Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
حوزها، فيشهد على حوزها من الجيران غير عدول، أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره غير العدول، ولا أرى أن يتم استحقاقها إلا بهم. قلت: فإن الغاصب ربما خلط دورا وعور حوزها حتى لا يثبتها أحد، ممن كان يعرفها لأهلها، ويحوزها لهم، فقال: يحوز المدعى عليه ما أقر به، ويحلف على ذلك، ثم لا شيء عليه غيره. قلت: إذا يقال ذلك جدا قال: أما إذا لم يقر موضع الباب أو ما يرى أنه ليس بشيء، فلا يقبل قوله: وإما أن يقربا بالبيت ونحوه، فليس عليه إلا ذلك مع يمينه، إلا ما حاز العدول للمدعي المغتصب.
قلت: فإن لم يقر إلا بموضع الباب أو نحوه، وأنت لا تعطى المغتصب إلا ببينة عادلة حائزة لما شهدوا عليه، فماذا يلزم الغاصب إذا لم يقر إلا بموضع باب أو جدار؟ فقال: أما إذا استدل على أن الغاصب يكتم مواضع الحوز بما يستنكر من أمره، حاز المدعى، فاستحق ما حاز بيمينه، مع ما ثبت له من البينة على أصل الغصب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وزاد قال: فإن قال المدعي: لا أعرفه قد غير حدودها، وعمى معلومها، حيل بينه وبين الأرض جميعها حتى يقر له بحقه منها، قال: وقد قال ذلك مالك في غير الغاصب، فالغاصب أحق بالحمل عليه؛ لأنه غاصب، مع ما يلزمه من الأدب الموجع والعقوبة البالغة، والسجن الطويل، فيما ثبت عليه من الغصب واهتضام المسلمين حقوقهم.
قال: وهذا إذا كان ممن له في تلك القرية أو حول تلك الأرض حق قبل ذلك ثم غصب هذه الأرض، فضمها إلى حقه. وأما لو ثبت أن أول دخوله فيها، بسبب هذا الغصب الذي
стр. 5217
ثبت عليه، اكتفي المشهود له من شهوده بأن يشهدوا له، وأنه غصبه الأرض، وإن لم يجدوها، ولم يسأل المشهود عليه، كم لهذا منها.
وأخرج منها جميعا حتى يأتي ببينة على ما ادعاه فيها بعد دخوله من شراء صحيح، أو حق يثبت له. وقد قيل: إن الشهود إذا لم يثبتوا حوز الأرض بتعوير الغاصب لها كان القول قول المغصوب منه، حكى ذلك يحيى بن يحيى عن غير ابن القاسم في المبسوطة وأخذ به، واستحسنه بعد أن حكى عن ابن القاسم مثل قوله هاهنا، وعن ابن وهب أيضا، وكذلك قال ابن كنانة ومطرف في الغاصب ينتهب من رجل مالا في صرة، والناس ينظرون فيطرحه حيث لا يوجد، إن القول قول المنتهب منه، خلاف قول مالك في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، من كتاب الغصب في المسألة بعينها، وخلاف هذه الرواية؛ إذ لا فرق بينها وبينها في المعنى، وقد قيل: إن الشهادة باطل إذا لم يحقق الشهود ما شهدوا به ولا حازوه، وقيل: إن المشهود عليه يسجن بهذه الشهادة، ويضيق عليه، حتى يبين له بحقه، ويحلف عليه، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، في كتاب الغصب؛ قال أصبغ: وإن أنكر الجميع بعد الحبس أحلف كما يحلف المدعى عليه، بغير شهادة، وقيل: إذا لم يدر الشهود كم حقه من الأرض، نزلوا على ما لا يشكون فيه، ثم دفع إلى المشهود له، وهو قول ابن كنانة، وكذلك إذا شهد الشهود للرجل أن رجلا غصبه أرضا في قرية لا يعرفون موضعها، يختلف في ذلك أيضا هل تبطل الشهادة، أو يكون القول قول الغاصب؛ أو قول المغصوب منه؟
وقد فرق في المجموعة ابن القاسم بين أن يشهد الشهود أنه غصبه أرضا لا يعرفون موضعها، أو أنه غصبه أرضا بعينها، لا يثبتون حوزها، وذلك أنه ذكر فيها أعني في المجموعة نص رواية عيسى عنه، في رسم الجواب، من سماع عيسى من كتاب الغصب؛ أن الشهادة باطل، وزاد عليها قال: ولو شهدوا على الأرض ولم يثبتوا الحوز، فذكر نص رواية يحيى، هذه حرفا بحرف، فبان بهذا افتراق المسألتين عنده، فعلى هذا ليست رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب بمخالفة لرواية أصبغ
стр. 5218
فيه، ولا لرواية يحيى هذه، وإنما الخلاف بين هذه الرواية، ورواية أصبغ في كتاب الغصب. ويتحصل في المسألة ستة أقوال؛ أحدها: أن الشهادة باطل، لا توجب حكما. والثاني: أنها توجب الشهادة على المشهود عليه. والثالث: أن البينة تستنزل إلى ما لا يشك فيه. والرابع: أن القول قول المغصوب منه. والخامس: أن القول قول الغاصب، إلا أن يأتي بما لا يشبه، فيكون القول قول المغصوب منه، على ما وقع في رواية يحيى هذه. والسادس: الفرق بين أن يشهد الشهود على الأرض بعينها، ولا يعرفون حدودها، وبين أن لا يعينوا الأرض، وإنما يشهدون أنه غصبه في القرية أرضا لا يعرفونها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يدعي القرية فيستحقها بالعدول ثم يحوز الشهود غيرها]
مسألة قال: وسئل عن الرجل يدعي القرية فيستحقها بالعدول، فلما أمر الشهود أن يحوزوا ما شهدوا له عليه، حازوا القرية بحدودها، وقرية إلى جنبها في أيدي قوم لم يخاصموا، فقال: القوم الذين حيز ما في أيديهم، ممن لم يخاصم: نشهد أن الذي في أيدينا، والذي قضى به لفلان، ليس لنا فيه شيء، ولا للمقضي عليهم، ولا للمقضي له، ولكنه كله يجوز حدوده لرجل ذكروه غائب تركه في أيدي آبائنا أجمعين إرفاقا منه لهم، يريدون أباهم وأبا المقضي عليهم، والمقضي له، وهم عدول غير متهمين، أتجوز شهادتهم أم لا؟ قال: لا شهادة لهم؛ لأنهم مرتفقون، يجرون إلى أنفسهم بشهادتهم، ويريدون أن يقر بأيديهم ما أرفقوا به، فشهادتهم عندي غير جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إن الشهادة غير جائزة؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين، ولا جار لنفسه» ، وبالله التوفيق.
стр. 5219
[يموت عن منزل ويترك ورثة غيبا في بلد غير بلده الذي هلك فيه]
ومن كتاب الأقضية وسألته عن الرجل يموت عن منزل ويترك ورثة غيبا في بلد غير بلده الذي هلك فيه، بعيدا أو قريبا، فمكث المنزل زمانا طويلا، نحوا من أربعين سنة، ثم يقدم ورثة الهالك، فيجدون المنزل في أيدي قوم قد ورثوه عن أبيهم، ولعل أباهم قد ورثه عن جده، فيدعيه ورثة الهالك الغائب عنه الذي كان أصله له معروفا، فيقول: هذا منزل أبينا، ورثناه عنه ونحن غيب، لم ندخل هذا البلد منذ هلك إلى اليوم، ويقول الذين في أيديهم المنزل: لم ندر من أنتم، ولا ما تقولون، غير أن هذا المنزل ورثناه عن أبينا، فهو في أيدينا منذ زمن طويل، ولعل أبانا إن كان أصل المنزل لكم كما تقولون، قد اشترى منكم بمكانكم الذي كنتم فيه، ولا علم لنا بشيء من أمره، إلا أنا ورثناه. قال: الأمر فيه إن شاء الله، أن يسأل الذي زعم أن أصله له معروف، إلى أن هلك فيه أبوه وهو غائب، بغير ذلك البلد، البينة على ذلك، فإن جاء بها أو أقر بذلك الذين في المنزل، وكانت غيبتهم عنه ببلد بعيد، مثل أن يكون المنزل بالأندلس، أو ما أشبهها، والذين ادعوها بمصر، أو بالمدينة، أو نحو ذلك من البعد، فيسأل الذين هم فيه، من أين صار لهم بعد وفاة الذي ورثه هو لا الغائب عنه؟
فإن أحقوا حقا باشتراء أو غيره، مما يستحق به المدعي ما ادعى، كان ذلك لهم، فإن لم يثبت لهم اشتراء ولا هبة، ولا وجه يستحقونه به، إلا ما ادعوا من تقادم ذلك في أيديهم، وتوارث ذلك بعضهم عن بعض، فإني لا أرى لهم حقا، والحق فيه لصاحب أصله إذا قامت له بالأصل بينة أو أقر له بذلك خصماؤهم؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا
стр. 5220
يهلك حق امرئ مسلم، وإن قدم» مع ما رأيت لأهل أصل المنزل من العذر لغيبتهم في بعد بلدهم عن ذلك المنزل، وأما إن كانت غيبتهم قريبة، بحيث يعلمون أن منزلهم قد صار إلى غيرهم، وأنه يتوارث وينشأ فيه العمل، وينسب إلى غيرهم، فلا يقومون بتغيير ذلك، ولا ينكرونه، حتى يطول الزمان كما ذكر، فلا أرى له فيه حقا، وهو لمن كان بيده، ورث ذلك عن أبيه وجده، أو لم يرث بعد أن تطول عمارته له وحيازته إياه بمثل ما ذكرت من الزمان وشبهه، فإن علم الغيب في بعدهم، ما صار إليه منزلهم من حيازة قوم له، فتركوا الخروج إلى قبضه، وتركوا الاستخلاف على ذلك، بعد عملهم بما صار إليه، من حيازة من حازه، وهم قادرون على الخروج إلى حقهم لقبضه، والاستخلاف على ذلك حتى يطول الزمان، فأراهم فيما ضيعوا من حقهم، بمنزلة الحضور، لا حق لهم فيه إذا طال زمان حيازة القوم بعمارته، وإن كان لهم في ترك ذلك عذر يتبين للسلطان بأن يضعفوا عن الخروج، ويطلبون من يستخلفون، فيعجزهم ذلك، ولا يقدرون عليه، فأراهم على حقهم، وإن قدم زمانه وتطاول أمره، لبعد بلدهم، وما ظهر للسلطان من عجزهم.
