← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

القذف. قال: ولو كان أشر من عبد الله الأزرق في زمانه. والثالث قول ابن الماجشون في الواضحة: أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة، ولا يجب لها إن كانت أمة، واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها، هل يجب بيمين أو بغير يمين؟ فقال مالك في رواية أشهب هذه: إنها تأخذه بغير يمين، وذهب ابن القاسم إلى أنها لا تأخذه إلا بيمين وهو أصح. وهذا الاختلاف في وجوب اليمين إنما هو والله أعلم في الجارية الفارهة، وأما الوغدة فلا تأخذ الصداق على القول بأنها تأخذه بدعواها مع التشبث بالمدعى عليه، إلا بعد اليمين. وتحصيل القول في هذه المسألة باستيفاء وجوهها أنه إذا ادعت المرأة على الرجل أنه اغتصبها نفسها، ولم تأت متشبثة به، فإن كان الرجل معلوما بالصلاح، ممن لا يشار إليه بالفسق، حدت له حد القذف، كانت من أهل الصون أو لم تكن، وحدت الزنا إن ظهر بها حمل. وأما إن لم يظهر بها حمل، فيتخرج وجوب الحد عليها على الاختلاف فيمن أقر بوطء أمة رجل، وادعى أنه اشتراها منه، أو بوطء أمة، وادعى أنه تزوجها، فتحد على مذهب ابن القاسم، إلا أن ترجع عن قولها، ولا تحد على مذهب أشهب، وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة، وإن كان معلوما بالفسق لم تحد له حد القذف، كانت من أهل الصون أو لم تكن، ولا حد الزنا لنفسها، إلا أن يظهر بها حمل، وينظر الإمام في أمره، فيسجنه، ويستحس عن أمره، ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف له في أمره شيء استحلف، فإن نكل عن اليمين حلفت المرأة، واستحقت عليه صداق مثلها، وإن كان مجهول الحال، حدت له حد القذف إن كانت مجهولة الحال أيضا، أو لم تكن من أهل الصون، وأما إن كانت من أهل الصون، وكان هو مجهول الحال، فيتخرج وجوب حد القذف عليها له على قولين. ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له. فإن نكل عن اليمين حلفت هي وكان لها صداق مثلها، وأما إن ادعت عليه أنه غصبها نفسها، وجاءت متعلقة به،

стр. 5252

تدمى إن كانت بكرا، فإن كان من أهل الصلاح لا يليق به ما ادعته عليه، سقط عنها حد الزنا، إن ظهر بها حمل، لما بلغته من فضيحة نفسها، واختلف هل تحد له حد القذف أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تحد له حد القذف. وحكى ابن حبيب في الواضحة أنها لا تحد له حد القذف، ولا يمين لها عليه، على القول بأنها تحد له. وأما على القول بأنها لا تحد له، فيحلف على تكذيب دعواها. فإن نكل عن اليمين حلفت واستحقت عليه صداق مثلها، وهذا إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها، وأما إن كانت ممن لا يبالي بفضيحة نفسها، فتحد له قولا واحدا. وإن كان معلوما بفسق من يليق به ذلك سقط عنها حد القذف للرجل، وحد الزنا، وإن ظهر بها حمل. واختلف في وجوب الصداق لها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يجب لها، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الغصب؛ لأنه إذا وجب للأمة ما نقضها، فأحرى أن يجب للمرأة صداق مثلها. والثاني: أنه لا يجب لها، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في القذف. قال: ولو كان أشر من عبد الله بن الأزرق في زمانه. والثالث قول ابن الماجشون في الواضحة: أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة، ولا يجب لها شيء إن كانت أمة، واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها، هل يجب لها بيمين أو بغير يمين، فروى أشهب عن مالك أنها تأخذ بغير يمين، وذهب ابن القاسم إلى أنها لا تأخذ إلا بعد اليمين، وهو أصح، والله أعلم. وإن كان مجهول الحال لم تحد له قولا واحدا، إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها، واستحلف هو، فإن نكل عن اليمين حلفت هي، واستحقت صداقها، وإن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها، يخرج إيجاب حد القذف عليها على قولين، ويحلف على القول بأنها لا تحد له، فإن نكل عن اليمين حلفت هي واستحقت صداقها، ويحلف على القول بأنها تحد له ولا يجب لها شيء. هذا تحصيل القول في هذه المسألة، والله الموفق.

стр. 5253

[يبذر الناس الحبوب فربما أخطأ المرء فزاد على حده من حد جاره] ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك فقيل له: إن أرض مصر ينكشف عنها الماء، وبعضها لضيق بعض، فإذا بذر الناس الحبوب فربما أخطأ المرء، فزاد على حده من حد جاره، الفدان والفدانين، فبذر فيه، ثم ينظر بعد ذلك، فيوجد قد بذر في غير حقه، فيقول رب الأرض: أنا أعطيك بذرك، وكراء بقرك، قال مالك: ما أرى ذلك ولا أظنه، قال: فقيل له: فترى أن تكون تلك الأرض التي وقع فيها بذره له بكرائها؟ قال: نعم، أراها له بكرائها، وله الزرع. قال محمد بن رشد: قوله: ما أرى ذلك، ولا أظنه؛ معناه: ما أرى ذلك بحوز، ولا أظنه يحل؛ لأنه صدقه فيما ادعاه من الخطأ والغلط، وعذره ذلك بالجهل، فوجب أن يكون له الزرع، ويكون عليه كراء الأرض؛ لأنه زرعه وهو يحسب أنه زرعه في حقه، بعد يمينه على ذلك، حسبما قاله أصبغ في نوازله من كتاب المزارعة، فلما وجب له الزرع، لم يجز لرب الأرض أن يأخذه ويعطيه بذره، وكراء بقره؛ لأنه يكون مبتاعا له بذلك، وسحنون لا يعذره في ذلك بالجهل، ولا يصدق فيما ادعاه من الغلط، ويحمله محمل الغاصب، فيرى الزرع لصاحب الأرض، ولا يرى للزارع شيئا إلا أن يقدر أن يجمع حبه من الفدان حسبما ذكرنا عنه في نوازل أصبغ من كتاب المزارعة، ولا خلاف في أنه لا يعذر في الغلط إذا تجاوز حده بالبنيان في البقعة، وبالله التوفيق. [عبد اغتصب فباعه مغتصبه أو سارقه فمات في يدي مشتريه] من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن عبد اغتصب أو سرق،

стр. 5254

فباعه مغتصبه أو سارقه، فمات في يدي مشتريه، وترك مالا ثم جاء سيده فاستحقه، قال: يخير سيده، فإن شاء أخذ ماله الذي ترك، ورجع المشتري على البائع بالثمن، وإن شاء رجع على هذا المغتصب بالثمن أو بالقيمة، فأخذه منه، ويسلم ماله للمشتري، قال: وكذلك لو كانت أمة اغتصبت، أو رمكة فولدت أولادا ثم ماتت الرمكة أو الوليدة؛ أن سيدها إن شاء أخذ ولدها، ولم يكن له غير ذلك، وإن شاء ترك ولدها، وأخذ الثمن أو القيمة. وهو قول مالك. قال محمد بن رشد: قوله: إن لسيد العبد المغصوب إذا مات عند المشتري، وترك مالا أن يأخذ ماله، ويرجع المشتري بالثمن على البائع الغاصب، صحيح، لا اختلاف فيه أحفظه؛ لأن العبد لم يخرج عن ملكه، فله أن يأخذ ماله، سواء وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يغرم المشتري الذي استحق العبد من يده قيمة مال العبد، إن كان قد استهلكه، وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يأخذ من يد الموهوب له، إن كان وهبه، وسواء كان المشتري ابتاع العبد بماله أو كسبه عنده بتجارة، أو وهب إياه، إلا أن يكون سيده هو الذي وهبه إياه، واكتسبه عنده من عمل يده، فلا يكون للمستحق فيه شيء، وإذا اختار المستحق أخذ مال العبد من يد المشتري، وترك الرجوع على الغاضب البائع، رجع عليه المشتري بالثمن، ولو تلف المال عند المشتري، ووجد العبد على حاله عنده، لم يكن له أن يتركه، ويرجع على الغاصب، وحكم الأولاد في ذلك كله حكم المال لا ضمان على المشتري في تلف شيء من ذلك عنده، وله الرجوع بالثمن إذا أخذ منه المال، وقد تلف العبد، أو أخذ منه الأولاد، وقد تلفت الأمهات، ولو تلف الأولاد عند المشتري، ووجد الأمهات عنده على حالها، لم يكن له أن يتركهم ويرجع على الغاصب. واختلف إن تلف الأولاد أو المال عند الغاصب، فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه في ذلك. وقال أشهب: عليه فيه الضمان، وبالله التوفيق.

стр. 5255

[يشتري السلعة في سوق المسلمين فيدعيها رجل قبله ويقيم البينة] ومن كتاب أوله استأذن سيده في تدبير جاريته وسئل ابن القاسم عن الرجل يشتري السلعة في سوق المسلمين، فيدعيها رجل قبله، ويقيم البينة أنها اغتصبت منه، فيزعم مشتريها أنها هلكت، قال: إن كانت حيوانا فهو مصدق، وإن كانت مما يغيب عليه لم يقبل قوله، وأحلف بالله الذي لا اله إلا هو أنه هلك، ويكون عليه قيمتها، إلا أن يأتي بالبينة على هلاك من الله إياه، مثل اللصوص والغرق والنار ونحو ذلك، فلا يكون عليه شيء، قيل له: فإن قال: بعتها بكذا وكذا، ولم يكن على ذلك بينة، إلا قوله، أيصدق على ذلك، أم لا يصدق إلا بينة تقوم؟ قال: قوله مقبول في ذلك؛ لأنه قد يعرف الشيء في يديه، ثم يتغير عنده قبل أن يبيعه بكسر أو عور أو شيء يصيبه. قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة صحيحة، وإنما قال: إنه يحلف إذا ادعى تلاف السلعة التي اشترى ويغرم قيمتها، مخافة أن يكون غيبها، ومثل هذا يجب في المرتهن والمستعير والصانع يدعون تلف ما يغاب عليه. وقوله في آخر المسألة: إنه إن أتى بالبينة على الهلاك لم يكن عليه شيء، معناه أن يشهد البينة على معاينتها لهلاك ذلك، وهو ظاهر ما في كتاب بيع الخيار من المدونة، ونص قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، سئل عن الصناع تحترق منازلهم، فيدعون أمتعة الناس احترقت، مثل الصباغ والخياط والحائك والصواغ، وما أشبه ذلك، قال: لا يصدقون، وذلك من أمر الحريق؛ لأنهم يتهمون أن يخبئوا أمتعة الناس، ويحرقون الحصير وما أشبه، فلا أرى أن يقبل قولهم، إلا أن يأتوا بشيء معروف، ومقال مالك في كتاب ابن المواز في الصانع يسرق بيته، ويعلم ذلك، فيدعي أن المتاع ذهب مع ما ذهب، أنه لا يصدق، قال: وكذلك لو احترق بيته، فرأى ثوب الرجل

