذلك هذه إذا كانت دخلت في الصلاة وهي حرة وهي تجد سترا أنها تعيد في الوقت.
وأنا أقول في الذكي صلى وفي رحله الماء إنه يعيد أبدا لأنه كان من أهل الماء، فليس جهله الماء أو غفلته أو نسيانه بالذي يخرجه مما وجب عليه.
قيل لسحنون في الأمة يعتقها سيدها وهي في الصلاة وهي مكشوفة الرأس، فقال: أرى أن تقطع وتبتدئ الصلاة، وكذلك لو أن عريانا ابتدأ الصلاة فلما كان في بعض الصلاة وجد ثوبا: إنه يبتدئ ولا يبني.
قال محمد بن رشد: تأول أصبغ عن ابن القاسم أنه إنما تكلم على التي سبق لها العتق قبل الصلاة، إذ بعد عنده أن يوجب الاستتار على التي أعتقت في الصلاة، وليس ذلك بصحيح، إذ قد نص في رواية موسى عنه على أن الاستتار يجب عليها في بقية صلاتها إذا أعتقت في الصلاة، فلا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن تعتق في الصلاة أو يأتيها الخبر فيها بأنها قد أعتقت قبل دخولها فيها.
ويتحصل في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أنها إن استترت في بقية الصلاة أو لم تقدر على الاستتار فيها أجزأتها صلاتها. وإن قدرت على الاستتار فلم تفعله أعادت في الوقت، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، فالاستتار عليها في بقية الصلاة على هذا القول، واجب مع القدرة عليه، ساقط مع عدمها.
والقول الثاني: أنها إن استترت في بقية صلاتها أجزأتها، وإن لم تفعل أعادت في الوقت، كانت قادرة على ذلك أو لم تكن، وهو قول ابن القاسم في رواية موسى عنه، فالاستتار على هذا القول في بقية الصلاة واجب عليها بكل حال، فإن قدرت عليه فعلته، وإن لم تقدر عليه خرجت عن نافلة وابتدأت الصلاة.
والقول الثالث: أن الصلاة لا تجزئها وإن
стр. 483
استترت في بقيتها وتبتدئ، فإن لم تفعل أعادت في الوقت، وهو قول سحنون. ووجهه: أنه قد حصل جزء من صلاتها بغير قناع بعد عتقها أو بعد وصول العلم إليها بذلك.
والقول الرابع: الفرق بين أن تعتق في الصلاة أو يأتيها الخبر بعتقها بعد أن دخلت فيها، فإن عتقت فيها لم يجب عليها الاستتار في بقيتها إلا استحسانا إن قدرت عليه، فإن لم تفعل فلا إعادة عليها، وإن أتاها الخبر بعتقها بعد أن دخلت في الصلاة لم يجزها وإن استترت في بقيتها، فتقطع وتبتدئ، فإن لم تفعل أعادت في الوقت، وهو قول أصبغ هنا، فحكم لها أصبغ بحكم الحرة من يوم أعتقت، ولم يحكم لها ابن القاسم إلا من حين وصول الخبر بذلك إليها.
وهذا على اختلافهم في الحكم المنسوخ هل يكون منسوخا على المتعبد به بنفس ورود الناسخ أو بوصول العلم إليه بذلك، وقول ابن القاسم في العريان يجد ثوبا في الصلاة فيأبى أن يأخذه أو يجهل ذلك: إنه يعيد في الوقت، يأتي على القول بأن ستر العورة في الصلاة من سننها لا من فرائضها، كالقناع للمرأة الحرة.
وأما على القول إنه من فرائضها فتعيد أبدا كالمريض يفتتح الصلاة جالسا ثم يصح في بقيتها فيتمها جالسا، ولا يقطع إذا وجد ثوبا في الصلاة قياسا على مسألة المريض، خلاف ما ذهب إليه سحنون، وبالله التوفيق.
