Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
وقد مضى القول على هذه المسألة هناك مستوفى، وذكرنا الاختلاف في وجوب الغرم عليها، وأنه جار على مجرد الغرور بالقول، هل يلزم به غرم أم لا؟ وبالله التوفيق.
[يكون بيده المسكن فيقيم رجل عليه بينة أنه مسكنه ويدعي هو أنه باعه منه]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل عن الذي يكون بيده المسكن أو الأرض، فيقيم رجل عليه بينة أنه مسكنه أو أرضه، أو يقر له بذلك الذي هو بيده، ويدعي الذي هو بيده أنه باعه منه أو تصدق به عليه، أو وهبه، أو ما أشبه ذلك، ولا يأتي ببينة على شيء من دعواه.
قال ابن القاسم: القول قول الذي هو بيده؛ إذا كان قد حازه الزمان الذي يعلم في مثله أن قد هلكت البينة على البيع مع يمينه، وأما الصدقة والهبة والنزول، فإني أرى أن يحلف صاحب المنزل بالله الذي لا إله إلا هو ما وهب ولا تصدق، ولا أنزل، ولا كان ذلك منه إلا على وجه التماس الرفق به، فيرد إليه بعد أن يدفع إليه قيمة ما أحدث فيه نقضا إن أحب، وإن أبى أسلم إليه نقضه مقلوعا قال: وإن كان الذي الأرض أو المسكن في يديه ورثها عن أب هالك أو غيره، فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يكون مدعيها غائبا طرأ، فيقيم البينة أنها له أو لجده، فيسأل الذي هي في يديه البينة، على اشتراء أو سماع، فيكون أولى به، وإن لم يأت بشيء من ذلك، قضى به للقادم؛ إذا أقام البينة أنها لأبيه أو لجده.
قال محمد بن رشد: دليل هذه الرواية، أنه لا حيازة بين الأجنبيين في العشرة الأعوام؛ إذا لم يكن هدم ولا بنيان؛ إذ لم يجعل القول قول الحائز فيما حازه إذا ادعى ابتياعه من الذي حازه عليه، إلا أن تطول المدة، إلى ما تهلك فيه البينات.
стр. 5182
وتفرقته في هذا بين البيع والهبة والصدقة والنزول، خلاف قوله في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب القسمة، فإنه ساوى بين البيع والهبة والصدقة، في أن القول قول الحائز فيما ادعاه من ذلك كله؛ إذا طالت مدة حيازته إياه، في وجه صاحبه إلى ما تهلك فيه البينات. وقوله: وإن كان الذي الأرض أو المسكن في يديه، ورثها عن أب هالك أو غيره، فالقول قوله مع يمينه يريد فيما ادعاه من أنه صار به إلى أبيه، من بيع أو هبة أو صدقة، وكذلك لو قال: لا أعلم بما تصير إلى أبي، إلا أني ورثته عنه وحزته عليك هذه المدة؛ لكان القول قوله مع يمينه أنه ماله وملكه ورثه عن أبيه لا يعلم بأي وجه تصير إليه على ظاهر هذه الرواية، وهو قول ابن الماجشون، خلاف قول مطرف وأصبغ، وأما إذا كان المدعي غائبا طرأ، فأقام البينة، فلا ينتفع المقام عليه، بمجرد حيازته، دون أن يقيم البينة على الشراء بالقطع أو السماع، وبالله التوفيق.
[مسألة: يرثون المنزل فيقوم رجل منهم فيعمل في تلك الأرض بيتا قبل أن يقتسم]
مسألة وسئل عن الإخوة يرثون المنزل، فيقوم رجل منهم فيعمل في ذلك المنزل أو الأرض بيتا قبل أن يقتسم أو يغرس، ثم يقسم، كيف الأمر فيها؟ قال: يقسم، فإن صار ذلك للذي بناه كان له، وإن صار لغيره، خير الذي صار له ذلك، فإن أحب أعطاه قيمته منقوضا، وإن أحب أسلمه إليه فقلعه.
قلت: فإن استغل من ذلك شيئا قبل القسم، قال: إن كانوا حضروا فلا شيء لهم؛ لأنهم بمنزلة لو أذنوا له، وإن كانوا غيبا فلهم من ذلك بقدر كراء الأرض البيضاء، يكون عليه لهم ما ينوبهم، صارت له أو لغيره إذا كانوا غيبا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق، لا رب سواه.
стр. 5183
[عبد باع أرضا لسيده أو أعارها رجلا فبنى فيها أو غرس]
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
وسئل عن عبد باع أرضا لسيده، أو أعارها رجلا، فبنى فيها أو غرس، ثم ظهر السيد على ذلك، فأخذ الأرض، هل ترى على السيد قيمة فيما بنى أو غرس أو الثمن الذي باعها به العبد إن كان باعها منه؟ قال: ليس على السيد قيمة فيما بنى أو غرس، إلا أن يريد أن يمسك البناء أو الغرس، فيعطي الباني أو الغارس قيمة ذلك مقلوعا، ولا يكون للباني أو الغارس إن باينا عليه؛ إذا أعطاهما قيمة ذلك مقلوعا؛ لأن قلعه من الفساد، فلا يترك الفساد، ويكون الثمن الذي اشترى به الأرض، له على العبد يتبعه في ذمته، إن كان له يوما ما مال هو في ذمة العبد لا يعدو ذلك ذمته إلى رقبته.
قال محمد بن رشد؛ المعنى في هذه المسألة أنه إنما تكلم فيها على أن العبد تعدى على أرض سيده دون إذنه ولا علمه، فأعارها رجلا بنى فيها أو غرس، أو باعها منه، فبنى فيها أو غرس، وهو عالم بعداء العبد في ذلك على سيده، فلذلك حكم له بحكم الغاصب. فقال: إن لرب الدار سيد العبد أن يأخذ أرضه، ولا يكون عليه فيما بنى أو غرس شيء، إلا أن يحب أن يأخذ البناء والغرس بقيمته منقوضا، ويرجع المشتري على العبد في الشراء بالثمن الذي دفعه إليه، فيتبعه به في ذمته، ولا يعدو ذلك ذمته إلى رقبته، ويكون للسيد أن يسقط ذلك من ذمته، وقد قيل: إن ذلك يكون في رقبته، وهو بعيد.
ولو كان مأذونا له في التجارة لم يكن له أن يسقط ذلك عن ذمته، ولو لم يعلم المشتري أو المعار، بتعدي العبد على سيده، وظن أنه ماله، وأنه مأذون له في التجارة، لو أن سيده أمره أن يبيع له أرضه أو يعيرها؛ لوجب أن يكون ذلك شبهة للباني والغارس، فلا يكون للسيد أن يأخذ الأرض في
стр. 5184
العارية قبل انقضاء أجلها، إلا بقيمة ما فيها من الغرس والبناء قائما، بعد يمين المعار، أنه لم يعلم بتعدي العبد، ولا من المشتري، إلا بعد أن يدفع إليه قيمة بنيانه وغرسه قائما، على حكم من استحق أرضا من يد مبتاع، وقد بنى أو غرس بعد يمين المشتري أيضا، أنه لم يعلم بتعدي العبد في ذلك على سيده، فإن نكل عن اليمين حلف السيد إن كان حقق عليه الدعوى، وترك النقض للباني ينقضه، إلا أن يحب أن يأخذه بقيمته منقوضا، وبالله التوفيق.
[يشتري الدابة بثوبين مستويين قيمتهما واحدة فيستحق أحدهما والدابة قائمة]
ومن كتاب الثمرة وسألته عن الرجل يشتري الدابة بثوبين مستويين، قيمتهما واحدة، فيستحق أحدهما، والدابة قائمة لم تتغير ولم تفت، بماذا يرجع؟ أبنصف قيمة الدابة؟ أم يكون شريكا معه في الدابة بنصفها؟ قال ابن القاسم: لا يكون شريكا معه فيها، وإنما عليه نصف قيمة الدابة فاتت أو لم تفت.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: أن البيع لا ينفسخ باستحقاق أحد الثوبين المستويين، هو مثل قوله وقول غيره في العيوب من المدونة في العبدين المتكافيين: إنه لم يشتر أحدهما لصاحبه، وقد قيل: إن البيع ينفسخ باستحقاق أحدهما، وهو قوله في آخر كتاب الاستحقاق من المدونة في بعض الروايات، في الذي أسلم ثوبين في فرس، فيأتي على هذا أن استحقاق النصف من العروض كثير كالطعام، ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: المساواة بين العروض والطعام، في أن استحقاق النصف منهما كثير. والثاني: المساواة بينهما في أن النصف يسير، وهو مذهب أشهب، واختيار سحنون. والثالث: الفرق بين الطعام والعروض في أن النصف والثلث من الطعام كثير، ومن العروض يسير، وهو المشهور المعلوم
стр. 5185
من مذهب ابن القاسم.
وأما قول ابن القاسم: إنه لا يكون شريكا معه فيها، وإنما عليه نصف قيمة الدابة فاتت أو لم تفت؛ يريد يوم الحكم، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي. وقيل: إنه القياس، فمعناه إذا كانت الدابة قائمة لم تفت، إن ذلك من حق المشتري للدابة من أجل الضرر الداخل عليه في مشاركة البائع له فيها، وأما إن أبى من ذلك، فليس للبائع إلا أن يشاركه فيها، وقد قيل: إن ذلك ليس له، وهو مخير إذا شاركه البائع فيها، بين أن يمسك باقيها أو يرده، فينفسخ البيع، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى، من كتاب الشفعة.
وقد قيل: إن البائع يشاركه في الدابة، شاء أو أبى، ولا خيار له في رد ما فيها ورد البيع، وهو قول أشهب، فهي أربعة أقوال ترجع في التحصيل إلى قولين؛ أحدهما: أن من حق المشترى للدابة ألا يشاركه البائع فيها، وإن كانت قائمة لم تفت للضرر الداخل عليه بالشركة. والثاني: أن ذلك ليس من حقه، وللبائع أن يشاركه فيها شاء أو أبى. واختلف على القول بأن ذلك من حقه، هل تكون عليه القيمة يوم البيع أو يوم الحكم؟ واختلف بأن ذلك من حقه، هل يكون له رد الباقي إذا شاركه البائع أم لا؟ والقياس قول أشهب: إن للبائع أن يشاركه فيها، وأنه ليس له أن يرد باقيها؛ لأن استحقاق بعضها عليه ليس من سبب البائع، وإنما هو من سببه، بخلاف من اشترى دابة، فاستحق عليه بعضها، إن له ردها على البائع قولا واحدا؛ لأن الاستحقاق من سببه.
