Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
فقف على افتراق هذه الوجوه الثلاثة وهي: أن يقبض أحدهما الحق كله على وجه الوكالة من الطالب، أو على وجه الرسالة من الدافع أو على وجه الضمان. وبالله التوفيق.
[مسألة: ضمن عليه طعاما فأتى الحميل إلى الغريم فقال له قد لزمت بما ضمنت]
مسألة وعمن ضمن على رجل طعاما فيلزمه به، فأتى الحميل إلى الغريم، فقال له: قد لزمت بما ضمنت عنك، فأعطى دنانير، وقال: ابتع لي بها طعاما، واقضه ووكله، فقال: عندي طعام، أنا أبيعكه، آخذ لك من غلامي وهو يبيع في الساحل، فبعث إلى غلامه فكيل له. قال ابن القاسم: لا يحل حتى يستوفيه الضمين؛ لأنه الموكل، ويصير في ضمان الغريم، ثم يوفيه إياه. وأحب إلي أن لو وكل الغريم غيره يستوفيه منه، ولعل هذا بحوز، وما بحوز إلا رصها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة، أن الطعام الذي ضمن من بيع لا من قرض؛ لأن الطعام القرض، لا يجوز أن يقضي مما ابتيع قبل أن يستوفي وأن الطعام للعبد لا لسيده الضمين، فهو مبتاعه منه للذي تحمل عنه، يدل على ذلك قوله: آخذ ذلك من غلامي؛ لأن المعنى في ذلك، أشتريه لك منه، فلا فرق على أصل مذهب مالك في أن العبد يملك بين أن يشترى له الطعام من عبد، أو من أجنبي، فلا يحل كما قال، أن يقضيه حتى يستوفيه من غلامه بالكيل، فيصير في ضمان الغريم؛ لأنه وكيل له على ابتياعه له، وقضائه عنه. فيده في ذلك كيده. وقوله في أول
стр. 5322
المسألة: عندي طعام أنا أبيعكه، بحوز في الكلام نسب طعام عبده إلى نفسه، لعلمه أنه لا يخالفه في ابتياعه منه. وأنه يملك انتزاعه منه إن شاء. واستحب أن يوكل الغريم غيره، مراعاة لقول من يقول: إن العبد لا يملك، وأن الطعام للسيد، فكأن الغريم اشتراه منه، فلا يجوز أن يقضيه حتى يستوفيه منه بالكيل، ولو كان الطعام للضامن على ما وقع في سماع أبي زيد، فاشتراه منه المضمون بدنانير فدفعها إليه، لما حل للضامن أن يقضيه عنه، حتى يكتاله له، فيصير في ضمانه. قال: ذلك له في سماع أبي زيد، وضعفه. ومعناه: بعد أن يوكله بعد اكتياله له من نفسه، واختار أن يوكل غيره، وفي جواز قضائه عنه بعد كيله له بتوكيله إياه على ذلك، اختلاف، أجاز ذلك في السلم الثاني في المسألة التي قال فيها: كله لي في غرائرك، أو في ناحية بيتك، ومنع من ذلك في كتاب السلم الثالث، فقال: لا يجوز أن يوكل الذي ﵇ بقبضه. قال بعض شيوخ القرويين: وإنما يجوز أن بيعه بقبضه على القول بجواز ذلك إذا قامت بينة على اكتياله، ولا يصدق في ذلك إن كان الضمان يرتفع عنه إذا هلك في الوجهين جميعا. وليس قوله عندي بصحيح، بل الخلاف القائم من المدونة في ارتفاع الضمان عنه بقوله: قد كلته وإن لم تقم على ذلك بينة تدخل في جواز بيعه بذلك وبالله التوفيق.