стр. 5256

يحترق، فهو ضامن، وكذلك الرهن، قاله مالك، حتى يعلم أن النار من غير سببه. أو سيل يأتي، أو ينهدم البيت. فهذا وشبهه يسقط الضمان، وبالله التوفيق. [مسألة: أقر بغصب عبد رجل زعم أنه غصبه ورجلان سماهما معه] مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لو أن رجلا أقر بغصب عبد رجل، زعم أنه غصبه هو، ورجلان سماهما معه، وصدقه صاحب العبد أنهم غصبوه ثلاثتهم. قال: عليه غرم قيمته كله، ولم ينظر إلى من غصبه معه، إلا أن يكون يقرون كما أقر، أو تقوم عليهم بينة، فأما إذا لم يقروا ولم تقم عليهم بينة، فهو ضامن لجميع العبد، ولو أقر جميعهم أو قامت عليهم بينة، فوجد بعضهم معدمين، وبعضهم مليا، فإنه يأخذ جميع قيمته من الملي، ويطلب هو وأصحابه. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا موضع للقول؛ لأن القوم إذا اجتمعوا في الغصب أو السرقة أو الحرابة، فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه، كأن بعضهم قوي ببعض؛ فهم كالقوم يجتمعون على قتل الرجل، فيقتل جميعهم به، وإن ولي القتل أحدهم. وقد قال عمر بن الخطاب: لو تمالى عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وبالله التوفيق. [يغصب الرجل الشاة فيهديها لقوم ثم يطلبها صاحبها فيجدهم قد أكلوها] ومن كتاب العرية وسألته عن الرجل يغصب الرجل الشاة، فيهديها لقوم، ثم

стр. 5257

يقوم صاحبها على الذين أهديت إليهم، وقد أكلوها، قال: إن كان الغاصب بها مليا، فهي عليه غرم، وليس على الذين أهديت إليهم شيء، وإن كان معدما أخذ قيمتها من الذين أكلوها، قيل له: فإن كان ذبحها الغاصب، ثم سيرها إليهم مذبوحة، قال في كلا الوجهين: إن كان الغاصب مليا فقيمتها عليه، وليس على الذين أهديت إليهم شيء، وإن كان معدما وقد سيرها مذبوحة، كان على الذين أكلوها قيمتها مذبوحة، وكان ما بين قيمتها مذبوحة وقيمتها حية على الغاصب، مليا كان أو معدما. قال محمد بن رشد: قوله: إن كان الغاصب لها مليا فهي عليه غرم، وليس على الذين أهديت إليهم شيء، وإن كان معدما أخذ قيمتها من الذين أكلوها، هو مثل قوله في كتاب الاستحقاق من المدونة في مسألة محاباة الوارث في الكراء، ومثل قوله أيضا في كتاب الغصب، وفي كتاب كراء الدور منها: وإذا أخذت قيمتها من الذين أكلوها، كان لهم على قياس قوله أن يرجعوا بها على الغاصب، وإن أخذت أولا من الغاصب، لم يكن له أن يرجع بها على الذين أهديت إليهم؛ لأنه لما أهداها فقد التزم ضمانها، وإن كانوا جميعا عدما رجع على من أيسر منهم أولا، فإن أيسر الذين أهديت إليهم أولا، فرجع عليهم، كان لهم الرجوع على الواهب الغاصب، وإن أيسر الواهب أولا فرجع عليه، لم يكن له أن يرجع على الذين أهديت إليهم. وعلى قول غير ابن القاسم في مسألة كتاب الاستحقاق من المدونة، وهو أشهب، بدليل قوله في رسم محض القضاء من سماع أصبغ من كتاب البضائع والوكالات، وقول ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة، يرجع أولا على الذين أهديت إليهم إن كان لهم مال، فإن لم يكن لهم مال، رجع على الغاصب، فإن رجع على هذا القول على الغاصب، رجع الغاصب على الذين أهديت إليهم؛ وإن رجع على الذين أهديت إليهم، لم يرجع الذين أهديت إليهم على الغاصب

стр. 5258

بشيء، عكس القول الأول، فإن كانوا جميعا عدما، رجع على من أيسر أولا منهم. وقد قال ابن القاسم في كتاب كراء الدور من المدونة: إنه إن كان الواهب عديما، فرجع المتعدى عليه على الموهوب له، لم يكن للموهوب له أن يرجع على الواهب، وهو خلاف ما يوجبه القياس، فيتحصل في المسألة خمسة أقوال بقول أشهب، وقد روى ابن عبدوس عنه: أن الغاصب إذا وهب الثوب أو الطعام لمن استهلكه، كان للمستحق أن يتبع من شاء منهما. قال ابن عبدوس: وسمعت سحنون يستحسن قول أشهب، ويحتج بالبيع لو ابتاع الطعام فأكله، كان له أن يضمن من شاء منهما: الغاصب أو المشتري، فكذلك الموهوب له، وبالله التوفيق، اللهم لطفك. [اغتصبت أم ولد رجل فماتت عند المغتصب] ومن كتاب أوله يوصي بمكاتبه بوضع نجم من نجومه قال ابن القاسم: إذا اغتصبت أم ولد رجل، فماتت عند المغتصب، كان عليه غرم قيمتها لسيدها أمة ليس فيها عتق. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا صحيح، على قياس قوله وروايته عن مالك في أن على قاتل أم ولد الرجل، قيمتها أمة لسيدها، خلاف قول سحنون: إنه لا قيمة عليه فيها؛ إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع بوطئها، ولا قيمة لذلك، وكذلك إذا غصبها فماتت عنده؛ لأنه لا ضمان عليه فيها، كالحرة يغتصبها فتموت عنده. وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أصح؛ لأن أم الولد أحكامها أحكام أمة حتى يموت سيدها فتعتق بموته، فلا تشبه الحرة، ألا ترى أن الحرة لا يضمنها بالنقل بخلاف الأمة ومن فيها بقية رق. وقد روي عن مالك فيمن غصب حرا فباعه أنه يكلف طلبه، فإن أيس منه، ودى ديته إلى أهله. ونزلت بطليطة، فكتب القاضي بها إلى محمد بن بشير بقرطبة،

стр. 5259

فجمع القاضي ابن بشير أهل العلم بها، فأفتوه بذلك، فكتب إليه أن أغرمه إليه ديته كاملة، فقضى عليه بذلك. ومن معنى هذه المسألة، اختلافهم فيمن غصب جلد ميتة، فقال في المدونة: إن عليه قيمته دبغ أو لم يدبغ، وقال في المبسوطة: لا شيء عليه فيه وإن دبغ؛ لأنه لا يجوز بيعه. وقيل: إنه لا شيء فيه، إلا أن يدبغ، فتكون فيه القيمة. وقيل: إن دبغ لم يكن عليه إلا قيمة ما فيه من الصنعة. وهذا يأتي على ما له في السرقة من المدونة، والصواب أن يلزمه في ذلك كله قيمة الانتفاع به، وبالله التوفيق. [مسألة: مسلم أو نصراني عدا على سفينته مسلم فحمل عليها خمرا] مسألة وسألته عن مسلم أو نصراني عدا على سفينته مسلم، فحمل عليها خمرا، أيأخذ لها كراء؟ قال: أما إذا كان تعدى عليها نصراني، فله أن يأخذ لها كراء، ويتصدق به. قلت: فالمسلم قال: له أن يأخذ كراء سفينته فيما أبطلها، ولا ينظر إلى كراء الخمر. قال محمد بن رشد: قوله: إذا كان الذي تعدى نصرانيا، فله أن يأخذ لها كراء، معناه: كراء مثلها، على أن يحمل فيها الخمر، أن لو أكراها نصراني من نصراني لذلك. وأما قوله: يتصدق به، فهو بعيد أن يجب ذلك عليه، إلا أن يعلم بتعديه، فلا يمنعه من ذلك، وهو قادر على منعه، وأما إن علم بذلك، ولم يقدر على منعه، فلا يجب عليه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمة كرائها، على أن يحمل عليها غير الخمر، بمنزلة أن لو أكراها منه على أن يحمل فيها غير الخمر، فحمل عليها خمرا، فإنه إن كان علم بذلك، فلم يمنعه تصدق بجميع الكراء، قاله ابن حبيب، وأما إن لم يعلم بذلك، فلا يجب عليه أن يتصدق إلا بما زادت قيمة كرائها، على أن يحمل عليها الخمر، على الكراء الذي أكراها به، وأما إذا كان عدا عليها مسلما، فقوله: إنه يأخذ كراء سفينته فيما أبطلها، ولا ينظر إلى كراء الخمر: معناه: أنه يكون له كراء المثل في السفينة

стр. 5260

على أن يحمل عليها غير الخمر، ويقوم له أيضا ما افتدى في سفينته بتنجيسها بالخمر الذي حُمل عليها مع الأدب على الوجهين جميعا: العداء وحمل الخمر، وأما النصراني فلا يلزمه الأدب إلا على العداء خاصة، والله الموفق. [خلط قمحا لرجل بشعير لآخر وذهب فلم يعرف] ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل ابن القاسم عن رجل خلط قمحا لرجل بشعير لآخر، وذهب فلم يعرف قال: أرى أن يباع ويقسموا ثمنه على ثمن ما يسوى ذلك اليوم، ما يسوى القمح والشعير، ولا أحب أن يقتسموه على الكيل. قال محمد بن رشد: إذا ذهب الذي خلطها، أو لم يعرف، فهو بمنزلة إذا اختلط من غير عَدّ، والذي يوجبه الحكم في ذلك، أن يقتسماه بينهما مخلوطا على قيمة القمح والشعير يوم الخلط، ويقوم غير معيب، بدليل ما في المدونة خلاف ما ذهب إليه سحنون من أنه يقوم القمح معيبا، والشعير غير معيب. والذي يدل عليه ما في المدونة أظهر؛ إذ لو وجب أن يقوم القمح على أنه مخلوط بالشعير، لوجب أن يقوم الشعير أيضا على أنه مخلوط بالقمح، وذلك ما لم يقله سحنون. فقوله: أرى أن يباع فيقسموا ثمنه، على ما يسوى القمح والشعير استحسان؛ إذ لا مانع يمنع من اقتسامه بعينه على القيم، ولو لم يجز اقتسامه بعينه على القيم، لما جاز اقتسام ثمنه على ذلك؛ لأنه إنما يباع على ملكهما، فإنما يأخذ ثمن ما كان له أخذه، وإنما قال: لا أحب أن يقسموه على الكيل، يريد الطعام المخلوط؛ لأنه لما كان الحكم يوجب أن يقتسماه بينهما على القيم، لم يجز أن يقتسما على الكيل؛ لأنه يدخله التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل من القمح والشعير. وقوله: لا أحب، تجاوز في اللفظ، وتساهل فيه، وكان الواجب أن يقول في ذلك: لا يجوز، وكذلك الثمن