محمد بن أحمد: لم يعذر المحوز عليه في هذه الرواية بقرب الغيبة، وقد تقدم مثل هذا وخلافه في رسم الجواب من سماع عيسى، ومضى من القول على ذلك هنالك، ما فيه كفاية، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 5221
[مسألة: يرثون المنزل عن أبيهم فيكون في يد بعضهم على غير قسم]
مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الإخوة يرثون المنزل عن أبيهم، والمنزل إنما هو أرض بيضا تحرث، فيكون في يد بعضهم نصف المنزل وثلثه، أو ربعه على غير قسم، يحرث كل رجل منهم في ذلك المنزل بقدر قوته، فيكونون على هذا الحال، حتى يموت أحدهم، وفي يده أكثر القرية، فإذا أراد من بقي من الإخوة أن يقسموا المنزل على سهامهم، منعهم ولد أخيهم الميت مما في أيديهم، وقالوا: هذا ما كان في يد أبينا، وقد صار موروثا لنا دونكم، وقد كان أبونا يحوزه دونكم وأنتم حضور، ويقول أعمامهم: إنما كنا تركناه على وجه المرفق، ولم نكن قسمنا شيئا، فكان كل واحد يرتفق فيه بقدر حاجته.
قلت: أيستحق ولدا لهالك من الإخوة ما هلك عنه أبوهم على هذا الوجه، حتى لا يكون فيه للأعمام حق؟ قال: أرى إذا لم يكن لبني الأخ فيه دعوى غير حيازة أبيهم له، ووراثته ذلك عنه، وهم مقرون بالأصل لجدهم، أو تقوم به البينة عليهم، أن يقسم على الأعمام، ولا يكون لبني الأخ الهالك إلا نصيب أبيهم على كتاب الله، بعد أن يحلفوا الأعمام بالله ما باعوا من أخيهم الميت، ولا وهبوا له، ولا صار له فيه، إلى أن هلك عنه، إلا سهمه الذي ورث معهم عن أبيهم، ثم يقسمونه على فرائض الله.
قال: وسألت عن ذلك ابن القاسم، فقال لي مثل ما قال ابن وهب، غير أنه قال: إلا أن يكون الأخ الهالك وهب شيئا من تلك الأرض أو تصدق بها، أو نحلها أو أصدقها، أو باعها أو صنع أشباه هذا مما لا يقضي به الرجل إلا في خاصة ماله، فيكون أحق لما أحدث فيه
стр. 5222
بعض هذه الوجوه، إذا صنع ذلك بحضرة إخوته وعلمهم، فلم ينكروه عليه، قال:
قلت له: أرأيت ما كان يكرى من تلك الأرض باسمه، ويغل كراءها لنفسه دونهم، أيستحق ذلك بذلك الكراء أم لا؟ فقال لي مرة: نعم، هو له دونهم؛ إذا كان يكريه باسمه، فلا ينكرون ذلك عليه، ثم سألته يوم سألت ابن وهب، فأمسك عنه، ومرضه، وكأنه لم يره حوزا يستحق به دونهم شيئا.
قال الإمام القاضي: قوله في هذه المسألة: قال: أرى إذا لم يكن لبني الأخ فيه دعوى غير حيازة أبيهم له، ووراثة ذلك عنهم، وهم مقرون بالأصل لجدهم، أو تقوم به البينة عليهم، أن يقسم على الأعمام، ولا يكون لبني الأخ الهالك إلا نصيب أبيهم على كتاب الله، دليل على أنه لو كان لهم فيه دعوى، بأن يقولوا قد ابتاعه أبونا منكم، أو قد صار إليه من قبلكم بوجه كذا وكذا، لاستحقوه بحيازتهم، وهو خلاف المشهور في المذهب من أن الأوراث لا حيازة بينهم بالسكنى والاعتمار والازدراع، مثل ما تأوله بعض الناس على ظاهر ما في المدونة حسبما ذكرناه في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم.
وقوله بعد أن يحلف الأعمام، هو على الاختلاف المعلوم في لحوق يمين التهمة؛ إذ قد نص أنهم لم يدعوا عليهم بحقيق دعوى في بيع ولا غيره. وقول ابن القاسم: إلا أن يكون الأخ الهالك وهب شيئا من تلك الأرض، أو تصدق بها أو نحلها، أو أصدقها أو باعها، أو صنع أشباه هذا، مما لا يقضي به الرجل إلا في خاصة ماله، فيكون أحق لما أحدث فيه بعض هذه الوجوه، معناه: إذا فعل ذلك في الأكثر.
وقد مضى تفصيل القول في ذلك وتفصيله في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته. واختلاف قوله في الاستغلال، كاختلاف قوله
стр. 5223
في الهدم والبنيان، مرة رأى الحيازة بذلك عاملة بين الأوراث، ومرة لم ير ذلك، والله الموفق.
[مسألة: يساكنه أختانه ومواليه زمانا طويلا حتى مات فأراد أن يستحقوا ذلك]
مسألة وسألت ابن وهب عن الرجل يساكنه في داره المعروفة له، أو القرية، أختانه ومواليه، عتاقه زمانا طويلا، أو يسكنهم دورا أو قرى فيعايشونه زمانا، وذلك في أيديهم حتى مات، فأراد أن يستحقوا ذلك بتقادمه في أيديهم، وقالوا: ليس علينا أن نسأل عما في أيدينا من أين هو لنا؟ قلت: وكيف إن ماتوا؟ فقال ورثتهم: لا علم لنا كيف كان هذا الحق في أيدي آبائنا؟ أو مات صاحب الحق والذين أسكنوا، فتداعى فيه ورثته، وورثة الذين أسكنوا، فقال ابن وهب: كل ما سألت عنه من هذا الوجه عندنا، بمنزلة واحدة، الحق فيه لصاحب المسكن، ولورثته، مات هو أو مات الذين أسكنوا أو مات هو وهم، فلم يبق منهم إلا ورثتهم، إلا أن يأتوا ورثة الذين أسكنوا بأمر يستحقون به ما كان بأيدي آبائهم من عطية أو صدقة أو اشتراء، أو وجه من وجوه الحق، ينظر لهم فيه، فإما تقادم ذلك في أيديهم أو أيدي آبائهم قبلهم، والأصل معروف للمسكن، فإنهم لا يستحقون بذلك شيئا. وسألت عن ذلك ابن القاسم، فقال لي مثل قول ابن وهب، غير أنه قال: إنما يكون ذلك على هذا الوجه؛ إذا كان أهل ذلك الموضع، يعرف منهم التوسع للموالي والأختان، ومن يساكنهم، فأما أهل بلد لا يعرف فيهم أن يحوز أحد منهم مال أحد إلا باشتراء أو عطية أو أشباه ذلك، فإني أقول: إن الحائز لما سألت عنه أولى بما حاز؛ إذا كانت حيازته العشر سنين أو ما قاربها إلا ما حيز على غائب، فإنه أولى بحقه، لا يقطعه تقادم ذلك في يد
стр. 5224
من حازه في مغيب صاحب أصله، ألا يأتي الحائز ببينة على أصل اشتراء أو سماع فاش، أو شيء يذكر به اشتراء ذكرا ظاهرا، فيكون أحق بما حاز مع تقادم ذلك في يديه.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن وهب، وابن القاسم، في الأختان والموالي: إنهم في الحيازة بمنزلة القرابة، مثل ما تقدم من قول ابن القاسم في أول رسم من هذا السماع، خلاف قوله في رسم شهد من سماع عيسى؛ أنهم بمنزلة الأجنبيين، وقول ابن القاسم: إنما يكون ذلك على هذا الوجه؛ إذا كان أهل ذلك الموضع يعرف منهم التوسع، إلى آخر قوله، تفسير ما أجمل من قوله: لا اختلاف عندي أنهم بمنزلة القرابة؛ إذا عرف منهم التوسع من بعضهم لبعض، وأنهم بمنزلة الأجنبيين؛ إذا عرف منهم التشاح بينهم، وإنما الاختلاف المذكور؛ إذا أجهل حالهم على ما يحمل أمرهم، فمرة حملهم محمل القرابة، ومرة حملهم محمل الأجنبيين، وبالله التوفيق.
[مسألة: الأجنبيين إذا حازوا من مال غائب أو حاضر أجنبي]
مسألة قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى الأجنبيين فيما حازوا من مال غائب، أو حاضر أجنبي، بمنزلة الأقارب، كان مالك يقول: ليس بينهم حوز وإن قدم. قال يحيى: معناه عندي فيما ذكر من الأقارب، إنما يريد أهل الميراث فيما حازوا بعضهم عن بعض فيما ورثوا.
محمد بن أحمد قوله: ولم يكن مالك يرى الأجنبيين فيما حازوا من مال حاضر أو غائب، بمنزلة الأقارب، يريد: من مال غائب قريب الغيبة، أو حاضر؛ لأن الغائب القريب الغيبة، هو الذي يحوز عليه الأجنبي، كما يحوز على الحاضر على اختلاف
стр. 5225
قدمنا القول فيه في رسم الجواب، من سماع عيسى. فقول مالك هذا مثل أحد قولي ابن القاسم، في أن القريب الغيبة، بمنزلة الحاضر، يحوز عليه الأجنبي، وأما البعيد الغيبة، فلا اختلاف في أنه لا يحوز عليه في مغيبه القريب ولا البعيد. وقوله: كان مالك يقول: ليس بينهم حوز، وإن قدم، يريد: وإن هدموا وبنوا وهو مثل القول الذي رجع إليه فيما تقدم في رسم الكبش، وهو قوله فيه، ثم رجع ابن القاسم فيما يحوزه الوارث على أشراكه بالهدم والبنيان والغرس، فلم ير ذلك يقطع حق الوارث من ميراثه.
وقوله وقول يحيى معناه: فيما ذكر من الأقارب إنما يريد أهل الميراث فيما حازوا بعضهم عن بعض فيما ورثوا، هو نص قول ابن القاسم في رسم الكبش المتقدم: إن ذلك بين الورثة بخاصة، وفي قوله: بين الورثة بخاصة؛ دليل هو كالنص، في أن القرابة إذا لم يكونوا أوراثا مشتركين في الحيازة بعضهم على بعض، بخلاف الأوراث المشتركين، فيحوز بعضهم على بعض بالعشرة الأعوام، مع الهدم والبنيان.