[مسألة: مسافر دخل في صلاة قوم يظنهم مسافرين فتبين أنهم مقيمون]
مسألة وسئل: عن مسافر دخل في صلاة قوم وهو يظنهم مسافرين فصلى معهم ركعتين ثم تبين له أنهم مقيمون سبقوه بركعتين، فقال: يسلم ويصلي صلاته صلاة مسافر.
قلت له: ولو مر بقوم فدخل في صلاتهم فصلى معهم ركعتين ثم سلموا فلم يدر أمقيمين كانوا أم مسافرين؟ قال: يتم صلاة مقيمين أربعا، ثم يقوم فيصلي صلاة مسافر.
قلت: فما فرق بينهما؟ لأي شيء قطع في الأولى ولم تأمره أن يقطع في هذه؟ قال: لأنه نوى بالأولى ركعتين.
стр. 484
قال محمد بن رشد: قوله لأنه نوى بالأولى ركعتين - يبين أنه دخل في الثانية معهم وهو يظنهم مقيمين، وذلك بين، إذ لو دخل معهم وهو يظنهم مسافرين لسلم بسلامهم على أصله ثم أعاد.
وقد تقدمت هذه المسألة والقول فيها موعبا في آخر رسم من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: دخل في صلاة الجمعة وقد فاتته ركعة ولم يدر أخطب الإمام أم لا]
مسألة قيل لسحنون: فلو أن رجلا دخل في صلاة الإمام يوم الجمعة وقد سبقه بركعة ولم يدر أخطب الإمام أم لا، فلما سلم الإمام وانفض الناس عنه فلم يجد من يخبره إن كان اختطب الإمام أم لا، فقال: يصلي ركعة ثم يسلم، فإن كانت جمعة أجزأت عنه، وإن لم يجد من يخبره أنها جمعة صلاها ظهرا أربعا احتياطا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه دخل مع الإمام وهو يرى أنها جمعة، فوجب أن يأتي بركعة رجاء أن تكون له جمعة، ثم يعيد مخافة أن لا يكون الإمام خطب فلا تصح له جمعة.
ولو دخل معه وهو يظنه يصلي الظهر ثم يشك في أن يكون في الجمعة وقد اختطب لوجب على قياس المسألة التي قبلها أن يتم على الركعة التي صلى مع الإمام أربعا، ثم يعيد ثانية مخافة أن يكون الإمام مصليا للجمعة، وبالله التوفيق.
[مسألة: القوم يصلي بهم الجمعة عبد]
مسألة وسألته: عن القوم يصلي بهم الجمعة عبد، قال: إن ذكروا في الوقت أعادوا الجمعة ركعتين بخطبة، وإن لم يذكروا ذلك حتى يخرجوا من الوقت أعادوا ظهرا أربعا.
قلت: فما وقتها؟ قال: النهار كله إلى قدر ما تصلي به الجمعة ركعتين ومن العصر ركعة.
стр. 485
قال الإمام: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في آخر رسم من سماع ابن القاسم فقف عليه هناك.
[مسألة: ركع ركعتين من صلاة الظهر فذكر أنه سها عن سجدة من الأولى]
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل ركع ركعتين من صلاة الظهر فذكر أنه سها عن سجدة من الركعة الأولى، أيمضي في صلاته ويقضي صلاة الركعة التي نسي منها سجدة في آخر صلاته أو يقضيها في الموضع الذي يذكرها فيه وإن كان ذكره إياها وهو قائم في الثانية، أو ما ترى؟
قال: إن ذكرها في الركعة الثانية في تشهده فإنه يركع ركعة بسجدتيها يقرأ فيها بأم القرآن وسورة معها، ثم يقعد ويتشهد ويجعلها ثانية ويلغي الأولى ويسجد بعد السلام؛ لأن من نسي سجدة من ركعة فلم يذكرها حتى رفع رأسه من الركعة التي بعدها ألغى تلك الركعة التي نسي منها السجدة وصلى ركعة مكانها، وإن ذكرها في الثالثة بعدما رفع رأسه من الركوع جعلها ثانية وسجد سجدتين قبل السلام.