стр. 5261

لا يجوز لهما أن يقسماه على الكيل؛ لأنه إنما يباع على ملكهما، فلا فرق في ذلك بين الثمن والمثمون، هذا وجه القول باختصار، في هذه المسألة، وقد أفردنا الكلام عليها في مسألة مشخصة، استوعبنا فيها جميع وجوهها لمن سأل ذلك من نبلاء الطلبة، فهي تبين هذه لمن شاء أن يتأملها، والله الموفق. [مسألة: جارية بين رجلين تعدى عليها أحدهما فباعها ففاتت عند المبتاع] مسألة قال ابن القاسم في جارية بين رجلين تعدى عليها أحدهما فباعها، ففاتت عند المبتاع بحمل أو عتق؛ أن شريكه إن شاء رجع على المبتاع بنصف القيمة، فإن فعل رجع المبتاع على البائع بنصف الثمن، ليس عليه غير ذلك، وإن شاء ترك المبتاع ورجع على البائع، فكان مخيرا عليه في نصف الثمن الذي باع به، أو نصف القيمة، أي ذلك شاء ألزمه إياه، وإن فاتت بيد المبتاع ببيع، لم يكن على المبتاع إلا نصف الثمن الذي باعها به، أو يرجع المتعدي فيكون مخيرا في نصف الثمن الذي باع به، أو نصف القيمة يوم باعها. فإن ماتت لم يكن له على المشتري بشيء، ورجع على البائع، فكان مخيرا عليه في نصف الثمن أو نصف القيمة، فإن فاتت بنماء أو نقصان، ولم تحمل ولم تعتق، فهو مخير، إن شاء أخذ نصفها، وإن شاء أسلمها، واتبع المتعدي بنصف الثمن، وليس له إلى القيمة سبيل؛ إذا وجدها بحالها أو أفضل حالا، فإن فاتت بنقصان فهو مخير، إن شاء أخذ نصفها من المشتري، وليس له عليه قيمة، وإن شاء تركها واتبع المتعدي بنصف الثمن، أو نصف القيمة، وذلك أنها حالت عن حالها. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، أوجب للشريك المستحق لنصف الجارية على المبتاع؛ لما أفاتها

стр. 5262

بحمل أو عتق قيمة النصف الذي استحق، إن شاء أن يأخذه بذلك، ويترك الشريك المتعدى عليه في بيعها؛ لأن القيمة قد لزمته في النصف بعتق جميعها، أو اتخاذها أم ولد، بمنزلة الجارية بين الشريكين، يعتقها أحدهما أو يتخذها أم ولد، وله مال، فإن فعلها رجع المبتاع على البائع بنصف الثمن، وإن شاء أن يترك المشتري ويتبع البائع، فيجيز البيع ويأخذ منه الثمن، أو يضمنه القيمة لفواتها عند المشتري، كان ذلك له، ولو تعدى رجل على رجل في جاريته، فباعها فأفاتها المبتاع بعتق أو حمل؛ لكان له أن ينقض العتق، ويأخذ جاريته إن كان أعتقها، واختلف إن كان أولدها، فقيل: يأخذها وقيمة ولدها، وقيل: إنه يأخذ قيمتها يوم الحكم، وقيمة ولدها، وقيل: إنه يأخذ قيمتها يوم أفاتها بالحمل، ولا شيء عليه في الولد، والثلاثة الأقوال كلها مروية عن مالك، وأما إذا باعتها المبتاع، فليس للمستحق عليه إلا الثمن الذي باعها به، إن كان استحق جميعها، أو نصف الثمن إن كان استحق نصفها، كما قال. وقوله: إذا باعها المبتاع؛ أن له أن يرجع على البائع إن شاء، فيكون مخيرا في نصف الثمن الذي باع به، أو نصف القيمة يوم باعها؛ معناه: إن غاب بها المشتري الثاني، وأما إن وجدت بيده على حالها، فليس له أن يضمن الشريك المتعدي فيها، ببيعها نصف قيمتها، وإنما له أن يأخذ جاريته أو يخير، أي بيع شاء، ويأخذ الثمن، فإن أجاز البيع الأول، وأخذ الثمن من الشريك، مضى البيع الثاني، وإن أجاز البيع الثاني وأخذ الثمن من البائع الثاني رجع البائع الثاني على البائع الأول بالثمن الذي دفع إليه. وأما قوله: إن فاتت عند المشتري بنقصان؛ أن له أن يتركها ويرجع على المعتدي بنصف الثمن أو نصف القيمة؛ لأنها قد حالت عن حالها، ظاهره وإن كان النقصان يسيرا، وهو نص ما في كتاب الغصب من المدونة. وقد وقع فيه دليل على أنه ليس له أن يضمن المتعدي القيمة؛ إلا أن تفوت بالعيوب المفسدة، والنص يقضي على الدليل، وقد كان الشيوخ يحملون ذلك على أنه اختلاف من القول، وأما المشتري فلا اختلاف في أنه

стр. 5263

لا يضمن الموت ولا النقصان بأمر من السماء، وإنما يضمن بجنايته عليه عمدا، وقد اختلف في جنايته عليه خطأ، حسبما يأتي القول فيه في الرسم الذي بعد هذا إن شاء الله، وبالله التوفيق. [يغتصب العبد فيقطع يده الغاصب أو يقطعه أجنبي فتذهب يده] ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وسألته عن الرجل يغتصب العبد فيقطع يده الغاصب، أو يقطعه أجنبي، أو يصيبه أمر من السماء، فتذهب يده، هل يكون في جميع هذه الوجوه الثلاثة، صاحبه مخيرا إذا استحقه في قيمته وفي أن يأخذه وما نقصه القطع؟ قال: أما إذا قطعه الغاصب عمدا كان أو خطأ، ثم استحقه سيده، فسيده مخير بين قيمته وبين أن يأخذه وما نقصه القطع؛ وأما إذا قطعه أجنبي، فسيده أيضا مخير بين أن يأخذه ويأخذ عقل يده، إن كان أخذ الغاصب عقلا، وبين أن يأخذ قيمته ويترك العبد. قلت: فإن كان أصابه أجنبي، فعفا الغاصب عن قطع اليد، قال: إن اختار أخْذه أخذه، وأخذ من الأجنبي ما نقص القطع. قلت: فإن فات الأجنبي، قال: سيده مخير بين أن يأخذه مقطوعا ولا شيء له على الغاصب؛ لأنه لم يأخذ بيده عقلا، وبين أن يأخذ قيمته، وإذا أصاب يده أمر من السماء، فذهبت يده، فلا شيء له إلا قيمته، أو يأخذه مقطوعا، ولا شيء له على الغاصب، قلت: فإن كان الغاصب باعه من رجل، فقطع المشتري يده، فاستحقه سيده بيد المشتري قال: إن كان قطعه عمدا، فسيده مخير بين أن يأخذه ويأخذ منه ما ينقصه القطع، ويرجع هو على الغاصب

стр. 5264

بالثمن، وبين أن يأخذ قيمته من الغاصب، أو ثمنه الذي باعه به، وإذا قطعه خطأ لم يكن له إلا قيمته على الغاصب، أو يأخذه مقطوعا، ولا شيء له في القطع على الغاصب ولا على المشتري. قال الإمام القاضي: قوله: إن الغاصب إذا قطعه عمدا أو خطأ، فسيده مخير بين أن يأخذ قيمته، يريد يوم الغصب، وبين أن يأخذ وما نقصه القطع، يريد يوم الجناية، هو قول ابن القاسم في المدونة. والوجه في ذلك، أنه بالخيار بين أن يطالبه بحكم الغصب، فلا يكون له عليه إلا قيمته يوم الغصب، وبين أن يسقط عنه حكم الغصب ويطالبه بحكم الجناية، فيكون له أن يأخذ العبد، وما نقصه القطع يوم الجناية، وإذا أسقط عنه حكم الغصب، وطالبه بحكم الجناية، فيدخل في ذلك الاختلاف، فيمن تعدى على ثوب رجل فحرقه، فإن كانت الجناية يسيرة، كقطع الأنملة، وطرف الأذن أخذ عبده، وما نقصه قولا واحدا، وإن كانت الجناية كثيرة كقطع يد أو رجل أو ما أشبه ذلك، فقيل: ليس له أن يأخذه وما نقصه، وقيل: هو مخير بين أن يأخذه وما نقصه، وبين أن أخذه ويضمنه قيمته. وقيل: هو مخير بين أن يأخذه ولا شيء له، وبين أن يضمنه قيمته يوم الجناية، وكذلك إذا قتله الغاصب على قياس هذا القول، له أن يسقط عنه حكم الغصب، ويضمنه قيمته يوم الجناية، وهو نص قول ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر الدمياطي عنه: إنه مخير في قيمة العبد يوم اغتصبه، أو في قيمته يوم قتله، خلاف ما لابن القاسم في المدونة، من أن الغاصب إذا قتل العبد، فليس لسيده إلا قيمته يوم الغصب، فالقولان قائمان من المدونة على هذا التأويل الذي ذكرناه، وقد تأول ما في المدونة من قوله: إن

стр. 5265

الغاصب إذا قطع يد الجارية المغصوبة، فلربها أن يضمنه ما نقصه القطع، ويأخذها؛ أن معنى ذلك ما نقصها القطع يوم الغصب، فعلى هذا التأويل لا يقوم الاختلاف من المدونة، ولا يكون للمغصوب منه على مذهب ابن القاسم فيها أن يسقط عن الغاصب حكم الغصب، ويأخذه بالجناية مثلها، أو قطع يدها، وإلى هذا ذهب سحنون، فقال: ليس له أن يضمنه ما نقصها القطع، وإنما له أن يأخذها ناقصة، أو يضمن الغاصب قيمتها يوم غصبها. وقوله: إذا قطعه أجنبي فسيده أيضا مخير بين أن يأخذ عقل يده، إن كان أخذ الغاصب عقلا، وبين أن يأخذ قيمته ويترك العبد؛ يريد قيمته يوم الغصب، وهذا على القول بأنه مخير بين أن يطالب الغاصب بحكم الغصب ليأخذ منه قيمة عبده يوم غصبه، وبين أن يبرئ الغاصب من حكم الغصب، ويأخذ عبده وعقل الجرح، وعلى القول الثاني الذي لا يرى له الخير في ذلك، ليس له إلا أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، أو يأخذ عبده، ولا شيء له من عقل جرحه، وكذلك إذا عفا الغاصب عن قطع اليد على القول بأنه ليس له إلا أن يتبع الغاصب بحكم الغصب، يأخذ منه قيمة عبده يوم الغصب، ويأخذ العبد كما هو، ولا سبيل له إلا أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، أو يأخذ عبده، ولا شيء له من عقل الجرح، وكذلك إذا عفا الغاصب عن قطع اليد على القول بأنه ليس له إلا أن يتبع الغاصب بحكم الغصب، يأخذ منه قيمة عبده يوم غصبه، أو يأخذ العبد كما هو، ولا سبيل له على الجاني للجناية، وعلى القول بأن له أن يسقط عن الغاصب حكم الغصب، يأتي ما ذكره في الرواية من أنه إن اختار أخذه، وأخذ من الأجنبي ما نقصه القطع، فيكون إذا فعل ذلك قد أسقط عن الغاصب حكم الغصب، وإن لم يرد أن يسقط