ووجه رواية يحيى أن رجوع البائع عليه ببعض الدابة التي اشترى منه، استحقاق منه لبعضها، فوجب أن يكون له رد بقيتها، كما لو استحقها غيره. والقول الأول أصح؛ لأنه إذا استحقها غيره، فللبائع في ذلك سبب؛ لأنه أدخله فيها، وباع منه ما ليس له، وإذا استحقها البائع، فلا سبب له في ذلك، بل السبب في ذلك للمبتاع، فوجب ألا يكون له عليه رجوع. والقول بأنه يرد باقيها عليه، وإن لم يكن له سبب في استحقاق ما استحق منها، هو على قياس قوله في كتاب كراء الدور من المدونة في الذي يكتري الحمامين، والحانوتين، فينهدم أحدهما؛ أن له أن يرد الباقي إذا كان
стр. 5186
الذي انهدم هو وجه ما اكتوى، والأظهر أنه ليس له أن يرد الباقي، قياسا على ما أجمعوا عليه، في الذي يشتري الثمرة فتذهب الجائحة بجلها، إنما ليس له أن يرد الباقي منها، وقول ابن القاسم: إنه لا يكون شريكا معه في الدابة بقدر ما استحق منها، ويكون عليه قيمة ذلك، هو استحسان على غير قياس، وإن كان المشهور من قول ابن القاسم، والأظهر على طرد هذا القول، أن تكون القيمة في ذلك يوم الحكم، لا يوم البيع، وظاهر ما في كتاب الاستحقاق من المدونة أنه إنما يكون عليه قيمة الثوب المستحق؛ إذا كان يسيرا، لا قيمة ما ينوبه من قيمة الدابة، وهو بعيد، فهو قول خامس في المسألة، ووجود العيب بأحد الثوبين فيما يجب لمشتريهما بالدابة من الرجوع فيها، أو في قيمتها، إن أراد رده بالعيب، كالاستحقاق سواء، فإن كان أحدهما أرفع من الآخر، مثل أن تكون قيمة أحدهما عشرة، وقيمة الثاني عشرين، فاشتراها بدابة، ثم وجد بأحدهما عيبا، فلا يخلو من أن يجد العيب بالأرفع منهما، أو بالأدنى، والعبد قائم أو فائت، فإن وجده بالأدنى منهما والعبد قائم لم يفت، فسواء كان القائم قائما أو فائتا، وفي ذلك من الاختلاف ما قد ذكرته في استحقاق أحد الثوبين، وذلك قولان؛ أحدهما: أن من حق المشتري للدابة بالثوبين إلا يرجع في عين الدابة، للضرر الداخل عليه بالشركة، ويختلف على هذا القول هل يكون عليه ما ناب المردود بالعيب من قيمة الدابة، وهو الثلث على ما نزلناه من أن قيمة الأدنى عشرة، وقيمة الأرفع عشرون يوم البيع أو يوم الحكم.
والثاني: أن من حق المشتري للثوبين بالدابة أن يرجع بما ناب المردود بالبيع بالعيب في عين الدابة، ويختلف على هذا القول هل يكون من حقه رد الباقي من الدابة، وينفسخ البيع إذا شاركه البائع فيها، أم لا؟ وإن وجده بالأرفع منهما، والعبد أيضا قائم لم يفت بوجه من وجوه الفوت، وكان الأدنى قد تلف أو فات بالعيوب المفسدة، رد قيمته مع العبد الأرفع الذي وجد له العيب، وأخذ دابته، وإن كان الأدنى قائما لم يفت، أو فات بحوالة سوق، أو نقص، ردهما جميعا وأخذ عبده، وإن وجد
стр. 5187
العيب بأحد الثوبين، والدابة قد فاتت بحوالة سوق فما فوقه، فوجد العيب بأدناهما، فإنه يرجع بما ينوبه من قيمة العبد، كان الأرفع قائما أو قد تلف.
واختلف إن وجد العيب بالأرفع منهما، وقد فات الأدنى بالموت أو العيوب المفسدة، فقيل: إنه يرد الذي وجد به العيب، وقيمة الأدنى ويأخذ قيمة عبده. وقيل: إنه يرجع بما ينوبه من الثمن في قيمة العبد، وأما إن كان الأدنى قائما، أو لم يفت إلا بحوالة سوق، أو نقص يسير، فإنه يرده مع المعيب، ويأخذ قيمة عبده. وأما إذا وجد العيب مشتري الدابة بالدابة، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يكون الثوبان قائمين، لم يفوتا بوجه من وجوه الفوت، فيرد الدابة ويأخذ ثوبيه، وأما إن كانا قد فاتا، أو فات الأرفع منهما بحوالة سوق فما فوقه؛ فليس له إذا رد الدابة إلا قيمة ثوبيه، وأما إن كان الأدنى منهما هو الذي فات، فيرد العبد ويأخذ الثوب الأرفع وقيمة الثوب الأدنى الذي فات.
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[يدعي العبد أو الدابة قبل الرجل ويزعم أنه استودعها إياه]
ومن كتاب حمل صبيا وقال في رجل يدعي العبد أو الدابة قبل الرجل، ويزعم أنه استودعها إياه، وينكر أن يكون يعرف شيئا مما طلب، فيخاصمه فيموت العبد أو الدابة قبل أن يستحقها صاحبها ثم يستحقها. قال: الجاحد غارم لقيمتها؛ لأنه حين جحدها صار ضامنا، قال: وكذلك الدار يجحدها ثم يستحقها صاحبها، وقد انهدمت أو غرقت أو احترقت بعد الجحود؛ أن الجاحد ضامن لقيمتها يوم جحدها، وليس يوم يقضى عليه؛ إذا ثبت ذلك عليه بوديعة أو غصب الغصب يوم غصبه، والوديعة يوم جحدها.
стр. 5188
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال: إنه إذا ادعى عليه الغصب أو الإيداع فأنكر ذلك، ثم ماتت الأمة، فأقام المدعي البينة بعد موتها بما ادعاه من الغصب أو الإيداع، أو أقر بذلك على نفسه؛ أنه ضامن. ولو تداعيا فيها، ولم يدع أحدهما على صاحبه فيها غصبا ولا إيداعا فماتت، ثم أثبت أنها له، ولم يثبت غصبا ولا إيداعا، لم يلزمه ضمانها باتفاق. ولو ادعى عليه الغصب أو الإيداع، فأنكره ثم ماتت، فأقام البينة بعد موتها؛ أنها له، ولم يقم البينة على ما ادعاه من الغصب أو الإيداع، يتخرج ذلك على قولين؛ فقف على افتراق هذه الوجوه الثلاثة، وقد مضى بيان ذلك في نوازل سحنون، من كتاب الرهون، وبالله التوفيق، لا رب سواه، اللهم لطفك.
[مسألة: يعمر في أرض أبيه أو مولاه حتى يهلك]
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وعن الرجل يعمر في أرض أبيه أو مولاه، حتى يهلك أو الختن يعمره في أرض ختنه، ولا يأتي بينة على هبة ولا عطية. قال ابن القاسم: أما الولد فلا شيء له، إلا أن يأتي ببينة على عطية أو صدقة أو هبة، وأما المولى والختن فإنهما مثل الأجنبيين، إذا عمروا أو غرسوا بمحضر صاحب الأرض، ولا يغير عليهم، ولا يشهد بعارية، ولا بغير ذلك، فإن ذلك لهم إذا عمروا زمانا طويلا، وذلك نحو من عشر سنين أو تسع أو ثمان إذا بنوا بنيانا معروفا بعلم صاحب الأرض.
قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه، في أن المولى والختن في الحيازة بمنزلة الأجنبيين، خلاف رواية يحيى عنه في أول رسم من سماعه من هذا الكتاب، في أنهما بمنزلة القرابات، ومثله في آخر مسألة من هذا الكتاب في المولى.
стр. 5189
وقد مضى تفصيل القول في الحيازات بين الأجنبيين والموالي والأصهار والأشراك والقرابات، في رسم سلف من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
ودليل هذه الرواية أنه فرق فيها في مدة الحيازة بين الأجنبيين، بين أن تكون بعمارة دون هدم ولا بنيان، وبين أن يكون بهدم أو بنيان، فلم ير ما دون العشر سنين، بالعام والعامين حيازة، إلا مع الهدم والبنيان، وفي الواضحة لابن القاسم خلاف هذا؛ أن الثمار سنين حيازة، وإن لم يكن هدم ولا بنيان. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، فمن قال به لم ير مجرد الحيازة عاملة فيما دون العشرة الأعوام؛ لأن في نص النبي ﵇ على العشرة الأعوام دليلا على أن ما دونها بخلافها، وهو دليل هذه الرواية عن ابن القاسم، ورواية يحيى عنه في أول رسم من سماعه بعد هذا، ومن لم يقل به، حكم لما قرب من العشرة الأعوام، بحكم العشرة الأعوام؛ لأن المعنى الموجود في العشرة الأعوام وهو المشاحة، موجود فيها قرب منها، وهو قول ابن القاسم، فيما حكى ابن حبيب عنه.
وأما ما نص عليه في هذه الرواية من أن الحيازة بين الأجنبيين فيما دون العشرة الأعوام، بالعام والعامين عاملة مع الهدم والبنيان، فهو صحيح لا ينبغي أن يقع فيه اختلاف؛ لأن المشاحة فيما قرب من العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان أكثر منها في العشرة الأعوام، دون هدم ولا بنيان. ولا تعلق لمن ذهب للخلاف في ذلك، بدليل الخطاب في الحديث؛ إذ لم يأت إلا في مجرد الحيازة، وما لا تكون فيه الحيازة عاملة إلا مع الهدم والبنيان، فلا يكتفى فيها بما دون العشرة الأعوام قولا واحدا، وإنما يختلف في العشرة الأعوام، على ما يأتي في أول رسم من سماع يحيى بعد هذا، والله الموفق.
[مسألة: يحوز على أبيه في حياته الحيوان الرأس أو الدابة حتى يموت أبوه]
مسألة وعن الرجل يحوز على أبيه في حياته الحيوان الرأس، أو
стр. 5190
الدابة حتى يموت أبوه، وذلك الحيوان في يد ابنه، فيموت الأب، فيقول الورثة: هذا الرأس لأبينا، وهده الدابة له، ولا بينة له على صدقة ولا عطية بينة، هل ينتفع بطول تقادمه في يديه، والأصل معروف؟ قال ابن القاسم: لا ينتفع بطول تقادمه في يديه، إلا أن يأتي على ذلك بينة.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم، مثل ما تقدم من قول مالك في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، في أن الابن لا ينتفع بحيازة الأرض على أبيه بالازدراع والاعتمار إذا ادعاها ملكا لنفسه دون بينة، وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[يشتري العبد فيكاتبه ويأخذ كتابته ثم يستحق حرا]
ومن كتاب أوله يريد ماله وسئل عن الرجل يشتري العبد فيكاتبه، ويأخذ كتابته، ثم يستحق حرا، أله أن يرجع بما أخذ منه من كتابته؟ قال: لا إنما ذلك بمنزلة الخراج يخارجه عليه، والإجارة يأخذها له، والخدمة يستخدمها إياه، والعمل يستعمله فيه، فليس للعبد وإن استحق بعد ذلك حرا أن يرجع عليه بما أخذ منه من إجارته وخراجه، ولا بما خدمه وعمل له، وكذلك الكتابة، قال ابن القاسم: ولكن لو كان انتزع منه مالا كان له، لكان له أن يرجع عليه بالذي انتزع منه فيأخذه، كان ذلك المال مما اشتراه له معه، أو أفاده عنده من فضل خراجه أو عمله، أو ما تصدق به عليه، أو وهب له، فانتزعه منه فذلك سواء، يرجع به عليه، وذلك أن رقبته لم تزل حرة، لم يدخلها ملك، فماله الذي كان ملكه وحازه، ليس لأحد انتزاعه،
стр. 5191
بمنزلة حرية رقبته، ليس لأحد أخذه بغير حق، وكذلك لو كان جرح، فأخذ له السيد عقلا، ثم استحق حرا؛ فإنه يرجع على السيد بما كان أخذ من عقل جراحه؛ لأنه لم يكن ضامنا له لو مات عنده لرجع على بائعه بالثمن؛ إذا علم أنه حر، فإن قال قائل: فما بال الخراج والعمل والخدمة لا تكون بمنزلة الانتزاع يرجع به أيضا؛ لأنه كان في جميع ذلك لا يضمنه، وكان يرجع بالثمن إن هلك عنده إذا علم بحريته؟ فليس كما قال فرق بين ذلك، أن كل من اشترى عبدا فإنما يشتريه للغلة والمخارجة والخدمة والعمل، ولذلك يتخذ الناس العبيد، لأخذ أموالهم، لا ليعرضوهم الجنايات، ليأخذوا لها عقلا، وجل العبيد الذين يباعون ويشترون ويملكون، ليست لهم أموال، وإنما يكون ذلك من الخاص من العبيد. فهذا فرق ما بينهما عندي، والله أعلم.