وقد كان مالك يقول فيها بعد السلام، إلا أنه لما ترك السجدة الأولى ولم يقعد في الثالثة التي هي له ثانية وقضى بعد الفراغ ركعة بسجدتيها كان قد اجتمع عليه سهوان زيادة ونقصان، والنقصان أولى بالسجود، وهو وجه ما استحسناه وتكلمنا فيه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة مبنية على المشهور في المذهب من أن ما بطل على الفذ وعلى الإمام ومن معه من ركعة بإسقاط السجود أو الركوع منها أو قراءة الحمد على مذهب من يقول بالإلغاء حتى فاته إصلاحها، يلغيها ويبني على ما صح له، ولا يقضي الركعة التي بطلت عليه
стр. 486
بعينها بعد تمام صلاته، خلافا لقول ابن وهب في رسم "القطعان" من هذا السماع أنه يقضي ما بطل عليه بعد تمام صلاته ولا يبني.
وقوله فلم يذكرها حتى رفع رأسه من الركعة التي بعدها ألغى تلك الركعة، هو مثل ما في " المدونة " من أن عقد الركعة رفع الرأس من الركوع.
وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب.
وقول ابن القاسم إنه إذا لم يذكر السجدة من الأولى حتى قام من الثانية: إن سجوده قبل السلام هو الأظهر لتغليب حكم النقصان عند اجتماع الزيادة والنقصان، وما حكي عن مالك من أنه قد كان يقول فيها بعد السلام، ضعفه ابن لبابة، وقال: لعل مالكا إنما قال ذلك فيمن ذكر وهو جالس في الرابعة سجدة لا يدري من أي ركعة، فخر إلى سجدة ثم أتى بركعة؛ لأنه على يقين من الزيادة وشك من النقصان، فاشتبه ذلك على ابن القاسم.
وابن القاسم أعلم بما حكى عن مالك وأجل من أن يحمل عليه الغلط، فهو اختلاف من قوله، وإن كان تغليب حكم النقصان هو المشهور عنه فمرة غلب الزيادة ومرة غلب النقصان، إذ من أهل العلم من يرى السجود في السهو كله بعد السلام، كان زيادة أو نقصانا، ومنهم من يراه كله قبل السلام كان زيادة أو نقصانا.
وقد وقع له في " المدونة " في الذي يصلي النافلة خمسا دون سلام ساهيا يسجد بعد السلام، وهو مثل ما حكي عنه في هذه الرواية؛ لأنه نقص السلام وزاد الركعة.
وقول ابن القاسم في آخر المسألة: وقضى بعد الفراغ ركعة بسجدتيها، لفظ ليس على ظاهره؛ لأنه بان وليس بقاض، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا]
مسألة قال: وقال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا.
قال: ومن نزل به شيء وهو إمام قائم حتى لا يستطيع أن يصلي بهم إلا قاعدا، فليستخلف غيره يصلي بالقوم ويرجع هو إلى الصف فيصلي بصلاة الإمام مع القوم.
قال مطرف وابن الماجشون: إن صلى بهم
стр. 487
قاعدا أجزأته صلاته، وعليهم الإعادة أبدا، اختلف فيها قول مالك، وروى موسى بن معاوية عن ابن القاسم في المرضى والمقاعد أنه لا بأس أن يؤمهم رجل منهم قاعدا.
وذكر سحنون في روايته أنه لا يجوز لأحد أن يؤم قاعدا بعد ما كان من فعل النبي ﵇، ومن أم قاعدا أجزأته وأعاد القوم.
قال محمد بن أحمد: قد مضى القول فيما جاء في إمامة المريض الجالس بالأصحاء قياما، وما في ذلك من الاختلاف في رسم "سن رسول الله ﷺ " من سماع ابن القاسم موعبا، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.