وقد اختلف قوله في ذلك، فنص في المسألة التي بعدها على أن القرابة غير الأشراك، والموالي والأختان، بمنزلة القرابة الأشراك أهل الميراث، لا حيازة بينهم بطول العمارة، وإن هدموا وبنوا إلا أن يطول ذلك جدا، يريد فوق الأربعين سنة، كما قال في الأوراث، وقد قال بعض أهل النظر: إن قول يحيى في هذه الرواية، معناه إلى آخر قوله، وقول ابن القاسم في رسم الكبش بين الورثة بخاصة، إنما يدل على أن الأوراث في حيازة بعضهم على بعض ما ورثوه، بخلاف الأشراك الأجنبيين في ذلك.
وقد مضى تمام القول في هذا المعنى في رسم الكبش المذكور، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.
стр. 5226
[مسألة: يموت ويترك بنيه وأباه فيقر الجد بني ابنه بمالهم لا يقبض منهم شيئا]
مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الرجل يموت ويترك بنيه وأباه فيقر الجد بني ابنه بمالهم، لا يقبض منهم شيئا من ميراثه، حتى يموت، فيطلب ذلك بنوه الذين ورثوه، وهم إخوة الميت الأول، أعمام الذين الحق في أيديهم، أيكون سكوت الجد عن طلب سهمه، حتى مات إبطالا له أم لا؟ فقال: حدثني من أرضى أن رسول الله ﷺ : قال: «لا يهلك حق امرئ مسلم وإن قدم» فأرى سهم الجد لورثته على كتاب الله، إلا أن يأتي بنو ابنه بالبينة أنهم بروا إليه من ذلك، أو تصدق به عليهم، أو باعه منهم، فأما أن يستحقوا ذلك بتقادمه في أيديهم وسكوت الجد عنه، فلا أرى ذلك. قال يحيى: وقال ابن القاسم مثل قول ابن وهب.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم وتكرر، ومضى القول فيه من أنه لا حيازة بين الأوراث، وإن طالت المدة، إلا أن يهدموا ويبنوا ويغرسوا على اختلاف في ذلك، فإن كان البنون لم يحدثوا فيما بأيديهم هدما ولا بنيانا ولا غراسا، فلورثة الجد سهمه باتفاق، وإن كانوا أحدثوا ذلك فيما في أيدلهم، كان لورثة الجد سهمه على مواريثهم، على قول ابن القاسم الذي رجع إليه، على ما مضى له في رسم الكبش، إلا أن تطول المدة مع ذلك بالدهور، إلى ما فوق الأربعين عاما، وقوله في الرواية: إلا أن يأتي بنو ابنه بالبينة أنهم بروا إليه من ذلك، أو تصدق به عليهم غلط، وصواب الكلام، إلا أن يأتي بنوه بالبينة أنه بري إليهم من ذلك، وبالله التوفيق، اللهم لطفك.
стр. 5227
[تداعيا في أرض فبذرها أحدهما فولا والآخر قمحا على فول صاحبه]
ومن كتاب أول عبد ابتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجلين تداعيا في أرض، فبذرها أحدهما، فولا، ثم أعقب الآخر فبذرها قمحا على قول صاحبه، وقلب ما نبت منه، فاستهلك بذلك الفول، ثم اختصما، فاستحقها الذي كان بذرها فولا، فقال: إن كان استحقها في أول عمل، كان كراؤها له على الذي بذر القمح، ويكون زرعها للذي بذره، ويغرم صاحب الحق لرب الأرض الذي استحقها مع كرائها، قيمة الفول الذي استهلك، وذلك أنه كان زرعها على ما كان يدعي من حقه في الأرض، ولم يكن غاصبا لها. قال: وإن استحق الأرض ربها، وقد فات أوان العمل، فلا كراء لمستحقها، على الذي بذر قمحا، والقمح للذي بذره، وعليه غرم قيمة الفول الذي استهلك على كل حال.
قلت: ما الذي أوجب عليه كراء الأرض إن استحقت في أوان العمل، ووضع ذلك عنه إن استحقت، وقد فات أوان عملها فقال: لأنها حين استحقها في أوان العمل، كان أحق بأرضه والانتفاع بها، فلما وجدنا فيها بذر رجل بشبهة، لم يجز لنا أن نأمر مستحقها بفساد ذلك البذر، وأمضيناه للذي بذره بالشبهة، وأغرمنا لرب الأرض، كراء الأرض لما منع من الانتفاع بها، وقد استحقها في أوان عملها، ولو كان غاصبا أمر مستحقها بطرح ما فيها، ولم يحل بينه وبين الانتفاع بأرضه، إلا أن يشاء أن يقر البذر لصاحبه، ويأخذ كراء أرضه؛ فذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الرجلين إذا تداعيا في أرض، وهي بأيديهما جميعا، وليست في يد واحد منهما، فزرعاها جميعا،
стр. 5228
أحدهما بعد الآخر، فأفسد الآخر زرع الأول؛ إن للأول على الثاني قيمة زرعه الذي أفسده؛ لأنه زرعه بوجه شبهة على ما يدعي من حقه، وليس له أن يقنع زرع الباقي، وإن استحق الأرض في الإبان؛ لأنه زرعه أيضا بوجه شبهة على ما يدعي من حقه.
وقوله: إن الثاني يغرم للأول قيمة الفول الذي أفسد عليه على كل حال، استحق هو الأرض، أو استحقها الذي أفسد الفول، يريد قيمة الفول على الرجاء والخوف، كأن أفسدها بعد أن نبتت، ولو كان حرث الأرض وزرعها قبل أن ينبت الفول؛ لكان عليه مكيلة الفول إن علمت، أو قيمة ما يزرع في مثلها من الفول إن جهلت، ولا يدفع إليه فولا، مخافة أن يكون أقل أو أكثر، فيدخله التفاضل فيما لا يجوز التفاضل فيه.
هذا إذا اتفقا على الجهل بالمكيلة، وأما إن تداعيا في ذلك، وادعى كل واحد منها المعرفة، فالقول قول الغارم مع يمينه، إلا أن لا يشبه قوله، فيكون القول قول صاحبه، إن أشبه قوله أيضا، وإن لم يشبه قول واحد منهما حلفا جميعا، وكان عليه قيمة ما يزرع في مثل الأرض من الفول، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما، وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله، وإن ادعى أحدهما المعرفة وذلك يشبه، كان القول قوله.
وقوله: إنه ليس للذي استحق الأرض أن يقلع زرع الثاني، وإن كان الإبان لم يفت، صحيح، لا اختلاف فيه؛ لأنه زرع بوجه شبهة على ما يدعي من حقه في الأرض، ولو لم تكن له شبهة في دعواه؛ لكان حكمه حكم الغاصب، مثل أن يأتي إلى الأرض رجل بيده، فيزرعها في مغيبه، ويدعي أنها له بوجه يذكره، ولا يأتي على ذلك بينة ولا سبب.
وقوله في الرواية: ولو كان غائبا أمر مستحقها بطرح ما فيها، ولم يحل بينه وبين الانتفاع بأرضه، صحيح، وهذا إذا كانت له قيمة منفعة إن قلعه، ولو لم تكن له فيه منفعة إن قلعه، لما كان له أن يقلعه، ويكون لرب الأرض، ولو أراد إذا كانت له فيه منعة، أن يتركه لرب الأرض لم يكن ذلك له، إلا أن يرضيه؛ إذ لا يلزمه قبول معروفه، ولو أراد رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا؛ لكان ذلك له؛ لأنه في أرضه،
стр. 5229
ويدخل بالعقد في ضمانه، وهو ظاهر ما في كتاب كراء الأرضين من المدونة، وقيل: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه. وهو دليل ما في سماع سحنون، من كتاب المزارعة.
وإذا قلعه وقد مضى من الإبان بعضه، كان عليه قيمة ما مضى من الإبان، وهو ما بين قيمة كراء الأرض في أول الإبان، وفي الوقت الذي قلع فيه زرعه، وقد قيل: إن من حق المستحق أن يقلع الغاصب زرعه، وإن خرج الإبان ما لم يسنبل الزرع، وقد مضى ذلك ووجه القول فيه في نوازل أصبغ، من كتاب كراء الأرضين، وقوله: إلا أن يشاء، أن يقر البذر لصاحبه، ويأخذ كراء أرضه، فذلك له، معناه: إذا رضي بذلك الغاصب، ولو لم يكن للغاصب فيه منفعة؛ إذا قلعه لما للمستحق أن يترك الأرض بالكراء، وإن رضيا؛ لأنه بيع للزرع بالكراء؛ إذ قد وجب للمستحق. قال ذلك محمد، وبالله التوفيق.
[مسألة: يسكن القرية فيعمر أرضا يخترقها ويدللها ويزرعها زمانا]
مسألة قال: وسألته عن الذي يسكن القرية، وليس له فيها إلا مسكنه أو شيء اشتراه بعينه، ليس من أهل الميراث، ولا ممن اشترى من أهل الميراث سهما، فيعمر من عامرها أرضا يخترقها ويدللها ويزرعها زمانا، وأهل القرية حضور، لا يغيرون عليه، ولا يمنعونه من عمله، ثم يريدون إخراجه، قال: ذلك لهم، إلا أن تقوم له من عمله، ثم يريدون إخراجه، قال: ذلك لهم، إلا أن تقوم له بينة على اشتراء أو هبة أو حق، يترك له به ما عمر، إلا أن يطول زمانه أو أرضه، أم تراه بحال الوارث، أو المولى مع مواليه؟ قال: ينظر فيه السلطان، على قدر ما يعذر به أصحاب الأصل في سكوتهم، لما يعلم من افتراق سهامهم، وقلة حق أحدهم لو تكلم فيه، فإنه يقول: منعني من الكلام سكوت أشراكي، وقلة حقي، فلما خفت تطاول الزمان، وما يحدث من دعوى العامر، تكلمت فيه، فأراه
стр. 5230
أعذر من الذي يستحق عليه من خاصة داره، أو خاصة أرضه شيئا، ولا أبلغ به حد الورثة فيما بينهم، ولا حد المولي الذي يرتفق في أرض مواليه، أو الصهر في أرض أصهاره، إلا أن يكون ذلك العامر للرجل أو الرجلين، أو النفر القليل، فلا يعذرون بسكوتهم، يحملون فيما عمر جارهم من غامر من أرضهم، على ما يحمل عليه من حين عمله عليه من داره أو أرضه شيء قال: وهم فيما يعمر بعضهم من غامرهم المشترك، أعذر في السكوت، وأوجب حقا، وإن طال الزمان جدا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة، قد بين ابن القاسم فيها وجه قوله في تفرقته بين الوجهين، وجعله الذي عمر من غامر القرية، وهو ممن لا سهم له فيها بين المنزلتين، بما لا مزيد عليه.