ولكن لو كان مشتريه وهب له مالا أو جارية أو شيئا ثم استحق حرا، كان للسيد أن يأخذ ذلك كله؛ لأنه يقول: إنما أعطيته ذلك حين كنت أرى أنه عبدي أستطيب بها نفسه لينصحني، وليحفظ عليّ مالي، وما أفاده عنده أيضا مما استتجره به، فإن له أن يأخذه؛ لأنه يقول: إنما هو فضلة مالي به اكتسبه، ولأني استتجره بمالي يوم استجرته به، وتركته في يديه يوم تركته، وأنا أرى أنه عبد وأنه مالي؛ إذا ما شئت انتزعه، فأراه يرجع عليه به، بمنزلة ما وهب له؛ لأنه إنما أفره بيده، بعد اكتسابه إياه، فكأنه هبة منه له، فأرى له أن يرجع فيه كما يرجع بغيره، مما وصفت لك، والله أعلم. قال ابن القاسم: وذلك إذا استتجره لنفسه، فله أن يأخذ الفضل، وأما إذا قال له: خذ هذا المال فاتجر به لنفسك، فلا أرى له أكثر من رأس ماله.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: إن الكتابة كالخراج،
стр. 5192
والعمل لا يرجع المكاتب على سيده إذا استحق حرا بما أدى إليه من الكتابة، كما لا يرجع العبد على سيده؛ أنه استحق حرا بما أدى إليه من خراجه، ولا بقيمة عمله صحيح، على أصل مذهب مالك في أن الكتابة جنس من الغلة، وأن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء، وإنما يفترق ذلك على مذهب من يرى أن المكاتب حر بعقد الكتابة، غريم بما كوتب به، فيأتي على هذا المذهب أن له أن يرجع على سيده إذا استحق حرا بما أدى إليه من الكتابة، بخلاف الخراج والعمل.
وفي الخراج وقيمة العمل اختلاف، قيل: إنه يرجع به، وهو قول ابن نافع في المدنية قال: إلا أن يكون خراجا لم يقبضه السيد، فهو للعبد، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه علق العلة فيها بالضمان، ولا ضمان عليه في هذا العبد؛ لأنه لو مات ثم استدل بحرية؛ لكان له أن يرجع بالثمن الذي أدى فيه إلى البائع منه، وكذلك الأصل إذا استحق بحبس من يد مشتر يجري الأمر في وجوب الرجوع عليه بالغلة على هذين القولين؛ لأنه لو غرق أو انهدم، ثم استحق بحبس؛ لكان له أن يرجع بالثمن، فلا فرق بين المسألتين في القياس، وإنما وقع الاختلاف فيهما من أجل أن الضمان قد يكون وقد لا يكون؛ إذ قد يجد على من يرجع بالثمن، وقد لا يجد، ألا ترى أنه ما يضمن فيه المقتل بكل حال في الموت والتلف تكون له الغلة في الضمان قولا واحدا؟ كالمشتري يشتري الشيء فيقتله، ثم يستحق من يده بملك، وما لا يضمن فيه بكل حال، يرد الغلة قولا واحدا، كالوارث يستقل ما ورثه، ثم يأتي من يشاركه من الميراث، أو من يكون أحق به منه.
وقد اختلف في الغاصب، هل يرد الغلة أم لا؟ اختلاف كثير قد ذكرناه في غير هذا الديوان، من أجل أن الضمان قد يكون وقد لا يكون؛ إذ قد يرجع عليه المغصوب منه بالقيمة إن تلف، وقد لا يرجع؛ فقف على هذه الأوجه الأربعة، وهي: وجه ترد فيه الغلة باتفاق، ووجه لا ترد فيه باتفاق، ووجهان يختلف في وجوب رد الغلة فيهما؛ لضعف الضمان فيهما الذي هو الأصل في هذه المسألة؛ لما ثبت من قول رسول الله ﷺ : «الخراج
стр. 5193
بالضمان» ، ولا اختلاف في أن العبد إذا استحق بحرية، أن يرجع على سيده بما انتزع من ماله، وبما أخذه من عقل جرحه؛ إذ ليس شيء من ذلك بغلة، فتكون للسيد بشبهة الضمان على أحد القولين، وإنما هو بمنزلة رقبته التي قد وجبت حريتها، فليس لأحد أخذه بغير حق، وتعليله لذلك بأنه لم يكن ضامنا له لو مات عنده، لرجع على بائعه بالثمن؛ إذا علم أنه حر، ليس بصحيح على أصله؛ لأنه يلزمه عليه ما ألزمه القائل من أن يكون له أن يرجع عليه بالخراج والعمل، وتفرقته بين ذلك بأن العبيد يتخذون للغلة والمخارجة والعمل والخدمة، لا لأخذ أموالهم، وديات الجنايات عليهم، تفرقة ضعيفة، لا وجه لها؛ إذ لا يخلو من أن يكون ذلك غلة، فيكون حكمه حكم الخراج والخدمة، على الاختلاف الذي ذكرناه أو لا يكون غلة، فيكون له الرجوع به على سيده قولا واحدا، وهو الذي اخترناه وصوبناه.
وقوله: إن للسيد أن يرجع عليه بما وهبه من المال، وبما أفاده من المال الذي استتجره به إذا استحق بحريته، وكان إنما استتجره لنفسه، كما فسر ابن القاسم، صحيح، لا أعرف في شيء من ذلك كله اختلافا. ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة في كتاب الصدقات والهبات منها، عن مطرف، وابن القاسم، وابن الماجشون، في العبد إذا استحق بحرية أو ملك أيضا، وقال: إنه إن أعمره أو حبس عليه، فلا رجوع له عليه في ذلك قبل أن يستحق، ولا بعد أن يستحق بالملك أو الحرية، ولا لمستحقه بالملك.
قالا: وذلك يصحبه أيام حياته كذلك، قال مالك والمغيرة وغيره من علمائنا أيضا قالا: وله ولمن صار إليه العبد أن يأخذا منه إن أحبا ما صار إليه من ثمرة الحبس أو غلته، بعد أن يصير ذلك إليه، وفي يديه؛ لأنه كماله، وهو بعيد، لا وجه عندي للتفرقة بين الهبة وبين العمرى والحبس، واختلف إذا أعطاه أو تصدق عليه، ثم أعتقه بعد ذلك، فاستحق بعد العتق بحرية أو ملك، فقيل: له الرجوع عليه بما أعطاه أو
стр. 5194
تصدق به عليه، إلا أن تكون عمرى أو حبسا. وقيل: ليس له أن يرجع عليه بشيء من ذلك، واختلف أيضا إذا أعطاه بعد أن أعتقه، وهو يرى أنه مولاه، ثم استحق بحرية أو ملك، فقال ابن الماجشون: له أن يرجع عليه بما أعطاه، وقال مطرف وأصبغ: ليس ذلك له، واختار ابن حبيب قول ابن الماجشون، وبالله التوفيق.
[غاب عن دار له فدخلها رجل بعد غيبته فسكنها ثم مات عنها]
ومن كتاب الجواب وسألته عن رجل غاب عن داره أو أرض له، فدخلها رجل بعد غيبته، فسكنها زمانا، ثم مات عنها، وبقي ورثته فيها، فقدم الغائب، فادعى ذلك، وأصله معروف له، والبينة تشهد أنه إنما دخل فيها الميت، بعد مغيب هذا، وإن كان يختلف، إن كان يسمع من الهالك يذكر أنه اشترى أو لم يسمع ذلك منه، وإن طال زمان ذلك، أو لم يطل.
قال ابن القاسم: القادم أولى بها إذا كان على ما ذكرت، كان الداخل فيها حيا أو ميتا، ولا يلتفت إلى ما كان يسمع من الداخل الهالك، يذكر أنه اشترى، والقادم أحق بأرضه إذا كان الأصل معروفا له، والبينة تشهد له على ما ذكرت من دخول هذا بعد مغيبه، طال زمان ذلك، أو لم يطل، إلا أن تكون للداخل بينة على اشتراء أو هبة أو صدقة أو سماع، صحيح على اشتراء مع طول زمان وتقادم، فإن لم يكن ذلك، فالأرض أرض القادم على ما شهد له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، من أنه لا حيازة على غائب، فإذا قدم والأصل معروف له، وشهدت له البينة بدخول البيت فيها بعد مغيبه كما ذكر، كان على ورثته البينة، على ما ادعوا من اشتراء أو صدقة أو هبة أو سماع على ذلك، فيما
стр. 5195
طال من السنين، ولو عرف الأصل للغائب، ولم يشهد له بدخول الميت فيها بعد مغيبه، وادعى ذلك، فقال ورثته: بل دخل فيها بحضورك قبل مغيبك، فحيازتنا عليك عاملة؛ لوجب أن يكون القول قوله مع يمينه، أنه ما دخلها إلا بعد مغيبه، ويزيد في يمينه، على ما في المسألة التي بعدها أنه ما علم بذلك في غيبته، إلا أن تكون غيبته بعيدة، وليس عليه أن يزيد ذلك في يمينه على ما في المسألة التي تليها؛ لأنه عذره فيها بالمغيب وإن كان قريبا، والله الموفق.
[مسألة: الحيازة على الغائب]
مسألة قال ابن القاسم: وأما الغائب الذي ذكرت على مسيرة الثمانية الأيام، وقد حيزت أرضه عليه، فليست تلك حيازة، ولا حيازة على غائب، إلا أن يكون قد علم بذلك وعرفه، فترك ذلك، ولم يطلبه ولم يخرج إليه حتى طال زمان ذلك، كما أخبرتك مما تكون فيه الحيازة، وهو تارك لذلك، عالم به، فلا شيء له بعد ذلك.
قال الإمام القاضي: جعل مسيرة الثمانية الأيام في هذه المسألة قريبا، ولم يعذره بمغيبه إذا علم، وذلك خلاف قوله في المسألة التي بعدها، مثل قوله في رسم الأقضية، من سماع يحيى بعد هذا، من هذا الكتاب، والله الموفق.
[مسألة: يغيب مدة ورجل يعمل أرضه عشر سنين ويموت عنها]
مسألة قال عيسى: قلت لابن القاسم: فالرجل يغيب الغيبة غير البعيدة، مثل مسيرة أربعة أيام ونحوها، ورجل يعمل أرضه عشر سنين أو عشرين سنة، ويموت عنها العامر، ويرثها ولده، فلا يطلق ذلك، ولا يوكل، وهو تبلغه عمارته، ولا يذكر شيئا، فيقدم
стр. 5196
يطلب ذلك بعد عشرين سنة، وقد صارت بيد وارث، قال: ذلك له، ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب، وليس كل الناس يقرب ذلك عليهم. وللناس معاذير في ذلك، من ضعف البدن، والنظر في صنعته، والضيعة تكون من النبات، ولا يستطيع مفارقتهن، قلت له: فإن لم يكن عذر ولا ضعف يعرفه الناس، قال: كم فيمن لا يتبين عذره للناس، وهو معذور، فلا أرى أن يقطع ذلك عنه شيء، متى ما قام، كان على حجته.