وأما إمامة المريض جالسا بالمرضى الذين لا يقدرون على القيام جلوسا فلا خلاف عندي في جواز ذلك.
وما في رواية سحنون من قوله إنه لا يجوز لأحد أن يؤم قاعدا، معناه بالأصحاء قياما، بدليل استشهاده بفعل النبي ﷺ يريد ما روي: من أنه ائتم بأبي بكر في مرضه ولم يكن هو الإمام، وساقها ابن أبي زيد في النوادر سياقة تدل على أنها في إمامة المريض بالمرضى، وذلك وهم، والله أعلم.
[مسألة: قهقه الإمام متعمدا]
مسألة قال ابن القاسم: إذا قهقه الإمام متعمدا أعاد الصلاة وأعادوا، وإن كان مغلوبا قدم غيره فأتم بهم ويتم هو الصلاة معهم، ثم يعيد إذا فرغوا في بعض الروايات ويعيدون.
قال محمد بن رشد: قوله وإن كان مغلوبا قدم غيره، يدل على أنه إن لم يكن مغلوبا لم يصح له التقديم ويقطع ويقطعون ويستأنفون الصلاة.
فمعنى قوله إذا قهقه الإمام متعمدا أعاد الصلاة وأعادوا، أي قطع وقطعوا واستأنفوا الصلاة من أولها. ويريد بقوله متعمدا أي متعمدا لفعلها قادرا على الإمساك عنها. ولا اختلاف في هذا أنه قد أبطل صلاته وصلاة من خلفه إن
стр. 488
كان إماما فيقطع ولا يتمادى عليها، فذا كان أو إماما أو مأموما.
وروي عن يحيى بن عمر أنه قال: قوله وإن كان مغلوبا لا يعجبني إلى آخره، ولا وجه لإنكاره؛ لأن قوله يقدم غيره ويتم معهم صحيح على قول ابن القاسم وروايته عن مالك في " المدونة " وفى رسم "البراءة" بعد هذا في أن المأموم يتمادى مع الإمام ولا يقطع، فإذا لم يقطع المأموم لأجل فضل الجماعة التي قد دخل فيها فالإمام بمنزلته؛ لأنه يحوط من فضل الجماعة ما يحوطه هو والقوم الذين وراءه بذلك أولى وأحرى.
والأظهر أنه لا إعادة عليهم، وهو ظاهر ما في الواضحة لمالك من رواية مطرف عنه.
وأما هو فيعيد على أصله في " المدونة "، وقوله في المأموم: وذهب الفضل إلى أنه إذا قدم من يتم بهم الصلاة يقطع هو ويدخل معهم؛ لأن الصلاة قد فسدت عليه لضحكه فيها، فهو بخلاف الذي يعرض له في صلاته ما يقعده، هذا يتم صلاته مع الذي يستخلفه؛ لأنه لم يستخلف لفساد دخل عليه في صلاته، وإنما استخلف لإصلاح صلاة القوم، وهذا لا يلزم، إذ لا يقطع بفساد صلاته، ولذلك يؤمر المأموم بالتمادي عليها.
وكذلك الناسي كالمغلوب يقدم إن كان إماما ويتمادى مع الإمام إن كان مأموما، قاله ابن حبيب في الواضحة، وروايته عن مالك في رسم "البراءة" من هذا السماع؛ لأنه ساوى فيه بين المتعمد والناسي في أنهما يتماديان مع الإمام إن كانا مأمومين، يريد بالمتعمد الذي يتعمد النظر في صلاته أو الاستماع إلى ما يضحكه فيغلبه الضحك فيها. وأما الذي يضحك مختارا للضحك ولو شاء أن يمسك لأمسك فلا اختلاف في أنه قد أبطل على نفسه صلاته؛ لأن الضحك أشد في إبطال الصلاة من الكلام، لما فيه من اللهو وقلة الوقار ومفارقة الخشوع، ولذلك لم يعذر فيه بالغلبة ولا بالنسيان عند ابن القاسم، خلافا لسحنون في قوله: إن الضحك ناسيا بمنزلة الكلام ناسيا.