وقد مضى القول على كل واحد منهما بانفراده في رسم الكبش وغيره من هذا السماع، وفي رسم يسلف من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك. وقوله: وهم فيما يعمر بعضهم من غامرهم المشترك، أعذر في السكوت، يريد إن الورثة فيما حازه بعضهم على بعض من الغامر أعذر في السكوت على ما حازوا من العامر، وذلك بين؛ لأن التشاح من المعمور، أكثر من التشاح في البور، ورأيت لبعض أهل النظر، تنبيها على هذه المسألة، قال: انظر إن كان بنى في هذه الأرض التي أحياها أو غرس، ولم يكن له فيها حق إن كان يأخذ قيمة ذلك قائما عند خروجه عنها أو مهدوما منقوضا، والذي أقول به في ذلك على أصولهم، ومنهاج قولهم؛ أنه إن كان بنى في ذلك الغامر على أنه حق له يدعيه بوجه من الوجوه، التي يصح بها الملك، واحتج عليهم في ادعائه ذلك ملكا لنفسه بسكوتهم عنه، فله قيمة بنيانه قائما لشبهة الملك الذي يدعيه، وقد مضى بيان هذا في المسألة التي قبل هذه، وأما إن كان لم يدع ذلك ملكا، وإنما أراد أن يستحقه عليهم
стр. 5231
بسكوتهم عنه، وحيازته ذلك عليهم، فيتخرج ذلك على الاختلاف في السكوت، هل هو كالإذن أم لا؟ فعلى القول بأنه كالإذن إن قاموا عليه بحدثان ما بنى كان له قيمة بنيانه قائما، وإن لم يقوموا عليه حتى مضى من المدة ما يرى أنه بنى لينتفع بنيانه إلى مثله، كان له قيمة بنيانه منقوضا، وعلى القول بأنه ليس كالإذن يكون له قيمة بنيانه منقوضا على كل حال، وهذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وأما على رواية المدنيين عن ملك، فيكون له قيمة بنيانه قائما على كل حال.
وقد مضى بيان ذلك في آخر مسألة من رسم الكبش، وبالله التوفيق.
[يهلك ويترك ولدا فيطأ الجواري ويبيع العبيد]
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وقال ابن القاسم في الرجل يهلك ويترك ولدا صغارا وكبارا، فيكون في أيدي بعض الورثة بعض القرى المساكن، والعبيد والحيوان، فيطأ هذا الوارث بعض الجواري، ويبيع بعض العبيد، ويبني ويغرس في القرى، ويكري المساكن أو بعضها وإخوته حضور، لا يغيرون ولا ينكرون، ثم قاموا وقالوا: ميراثنا من أبينا، فيقول هذا الوارث: قد كان أبي تصدق علي بهذا كله، وكانت بينتي حاضرة، فلما ماتت أو ذهبت، وذلك بعد أعوام، وقد كنت أبيع وأطأ وأفعل ما يفعله الرجل في حقه، وأنتم حضور، تريدون أن تقوموا علي، فقال: لا أرى لهم حقا ولا حجة؛ إذا كان يفعل هذه الأشياء وهم حضور. قلت: قلت لابن القاسم: أرأيت ما لم يبع من العبيد، ولم يطأ من الجواري، ولم يفوت من الرباع بالبناء والغرس، لم لا يكون بينهم؟ قال: هو بينهم. قال: وأما ما باع وقد فات بوطء، فليس لهم فيه شيء وأما ما بنى وغرس، وهم حضور أو
стр. 5232
استغل، فإن ذلك لا يقطع حقوقهم؛ لأن حوز القرية فيما بينهم ليس مثل الأجنبيين، وفي العدا شك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة في السؤال: ويبني ويغرس في القرى أو يكري المساكن، مع قوله في الجواب: لا أرى لهم حقا ولا حجة إذا كان يفعل هذه الأشياء وهم حضور، هو خلاف قوله في آخر المسألة: وأما ما بنى وغرس وهم حضور، أو استغل؛ فإن ذلك لا يقطع حقوقهم؛ لأن حوز القرابة فيما بينهم ليس مثل الأجنبيين، وقوله وفي العدا شك يريد، وفي البعد الذين ليسوا من القرابة، ولهم اختصاص بالحوز عليه كالموالي والأختان ففيهم شك، هل هم كالقرابة أو كالأجنبيين؟ ولهذا الشك اختلف قوله فيهم، فجعلهم في رسم شهد، من سماع عيسى كالأجنبيين، وجعلهم في رسم الكبش من سماع يحيى كالقرابة.
وقد مضى اختلاف قول ابن القاسم في البناء والغرس، يريد البناء الذي لا يشبه الإصلاح في رسم الكبش، من سماع يحيى، ومضى اختلاف قوله في الاستغلال في رسم الأقضية منه، وأما قوله فيما لم يفوت من ذلك بما ذكره من وجوه الفوت؛ أنه بينهم، وفيما فوت من ذلك أنه يستحقه بتفويته، فكان الشيوخ يحملونه على ظاهره في القليل والكثير، خلافا لما في قرب آخر رسم الكبش منه.
وقد مضى تحصيل القول في هذا المعنى في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: هلك وترك ثلاثة من الولد وثلاثة أرؤس فمات واحد واستحق آخر]
مسألة قال ابن القاسم في رجل هلك وترك ثلاثة من الولد، وترك ثلاثة أرؤس، فاقتسموا، فأخذ كل واحد منهم رأسا، فمات منهم في يد الورثة واحد، واستحق آخر، وبقي آخر. قال: ليس على الذي مات العبد في يديه غرم شيء، وليس له أن يرجع على الذي بقي
стр. 5233
العبد في يديه بشيء، ويرجع هذا الذي استحق العبد من يده على أخيه الذي بقي العبد في يديه، فيأخذ منه ثلثه، ويبقى ثلثاه، فإن أخذ لهذا المستحق ثمن، كان ثلثا الثمن للذي استحق العبد من يديه، وثلثه للذي بقي العبد عنده، فإن لم يؤخذ له ثمن لم يكن للذي استحق العبد في يديه إلا ثلث العبد الباقي.
قال الإمام القاضي: المعنى في هذه المسألة أن العبيد الثلاثة، تساوت قيمتهم، فأقسموهم بالقرعة؛ لأن القسمة بالقرعة هي التي يختلف فيها، هل هي تمييز حق أو بيع من البيوع؟ ويتخرج فيها على القول بأنها تمييز حق ثلاثة أقوال؛ أحدها قول ابن القاسم هذا، وهو قول مالك في سماع أشهب، من كتاب القسمة؛ أن كل واحد منهم يضمن حقه الذي تميز له بالقسمة، فتكون مصيبته منه إن مات في يديه، فاستحق نصيب أحدهم، لم يكن للمستحق منه أن يرجع عليه بشيء، ولا كان له هو أن يرجع على من بقي حظه في يديه بشيء؛ لأن القسمة قد مضت فيما بينه وبينهما جميعا، لتلاف جميع حظه الذي تميز له بالقسمة في يديه بغير سببه، وتنتقص القسمة فيما بين الذي استحق نصيبه من يديه، وبين الذي بقي العبد في يديه، فيرجع عليه بثلثه؛ لأنه باع منه ثلثه بثلث العبد الذي استحق من يديه، فإن أخذ لهذا العبد المستحق ثمن، كان ثلثاه للمستحق منه، وثلثه للذي رجع عليه بثلث العبد، فيكون للمستحق منه العبد، ثلث العبد، الباقي، وثلثا الثمن، فاستويا لانتقاص القسمة فيما بينهما.
وهذا إذا كان الثمن مثل قيمة العبد فأقل، وأما إن كان أكثر من قيمة العبد، فالزائد على قيمته بينهم أثلاثا. قال ذلك ابن عبدوس، وهو صحيح؛ لأن الزائد على قيمته لم يدخل في القسمة، وقد اختلف على هذا القول؛ إذا لم يمت العبد، وإنما
стр. 5234
فوته الذي هو بيده بالهبة أو الصدقة أو العتق أو البيع، فقيل: إنه يضمنه بالتفويت للمستحق منه، فيكون له أن يرجع عليه بالقيمة يوم القسمة، وهو قول أشهب، وقيل: إنه لا يضمنه بشيء من ذلك، وإنما للمستحق منه في أن يرجع في عينه إن وجده عند الموهوب له، أو المتصدق عليه، وكذلك يرجع في عينه إن كان قد أعتق، ويقوم على المعتق إن كان موسرا، ويكون في البيع مخيرا بين أن يرجع في عين العبد عند المشتري، فيرجع المشتري بما ينوب ذلك من الثمن على البائع، وهو قول سحنون.
والقول الثاني: إن القسمة تنتقص فيما بين المستحق منه، وبين الذي بقي العبد في يديه، وفيما بين المستحق منه، وبين الذي مات العبد في يديه، ولا تنتقص فيما بين الذي مات العبد في يديه، وبين الذي بقي العبد في يديه، فيكون على هذا القول ضمان ثلث العبد الذي مات من المستحق منه، وضمان ثلثيه من الذي مات في يديه؛ لأنه مات وثلثه للمستحق منه العبد، فمنه ضمانه، وثلثاه من الذي مات العبد في يديه، ثلث هو له، فكانت مصيبته منه، وثلث عاوض به الذي بقي العبد في يديه، فكانت مصيبته منه أيضا؛ لأن القسمة فيما بينه وبين لم تنتقص، فإن قبض للعبد المستحق ثمن على هذا القول، كان بين جميعهم أثلاثا، ويكون للمستحق العبد من يديه ثلث العبد الباقي، فيصح له ثلث العبد، وثلث الثمن. وللذي بقي العبد في يديه، ثلثا العبد وثلث الثمن، وللذي مات العبد فيه ثلث الثمن. حكى هذا القول ابن عبدوس، ولم يسم قائله.
والقول الثالث: إن القسمة تنتقص بين جميعهم، فتكون مصيبة العبد الذي مات منهم كلهم، ويكون العبد الباقي بينهم، وإن قبض في العبد المستحق ثمن كان بين جميعهم أيضا. وهذا هو مذهب ابن الماجشون، أو أبيه عبد
стр. 5235
العزيز، على ما وقع من اختلاف الرواية في ذلك، في سماع يحيى من كتاب القسمة، وكذلك على هذا القول إن استحق من نصيب أحدهم يسيرا أو كثيرا، وجد بحظه عيبا تنتقص القسمة بين جميعهم.