[مسألة: تحمل عن رجل بحمالة فقال المتحمل تحملت لك بألف درهم]
مسألة وقال في رجل تحمل عن رجل بحمالة، فقال المتحمل: تحملت لك بألف درهم، وقال صاحب الحق: لا بل بخمسمائة دينار. وصدق الغريم الذي عليه الحق صاحب الحق، قال ابن القاسم: يحلف الحميل أنه ما تحمل له إلا بألف درهم، فإذا حلف أخذ من الحميل الألف الدرهم التي أقر بها، فباع بدنانير، فإن بيعت بثلاثمائة دينار، اتبع صاحب الحق الذي عليه الحق بمائتين بقية الخمسمائة دينار، ويرجع الحميل على الغريم بثلاثمائة دينار
стр. 5323
ثمن دراهمه التي بيعت، فيشتري له بها دراهم، فإن بلغت الألف درهم فبسبيل ذلك، وإن زادت فالزيادة للغريم الذي عليه الحق، فإن نقصت حلف الذي عليه الحق للحميل، أنه ما تحمل عنه إلا بخمسمائة، فإن نكل حلف هذا الحميل وأخذ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، والذي يوجبه القياس فيها والنظر، أن يحلفا جميعا، يحلف الحميل ما تحمل إلا بألف درهم، ويحلف صاحب الحق أنه تحمل عنه بخمسمائة دينار، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين، كان الجواب فيها على ما ذكر. إلا فيما قال في آخر المسألة: إن الذهب التي ابتيعت بالدراهم، إن نقصت عن الألف درهم، فنكل الذي عليه الحق عن اليمين، أنها تحمل عنه إلا بخمسمائة دينار، يحلف الحميل، ويأخذ، لا يحتاج إليه إذا حلفا جميعا؛ لأنه قد حلف مرة، فلا يلزمه أن يحلف ثانية، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما، إن صدقه الذي عليه الحق، وأما إن كذبه، فيحلف على ما أقر به، ويشتري به للحميل ما أدى، فإن كان في ذلك زيادة، رجعت الزيادة إليه، وإن كان فيه نقصان لم يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن الدراهم إذا أخذت من الحميل، إنما تباع على ملكه، ومصيبتها منه إن تلف والأجر إن احتيج في تصديقها إلى أجر عليه، فلا يصلح أن يفعل هذا كله، إذا حلف أنه لم يتحمل عنه إلا بألف درهم، حتى يحلف صاحب الحق أنه ما تحمل عنه بخمسمائة دينار.
[مسألة: تحمل له رجل بحمالة وقال تحملت لك بألف إردب قمح]
مسألة وقال في رجل تحمل له رجل بحمالة وقال: تحملت لك
стр. 5324
بألف إردب قمح، وقال صاحب الحق: لا بل الخمسمائة دينار. وقال الغريم الذي عليه الحق: إنما تحمل عني بألف درهم، قال ابن القاسم: يأخذ من الغريم ألف درهم، فيجعلها قضاء عن الحميل، فينظر كم ثمنها قمحا؟ وكم تبلغ من القمح؟ فإن بلغت مائة إردب، أخذ من الحميل تسعمائة إردب، تمام الألف إردب التي أقر بها، ثم يباع ذلك كله بدنانير فيوفي صاحب الحق الخمسمائة، قال: فإن نقص عن الخمسمائة دينار، لم يكن له على الحميل أكثر منها، وإن زادت على خمسمائة إردب ردت إلى الحميل.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن نقصت عن خمسمائة، لم يكن له على الحميل أكثر منها، يريد: ولم يكن له ولا للحميل رجوع على الغريم المطلوب بشيء؛ لأنه إنما أقر بألف درهم، وقد غرمها، فهي مصيبة دخلت عليه، وسكت في هذه المسألة عن ذكر الأيمان ولا بد منها؛ لأن من نقص منهم من حقه شيء، فله أن يحلف على من يدعي عليه، فوجه الحكم فيها أن يحلفوا كلهم، وحينئذ يكون ما قال، يحلف الغريم المطلوب الذي عليه الحق، أنه ليس عليه إلا ألف درهم، ويحلف الحميل أنه لم يتحمل إلا بألف إردب قمحا، ويحلف الطالب صاحب الحق أنه لم يتحمل له إلا بخمسمائة دينار، فإن حلفوا أو نكلوا، كان الحكم في ذلك على ما قاله في الرواية، وإن نكل الذي عليه الحق، وحلف الطالب والحميل، لزمه ما حلف عليه الطالب، وكان الحكم بين الطالب وبين الحميل على ما ذكره في الرواية، وإن نكل الطالب لم يكن له على المطلوب الغريم، إلا ما حلف عليه ولا على الغريم الحميل، إلا ما حلف عليه، وإن نكل الحميل لزمه ما حلف عليه الطالب، ولم يكن له أن يرجع على الذي عليه الحق، إلا بما حلف عليه. وبالله التوفيق. اللهم لطفك.