ولابن المواز أيضا: إذا صح نسيانه مثل أن ينسى أنه في صلاة، فإذا
стр. 489
أبطلها الكلام متعمدا باتفاق، فأحرى أن تبطلها القهقهة تعمدا.
وقد قال إسماعيل القاضي: إن الكلام في قطع الصلاة أبين من الضحك، ألا ترى أن التبسم لا يقطعها وإنما تقطعها القهقهة؛ لأنه يصير فيها ما يشبه حروف الكلام، والأول أبين في أن القهقهة أبين في قطع الصلاة من الكلام، والله أعلم.
وقال ابن كنانة: يستخلف الإمام إذا ضحك في صلاته متعمدا ويقطع ويدخل مع القوم ويقضي إذا سلم مستخلفه ما بقي من صلاته، فإن كان يريد أنه تعمد النظر إلى ما يضحكه فغلبه الضحك فهو الذي ذهب إليه الفضل، وإن كان يريد أنه تعمد الضحك ولم يغلب عليه فهو شذوذ، وبالله التوفيق.
[القاعد لا يومئ بالسجود إلا من علة]
ومن كتاب العرية قال: ولا يومئ القاعد بالسجود إلا من علة، فإن أومأ في النوافل من غير علة أجزأ عنه.
قال عيسى: لا يومئ من غير علة ولا عذر في نافلة ولا مكتوبة.
قال محمد بن أحمد: قوله إن القاعد لا يومئ بالسجود إلا من علة، يريد في الفريضة، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن السجود فرض كالقيام، فلا يسقط عنه إلا بعدم القدرة عليه.
وإنما قال: إن له أن يومئ في النوافل من غير علة لما جاء من أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» .
ومعلوم أنه من صلى نائما فإنه يومئ بالركوع والسجود. فإذا جاز أن يترك القعود والسجود مع القدرة عليهما جاز أن يترك السجود دون القعود.
وأما قول عيسى إنه لا يومئ في النافلة من غير عذر ولا علة بناء على ترك الأخذ بالحديث مثل قول مالك في " المدونة ": إنه لا يصلي مضطجعا إلا
стр. 490
مريض، فلا يجوز ترك الجلوس ولا السجود إلا من علة، ويحتمل أن يكون لا يجيز الإيماء بالسجود مع القدرة عليه إلا لمن صلى مضطجعا؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «من صلى قاعدا فله نصف أجر صلاة القائم» ، فكان معناه عند أهل العلم جميعا: من صلى قاعدا وساجدا، إذ لم يعلم أن رسول الله ﷺ ولا أحدا من سلف الأمة ترك السجود في صلاة النافلة مع القدرة عليه كما ترك القيام فيها مع القدرة عليه.
وإذا لم تكن صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم إلا مع السجود، فلا تكون صلاة القائم مثل نصف صلاة القاعد إلا مع عدم القدرة على السجود، والله أعلم.
[مسألة: النكاح يعقد بعد قعود الإمام يوم الجمعة]
مسألة وسألته: عن النكاح يعقد بعد قعود الإمام يوم الجمعة، أيفسخ؟
قال: لا، هو جائز دخل أو لم يدخل، النكاح والصدقة والهبة جائزة نافذة في تلك الساعة إلا البيع.
قال أصبغ: فإن اشترى سلعة بعد قعود الإمام على المنبر فباعها بربح لم يجز له أن يأكل ذلك الربح، ويتصدق به أحب إلي، وهو قول ابن القاسم.
قال أصبغ: ولا يعجبني قوله في النكاح وأرى أن يفسخ، وهو عندي بيع من البيوع.