وأما على القول بأن القسمة بيع من البيوع، فلا اختلاف في أن الذي استحق العبد من يديه، يرجع على العبد، بقي العبد في يديه بثلثه، وعلى الذي مات العبد في يديه، بثلث قيمته يوم صار إليه بالقسمة، فإن قبض للمستحق ثمن كان بين جميعهم أثلاثا، وإنما يختلف على هذا القول؛ إذا استحق اليسير من نصيب أحدهم أو الكثير، فقيل: إذا استحق الكثير؛ أن القسمة تنتقض، ويرد المستحق منه ما بقي في يديه، ويرجع على أشراكه فيما في أيديهم، إن كان قائما، أو في قيمته إن كان فائتا.
وقيل: إنها لا تنتقض، فلا يكون له أن يرد الباقي في يديه، وإنما له أن يرجع على أشراكه فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه، إن كان قائما بقدر ما استحق من يديه، وإن كان قد فات ما بأيديهم، رجع عليهم بقيمة ذلك، دنانير أو دراهم.
وأما إذا استحق اليسير، فلا تنتقض القسمة، ويرجع على أشراكه فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه بقدر ما استحق من نصيبه، إن كان ما بأيديهم لم يفت بوجه من وجوه الفوت، فإن كان قد فات رجع عليهم بقدر ذلك دنانير أو دراهم، وقيل: ليس له أن يرجع عليهم فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه، وإن كان قائما، وإنما له الرجوع عليهم بقيمة ذلك دنانير أو دراهم، وهذا الاختلاف كله في هذا الوجه في المدونة.
وكذلك اختلفا أيضا في القسمة على التراضي بعد التعديل والتقويم، بغير قرعة، هل هي تمييز حق أو بيع من البيوع؟ وأما القسمة على التراضي دون تقويم ولا تعديل، ولا قرعة، فلا اختلاف في أنها بيع من البيوع، فلها
стр. 5236
حكمه في العيوب والاستحقاق، على ما قد ذكرناه في القسمة بالقرعة على القول بأنها بيع من البيوع، والأظهر في قسمة القرعة أن تكون تمييز حق، وفي قسمة التراضي بعد التعديل والتقويم أن تكون بيعا من البيوع، وبالله التوفيق.
[كان بيده فرن إلى أن مرض فأوصى بذلك الفرن لامرأة بحضرة إخوته]
من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك بن الحسن: سألت عبد الله بن وهب عن رجل كان بيده فرن يغتله بحضرة إخوته، إلى أن مرض، فأوصى بذلك الفرن لامرأة من الناس، بحضرة عامة إخوته، فلم ينكروا عليه، ولم يدعوا فيه، ثم صح من ذلك المرض، فاحترق سقف الفرن، فأنفق فيه وحده، وأصلح بعض الفرن وزاد فيه، وكان يأخذ خراجه، ويرفق فيه من أحب إلى أن هلك، فلما هلك ادعى إخوته أن الفرن بينهم وبين أخيهم الهالك، وأقاموا البينة أن الفرن كان لأبيهم.
واحتج ورثة الهالك أن الفرن كان في يديه حتى هلك بما نصصت من وصيته فيه، بحضرة عامتهم، وإصلاحه إياه وحده، وأخذه خراجه دونهم، فهل يكون الفرن للذي كان بيده على هذه الحال دون ورثة أبيه أم لا؟ قال: إن كان يلي الفرن بجميع ما وصفت، وكانوا كبارا يلون أنفسهم ليسوا بصغار أو سفهاء، يولى عليهم، وكان حوزه ذلك السنين التي تكون حيازة، العشرة ونحوها وما أشبهها أو أكثر منها، فهو له إذا كان حيا، وادعاه دونهم، ولورثته من بعده إن كان ميتا، وإن أقاموا البينة على الأصل أنه لأبيهم لم ينتفعوا بذلك؛ إذا كان كذلك، وإن لم يكن على ما وصفت لك في الحيازة أو كانوا صغارا لا ينظرون إلى أنفسهم، أو تحت يديه أو غيبا غيبة طويلة أو بعيدة، وأثبتوا أن أصله كان لأبيهم، مات وترك ميراثا بين
стр. 5237
جميعهم، ثبتت حقوقهم فيه، ولم يضرهم ما كان من ولايته إياه، وقيامه به. وقال أشهب: أرى أن الفرن للمرأة التي أوصى لها به، ولا أرى للميت فيه شيئا ولا لإخوته؛ لأنه قد حازه دونهم.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير ابن وهب وصيته بالفرن بحضرة عامة إخوته حيازة عليهم، والله أعلم من أجل أنه لم يعين ولا سمى من لم يحضر ذلك منهم ولا علم؛ لأن كل واحد منهم يقول: أنا ممن لم أحضر ولا علمت، ولو ثبتت عليهم كلهم أنهم حضروا وصيته له، فلم يغيروا، ولا أنكروا ولا ادعوا فيه حقا؛ لكان ذلك حيازة عليهم، أو على من ثبت عليه ذلك منهم، وإن كانت الوصية قد بطلت عنده فيه بإصلاحه إياه، وتعبيره له بالزيادة فيه، خلاف ما ذهب إليه أشهب.
وهذا على الاختلاف فيمن أوصى لرجل ببقعة ثم بناها، هل يكون ذلك نقضا للوصية أم لا يكون ذلك نقضا لها؟ ويكون الموصى له شريكا فيها مبنية بقيمة القاعة، وكذلك يكون الورثة مع الموصي لها بالفرن أشراكا فيه بالزيادة، على مذهب أشهب، لا بما أنفق في إصلاحه؛ إذ لا اختلاف في أن الوصية بالدار أو الفرن ونحوه، لا تبطل بالرم والإصلاح، وقول ابن وهب: إن العشرة الأعوام حيازة في الفرن بين الإخوة الأوراث، مع التغيير بالبنيان، والانفراد بالاستغلال، هو مثل القول الذي رجع عنه ابن القاسم، في رسم الكبش من سماع يحيى.
وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته. وقد مضى القول في مراعاة تحديد العشرة الأعوام في الحيازة في رسم شهد، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته ذكر ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يكونون في المنزل وفيه بور فزرع البعض ذلك بحضرة أشراكه]
مسألة وسألت عبد الله بن وهب عن القوم يكونون في المنزل، ولذلك المنزل بور وشعر، فاخترق بعض أهل ذلك المنزل في ذلك
стр. 5238
البور خرقا فزرعه وعمره بحضرة أشراكه، وأقام في يديه، نحوا من ثمان سنين أو عشرة، أو أكتر من ذلك إلى ما بينه وبين عشرين سنة، بحضرة أشراكه لم يغيروا عليه ولم ينكروا، ثم بدا لهم في طلب ذلك البور، ومحاصة صاحبه فيه وأرادوا أن يردوه بورا، ومرعى لعامتهم، كما كان أول مرة، فاحتج صاحب البور بعمارته له، منذ زمان طويل بحضرتهم، وهو مقر أنه كان بورا، وقال: هي أرض اعتمرتها منذ زمان طويل بحضرتكم، أو كان صاحب تلك الأرض قد هلك وورثها ورثته، فادعوا أنهم ورثوا عن أبيهم أرضا، كان يعتمرها منذ زمان، بحضرتكم فقامت عليهم البينة، أن تلك الأرض كانت من البور الذي كان بين أهل القرية كلهم، حتى اخترقها أبوهم الهالك، فهل ترد إليه حاله الأول بورا، كما كان أول، أو يستحقه الذي هو في يديه بطول عمارته؟ فقال: إن كانت الشعر أو البور معروفا للقوم، أو كان المخترق مقرا بذلك، أعطوه قيمته صحيحا إن كان اعتمر بذلك بعلمهم ومعرفتهم، وهم يرونه لا يغيرون عليه، وذلك إذا كانوا كبارا هالكين لأنفسهم، فإن كانوا صغارا ليس لمثلهم إذن، فقيمته منقوضا، وإن كان البور ليس معروفا لهم، ولا مشهودا عليه، وأنكر وهو في يديه، يحوزه ويعتمله السنين التي في مثلها الحيازة، فلا حق لهم فيه.
قال محمد بن رشد: قوله: فاخترق بعض أهل ذلك المنزل في ذلك البور يدل على أن للمخترق فيه حقا؛ إذ هو منهم. وهذا هو الذي قال فيه ابن القاسم في آخر سماع يحيى: إنهم فيه أعذر في السكوت منهم في الأرض العامرة. وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، ولم ير مشاركتهم لهم في الشعر شبهة، توجب أن يكون له
стр. 5239
قيمة ما عمر فيها قائما، إن كان عمره بغير علمهم ولا إذنهم. وهذا مثل ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم. وفي ذلك اختلاف قد ذكرناه، هناك. وقوله: إنه إن كان عمره بعلمهم ومعرفتهم أعطوه قيمته صحيحا ظاهره، طالت المدة أو قصرت، فهو خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في تفرقته بين أن يقوموا عليه بحدثان البنيان، أو بعد أن يمضي من المدة ما يرى أنه بني إلى مثلها، مثل رواية المدنيين عن مالك، في أن من بنى في أرض رجل بإذنه أو بعلمه، فله قيمة بنيانه قائما، وفي قوله في آخر المسألة: وإن كان البور ليس معروفا لهم، ولا مشهودا عليه، فأنكر وهو في يده، يحوزه ويعتمله السنين التي في مثلها الحيازة، فلا حق لهم فيه؛ نظرا لأن البور؛ إذا لم يكن لأهل المنزل فيه حق، فهو موات، يكون لمن أحياه بالعمارة، والإحياء على حكم إحياء الموات، فيما قرب وفيما بعد، حسبما مضى القول فيه في رسم القضية من سماع أشهب من كتاب السداد، والأنهار ولا يستحق شيئا من ذلك على جماعة المسلمين، بطول الحيازة، كما يستحق على الواحد منهم بها ماله وملكه، وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.
[مسألة: تكون في يديه دابة فتعرفها رجل يزعم أنها سرقت منه ويقيم البينة]
مسألة قال: سألته عن الرجل تكون في يديه دابة، فتعرفها رجل، يزعم أنها سرقت منه، فقيم عليها البينة، أنها مسروقة منه، وأنها منتوجة عنده، أو عند الذي ابتاعها منه، فيزعم الذي ألفيت في يديه أنه ابتاعها من رجل من أهل بلدة أخرى، فيكتب له القاضي إلى قاضي البلد، الذي زعم أن بائعه بها، بما قامت عنده لمدعيها من البينة عليها، وأنها منتوجة عنده، أو عند من ابتاعها منه إلى أن أنشدها
стр. 5240
مسروقة، وأنه قد قضي بها له، ليرد بذلك رأس ماله من بيعه، فإذا ورد بذلك الكتاب على القاضي، أتاه ببيعه، فعرف الدابة وأقر ببيعها أعداه عليه بما كتب به إليه ذلك القاضي، ثم يزعم الذي أعدى عليه، أنه ابتاعها من رجل في كورة أخرى، ويسأل أن تدفع إليه الدابة، ويضع قيمتها على يدي عدل، ليدرك رأس ماله بها.