стр. 5325
[يعطي الرجل دينارا في دينارين إلى شهر ويتحمل له رجل بالدينارين]
ومن كتاب العرية وسئل ابن القاسم عن الرجل يعطي الرجل دينارا في دينارين إلى شهر، ويتحمل له رجل بالدينارين، هل على الحميل شيء؟ قال: إن كان علم بمحلهما وحضره فعليه الدينار الذي أعطاه وإن كان لم يعلم، وإنما جاءه وقال: تحمل عني لهذا بدينارين إلى شهر، ولا يعلم عملهما، ثم علم، فلا شيء عليه؛ لأنه يقول: لو علمت لم أتحمل لك ولم أدخل في الحرام، قيل له: فإن كان أعطاه دينارا في دراهم إلى شهر، وتحمل له رجل بالدراهم، قال: هو مثله أيضا إن لم يعلم فلا شيء عليه، وإن كان علم، قيل له: أخرج الدراهم التي تحملت له بها، فاتبع له بها ديناره، واتبع أنت صاحبك بالدراهم، قيل له: فإن كانت الدراهم أكثر من ثمن الدينار، أو لا تبلغ ثمن الدينار، قال: أما إن كانت أكثر اشترى دينارا بما كان أقل من ثمن الدينار، اتبع له بها ما بلغت من أجزاء الدينار، واتبع هو صاحبه بما بقي له من ديناره، ويتبعه الحميل بالدراهم، قيل له: فلو أن رجلا كان له على رجل دينار، فحوله في زيت إلى شهر، وتحمل له رجل بذلك الزيت إلى شهر قال: هو مثله أيضا إن كان لم يعلم، فلا شيء عليه، وإن كان علم، خرج الزيت فيبيع له منه بدينار فقضاه ديناره واتبع هو صاحبه بالزيت. قال: وإن ناسا ليقولون، وهم أهل العراق، ينتقض ويسقط عن
стр. 5326
الحميل على كل حال، ولكن الذي يستحسن وآخذ به أن يكون عليه غرم الدينار، إذا علم؛ لأنه كأنه دخل في استهلاك شيء، فنحن نسقط عنه الحرام، ويغرم الذي دفع عنه صاحبه فقط.
قال الإمام القاضي: ظاهر قول ابن القاسم في رسم باع شاة بعد هذا: وكل حمالة كان أصل شرائها حراما، فليس على المتحمل مما تحمل شيء، مثل قول أهل العراق: إن الحمالة تبطل على كل حال، إذا كان أصل الشراء فاسدا ومثله في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك وهو قول ابن عبد الحكم: إن الحمالة ساقطة، علم الحميل بفساد البيع أو لم يعلم، ومثله في كتاب ابن المواز. قال: وكل حوالة وقعت على أمر حرام بين المتبايعين، في أول أمرهما أو بعد، فهي ساقطة، ولا يلزم الحميل بها شيء، علم المتبايعان بحرام ذلك أو جهلاه، علم العميل بذلك أو جهله، قال محمود: إن حرامه للبائع فيه عقد وسبب، وهو قول أشهب: إن الحمالة بالحرام، وبالأمر الفاسد باطل، بخلاف الرهن؛ لأن الرهن يجعل رهنا بالأقل، ووجه هذا القول، أن الذي تحمل به الحميل، وهو الثمن، لما سقطت عن المتحمل عنه، لفساد البيع، سقط عن الحميل. وفي المسألة قول ثالث: إن الحمالة لازم على كل حال، علم الحميل بفساد البيع أو لم يعلم. وهو قول ابن القاسم في آخر هذا الرسم، وقول غير ابن القاسم في المدونة، وقول سحنون في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب. ووجه هذا القول، أن الكفيل هو الذي أدخل المتحمل له، في دفع ماله للثقة به، فعليه الأقل من قيمة السلعة أو الثمن، للذي تحمل به. وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا كانت الكفالة في
стр. 5327
أصل البيع الفاسد، وإن كانت بعد عقد البيع الفاسد، فهي ساقطة قولا واحدا.
