← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

[يغتصب من الرجل صبرة من قمح فيريد الغاصب أن يصالح المغصوب] من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: وسألت أشهب عن الرجل يغتصب من الرجل صبرة من قمح، فيريد الغاصب أن يصالح المغصوب على كيل من القمح، فقال أشهب: إن كان قد لزم الغاصب القيمة بحكم أو بصلح اصطلحا عليه، ثم أراد أن يأخذ منه بالقيمة التي وجبت له كيلا من القمح، فلا بأس به، قلت لأشهب: ولم قلت: إن كان ألزم القيمة وهو حين غصبها كانت له القيمة لازمة؛ لأنها مجهولة، وليست بكيل معلوم؟ ألا ترى لو أن المغصوب منه أتى بشاهدين يشهدان فيها عشرين إردبا لا شك فيها، فقال المغصوب منه: أعطني عشرين إردبا أعطيته، فمن ثم لا يجوز له أن يصالحه على كيل إلا بعد ما يلزمه القيمة، إلا أن يصالحه من الكيل، على ما لا شك فيه، قال أشهب: وكذلك إذا غصب خلخالي فضة أو غير ذلك، من هذا الوجه، وهو يحكم عليه في الخلخالين بقيمتهما من الذهب. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، أما إذا صالحه على قيمة اتفقا عليها فيها، أو حكم عليه بها، فجائز أن يصالحه على ما شاء من الطعام، من صنف طعام الصبرة التي اغتصبها، أو من غير صنفها. وعلى ما شاء من العروض والحيوان، أو على دنانير إن كانت القيمة التي وجبت عليه دراهم، أو دراهم إن كانت القيمة دنانير، يعجل ذلك كله، ولا يؤخر شيئا منه؛ لأنه يكون آخره فسخ الدين بالدين، أو ذهبا بورق إلى أجل، وما لم يصطلحا على القيمة، فيجوز أن يصالحه في القيمة التي تجب له عليه في الصبرة بما شاء من العروض والطعام المخالف للصبرة، إذا تعجل ذلك، ويجوز له أن يصالحه على قمح من صفة قمح الصبرة، لا أرفع منه، إذا لم

стр. 5287

يشك أنه أقل مما كان في الصبرة من الكيل. واختلف هل يجوز أن يصالحه على أدنى من طعام الصبرة، مثل أن يصالحه على شعير، أو على محمولة، والصبرة سمراء، فأجاز ذلك أشهب، واختلف فيه قول ابن القاسم، فله في كتاب الصرف من المدونة: إنه لا يجوز أن يأخذ محمولة من سمراء أو أقل من مكيلته، ولا شعيرا من قمح، لأنه من بيع الطعام بالطعام متفاضلا، إذ قد يكون الشعير أنفق من القمح، والمحمولة أنفق من السمراء، لاختلاف الأغراض في ذلك، وروى يحيى عن ابن القاسم، في رسم الصبرة من سماعه من كتاب الدعوى والصلح، أن ذلك جائز، مثل أشهب، خلاف قوله في المدونة: ولو صالحه على سمراء أدنى من سمراء الصبرة المستهلكة أو على محمولة أدنى من محمولة الصبرة المستهلكة، لا يشك أنه أقل من كيل الصبرة، لجاز ذلك عندهما جميعا، إذ لا يمكن أن يكون رديء المحمولة أنفق من طيبها ولا رديء السمراء، أنفق من طيبها. وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: البر والقمح والرقيق يسرق فيجدها ربها في غير بلده] مسألة وقال ابن القاسم: قال مالك في البر والقمح والرقيق يسرق، فيجدها ربها في غير بلده: قال: أما البر فالمسروق منه بالخيار، إن أحب أخذ بره، وإن أحب أخذ قيمته في الموضع الذي سرق منه، وأما الرقيق، فإنما له أن يأخذهم ليس له أكثر من ذلك، فأما الطعام فإنما يكون له في الموضع الذي سرق منه. قال محمد بن رشد: تفرقته بين البر والرقيق، معناه في الرقيق الذين لا يحتاج إلى الكراء عليهم، فحكمهم على قول مالك هذا في نقل الغاصب لهم من بلد إلى بلد، حكم السلع، يكون ذلك فوتا يوجب للمغصوب منه أن يضمن الغاصب القيمة في ذلك كله يوم غصبه في البلد الذي غصبه فيه، وإن شاء أخذ متاعه بعينه ورقيقه بأعيانهم حيث وجدهم، وأما الرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم، والدواب التي إنما تركب أو تكرى فهي

стр. 5288

عنده بخلاف السلع، لا تفوت في الغصب بحملها من بلد إلى بلد، فليس للمغصوب منه إلا أخذها حيث وجدها. وسحنون لا يفرق في ذلك بين الدواب والرقيق والسلع، ويرى نقل ذلك من بلد إلى بلد، كاختلاف الأسواق، فلا يوجب للمغصوب منه في ذلك كله، إلا أخذ متاعه بعينه، حيث ما وجده من البلاد. ولأصبغ في سماعه بعد هذا من قوله، وظاهر روايته عن أشهب، ضد قول سحنون، إن ذلك كله فوت يكون المغصوب فيه بالخيار بين أن يضمنه القيمة في ذلك كله يوم الغصب في البلد الذي اغتصبه فيه، وبين أن يأخذ متاعه فيه بعينه، حيث ما وجده من البلاد، فهي ثلاثة أقوال: قولان متضادان، وتفرقة، وأما الطعام إذا حمله الغاصب من بلد إلى بلد، ففيه ثلاثة أقوال أحدها قول ابن القاسم، وروايته هذه عن مالك، إنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه في البلد الذي اغتصبه فيه. والثاني: إن المغصوب بالخيار، بين أن يأخذ طعامه بعينه حيث وجده، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه منه. وهو قول أشهب في رواية أصبغ عنه في سماعه بعد هذا من هذا الكتاب، والثالث تفرقة أصبغ فيه، بين أن يكون البلد الذي نقله إليه الغاصب قريبا أو بعيدا. فإن كان قريبا كان له أن يأخذ طعامه بعينه، وإن كان بعيدا لم يكن له وبالله التوفيق. [مسألة: استودع قمحا فتعدى عليه فحمله إلى بلد فأثأر به فأصابه وقد باعه المستودع] مسألة وقال مالك في رجل استودع قمحا فتعدى عليه، فحمله إلى بلد، فأثأر به، فأصابه وقد باعه المستودع، أله أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يأخذ قمحه بعينه؟ قال: ليس ذلك له، وإنما له قمحه في الموضع الذي استودعه فيه. قلت: لم؟ قال: لأن في ذلك زيادة، فليس له أن يأخذ منه الزيادة وإن كان متعديا؛ لأنه يقدر على مثله في مثل الموضع الذي استودعه فيه. قلت: فإن رضي رب الطعام والمتعدي، أن يعطيه

стр. 5289

مثل طعامه في الموضع الذي استحقه فيه، أو طعاما إن كان لم ينفقه، أو الثمن الذي بيع به الطعام قال: إذا رضيا فلا بأس به. قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي قبلها سواء، إذ لا فرق في هذا بين الوديعة والغصب والسرقة، يدخل في ذلك كله، الاختلاف الذي ذكرناه. وقد مضت هذه المسألة في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الوديعة، والكلام عليها هناك مستوفى أيضا. وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: يبيع العبد غصبا ثم يموت سيد العبد فيكون الغاصب وارثه] مسألة وقال ابن القاسم في الرجل يبيع العبد غصبا ثم يموت سيد العبد، فيكون الغاصب وارثه، ثم يريد أن يرجع في العبد، قال: ذلك له، وكذلك الدار بين الرجلين، فيبيعها أحدهما كلها، ثم يموت الآخر، وهو لا يدري. وهذا وارثه، فيريد الرجوع في النصف، والأخذ بالشفعة. قال: ذلك له. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الوارث يحل محل الموروث، وينزل منزلته في الحقوق الواجبة له، فإذا ورث الغاصب العبد الذي غصبه، بعد أن باعه قبل أن يعلم المغصوب منه بيعه إياه، فيختار إجازة البيع وأخذ الثمن، كان للغاصب ما كان للمغصوب منه من أخذ العبد وفسخ البيع، وكذلك قال في آخر كتاب بيع الغرر من المدونة في المودع، يتعدى على الوديعة فيبيعها، ثم يموت المودع. وهذا وارثه. إن له أن يرد البيع ويأخذ الوديعة التي باع، لنزوله في ذلك بالميراث منزلة المودع الموروث. وهي كمسألة الغصب سواء والميراث، بخلاف الشراء، لو باع الغاصب العبد الذي اغتصبه ثم اشتراه من المغصوب منه لزمه البيع، ولم يكن أن يرده ويأخذ العبد. قاله في كتاب الغصب من المدونة. والفرق بين المسألتين أن الميراث

стр. 5290

أمر أوجبه الله، لم يجره هو إلى نفسه، والشراء هو جره إلى نفسه باختياره، وليس له أن يتسبب إلى نقض البيع بذلك، وأيضا فإن شراءه إياه منه بحال منه من صنيعه. وإذا أخذ منه الثمن فيه، فكأنه قد أخذ منه القيمة، وهذا كله بين، وكذلك الدار تكون بين الأخوين، فيبيعها أحدهما كلها، ثم يموت الآخر، وهو وارثه، فينزل منزلته بالميراث في أن له أن يأخذ نصف الدار بالاستحقاق، فينقض فيه البيع، ويرد ثمنه إلى المبتاع، ويأخذ النصف الثاني بالشفعة، وإن أراد أن يأخذ النصف بالاستحقاق، ويترك الأخذ بالشفعة، كان ذلك له، وإن أراد أن يمضي البيع ويترك الدار كلها للمشتري كان ذلك له. وبالله التوفيق: لا رب سواه. [الأمير الغاصب لأموال الناس إذا عزل فقام الناس يدعون مما في يديه] من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل عن الأمير الغاصب لأموال الناس، إذا عزل، فقام الناس يدعون مما في يديه شيئا، فقال: إذا أثبتوا شيئا من أموالهم، فإن الأمير يكلف البينة بأي شيء تصير إليه ذلك الشيء، فإن أتى بالبينة، وإلا لم يكن له شيء. قيل له: فإن أقام الأمير البينة أنه قد حاز هذه الدار والقرى عشر سنين، والخمس عشرة سنة، والعشرين، في وجوه هؤلاء الذين ادعوها، ولم يأت ببينة أنه اشترى، فقال: ليس يستحق بحوزه، وهو سلطان غاصب شيئا، وهو كمن لم يحز. قيل له: وإن لم يشهد الطالب في طول ولايته في السر، أي إنما ترك القيام خوفا منه، لم يضره ذلك في حيازة السلطان في وجهه، فقال: نعم، لا يضره. ولو كان أشهد في السر، لكان أفضل وأقوى، قيل له؛ فإن مات الأمير وهو أمير بحاله، لم يعزل حتى مات، ثم قام على ورثته مكانه حين مات، فأثبت أن هذه الدار كانت له، هل يكلف الورثة ما كلف أبوهم أن