وكتب له القاضي الذي كتب إليه بعد وضع قيمتها، إلى قاضي البلد الذي زعم أن بائعه به، فيأتيه ببائع الدابة فيعرفها، ويقر ببيعها، ويزعم أنها منتوجة عنده، ويقيم عليها البينة أنها منتوجة عنده، فكتب ذلك القاضي إلى الذي كتب إليه، أنه لم يجد سبيلا إلى الإعداء عليه، بما قامت عنده من البينة أنها، منتوجة عنده، فيلتمس هذا أن يرجع بما غرم من قيمتها على من أخذ ذلك منه.
ويحتج ذلك بدعوى الأول، وما قامت عليه بينة، فأي الأمرين يحملها عليه؟ قال: إن كانت بينة الأول الذي أقام عند القاضي الأول على النتاج أعدل من بينة الآخر الذي أقام أيضا البينة على النتاج عند القاضي الآخر، أو كانتا في العدالة سواء، فالأول أحق بها، ترد إليه، ويعدى مشتريها والمستحقة من يديه على بائعه، وبائعه على بائعه على ذلك الأصل أبدا كما هو، وإن كانت بينة الآخر على النتاج أعدل البينتين وأبرزها في الصلاح والعدالة، فالحق حقه، ولا حق للأول وينفذ البيع بين من تبايعاهما أجمعين، ويرد إلى المستحق من يديه، ويتم البيع فيه بينهم على ما تبايعوا من واحد إلى واحد.
قال محمد بن رشد: المسئول في هذه المسألة ابن وهب، والله أعلم؛ لأنه قال في أولها: وسألته عطفا على المسألة المتقدمة له. وقول فيها: إنه إن تكافأت البينتان في العدالة، فالبينة بينة الأول، وهو أحق بها، وينفذ البيع بينهم بالأثمان، وتبطل بينة الثاني خلاف مذهب ابن القاسم
стр. 5241
وروايته عن مالك؛ لأن المال المتنازع فيه، لا يكون عندهما مع تكافئ البينتين للذي هو في يديه، إلا إذا جهل أصل كونه في يديه، والأول الذي أقام البينة على النتاج، قد علم أصل كون الدابة في يديه، وهو قضاء القاضي الأول له بها بما ثبت عنده من ملكه لها، وأنها منتوجة عنده قبل الإعذار إلى هذا الآخر الذي أقام أيضا البينة على النتاج، فهو حكم لم يتم بعد، فلا تراعى يده؛ لأن اليد على الحقيقة إنما هي للثاني؛ لأنه المدعى عليه لما قد باعه مما كان في يديه بوجه مجهول، فهو بمنزلة المستحقة من يديه الدابة، لو كان هو الذي أقام البينة على النتاج، فالواجب في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ إذا تكافأت البينتان في العدالة، أن تكون البينة بينة الثاني التي أقام على النتاج، وتبطل بينة الأول، وترد الدابة إلى الذي استحقت من يديه أولا، وينقض الحكم الذي حكم به القاضي الأول للمدعي الذي أقام البينة عنده على النتاج، ويرجع كل من رجع عليه بما أخذ منه على الذي أخذه منه، وقول ابن وهب في هذه المسألة، هو مثل قول غير ابن القاسم في كتاب الولاء والمواريث من المدونة في الذي يأخذ مال رجل، ويدعي أنه وارثه، ثم يأتي رجل آخر غيره، ويدعي أنه وارثه، ويقيمان جميعا البينة على دعواهما أن البينة بينة للذي المال بيده.
وقد وقع في المبسوطة لأصبغ وسحنون: أن الدابة تكون بينهما إذا تكافأت البنيتان في العدالة، يريدان فينفذ الاستحقاق في نصفها، ويكون التراجع بينهم فيه، على حكم من ابتاع دابة فاستحق من يديه نصفها، ويكون مخيرا بين أن يرد النصف الباقي في يده، ويرجع بجميع الثمن، وبين أن يمسك النصف، ويرجع على البائع منه بنصف الثمن، ثم يرجع هو على من باع منه بنصف الثمن الذي دفع إليه أيضا، وهو قول ثالث في المسألة، على غير الأصول؛ لأن المال المدعى فيه لا يكون بين المتداعيين، عند تكافئ البينتين إلا إذا كان بأيديهما جميعا، أو لم يكن بيد واحد منهما، واليد التي يجب اعتبارها في مسألتنا هذه، إنما هي يد الثاني على ما بيناه. أرأيت لو كان حاضرا عند إقامة الأول البينة عليها أنها
стр. 5242
منتوجة عنده، فأقام هو البينة عليها أيضا أنها منتوجة عنده، أليس كانت تكون بينته أعمل؟ فلا فرق بين أن يغيب حتى يحكم له بها، وبين أن يكون حاضرا؛ لأن الحجة قد أرجئت له لمغيبه. وهذا كله بين، والحمد لله.
وإذا كانت بينة الثاني أعمل، وجب أن ترجع الدابة إلى الذي كانت استحقت من يديه، فيرد كل واحد منهم الدابة إلى الذي أخذها منه، ووضع له فيها القيمة، فيأخذ منه الثمن الذي دفع إليه، والقيمة التي وضع له، حتى ترجع الدابة إلى الذي استحقت من يديه، فيأخذ القيمة التي وضع لمستحقها، وإن تلفت القيمة الموضوعة في شيء من هذا، فمصيبتها من الذي وضعها إذا كانت على يدي عدل، وإن كانت عنده ضمنها، إلا أن تكون له بينة على ضياعها، على حكم ما يغاب عليه من الرهان، وإن تلفت الدابة في شيء من هذا بيد أحد ممن سار بها، فلربها المستحقة من يده أكثر القيم الموضوعة، ولهذا الوجه تفسير دقيق، قد فرغنا من بسطه وشرحه في مسألة مشخصة، سئلت عنها منذ مدة، فبينت وجه القول فيها بيانا شافيا، فتركت ذكر ذلك هنا اختصارا واكتفاء لما مضى من القول؛ إذ لم أقصد في هذا الشرح إلى تفريع مسائله، كراهة التطويل، وبالله التوفيق، اللهم لطفك.
[اشترى عبدا معينا وقبضه وآخر موصوفا إلى أجل فاستحق العبد القائم]
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن رجل اشترى عبدا قائما بعينه وقبضه، وعبدا آخر موصوفا معه إلى أجل، بمائة دينار، فاستحق العبد القائم، قال: ينظر في قيمة الذي نقد، والذي إلى أجل، كم كان نصيب كل واحد منهما من المائة؟ على قدر بعد الأجل وقربه، وعلى صفة ذلك إن اختلفت الصفة، ثم يقسم ذلك بينهما، ثم يرد ما أصاب الذي استحق بقدر ذلك، ويثبت البيع فيما
стр. 5243
بقي، إلا أن يكون هذا المستحق وجه الشراء وكثرته، وفيه الفضل فيما يرى الناس، فينفسخ البيع كله، وترد المائة. وقاله أصبغ بن الفرج، وهي حسنة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ووجه العمل في ذلك أن يقوم العبد القائم يوم وقع الشراء، ويقوم العبد المسلم فيه، بأن يقال: كم يسلف في عبد على تلك الصفة إلى مثل ذلك الأجل، وإلى من تكون ذمته في الأمانة والثقة؟ مثل ذمة المسلم إليه في العبد، فإن كانت قيمة العبد في التمثيل ثلاثين، وما يسلم في مثل العبد المسلم فيه على ما وصفناه ستين، ثبت السلم له على المسلم إليه، ورجع عليه بثلث المائة للعبد المستحق، وإن كانت قيمة العبد ستين، وما يسلم في مثل العبد المسلم فيه ثلاثين، كان بالخيار بين أن يرجع بجميع المائة، وينتقض السلم، وبين أن يرجع بثلثي المائة، ويثبت له السلم، وبالله التوفيق.
[له عبد مملوك وكان في يديه منزل فيه بنيان وغرس معروف]
ومن كتاب الأقضية قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن رجل له عبد مملوك، وكان في يديه منزل فيه بنيان وغرس معروف؛ إنه لمولاه، فأعتقه وفي يديه ذلك المنزل والأرض، ثم أقام بعد عتقه عشرين سنة، يبني ويهدم ويزرع حتى مات، وترك أولادا صغارا، فطلب مولاه المنزل، وهل ينتفع الموالي بحوزهم؟ قال: إن المولى أحق به، ولا ينتفع الموالي بالحوز في مثل هذا إذا عرف ذلك كان لمولاه، وليس الموالي والولد مثل الأجنبيين، شأنهم أضعف من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم لابن القاسم في رسم الكبش، من سماع يحيى، من أن المولى الأسفل في الحيازة، بمنزلة المولى
стр. 5244
الأعلى، وبمنزلة الأختان والأصهار على حكم القرابة خلاف ما مضى في رسم شهد، من سماع عيسى، من أن الموالي والأصهار في الحيازة، بمنزلة الأجنبيين.
وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تم كتاب الاستحقاق بحمد الله تعالى، وحسن عونه.