قال القاضي: وجه قول ابن القاسم إن العلة في فسخ البيع لما كانت مطابقة للنهي لم يفسخ النكاح إذ لم تتعد إليه العلة، ووجه قول أصبغ: قياس النكاح على البيع في الفسخ بالمعنى الجامع بينهما، كما يقاس عليه في المنع ويفسخ عند أصبغ ولو فات بالدخول، ويكون لها الصداق المسمى، حكاه ابن مزين عنه.
وهذا على القول بأن البيع إذا فات مضى بالثمن ولم يرد إلى القيمة.
وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم.
وقوله: لم يجز له أن يأكل ذلك الربح - لفظ
стр. 491
ليس على ظاهره ويقضي عليه آخر الكلام، قوله: وأحب إلي أن يتصدق به؛ لأن الربح له حلال على قياس المذهب في انعقاد البيع وانتقال الملك به إليه وكون الضمان منه إن تلفت السلعة. فلو قال: وأحب إلي أن يدفع الربح إلى البائع إن وجده أو يتصدق به عنه إن لم يجده؛ لكان وجه القول والله أعلم، وبه التوفيق.
[رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم دخل عليه حدث فخرج وقدم رجلا]
ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه
وسألته: عن رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم دخل عليه حدث فخرج وقدم رجلا فتوضأ ثم انصرف فأخرج الذي قدم وتقدم، هل تجزئ عنهم صلاتهم؟
قال: قد جاء الحديث عن النبي ﷺ «أنه جاء وأبو بكر يصلي بالناس فسبح الناس بأبي بكر فتأخر وتقدم رسول الله ﷺ » - فأنا أرى أن يصلي بهم بقية صلاتهم، ثم يجلسون حتى يتم هو لنفسه ثم يسلم ويسلمون.
قلت: فلو كان ذكر قبح ما صنع بعد أن صلى ركعة؟ قال: يخرج ويقدم الذي أخرج.
قلت: فإن لم يجده؟ قال: فليقدم غيره ممن أدرك الصلاة كلها.
قلت: أرأيت أنه لو أخرج هذا ودخل ابتدأ لنفسه صلاة نفسه ولم يتبع صلاة الإمام إن كان قد سبقه الناس بركعة لم يجلس هو حتى صلى لنفسه ركعتين ثم جلس، أترى صلاتهم تجزئهم أم لا؟ قال: أرى أن لا إعادة عليهم، اتبعوه أم لم يتبعوه.
стр. 492
قال القاضي: الحديث الذي أشار إليه ابن القاسم هو حديث يوم بني عمرو بن عوف إذ ذهب رسول الله ﷺ ليصلح بينهم، فجاء وأبو بكر يصلي للناس فأشار إليه رسول الله ﷺ أن يمكث مكانه فلم يفعل برا برسول الله ﷺ واستأخر فتقدم رسول الله ﷺ معناه: أنه تقدم أمام الناس فصلى أمام الناس فصلى مؤتما بأبي بكر لا إماما بالناس، ولو صح أنه تقدم فصلى بالناس ما بقي من صلاتهم لكان ذلك خاصا له أو منسوخا من فعله بما فعله في مرضه، إذ جاء وأبو بكر يصلي فصلى إلى جنبه مؤتما به على الصحيح من التأويلات في الحديث، وإنما أجاز ابن القاسم صلاتهم إذا صلى لهم بقيتها؛ لأنه ابتدأها بهم فراعى مذهب أهل العراق في إجازة البناء في الحدث.
وأما لو لم يبتدئ بهم الصلاة فجاء وهم يصلون فأخرج الإمام وتقدم فصلى بهم بقية صلاتهم لبطلت صلاتهم أجمعين باتفاق، أما هم فمن أجل أنهم أحرموا قبل إمامهم، وأما هو فمن أجل أنه ابتدأ صلاته من وسطها.