стр. 5291

يثبتوا بأي شيء تصير إلى أبيهم؟ فقال: لا يكلفون ما كلف أبوهم، وعلى الطالب البينة أن السلطان كان غصبه منه، بعد أن قيم البينة أن هذا الشيء كان له، قيل له: وما يكون حال هذا الأمير فيما أكل من هذه القرية وغرس وبنى؟ أيأخذه مقلوعا وتكون عليه الإجارة، ويكون كالرجل الغاصب، أم لا؟ وإنما أقام المستحق البينة أن هذا الشيء له، ولم يقم البينة أنه غصبه، وقد قلت: إنه إذا أثبت البينة أن الشيء شيئه سألت الأمير البينة بأي شيء صار في يديه؟ فإن أتى ببينة أنه تصير إليه بحق من الحقوق كان ذلك له، وإلا جعلت الأموال للذي أثبت أصلها، ولم يكلفه البينة، أنه غصبها ولا غير ذلك، وجعلتها له، قال: لا يكون حاله حال الغاصب فيما اغتل وفيما غرس، إلا أن يقيم المستحق البينة أن السلطان غصبها منه، وإلا لم تكن له غلة ما استحق ولا كراء، وللأمير الغاصب قيمة ما بنى وغرس قائما لا مقلوعا، فإن طلب المستحق أن يعطيه ذلك مقلوعا قيل له: فأثبت البينة أنه غصبك هذه الأشياء، فيكون لك ما يكون للمغصوب منه. ويكون عليه ما يكون على الغاصب، وإلا لم يكن لك إلا أرضك، وله ما بنى وغرس قائما. قال محمد بن رشد: قوله إن السلطان المعروف بالغصب لا ينتفع بحيازة مال الرجل في وجهه مدة تكون الحيازة فيها عاملة إذا أقر بالملك لغيره أو ثبت ذلك عليه وادعى أنه اشترى منه، صحيح مثل ما تقدم لابن القاسم في أول رسم من سماع يحيى. وقد مضى هناك بيان وجه ذلك، فلا معنى لإعادته. وأما قوله: إن ورثته لا يكلفون ما كلف أبوهم من إقامة البينة على الوجه الذي صار إليه به، وإن كان قام عليهم مكانه حين مات، ففيه نظر؛ لأنه جعلهم ينتفعون بحيازته، وهي غير عامدة على القائم من أجل أنه ظالم، فكان القياس أن يكلفوا إقامة البينة على الوجه الذي تصيرت به الدار إلى موروثهم كما كان

стр. 5292

يكلف ذلك موروثهم، إلا أن يكون قيامه عليهم بعد أن مات أبوهم بمدة تكون لهم حيازة، فلا يلزمهم ذلك، ويكون القول قولهم مع أيمانهم: لقد اشتراها وما غصبها، أو ما يعلمون بأي وجه صارت إلى أبيهم، ولا أنه غصبها على الاختلاف في هل ينتفع الورثة بحيازتهم دون أن يدعوا الوجه الذي تصيرت به إلى موروثهم، أو لا ينتفعون بها، إلا أن يدعوا ذلك كموروثهم سواء؟ إلا أن يأتي المستحق بالبينة أنه غصبها، فإن أتى بذلك استحق داره إلا أن يأتوا ببينة تشهد لهم أنه اشتراها منه بعد الغصب شراء صحيحا بعد أن ردها إليه، أو وهو قد عاد ممن تجري عليه الأحكام. وقد مضى بيان هذا المعنى في أول رسم من سماع يحيى. وأما قوله: إن الأمير المعروف بالغصب لا يكون حاله حال الغاصب، لا فيما استغل ولا فيما بنى وغرس، فهو صحيح أيضا؛ لأن الغلة قد قيل إنها للغاصب، وإن ثبت الغصب عليه لقول النبي ﵇ «الخراج بالضمان» ؛ لأنه لفظ عام مستقل بنفسه، فيحمل على عمومه فيما كان بوجه شبهة وبغير وجه شبهة، على القول بأن اللفظ العام المستقل بنفسه الوارد على سبب يحمل على عمومه، ولا يقصر على سببه الذي خرج عليه من الرد بالعيب، فكيف إذا لم يثبت عليه الغصب؟ وكذلك ما بنى وغرس له قيمة ذلك قائما كما قال، ما لم يثبت عليه الغصب لقول النبي ﵇: «ليس لعرق ظالم حق» وبالله التوفيق. [مسألة: يقول للرجل كنت غصبتك ألف دينار إذ كنت صبيا] مسألة وسئل سحنون عن الرجل يقول للرجل: كنت غصبتك ألف دينار إذ كنت صبيا، قال: تلزمه. قيل له: فإن قال كنت أقررت لك بألف دينار إذ كنت صبيا، فقال: يلزمه أيضا، وهو عندي مثل الأول. قال محمد بن رشد: أما الذي قال: كنت غصبتك ألف دينار إذ كنت صبيا، فلا اختلاف في أن ذلك يلزمه؛ لأنه أقر أنه فعل في صباه ما يلزمه، إذ لا اختلاف في أن الصبي ضامن لما أفسد وكسر، وكذلك ما اغتصب فأتلف.

стр. 5293

وأما الذي قال: كنت أقررت لك بألف دينار إذ كنت صبيا فيتخرج ذلك على قولين: أحدهما وهو الأصح: أنه لا يلزمه ذلك إذا كان كلامه نسقا متتابعا. وعلى ذلك يأتي قول ابن القاسم في المدونة: إذا قال لزوجته قد طلقتك وأنا صبي إنه لا يلزمه شيء، وكذلك إذا قال لها: قد طلقتك وأنا مجنون إذا كان يعرف بالجنون. وإذا أقر بالخاتم لرجل وقال: الفص لي أو بالبقعة وقال البنيان لي وكان الكلام نسقا؛ والثاني: أنه يلزمه وإن كان الكلام نسقا متتابعا؛ لأنه يتهم أن يكون استدرك ذلك ووصله بكلامه ليخرج عما أقر به. وعلى ذلك قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه في تفرقته بين أن يقول: لفلان علي ألف دينار وعلى فلان وفلان، وبين أن يقول: لفلان علي وعلى فلان وفلان ألف دينار، قال: لأن الأول أقر على نفسه بألف دينار، فلا يقبل قوله بعد ذلك، وعلى فلان وفلان وإن كان الكلام نسقا متتابعا. وعلى قول ابن القاسم في هذه المسألة يأتي قول سحنون في هذه الرواية، وهو قول ضعيف، وما في المدونة أصح وأولى بالصواب. فالمسألتان مفترقتان، وإنما كان يكون قوله: كنت أقررت لك بألف دينار، إذ كنت صبيا، مثل قوله: لو قال كنت استسلفت منك ألف دينار، إذ كنت صبيا؛ لأن الوجهين جميعا، يستويان في أنهما لا يلزمانه في حال الصبا. وبالله التوفيق. [مسألة: أكره رجلا أن يدخل بيت رجل يخرج منه متاعا فأخرج له ما أمره] مسألة وسئل سحنون عن رجل من العمال، أكره رجلا أن يدخل بيت رجل يخرج منه متاعا يدفعه إليه، فأخرج له ما أمره به، فدفعه إليه، ثم عزل ذلك العامل الغاصب، ثم أتى المغصوب منه المتاع، يطلب ما غصب منه. هل يكون له أن يأخذ بماله من شاء وإن شاء الآمر وإن شاء المأمور؟ فقال: نعم له أن يأخذ بماله من شاء منهما. قيل له: فإن أخذ ماله من الذي أكره

стр. 5294

على الدخول هل يرجع هذا الذي غرم على العامل الذي أكرهه على الدخول؟ فقال: نعم. قيل له: فإن عزل الأمير الغاصب، وغاب المغصوب منه المتاع، فقال: هذا المكره على الدخول في بيت الرجل على الأمير الغاصب بهذا المتاع، ليغرمه إياه، ويقول المأخوذ به إذا جاء صاحبه هل يعدى عليه؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الإكراه على الأفعال التي يتعلق بها حق لمخلوق، كالقتل والغصب، لا يصح بإجماع، وإنما يصح فيما لا يتعلق به حق لمخلوق من الأقوال باتفاق، ومن الأفعال على اختلاف. وقد مضى تحصيل القول في هذا في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق. وأما قوله بأنه يقضي للمكره على الدخول في بيت الرجل، على العامل بالمال؛ لأنه هو المأخوذ به، ففيه نظر، والذي يوجبه النظر أن يقضي له بتغريمه إياه، ولا يمكن منه، ويوقف لصاحبه. وبالله التوفيق. [مسألة: اغتصب دابة رجل فاستعملها فأغرمه رب الدابة الكراء] مسألة وسئل عن رجل اغتصب دابة رجل، فاستعملها، فأغرمه رب الدابة الكراء، كراء ما استعملها، هل يحاسب الغاصب بالعلف؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: وهذا إذا قوم كراؤها على أن علفها على صاحبها، وأما إن قوم كراؤها على أن علفها على المكتري، فلا يحاسبه بالعلف؛ لأنه قد انحط قدره من الكراء، وعلى هذا يجب أن يقوم، فهو أولى وأقل عمى. وفي وجوب الرجوع عليه بكراء ما استعملها اختلاف قد مضى تحصيله في نوازل عيسى فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.

стр. 5295

[مسألة: يغتصب الدابة ولا يعملها في شيء ولا يكريها ثم استحقها ربها] مسألة قال سحنون في الرجل يغتصب الدابة ولا يعملها في شيء، ولا يكريها وإنما حبسها على مذودها، ثم استحقها ربها هل يكون له من كرائها شيء؟ قال: لا يكون له كراء مثلها إذا لم يسخرها. قال محمد بن رشد: إنه يجب عليه كراء ما عطلها. وهو قول ابن الماجشون. وقد مضى هذا في نوازل عيسى فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. [مسألة: يكون له بيضة من دجاجة ميتة أو دجاجة حية فيغصبها منه رجل] مسألة وسئل سحنون عن رجل يكون له بيضة من دجاجة ميتة، أو دجاجة حية فيغصبها منه رجل، فيحضنها تحت دجاجة، فيخرج منها فرخ. قال: الفرخ لرب البيضة، وللغاصب عليه قدر ما حضنت دجاجته، كانت البيضة من ميتة أومن حية. قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه المسألة على أصله، في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر، وهي رواية ابن غانم عن مالك، ويأتي فيها على قياس القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب العمل والأرض، إن الفرخ للغاصب، ويكون عليه لرب البيضة مثلها، وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في سماع سحنون، من كتاب الشركة، في الرجل يأتي بحمامة أنثى والآخر بحمامة ذكر، على أن تكون الفراخ بينهما، وفي الرجل يقول للرجل: اجعل هذا البيض تحت دجاجتك، فما كان من فراخ فهو بيننا، إن الفراخ تكون لصاحب الدجاجة، ولصاحب البيض بيض مثله. وبالله التوفيق.