стр. 5245
[كتاب الغصب] [ ترك رجلا يبني في أرضه وهو حاضر ثم قام عليه حين فرغ]
من سماع عبد الرحمن بن القاسم
من مالك رواية سحنون
من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك في رجل ترك رجلا يبني في أرضه، أو يغرس فيها وهو حاضر يراه، ثم قام عليه حين فرغ من بنيانه أو غرسه: إن للعامل قيمة ما أنفق. قال ابن القاسم: وذلك في فيافي الأرض، وحيث لا يظن تلك الأرض لأحد، فإذا بنى في مثل ذلك المكان وصاحبه ينظر، ثم جاء ليخرجه، فلا يخرجه إلا بقيمته مبنيا. ولو بنى أيضا في مثل ذلك المكان بحوز، استحيا مثله، ولم يعلم صاحبه، لم يكن له أن يخرجه أيضا، إلا أن يغرم له القيمة مبنيا. وأما من دخل على رجل متعديا بمعرفة، فإنه يهدم بنيانه، ويقلع غرسه، إلا أن يحب صاحب الأرض أن يغرم ثمن نقضه وغرسه، بعد أن يطرح مقلوعا، وليس للذي تعدى أن يأبى ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: وذلك في فيافي الأرض،
стр. 5246
وحيث لا تظن تلك الأرض لأحد؛ مخالف لما ذهب إليه مالك، غير مفسر له؛ لأن الذي ذهب إليه مالك؛ أن تركه يبني في أرضه ويغرس فيه وهو حاضر، يراه إذن منه له بذلك، فسواء على مذهبه كان ذلك في فيافي الأرض، وحيث لا تظن تلك الأرض لأحد، أو لم تكن، وكان في الحاضرة أو فيما قرب منها، إن قام عليه بحدثان ما بنى أو غرس، لم يكن له أن يخرجه عن الأرض، إلا أن يعطيه قيمة ما أنفق، أو ما أنفق على الاختلاف القائم من المدونة، وقد ذكرت وجهه في سماع أشهب، من كتاب الاستحقاق.
وإن لم يقم عليه حتى مضى من المدة ما يرى أنه إذن بالغرس والبناء إلى مثلها، كان له قيمة بنيانه وغرسه منقوضا مطروحا بالأرض، على ما في كتاب العارية من المدونة فيمن أذن الرجل أن يبني في أرضه أو يغرس فيها، ويوقت له أجلا.
وإن قام عليه بعد مدة، إلا أنها لم تبلغ الحد الذي يرى أنه أذن له بالبناء إلى مثلها، لم يكن له أن يخرجه إلا أن يعطيه قيمة بنيانه وغرسه قائمة. ووجه العمل في ذلك أن يقال: كم قيمة البقعة مبنية، على ما هي عليه من هذا البناء على حالته التي هو عليها من التغير فيما مضى من المدة؟ وكم قيمة بنيانها أيضا لو كان البناء جديدا كما فرغ منه؟ فينقص ما بين القيمتين من قيمتها، أنفق في البنيان أو مما أنفق فيه، على الاختلاف الذي قد ذكرته فيما بقي من ذلك، كان هو قيمة البنيان قائما الذي يجب له عليه، إن أراد إخراجه من الأرض.
وذهب ابن القاسم في هذه الرواية إلى أن تركه يبني في أرضه وهو حاضر يراه، ليس بإذن منه له في ذلك على أحد قوليه؛ إذ قد اختلف قوله في هذا الأصل، فإذا لم يكن إذن له عنده، فلا يكون له على مذهبه في بنيانه قيمة ما أنفق فيه، كما قال مالك، إلا إذا كان ذلك في فيافي الأرض، وحيث لا يظن ذلك الأرض
стр. 5247
لأحد، ولذلك قال متصلا بقول مالك: إنه إن قام عليه حين فرغ من بنيانه أو غرسه؛ أن للعامل قيمة ما أنفق، وذلك في فيافي الأرض ... إلخ قوله؛ يريد عنه وعلى مذهبه؛ لأن بنيانه إن لم يكن في فيافي الأرض، فلا يجب له فيه على مذهبه في هذه الرواية، إلا قيمته منقوضا.
هذا وجه القول في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك خلاف رواية المدنيين عن مالك، في أن من بنى فله قيمة بنيانه قائما، وإن انقضت المدة، وعلى ذلك يأتي قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة عن مالك في أنه من بنى في أرض بينه وبين شريكه، وشريكه حاضر لا ينكر، فهو كالإذن، ويعطيه قيمة البناء قائما، كالباني بشبهة.
وقد مضى تحصيل القول في مسألة أحد الشريكين، يبني في الأرض التي بينه وبين شريكه على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في أول سماع ابن القاسم، من كتاب الاستحقاق، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتسوق بسلعة فيعطيه غير واحد بها ثمنا ثم يعدوا عليها رجل فيستهلكها]
مسألة وقال مالك في الرجل يتسوق بسلعة، فيعطيه غير واحد بها ثمنا، ثم يعدوا عليها رجل، فيستهلكها، قال: أرى أن يضمن ما كان يعطى بها، ولا ينظر في قيمتها. قال: وذلك إذا كان عطاء قد تواطأ عليه الناس. ولو شاء أن يبيع باع. قال سحنون: لا يضمن إلا قيمتها. قال عيسى: يضمن الأكثر القيمة أو الثمن.
قال محمد بن رشد: قول مالك: إنه يضمن ما كان يعطى بها إذا كان عطاء قد تواطأ الناس عليه، ولا ينظر إلى قيمتها. معناه: إلا أن تكون القيمة أكثر من ذلك، فتكون له القيمة. وهو نص قول مالك في سماع عيسى من كتاب العتق، مثل قول عيسى بن دينار من رأيه: إن له الأكثر من القيمة أو الثمن. فقوله مفسر لقول مالك، خلاف لقول سحنون، الذي لا يرى له إلا
стр. 5248
القيمة، كانت أقل من الثمن أو أكثر. فالمسألة راجعة إلى قولين، وبالله التوفيق.
[انتهب من رجل مالا والناس ينظرون فطلبه فادعى صاحبه عددا وكذبه الآخر]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك عن رجل انتهب من رجل مالا في صرة في يده، والناس ينظرون إليه، قد رأوها قبل ذلك في يد صاحبها، فطلب، فطرحها مطرحا لم توجد، فادعى صاحبها عددا وكذبه الآخر، ولم يفتحها، ولم يدر كم هي؟ ولعله ألا يطرحها لعجزه هربا فيذهب بها، ثم يختلفان في العدد قال مالك: إذا اختلفا في العدد، فاليمين على المنتهب، ومطرف، وابن كنانة يقولان في هذا وشبهه: القول قول المنتهب منه؛ إذا ادعى ما يشبه، وأن مثله يملكه.
قال محمد بن رشد: قول مالك هو القياس؛ لقول النبي ﵇: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» ، فالقول قول المنتهب مع يمينه، أنه لم يكن فيها أكثر من كذا وكذا؛ إذ حقق أنه لم يكن فيها أكثر من ذلك، وإن لم يدع معرفة عدد ما فيها، وذلك إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه، لم يكن له إلا ما أقر به المنتهب.
وأما قول مطرف وابن كنانة، فإنه استحسان، ووجهه أن عداء المنتهب وظلمه قد ظهر، فوجب أن يسقط حقه، في أن يكون القول قوله؛ لقول النبي ﵇: «ليس لعرق ظالم حق» ، والظالم أحق من حمل عليه " فكان القول قول المنتهب منه إذا ادعى ما
стр. 5249
يشبه، فإن ادعى ما لا يشبه، كان القول قول المنتهب؛ إذا أقر بما يشبه، فإن لم يقر إلا بما لا يشبه، يسجن، فإن طال سجنه ولم ينتقل عن قوله، استحلف على ذلك وأخذ منه، وبالله التوفيق، لا رب سواه، اللهم لطفك.
[الزرع تأكله الماشية]
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: وقال مالك في الزرع تأكله الماشية، قال: يقوم على حال ما يرجى من تمامه ويخاف من هلاكه لو كان يحل بيعه. فإن قال قائل: كيف يقوم ما لا يحل بيعه؟ فإن رسول الله ﷺ قد قضى في الجنين بغرة، فالجنين لا يحل بيعه فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: قوله في الزرع تأكله الماشية: إنه يقوم على الرجاء والخوف؛ معناه فيما أفسدت وأكلت بالليل؛ لأن رسول الله ﷺ «قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها» ، ولا اختلاف في وجوب تقويمه على الرجاء والخوف؛ إذا يئس من أن يعود لهيئته، وإما إن رعى صغيرا، ورجا أن يعود لهيئته، فاختلف هل يستأنى به أم لا؟ فقال مطرف: إنه لا يستأنى به،
стр. 5250
وذهب سحنون، إلى أنه يستأنى به. قاله في الثمرة، وهو في الزرع أحرى.
واختلف على القول بأنه لا يستأنى به، إن حكم بالقيمة فيه، ثم عاد لهيئته بعد الحكم، هل ترد القيمة أم لا؟ واختلف أيضا على القول بأنه لا يستأنى به إن لم يحكم فيه، حتى عاد لهيئته، فقيل: تسقط القيمة فيه، وهو قول مطرف، وقيل: لا تسقط فيه، ويقوم على الرجاء والخوف على كل حال، إن نبت وعاد لهيئته قبل الحكم، وهو قول أصبغ.
وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في آخر سماع أشهب، من كتاب الأقضية، والله الموفق.
[الأمة الراووقة الفارهة تتعلق برجل تدعي أنه غصبها نفسها]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك ورواية سحنون من كتاب الأقضية
قال أشهب: قيل لمالك: رأيت الأمة الراووقة الفارهة، تتعلق برجل تدعي أنه غصبها نفسها، أتصدق عليه بما بلغت من فضيحة نفسها يمين أو بغير يمين؟ فقال: تصدق عليه، ويكون ذلك لها بغير يمين، ما سمعت أن عليها في ذلك يمينا، فأرى أن تصدق، بكرا كانت أو ثيبا إذا تشبثت به وبلغت فضيحة نفسها، وهي تدمى إن كانت بكرا، ولم أسمع أن عليها في ذلك يمينا.
قال محمد بن رشد: في هذه المسألة أن الرجل إذا ادعت عليه أنه غصبها نفسها، ممن يليق به ما ادعت عليه من ذلك، فهاهنا يسقط عنها حد القذف للرجل باتفاق وحد الزنا، وإن ظهر بها حمل لما بلغته من فضيحة نفسها، وكذلك الوغدة.
قال ذلك محمد بن المواز: واختلف في وجوب الصداق لها على ثلاثة أحوال؛ أحدها: أنه يجب لها، وهو قول مالك في رواية أشهب هذه. والثاني: أنه لا يجب لها، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه، من كتاب الحدود، في
стр. 5251
القذف. قال: ولو كان أشر من عبد الله الأزرق في زمانه. والثالث قول ابن الماجشون في الواضحة: أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة، ولا يجب لها إن كانت أمة، واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها، هل يجب بيمين أو بغير يمين؟ فقال مالك في رواية أشهب هذه: إنها تأخذه بغير يمين، وذهب ابن القاسم إلى أنها لا تأخذه إلا بيمين وهو أصح. وهذا الاختلاف في وجوب اليمين إنما هو والله أعلم في الجارية الفارهة، وأما الوغدة فلا تأخذ الصداق على القول بأنها تأخذه بدعواها مع التشبث بالمدعى عليه، إلا بعد اليمين.