قال محمد بن رشد: عذره ابن القاسم في هذه المسألة بمغيبه، وإن كان قريبا، فلم ير الحيازة عليه عاملة، خلاف قوله في المسألة التي قبلها. وفي أول رسم الأقضية، من سماع يحيى بعد هذا، من هذا الكتاب، وقد حكى عيسى في كتاب الجدار اختلاف قول ابن القاسم في هذه المسألة، ثم قال: وأحب قوله إلي أن يكون على حقه، إلا أن يقوم وحقه في يد الذي حازه في غيبته، فعلم بذلك، ثم رجع ولم يذكر شيئا حتى قام اليوم، وقد طال زمان ذلك بعد أن علم، فهو كالحاضر الذي يستحق عليه الأشياء بالحيازة، فيما فسرت لك، والله أعلم.
وهذا الاختلاف في القريب إنما هو إذا علم، وأما إذا لم يعلم فلا حيازة عليه، وإن كان حاضرا غير أنه في القريب محمول على غير العلم حتى يثبت عليه العلم، وفي الحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم يعلم، والقريب في هذا الذي اختلف فيه هذا الاختلاف، ما كان على مسيرة الثمانية الأيام ونحوها، والبعيد مثل الأندلس من مصر، أو مصر من المدينة على ما قاله في رسم الأقضية، من سماع يحيى، ولم يختلف في البعيد الغيبة، أنه لا يحاز عليه بطول المدة، وإن علم، وبالله التوفيق.
[ابتاع دارا فاستحق رجل فيها سهما من عشرة]
ومن كتاب العتق وسئل عن رجل ابتاع دارا، فاستحق رجل فيها سهما من عشرة
стр. 5197
أو أقل أو أكثر، فهل ينقض ذلك شراءه؟ قال: قال مالك: فإن كان الذي استحق منها يسيرا، قلت العشر، قال: ربما كان العشر فيها يضر، وفيها ما لا يضر، فإنما ينظر في ذلك الوالي على الاجتهاد، فإن رأى ضررا رده، وإن لم ير ضررا أمضى البيع، ورد عليه قدر ذلك من الثمن.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن استحقاق العشر من الدار قد يضر ببقية الدار، وقد لا يضر، فإن كانت لا تنقسم أعشارا، فلا شك في أن ذلك ضرر له، رد جميعها، وأما إن كانت تنقسم ببيت يحصل للمستحق من الدار، والمدخل على باب الدار، والساحة مشتركة، فإن كانت دارا جامعة كالفنادق التي تكرى ويسكنها الجماعة من الناس، فليس ذلك بضرر، فيرجع بقدره من الثمن، ولا يرد الجميع، وإن كانت دارا للسكنى، فذلك ضرر.
وأما إن كانت تنقسم بغير ضرر ولا نقصان من الثمن، ويصير لكل نصيب حظه من الساحة، وباب على حدة، فليس ذلك بضرر، إلا أن يكون المستحق على هذه الصفة الثلث فأكثر، والدار الواحدة في هذا، بخلاف الدور، ولأنه إذا اشترى الدور، فاستحق بعضها، لا يرد جميعها، إلا أن يكون الذي استحق منها أكثر من النصف، وهو الخل، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على مذهب مالك؛ لأنه قد نص في المدونة في القسمة، وفي النكاح الثاني منها أن استحقاق ثلث الدار الواحدة كثير.
وقد مضى في رسم يوصي من هذا السماع ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله التوفيق.
[بنى وغرس في أرض كانت في يديه، فاشتراها فاستحقها رجل]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل بنى وغرس في
стр. 5198
أرض كانت في يديه، فاشتراها، فاستحقها رجل، فقيل للذي استحقها: اغرم له قيمة غرسه وعمله، فقال: ما بيدي ما أعطيه اليوم، وما أريد إخراجه، فليسكن حتى يرزق الله ما أودي إليه، ولينتفع بعمله حتى يأخذ حقه، فكره صاحب الغرس تأخير ذلك، وقال: أما إذا قضى علي بالخروج، وصار ما في يدي لغيري، فلست أقيم فيما لا حق لي فيه، مع ما أخاف من نقصان قيمة عملي بتأخير أخذ القيمة منه. قال: يغرم المستحق ما وجب عليه من القيمة، ولا يؤخر للعشرة، فإن كره أو كان معدما، قيل للعامل في الأرض: ادفع إليه قيمة أرضه، ثم تكون لك وما أحدثت فيها؛ فإن أبى أو كان معدما، كانا شريكين في الأرض والعمارة، على قدر قيمة الأرض، وقدر قيمة العمران، وأمرهما مثل الذي استحق في يديه أرض عمرها وهو يراها مواتا. قال: وإن رضي ذلك الذي عمر الأرض أن يؤخر المستحق، على أن يقره ينتفع بعمارته ما حل ذلك بينهما؛ لأن حقه قد وجب معجلا، فهو يؤخره على الانتفاع، فهو بالأرض والعمران الذي قد صار للمستحق بالقيمة التي يؤخره بها، وهو كالسلف الذي يرضى لصاحبه بتأخيره.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها. ورواية المدنيين فيها عن مالك، أن صاحب العمارة لا يخير، ويكونان شريكين إن أبى المستحق أن يعطي صاحب العمارة قيمة عمارته، خلاف مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، وقوله: ولو رضي الذي عمر أن يؤخر المستحق، على أن يقره ينتفع بعمارته، لم يحل؛ لأنه سلف جر منفعة؛ صحيح على ما قاله، ولو أكراه منه المستحق بما وجب له عليه من قيمة البناء، لم يجز عند ابن القاسم؛ لأنه الدين بالدين، ويجوز على مذهب أشهب؛ لأن قبض أوائل الكراء كقبض جميعه، وبالله التوفيق.
стр. 5199
[مسألة: ورثوا منزلا فهلك بعض الورثة وادعى ولد الذين ماتوا أن المنزل لم يقسم]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ورثة ورثوا منزلا، فهلك بعض الورثة، وترك أولادا، فادعى ولد الذين ماتوا بعد موت الأول، أن المنزل الذي هلك عنه جدهم بينهم لم يقسم، وادعى الباقون من ولد الجد، أنه ليس في أيديهم غير حقهم، وأنهم عايشوا إخوتهم، حتى مات منهم، وكلهم مقيم على ما في يديه من المنزل، راض به، والذي في أيديهم من المنزل، فيختلف في أيدي بعضهم القليل، وفي أيدي بعضهم الكثير، وعسى أن يكون فيهم من ليس في يديه منه شيء، وقد تعايشوا على تلك الحال، الثلاثين سنة ونحوها، فلما مات منهم من مات، أراد ورثته أخذ سهم أبيهم، أترى ذلك لهم؟ ولعلهم قد كانوا اقتسموا، فإن طلبوا على ذلك بينة لم يجدوها؛ لطول الزمان، وما يحدث على الشهداء من الموت والنسيان، فقال: أما كل دار أو مزرعة لم يحدث فيها الوارث الذي هي في يديه، أو فيما كان في يديه منها غرسا ولا بنيانا حتى يكون بما أحدث حائزا له دون ورثته، وإنما الدار بحال ما هلك عنها الجد، غير أن بعضهم يسكن منها أكثر مما يسكن بعض، أو يكون في أيدي بعضهم دون بعض، أو المزرعة يزرعها أحدهم دون الآخرين، أو يزرع منها بعضهم أكثر من بعض، فلا أرى أن يستحق أحدهم شيئا من ذلك بطول السكنى والازدراع، وإن طال زمان ذلك جدا، وليسوا فيما حازه بعضهم عن بعض، من غير إحداث عمارة ببنيان أو كراء، كأن يقبضه لنفسه ويكريه باسمه بحضرة إخوته وعلمهم، كما يحوزه الأجنبي من مال الرجل.
قلت: فكم ترى طول حيازة الأجنبي مال الرجل الذي يستحقه به، لا تسأله البينة على ما في يديه منه، وإن لم يبن ولم يغرس، غير أنه سكن
стр. 5200
الدار وازدرع الأرض، أو ما أشبه ذلك؟ فقال: العشر سنين ونحوها، يبطل عندي دعوى من ترك رجلا يحوز عليه أرضه وداره بالسكنى والازدراع، وهو حاضر لا ينكر ولا يمنع، قال: وأبين ذلك عندي أن يبني ويغرس. قلت: أترى الإخوة فيما بينهم من ميراثهم ومن معهم من سائر الورثة إذا كان ما يحوزه بعضهم عن بعض العشر سنين ونحوها بإحداث الغرس والهدم والبنيان والكراء الذي يكريه باسمه، ويتقاضاه دونهم، وتنتسب تلك الدور والأرضون إذا أكروها إلى بعضهم دون بعض.
أترى أن يكونوا في هذه الحالة بمنزلة الأجنبيين فيما ذكرت من العشر سنين ونحوها؟ فقال: نعم. حاله عندي فيما يحوزه بعضهم دون بعض بالهدم والبنيان والغرس، بمنزلة ما يحوزه الرجل من مال الرجل. والتقادم عندي فيه الذي يستحقه به حيازة العشر سنين ونحوها، فقال: والموالي والأصهار، يساكنون الرجل في داره المعروفة له، أو يحرثون أرضه فيعايشهم على ذلك زمانا، فيدعيها بعضهم بالتقادم، أو يموت ويدعي ذلك ورثته؟ أرى أن لا يستحقوا شيئا مما سكنوا واحترثوا بتقادم ذلك في أيديهم، إلا أن يغرسوا أو يهدموا أو يبنوا، فيكون حينئذ حالهم عندي على ما وصفت لك، مما يحوزه الأجنبي، من أرض الرجل أو داره.
قال يحيى: ثم رجع ابن القاسم فيما يحوزه الوارث على إشراكه بالهدم والبنيان والغرس، فلم ير ذلك يقطع حق الوارث من ميراثه، وثبت فيما حازه الوارث، عن موارثتهم وإن حازها بعضهم عن بعض بغير ما ذكرت لك من الوطء والهبة، وما أشبه ذلك طول الزمان، إلا أن يطول جدا. قال: ولم ير الأربعين سنة وما دونها بطويل جدا بين الورثة بخاصة، وسواء عندنا فيه أخوان حازه أحدهما دون صاحبه، أو مات أحدهما، أو ماتا جميعا فتداعيا فيه أبناؤهما
стр. 5201
أو أبناء الأبناء، الأمر فيه هو ألا يقطعه إلا طول الزمان جدا.