стр. 5296

[مسألة: غصب عبدا فأتى رب العبد بالبينة أنه غصبه] مسألة قال سحنون: قال مالك في رجل غصب عبدا فأتى رب العبد بالبينة أنه غصبه، وهو في رجل اشتراه من الغاصب، فلما أقام البينة مات العبد في يدي المشتري، فقال: المصيبة من الذي استحقه، قال سحنون: وأنا أقول: إن المصيبة من المشتري حتى يحكم به للذي غصبه. قال محمد بن رشد: قول مالك هذا هو مذهبه في موطئه وقول ابن القاسم وروايته عنه في رسم مرض من سماع ابن القاسم، من كتاب الاستحقاق، وقول غير ابن القاسم في كتاب الشهادات من المدونة. وقول سحنون، هو قول ابن القاسم، في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، وهو قول أشهب في المبسوطة والذي يأتي على قول مالك في المدونة: إن الغلة للذي هي في يديه، حتى يقضى بها للطالب، فهي مسألة اضطرب فيها قول مالك، وابن القاسم. وقد مضى تحصيل الاختلاف في الحد الذي يدخل به الشيء المستحق في ضمان المستحق، في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، من كتاب الاستحقاق، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. [مسألة: اغتصب عبدا فجنى العبد عند الغاصب فأتى سيده فأخذه] مسألة قال سحنون في رجل اغتصب عبدا فجنى العبد عند الغاصب، فأتى سيده فأخذه، ولم يعلم بجنايته عند الغاصب، ثم جنى العبد عند سيده على رجل آخر، فأتى المجني عليه الأول، إذا كان في يده الغاصب وأتى المجني عليه الآخر، الذي جنى عليه وهو في يدي صاحبه، ما يكون على السيد، وما يكون للسيد

стр. 5297

على الغاصب، والجنايتان سواء؟. قال سحنون: يقال للسيد: قد صارت الجنايتان في رقبة العبد،. وصار العبد بينهما، فإن شئت فخذ الغاصب نصف قيمة العبد، ويكون كعبد بين رجلين، جنى فيخيران، فإن أحبا أسلماه، وإن أحبا افتكاه. ومن أحب منهم أن يفتك افتك، ومن أحب أن يسلم أسلم. وإن افتكه السيد بالجنايتين لم يضمن الغاصب شيئا كذلك قال ابن القاسم، وقال غيره: يرجع على الغاصب بالأقل من نصف القيمة، أو نصف الجناية. قال محمد بن رشد: بنى سحنون جوابه في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم في المدونة إن العبد إذا جنى عند الغاصب، فسيده مخير بين أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، وبين أن يأخذه مجنيا ولا شيء له على الغاصب، وبنى غيره وهو أشهب، جوابه فيها على قول ابن القاسم في رسم الصبرة من سماع يحيى المتقدم، في أن العبد المغصوب إذا جنى عند الغاصب، فسيده مخير، بين أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، وبين أن يفتكه ويرجع على الغاصب بالأقل من قيمته أو ما افتكه به فرأيا أن العبد قد فات نصفه عند سيده بجنايته عنده، لاستواء الجنايتين، فيلزمه بما أخذه به من نصف القيمة، والنصف الثاني هو فيه مخير، بين أن يأخذ قيمته، وبين أن يأخذه مجنيا عليه، ولا شيء له على الغاصب عند سحنون، على مذهب ابن القاسم في المدونة، وعند غيره على مذهب ابن القاسم في سماع يحيى، يرجع على الغاصب بأقل من قيمته أو ما ود في الجناية التي جناها عبده، وهي نصف الجنايتين كما قال، لأنهما مستويتان. وفي ذلك من قولهما جميعا نظر؛ لأن العبد يفوت جميعه عند سيده بجنايته عنده، كرجل ابتاع عبدا فجنى عنده جناية، ثم اطلع على عيب به؛ لأن السيد أخذ العبد بالقيمة الواجبة على الغاصب يوم الغصب، فجنى عنده جناية، ثم اطلع على أنه قد كان جنى عند الغاصب، فالذي يوجبه النظر في ذلك على منهاج قولهم، إن السيد

стр. 5298

يرجع على الغاصب بقيمة عيب الجناية التي جناها عنده. ووجه العمل في ذلك، أن يقوم العبد بعيب الجناية، وسالما منها، فما كان بين القيمتين من الأجزاء، ثلث أو ربع أو خمس، رجع رب العبد على الغاصب في القيمة التي أخذ العبد منه فيها بذلك الجزء، وإن كانت الجناية تستغرقه، ولا قيمة له بها رجع عليه بجميع قيمته، وكان الغاصب مخيرا بين أن يفتكه بجنايتين، أو يسلمه بهما، وهذا إذا كان العبد قد فات عند الغاصب بغير الجناية التي لم يعلم بها، فأخذ عبده وقد كان له أن يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب، وأما إن كان لم يفت عند الغاصب فأخذه صاحبه ولم يعلم بالجناية، ثم جنى عنده فاطلع على الجناية التي كان جنى عند الغاصب، فالحكم فيه على ما يوجبه القياس والنظر، أن يكون مخيرا بين أن يرده الغاصب، أو يضمنه قيمته يوم الغصب؛ لأنه يقول: لو علمت أنه جنى لم آخذه، وقد كنت مجبورا على أخذه، إذ لم يسلم بجنايته، ويكون الغاصب فيه مخيرا بين أن يفتكه بالجنايتين جميعا، أو يسلمه لهما، وإن شاء سيد العبد تمسك بعبده، وافتكه بالجنايتين أو أسلمه بهما. فإن أسلمه بهما وهما سواء، رجع على الغاصب بنصف قيمة العبد، وإن افتكه بهما، رجع على الغاصب بالأقل من نصف قيمته، أو نصف الجنايتين، على الاختلاف المذكور في ذلك، وإنما كان يصح جوابهما لو كانا عبدين مغصوبين، فجنى أحدهما عند الغاصب، فأخذهما سيدهما، ولم يعلم بجناية الجاني منهما، ثم جنى الآخر عنده. وبالله تعالى التوفيق. [اغتصب من رجل طعاما بعينيه في غير البلد] من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ: سمعت أشهب، وسئل عمن اغتصب من رجل طعاما بعينيه، في غير البلد، أله أخذه؟ قال: نعم، له أخذه إن شاء، وإن تركه وأخذ منه مثله بتلك البلدة التي اغتصبه فيها. قال أصبغ: قال ابن القاسم: ليس له أخذه، ويؤخذ بمثله يعطيه بموضعه الذي اغتصبه به، ويصنع به هو ها هنا ما شاء. قال

стр. 5299

أصبغ: وأنا أرى إن كان البلد البعيد، فالقول ما قال ابن القاسم، وعليه أن يوثق له بحقه، قبل أن يخلى بينه وبينه، وإن كان الموضع القريب، مثل بعض الأرياف والقرى، فأرى له أخذه وإن كره، والظالم يحمل عليه بعض الحمل، ولا كل. قال أصبغ: قيل لأشهب، فالعروض، قال كذلك يأخذها إن شاء، أو يأخذ قيمتها، ثم أن ليس عليه ردها. قال أصبغ: يأخذ العروض إن شاء؛ لأنها سلع بأعيانها، ولا سروالها كالجارية بعينها، والدابة والثوب، ولا شيء عليه من حمولتها، ولا نفقة يغرمها، مع أخذها ولا على المغتصب ردها وحملانها راجعا بها، وإن شاء المغصوب تركها وأخذ قيمتها حيث غصبها، ليس حيث يأخذها، كالعين إذا تغيرت كانت له قيمتها، وما ذلك بالقوي فيه كغيره في القياس والاستحسان أحب إلي، وأرى أن البلدان أغير إذا كانت بعيدة، وإن لم تتغير في الأبدان إذا حملها إلى البلدان والآفاق. قال محمد بن رشد: ساوى أشهب في هذه الرواية بين الطعام والبز والعروض والحيوان في أن للمغصوب منه أن يأخذه حيث ما وجده من البلاد، وذلك خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك، فإنه فرق بين الطعام والعروض والحيوان في ذلك، وفرق أيضا بين العروض والحيوان، مثل الدواب التي لا يكرى على حملها، ووافقه سحنون في الطعام، وخالفه في العروض والحيوان، فيتحصل في العروض والحيوان ثلاثة أقوال، وفي الطعام بتفرقة أصبغ ثلاثة أقوال أيضا. وقد مضى تحصيل ذلك كله، وبيانه وشرحه في سماع سحنون فلا معنى لإعادته. والله الموفق.

стр. 5300

[سرق عبدا فباعه] ومن كتاب البيوع والصرف قال أصبغ: سألت ابن القاسم يقول فيمن سرق عبدا فباعه: إن السيد إن أجاز البيع وأخذ الثمن، فلا كلام للمشتري في رده، وهو له لازم، والعهدة في ذلك على السيد، وليس على السارق منه شيء. وقال أصبغ: وذلك ما لم يدخل البيع فوت، ولا العبد، فإن دخل ذلك الفوت حتى يكون المستحق مخيرا في الثمن أو القيمة، ليس في العبد لفواته، فاختار القيمة من السارق، فالعهدة للمشتري على السارق، وإن اختار الثمن، فالعهدة عليه أيضا. قال محمد بن رشد: اختلف في الغاصب أو السارق يبيع الشيء: المغصوب أو المسروق، فيأتي صاحبه فيستحقه، ويجيز البيع، ويأخذ الثمن، هل تنتقل العهدة على الغاصب إليه أم لا؟ على قولين؛ أحدهما: أنها تنتقل إليه، فات العبد أو لم يفت، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية، إذ لم يفرق فيها بين أن يفوت العبد أو لا يفوت، ودليل ما في كتاب الاستحقاق من المدونة في الذي يستحق الدار من يد المشتري، وقد أكراها السنة مضت منها ستة أشهر، إن له أن يمضي الكراء لباقي المدة، ولا حجة للمكتري في انتقال العهدة إليه، إذ لا ضرر في ذلك عليه من أجل أنه إنما يؤدي بحسب ما يسكن، فإن انهدمت الدار خرج ولم يكن عليه شيء، كما لو كانت عهدته على الأول، وإن كان قد نقد الكراء، كان من حقه أن يسترجع كراءه، فيودي بحساب ما يسكن، إلا أن يكون المستحق مليا أو يأتي بحميل ملي، فيأخذ الكراء. هذا معنى قوله في المدونة دون لفظه، وهذا إذا لم تف البقعة مهدومة إن انهدمت الدار بالكراء، وأما إن وفت بها، فمن حقه أن يأخذ الكراء. قاله بعض شيوخ صقلية، وهو صحيح؛ لأن البقعة تكون في يده، كالرهن فيما قدم من الكراء إن انهدمت الدار. قال: وإنما يكون له أن يأخذ الكراء، إذا كان مليا، إذا كان قد علم بأن المكتري قد نقد الكراء، وكانت