والصحيح على المذهب أن صلاتهم باطلة؛ لأنه بالحدث يخرج عن الصلاة، فإذا توضأ وانصرف فأخرج الذي قدم وتقدم هو صار مبتدئا لصلاته من وسطها، وصاروا هم مؤتمين به وقد أحرموا قبله، وذلك مبطل لصلاتهم إلا على مذهب من يرى صلاة القوم غير مرتبطة بصلاة الإمام.
وهذا إذا كان حين انصرف أحرم بعد أن أخرج الذي كان قدم على ظاهر الرواية الذي هو كالمنصوص فيها.
ولو تأول متأول أنه لما انصرف أحرم خلف الإمام الذي قدمه ثم أخرجه بعد ذلك عن الإمامة وتقدم هو موضعه لصح جواب ابن القاسم على تأويله، وإن كان تأويلا بعيدا عن الظاهر.
وكذلك لو حمل ما في الحديث من استيخار أبي بكر وتقدم رسول الله ﷺ على أنه إنما تقدم ﷺ مكانه بعد أن أحرم وراءه ودخل معه في الصلاة لصح بذلك معنى الحديث واستقام بناء المذهب عليه.
[مسألة: لا يصلح للحائض أن تمسك المريض للصلاة ولا ترقده]
مسألة قال ابن القاسم: لا يصلح للحائض أن تمسك المريض للصلاة ولا ترقده، فإن فعلت أعاد في الوقت.
стр. 493
قال محمد بن رشد: إنما هذا من أجل أن ثياب الحائض في الأغلب غير طاهرة ولو أيقن بطهارة ثيابها لم تجب عليه إعادة.
[مسألة: الغريق يصلي عريانا ثم يجد ثوبا وهو في الوقت]
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الغرق يصلي عريانا ثم يجد ثوبا وهو في الوقت، هل يعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد الصلاة.
قال المؤلف: هذا صحيح؛ لأن الفرض في ستر العورة في الصلاة قد سقط عنه لعدم القدرة عليه في الوقت الذي صلاها فيه، إذ هو وقت الوجوب على الصحيح من الأقوال.
هذا إذا قلنا إن ستر العورة من فرائض الصلاة. وأما على القول بأنها فرض في الجملة لا تختص بالصلاة فلا إشكال في أنه لا إعادة عليه أصلا.
[مسألة: الرجل يعرض له المرض فيصلي قاعدا ثم يذهب ذلك عنه]
مسألة وسئل: عن الرجل يعرض له المرض فيصلي قاعدا ثم يذهب ذلك عنه وهو في الوقت، هل يعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد الصلاة.
قال محمد بن رشد: الكلام في هذه المسألة كالكلام في التي قبلها لما سقط عنه فرض القيام بعدم قدرته عليه في الوقت الذي صلاها فيه وهو مأمور بالصلاة فيه أجزأته ولم تكن عليه إعادة، وبالله التوفيق.
[مسألة: تفوته ركعة من صلاة العيد فيجد الإمام قائما في الركعة الثانية يقرأ]
مسألة قال ابن القاسم في الذي تفوته ركعة من صلاة العيد فيجد الإمام قائما في الركعة الثانية يقرأ، قال: يكبر تكبيرات، وقال ابن وهب: لا يكبر إلا تكبيرة واحدة.
قال محمد بن رشد: وجه قول ابن القاسم أن التكبير لما كان مما لا يحمله عنه الإمام وجب أن يفعله ما لم يفته وقته بركوع الإمام، ووجه قول
стр. 494
ابن وهب أن وقته قد فاته لما فاته لما يلزمه من استماع قراءة الإمام، لقوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، وهو الأظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.
[نسي صلاتين ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد ولا يدري]
ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل: عمن نسي صلاتين ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد ولا يدري الظهر للسبت والعصر للأحد أو الظهر للأحد والعصر للسبت، قال: أما أنا فأقول وهو رأيي: أن يصلي أربع صلوات ظهرا للسبت ثم عصرا للأحد ثم عصرا للسبت ثم ظهرا للأحد.