стр. 5266

عنه حكم الغصب، أخذ منه قيمة عبده يوم غصبه إياه، وكذلك إن فات الأجنبي، ولم يرد أن يسقط عن الغاصب حكم الغصب، يأخذ منه قيمته يوم الغصب، وإن أراد أن يسقط عنه حكم الغصب، فقال في الرواية: إنه يأخذ عبده مقطوعا، ولا شيء له على الغاصب؛ لأنه لم يأخذ لسيده عقلا، وذلك معارض لقوله فيما تقدم في رسم العرية، في الذي يغتصب الشاة فيهديها لقوم؛ أن صاحبها يرجع على الغاصب، فيغرمه قيمتها، وليس على الذين أهديت إليهم شيء، ولقوله أيضا في كتاب الاستحقاق من المدونة في مسألة المحاباة، في الكراء، ومعارض لقول أشهب أيضا في المدونة، وفي سماع أصبغ من كتاب البضائع والوكالات، والذي يأتي في هذه المسألة إن فات الأجنبي الجاني، ولم يوجد على قياس قول ابن القاسم، في هذه المسائل أن يرجع رب العبد على الغاصب بما ترك للجاني من قيمة الجناية على العبد، ولا يتبع الغاصب بذلك الجاني، والذي يأتي فيها على قياس قول أشهب، ألا يرجع رب العبد على الغاصب بما ترك للجاني من قيمة الجناية، ويتبع بذلك الغاصب الجاني، وقوله: إنه إذا أصاب يده أمر من السماء، يريد والعبد عند الغاصب، فذهبت يده، فلا شيء له إلا قيمته، يريد يوم غصبه، أو يأخذه مقطوعا ولا شيء له على الغاصب، صحيح، لا اختلاف فيه من قول ابن القاسم وتفرقته إذا باعه الغاصب فجنى عليه المشتري بقطع يده، بين أن تكون جنايته عليه عمدا أو خطأ تفسير ما وقع له في المدونة؛ إذ لم يفرق فيها في ذلك بين العمد والخطأ، وأن له أن يأخذه منه وما نقصته جنايته عليه وإن كانت خطأ، ويرجع هذا

стр. 5267

على البائع بالثمن، ووجه هذا القول أن البيع لما كان بيع غرر، فكأن ملك صاحبه لم ينتقل عنه، فكان من حقه أن يأخذ عبده، وما نقصته الجناية، عمدا كانت أو خطأ. فهذا القول على قياس القول بأن البيع على الرد حتى يجاز، والقول الأول على قياس القول بأن البيع على الإجازة حتى يرد، وبالله التوفيق، اللهم يا مولاي لطفك. [أكرى داره سنة فسكنها المتكاري فعدا عليه السلطان فأخرجه من الدار] ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار وسئل ابن القاسم عن رجل أكرى داره سنة، فسكنها المتكاري، أو لم يسكنها، فعدا عليه السلطان، فأخرجه من الدار، فطلب المتكاري القصاص مما سكن، وقال رب الدار، الكراء كله عليك، والمصيبة منك، وكيف بمثل هذا إذا نزل في كراء ظهر مضمون أو بعينه. قال ابن القاسم: قد نزل هذا بين أظهرنا في المسودة الذين قدموا فسكنوا عندنا، فقضى فيها الحزمي أن تكون المصيبة على أهل الدور، ويقاصونهم بما سكنوا قط. قال ابن القاسم: وبلغني أن مالكا سئل عنها فقال مثل قوله وهو رأيي، والظهر مثل ذلك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، قالوا: لأن السكنى والركوب فيما يأتي، وإن كان المكتري قد اشتراه فلم يقبضه بعد، ولا يقدر على قبضه جملة، وإنما يقبضه شيئا بعد شيء، على ملك صاحب الدار، وصاحب الدابة، فوجب إذا اغتصبه غاصب أن يكون الضمان منه، بمنزلة ما لو انهدمت الدار أو ماتت الدابة. وقد قيل في السلعة بعينها: إن ضمانها من البائع حتى يقبضها المبتاع، وإن كان قبضه لها ممكن، فكيف بالسكنى

стр. 5268

والركوب الذي لا يمكنه قبضه جملة؟ وقد وقع في المجموعة لابن القاسم وعبد الملك فيمن اكترى دارا أو أرضا، فغصبها منه رجل، فسكن وزرع؛ أن الكراء على المكتري، إلا أن يكون سلطان ليس فوقه سلطان، يمنع منه إلا الله، وليس السلطان كغيره، وهو عندي تفسير لما تقدم، ولأنه إذا أخرجه من الدار، من يقدر على الامتناع منه برفعه إلى من يحول بينه وبينه، فلم يفعل فكأنه قد سلم له الدار، وأما إذا غصبه فيها وأخرجه عنها من لا يقدر على الامتناع منه، فهو كانهدامها الذي لا صنع له فيه، ولا قدرة له على الامتناع منه، وكذلك الدابة سواء. وقد حكى ابن حارث أنه رأى في بعض الكتب عن سحنون، أن المصيبة من المكتري، وهو بعيد، فإن قيل: إن ذلك على القول بأن قبض أوائل الكراء، قبض لجميع الكراء، عورض بجميعهم، على أن انهدام الدار من رب الدار. قال ابن حارث: وينبغي أن ينظر في الغصب إن كان قصد به رقبة الدار أو السكنى، فإن كان غصبه لرقبة الدار، فهو كالانهدام، وإن كان للسكنى فهو من المكتري، والله أعلم. وهي تفرقة لا وجه لها في هذا، وإنما تفترق فيما يضمن الغاصب على ما روى أصبغ عن ابن القاسم في الذي يغتصب السكنى قط، فتنهدم الدار في سكناه، مثل هؤلاء المسودة الذين ينزلون على الناس، أنه لا ضمان عليه للهدم، ولا يجب عليه إلا قيمة الكراء. وقاله أصبغ؛ لأنهم لم يغصبوا رقاب الدور، إلا أن تنهدم من طول سكناهم، وفي هذا بيان. والحزمي قاضي مصر أيام الهادي والرشيد، اسمه عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمر بن حزم الأنصاري، يكنى أبا الطاهر الأعرج، والله الموفق. [تقوم له البينة أن رجلا غصبه أرضا له فيأتي الذي استحق عليه الغصب بالبينة] ومن كتاب الجواب وسألته عن الرجل تقوم له البينة أن رجلا غصبه أرضا له،

стр. 5269

فيأتي الذي استحق عليه الغصب بالبينة، أنه اشتراها منه، ولا تدري البينة متى كان الاشتراء، بعدما ادعاه من الغصب أو قبل، أو يعلم ذلك، ويثبت أن الغصب كان قبل الاشتراء. قال ابن القاسم: بينة الاشتراء أحق وأولى وأثبت، علم أن الغصب قبل أو لم يعلم؛ لأنه إن كان الغصب قبل الاشتراء، فقد اشترى بعد الغصب وبطل الغصب وما فيه، وإن كان الاشتراء قبل الغصب، فشهادة الذين شهدوا على الغصب باطل، ولا حجة له فيها، فشهادة الاشتراء أحق وأثبت. قال محمد بن رشد: زاد ابن حبيب في الواضحة في هذه المسألة متصلا بآخرها: إلا أن يكون الشهود الذين شهدوا على الشراء، إنما شهدوا أنه اشتراها منه، وهو مغصوب بحاله، ولم يرد إليه، ولم يملكه، فيكون شراء مفسوخا مردودا بالغصب الذي كان قبله، ويرد الثمن الذي أخذ فيه عن مطرف وابن القاسم وأصبغ. وهذا الذي زاد ابن حبيب في الواضحة، في هذه المسألة، وحكاه عمن حكاه من أصحاب مالك، صحيح، ينبغي أن يحمل على التفسير للمسألة؛ لأنه إذا اشتراها منه قبل أن يردها إليه ردا صحيحا بين بها، وينقطع خوفه عنه فيها؛ لكونه على حاله من الظلم والتعدي والقدرة على الامتناع من جريان الحق عليه، فهو شراء فاسد؛ لأنه مغلوب على بيعها منه، وإن كان مقرا له بها؛ إذ لا يقدر على أخذها منه، وأما إن كان اشتراها بعد أن عزل وعاد ممن تأخذه الأحكام، فالشراء صحيح؛ لأنه لا يشتريها منه إلا وهو مقر له بها، وإذا أقر له بها، وأنه غصبه إياها، وهو ممن تأخذه الأحكام، فلا فرق في جواز شرائه إياها منه، وهي بيده قبل أن يردها إليه، أو بعد أن ردها إليه، وقد أجاز ابن القاسم في الصرف من المدونة شراءه الجارية منه إذا كان مقرا بقبضها، وإن كانت غايته قد حملها إلى بلد آخر إذا وصفها، من أجل أنه ضامن لما أصابها، واعترض ذلك سحنون من أجل مغيبها

стр. 5270

فقال: قول أشهب فيها أحسن، وهو ألا يجوز بيعها إلا بعد معرفتها بقيتها، فإذا كانت حاضرة ارتفع الاعتراض، ولم يكن في جواز شرائه إياها من صاحبها كلام؛ إذا كان حينئذ ممن تأخذه الأحكام، وعلى هذا تحمل مسألة المدونة، وكذلك إذا باعها صاحبها من غير الغاصب، وهي في يد الغاصب، إن كان ممن له السلطان، ويقدر على الامتناع، فلا يجوز البيع بإجماع؛ لأنه غرر، كالعبد الآبق والجمل الشارد؛ إذ لا يدري مشتريه متى يصل إليه؟ وهو نص قول مالك في رواية زياد عنه. قال: من ابتاع عبدا أو قرية في يد إمام ظالم، من صاحب الأصل، لم يجز ذلك البيع، وكان مردودا؛ لأنه غرر، قال مالك: فإن فات مضى بالقيمة، وأما إن كان ممن تأخذه الأحكام، ولا يقدر على الامتناع، وهو غائب أو حاضر، منكر للغصب، ففي ذلك في الحاضر المنكر قولان؛ أحدهما وهو المشهور في المذهب: أن ذلك لا يجوز؛ لأن شراء ما فيه خصومة غرر. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في الشهادات من المدونة، وفي الغائب ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك لا يجوز. والثاني: أن ذلك جائز. والثالث: الفرق بين أن يكون على الغصب بينة أو لا يكون، وقد قيل: إن الخلاف إنما هو إذا كان على الغصب شهود، وأما إذا لم يكن عليه شهود، فلا يجوز قولا واحدا، ومن هذا المعنى شراء الدين على الحاضر المنكر؛ إذا كانت عليه بينة، أو على الغائب. وقد مضى تحصيل القول فيه في نوازل أصبغ من كتاب الجامع البيوع، وبالله التوفيق. [مسألة: يشهدون للرجل أن فلانا غصبه أرضا له ولا يعرفون موضع الأرض] مسألة وسألته عن البينة تشهد للرجل أن فلانا غصبه أرضا له في قرية تسمى فلانة، ولا يعرفون موضع الأرض منها، غير أنهم يشهدون أنه غصبه فيها أرضا، والغاصب منكر لما شهد به عليه. قال ابن القاسم: شهادتهم باطل، ولا شهادة لهم؛ لأنهم لا يشهدون على