стр. 5301

سنة الكراء على النقد، وأما إن لم يعلم بذلك، ولا كانت سنة الكراء على النقد، فليس له أن يأخذ الكراء معجلا، وإنما يأخذ بحساب ما يسكن؛ لأنه يحملك عليه، إذا لم يعلم بذلك، ولا كانت سنة الكراء على النقد، على أنه إنما أجاز الكراء وأمضاه، على أن يأخذ منه بحساب ما يسكن، فليس له أن يتعجل كما كان عجل للأول، والثاني: إن العهدة لا تنتقل عن الغاصب، حكى هذا القول سحنون عن مالك، وعاب ما وقع في المدونة من احتجاج المكتري بانتقال العهدة، قال: إذ لا تنتقل على مذهب مالك، وإنما تنتقل عنده في القيام، فأحرى ألا تنتقل في الفوات، وهو دليل ما وقع في كتاب الغصب من المدونة من أن المستحق إذا أجاز البيع، لزم المشتري الشراء، ولم يكن فيه خيار؛ لأن الذي يوجبه النظر إذا انتقلت العهدة عن البائع إلى المستحق، أن يكون المشتري بالخيار، إن كانت ذمة المستحق معيبة بعدم أو حرام؛ لأن من حقه أن يقول لا أرضى أن أعامل من لا ذمة له، أو من استغرقت ذمته الحرام. فقول ابن القاسم في هذه الرواية: إن أجاز المستحق البيع، انتقلت العهدة إليه، ولزم المشتري الشراء، معناه: إن كانت الذمتان متساويتين، أو كانت ذمة المستحق أوثق من ذمة السارق. وقول أصبغ: وذلك ما لم يدخل البيع فوت، إلى آخر قوله صحيح؛ لأن العبد إذا فات حتى لم يكن للمستحق أخذه، فلا خلاف في أن العهدة على السارق، لا تنتقل عنه إلى المستحق، اختار أخذ القيمة من السارق أو الثمن، ولا سبيل له إلى العبد لفواته، وكان القياس إذا لم يفت العبد بوجه من وجوه الفوت، أو فات بزيادة، ألا يختلف في أن العهدة تنتقل إلى المستحق، إذ ليس له أن يضمن الغاصب قيمته، فكأنه هو البائع له، اللهم إلا أن يقال: إنه إذا باعه على أنه له، فقد رضي بالتزام الدرك. إن جاء له طالب، وهو بعيد. وإنما يتصور الاختلاف في انتقال العهدة إذا أجاز المستحق البيع، إذا كان العبد قد فات، فكان سيده مخيرا بين أن يضمن الغاصب أو السارق قيمته يوم الغصب أو السرقة، وبين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، وبين أن يأخذ عبده. فوجه القول

стр. 5302

بأن العهدة لا تتنقل عن الغاصب، إن العبد قد فات، ووجبت فيه القيمة يوم الغصب، وإنما أخذ الثمن إذ رأي أنه أفضل له من القيمة، ولم يقصد إلى اختيار أخذ العبد وإمضاء البيع فيه. ووجه القول بأن العهدة تنتقل عن الغاصب إلى المستحق، هو أنه لما ترك أن يضمن الغاصب القيمة وأخذ الثمن، فقد قصد اختيار أخذ العبد وإمضاء البيع فيه، فاحفظ، إنها ثلاثة أوجه، إذا أجاز المستحق البيع، وأخذ الثمن، وجه تنتقل العهدة فيه باتفاق، ووجه لا تنتقل فيه باتفاق، ووجه تنتقل فيه على اختلاف، هذا الذي يوجبه النظر الصحيح عندي في هذه المسألة، وقد كان من تقدم من الشيوخ لا يحصلها هذا التحصيل، ويذهب إلى أن في انتقال العهدة عن البائع إلى المستحق، ثلاثة أقوال: قول إنها لا تنتقل وقول إنها تنتقل، والفرق بين أن يكون العبد قائما أو فائتا، ولا يفرق في الفوات بين أن يكون للمستحق أن يأخذه، وبين أن لا يكون له أن يأخذه، وإذا أخذ المستحق القيمة من الغاصب، فالعهدة عليه باتفاق لأن العبد قد وجب له بالقيمة التي أخذت منه فيه، فإن استحق العبد من يد المشتري من الغاصب، على القول بأن العهدة لا تنتقل عن الغاصب، فرجع المشتري على الغاصب بالثمن، رجع به الغاصب على المستحق، فالإعذار فيما أثبته المستحق الثاني على المشتري من الغاصب، إنما يكون على المستحق الأول، الذي يرجع عليه الغاصب، لا على الغاصب؛ لأن من حجته أن يقول: أنا لا أدفع على من أرجع، فإن خاصم ودفع، لم يكن له رجوع إلا على اختلاف قد مضى ذكره في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق. والذي يفوت العبد عند مشتريه من الغاصب فوتا لا يكون للمغصوب أن يأخذه، هو أن تذهب عينه، أو أن يحصل في بيع حال، لا يجوز بيعه من إباق أو مرض مخوف، على القول بأنه لا يجوز بيع المريض؛ لأنه إذا أخذه يكون مبتاعا له بما وجب له على الغاصب من القيمة أو الثمن، ويتخرج في هذا قولان على اختلافهم في الذي يبيع العبد فيابق عند المشتري، ثم يفلس، هل يكون للبائع أن يأخذ عبده

стр. 5303

ويترك محاصة الغرماء أم لا؟ على ما يوجبه القياس. وبالله التوفيق. [يغتصب أرضا فيقيم عليها البينة فيشهدون له أنها أرضه ولا يعرفون الحدود] ومن كتاب الأقضية والحبس قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم وسئل عن الذي يغتصب أرضا فيقيم عليها البينة، فيشهدون له أنها أرضه، ولا يعرفون الحدود، قال: يسجن المشهود عليه، ويضيق عليه مع هذه الشهادة، حتى يبين له حقه، ولا يكون للمشهود له شيء، إلا بشيء يثبت، ويعرف بشهادة أو إقرار، فإن بين له شيئا وقال: هذا حقه، حلف عليه. قال أصبغ: أو يحدها غير المشهود ويشهدون على الحدود فيجوز. قال أصبغ: وإن لم يبين واستبرى بحبس وتشديد، وأنكر الجميع، أحلف كما يحلف المدعى عليه بغير شهادة، ولم يكن للآخر قليل ولا كثير بتلك الشهادات. قال محمد بن رشد: رواية أصبغ هذه، خلاف لرواية يحيى عن ابن القاسم، من كتاب الاستحقاق. وأما رواية عيسى عن ابن القاسم المتقدمة في هذا الكتاب، فهي مسألة أخرى وليست بمخالفة لهذه، ولا لرواية يحيى من كتاب الاستحقاق، بدليل أن أصبغ قد روى عن ابن القاسم في كتاب العروض من مجالسه كرواية عيسى حرفا بحرف. وأن ابن القاسم قال في المجموعة بمثل رواية عيسى، وزاد قال: ولو شهدوا على الأرض، ولم يثبتوا الحوز، فذكر نص رواية يحيى عنه. وقد قيل: إن المسألتين سواء، وإن الخلاف داخل أيضا في مسألة عيسى. وقد مضى تحصيل هذه المسألة وافية من الخلاف في سماع يحيى من كتاب الاستحقاق، فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق. لا شريك له وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد.

стр. 5304

[كتاب الحوالة والكفالة] [ يشتركون في صفقة فيريدون بيعها فيعطي أحدهم شيئا على أن تكون عهدته عليه] من سماع ابن القاسم رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سئل مالك عن القوم يشتركون في الصفقة من الرقيق، فيريدون بيعها، فيعطي أحدهم بعض أصحابه شيئا على أن تكون عهدته عليه. قال: هذا حرام لا يحل، ومن أخذ من ذلك، رده إلى أصحابه، وكانت التباعة على من كانت عليه. وهذه الحمالة بالجعل، وقال مالك: الحمالة بالجعل حرام، وإنما هي بمنزلة من باع من رجل سلعة، فقال رجل أجنبي للبائع: هل لك أن تعطيني دينارين؟ على أنه إن تبع السلعة تباعة لأحد، فأنا ضامن لتلك التباعة، فإن تمت، كان الذهب بالذهب متفاضلا، وإن لم تتم أخذ له باطلا، كأنه قال: أعطني خمسة في خمسين، أغرمها إن تبع السلعة تباعة. قال الإمام القاضي: قوله في هذه المسألة: على أن تكون عهدته عليه، معناه: على أن يكون عليه بما أعطاه ما للمشتري من العهدة عليه، ليرجع عليه إن استحقت السلعة من يديه، بما كان له

стр. 5305

أن يرجع به عليه: ثلث الثمن، إن كان له ثلث السلعة أو ربعه إن كان له الربع منها أو أقل من ذلك أو أكثر. وقوله: وهذه الحمالة بالجعل، إذ ليس بحمالة على الحقيقة؛ لأن الحميل إذا أدى يرجع على المتحمل عنه بما أدى عنه. ووجه الشبهة بينهما، أنه جعل على الغرر فيهما جميعا الحميل أخذ الجعل على أنه إن طلب بالحمالة، فإذا رجع بما أدى فكان ذلك ربى وغررا، وملتزم العهدة عن غيره أخذ الجعل على أنه إن استحقت السلعة غرم، ولم يرجع بما غرم، فكان أيضا ربى وغررا، إلا أنه إن غرم كان الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل، وإن لم يغرم كان له الجعل باطلا، واشتراط البائع على المشتري أن تكون عهدته على رجل سماه، يقتضي الانبتات بينهما وأنه لا تباعة له عليه بحال. فهذا على ذلك محمول، حتى يتبين أن ذلك على سبيل الحمالة، هذا ظاهر هذه الرواية، خلاف ما حكى ابن حبيب عن أصبغ من اشترط العهدة على محمول سماه على الحمالة، حتى تبين أنه أراد الانبتات منه. والانبتات له عليه، فيكون البيع فاسدا لأنه ذمة بذمة. وعلى ظاهر هذه الرواية، لو اشترط البائع على المشتري أن عهدته تلي رجلا سماه برضاه دون جعل، جعله له لجاز، وإن شرط الانبتات منه ولم يكن ذلك ذمة بذمة، وهو أظهر، إذ لم ينتقل من ذمة إلى ذمة إذا كان ابتاعه إياه دون البائع مشترطا عليه في أصل البيع، وإنما كأن يكون ذمة بذمة، لو وقع البيع دون شرط ثم تحول بالعهدة على غيره، فإذا تحمل الرجل بجعل يأخذه من الطالب أو من المطلوب بعلم الطالب، سقطت الحمالة ورد الجعل. وأما إن تحمل بجعل يأخذه من المطلوب بغير علم الطالب، فالجعل ساقط، والحمالة لازمة. قاله مطرف وابن الماجشون، وابن وهب وأصبغ في الواضحة، وابن