وتحصيل القول في هذه المسألة باستيفاء وجوهها أنه إذا ادعت المرأة على الرجل أنه اغتصبها نفسها، ولم تأت متشبثة به، فإن كان الرجل معلوما بالصلاح، ممن لا يشار إليه بالفسق، حدت له حد القذف، كانت من أهل الصون أو لم تكن، وحدت الزنا إن ظهر بها حمل. وأما إن لم يظهر بها حمل، فيتخرج وجوب الحد عليها على الاختلاف فيمن أقر بوطء أمة رجل، وادعى أنه اشتراها منه، أو بوطء أمة، وادعى أنه تزوجها، فتحد على مذهب ابن القاسم، إلا أن ترجع عن قولها، ولا تحد على مذهب أشهب، وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة، وإن كان معلوما بالفسق لم تحد له حد القذف، كانت من أهل الصون أو لم تكن، ولا حد الزنا لنفسها، إلا أن يظهر بها حمل، وينظر الإمام في أمره، فيسجنه، ويستحس عن أمره، ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف له في أمره شيء استحلف، فإن نكل عن اليمين حلفت المرأة، واستحقت عليه صداق مثلها، وإن كان مجهول الحال، حدت له حد القذف إن كانت مجهولة الحال أيضا، أو لم تكن من أهل الصون، وأما إن كانت من أهل الصون، وكان هو مجهول الحال، فيتخرج وجوب حد القذف عليها له على قولين. ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له.
فإن نكل عن اليمين حلفت هي وكان لها صداق مثلها، وأما إن ادعت عليه أنه غصبها نفسها، وجاءت متعلقة به،
стр. 5252
تدمى إن كانت بكرا، فإن كان من أهل الصلاح لا يليق به ما ادعته عليه، سقط عنها حد الزنا، إن ظهر بها حمل، لما بلغته من فضيحة نفسها، واختلف هل تحد له حد القذف أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تحد له حد القذف. وحكى ابن حبيب في الواضحة أنها لا تحد له حد القذف، ولا يمين لها عليه، على القول بأنها تحد له. وأما على القول بأنها لا تحد له، فيحلف على تكذيب دعواها. فإن نكل عن اليمين حلفت واستحقت عليه صداق مثلها، وهذا إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها، وأما إن كانت ممن لا يبالي بفضيحة نفسها، فتحد له قولا واحدا. وإن كان معلوما بفسق من يليق به ذلك سقط عنها حد القذف للرجل، وحد الزنا، وإن ظهر بها حمل.
واختلف في وجوب الصداق لها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يجب لها، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الغصب؛ لأنه إذا وجب للأمة ما نقضها، فأحرى أن يجب للمرأة صداق مثلها. والثاني: أنه لا يجب لها، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في القذف. قال: ولو كان أشر من عبد الله بن الأزرق في زمانه. والثالث قول ابن الماجشون في الواضحة: أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة، ولا يجب لها شيء إن كانت أمة، واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها، هل يجب لها بيمين أو بغير يمين، فروى أشهب عن مالك أنها تأخذ بغير يمين، وذهب ابن القاسم إلى أنها لا تأخذ إلا بعد اليمين، وهو أصح، والله أعلم.
وإن كان مجهول الحال لم تحد له قولا واحدا، إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها، واستحلف هو، فإن نكل عن اليمين حلفت هي، واستحقت صداقها، وإن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها، يخرج إيجاب حد القذف عليها على قولين، ويحلف على القول بأنها لا تحد له، فإن نكل عن اليمين حلفت هي واستحقت صداقها، ويحلف على القول بأنها تحد له ولا يجب لها شيء. هذا تحصيل القول في هذه المسألة، والله الموفق.
стр. 5253
[يبذر الناس الحبوب فربما أخطأ المرء فزاد على حده من حد جاره]
ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك فقيل له: إن أرض مصر ينكشف عنها الماء، وبعضها لضيق بعض، فإذا بذر الناس الحبوب فربما أخطأ المرء، فزاد على حده من حد جاره، الفدان والفدانين، فبذر فيه، ثم ينظر بعد ذلك، فيوجد قد بذر في غير حقه، فيقول رب الأرض: أنا أعطيك بذرك، وكراء بقرك، قال مالك: ما أرى ذلك ولا أظنه، قال: فقيل له: فترى أن تكون تلك الأرض التي وقع فيها بذره له بكرائها؟ قال: نعم، أراها له بكرائها، وله الزرع.
قال محمد بن رشد: قوله: ما أرى ذلك، ولا أظنه؛ معناه: ما أرى ذلك بحوز، ولا أظنه يحل؛ لأنه صدقه فيما ادعاه من الخطأ والغلط، وعذره ذلك بالجهل، فوجب أن يكون له الزرع، ويكون عليه كراء الأرض؛ لأنه زرعه وهو يحسب أنه زرعه في حقه، بعد يمينه على ذلك، حسبما قاله أصبغ في نوازله من كتاب المزارعة، فلما وجب له الزرع، لم يجز لرب الأرض أن يأخذه ويعطيه بذره، وكراء بقره؛ لأنه يكون مبتاعا له بذلك، وسحنون لا يعذره في ذلك بالجهل، ولا يصدق فيما ادعاه من الغلط، ويحمله محمل الغاصب، فيرى الزرع لصاحب الأرض، ولا يرى للزارع شيئا إلا أن يقدر أن يجمع حبه من الفدان حسبما ذكرنا عنه في نوازل أصبغ من كتاب المزارعة، ولا خلاف في أنه لا يعذر في الغلط إذا تجاوز حده بالبنيان في البقعة، وبالله التوفيق.
[عبد اغتصب فباعه مغتصبه أو سارقه فمات في يدي مشتريه]
من سماع عيسى من ابن القاسم
من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن عبد اغتصب أو سرق،
стр. 5254
فباعه مغتصبه أو سارقه، فمات في يدي مشتريه، وترك مالا ثم جاء سيده فاستحقه، قال: يخير سيده، فإن شاء أخذ ماله الذي ترك، ورجع المشتري على البائع بالثمن، وإن شاء رجع على هذا المغتصب بالثمن أو بالقيمة، فأخذه منه، ويسلم ماله للمشتري، قال: وكذلك لو كانت أمة اغتصبت، أو رمكة فولدت أولادا ثم ماتت الرمكة أو الوليدة؛ أن سيدها إن شاء أخذ ولدها، ولم يكن له غير ذلك، وإن شاء ترك ولدها، وأخذ الثمن أو القيمة. وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لسيد العبد المغصوب إذا مات عند المشتري، وترك مالا أن يأخذ ماله، ويرجع المشتري بالثمن على البائع الغاصب، صحيح، لا اختلاف فيه أحفظه؛ لأن العبد لم يخرج عن ملكه، فله أن يأخذ ماله، سواء وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يغرم المشتري الذي استحق العبد من يده قيمة مال العبد، إن كان قد استهلكه، وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يأخذ من يد الموهوب له، إن كان وهبه، وسواء كان المشتري ابتاع العبد بماله أو كسبه عنده بتجارة، أو وهب إياه، إلا أن يكون سيده هو الذي وهبه إياه، واكتسبه عنده من عمل يده، فلا يكون للمستحق فيه شيء، وإذا اختار المستحق أخذ مال العبد من يد المشتري، وترك الرجوع على الغاضب البائع، رجع عليه المشتري بالثمن، ولو تلف المال عند المشتري، ووجد العبد على حاله عنده، لم يكن له أن يتركه، ويرجع على الغاصب، وحكم الأولاد في ذلك كله حكم المال لا ضمان على المشتري في تلف شيء من ذلك عنده، وله الرجوع بالثمن إذا أخذ منه المال، وقد تلف العبد، أو أخذ منه الأولاد، وقد تلفت الأمهات، ولو تلف الأولاد عند المشتري، ووجد الأمهات عنده على حالها، لم يكن له أن يتركهم ويرجع على الغاصب. واختلف إن تلف الأولاد أو المال عند الغاصب، فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه في ذلك. وقال أشهب: عليه فيه الضمان، وبالله التوفيق.
стр. 5255
[يشتري السلعة في سوق المسلمين فيدعيها رجل قبله ويقيم البينة]
ومن كتاب أوله استأذن سيده في تدبير جاريته وسئل ابن القاسم عن الرجل يشتري السلعة في سوق المسلمين، فيدعيها رجل قبله، ويقيم البينة أنها اغتصبت منه، فيزعم مشتريها أنها هلكت، قال: إن كانت حيوانا فهو مصدق، وإن كانت مما يغيب عليه لم يقبل قوله، وأحلف بالله الذي لا اله إلا هو أنه هلك، ويكون عليه قيمتها، إلا أن يأتي بالبينة على هلاك من الله إياه، مثل اللصوص والغرق والنار ونحو ذلك، فلا يكون عليه شيء، قيل له: فإن قال: بعتها بكذا وكذا، ولم يكن على ذلك بينة، إلا قوله، أيصدق على ذلك، أم لا يصدق إلا بينة تقوم؟ قال: قوله مقبول في ذلك؛ لأنه قد يعرف الشيء في يديه، ثم يتغير عنده قبل أن يبيعه بكسر أو عور أو شيء يصيبه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة صحيحة، وإنما قال: إنه يحلف إذا ادعى تلاف السلعة التي اشترى ويغرم قيمتها، مخافة أن يكون غيبها، ومثل هذا يجب في المرتهن والمستعير والصانع يدعون تلف ما يغاب عليه. وقوله في آخر المسألة: إنه إن أتى بالبينة على الهلاك لم يكن عليه شيء، معناه أن يشهد البينة على معاينتها لهلاك ذلك، وهو ظاهر ما في كتاب بيع الخيار من المدونة، ونص قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، سئل عن الصناع تحترق منازلهم، فيدعون أمتعة الناس احترقت، مثل الصباغ والخياط والحائك والصواغ، وما أشبه ذلك، قال: لا يصدقون، وذلك من أمر الحريق؛ لأنهم يتهمون أن يخبئوا أمتعة الناس، ويحرقون الحصير وما أشبه، فلا أرى أن يقبل قولهم، إلا أن يأتوا بشيء معروف، ومقال مالك في كتاب ابن المواز في الصانع يسرق بيته، ويعلم ذلك، فيدعي أن المتاع ذهب مع ما ذهب، أنه لا يصدق، قال: وكذلك لو احترق بيته، فرأى ثوب الرجل
следующие страницы →