هذا تحصيل الحكم في الكفالة في اللزوم، إذا وقع الفساد بين المتبايعين، وأما إذا وقع بين الكفيل وبينهما، أو بينه وبين الطالب منهما، أو بينه وبين المطلوب فيهما بعلم الطالب، فالكفالة ساقطة، فإن وقع الفساد بين الكفيل والمطلوب، بغير علم الطالب لزمت الحمالة، وقد مضى هذا المعنى في أول مسألة من الكتاب في الحمالة بالجعل. وبالله التوفيق.
[مسألة: لزم رجلا بدنانير له عليه فقضاه رجل عنه فيها دراهم]
مسألة وعن رجل لزم رجلا بدنانير له عليه، فقضاه رجل عنه فيها دراهم، فما ترى على الغريم أن يقضي من قضى عنه الدنانير التي كانت له عليه والدراهم التي قضاها عنه؟ قال ابن القاسم: لا يجعل هذا أن يقضي رجل عن رجل دراهم، ويأخذ منه دنانير، وإن كان قال: اقضه دنانير فأعطاه فيها دراهم، فله دنانير، وإن كان صالح صاحب الحق بدنانير يدفعها عنه، فإنما يرجع أيضا عليه بدنانير، وعن رجل لزم رجلا فصالح من قمح، فقضى رجلا عنه ثمرا قال: هذا مثل الأول، فإن كان إنما أحاله على رجل بقمح يعطيه إياه، فأعطاه فيه ثمرا صالحه عليه، فليس له أن يرجع عليه إلا بثمر، وذلك إذا كان له من سلف، فإن كان من بيع باعه أو ابتاعه، فإن ذلك لا يحل، يأخذ فيه ثمرا إن كان من بيع أو ابتياع، فإن كان القمح سلفا فصالحه على ثمر يسلفه من إنسان، وأمره أن يدفعه إليه، فإنما له ثمرا.
стр. 5328
قال محمد بن رشد: سؤاله في أول هذه المسائل عمن قضى عن رجل بغير أمره دراهم عن دنانير لغريمه، هل يقضي من قضى عنه الدنانير التي كانت عليه أو الدراهم التي قضاها عنه؟ فلم يجبه على ذلك بجواب بين، إذ عدل في الجواب عما سأله عنه، إلى ما قاله من أنه لا يحل أن يقضي رجل عن رجل دراهم ويأخذ منه دنانير، والجواب البين في ذلك أن يرجع على الذي قضاه بما دفع إليه من الدراهم، وتبقى الدنانير عليه لصاحب الحق كما كانت؛ لأنه قضاء فاسد، ولا اختلاف في هذا عندي إذا قضاه بغير أمره، وإنما اختلف إذا أمره أن يقضي عنه دنانير لغريمه، فقضاه دراهم أو أمره أن يقضيه قمحا فقضاه ثمرا هل يرجع عليه بما أمره به من الدنانير والقمح بما دفع من الدراهم والثمر؟ فقال: إنه يرجع بما ابتاع من القمح والدنانير، ومرة جعله مصالحا عن الذي عليه الحق بما دفعه إلى غريمه عنه من الدراهم أو الثمر فقال: إنه يرجع بالدراهم أو الثمن الذي دفع، إلا أن يشاء الآمر أن يدفع إليه ما كان عليه، يكون مخيرا في ذلك، وهو معنى قول مالك في كتاب المديان من المدونة؛ لأنه يربح في السلف، ولو بين، فقال:؟ أصارفك لنفسي في الذهب الذي لك بهذه الدراهم، وأنا أبتاع منك القمح الذي لك بهذا الثمر، لوجب أن يرجع بالدنانير وبالقمح قولا واحدا. وكذلك لو بين أيضا فقال: أنا أصالحك عن الذي عليه الدنانير والقمح، بهذه الدراهم، أو بهذا الثمر، لوجب أيضا أن يرجع بالدراهم والثمر قولا واحدا، إلا أن يشاء الآمر أن يدفع إليه ما كان عليه؛ لأن من حقه أن يقول: لا أرضى بهذا الصلح، إذ لم آمرك، فإنما يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى ما يحمل عليه الآمر عند الإبهام. ومن أهل النظر من ذهب إلى أن يجبر الآمر. قول ثالث في المسألة، وليس ذلك عندي بصحيح. وتحصيل الخلاف في المسألة في جواز القضاء فيها قولين، أحدهما: إنه لا يجوز، ويفسخ من