стр. 5306

القاسم فيهما، وفي كتاب ابن المواز وكذلك إذا التزم العهدة عن البائع للمشتري، بجعل يأخذه من المشتري، أو من البائع، بعلم المشتري، فالجعل مردود والالتزام ساقط، فترجع العهدة على البائع. وأما إن كان الجعل من البائع بغير علم المشتري، فالجعل مردود، والالتزام لازم. فقوله في هذه الرواية: وما أخذه من ذلك رده إلى صاحبه، وكانت التباعة على من كانت عليه، معناه عندي: إذا علم المشتري بما عاقده البائع عليه، وأما إن لم يعلم بذلك، فمن حجته أن يقول: أنا لم أشتر إلا أن تكون تباعتي وعهدتي عليك، فلا أرضى أن تكون على البائع. وقوله في آخر المسألة: وإنما هو بمنزلة رجل باع من رجل سلعة إلى آخر قوله، تنتظر صحيح؛ لأن هذه المسألة التي ذكرها أشبه بمسألة التزام العهدة عن البائع على جعل، من مسألة الحمالة بالجعل؛ لأنه يرجع في الحمالة بما أدى، ولا يرجع في هاتين المسألتين بما يؤدي. وقد مضى في رسم سلم دينارا في ثوب إلى أجل، من كتاب السلم والآجال، تحصيل القول في المشتري يشترط العهدة فيما اشترى، على البائع الأول، وفي حكم التولية والشركة في ذلك، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. [مسألة: أحاله بحق له على رجل وتبين أنه لم يكن للغريم قبله ذلك المال] مسألة وقال مالك فيمن أحال رجلا بحق له على رجل، ثم تبين له أنه لم يكن للغريم قبله ذلك المال كله الذي أحاله به عليه قال: يكون ماله قبله حولا، وما بقي حمالة، يتبع بهما الغريم أيهما شاء. قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية الحوالة على غير أصل دين كالحمالة، فقال: إن له أن يتبع أيهما شاء، على قول مالك الأول في أن

стр. 5307

للذي له الدين في الحمالة أن يتبع أيهما شاء، وفي ظاهر ألفاظ المدونة في هذا اختلاف، مرة قال: إن ذلك كالحمالة، ولا سبيل له إلى المحال عليه، حتى يوجد للغريم مال، على قول مالك الثاني الذي اختاره ابن القاسم. ومرة قال: يبدأ بالذي أحيل عليه. فإن أفلس رجع على الذي أحاله، وذهب ابن الماجشون إلى أنه لا رجوع له عليه بحال، كالحوالة على أصل دين، وهو بعيد؛ لأنه إذا كان من حق المحال عليه أن يرجع على المحيل بما أدى عنه، فما الذي يمنع صاحب الحق أن يرجع عليه إذا فلس؟ فيتحصل في الحوالة على غير أصل دين أربعة أقوال؛ أحدها: إن له أن يأخذ أيهما شاء، وهو قول مالك في هذه الرواية، والثاني: إنه لا سبيل له إلى المحال عليه، إلا في عدم المحيل، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة على ما اختاره من قول مالك في تفدية الغريم بالغرم على الحميل في الحمالة. والثالث عكس هذا القول؛ لأنه لا سبيل له إلى المحيل، إلا في عدم المحال عليه. وهو أحد القولين الظاهرين من المدونة ومن قول مالك وابن القاسم في المسألة التي بعد هذا. ووجهه، أنه جعل لفظ الحوالة كشرط التبدئة في الحمالة، والقول الرابع: إنه لا رجوع له على المحيل بحال، كالحوالة على أصل دين. وهو قول ابن الماجشون. وبالله التوفيق. [مسألة: أحال غريما على عبده أو مكاتبه فأفلس أو عجز] مسألة وقال مالك فيمن أحال غريما على عبده أو مكاتبه، فأفلس أو عجز، يرجع على السيد، فيقتضي منه حقه. قال ابن القاسم: وذلك إذا أحاله من غير دين يكون للسيد عليهما، فأما إن كان عليهما دين، والعبد مأذون له في التجارة، فليس له أن يرجع على سيدهما؛ لأن دين عليهما كأنه على أجنبي يحاص الغرماء بما

стр. 5308

كان له عليهما، إذا أفلسا أو ماتا، وكذلك قال مالك في العبد المأذون له في التجارة: إن سيده يحاص بما كان عليه للغرماء، وإذا لم يكن له عليهما دين يجال به، فهما بمنزلة الحميلين. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم. وذلك إذا أحاله من غير دين يكون للسيد عليهما، مفسر لقول مالك، وفي قول مالك: فأفلس أو عجز إنه يرجع على السيد، فيقضي منه حقه دليل على أنه لا رجوع له عليه، إلا أن يفلس أو يعجز، وذلك خلاف قول ابن القاسم في آخر المسألة. وذلك إذا لم يكن له عليهما دين أحال به فهما بمنزلة الحميلين؛ لأنه إذا كان عنده بمنزلة الحميلين، فلا شيء للغريم المحال عليهما، إلا في عدم السيد المحيل له، على ما اختاره من قولي مالك، أو يكون له أن يأخذ من شاء منهما على قول مالك الأول، وما تقدم من قوله في المسألة التي قبل هذا. وقد مضى القول على ذلك، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. [رهن رهنا وضعه على يدي رجل وأبى الذي وضع على يديه أن يتحمل بالحق] ومن كتاب أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك عن رجل رهن رهنا وضعه على يدي رجل، وأبى الذي وضع على يديه أن يتحمل بالحق، إلا أنه كتب عليه في آخر الكتاب: وعلى فلان إذا طلب فلان ماله، فإن على فلان أن يأتيه به سالما من كل علقة أو تبعة، بنقص حقه من كل أحد من الناس، أتراها حمالة؟ قال: نعم هي حمالة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الذي أباه أولا قد رجع إليه آخرا بما كتب عليه في آخر الكتاب، وأشهد به على نفسه، مما لا معنى له سوى الضمان. وقد مضى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، القول في إذا

стр. 5309

قال: أنا ضامن لرهنك، ولما نقص من رهنك، ولرهنك ولما نقص من حقك. فتأمله، فإن فيه تمام هذه المسألة. وبالله التوفيق. [يشتري الجارية من الغريب فإذا كان بعد يوم أو يومين سأله المعرفة] ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك عن الرجل يشتري الجارية من الغريب، فإذا كان بعد يوم أو يومين، سأله المعرفة. قال مالك: ليس ذلك له، إلا أن يشترط ذلك عند بيعه. ثم قال: أرأيت أهل منى أيراد منهم معرفة؟ ليس ذلك عليهم. قال محمد بن رشد: معنى قوله: سأله المعرفة أي سأله أن يأتيه بمن يعرفه، مخافة أن يكون قد غصبه الجارية، أو يفتات على صاحبها في بيعها، أو تواطأ معها على بيعها وهي حرة، وما أشبه ذلك، فلم أنظر هذا الوجه. وذلك يلزمه أن يشترط ذلك عليه عند البيع. واستدل على ذلك بالعرف الجاري في أن أهل البادية يأتون بالإبل والغنم، فيبيعونها ولا يكلفون حميلا بمعرفتهم، إذ لا يجدون من أهل الحاضرة من يعرفهم. فقد دخل معهم المشتري على الجهل، وكذلك أهل منى وهم الحاج الذين يقدمون مكة؛ من جميع الآفاق، فلا يكلفون حميلا بمعرفتهم، إذ لا يجدون من أهل مكة من يعرفهم، إلا أن يشترط ذلك عند البيع، فإن اشترط ذلك على أحد منهم عند البيع، أعطاه حميلا بوجهه. قال ذلك ابن دحون، وفي ذلك من قوله نظر؛ لأن حمل الوجه لا يلزمه إلا إحضار الوجه، وقد يكون هذا الذي سرق الجارية أو غصبها، أو افتات على صاحبها في بيعها، أو تواطأ معها على بيعها، وهي حرة وما أشبه ذلك، فلا يكون له منفعة في إتيانه به معدما، وهو لما اشترط المعرفة فقد اشترط الثقة، فيلزمه عندي أن يعطيه حميلا بوجهه، إن لم يكن هو المعتدي فيها، وبالمال إن كان هو السارق لها والمتعدي فيها.. ولو قال له رجل عند البيع: اشتر منه فإنه ثقة، ولم يلزم له

стр. 5310

ضمان، فوجد سارقا لها، لجرى ذلك على الاختلاف في الغرور بالقول، هل يضمن به أو لا؟. وبالله التوفيق. [كانت له دنانير على رجل قد حلت ولغريمه مثلها دنانير على رجل إلى شهر] ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسئل مالك عن رجل كانت له دنانير على رجل قد حلت، ولغريمه مثلها دنانير، على رجل إلى شهر. قال مالك: إن كانت قد حلت فلا بأس به أن يتحول على غير غريمه إلى أجل، وإن كان حقه إلى أجل، فأراد أن يحيله على رجل بدين له عليه. حال. قال مالك: لا أحب ذلك، إلا أن يحتال بما قد حل من دينك فيما حل وفيما لم يحل، ولا يحتل بما لم يحل فيما قد حل وفيما لم يحل، قال ابن القاسم: وقال مالك: احتل بما قد حل من دينك، فيما حل وفيما لم يحل، ولا يحتل بما لم يحل فيما قد حل، وفيما لم يحل. قال ابن القاسم يريد دنانير من دنانير، وثيابا من ثياب تشبه صفته التي حل له، فأما إن كان من غير صفته بذلك الدين، فالدين لا يحل على حال من الحال. قال الإمام القاضي؟ قول ابن القاسم في هذه المسألة: يريد دنانير من دنانير أو ثيابا من ثياب.، تشبه صفته التي حل له، فأما إن كانت من غير صفته، فذلك الدين بالدين لا يحل على حال من الحال. تفسير لقول مالك لأن الحوالة بيع من البيوع، إلا أنها خصصت من عموم «نهي النبي ﷺ "عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق إلا مثلا بمثل يدا بيد» ومن عموم