стр. 5271

شيء معروف ولا محدود، ولا شيء بعينه، والمشهود عليه منكر لذلك، فشهادتهم ساقطة، لا يقطع عليه بشيء. قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في المجموعة لابن القاسم بعينها على نصها، وزاد فيها، قال: ولو شهدوا على الأرض، ولم يثبتوا الحوز، فذكر نص رواية يحيى عنه في كتاب الاستحقاق حرفا بحرف، فبان بهذا أنه فرق بين المسألتين، وأن رواية عيسى هذه ليست مخالفة لرواية يحيى المذكورة، ولا لرواية أصبغ من هذا الكتاب، وأما رواية أصبغ، فهي مخالفة لرواية يحيى. وقد قيل: إنه لا فرق بين المسألتين، وأن الخلاف داخل في مسألة رواية عيسى هذه. وقد مضى تحصيل هذه المسألة في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب الاستحقاق، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [غصب جارية فباعها في سوق المسلمين فاتخذها المشتري ثم تستحق] من نوازل سئل عنها عيسى بن دينار قال عيسى: من غصب جارية فباعها في سوق المسلمين، فاتخذها المشتري، ثم أتى ربها فاستحقها، فإنه مخير على الغاصب في وجهين، وعلى المشتري في وجهين، إن شاء أخذ من الغاصب قيمتها يوم غصبها، وإن شاء فالثمن الذي باعها به، فإن أخذ الثمن أو القيمة مضت الجارية للمشتري، فإن أبى المستحق، أخذ القيمة أو الثمن من الغاصب، فهو مخير على المشتري، إن شاء أخذ منه جاريته، وإن شاء ترك الجارية وأخذ منه قيمتها وقيمة الولد، فإن أخذها وقيمة ولدها، أو أخذ قيمتها وقيمة ولدها رجع المشتري على البائع بالثمن الذي دفع إليه فقط، ولا يرجع عليه للولد بشيء، وإن ماتت الأم عند المشتري، فأراد المستحق أن يأخذ منه قيمتها، وقيمة ولدها، فليس ذلك له، وإنما له عليه قيمة

стр. 5272

ولدها فقط، إن أراد، وإن كره فله الثمن، أو القيمة على الغاصب، قال: وإن وجد ولدها قد ماتوا، فلا شيء له فيهم، وإن قتلوا فدياتهم لأبيهم، وقيمتهم عليه للمستحق، إلا أن تكون دياتهم أقل من قيمتهم، فلا يكون عليه غيرها قال: وإن كان المشتري إنما زوجها فولدت، فالولد للمستحق مع الأمة، إن أراد أخذهم وأخذ الأمة، وإن أبى ذلك فليس له على المشتري شيء، ويرجع على الغاصب، فيأخذ منه الثمن أو القيمة. قال: وإن كانت الأمة إنما ولدت عند الغاصب، فسواء ولدت منه أو من زوج زوجها إياه الغاصب، فالمستحق مخير، إن شاء أخذ من الغاصب قيمتها يوم غصبها، وإن شاء أخذها وأخذ ولدها، وكان على الغاصب الحد؛ إذا كان الولد منه، وإن مات ولدها عند الغاصب منه كانوا منه أو من غيره، ثم استحق مستحق الأمة، فأراد أخذها أو أخذ قيمة الولد، فليس ذلك له، قال أشهب: عليه قيمة الولد يوم ولدوا. قال أصبغ: وبه آخذ. قال عيسى: وإنما له قيمتها يوم غصبها، أو يأخذها وحدها، وكذلك لو ماتت هي وبقي ولدها، فأراد أخذ الولد، لم يكن له غيرهم. وإن أباهم فله قيمة الأم يوم غصبها، قال: فإن وجد الأمة عند الغاصب لم تلد، وهي بحالها وأحسن حالا، فليس له غيرها، وإن أراد تركها وأخذ قيمتها، فليس ذلك له، وإن وجدها قد نقصت، فأراد أخذها وأخذ ما نقص، فليس ذلك له، وليس له إلا أن يأخذها بعينها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غصبها، إلا أن يكون نقصانها من شيء صنعه بها الغاصب، من قطع يد أو رجل، أو فقي عين، أو قطع أذن، أو شيء جاء من قبل الغاصب، فيكون له حينئذ أن يأخذها ويأخذ ما نقصها، الذي صنع بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غصبها، وإن كان ذلك من فعل غير

стр. 5273

الغاصب، فليس له إلا أن يأخذها ناقصة، ويتبع الذي فعل ذلك بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غصبها، ويتبع الغاصب الذي فعل ذلك بها، قال: وإن وجدها عند المشتري الذي اشتراها وهي بحالها وأحسن حالا، فليس له إلا الثمن الذي باعها به، أو يأخذها بعينها من المشتري، وإن وجدها وقد باعها المشتري من آخر، ثم باعها الآخر من آخر أيضا، وهي بحالها وأحسن حالا فهو بالخيار في أخذ أي ثمن شاء من أثمانها التي بيعت بها، وتمضي الجارية لمشتريها، ويأخذ ذلك الثمن من الذي قبضه ويرجع الذي أخذ منه الثمن الذي باعه به إياها وإن شاء المستحق أخذ جاريته، وليس له أن يضمن الغاصب قيمتها. قال محمد بن رشد: قول عيسى بن دينار في هذه المسائل كلها صحيح، على المشهور من مذهب ابن القاسم، ونص قوله وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وفي بعضها اختلاف من قول ابن القاسم وغيره، من ذلك قوله في أول المسألة في الغاصب إذا باع الجارية فاتخذها المشتري أم ولد: إن صاحبها المستحق لها، مخير على الغاصب في وجهين: إن شاء أخذ منه قيمتها يوم غصبها، وإن شاء الثمن الذي باعها به، ويجبر عليه أيضا في وجه ثالث، وهو أن يأخذ منه قيمتها يوم باعها، على قياس قوله بعد هذا، وقول ابن القاسم أيضا في المدونة في الغاصب يجني على العبد الذي غصبه: إن سيده يخير بين أن يأخذ قيمته منه يوم غصبه، وبين أن يسقط عنه حكم الغصب، ويطالبه بحكم العداء عليه بالجناية، فيأخذه وما نقصته جنايته عليه؛ لأن البيع عداء آخر، بعد الغصب، فيكون له أن يسقط عنه حكم الغصب، ويطالبه بحكم العداء عليه بالبيع فيكون من حقه أن يضمنه قيمته يوم البيع إن شاء؛ لأنه قد فات عنه المشتري، بمنزلة من عدا على رجل فباعه، ففات عند المشتري، إنه مخير بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، وبين أن

стр. 5274

يضمنه قيمته يوم باعه. وقوله: إنه مخير على المشتري في وجهين، إن شاء أخذ جاريته وقيمة ولدها، يريد يوم الحكم، وإن شاء أخذ قيمتها وقيمة ولدها، يريد يوم الحكم أيضا، ويخير عليه أيضا في وجه ثالث، وهو أن يأخذ منه قيمتها يوم وطئها ولا شيء له من قيمة ولدها، حسبما بيناه في رسم القطعان، من سماع عيسى من كتاب البضائع والوكالات. وإلى هذا القول رجع مالك ﵀، وبه حكم عليه في أم ولده محمد. وقد حكى ابن عبدوس عن ابن كنانة أن الذي كان عليه مالك حتى مات، إنه يأخذها وقيمة ولدها، ولا اختلاف فيما ذكره من أنه ليس له أن يضمن المشتري قيمة من مات من الولد أم الأم إذ ليس المشتري بغاصب ولا متعد وإنما له أن يأخذ الأم، أو قيمتها، إن كان الأولاد هم الذين ماتوا، أو قيمة الأولاد إن كانت الأم هي التي ماتت، وما ذكره من أن الولد إذا مات عند الغاصب لا ضمان عليه فيهم، وأنه ليس لمستحق الأمة أن يأخذها وقيمة ولدها وإنما له أن يأخذها وحدها، أو يأخذ قيمتها يوم غصبها، معناه: إذا عرف موتهم، وهو مذهب ابن القاسم، لم يختلف قوله في أنه يلزمه رد الولد مع الأم، إن كانوا أحياء، وكذلك إن كان أكلهم أو استهلكهم ولا في أنه لا تلزمه القيمة فيهم، إذا ماتوا وعرف موتهم، وأما إذا ماتت الأمهات وبقي الأولاد، فليس له عنده أن يأخذ الأولاد ولا قيمتهم إن أكلهم أو استهلكهم ويضمنه قيمة الأمهات؛ لأنه إذا ضمنه قيمة الأمهات يوم الغصب، كان الولد إنما حدث فيما قد ضمن بالقيمة، وإن أراد أن يسقط عنه حكم الغصب، فيأخذ الأولاد أو قيمتهم، إن كان أكلهم أو استهلكهم يوم أكلهم أو استهلكهم، كان ذلك له، وكذلك الغلل المتولدة عن الشيء المغصوب عنده، يلزمه ردها إن كانت قائمة بعينها، ويضمنها إن أكلها أو استهلكها وإن تلفت ببينة، لم يكن للمغصوب منه أن يأخذ الأصول، ويضمنه قيمة الغلل التي تلفت، وإنما له أن يأخذ الأصول وحدها. وأما إن تلفت الأصول، فليس له أن يأخذ الغلة إن كانت قائمة، ولا قيمتها إن كان أكلها أو استهلكها،

стр. 5275

ويضمنه قيمة الأصول؛ لأنه إذا ضمنه الأصول يوم الغصب، كانت الغلة إنما حدثت فيما قد ضمن بالقيمة، فوجب أن يكون له، وإن أراد أن يسقط عن الغاصب حكم الغصب، فيأخذ الغلة إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كان قد أكلها أو استهلكها، كان ذلك له. وقد قيل في الغلل المتولدة عن الشيء المغصوب: إنها للغاصب لا يلزمه ردها إن كانت قائمة، ولا رد قيمتها إن كان أكلها؛ لأنه كان ضامنا للأصول لو تلفت، فكانت له بالضمان على ظاهر قول النبي ﵇ «الخراج بالضمان» بخلاف الأولاد لا اختلاف في أن للمغصوب منه أن يأخذ الأولاد أو قيمتهم، إن أكلهم الغاصب أو استهلكهم، وأشهب يحكم الأولاد والغلل بحكم الأصول، فيضمنه القيمة في ذلك كله، وإن قامت البينة على تلف الولد يوم ولدوا، والغلل يوم صارت بيده، فيتحصل في الأولاد قولان: أحدهما: أنهم كالأمهات، والثاني: أنه لا يلزمه ضمانهم، إن ماتوا وعرف ذلك، ويلزمه ردهم مع الأمهات أورد قيمتهم إن أكلهم أو استهلكهم. وإن تلفت الأمهات، كان له الأولاد إذا ضمن قيمة الأمهات يوم الغصب، ويتحصل في الغلل المتولدة عن الشيء المغصوب ثلاثة أقوال: هذان القولان اللذان في الأولاد، والقول الثالث: إن الغلة تكون للغاصب بحكم الضمان وإن كان الأصل قائما لم يتلف. وأما الغلل التي ليست بمتولدة عن الشيء المغصوب، كالأكرية والخراجات، فيتحصل فيها ستة أقوال: أحدهما: إن حكمها حكم الأصول المغصوبة، فيلزمه ضمانها وإن تلفت ببينة؛ والثاني: إنها تكون له بالضمان، فلا يلزمه ردها جملة من غير تفصيل؛ والثالث: إنه يلزمه ردها جملة من غير تفصيل بين أن يكري أو يبيع أو يعطل؛ والرابع: إنه يلزمه ردها إن أكرى ولا يلزمه إن انتفع أو عطل؛ والخامس: إنه يلزمه إن أكرى أو انتفع ولا يلزمه إن عطل؛ والسادس: الفرق بين الحيوان والأصول، فتكون له الغلة في الحيوان بالضمان، ولا تكون في الأصول لأنها مأمونة. وقوله: إنه إن وجد الأمة عند الغاصب لم تلد، وهي بحالها أو