قال ابن رشد: وإن شاء صلى الظهر والعصر للسبت ثم الظهر والعصر للأحد، فقد قال ذلك ابن حبيب، وهو صحيح أيضا؛ لأن ذلك يأتي على شكه، وهذا يأتي على مذهب من يعتبر تعيين الأيام المنسيات فيها الصلوات، ولا يعتبر ترتيب الصلوات الفائتات، وهو مذهبه في " المدونة " أنه لا يعتبر الترتيب في الصلوات الفائتات، خلاف ما يأتي في رسم "بع ولا نقصان عليك"، وعلى مذهب من يعتبر الوجهين جميعا؛ لأن اعتبار الترتيب داخل تحت اعتبار التعيين.
وأما على مذهب من لا يعتبر الترتيب ولا التعيين فيصلي ظهرا وعصرا لا أكثر.
وأما على مذهب من يعتبر الترتيب دون التعيين فيصلي ظهرا وعصرا ثم ظهرا وعصرا.
ولو نسي ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد لا يدري أيتهما للسبت ولا أيتهما للأحد، ولا إن كانت السبت قبل الأحد أو الأحد قبل السبت من جمعة أخرى لتخرج ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن لا يعتبر التعيين ولا الترتيب فيصلي ظهرا أو عصرا لا أكثر، والثاني: أن يعتبر التعيين والترتيب جميعا فيصلي ظهرا وعصرا للسبت ثم
стр. 495
ظهرا وعصرا للأحد، [ثم ظهرا وعصرا للسبت] ، وإن بدأ بالأحد ختم به، والثالث: أن يعتبر التعيين دون الترتيب فيصلي ظهرا وعصرا للسبت وظهرا وعصرا للأحد، والرابع: أن يعتبر الترتيب دون التعيين، فيصلي ظهرا ثم عصرا ثم ظهرا، أو عصرا ثم ظهرا ثم عصرا، ثم يختم بالذي بدأ به، وهذا كله بين، وبالله التوفيق.
[مسألة: إمام نسي القراءة في ركعتين]
مسألة وقال في إمام نسي القراءة في ركعتين: إنه يعيد ويعيدون متى ذكروا في الوقت وغير الوقت، وإن ذكر في صلاة قطع وابتدأ.
قال المؤلف: لم يختلف قول مالك في أن من لم يقرأ في ركعتين أعاد أبدا.
وقوله: وإذا ذكر وهو في صلاة قطع وابتدأ، يريد: بسلام، وظاهره على أي حال كان.
وحكم الفذ حكم الإمام في الإعادة والقطع.
واختلف قول مالك إذا ترك القراءة في ركعة واحدة، فقال مرة: يسجد لسهوه قبل السلام، ولا يعيد. وقال مرة: يسجد له ويعيد، وقال مرة: يلغي الركعة ويسجد بعد السلام.
قيل: كانت الصلاة من أي الصلوات كانت، وقيل: إنما هذا إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وأما إن كانت صلاة هي ركعتان فلم يختلف قوله إنه يعيد الصلاة.
والقول الأول هو ظاهر " المدونة "، واختلف اختيار ابن القاسم، فمرة أخذ بالإلغاء، ومرة أخذ بالإعادة.
فعلى القول بالإعادة إن ذكر أنه لم يقرأ قبل أن يركع استأنف القراءة وسجد بعد السلام، وإن ذكر ذلك بعد أن ركع وقبل أن يرفع فقيل إنه يقطع، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وقيل: إنه ينصرف إلى القيام فيقرأ ويركع ويسجد بعد السلام، وهو قوله في سماع سحنون.
وهذا على الاختلاف في عقد الركعة هل هو بالركوع أو بالرفع منه.
وإن ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد قطع، وإن
следующие страницы →