стр. 5311

نهيه عن الدين بالدين بقوله ﷺ «ومن اتبع على ملي فليتبع» لما كانت على سبيل المعروف، وكما خصصت الشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل والموزون، من عموم نهيه عن بيع الطعام قبل أن يستوفى لما كان على سبيل المعروف، فإن دخل الحوالة وجه من وجوه المكايسة، رجعت إلى الأصل فلم تجز. والحوالة جائزة في جميع الديون إذا تساوت في الوزن والصفة، وحل الدين المحال به؛ لأنه إن لم يحل كان ذمة بذمة، ويدخله ما نهى عنه من الكالئ بالكالئ، إلا أن يكون الدين الذي ينتقل إليه حالا، ويقبض ذلك مكانه قبل أن يفترقا، مثل الصرف فيجوز ذلك، وسواء كانت الديون من بيع أو قرض أو تعد، إلا أن يكونا جميعا طعاما من سلم، فلا تجوز الحوالة بأحدها على الآخر، حلت الآجال أو لم تحل، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى استوت رؤوس أموالهما أو لم تستو، خلافا لأشهب في قوله: إذا استوت رؤوس أموالهما، جازت الحوالة وكانت تولية، فإن كان أحدهما من قرض والآخر من سلم، لم تجز حوالة أحدهما في الآخر، حتى يحلا جميعا عند ابن القاسم. وأجاز ذلك من سواه من أصحاب مالك، إذا حل المحال به، بمنزلة إذا كانا جميعا من سلف، وينزل المحال في الدين الذي أحيل به، منزلة من أحاله، ومنزلته في الدين الذي أحيل به، فيما يريد أن يأخذ به منه أو يبيعه به من غيره. وقد شرحنا هذا في كتاب المقدمات. وبالله التوفيق.

стр. 5312

[مسألة: كان له على غلام لرجل دين وكان قد تحمل به سيده فباعه] مسألة وسئل مالك عن رجل كان له على غلام لرجل دين، وكان قد تحمل به سيده، فباعه، وانتزع ماله، فقال غريمه لسيده: اقض حقي قد بعت الغلام، قال: ليس ذلك له حتى يبلغ الأجل، وليس له أن يعطيه قبل الأجل. قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: القياس، لا يجوز له نزع ماله؛ لأنه للغرماء ولهم مقال، يقولون: نخاف أن تفلس أنت، وإنما يجوز أن يبيعه بماله ويتبع الغرماء ذمته وماله، كأن بائعه يشترط أن عليه دينا فيما في يديه، فإذا حل الأجل قبض الغرماء دينهم مما في يد العبد، فإن بقي لهم شيء، رجعوا به على بائعه؛ لأنه تحمل به، فإن كان عديما اتبعوا بذلك من شاءوا: العبد أو السيد. وقول ابن دحون صحيح، ولو لم يتحمل به سيده، لم يكن له أن ينتزع ماله إن كان العبد مأذونا له في التجارة؛ لأن من استدان المأذون به في التجارة من دين، يكون فيما كان بيده من المال، قبل أن يأذن له في التجارة. وفيما بقي في يديه بعد خراجه، فليس له أن ينتزع ذلك منه ويبطل الدين، إذ ليس له أن يسقطه عن ذمته. وأما إن كان غير مأذون له في التجارة، فلسيده أن ينتزع ماله؛ لأن ما استدان العبد المحجور عليه من دين بغير إذن سيده، فله أن يسقط ذلك من ذمته، وإذا كان له أن يسقط من ذمته، فأحرى أن يكون له انتزاع ماله. وقول ابن القاسم في المدونة: إن ما لزم ذمة العبد، لا يكون فيما بقي في يديه بعد خراجه، وإنما يكون فيما وهب له أو تصدق به عليه، أو أوصي له به فقبله، معناه: في العبد الذي لم يؤذن له في التجارة، وفيما لزم ذمته مما ليس لسيده أن يسقطه عنه؛ لأن ما لسيده أن يسقط عنه عن ذمته، لا يؤخذ مما وهب له، أو تصدق به عليه، إلا بإذنه، فإن لم يسقط ذلك عن ذمته حتى يعتق، أتبع به دينا بعد العتق. والمأذون له في التجارة، ويكون ما لزم ذمته فيما بقي في

стр. 5313

يديه من عمله بعد خراجه إن كان سيده استعمله بخراج معلوم يؤده إليه. فقف على الفرق في هذا بين المأذون له في التجارة وغير المأذون له فيها، وعلى الفرق في غير المأذون له في التجارة بين أن يكون ما لزم ذمته مما للسيد أن يسقط ذلك عنها، أو مما ليس له أن يسقط ذلك عنها. وسيأتي في رسم إن خرجت من سماع عيسى مسألة من معنى هذه. سنتكلم عليها إذا وصلنا إليها إن شاء الله وبه التوفيق. [يبيع من الرجلين السلعة ويكتب عليهما أن عليهما حقه ثم سافر أحدهما ومات الآخر] ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما مال وقال مالك في الرجل يبيع من الرجلين السلعة، ويكتب عليهما أن عليهما حقه، أيهما شاء، أخذ بحقه حيهما عن ميتهما، ثم سافر أحدهما ومات الآخر، قال مالك: أرى أن يأخذ صاحب الدين من مال الميت حقه كله، ويتبع الورثة الآخر بما عليه. قال مالك: ولو أن الميت لم يكن له مال، فأراد صاحب الحق أن يأخذ من الباقي حصته الذي مات، لم يكن له حتى يحل حقه، إنما هو حميل، وليس لورثة الميت أن يأخذوا منه شيئا حتى يحل أجله. قال ابن القاسم: وذلك رأيي. قال محمد بن رشد: قوله: يبيع من الرجلين السلعة، معناه: إلى أجل، على ما ظهر من جوابه في المسألة. وقوله: إذا مات أحدهما أن صاحب الدين يأخذ من مال الميت حقه كله، صحيح؛ لأن النصف عليه في خاصته، فيحل عليه بموته باتفاق، والنصف هو به حميل، فيحل عليه بموته على ما في المدونة. وفي ذلك اختلاف، روى ابن وهب عن مالك، أنه يوقف حق الطالب من مال الميت، فإذا حل الأجل قبضه إن لم يأت الغائب، فإن أتى رد نصف ما أوقف على الورثة،

стр. 5314

وودى الغائب النصف، وذلك إذا رضي الطالب بذلك. هذا نص رواية ابن وهب عن مالك في هذه المسألة، وفي قوله فيها: يوقف حق الطالب من مال الميت نظر؛ لأن الذي يوجبه النظر ويقتضيه القياس، أن يأخذ نصف حقه معجلا، وهو الذي يجب له على الميت في خاصة نفسه، ويوقف النصف الثاني، وهو الذي يجب عليه بالضمان، حتى يحل الأجل، فإذا حل قبضه إن لم يأت الغائب، فإن أتى رد ما وقف على الورثة، وودى ذلك الغائب وقوله. وذلك إذا رضي بذلك الطالب صحيح، إذ من حقه أن يأخذ ما وقف له، إذا حل الأجل، وإن أتى الغائب وكان مليا، لشرطه أن يأخذ أيهما شاء بحقه. وقوله في الرواية: ولو أن الميت لم يكن له مال، فأراد صاحب الحق أن يأخذ من الباقي حصة الذي مات، لم يكن ذلك له، حتى يحل حقه، هو نص ما في المدونة من أن الكفيل، لا يحق عليه الحق بموت المتكفل به المطلوب، ولا اختلاف في هذا أحفظه، وإنما الاختلاف هل يحل على الرجل بموته ما عليه من الكفالة الموجبة؟ حسبما ذكرناه وقوله في آخر المسألة: وليس لورثة الميت أن يأخذوا منه شيئا حتى يحل أجله، راجع إلى قوله في المسألة الأولى: ويتبع الورثة الآخر بما عليه، فلو اتصل به لاستقام الكلام، وارتفع الإشكال. وبالله تعالى التوفيق. [كانت له عند رجل مائة درهم فسأله أن ينظره ويتحمل له بها حميل] من سماع أشهب وابن نافع رواية سحنون من كتاب أوله بيع ثم كراء قال سحنون: سمعت أشهب وابن نافع يقولان: سئل مالك عمن كانت له عند رجل مائة درهم، فسأله أن ينظره ويتحمل له بها حميل. قال: لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: معناه: إذا كان مليا والوجه في جواز ذلك أنه لو شاء أخذ حقه منه معجلا، فإذا أخذه على أن يتحمل له به حميل، أو يعطيه

стр. 5315

به رهنا، فذلك بمنزلة أن لو أسلفه إياه ابتداء، على أن يأخذ منه به حميلا أو يرهنه به رهنا، ولو كان معسرا، إن قام عليه، لم يجد عنده إلا بعض حقه، لما جاز أن يؤخره بالجميع، على أن يعطيه به حميلا أو رهنا؛ لأنه يصير سلفا جر منفعة، إذ لو لم يؤخره وقام عليه بحقه، لوجب أن يؤخره ببعضه؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فيصير إنما أخره بما كان يجد عنده من حقه، لو قام عليه على أن يعطيه رهنا أو حميلا بالباقي، وذلك لا يجب عليه، وقد وقع في رسم البيوع من سماع أشهب، من كتاب المديان والتفليس، مسألة قال فيها بعض الشيوخ: إنها معارضة لهذه، وليست بمعارضة لها؛ لأن المعنى فيهما مختلف. وقد بينا ذلك هنالك، وبالله التوفيق. [مسألة: قال الحميل أنا أتحمل لك وتضع عشرة دراهم] مسألة قلت: أرأيت لو قال الحميل أنا أتحمل لك، وتضع عشرة دراهم؟ قال: لا يصلح ذلك، بمنزلة أن لو قال: أعطني عشرة دراهم من دينك وأنا أتحمل لك، قال: لا يصلح، وذلك ذمة بذمة. قال محمد بن رشد: الجواب في هذه المسألة صحيح والتعليل فاسد، إذ ليس ذلك ذمة بذمة، إنما هو غرر وجعل على سلف، قد يكون ولا يكون، إذ لا فرق بين أن يتحمل الحميل على عشرة يشترطها لنفسه أو لغيره؛ لأنه إذا فعل ذلك، كان قد أخذ العشرة لنفسه، أو لمن يشترطها له، على أن يؤدي عن المطلوب الحق، إن طلب به على وجه السلف عنه، ثم يرجع به عليه، وذلك ما لا يجوز باتفاق. وقد مضى في أول مسألة من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب،