стр. 5329
أجل الخيار الذي للآمر، فلا يدري المأمور بما رجع، والثاني: إنه يجوز ولا يفسخ من أجل أنه خيار أوجبه الحكم، لم يدخلا عليه فلا تأثير له في صحة القضاء، فقوله في هذه الرواية ولو كان صالح صاحب الحق بدنانير يدفعها عنه، يريد: في دراهم عليه رجع عليه أيضا بدراهم صحيح، لا اختلاف فيه عندي لأنه قد بين أنه إنما دفع الدنانير عن الذي عليه الحق صلحا عنه فيما كان عليه من الدراهم، بخلاف المسألة التي قبلها، إذا قال له: اقضه عني دنانير، فأعطاه دراهم، تلك هي مسألة الخلاف، إذ لم يبين على أي وجه دفع الدنانير عن الدراهم؟، إن كان على وجه الصلح عن الآمر، وعلى وجه المصارفة لنفسه. وقوله فيمن لزم رجل بصاع من قمح، فقضى رجل عنه ثمرا إنها مثل الأول، يريد: إنها مثلها في أنه قضاء يجب فسخه على ما بيناه، من أجل أنه لم يأمر به. وقوله: فإن كان إنما أحاله على رجل بقمح يعطيه إياه فأعطاه فيه ثمرا صالحه عليه، فليس له أن يرجع عليه إلا بثمر، خلاف قوله في المسألة التي قبلها، وهي إذا قال اقضه عني دنانير فأعطاه بها دراهم، فله دنانير، إذ لا فرق بين أن يقضي دنانير عن دراهم، أو ثمرا عن قمح، إلا أن يفرق بينهما من أجل أنه في مسألة الدنانير مأمور لا حميل، وفي مسألة القمح حميل؛ لأنه لما أحاله عليه وهو لا دين عليه، كان حميلا. وقد فرق في المدونة في أحد أقاويله بين الحميل والمأمور، ووجه الفرق بينهما أن الحميل إنما تحمل على أن يؤدي إلى الطالب ماله على المطلوب ويتبعه بما أدى على أن يشتري ما للطالب على المطلوب، فيتبع به المطلوب، فوجب أن يحمل أمره عند الإبهام على ما علم من قصده أو لا. فيتحصل في المأمور والكفيل يدفع أحدها دنانير عن دراهم، أو دراهم عن دنانير، أو قمحا عن ثمر أو ثمرا عن قمح ثلاثة أقوال: أحدها: أن يرجع على المطلوب بما أدى إلى الطالب، إلا أن يأبى المطلوب أن يعطي إلا ما عليه، والثاني: أن يرجع عليه بما كان للطالب عليه. والثالث: الفرق بين الكفيل والمأمور، فيرجع الكفيل على المطلوب بما أدى إلى الطالب، ويرجع المأمور عليه بما كان للطالب عليه.
стр. 5330
وقوله في الرواية: وإن كان القمح من بيع باعه أو ابتاعه فإن ذلك لا يحل أن يأخذ فيه ثمرا بين، لا إشكال فيه؛ لأنه، بيع الطعام قبل أن يستوفي. وأما قوله: فإن كان القمح سلفا، فصالحه على ثمر يسلفه من إنسان، وأمر أن يدفعه إليه، فإنما له ثمن، فلا اختلاف فيه؛ لأن المطلوب هو الصالح للطالب، المستسلف للثمر، فلا إشكال في أنه يرجع عليه بما أسلفه إياه من الثمر، ودفعه يأمره إلى الطالب، إلا أن الصلح لا يجوز، إلا أن يقبض التمر في الوقت ناجزا ولا يتأخر عن عقد الصلح. وقد قال ابن دحون فيها: إنه على قياس ما تقدم في الرجوع، يريد أنه يدخل فيها من الاختلاف في الربوع، ما دخل فيما تقدم. وليس ذلك بصحيح على ما بيناه. وبالله التوفيق.