قال: وكل ما حازه المولى من دار مولاه، أو أرضه، أو الأصهار أو الولد، فهو بهذه المنزلة، لا يقطع ذلك حق الذي تعرف له الأرض بطول عمارتهم وإن هدموا وبنوا، إلا أن يطول جدا، مثل ما وصفنا من أمر الورثة فيما يحوزه بعضهم دون بعض، الذي يعرف الناس به من التوسع للمولى والصهر والولد، إلا أن يحوز ذلك بالبيع والعطايا أو الهبات أو الصدقات، وما أشبه ذلك مما لا يصنعه المرء إلا في خاصة ماله. قال: وأبناؤهم وأبناء أبنائهم بمنزلتهم، لا حق لهم فيما عمر الأب، والجد من دار مواليه أو أرضه أو داره أو ابنه أو جده، إلا أن يطول الزمان جدا، ولا ينفعه أن يقول: ورثت عن أبي، وأبي عن جدي، لا أدري كيف كان هذا الحق بأيديهم، ويدي بعدهم، حتى يأتي بالبينة على شراء الأصل أو عطية، أو أمر يستحق به ما عمر، أو عمر أبوه أو جده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة، وقد مضى من قولنا في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم ما فيه بيان أكثر وجوها، ونزيد هاهنا بيانا بالتكلم على ما يقتضيه بعض ألفاظها، من ذلك قوله فيها لما سأله عن طول الحيازة التي يستحق بها الأجنبي ما حازه من مال الأجنبي، دون أن يسأل البينة على ما في يديه منه، وإن لم يبن ولا غرس العشر سنين ونحوها، يبطل عندي دعوى من ترك رجلا يحوز عليه أرضه وداره بالسكنى والازدراع، وهو حاضر لا ينكر ولا يمنع؛ لأنه كلام فيه احتمال.
وقد قال بعض أهل النظر: إن فيه دليلا على أنه إذا حاز الرجل الدار أو الأرض بحضرة القائم، المدة المذكورة، أنه لا يلزمه أن يكشف عن أصل الملك؛ لأنه لو ألزم ذلك، وقال: صار إليّ بهبة أو صدقة، ثم ضعف عن إثبات ذلك، فقد أعان على إبطال حقه. قال هذا القائل، وقد قيل: إنه يلزم المقوم عليه، أن يقول: من أين صار بيده؟ قال:
стр. 5202
والأول أحسن، والذي أقول به: إن هذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه، وإنما يختلف الجواب في ذلك بحسب اختلاف الوجوه فيه. فوجه لا يسأل الحائز فيه عما في يديه، من أين صار إليه؟ وتبطل دعوى المدعي فيه بكل حال، فلا توجب يمينا على الحائز المدعى عليه، إلا أن يدعي عليه أنه أعاره إياه، فتجب له عليه اليمين على ذلك. وهذا الوجه هو إذا لم يثبت الأصل للمدعي، ولا أقر له الحائز الذي حازه في وجهه العشرة الأعوام ونحوها، ولو ادعى عليه فيما في يديه، أنه ماله وملكه، قبل أن تنقضي مدة الحيازة عليه في وجهه؛ لوجبت له عليه اليمين.
ووجه يسأل الحائز فيه عما في يديه من أين صار إليه؟ ويصدق في ذلك مع يمينه، ولا يكلف البينة على ذلك، وهو: إذا ثبت الأصل للمدعي، أو أقر له به الحائز، ولو ثبت الأصل للمدعي، وأقر له به الذي هو في يديه، قبل أن تنقضي مدة الحيازة عليه؛ لوجب أن يسأل من أين صار إليه؟ ويكلف البينة على ذلك. وقوله في هذه الرواية: العشر سنين ونحوها معناه: العشر سنين وما قرب منها، يريد والله أعلم بالشهر والشهرين والثلاثة، وما قرب منها مما هو ثلث العام وأقل. وقد قيل: إن ما قرب من العشرة الأعوام بالعام والعامين حيازة.
وقد مضى القول على ذلك في رسم شهد، من سماع عيسى قبل هذا، فلا معنى لإعادته، وفي قوله في هذه الرواية، ثم رجع ابن القاسم فيما يحوزه الوارث على إشراكه بالهدم والبنيان والغرس، دليل على أنه لم يرجع فيما حازه القرابة بعضهم على بعض، مما لا شركة بينهم فيه العشرة الأعوام، بالهدم والبناء.
وقد دل على ذلك أيضا قوله: قال: ولم ير الأربعين سنة، وما دونها بطويل جدا بين الورثة بخاصة. وقد رأيت لبعض أهل النظر، أنه قال في قوله في هذه الرواية بين الورثة بخاصة دليل على أن الأشراك من غير الوراثة، بخلاف شركة الوراثة، وتأول مثل ذلك أيضا على ما قاله يحيى بن يحيى بعد هذا في رسم الأقضية، قال: وفي كتاب الجدار لعيسى: أن ابن القاسم يفرق بين الأشراك في الوراثة وغير الوراثة، كانت بابتياع أو غيره،
стр. 5203
وجعل ذلك كله في حكم القرابة على اختلاف قول ابن القاسم. وهو الذي حكاه من كتاب الجدار، من أن حكم الأوراث والأشراك في الحيازة، بمنزلة سواء، هو قول مطرف وأصبغ في الواضحة، وقد روي عن مطرف أن الأشراك بمنزلة الأجنبيين، وبعد عندي في النظر أن يكونوا بمنزلة الأجنبيين من أجل أنهم أشراك، وأن يكونوا بمنزلة الأوراث؛ إذ ليسوا بقرابة، وإنما الذي يشبه، أن يكون حكم الإشراك الأجنبيين، كحكم القرابة من غير أهل الميراث، الذين ليسوا بأشراك، فيدخل في ذلك اختلاف ابن القاسم في القرابة الذين ليسوا بأشراك، فيتحصل فيهما جميعا أعني بها القرابة الأشراك وغير الأشراك ثلاثة أقوال؛ أحدهما: أن العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان حيازة بينهم، كانوا أشراكا أو لم يكونوا. والثاني: أنها لا تكون حيازة بينهم، كانوا أشراكا أو لم يكونوا. والثالث: أنها تكون حيازة بينهم إن لم يكونوا أشراكا، وتكون حيازة إن كانوا أشراكا.
وقوله: إلا أن يحوز ذلك بالبيع والعطايا أو الهبات أو الصدقات، أو ما أشبه ذلك مما لا يصنعه المرء إلا في خاصة ماله، يريد فتكون العشرة الأعوام في ذلك حيازة، وعلى ما دل عليه ما مضى من المسألة. ومعنى ذلك في البيع؛ إذا لم يعلم به إلا بعد وقوعه، فلم يقم حتى مضت مدة الحيازة، ولو قام بعد قبل مضيها بعد العام ونحوه، لحلف، وكان الثمن له، ولو قام بحدثان ما علم؛ لكان له رد البيع، ولو كان حاضر البيع فسكت، ولم يقم إلا بعد العام ونحوه؛ لكان ذلك عليه حيازة، ولم يكن له شيء.
وقد مضى هذا المعنى بأبين من هذا في سماع أشهب، وهذا إذا باع الجميع، وكذلك إذا باع الجل، وإنما يختلف إذا باع الجل في القليل الباقي. فقيل: إنه تبع للجل المبيع، يستحقه الحائز بالحيازة، وهو قوله بعد هذا في هذا الرسم، وقيل: إنه لا يكون تبعا له، وهو قول ابن القاسم، في سماع سحنون بعد هذا، وكذلك اختلف أيضا إذا باع اليسير وهو حاضر، فلم يقم إلا بعد العام ونحوه، أو لم يعلم به إلا بعد وقوعه، فلم يقم حتى مضت مدة الحيازة، هل يكون تبعا للباقي أم لا؟ فقيل: إنه لا يكون تبعا له، ويستحقه
стр. 5204
البائع بالحيازة، ويكون الثمن له، وقيل: إنه يكون تبعا له، ولا يستحقه البائع بالحيازة، ولا يكون له الثمن، ويكون للذي ثبت له الأصل، وأما الهبات والصدقات والأعطية، فإن وقعت في الكل أو في الجل، أو في اليسير مضت، إلا أن يقوم بحدثان ما علم، فيكون له رد ذلك. وأما الباقي فيكون له إن كان الأكثر باتفاق، وإن كان الأقل، فعلى الاختلاف الذي ذكرناه في البيع إن كان قيامه بعد أن مضت مدة الحيازة من يوم علم بذلك، أو بعد مضي العام ونحوه، إن كان مشاهدا لذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يكون صهرا لي فيعمر أرضا في قريتي في وجهي عشر سنين]
مسألة قلت لسحنون: أرأيت الرجل يكون صهرا لي يكون زوج عمتي، أو زوج أختي، فيعمر أرضا في قريتي، في وجهي عشر سنين أو نحوها، والقرية معروفة لي خاصة، ليست لأبي ولا لجدي، هل تنفعه حيازتها في وجهي عشر سنين أو نحوها، وتكون له كما تكون للبعيد من الناس، إذا أعمروها عشر سنين؟ قال: الصهر عندي بمنزلة القرابة، لا يستحقها بعمارة عشر سنين، كما يستحقها الأجنبي، وقد اختلف فيها أصحابنا، وهذا الذي أعلمتك عندي أحسن؛ أن الصهر بمنزلة القرابة والورثة قيل: فموالي الذين من فوق الذين أعتقوني، قال: الموالي الذين أنعموا عليك، والموالي الذين أنعمت عليهم في ذلك سواء، بمنزلة القرابة.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا: إن الصهر بمنزلة القرابة، هو مثل ما تقدم في هذا الرسم عن ابن القاسم، خلاف ما مضى في رسم شهد، من سماع ابن القاسم. وأما قوله في أن الموالي الأعلين والأسفلين في ذلك سواء، فهو مثل ما في سماع أصبغ، بعد هذا، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، وبالله التوفيق.
стр. 5205
[مسألة: أصدق المرأة عن ابنه منزلا فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت المنزل]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أصدق المرأة عن ابنه منزلا، فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت المنزل، إلا حقولا يسيرة تركتها في يد حموها، فلم تزل في يديه حتى مات بطول زمان، ثم أرادت المرأة أخذها، فمنعها ورثة الحمو، وقالوا: قد عايشته زمانا من دهرك، وهي في يديه، ولا تشهدين عليه بعارية ولا كراء، ولا ندري لعلك أرضاك من حقك، أترى للمرأة في ذلك حقا؟ قال: نعم، لها أن تأخذ تلك الحقول التي هي مما كان أصدقها الحمو عن ابنه، ولا يضرها طول ما تركت ذلك في يد الحمو؛ لأنها ليست بالصدقة، فيلزم حيازتها، وإنما الصداق ثمن من الأثمان. قال: وكذلك لو تركت كل ما أصدقت في يد الحمو، لم يضرها ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا إشكال فيها ولا اختلاف؛ لأنه حقها، تركته في يد حموها، فلا يضرها ذلك، طال الزمان أو قصر؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم» ، وليس هذا من وجه الحيازة التي ينتفع الحائز بها، ويفرق بين القرابة والأجنبيين والأصهار فيها؛ إذ قد عرف وجه كون الأحقال بين الحمو، فهي على ذلك محمولة حتى يعرف تصيرها إليه بوجه صحيح؛ لأن الحائز لا ينتفع بحيازته، إلا إذا جهل أصل مدخله فيها، وهذا أصل في الحكم بالحيازة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الأرض تكون بيد الرجل فيدعيها رجل فيستحقها وقد قلبها الآخر]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الأرض تكون بيد
стр. 5206
الرجل، فيدعيها رجل، ويخاصمه فيها، فيستحقها، وقد قلبها الذي كانت في يديه، وأنعم حرثها ليزرعها. قال: المستحق بالخيار، إن شاء أعطاه قيمة عمله وأخذها، فإن أبى قيل للذي استحقت في يديه: إن شئت فاغرم كراءها، وإن شئت فأسلمها بما فيها من العمل، ولا شيء عليك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة لم يجر فيها ابن القاسم على الأصل؛ لأنه إذ لم يلزم المستحق أن يعطي المستحق من يديه الأرض قيمة حرثه وعمله فيها، كما يلزم مستحق الحائط أن يعطي الذي استحق من يديه قيمة سقيه وعلاجه، إن كان سقاه وعالج فيه، وجعل من حق الذي استحقت من يده الأرض إذا أبى المستحق أن يدفع إليه قيمة حرثه وعمله، أن يدفع إليه قيمة أرضه، ويكون أحق بها، كما يكون ذلك له إذا استحقت من يديه وبناها؛ لأن منفعة حرثه، يستوي جميعها في ذلك العام، بخلاف أن يعطيه كراءها لذلك العام، يريد غير محروثة، ليصل بذلك إلى حقه في حرثه وعمله، فيلزمه أن يقول أيضا: إنه إن أبى من ذلك، كانا شريكين في كراء ذلك العام محروثة، المستحق بقيمة كرائها غير محروثة، المستحق منه بقيمة حرثه وعمله.