стр. 5316

الحكم في ذلك إذا وقع فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [له عليه ذكر حق فسأله بيعا فأبى إلا بحميل فجاءه بحميل ثم مات الغريم] ومن كتاب الأقضية قال: وسئل فقال له: كان لي على رجل ذكر حق فسألني بيعا فأبيت إلا بحميل، فجاءني بحميل، فكتبت حمالته، وكتبت عليهما ذكر حق، أيهما شئت أن آخذ بحقي أخذته، ثم مات الغريم، فبعت كل شيء هو له، حتى استوفيت ثلثي مالي عليه، ثم سألني ورثته أن أحلله ففعلت، ثم ذهبت أن أتقاضى الحميل، ما كان يحمل لي به، فقال: ليس لك علي شيء قد.... حتى حللت الذي تحملت لك به، فقال مالك: أرى أن يكون ما قد وصل إليك من المالين جميعا، يعني بالحصص، وتحلف بالله ما وضعت إلا للميت، ثم تكون على حقك. محمد بن أحمد: هذه مسألة حايلة إذ لا يصح أن يسقط الدين عن المحمول عنه، ويبقى على الحميل؛ لأن الحميل إنما يؤدي عن المحمول عنه ما يجب عليه ويتبعه به، فإذا أسقط الدين عنه، سقط عن الحميل، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: إنه إنما ألزمه اليمين، من أجل الدين الذي كان له بغير حمالة، فيحلف أنه ما حلله إلا من دينه الذي كان بغير حمالة، قال: ولو كان الدين كله بحمالة، فأخذ بعضه، وحلل الميت من الباقي، لم يكن له تبع على الحميل، إذ لا حجة له ها هنا، أن

стр. 5317

يقول: إنما حللته من ديني الذي كان بغير حمالة، وهو تأويل تصح عليه المسألة، فينبغي أن تحمل عليه، وإن كان بعيدا من ظاهر لفظها، إذ يقتضي أنه حلل الميت من جميع ما بقي له من دينه، ما كان منه بحمالة، فالظاهر من قول مالك: إنه حلفه أنه لم يرد إلا تحليل الميت لا تحليل الحميل، لا على أنه أراد تحليل الميت من بعض الورثة دون بعض وبالله التوفيق. [مسألة: كان له ذكر حق على رجل إلى أجل فأخذ منه به حميل] مسألة وسئل عمن كان له ذكر حق على رجل إلى أجل، فأخذ منه به حميلا، فلما حل الأجل، أخر غريمه بحقه عليه سنة مستقبلة فقال الحميل لصاحب الحق: قد انفسخت حمالتي، أخرته عن الأجل الذي تحملت لك إليه، أيفسخ ذلك الحمالة؟ فقال: لا والله الحمالة عليه كما هي، من تحمل له، لم يقدر أن ينظر غريمه، قيل له: يقول له الحميل: أنت أهلكت حقك، وأنظرته سنة حتى أفلس، وذهب ما في يديه، فقال: من تحمل له لم يستطع أن ينظر غريمه عليه الحمالة لو شاء هو قام عليه. قال محمد بن رشد: هذه المسألة أصلها في المدونة ووقعت ها هنا. وفي رسم أوله عبد ابتاعه من سماع يحيى بعد هذا، وفي ظواهر ألفاظها في المواضع المذكورة اختلاف. وتحصيل القول فيها: إن المطلوب إذا أخره الطالب، فلا يخلو من أن يكون مليا أو معدما، فإن كان معدما، لم يكن للكفيل في ذلك كلام، ولزمته الحمالة قولا واحدا، وهو نص قول غير ابن القاسم في المدونة. وإن كان مليا فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها أن يعلم بذلك فينكر، والثاني أن يعلم بذلك فيسكت، والثالث ألا يعلم بذلك حتى يحل الأجل الذي أنظره إليه، فأما

стр. 5318

إن علم بذلك فأنكر، فلا تلزمه الكفالة. ويقال للطالب: إن أحببت أن تمضي التأخير على ألا كفالة لك على الكفيل، وإلا فاحلف أنك ما أخرته إلا أن يبقى الكفيل على كفالته، فإن حلف لم يلزمه التأخير، وإن نكل عن اليمين لزمه التأخير، والكفالة ساقطة على كل حال. هذا مذهب ابن القاسم في المدونة. وإن كان سكت فيها عن اليمين. وقد قيل: إن الحمالة ساقطة بكل حال، وهو قول الغير في المدونة. وقيل: إنها لازمة بكل حال. ففي هذا الموضع على ما بيناه ثلاثة أقوال. وأما إذا علم بذلك حتى حل الأجل، فسكت، فالحمالة لازمة له. قاله في المدونة. وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وفي سماع يحيى بعد هذا. ويدخل في هذا الاختلاف المعلوم في السكوت، هل هو كالإقرار أم لا؟ وأما إن لم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فيحلف صاحب الحق ما أخره ليبرأ الحميل من حمالته، وتلزمه الحمالة، فإن نكل عن اليمين سقطت الحمالة. وهذا كله في التأخير الكثير، وأما التأخير اليسير، فلا حجة فيه للكفيل، وأما تأخير الكفيل فإنه تأخير عن الذي عليه الأصل، إلا أن يحلف أنه لم يرد تأخير الذي عليه الأصل، فإن نكل عن اليمين لزمه التأخير. هذا كله في المدونة وبالله التوفيق. اللهم لطفك. [باع سلعة بعشرين دينارا وأعطاه بها كفيلا وكتب أيهما شاء أخذ بحقه] من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: سألت ابن القاسم عن رجل باع سلعة بعشرين دينارا، وأعطاه بها كفيلا، وكتب أيهما شاء أخذ بحقه، ثم إن صاحب الحق أمر الكفيل بقبض الكفيل ذلك الحق، فقبضه ثم زعم أنه ضاع، قال: إن كان شرط أيهما شاء أخذ بحقه أخذه، فهو والبيع سواء، فإن كان ذلك منه على وجه الوكالة، يقول: اشهدوا أني قد وكلته بما عليه يأخذه، فهو في الحمالة يبرأ وفي البيع يبرأ من

стр. 5319

نصف الحق؛ لأن المبتاع يقول: لا أدفع إليك ما يصيبني لأني أخاف أن تأكله وتفسده، فأتبع به، فإذا دفع إليه على وجه الوكالة من صاحب الحق فقد برئ، وإن كان قال على غير وكالة: خذ لي حقي على وجه التقاضي، لم يقل على وجه الوكالة، فهما ضامنان جميعا. قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، لإجمالها ونقصان بعض وجوهها، فلا بد من بيان ما أجمله فيها، وإتمام ما نقصه منها. فقوله فيها: إن كان اشترط أيهما شاء أخذ بحقه أخذه، فهو والبيع سواء. معناه: أن الشرط في ذلك عامل، يكون له أن يأخذ بها الغريم المبتاع، فيستويان في وجوب الغرم على كل من طلب منهما، وإن افترقا في حكم الرجوع؛ لأن الكفيل يرجع بما أدى؛ لأنه أدى عن غيره، والمتابع لا يرجع بشيء لأنه أدى عن نفسه، وإعمال الشرط هو المشهور المعلوم من مذهب ابن القاسم، وقد روي عنه أنه لا يجوز إلا في القبيح المطالبة. أو ذي السلطان وقد تؤول عليه أنه إنما أعمل الشرط على عمومه من غير استثناء، إذا كانت الحمالة في أصل البيع، وبالاستثناء إذا كانت الحمالة بعد عقد البيع والأظهر أن ذلك اختلاف من قوله، وابن كنانة وابن الماجشون وأشهب لا يعملون الشروط بحال. فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: إعمال الشرط، وإبطاله، والفرق بين أن تكون الحمالة في أصل البيع وبعده، والفرق بين أن يكون الغريم ممن يتعذر الاقتضاء منه أو لا يتعذر، فإن كان ذلك منه على وجه الكفالة فهو في الحمالة يبرأ، يريد: يبرأ من الجميع، وهو صحيح؛ لأنه وكيل للطالب، فهو مصدق على ما يدعي من التلف مع يمينه إن اتهم كالمودع، وإذا صدق فيما يدعي من التلف، كانت المصيبة من الطالب، فيبرأ المطلوب وسقطت الكفالة. وهذا إذا كانت له بينة على معاينة الدفع، فلا يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف. ولا اختلاف في هذا إلا أن يدخل فيه الاختلاف بالمعنى من مسألة

стр. 5320

اللؤلؤ من كتاب الوكالة من المدونة، وإنما اختلف إذا عدم الدفع هل له أن يرجع على القابض أم لا؟ فقال مطرف.: يرجع عليه لأنه فرط في دفع ذلك إلى الذي وكله حتى تلف. وقال ابن الماجشون: لا يرجع عليه حتى يتبين منه تفريط، وهذا إذا قامت على الوكالة بينة، وأقر بها الموكل. وأما إن ادعاها الوكيل، فقيل: القول قوله، وقيل القول قول الوكيل. وقوله في البيع: يبرأ من نصف الحق؛ لأن المبتاع يقول: لا أدفع إليه ما يصيبني، لأني أخاف أن يأكله أو يفسده، فاتبع به، فإذا دفعه إليه على وجه الوكالة من صاحب الحق، فقد برئ، إشارة منه إلى مسألة لم يتقدم لها ذكر، وهو أن يبيع الرجل السلعة من رجلين، على أن واحدا منهما حميل بما على صاحبه، وله أن يأخذ من شاء منهما بجميع حقه، ولذلك قال: إنه إذا قبض لعدمها الحق كله من صاحبه وعلى سبيل الوكالة من الطالب البائع، يبرأ الدافع إليه من نصف الحق، وهو ما ينوبه منه في خاصته من أصل الدين؛ لأنه دفع إلى وكيل الطالب فيبرأ بدفعه إليه، وإن ادعى تلفه إذا كانت له بينة على معاينة دفعه إليه، على ما بيناه. يريد: ويرجع عليه بالنصف الثاني؛ لأنه أداه عنه بالحمالة إلى الطالب إذا دفعه إليه. وهو وكيل: فصدق فيما ادعاه من تلفه، وكانت مصيبته من الموكل الطالب. وقوله: وإن كان قال على غير وكالة، أخذ لي حقي على وجه الوكالة، فهما ضامنان جميعا، معناه: يضمن كل واحد منهما لصاحبه، فيرجع الطالب على الدافع، ويرجع الدافع على القابض، وإن أراد الطالب أن يرجع على القابض، وترك الدافع كان ذلك له. وإن أراد أن يأخذ من كل واحد منهما ما له عليه، وهو نصف الحق، كان ذلك له؛ لأن كل واحد منهما حميل بصاحبه، وله أن يأخذ من شاء منهما بجميع حقه، فإن رجع على القابض لم يكن أن يرجع على أحد، وإن رجع عليهما جميعا رجع الدافع على القابض بما رجع به عليه، وإن كان قبض أحدهما على وجه الرسالة من الدافع، والمصيبة منه بعد يمين القابض على ما ادعاه من التلف، ويبقى الحق عليهما على ما كان قبل.