[مسألة: تحمل عن رجل بثمن سلعة فوجد البيع فاسدا وقد فاتت السلعة]
مسألة وسئل عن رجل تحمل عن رجل بثمن سلعة فوجد البيع فاسدا وقد فاتت السلعة، فرجع بها إلى القيمة، هل يلزم الحميل شيئا؟ قال: الحميل ضامن فيما بينه وبين أن تبلغ القيمة الثمن الذي تحمل به، فإن زادت القيمة على الذي تحمل له، يلزمه أكثر مما تحمل به.
قال محمدا بن رشد: هذه مسألة مضى الحكم عليها مستوفى في أول هذا الرسم، فلا معنى لإعادة شيء منه. وبالله التوفيق.
[يتحمل بعشرة دنانير فيدفعها الذي عليه الحق إلى الحامل ليدفعها ولم يشهد عليه]
ومن كتاب أوصى لمكاتبه وسئل ابن القاسم عن الرجل يتحمل عن الرجل بعشرة دنانير، فيدفعها الذي عليه الحق إلى الحامل، ليدفعها إلى صاحب الحق، بحضرة الذي عليه، وبعلمه، ولم يشهد عليه، ثم يجحد الذي قبضها أن يكون قبض شيئا. قال: على الذي كانت عليه أن يغرمها
стр. 5331
ثانية؛ لأن التقصير جاء من قبله، إذ لم يشهد على براءة منها حين دفعها الحميل، وإن كان بعلمه وبحضرته. قال: ولو كان الحميل دفعها ولم يشهد ولم يحضر الذي عليه الحق حين دفعها الحميل، كان لها ضامنا؛ لأنه هو أهلكها حين لم يشهد على دفعها. ولو أن الحميل دفعها من ماله نفسه، بحضرة الذي عليه الحق، ثم جحد الذي قبضها أن يكون قبض شيئا والذي عليه الحق يشهد أنه قد دفعها إليه أخذت من الذي عليه الحق، إن كان موسرا ولم يتبعه الحميل بشيء من العشرة التي دفع، وكانت مصيبة العشرة الأولى من الحميل، ولو كان الذي عليه الحق دفعها بحضرة الحميل، ولم يشهد، ثم جحد الذي قبضها، فإنها تؤخذ منه ثانية إن كان موسرا، أو إن كان معسرا أو غائبا فأخذت من الحميل، لم يرجع الحميل على الذي عليه الحق، بقليل ولا بكثير؛ لأنها مظلمة دخلت عليه. وهو يعلم أن الذي عليه الحق قد دفعها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الحميل إذا دفع العشرة إلى الطالب من مال المطلوب بحضرته دون إشهاد، فأنكر الطالب إنه لا ضمان في ذلك على الحميل الدافع؛ لأن التقصير كان من المطلوب الذي له المال إذا لم يشهد، بخلاف إذا كان الدفع بغير حضرته صحيحا، على معنى ما في كتاب القراض من المدونة من المقارض يدفع ثمن سلعة اشتراها إلى البائع بحضرة رب المال، فيجحد البائع الثمن، فلا ضمان على الدافع، وغرمها المطلوب ثانية، بعد عين الطالب الجاحد، فإن كان عديما أو غائبا فأخذت من الحميل ثانية، لم يرجع الحميل بها على المطلوب، لعلمه أنه لا شيء قبله، كما كان إذا دفعها المطلوب من ماله بحضرة الحميل، فجحدها الطالب، فأخذت من الحميل ثانيا لعدم المطلوب، ولقيمته إنه لا يرجع بها على المطلوب، لعلمه أنه قد أداها فلا شيء عليه منها، وهو على قياس رواية عيسى عن ابن
стр. 5332