وإنما لم يكن من حق المستحق منه إذا أبى المستحق أن يدفع إليه قيمة حرثه وعمله، أن يدفع إليه قيمة أرضه، ويكون أحق بها، كما يكون ذلك له إذا استحقت من يده وبناها؛ لأن منفعة حرثه، يستوي جميعا في ذلك العام، بخلاف البنيان الذي تبقى منفعته الأعوام. ولأصبغ في الثمانية أنه لا شيء للذي حرث الأرض في حرثه على المستحق؛ لأنه ليس شيء وضعه فيها لو شاء أن يأخذه أخذه كذلك، قال سحنون: إنه لا شيء له، وإن زبلها؛ لأن ذلك مستهلك فيها، فيأخذها المستحق على ما هي عليه، كالدابة العجفى تسمن، والصغير يكبر، والاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في الرجوع في الاستحقاق بقيمة السقي والعلاج، فجواب ابن القاسم على أصله في وجوب الرجوع بذلك، وهو مذهب أشهب، وقول
стр. 5207
سحنون في ذلك على أصله، في أنه لا يجب الرجوع بذلك، وهو مذهب ابن الماجشون، وقول ابن القاسم أصح؛ إذ ليس بمتعد، وإنما عمل على وجه بشبهة، فلا تظلم عمله، ألا ترى أنه إذا بنى تكون له قيمة بنيانه قائما؟ وإن كان البنيان والعمل مستهلكا، لا يقدر على أخذه، ويلزم سحنون على أصله في الحرث والزبل، لا يكون له في البنيان، إلا قيمته منقوضا. وهذا ما لم يقله هو ولا غيره فيما أعلم، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به سحنون، من الدابة العجفاء تسمن، والصغير يكبر؛ لأن النفقة عليهما بإزاء الانتفاع بهما؛ إذ لو رجع بها، لرجع عليه بقيمة الاستخدام والركوب، وذلك ما لا يصح؛ لقول رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: هلك زوجها وترك مالا وولدا فعايشت ولده ثم تزوجت بعده ثم هلكت]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن امرأة هلك زوجها، وترك منزلا وولدا ورقيقا، فعايشت المرأة ولد الرجل من غيرها زمانا، وتزوجت بعده زوجا أو زوجين، ثم هلكت، فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول، يطلب مورثها من زوجها الأول، في رباعه ورقيقه، فقال ولد زوجها الأول: قد عايشتنا أمكم زمانا طويلا، وكانت أعلم بموضوع حقها، ووجه خصومتها، وذلك منذ عشرين سنة لم تطلب قبلنا شيئا حتى ماتت.
قال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان حقها، من مورث معروف لها، وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها، لا يقطع حقها ولا سكوتها في مورثها من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة في هذا عندي مخالف لغيرهم، إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها، حتى حاز كل أحد نصيبه من الأرض، ودان بحقه من أثمان ما باعوا، وبحقه مما اقتسموا من
стр. 5208
الرقيق والعروض، وهي ساكتة عالمة، لا تدعي شيئا ولا تطلبه، فهذا الذي يقطع حجتها، ويبطل طلبها.
قلت: فإن لم يقسموا شيئا ببينة ثبتت، ولكن قد اقتطع كل وارث أرضا زرعها وتنسب إليه، أو دارا يسكنها، أو رقيقا يخدمهم، أو بقرا أو غنما يحتلبها، أو دواب يستغلها، فكل وارث قبض مما قصصت لك شيئا قد بان بمنفعة دون أشراكه، فإليه ينسب، وله يعرف، ولما كلفوا البينة على الاقتسام، لم يجدوها لطول الزمان، وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يديها الشيء اليسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من المورث؟ قال: لا أرى هذا يمنعها من أخذ حقها، إلا أن يكون كل واحد منهم يعتق من الرقيق، ويدبر، ويبيع، ويتصدق، ويكاتب، فإن صنعوا ذلك وما أشبهه فيما في أيديهم، رأيت ذلك حيازة لكل واحد منهم؛ لما بقي في يديه، وقطعا لدعوى المرأة وغيرها من أهل الميراث، فمن ترك الأخذ بحقه زمانا، وهو يرى ما يحدث هؤلاء الأشراك فيما في أيديهم، لا يغيرون عليهم، ولا ينكرون فعلهم قال: وإذا صنعوا مثل هذا بعلم المرأة، وإن طال الزمان، فهو قطع لحقها إذا لم تنكر عليهم، ويعرف منعها إياهم، وقيامها بأخذ حقه قبلهم، بحداثة ما أحدثوا مما لا يحدثه المرء إلا في خاصة ماله، قلت: أرأيت إن لم يعتقوا أو يدبروا أو يتصدقوا أو يبيعوا إلا الرأس أو الرأسين، من جماعة رقيق وحده، أيبطل سكوتها عنهم حقها، من جميع الميراث؟ فقال: لا، ولكن تأخذ حقها، فيما أعتقوا أو باعوا إذا كان الذي أحدثوا من ذلك في أيسر الميراث وأقله؛ لأنها تصف بالسكوت عن اليسير؛ لكثرة المورث، وما تأخر من القسم؛ لأنها تقول: قد يصير لهم أضعاف ما أحدثوا فيه مما سكت عنه. قال:
стр. 5209
وكذلك لو أحدثوا مثل ما وصفت في جل الميراث وأكثره، وبقي يسير لم يحدثوا فيه شيئا، فإن حقها يبطل من القليل الباقي، فإنه تبع للكثير الذي استحقوه بما أحدثوا مما حازه بعضهم عن بعض.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان، فإن حقها من مورث معروف لها ولولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها، لا يقطع حقهم طول سكوتها من مورثها، من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة في هذا عندي مخالف لغيرهم. هو مثل ما تقدم من قوله قبل هذا من أنه لا حيازة بين الأقارب، بخلاف الأجنبيين. وأما قوله: إلا أن يكونوا قد اقتسموا بعملها حتى حاز كل واحد نصيبه من الأرض، وبان بحظه من أثمان ما باعوا، وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض، وهي ساكتة لا تدعي شيئا ولا تطلبه، فهذا الذي يقطع حجتها، ويبطل طلبتها عندي ففيه تفصيل.
أما إذا كانت شاهدة للقسمة حين وقوعها، فيبطل حقها بسكوتها بعد ذلك العام ونحوه، على قياس ما ذكرنا من البيع قبل هذا، وفي سماع أشهب؛ لأن القسمة بيع من البيوع. وقد قيل: إنها تمييز حق، فبطلان حقها بمرور الحول على ذلك أحرى، وأما إن لم تشاهد القسمة، وإنما علمت بها بعد وقوعها، فلا يبطل حقها إلا بمرور مدة الحيازة، وقوله بعد ذلك في الرواية قلت: فإن لم يقسموا شيئا ببينة ثبتت، ولكن قد اقتطع كل وارث أرضا يزرعها، وتنسب إليه أو دارا يسكنها أو رقيقا يختدمهم، أو بقرا أو غنما يحتلبها، أو دواب يستغلها، فكان كل وارث قبض مما نصصت لك شيئا، قد بان بمنفعته دون أشراكه، فإليه ينسب وله يعرف، ولو كلفوا البينة على الأقسام لم يجدوها لطول الزمان.
وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يدها الشيء اليسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من المورث؟ قال: لا أرى هذا يمنعها من أخذ حقها، هو كما قال، ولا اختلاف فيه أعلمه، إلا ما تأوله بعض الناس، على ما في المدونة، حسبما ذكرناه في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، حاشا قوله أو دواب يستغلها؛ فإن
стр. 5210
قول ابن القاسم، اختلف في الاستغلال، هل هو بمنزلة الانتفاع بالسكنى والاستخدام، لا تقع الحيازة به بين الأوراث، أو بخلاف ذلك، فتقع الحيازة بينهم، وقع اختلاف قوله في ذلك في رسم الأقضية بعد هذا من هذا السماع، وأظن أنه قد وقع في بعض الكتب، أو دواب يستعملها، وهو أطرد على ما ذكره، وأما قوله بعد ذلك في الرواية: إلا أن يكون كل وارث منهم يعتق من الرقيق إلى آخر المسألة، فقد مضى القول عليه مستوفى في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يغرس في أرض امرأته أو يبني فيها أو في دارها ثم يموت أحدهم]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يغرس في أرض امرأته، أو يبني فيها أو في دارها، ثم يموت أحدهم، أيكون قيمة ذلك البنيان أو الغراس على المرأة، أو ورثتها؟ قال: نعم، قيمة ذلك عليها، أو على ورثتها إن ماتت واجب للزوج أو لورثته إن مات، وإنما حاله فيما غرس من مال المرأة حال المرتفق به، كالعارية التي يغرس فيها ويبني، إلا أن يكون للمرأة أو لورثتها بينة، أنه إنما كان ينفق في عمارة ما عمر من ذلك، من مال امرأته، ولها كان يصلح، فتكون أحق بأرضها، وما عمر لها الزوج فيها بمالها، قال: وإنما يعطي الزوج إذا لم تأت المرأة بالبينة على ما ذكرت لك، قيمة ما عمر مقلوعا، وليس قيمته قائما، وكذلك القضاء في قيمة كل عمران يضعه مستعيرا، أو مسترفق من غرس أو بنيان، وإنما يعطي قيمة كل عمران قائما صحيحا من عمر مواتا ثم استحق، أو عمر باشتراء فاستحق، أو اشتراء فعمر، ثم أخذ ذلك منه بالشفعة، فأما كل من أسكن دارا أو أعمرها، أو أرفق في مزرعة أو غيرها، أو أعمر جنانا أو أرضا حيازة أحدهما، أو إلى أجل من الآجال، أو إلى غير الأجل فعمر هؤلاء بالبنيان أو الغرس، ثم خرجوا طوعا قبل أجل
стр. 5211
السكنى أو العمرى، أو خرجوا عند انقضاء الأجل، فإنما يعطوا قيمة ما عمروا مقلوعا، وكذلك قال لي مالك والليث.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وإنما حاله فيما غرس وبنى من مال امرأته حال المرتفق به، كالعرية التي يغرس فيها ويبنى، بين أنه بمنزلته عنده إذا كان يرتفق بذلك في أنه لا تكون له إلا قيمته منقوضا، سواء أذنت له في البنيان والغرس، أو لم تأذن في ذلك، إلا أن تأذن له فيه، ثم تقدم عليه بحدثان ما بنى لتمنعه من الارتفاق، فلا يكون ذلك لها، إلا أن تعطيه قيمة ذلك قائما. وأما إذا كان لا يرتفق بمالها فبنى فيه لها أو غرس، فيفترق القول بين أن تأذن له في ذلك أو لا تأذن، فإن أذنت له في ذلك، كان له عليها ما أنفق، أو قيمة ذلك، وإن لم تأذن له لم يكن إلا قيمة بنيانه منقوضا، وسواء على مذهب ابن القاسم إذا لم تأذن أقرت له بالبنيان أنه بنى، وادعت أنه إنما بناه بمالها، فحلف أنه إنما بناه بماله، لا بمالها أو أنكرت، أن يكون بناه، فأقام البينة على ذلك، لا يكون له إلا قيمته منقوضا، وفرق ابن وهب في سماع عبد الملك زونان، في كتاب الدعوى والصلح بين الأمرين، فقال: إنه تكون له نفقته؛ إذا أقرت له بالبنيان، وادعت أنه إنما بناه بمالها، فأنكر ذلك، وحلف أنه بناه بماله.