стр. 5321

فقف على افتراق هذه الوجوه الثلاثة وهي: أن يقبض أحدهما الحق كله على وجه الوكالة من الطالب، أو على وجه الرسالة من الدافع أو على وجه الضمان. وبالله التوفيق. [مسألة: ضمن عليه طعاما فأتى الحميل إلى الغريم فقال له قد لزمت بما ضمنت] مسألة وعمن ضمن على رجل طعاما فيلزمه به، فأتى الحميل إلى الغريم، فقال له: قد لزمت بما ضمنت عنك، فأعطى دنانير، وقال: ابتع لي بها طعاما، واقضه ووكله، فقال: عندي طعام، أنا أبيعكه، آخذ لك من غلامي وهو يبيع في الساحل، فبعث إلى غلامه فكيل له. قال ابن القاسم: لا يحل حتى يستوفيه الضمين؛ لأنه الموكل، ويصير في ضمان الغريم، ثم يوفيه إياه. وأحب إلي أن لو وكل الغريم غيره يستوفيه منه، ولعل هذا بحوز، وما بحوز إلا رصها. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة، أن الطعام الذي ضمن من بيع لا من قرض؛ لأن الطعام القرض، لا يجوز أن يقضي مما ابتيع قبل أن يستوفي وأن الطعام للعبد لا لسيده الضمين، فهو مبتاعه منه للذي تحمل عنه، يدل على ذلك قوله: آخذ ذلك من غلامي؛ لأن المعنى في ذلك، أشتريه لك منه، فلا فرق على أصل مذهب مالك في أن العبد يملك بين أن يشترى له الطعام من عبد، أو من أجنبي، فلا يحل كما قال، أن يقضيه حتى يستوفيه من غلامه بالكيل، فيصير في ضمان الغريم؛ لأنه وكيل له على ابتياعه له، وقضائه عنه. فيده في ذلك كيده. وقوله في أول

стр. 5322

المسألة: عندي طعام أنا أبيعكه، بحوز في الكلام نسب طعام عبده إلى نفسه، لعلمه أنه لا يخالفه في ابتياعه منه. وأنه يملك انتزاعه منه إن شاء. واستحب أن يوكل الغريم غيره، مراعاة لقول من يقول: إن العبد لا يملك، وأن الطعام للسيد، فكأن الغريم اشتراه منه، فلا يجوز أن يقضيه حتى يستوفيه منه بالكيل، ولو كان الطعام للضامن على ما وقع في سماع أبي زيد، فاشتراه منه المضمون بدنانير فدفعها إليه، لما حل للضامن أن يقضيه عنه، حتى يكتاله له، فيصير في ضمانه. قال: ذلك له في سماع أبي زيد، وضعفه. ومعناه: بعد أن يوكله بعد اكتياله له من نفسه، واختار أن يوكل غيره، وفي جواز قضائه عنه بعد كيله له بتوكيله إياه على ذلك، اختلاف، أجاز ذلك في السلم الثاني في المسألة التي قال فيها: كله لي في غرائرك، أو في ناحية بيتك، ومنع من ذلك في كتاب السلم الثالث، فقال: لا يجوز أن يوكل الذي ﵇ بقبضه. قال بعض شيوخ القرويين: وإنما يجوز أن بيعه بقبضه على القول بجواز ذلك إذا قامت بينة على اكتياله، ولا يصدق في ذلك إن كان الضمان يرتفع عنه إذا هلك في الوجهين جميعا. وليس قوله عندي بصحيح، بل الخلاف القائم من المدونة في ارتفاع الضمان عنه بقوله: قد كلته وإن لم تقم على ذلك بينة تدخل في جواز بيعه بذلك وبالله التوفيق. [مسألة: تحمل عن رجل بحمالة فقال المتحمل تحملت لك بألف درهم] مسألة وقال في رجل تحمل عن رجل بحمالة، فقال المتحمل: تحملت لك بألف درهم، وقال صاحب الحق: لا بل بخمسمائة دينار. وصدق الغريم الذي عليه الحق صاحب الحق، قال ابن القاسم: يحلف الحميل أنه ما تحمل له إلا بألف درهم، فإذا حلف أخذ من الحميل الألف الدرهم التي أقر بها، فباع بدنانير، فإن بيعت بثلاثمائة دينار، اتبع صاحب الحق الذي عليه الحق بمائتين بقية الخمسمائة دينار، ويرجع الحميل على الغريم بثلاثمائة دينار

стр. 5323

ثمن دراهمه التي بيعت، فيشتري له بها دراهم، فإن بلغت الألف درهم فبسبيل ذلك، وإن زادت فالزيادة للغريم الذي عليه الحق، فإن نقصت حلف الذي عليه الحق للحميل، أنه ما تحمل عنه إلا بخمسمائة، فإن نكل حلف هذا الحميل وأخذ. قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، والذي يوجبه القياس فيها والنظر، أن يحلفا جميعا، يحلف الحميل ما تحمل إلا بألف درهم، ويحلف صاحب الحق أنه تحمل عنه بخمسمائة دينار، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين، كان الجواب فيها على ما ذكر. إلا فيما قال في آخر المسألة: إن الذهب التي ابتيعت بالدراهم، إن نقصت عن الألف درهم، فنكل الذي عليه الحق عن اليمين، أنها تحمل عنه إلا بخمسمائة دينار، يحلف الحميل، ويأخذ، لا يحتاج إليه إذا حلفا جميعا؛ لأنه قد حلف مرة، فلا يلزمه أن يحلف ثانية، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما، إن صدقه الذي عليه الحق، وأما إن كذبه، فيحلف على ما أقر به، ويشتري به للحميل ما أدى، فإن كان في ذلك زيادة، رجعت الزيادة إليه، وإن كان فيه نقصان لم يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن الدراهم إذا أخذت من الحميل، إنما تباع على ملكه، ومصيبتها منه إن تلف والأجر إن احتيج في تصديقها إلى أجر عليه، فلا يصلح أن يفعل هذا كله، إذا حلف أنه لم يتحمل عنه إلا بألف درهم، حتى يحلف صاحب الحق أنه ما تحمل عنه بخمسمائة دينار. [مسألة: تحمل له رجل بحمالة وقال تحملت لك بألف إردب قمح] مسألة وقال في رجل تحمل له رجل بحمالة وقال: تحملت لك

стр. 5324

بألف إردب قمح، وقال صاحب الحق: لا بل الخمسمائة دينار. وقال الغريم الذي عليه الحق: إنما تحمل عني بألف درهم، قال ابن القاسم: يأخذ من الغريم ألف درهم، فيجعلها قضاء عن الحميل، فينظر كم ثمنها قمحا؟ وكم تبلغ من القمح؟ فإن بلغت مائة إردب، أخذ من الحميل تسعمائة إردب، تمام الألف إردب التي أقر بها، ثم يباع ذلك كله بدنانير فيوفي صاحب الحق الخمسمائة، قال: فإن نقص عن الخمسمائة دينار، لم يكن له على الحميل أكثر منها، وإن زادت على خمسمائة إردب ردت إلى الحميل. قال محمد بن رشد: قوله: وإن نقصت عن خمسمائة، لم يكن له على الحميل أكثر منها، يريد: ولم يكن له ولا للحميل رجوع على الغريم المطلوب بشيء؛ لأنه إنما أقر بألف درهم، وقد غرمها، فهي مصيبة دخلت عليه، وسكت في هذه المسألة عن ذكر الأيمان ولا بد منها؛ لأن من نقص منهم من حقه شيء، فله أن يحلف على من يدعي عليه، فوجه الحكم فيها أن يحلفوا كلهم، وحينئذ يكون ما قال، يحلف الغريم المطلوب الذي عليه الحق، أنه ليس عليه إلا ألف درهم، ويحلف الحميل أنه لم يتحمل إلا بألف إردب قمحا، ويحلف الطالب صاحب الحق أنه لم يتحمل له إلا بخمسمائة دينار، فإن حلفوا أو نكلوا، كان الحكم في ذلك على ما قاله في الرواية، وإن نكل الذي عليه الحق، وحلف الطالب والحميل، لزمه ما حلف عليه الطالب، وكان الحكم بين الطالب وبين الحميل على ما ذكره في الرواية، وإن نكل الطالب لم يكن له على المطلوب الغريم، إلا ما حلف عليه ولا على الغريم الحميل، إلا ما حلف عليه، وإن نكل الحميل لزمه ما حلف عليه الطالب، ولم يكن له أن يرجع على الذي عليه الحق، إلا بما حلف عليه. وبالله التوفيق. اللهم لطفك.

стр. 5325

[يعطي الرجل دينارا في دينارين إلى شهر ويتحمل له رجل بالدينارين] ومن كتاب العرية وسئل ابن القاسم عن الرجل يعطي الرجل دينارا في دينارين إلى شهر، ويتحمل له رجل بالدينارين، هل على الحميل شيء؟ قال: إن كان علم بمحلهما وحضره فعليه الدينار الذي أعطاه وإن كان لم يعلم، وإنما جاءه وقال: تحمل عني لهذا بدينارين إلى شهر، ولا يعلم عملهما، ثم علم، فلا شيء عليه؛ لأنه يقول: لو علمت لم أتحمل لك ولم أدخل في الحرام، قيل له: فإن كان أعطاه دينارا في دراهم إلى شهر، وتحمل له رجل بالدراهم، قال: هو مثله أيضا إن لم يعلم فلا شيء عليه، وإن كان علم، قيل له: أخرج الدراهم التي تحملت له بها، فاتبع له بها ديناره، واتبع أنت صاحبك بالدراهم، قيل له: فإن كانت الدراهم أكثر من ثمن الدينار، أو لا تبلغ ثمن الدينار، قال: أما إن كانت أكثر اشترى دينارا بما كان أقل من ثمن الدينار، اتبع له بها ما بلغت من أجزاء الدينار، واتبع هو صاحبه بما بقي له من ديناره، ويتبعه الحميل بالدراهم، قيل له: فلو أن رجلا كان له على رجل دينار، فحوله في زيت إلى شهر، وتحمل له رجل بذلك الزيت إلى شهر قال: هو مثله أيضا إن كان لم يعلم، فلا شيء عليه، وإن كان علم، خرج الزيت فيبيع له منه بدينار فقضاه ديناره واتبع هو صاحبه بالزيت. قال: وإن ناسا ليقولون، وهم أهل العراق، ينتقض ويسقط عن
следующие страницы →