стр. 5276

أحسن حالا، فليس له غيرها، وإن أراد تركها وأخذ قيمتها فليس ذلك له، هو مذهب ابن القاسم. ظاهر قوله إن كانت رائعة إذ لم يفرق في ذلك بين أن تكون رائعة أو غير رائعة. وكذلك قال فيمن اشترى جارية من غاصب فأجاز ربها البيع، وقال المشتري: لا أقبلها لأنها غصب، إن البيع يلزمه، ولم يفرق بين أن تكون رائعة أو غير رائعة، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب لا يلزمه؛ لأنه يقول: لا أرضى بجارية غيب عليها غصبا، وقد قيل في الجارية: إنه يضمن قيمتها بالغيبة عليها. حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون، وقال: إنه قول مالك وجميع أصحابه، ولم يفرق في ذلك أيضا بين أن تكون رائعة أو غير رائعة. قال أصبغ: وذلك إذا كانت رائعة، وقوله في التفرقة بين الرائعة وغير الرائعة في ذلك جيد. وأما العبيد والدواب فلا يلزم الغاصب قيمتهم إلا أن يفوتوا عنده بنقصان في أبدانهم، فيلزمه قيمتهم يوم الغصب. هذا مذهب ابن القاسم، وفي ذلك اختلاف كثير، قيل: إن حوالة الأسواق بالنقصان فوت يلزمه به قيمتهم يوم الغصب، وقيل إن طول الزمان فوت وإن لم تحل الأسواق أو حالت بزيادة يلزمه به قيمتهم يوم الغصب، وإلى هذا نحا ابن القاسم في المدونة بقوله: ولولا ما قال مالك لجعلت على الغاصب والسارق مثل ما أجعل على المستعير والمتكاري من تضمينه قيمتها بحبسه إياها على أسواقها أو أخذها وكراء ركوبه إياها، وقيل إنها إذا حالت بزيادة فلصاحبها أن يضمنه أرفع القيم؛ لأنه كان عليه أن يردها في كل وقت، فهو غاصب لها في الأوقات كلها، فيكون من حق صاحبها أن يضمنه قيمتها أي وقت شاء من الأوقات التي مرت عليه وهي عنده. حكى هذا القول ابن عبدوس عن ابن وهب وأشهب وذهب بعض المتأخرين إلى الفرق بين أن تكون إلى التجارة أو القنية، فإن كانت للتجارة كان عليه أرفع القيم كأنه حرمه بيعها في ذلك الوقت، وإن كانت للقنية لم يكن له شيء. وهذا نحو ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن غصب دارا فأغلقها أو أرضا فبورها أو دابة فوقفها أن عليه كراء ما حصل

стр. 5277

عليه من ذلك كله؛ لأنه حال بينه وبين كرائها ومنعه من ذلك. وقد حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الغاصب إذا سافر على الدواب التي اغتصبها السفر البعيد ثم ردها، فصاحبها مخير في القيمة يوم غصبها وإن كانت اليوم أحسن حالا؛ لأنه قد رمى بها القدر وعرضها الفوت، وفي أخذ دابته بعينها مع كراء ركوبه إياها. ومثل هذا حكى أبو زيد عن ابن الماجشون، وزاد قال: وإنما هو بمنزلة المكتري إن تعدى على ما اكترى، فانظر حيث يلزم المكتري القيمة فألزم ذلك الغاصب، أمرهما واحد. ولو كان الغاصب أمسكها في داره أياما كثيرة قدر ما لو سافر بها لزمته قيمتها، لم يلزمه في حبسه إياها قيمته إذا جاء بها صحيحة من غير سفر وإن كان قد حبسها عن أسواقها. وتفرقة ابن الماجشون هذه إذا حبس الغاصب الدابة عن أسواقها وأتى بها على حالها بين أن يسافر عليها في المدة التي حبسها فيها أو لا يسافر، قول خامس في المسألة، وسائر ما ذكره عيسى في الرواية بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق. [مسألة: غاصب الأرض يحفر فيها حفرة تضر بالأرض أيؤمر بردمها] مسألة قال: وسئل عن غاصب الأرض يحفر فيها حفرة تضر بالأرض أيؤمر بردمها إذا أستحقها صاحبها، قال: نعم، عليه ردمها. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الأرض يمكن إصلاحها بردم ما احتفر فيها، فوجب ألا تفوت بذلك وأن يكلف الغاصب إصلاح ما أفسد منها. وهذا أبين من الثوب الذي يتعدى عليه الرجل فيحرقه حرقا يسيرا أنه يكلف إصلاحه وغرم ما نقصه بعد الإصلاح، ولو كانت الأرض إذا ردمها الغاصب لا تعود إلى حالها وينقص ذلك من قيمتها يتخرج ذلك على قولين: أحدهما: إنه ليس له إلا أن يأخذها على حالها أو يضمنه قيمتها يوم غصبها، والثاني: إن له إن يسقط عن حكم الغصب، ويطالبه بحكم العداء، فيكون من حقه أن يكلف ردمها وغرم ما نقصها ذلك بعد الردم،

стр. 5278

بمنزلة الثوب يتعدى عليه الرجل يحرقه، ولو كانت الحفرة مما ينتفع بها لاختزان الطعام لكانت للمستحق ولم يكن عليه فيها شيء للغاصب، إذ لا ثمن لذلك منقوضا، وإن استغنى عنها كان من حقه أن يأمر الغاصب بردمها. وبالله التوفيق. [مسألة: ظالم أسكن معلما في دار رجل ليعلم له فيها ولده ثم مات الظالم] مسألة قال عيسى في ظالم أسكن معلما في دار رجل ليعلم له فيها ولده ثم مات الظالم ومات المعلم، إن صاحب الدار مخير في كراء داره، إن شاء أخذه من مال الظالم، وإن شاء أخذه من مال المعلم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أسكن المعلم في الدار على وجه الإسكان ثوابا على تعليم ولده فيها، فصار قد اشترى سكنى الدار منه بتعليم ولده فيها، فوجب لرب الدار أن يأخذ كراء داره ممن شاء منهما، بمنزلة من أخذ طعام رجل فباعه من رجل وأكله المشتري، أن لرب الطعام أن يضمن طعامه لمن شاء منهما، فإن ضمن البائع صح الشراء للمشتري، وإن ضمن المشتري كان له أن يرجع بالثمن على البائع، وكذلك صاحب الدار في هذه المسألة، إن أخذ الظالم بكراء داره لم يكن له رجوع على المعلم، وإن أخذ المعلم به كان له أن يرجع على الظالم بقيمة تعليم ولده أو بما يقع من التعليم للكراء إن كان أكراه على تعليم ولده بالسكنى في الدار وبزيادة زاده على ذلك. وسواء علم المعلم بتعديه على الدار أو لم يعلم؛ لأنه منتفع، وهذا إذ لم يغصب الظالم رقبة الدار، وإنما غصب سكناها فقط. وأما إذا غصب الرقبة فليس لربها من كرائها شيء على واحد منهما، على القول بأن الغلة للغاصب جملة من غير تفصيل. وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذا قبل هذا في هذه النوازل. وبالله التوفيق.

стр. 5279

[المعروف بالظلم يدعي الرجل أنه ظلمه في أرض غلبه عليها ولا يجد عدولا] من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم، عن الرجل المعروف بالظلم للناس والتعدي عليهم في أموالهم، من ذوي السلطان والولاة، يدعي الرجل أنه ظلمه في أرض غلبه عليها، أو غير ذلك من الأموال، ولا يجد على دعواه عدولا من البينات، وهو يجد شهودا لا يعرفون بعدالة، ولا يوصفون بسخطة حال، أيقبل مثل هؤلاء على من عرف بالظلم والتعدي، أو لا يقبل عليه، إلا مثل من يقبل على غيره من عدول الشهداء؟ فقال: لا تجوز شهادة غير العدول على أحد من الناس، كان المشهود عليه ظالما أو غير ظالم. قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فلا ينبغي لغير العدول أن تجوز شهادتهم على أحد من الناس. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب، إن شهادة المجهول الحال لا تجوز شهادته حتى يعدل لقول الله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا يرضى إلا من عرفت عدالته، غير أن ابن حبيب أجاز شهادة المجهول الحال، على التوهم فيما يقع بين المسافرين في السفر للضرورة إلى ذلك، قياسا على إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، ومراعاة للاختلاف، إذ من أهل العلم من يحمل الشاهد على العدالة حتى تعرف جرحته، على ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حر ومجربا عليه شهادة زور" وهو قول الحسن ومذهب الليث بن سعد. وقد

стр. 5280

اتفقوا في الحدود والقصاص، على أن الشهادة لا تجوز في ذلك إلا بعد المعرفة بعدالة الشاهد، وهذا يقضي على ما اختلفوا فيه إن شاء الله. ومن أصحابنا المتأخرين من أجاز شهادة الشاهد المجهول الحال، في الشيء اليسير من المال، وهو استحسان على غير قياس، لقول الله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وما روي عن عمر ﵁ من قوله: "والذي نفسي بيده، لا يوسر رجل في الإسلام بغير العدول". وبالله التوفيق. [مسألة: عرفوا بالغصب لأموال الناس ثم جاء إليه بوال أنصف منهم] مسألة قلت: إن قوما عرفوا بالغصب لأموال الناس، من ذوي الاستطالة بالسلطان ثم جاء إليه بوال أنصف منهم، وأعدى بالحقوق عليهم، فربما سئل طالب الحق قبل أحدهما البينة أنه اغتصبه الذي يدعي قبله، فلا يجدها على حضور الغصب ومعاينته، وهم يشهدون أنهم كانوا يعرفون الحق للمدعي وفي يديه، إلى أن صار إلى المطلوب ذلك قبله الظالم المعروف بالغصب، لا يدرون كيف صار ذلك إليه؟ إلا أن صاحب ذلك الحق كان يشكو أنه غصبه إياه، وكانوا يسمعون ذلك من جيرانهم، أو عسى أن لا يذكروا شيئا غير أنهم عرفوا ذلك في أيدي المدعي إلى أن صار إلى المطلوب به اليوم لا يدرون كيف صار ذلك إليه، أترى أن يعدى عليه بمثل هذه الشهادة؟ فقال: إذا كان المطلوب معروفا بما وصفت من التعدي على أموال الناس والقهرة لهم عليها، وهو ممن يقدر على ذلك، رأيت الذي وصفت من شهادة الشهداء، إذا كانوا عدولا، يوجب للمدعي أخذ حقه من المطلوب إلا أن يأتي الظالم ببينة على اشتراء صحيح أو عطية ممن كان يا من ظلمه وتعديه عليه، أو يأتي بوجه حق ينظر له فيه.