القاسم في رسم استأذن من سماعه من كتاب الاستحقاق، في الذي يستحق من يديه العبد وهو يعلم أنه من تلاد البائع، إنه لا رجوع له عليه، فيدخله في الخلاف ما في تلك، حسبما مضى القول فيه هناك، وإن دفعه بغير حضرته، فهو ضامن لرب المال، ويسوغ له تضمينه، وإن علم أنه جحد أنه أتلفه عليه، إذ لم يشهد على دفعه. وأما إذا دفع الحميل العشرة من ماله إلى الطالب بحضرة المطلوب، ولم يشهد، فجحد القابض، فقال في هذه الرواية: إن مصيبة العشرة الدنانير من الحميل الدافع لها؛ لأنه هو أتلفه على نفسه، إذ لم يشهد على دفعها، فلا يرجع بها على المطلوب، وتؤخذ العشرة من المطلوب، فإن لم تؤخذ منه على قوله، وأخذت من الحميل ثانية، رجع بها على المطلوب. وقال في سماع أبي زيد: إنه إن أخذت من الحميل ثانية بحضرة المطلوب أيضا، رجع عليه بعشرين، فإن لم تؤخذ منه ثانية على قوله، وأخذت من المطلوب، رجع بالعشرة الأولى على المطلوب. والمعنى فيما ذهب إليه في رواية أبي زيد هذه، أنه رأى أن التقصير في ترك الإشهاد على الدفع، كان على المطلوب، إذا أداها بحميل عنه بحضرته إلى الطالب، فجحدها؛ لأن تلفها كان منه، بتضييعه الإشهاد، فوجب أن يرجع بها عليه. ورأى في رواية عيسى عنه، أن التقصير في ترك الإشهاد على الدافع، كان من الحميل؛ لأن المال ماله، لا من المطلوب الحاضر، فلم ير له بها عليه رجوعا من أجل أنه هو أتلفها على نفسه، وهو الأظهر؛ لأن المال ماله، فهو أحق بالإشهاد على دفعه من المطلوب، وإن كان حاضرا. فهذا معنى اختلاف قول ابن القاسم في هذه المسألة. وقد ذهب بعض الناس إلى أن رواية أبي زيد تأتي على قياس قول ابن وهب وأشهب في سماع عبد الملك بعد هذا، إلا أنه أرجع الحميل على المطلوب بما أدى عنه، وإن علم أنه لا يجب عليه شيء، من أجل أنه أدى عنه بعلمه ما تحمل به عنه بأمره، كما أرجع ابن وهب وأشهب، الحميل على صاحبه بما تحمل عنه بأمره، وإن علم أن ذلك لا يجب عليه، وأن رواية عيسى في هذه المسألة،
стр. 5333
تأتي على قياس روايته في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق، في الذي يستحق العبد من يده، وهو يعلم أنه من بلاد البائع، إنه لا رجوع له عليه بشيء من الثمن الذي دفع إليه. وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأن اختلاف قول ابن القاسم في رواية عيسى وأبي زيد عنه في هذه المسألة، إنما هو مبني على الاختلاف فيمن تعين عليه الإشهاد منهما، على الدافع، حسبما ذكرناه. وأما قول أشهب وابن وهب في سماع عبد الملك، فليس بمخالف لشيء من ذلك؛ لأنها مسألة أخرى لا يتصور إلا دخول الاختلاف فيها عندي. حسبما نبينه في موضعه إذا مررنا به. وبالله التوفيق.
[قال لعبده إن جئتني بخمسين دينارا فأنت حر فتحمل بها رجل للسيد]
ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل عن رجل قال لعبده: إن جئتني بخمسين دينارا فأنت حر، فتحمل بها رجل للسيد، وعجل له العتق. قال: حمالته ثابتة تلزمه؛ لأنها حمالة في حرمة ثبتت، بمنزلة من قال لرجل: أعتق عبدك، ولك علي خمسون دينارا إلى أجل، فدلك الحق يلزمه. قيل له: أيرجع الحميل على العبد؟ قال: نعم ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، مثل ما في المدونة من أن الحمالة للسيد بكتابة مكاتبه، لا تجوز، إلا أن يعجل العتق، فإن فعل فأدى عنه كان له أن يرجع عليه. وبالله التوفيق.