وقوله صحيح على قياس قول مالك، في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب البضائع والوكلات، ورسم البز من سماعه أيضا من كتاب المديان والتفليس، في أن تصرف الرجل في مال زوجته، محمول على الوكالة لا على التعدي، ويأتي على قياس قول ابن القاسم: إنه محمول على التعدي حتى تعرف الوكالة، ولو أقرت المرأة أنها أذنت أن يبنيه بمالها، فبناه به، وقال: هو إنما بنيته بمالي، وحلف على ذلك؛ لكانت له نفقته عندهما جميعا، وقد مضى القول في سماع أشهب على قوله، وإنما يعطي قيمة كل عمران قائما صحيحا من عمر مواتا فاستحق، فلا معنى لإعادته.
وقوله: وأما كل من أسكن دارا أو أعمرها، أو أرفق في مزرعة أو غيرها، أو أعمر جنانا أو أرضا حياة أحدهما، أو إلى أجل من الآجال، أو إلى
стр. 5212
غير أجل، فعمر هؤلاء بالبنيان أو الغراس، ثم خرجوا طوعا قبل أجل السكنى أو العمرى، وخرجوا عند انقضاء الأجل، فإنما يعطوا قيمة ما عمروا مقلوعا، وكذلك قال لي مالك والليث، يريد: سواء أذن له في البنيان أو لم يأذن، وقد نص على ذلك في المدونة، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف وابن الماجشون، قال: كل من بنى في أرض قوم أو غرس بإذنهم وعلمهم، فلم يمنعوه، فله قيمة ذلك قائما كالباني بشبهة، وكذلك كل من تكارى أرضا أو منحها إلى أجل أو غير أجل، ثم بنى فيها بإذنهم وعلمهم، أو لم يستأذنهم ولم يمنعوه ولا نهوه، فإن له قيمته قائما إذا أراد أن يخرج؟ وكذلك من بنى في أرض بينه وبين شريكه بعمله، فله قيمته قائما، وكذلك من بنى في أرض امرأته وبعلمها، قال مطرف وابن الماجشون: ما علمنا اختلف فيه قول مالك ولا أحد من أصحابه؛ ابن أبي حازم، وابن دينار، والمغيرة، وغيرهم، وبه القضاء بالمدينة، وقاله ابن كنانة، وابن مسعود، وابن نافع، وشريح، وروى ابن وهب فيه حديثا للنبي ﵇، وبالله التوفيق.
[يفتات على الرجل فيبيع أمته وهو غائب]
ومن كتاب الصلاة
وقال في الرجل يفتات على الرجل، فيبيع أمته وهو غائب، فإذا علم بذلك المشتري، أراد تعجيل ردها، فقال البائع: لا أقبلها حتى يقدم سيدها، فإنه سيمضي البيع، قال: يلزمه تعجيل ردها وغرم الثمن؛ لأن المشتري لا يحول له وطء فرج لا يدري أيمضي السيد بيعها أم لا؟ قلت له: أرأيت إن لم يعلم المشتري حتى قدم سيد الأمة، فأمضى البيع؟ قال: يثبت البيع ويمضي، ولا حجة للمشتري في ردها إن قدم سيدها قبل أن يعلم المشتري بالذي غر به من شأنها.
قال: وكذلك النفر يكونون شركاء في الأمة، فيغيب رجل منهم، فيفتات عليه الآخرون، فيبيعون جميع الأمة، ثم يعلم
стр. 5213
بذلك المشتري؛ أنه يردها، ولا ينتظر قدوم الغائب، قال: فإن حبسها حتى يقدم الغائب، فيأخذ نصيبه منها، ويريد أشراكه الباعة أن يلزموا المشتري حظوظهم من حساب باعوا منه جميع الأمة، لم يكن ذلك لهم إلا برضا المشتري، وذلك أنه يقول: إنما رغبت فيها؛ إذا كان ملكها لي تاما يحل لي فرجها، فأما إذا شركني فيها غيري، فلا حاجة لي بحظوظهم، قال: ولو أنهم باعوا كلهم الجارية من رجل، فاستحق رجل حظ أحدهم، فأراد المشتري أن يردها بذلك، بأن يقول: لا أحبس أمة لا يحل لي وطؤها، من أجل من شركني الآن فيها، فإن ذلك ليس له، من أجل أنه إنما اشترى حظ كل أحد من الشركاء، من صاحب ذلك الحظ نفسه، فلا حجة له على من لم يستحق حظه بما استحق من حظ غيره. قيل له: أرأيت إن استحقت الأمة حرية ثلثها، وإنما باعها ثلاثة نفر، أيلزم المشتري حبس ما بقي؟ فقال: لا؛ لأن الذي استحق من حريتها، كان ثلثا أو ربعا أو خمسا، فهو يقع في جميع رقبتها، فمن حجته على الباعة أجمعين أن يقول لكل رجل منهم: قد استحق من يدي من حظك الذي بعتني من الأمة بعضه، ولا أريد أمة يشركني فيها غير ويحرم علي فرجها، لذلك، فلا حاجة لي بها، فهي رد على جميعهم، إلا أن يرضى أن يحبس ما بقي طائعا، قلت: أرأيت إن استحق من رقبة الأمة جزء من الأجزاء، مثل ما استحقت هي من حريتها، أيجوز له ردها؟ قال: نعم، وإنما يلزمه حبس ما بقي من الأمة إذا استحق بعضها؛ إذا كان الذي يستحق إنما هو حظ رجل من الشركاء بعينيه فقط.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يبيع أمة رجل وهو غائب: إن للمشتري تعجيل ردها، وليس عليه أن ينتظر رأي صاحبها، من أجل أنه لا
стр. 5214
يحل وطء فرج، لا يدري أيمضي السيد بيعها أم لا؟ صحيح، مثل ما في كتاب الغصب من المدونة، ولا خلاف فيه أعلمه، وأما إذا قدم سيدها فأمضى البيع، وأراد المشتري الرد، فيتخرج ذلك على الاختلاف في العهدة، هل تنتقل عن البائع إلى سيد الأمة أم لا؟ وفي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها لا تنتقل على البائع، وهو قول سحنون، فعلى قياس هذا القول، يأتي قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن البيع يلزم المشتري، وليس له أن يرد.
والقول الثاني: إن العهدة تنتقل عن البائع إلى سيد الأمة، روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وحكاه أيضا عنه سحنون. فعلى قياس هذا القول يكون للمشتري أن يرد الأمة، وإن قدم سيد الجارية، فأجاز البيع؛ لأن من حجته أن يقول: لا أرضى أن تكون عهدتي عليك؛ لأني إنما رضيت بذمة البائع مني، لا بذمتك، وهو قول وحجة، وفي العهدة قول ثالث، وهو تفرقة أصبغ بين أن تكون الأمة، قد فاتت أو لم تفت، وهو قول له وجه في النظر؛ إذ من حق سيد الأمة أن يضمن البائع الغاصب قيمتها إذا فاتت، فإذا كان ذلك من حقه، فكأنها قد وجبت للغاصب، فلا تنتقل العهدة عنه، فعلى قياس هذا القول، إن جاء بها فأجاز البيع، وهي قائمة لم تفت، كان للمشتري الرد، وإن جاء وقد فاتت، فأجاز البيع، لم يكن للمشتري أن يرد؛ لأن عهدته باقية على الذي اشترى منه ويشبه أن يقال: إن له الرد على كل حال، انتقلت العهدة عن البائع الغاصب أو لم تنتقل؛ لأنها إن انتقلت عنه قال: لم أرض إلا بذمته، وإن لم تنتقل عنه قال: لم أرض بذمة غاصب، ويشبه أن يقال: إن ابن القاسم لم ير للمبتاع حجة في العهدة؛ يجب له بها الرد، ولذلك قال: ليس له أن يرد مع أن الموجود له أن العهدة على سيد الأمة إن أجاز البيع، فيتحصل على هذا في الرد أربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا يرد بحال. والثاني: أن يرد بكل حال. والثالث: أنه يرد على القول بأن العهدة على سيد الأمة، ولا يرد على القول بأن العهدة على البائع الغاصب. والرابع: أنه يرد إن جاء سيدها، فأجاز البيع بعد أن فاتت، على قياس تفرقة أصبغ في العهدة بين الوجهين، على هذا كان من
стр. 5215
تقدم من الشيوخ يحمل الاختلاف في انتقال العهدة في هذه المسألة. والذي يوجبه النظر في ذلك، أن الاختلاف في انتقالها، إنما هو إذا فات العبد أو الأمة فواتا يوجب للمستحق تضمين الغاصب القيمة، ولا اختلاف في أنها تنتقل إذا لم يجب للمستحق إلا أخذه، أو إجازة البيع وأخذ الثمن، ولا في أنها لا تنتقل إذا لم يجب له أخذه لفواته، حسبما نذكره في كتاب الغصب عند تكلمنا على رواية أصبغ، فيه إرث لثمنه، وتفرقته في الجارية تكون بين الشركاء، بين أن يغيب أحدهم فيبيع الباقون جميعا، فيأتي الغائب فيستحق نصيبه، وبين أن يبيعوها، فيأتي رجل فيستحق نصيب أحدهم في أن للمشتري أن يرد ما بقي من الجارية على الذين باعوها منهم، إن كانوا باعوا منه جميعا، وليس له أن يرد ما بقي في يديه منها، على الذين باعوه إياه؛ إذا كانوا لم يبيعوا منه جميعا، وإنما باعوا منه حصصهم لا أكثر، صحيحة؛ إذ لا حجة له عليهم في استحقاق ما باع منه غيرهم، وإنما له الحجة عليهم في استحقاق ما استحق مما باعوا منه.
وقد وقع في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، من كتاب البضائع والوكالات، مسألة حملها بعض الناس على أنها مخالفة لهذا، في أن المشتري ليس له أن يرد الباقي على البائعين منه، وإن كانوا هم باعوا منه جميع الأمة، وليس ذلك بصحيح من التأويل، على ما لعلنا سنذكره إذا مررنا به في موضعه إن شاء الله. وكذلك استحقاق جزء من الأمة بالحرية مثله، سواء أن كانوا باعوا جميعها، كان للمشتري أن يرد الباقي عليهم، كما ذكر ولو كان أحدهم قد أعتق نصيبه وهو معدم، فلم يقوم عليه نصيب أشراكه، ثم باعوا كلهم الأمة، فاستحق نصيب الذي أعتق نصيبه بالحرية، لم يكن للمشتري أن يرد الباقي منها على أشراكه البائعين منه؛ إذ لم يبيعوا هم منه الحظ المستحق بالحرية، وبالله التوفيق.