стр. 5281

قلت: أرأيت إن جاء بالبينة أنه اشترى منه، فزعم المدعي أن ذلك البيع إنما باعه منه من شدته وسطوته، وهو ممن يقدر على ضرره وعقوبته، لو امتنع من مبايعته؟ قال: أرى أن يفسخ ذلك البيع إذا ثبت عند القاضي أن المشتري موصوف بمثل ما زعم البائع من استطالته وظلمه، وأنه قد عمل ذلك بغيره. قلت: فإن زعم البائع أنه إنما دفع إليه الثمن في العلانية، ثم دس إليه من يأخذه منه سرا، ولو لم يفعل لقي منه شرا قال: لا أرى أن يقبل قوله، وعليه دفع الثمن بعد أن يحلف الظالم بالله لقد دفع إليه الثمن ثم لم يرتجعه ولم يأخذه بعد دفعه إياه إليه. قال محمد بن رشد: أما ما ذكره من أن الظالم المعروف بالغصب لأموال الناس والقهرة لهم عليها، لا ينتفع بحيازته مال الرجل في وجهه، ولا يصدق من أجلها على ما يدعيه من شراء أو هبة أو صدقة، وإن طال في يديه أعواما إذا أقر بأصل الملك لمدعيه أو قامت له بذلك بينة، فهو صحيح لا أعلم فيه اختلافا؛ لأن الحيازة لا توجب الملك وإنما هي دليل عليه توجب تصديق غير الغاصب فيما ادعاه من تصييره إليه؛ لأن الظاهر أنه لا يحوز أخذ مال أحد وهو حاضر لا يدعيه ولا يطلبه إلا وقد صار إلى الذي هو بيده إذا حازه في وجهه العشرة الأعوام ونحوها، لقول النبي ﵇ «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» معناه عند أهل العلم بدعواه مع يمينه، وأما الغاصب فلا دليل له في كون المال بيده وإن طالت حيازته له في وجه صاحبه، لما يعلم من غصبه لأموال الناس والقهرة لهم عليها. وأما إن أثبت الغاصب الشراء ودفع الثمني، فادعى البائع أنه أخذه منه في السر بعد أن دفعه إليه، فهو مدع لا دليل له على دعواه، فوجب أن يكون القول قول الغاصب المدعى عليه، كما قال في

стр. 5282

الرواية، لقول النبي ﵇ «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» وقد روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: إذا ادعى البائع أنه أعطاه الثمن في الظاهر، ودس عليه من أخذه منه، فإنه ينظر إلى المشتري فإن عرف بالعداء والظلم والتسلط، فإني أرى القول قول البائع مع يمينه، لقد دفع إليه المال قهرة وغلبة، ويردها عليه بغير أن يرد إليه الثمن. وقاله ابن القاسم، ومع ذلك في بعض الروايات، وهو إغراق إذا أقر أنه قد دفع إليه الثمن، ثم ادعى أنه أخذه منه. وأما لو لم يقر أنه قبض الثمن، وقال: إنما شهدت له على نفسي بقبضه، تقية على نفسي، وخوفا منه، أشبه أن يصدق في ذلك مع يمينه، في المعروف بالغصب والظلم، وإنما يكون ما قال يحيى من تصديق البائع فيما ادعاه من أنه دس إليه في السر من أخذ الثمن منه، إذا شهد له أنه قد فعل ذلك بغيره. وبالله التوفيق اللهم لطفك. [يغتصب العبد فيستحقه عنده المغتصب منه وقد جنى جناية] ومن كتاب الصبرة وسئل ابن القاسم عن الرجل يغتصب العبد، فيستحقه عنده المغتصب منه، وقد جنى جناية عند المغتصب، فقال: صاحب العبد بالخيار، إن شاء أسلم العبد إلى المجروح، وأخذ قيمة عبده من الغاصب يوم غصبه إياه، وإن شاء افتدى عبده بعقل ما جنى وينظر إلى ما يرى أن الغاصب كان يغرمه لصاحب العبد من قيمة العبد لو اختار ذلك، وما يلزمه من عقل جناية العبد، إن أراد افتداءه، فيغرم لرب أقل ذينك الغرمين، وذلك أن الغاصب لا بد له من غرم أحدهما مع إسلام العبد لربه، أو للمجروح إن أراد سيد العبد أخذ قيمته، فلما ألزم الغاصب غرم قيمة العبد لسيده، وافتداء

стр. 5283

العبد من المجروح أو إسلامه إليه، رأينا سيد العبد أولى برقبته، وأغرمنا الغاصب لعداه وظلمه لسيد العبد، ما لم يكن له بد من غرمه لغيره، وأخذنا في ذلك بالأقل؛ لأنه وإن ظلم، فقد كان إن اختار سيد العبد قيمة عبده، أن يخرج عقل الجناية، فيفتدي بها العبد أو يسلمه أو يبرأ. قلت له: فإن قال الغاصب: أنا أفتك العبد حتى يصير غير معيب ولا مأخوذ بعقل جناية، ولا متبع بها، ثم يأخذه سيده سليما كما اغتصبه إياه بها ذلك له. وهذا يشد القول الأول. أو لا نرى أن الغاصب الآن حين طلب العبد لسيده قد خرجت الرقبة من يده إلى سيد العبد وغرم عقل الجناية للمجروح فما حجة من زعم أن ليس للسيد إلا أن يأخذ بجنايته؟ فيكون قد خرجت الرقبة من يديه إلى المجروح وغرم القيمة للسيد، فالسيد أحق برقبة عبده، وبأقل الغرمين اللذين لا يجد الغاصب بدا من غرمهما على حال من الحال، غير أن السيد إن اختار القيمة وترك الرقبة لم يكن له إلا ذلك فقط، قال: وإن كانت جنايته عمدا. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن سيد العبد إن ترك أن يضمن الغاصب قيمة العبد يوم غصبه إياه، وافتدى عبده بعقل ما جنى يرجع على الغاصب بالأقل من قيمة العبد أو مما افتكه به، استحسان على غير حقيقة القياس، وقد ذكر وجهه بما لا مزيد عليه. والقياس قوله في كتاب الرهون من المدونة: إن سيد العبد بالخيار، إن شاء سلم العبد للغاصب وأخذ منه قيمته يوم اغتصبه، وإن شاء أن يفتكه بدية الجناية، ولا يتبع الغاصب بشيء مما وداه، وذلك أن جناية العبد المغصوب نقصان من

стр. 5284

قيمته، فلا فرق في القياس بين أن يجني جناية تكون نصف قيمته، أو تنقص من قيمته نصفها بعيب حدث فيه، فكما ليس لسيده أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب الذي حدث به عنده، فكذلك ليس له أن يأخذه ويرجع عليه بما افتكه به. قال في الرواية: وإن كانت جناية عبد أو سكت عن الجواب في ذلك. وحكم العمد في ذلك حكم الخطأ، سواء إن كانت الجناية عمدا لا قصاص فيها، بأن تكون على حر أو عبد في الجراح التي هي متالف، كالجائفة والمنقلة والمأمومة؛ لأن سيده مخير بين أن يفتكه بجناية أو يسلمه بها، وكذلك إن كانت جنايته على عبد فيها القصاص، فلم يرد سيد العبد المجني عليه أن يقتص وأراد أن يأخذه بجنايته على عبده؛ لأن الخيار يرجع في ذلك إلى سيد العبد المجني عليه من العبد المغصوب فيما دون النفس من فقء عينه أو قطع يده وما أشبه ذلك، فليس لسيد العبد عليه من المغصوب منه إلا أن يأخذ عبده كما هو، أو يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه. وبالله التوفيق. [يعدو على أرض الرجل فيزرعها ثم ينصف صاحب الأرض فيعدى على حقه] ومن كتاب أول عبد أبتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يعدو على أرض الرجل فيزرعها، ثم ينصف صاحب الأرض فيعدى على حقه، في أوان لو شاء أن يعمل فيه أرضه أمكنه ذلك، ولم يمنع منها، فيترك الزرع، حتى إذا أمكن تنازع فيه الذي زرعه، والمقضي له بالأرض المتعدى عليه، فأراد أن يأخذه، ويغرم للمتعدي بذره أو قيمة بذره، فقال: صاحب البذر أحق بزرعه؛ لأن صاحب الأرض إذا أمكن من أرضه في أوان عمل فترك الزرع فيه، فهو الذي بذره وعليه كراء الأرض لربها. قال: وإن دعا رب الأرض الغاصب إلى إن يقلع نباته ليزرعها رب الأرض، فترك الغاصب نزع نباته يابسا من منفعته، فبرئ من ذلك

стр. 5285

إلى رب الأرض، وقال: لا حاجة لي به فاصنع به ما شئت، فقال رب المال: أما إذ لا حاجة لك فيه فأنا أقره في أرضي ليكون لي منفعته، فلما بلغ تنازعا فيه. قال: أراه لصاحب الأرض؛ لترك الغاصب إياه يابسا من الانتفاع به لو نزعه؛ لأن رب الأرض إنما ترك عمل أرضه بما ترك له الغاصب من بنيانه. قال الإمام القاضي: وهذا كما قال: إنه إذا أعدى على حقه، وهو أن يقلع زرع الغاصب ويزرع أرضه فلم يفعل، حتى أمكن الزرع، فليس له إلا كراء أرضه؛ لأنه لما ترك زرع الغاصب في أرضه، فقد رضي بأخذ الكراء منه فيها، ولا كلام في أنه إذا دعا رب الأرض الغاصب إلى أن يقلع زرعه فأبى من قلعه، إذ لا منفعة له فيه، وبرئ منه إلى رب الأرض، فقال له: اصنع له ما شئت إذ لا حاجة لي به، أن لرب الأرض أن يقره في أرضه ويكون له، بل ليس للغاصب أن يقلعه إذا لم يكن له فيه منفعة إن قلعه، ومن حق صاحب الأرض أن يجبر على قلعه، وإن لم تكن له فيه منفعة، إذ لا يلزمه قبول معروفه. واختلف إن كانت له فيه منفعة إن قلعه، هل يكون لرب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا فيقر في أرضه، ويحوز ذلك، أم لا؟ على قولين. وقد قيل: إن الزرع لصاحب الأرض، وليس للغاصب أن يقلعه، وإن كانت له فيه منفعة إن قلعه؛ لأنه هو أهلك ماله. وقد قال رسول الله ﷺ «ليس لعرق ظالم حق» حكى ذلك ابن عبد الحكم في مختصره عن مالك قال: والأول أحب إلينا. وقد مضى القول على هذه المسألة في نوازل أصبغ من كتاب كراء الأرضين وفي رسم أول عبد أبتاعه فهو حر، من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق مستوفى. وبالله التوفيق.

стр. 5286

[يغتصب من الرجل صبرة من قمح فيريد الغاصب أن يصالح المغصوب] من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: وسألت أشهب عن الرجل يغتصب من الرجل صبرة من قمح، فيريد الغاصب أن يصالح المغصوب على كيل من القمح، فقال أشهب: إن كان قد لزم الغاصب القيمة بحكم أو بصلح اصطلحا عليه، ثم أراد أن يأخذ منه بالقيمة التي وجبت له كيلا من القمح، فلا بأس به، قلت لأشهب: ولم قلت: إن كان ألزم القيمة وهو حين غصبها كانت له القيمة لازمة؛ لأنها مجهولة، وليست بكيل معلوم؟ ألا ترى لو أن المغصوب منه أتى بشاهدين يشهدان فيها عشرين إردبا لا شك فيها، فقال المغصوب منه: أعطني عشرين إردبا أعطيته، فمن ثم لا يجوز له أن يصالحه على كيل إلا بعد ما يلزمه القيمة، إلا أن يصالحه من الكيل، على ما لا شك فيه، قال أشهب: وكذلك إذا غصب خلخالي فضة أو غير ذلك، من هذا الوجه، وهو يحكم عليه في الخلخالين بقيمتهما من الذهب. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، أما إذا صالحه على قيمة اتفقا عليها فيها، أو حكم عليه بها، فجائز أن يصالحه على ما شاء من الطعام، من صنف طعام الصبرة التي اغتصبها، أو من غير صنفها. وعلى ما شاء من العروض والحيوان، أو على دنانير إن كانت القيمة التي وجبت عليه دراهم، أو دراهم إن كانت القيمة دنانير، يعجل ذلك كله، ولا يؤخر شيئا منه؛ لأنه يكون آخره فسخ الدين بالدين، أو ذهبا بورق إلى أجل، وما لم يصطلحا على القيمة، فيجوز أن يصالحه في القيمة التي تجب له عليه في الصبرة بما شاء من العروض والطعام المخالف للصبرة، إذا تعجل ذلك، ويجوز له أن يصالحه على قمح من صفة قمح الصبرة، لا أرفع منه، إذا لم

стр. 5287

يشك أنه أقل مما كان في الصبرة من الكيل. واختلف هل يجوز أن يصالحه على أدنى من طعام الصبرة، مثل أن يصالحه على شعير، أو على محمولة، والصبرة سمراء، فأجاز ذلك أشهب، واختلف فيه قول ابن القاسم، فله في كتاب الصرف من المدونة: إنه لا يجوز أن يأخذ محمولة من سمراء أو أقل من مكيلته، ولا شعيرا من قمح، لأنه من بيع الطعام بالطعام متفاضلا، إذ قد يكون الشعير أنفق من القمح، والمحمولة أنفق من السمراء، لاختلاف الأغراض في ذلك، وروى يحيى عن ابن القاسم، في رسم الصبرة من سماعه من كتاب الدعوى والصلح، أن ذلك جائز، مثل أشهب، خلاف قوله في المدونة: ولو صالحه على سمراء أدنى من سمراء الصبرة المستهلكة أو على محمولة أدنى من محمولة الصبرة المستهلكة، لا يشك أنه أقل من كيل الصبرة، لجاز ذلك عندهما جميعا، إذ لا يمكن أن يكون رديء المحمولة أنفق من طيبها ولا رديء السمراء، أنفق من طيبها. وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: البر والقمح والرقيق يسرق فيجدها ربها في غير بلده] مسألة وقال ابن القاسم: قال مالك في البر والقمح والرقيق يسرق، فيجدها ربها في غير بلده: قال: أما البر فالمسروق منه بالخيار، إن أحب أخذ بره، وإن أحب أخذ قيمته في الموضع الذي سرق منه، وأما الرقيق، فإنما له أن يأخذهم ليس له أكثر من ذلك، فأما الطعام فإنما يكون له في الموضع الذي سرق منه. قال محمد بن رشد: تفرقته بين البر والرقيق، معناه في الرقيق الذين لا يحتاج إلى الكراء عليهم، فحكمهم على قول مالك هذا في نقل الغاصب لهم من بلد إلى بلد، حكم السلع، يكون ذلك فوتا يوجب للمغصوب منه أن يضمن الغاصب القيمة في ذلك كله يوم غصبه في البلد الذي غصبه فيه، وإن شاء أخذ متاعه بعينه ورقيقه بأعيانهم حيث وجدهم، وأما الرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم، والدواب التي إنما تركب أو تكرى فهي

стр. 5288

عنده بخلاف السلع، لا تفوت في الغصب بحملها من بلد إلى بلد، فليس للمغصوب منه إلا أخذها حيث وجدها. وسحنون لا يفرق في ذلك بين الدواب والرقيق والسلع، ويرى نقل ذلك من بلد إلى بلد، كاختلاف الأسواق، فلا يوجب للمغصوب منه في ذلك كله، إلا أخذ متاعه بعينه، حيث ما وجده من البلاد. ولأصبغ في سماعه بعد هذا من قوله، وظاهر روايته عن أشهب، ضد قول سحنون، إن ذلك كله فوت يكون المغصوب فيه بالخيار بين أن يضمنه القيمة في ذلك كله يوم الغصب في البلد الذي اغتصبه فيه، وبين أن يأخذ متاعه فيه بعينه، حيث ما وجده من البلاد، فهي ثلاثة أقوال: قولان متضادان، وتفرقة، وأما الطعام إذا حمله الغاصب من بلد إلى بلد، ففيه ثلاثة أقوال أحدها قول ابن القاسم، وروايته هذه عن مالك، إنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه في البلد الذي اغتصبه فيه. والثاني: إن المغصوب بالخيار، بين أن يأخذ طعامه بعينه حيث وجده، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه منه. وهو قول أشهب في رواية أصبغ عنه في سماعه بعد هذا من هذا الكتاب، والثالث تفرقة أصبغ فيه، بين أن يكون البلد الذي نقله إليه الغاصب قريبا أو بعيدا. فإن كان قريبا كان له أن يأخذ طعامه بعينه، وإن كان بعيدا لم يكن له وبالله التوفيق. [مسألة: استودع قمحا فتعدى عليه فحمله إلى بلد فأثأر به فأصابه وقد باعه المستودع] مسألة وقال مالك في رجل استودع قمحا فتعدى عليه، فحمله إلى بلد، فأثأر به، فأصابه وقد باعه المستودع، أله أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يأخذ قمحه بعينه؟ قال: ليس ذلك له، وإنما له قمحه في الموضع الذي استودعه فيه. قلت: لم؟ قال: لأن في ذلك زيادة، فليس له أن يأخذ منه الزيادة وإن كان متعديا؛ لأنه يقدر على مثله في مثل الموضع الذي استودعه فيه. قلت: فإن رضي رب الطعام والمتعدي، أن يعطيه

стр. 5289

مثل طعامه في الموضع الذي استحقه فيه، أو طعاما إن كان لم ينفقه، أو الثمن الذي بيع به الطعام قال: إذا رضيا فلا بأس به. قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي قبلها سواء، إذ لا فرق في هذا بين الوديعة والغصب والسرقة، يدخل في ذلك كله، الاختلاف الذي ذكرناه. وقد مضت هذه المسألة في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الوديعة، والكلام عليها هناك مستوفى أيضا. وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: يبيع العبد غصبا ثم يموت سيد العبد فيكون الغاصب وارثه] مسألة وقال ابن القاسم في الرجل يبيع العبد غصبا ثم يموت سيد العبد، فيكون الغاصب وارثه، ثم يريد أن يرجع في العبد، قال: ذلك له، وكذلك الدار بين الرجلين، فيبيعها أحدهما كلها، ثم يموت الآخر، وهو لا يدري. وهذا وارثه، فيريد الرجوع في النصف، والأخذ بالشفعة. قال: ذلك له. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الوارث يحل محل الموروث، وينزل منزلته في الحقوق الواجبة له، فإذا ورث الغاصب العبد الذي غصبه، بعد أن باعه قبل أن يعلم المغصوب منه بيعه إياه، فيختار إجازة البيع وأخذ الثمن، كان للغاصب ما كان للمغصوب منه من أخذ العبد وفسخ البيع، وكذلك قال في آخر كتاب بيع الغرر من المدونة في المودع، يتعدى على الوديعة فيبيعها، ثم يموت المودع. وهذا وارثه. إن له أن يرد البيع ويأخذ الوديعة التي باع، لنزوله في ذلك بالميراث منزلة المودع الموروث. وهي كمسألة الغصب سواء والميراث، بخلاف الشراء، لو باع الغاصب العبد الذي اغتصبه ثم اشتراه من المغصوب منه لزمه البيع، ولم يكن أن يرده ويأخذ العبد. قاله في كتاب الغصب من المدونة. والفرق بين المسألتين أن الميراث

стр. 5290

أمر أوجبه الله، لم يجره هو إلى نفسه، والشراء هو جره إلى نفسه باختياره، وليس له أن يتسبب إلى نقض البيع بذلك، وأيضا فإن شراءه إياه منه بحال منه من صنيعه. وإذا أخذ منه الثمن فيه، فكأنه قد أخذ منه القيمة، وهذا كله بين، وكذلك الدار تكون بين الأخوين، فيبيعها أحدهما كلها، ثم يموت الآخر، وهو وارثه، فينزل منزلته بالميراث في أن له أن يأخذ نصف الدار بالاستحقاق، فينقض فيه البيع، ويرد ثمنه إلى المبتاع، ويأخذ النصف الثاني بالشفعة، وإن أراد أن يأخذ النصف بالاستحقاق، ويترك الأخذ بالشفعة، كان ذلك له، وإن أراد أن يمضي البيع ويترك الدار كلها للمشتري كان ذلك له. وبالله التوفيق: لا رب سواه. [الأمير الغاصب لأموال الناس إذا عزل فقام الناس يدعون مما في يديه] من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل عن الأمير الغاصب لأموال الناس، إذا عزل، فقام الناس يدعون مما في يديه شيئا، فقال: إذا أثبتوا شيئا من أموالهم، فإن الأمير يكلف البينة بأي شيء تصير إليه ذلك الشيء، فإن أتى بالبينة، وإلا لم يكن له شيء. قيل له: فإن أقام الأمير البينة أنه قد حاز هذه الدار والقرى عشر سنين، والخمس عشرة سنة، والعشرين، في وجوه هؤلاء الذين ادعوها، ولم يأت ببينة أنه اشترى، فقال: ليس يستحق بحوزه، وهو سلطان غاصب شيئا، وهو كمن لم يحز. قيل له: وإن لم يشهد الطالب في طول ولايته في السر، أي إنما ترك القيام خوفا منه، لم يضره ذلك في حيازة السلطان في وجهه، فقال: نعم، لا يضره. ولو كان أشهد في السر، لكان أفضل وأقوى، قيل له؛ فإن مات الأمير وهو أمير بحاله، لم يعزل حتى مات، ثم قام على ورثته مكانه حين مات، فأثبت أن هذه الدار كانت له، هل يكلف الورثة ما كلف أبوهم أن
следующие страницы →