[الأرض تستحق بالعدول ولا يثبتون حوزها فيشهد على حوزها غير عدول]
ومن كتاب المكاتب قال: وسألته عن الأرض تستحق بالعدول، ولا يثبتون
стр. 5216
حوزها، فيشهد على حوزها من الجيران غير عدول، أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره غير العدول، ولا أرى أن يتم استحقاقها إلا بهم. قلت: فإن الغاصب ربما خلط دورا وعور حوزها حتى لا يثبتها أحد، ممن كان يعرفها لأهلها، ويحوزها لهم، فقال: يحوز المدعى عليه ما أقر به، ويحلف على ذلك، ثم لا شيء عليه غيره. قلت: إذا يقال ذلك جدا قال: أما إذا لم يقر موضع الباب أو ما يرى أنه ليس بشيء، فلا يقبل قوله: وإما أن يقربا بالبيت ونحوه، فليس عليه إلا ذلك مع يمينه، إلا ما حاز العدول للمدعي المغتصب.
قلت: فإن لم يقر إلا بموضع الباب أو نحوه، وأنت لا تعطى المغتصب إلا ببينة عادلة حائزة لما شهدوا عليه، فماذا يلزم الغاصب إذا لم يقر إلا بموضع باب أو جدار؟ فقال: أما إذا استدل على أن الغاصب يكتم مواضع الحوز بما يستنكر من أمره، حاز المدعى، فاستحق ما حاز بيمينه، مع ما ثبت له من البينة على أصل الغصب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وزاد قال: فإن قال المدعي: لا أعرفه قد غير حدودها، وعمى معلومها، حيل بينه وبين الأرض جميعها حتى يقر له بحقه منها، قال: وقد قال ذلك مالك في غير الغاصب، فالغاصب أحق بالحمل عليه؛ لأنه غاصب، مع ما يلزمه من الأدب الموجع والعقوبة البالغة، والسجن الطويل، فيما ثبت عليه من الغصب واهتضام المسلمين حقوقهم.
قال: وهذا إذا كان ممن له في تلك القرية أو حول تلك الأرض حق قبل ذلك ثم غصب هذه الأرض، فضمها إلى حقه. وأما لو ثبت أن أول دخوله فيها، بسبب هذا الغصب الذي
стр. 5217
ثبت عليه، اكتفي المشهود له من شهوده بأن يشهدوا له، وأنه غصبه الأرض، وإن لم يجدوها، ولم يسأل المشهود عليه، كم لهذا منها.
وأخرج منها جميعا حتى يأتي ببينة على ما ادعاه فيها بعد دخوله من شراء صحيح، أو حق يثبت له. وقد قيل: إن الشهود إذا لم يثبتوا حوز الأرض بتعوير الغاصب لها كان القول قول المغصوب منه، حكى ذلك يحيى بن يحيى عن غير ابن القاسم في المبسوطة وأخذ به، واستحسنه بعد أن حكى عن ابن القاسم مثل قوله هاهنا، وعن ابن وهب أيضا، وكذلك قال ابن كنانة ومطرف في الغاصب ينتهب من رجل مالا في صرة، والناس ينظرون فيطرحه حيث لا يوجد، إن القول قول المنتهب منه، خلاف قول مالك في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، من كتاب الغصب في المسألة بعينها، وخلاف هذه الرواية؛ إذ لا فرق بينها وبينها في المعنى، وقد قيل: إن الشهادة باطل إذا لم يحقق الشهود ما شهدوا به ولا حازوه، وقيل: إن المشهود عليه يسجن بهذه الشهادة، ويضيق عليه، حتى يبين له بحقه، ويحلف عليه، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، في كتاب الغصب؛ قال أصبغ: وإن أنكر الجميع بعد الحبس أحلف كما يحلف المدعى عليه، بغير شهادة، وقيل: إذا لم يدر الشهود كم حقه من الأرض، نزلوا على ما لا يشكون فيه، ثم دفع إلى المشهود له، وهو قول ابن كنانة، وكذلك إذا شهد الشهود للرجل أن رجلا غصبه أرضا في قرية لا يعرفون موضعها، يختلف في ذلك أيضا هل تبطل الشهادة، أو يكون القول قول الغاصب؛ أو قول المغصوب منه؟
وقد فرق في المجموعة ابن القاسم بين أن يشهد الشهود أنه غصبه أرضا لا يعرفون موضعها، أو أنه غصبه أرضا بعينها، لا يثبتون حوزها، وذلك أنه ذكر فيها أعني في المجموعة نص رواية عيسى عنه، في رسم الجواب، من سماع عيسى من كتاب الغصب؛ أن الشهادة باطل، وزاد عليها قال: ولو شهدوا على الأرض ولم يثبتوا الحوز، فذكر نص رواية يحيى، هذه حرفا بحرف، فبان بهذا افتراق المسألتين عنده، فعلى هذا ليست رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب بمخالفة لرواية أصبغ
стр. 5218
فيه، ولا لرواية يحيى هذه، وإنما الخلاف بين هذه الرواية، ورواية أصبغ في كتاب الغصب. ويتحصل في المسألة ستة أقوال؛ أحدها: أن الشهادة باطل، لا توجب حكما. والثاني: أنها توجب الشهادة على المشهود عليه. والثالث: أن البينة تستنزل إلى ما لا يشك فيه. والرابع: أن القول قول المغصوب منه. والخامس: أن القول قول الغاصب، إلا أن يأتي بما لا يشبه، فيكون القول قول المغصوب منه، على ما وقع في رواية يحيى هذه. والسادس: الفرق بين أن يشهد الشهود على الأرض بعينها، ولا يعرفون حدودها، وبين أن لا يعينوا الأرض، وإنما يشهدون أنه غصبه في القرية أرضا لا يعرفونها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يدعي القرية فيستحقها بالعدول ثم يحوز الشهود غيرها]
مسألة قال: وسئل عن الرجل يدعي القرية فيستحقها بالعدول، فلما أمر الشهود أن يحوزوا ما شهدوا له عليه، حازوا القرية بحدودها، وقرية إلى جنبها في أيدي قوم لم يخاصموا، فقال: القوم الذين حيز ما في أيديهم، ممن لم يخاصم: نشهد أن الذي في أيدينا، والذي قضى به لفلان، ليس لنا فيه شيء، ولا للمقضي عليهم، ولا للمقضي له، ولكنه كله يجوز حدوده لرجل ذكروه غائب تركه في أيدي آبائنا أجمعين إرفاقا منه لهم، يريدون أباهم وأبا المقضي عليهم، والمقضي له، وهم عدول غير متهمين، أتجوز شهادتهم أم لا؟ قال: لا شهادة لهم؛ لأنهم مرتفقون، يجرون إلى أنفسهم بشهادتهم، ويريدون أن يقر بأيديهم ما أرفقوا به، فشهادتهم عندي غير جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إن الشهادة غير جائزة؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين، ولا جار لنفسه» ، وبالله التوفيق.
стр. 5219
[يموت عن منزل ويترك ورثة غيبا في بلد غير بلده الذي هلك فيه]
ومن كتاب الأقضية وسألته عن الرجل يموت عن منزل ويترك ورثة غيبا في بلد غير بلده الذي هلك فيه، بعيدا أو قريبا، فمكث المنزل زمانا طويلا، نحوا من أربعين سنة، ثم يقدم ورثة الهالك، فيجدون المنزل في أيدي قوم قد ورثوه عن أبيهم، ولعل أباهم قد ورثه عن جده، فيدعيه ورثة الهالك الغائب عنه الذي كان أصله له معروفا، فيقول: هذا منزل أبينا، ورثناه عنه ونحن غيب، لم ندخل هذا البلد منذ هلك إلى اليوم، ويقول الذين في أيديهم المنزل: لم ندر من أنتم، ولا ما تقولون، غير أن هذا المنزل ورثناه عن أبينا، فهو في أيدينا منذ زمن طويل، ولعل أبانا إن كان أصل المنزل لكم كما تقولون، قد اشترى منكم بمكانكم الذي كنتم فيه، ولا علم لنا بشيء من أمره، إلا أنا ورثناه. قال: الأمر فيه إن شاء الله، أن يسأل الذي زعم أن أصله له معروف، إلى أن هلك فيه أبوه وهو غائب، بغير ذلك البلد، البينة على ذلك، فإن جاء بها أو أقر بذلك الذين في المنزل، وكانت غيبتهم عنه ببلد بعيد، مثل أن يكون المنزل بالأندلس، أو ما أشبهها، والذين ادعوها بمصر، أو بالمدينة، أو نحو ذلك من البعد، فيسأل الذين هم فيه، من أين صار لهم بعد وفاة الذي ورثه هو لا الغائب عنه؟
فإن أحقوا حقا باشتراء أو غيره، مما يستحق به المدعي ما ادعى، كان ذلك لهم، فإن لم يثبت لهم اشتراء ولا هبة، ولا وجه يستحقونه به، إلا ما ادعوا من تقادم ذلك في أيديهم، وتوارث ذلك بعضهم عن بعض، فإني لا أرى لهم حقا، والحق فيه لصاحب أصله إذا قامت له بالأصل بينة أو أقر له بذلك خصماؤهم؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا
стр. 5220
يهلك حق امرئ مسلم، وإن قدم» مع ما رأيت لأهل أصل المنزل من العذر لغيبتهم في بعد بلدهم عن ذلك المنزل، وأما إن كانت غيبتهم قريبة، بحيث يعلمون أن منزلهم قد صار إلى غيرهم، وأنه يتوارث وينشأ فيه العمل، وينسب إلى غيرهم، فلا يقومون بتغيير ذلك، ولا ينكرونه، حتى يطول الزمان كما ذكر، فلا أرى له فيه حقا، وهو لمن كان بيده، ورث ذلك عن أبيه وجده، أو لم يرث بعد أن تطول عمارته له وحيازته إياه بمثل ما ذكرت من الزمان وشبهه، فإن علم الغيب في بعدهم، ما صار إليه منزلهم من حيازة قوم له، فتركوا الخروج إلى قبضه، وتركوا الاستخلاف على ذلك، بعد عملهم بما صار إليه، من حيازة من حازه، وهم قادرون على الخروج إلى حقهم لقبضه، والاستخلاف على ذلك حتى يطول الزمان، فأراهم فيما ضيعوا من حقهم، بمنزلة الحضور، لا حق لهم فيه إذا طال زمان حيازة القوم بعمارته، وإن كان لهم في ترك ذلك عذر يتبين للسلطان بأن يضعفوا عن الخروج، ويطلبون من يستخلفون، فيعجزهم ذلك، ولا يقدرون عليه، فأراهم على حقهم، وإن قدم زمانه وتطاول أمره، لبعد بلدهم، وما ظهر للسلطان من عجزهم.
محمد بن أحمد: لم يعذر المحوز عليه في هذه الرواية بقرب الغيبة، وقد تقدم مثل هذا وخلافه في رسم الجواب من سماع عيسى، ومضى من القول على ذلك هنالك، ما فيه كفاية، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
следующие страницы →