[مسألة: اشترط على الحميل أن حقي عليك لست منه في شيء]
مسألة قال: إذا اشترط على الحميل أن حقي عليك، لست منه في شيء، أو كتب عليهما، إن حقه عليهما جميعا، حيهما عن ميتهما، وأيهما شاء أخذ، كان حقه لازما للحميل، وإن كان
стр. 5334
الغريم مليا، فليأخذ من الحميل جميع حقه إن شاء، وإن لم يكن كذلك. قال مالك: بدئ بمال الغريم، إلا أن يكون الغريم غائبا أو مفلسا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا اشترط على الحميل، إن حقي عليك لست منه في شيء، معناه: أنه اشترط على الحميل أن حقه عليه. وقال للذي عليه الأصل: لست أنت منه في شيء، أي لا شيء عليك منه. وإذا قال ذلك له، فقد أبراه مما كان عليه، لاشتراطه إياه على الحميل، فمساواته بين ذلك وبين أن يشترط أن حقه عليهما جميعا حيهما عن ميتهما، وأيهما شاء، مثل رواية مطرف عن مالك في الواضحة خلافا لما في المدونة في إبراء الغريم، واشترط حقه على الحميل؛ لأن الظاهر من قوله فيها: إنه لا رجوع له عليه بحال. وقد قيل: إن معنى قوله: إنه لا رجوع عليه، إلا أن يموت الحامل أو يفلس، على ما روى ابن وهب عن مالك. وقال ابن الماجشون شرطه باطل، ولا يعدى عليه حتى يبلى الغريم. وهذا الاختلاف عندي إنما هو إذا أبرأ الطالب الغريم من أن يكون عليه رجوع، أو تباعة، وأن الحميل يرجع عليه بما أدى عنه، وأما إن وقع الشرط على ألا تباعة لواحد منهما قبله. فقد أسقط الدين عنه ولم يكن لواحد منهما رجوع ولا تباعة قولا واحدا. وقد يحتمل أن يكون معنى ما تكلم عليه ابن القاسم، أنهما أبرآه جميعا، فيكون قد تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه مالك في رواية ابن وهب. وبالله التوفيق.
[مسألة: حميل قال حقك علي ودع صاحبك]
مسألة قال ابن القاسم كل حميل قال: حقك علي، دع صاحبك لا تكلمه، فإن الحق عليه، وإن كان الذي عليه الحق مليا، كان
стр. 5335
صاحب الحق مخيرا فيه، وفي الحميل إذا قال حقك علي، مثل أن يقول صاحب الحق للذي عليه الحق: أنا أخاف شغبك وكلامك، فقال الحميل: حقك علي، لا تكلمه فإن الحق على الحميل وإن كان الغريم مليا.
قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة، كالقول في التي قبلها سواء، لاتفاقهما في المعنى، وإن اختلف اللفظ. وبالله التوفيق.
[تحمل بوجه رجل إلى أجل فمات المتحمل به وهو مع صاحبه قبل الأجل]
ومن كتاب سلف دينارا في ثوب قال ابن القاسم: من تحمل بوجه رجل إلى أجل فمات المتحمل به، وهو مع صاحبه في البلد الذي هو له قبل الأجل، فلا شيء على المتحمل؛ لأنه حين مات قبل الأجل، لم يلزمه من حمالته شيء، حتى يطلبه، وإن مات بغير البلد الذي تحمل به فيه قبل الأجل، وكان المكان لو كان حيا لم يأت به حتى يمضي الأجل، فهو ضامن له، وكذلك لو مات بعد الأجل بغير البلد، كان ضامنا له، طلبه أو لم يطلبه؛ لأنه لو طلبه منه لم يقدر على أن يأتيه به. قال ابن القاسم: وكل ما قلت لك من خلاف هذه المسألة فيها، فدعه، وخذ بهذا. وإن مات بغير البلد قبل الأجل، وكان فيما بقي من الأجل ما يأتي به فيه، فلا شيء عليه. قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتحمل بوجه الرجل إلى أجل، فيموت المتحمل به قبل الأجل أو بعده، قال: إن كان حاضرا أو مات في الحضر، فلا شيء على الحميل، وإن كان غائبا فمات نظر، فإن كان بموضع لو كلف أن يأتي به أتاه به في الأجل أو بعده بشيء، لم يكن على الحميل غرم، وإن كان بموضع لو كلفه أن يأتي به لم يأت
стр. 5336
إلا إلى أبعد من الأجل بكثير فأراهُ ضامنا.
قال الإمام القاضي: رواية سحنون عن ابن القاسم، في أنه إن مات قبل الأجل من غير البلد بموضع لو كلفه أن يأتي به لأتى به في الأصل أو بعده بشيء، يريد: بمقدار مكان يتلوم له فيه لو طلبه لم يكن عليه غرم، وإن كان بموضع لو كلفه الإتيان به إلى أبعد من الأجل بكثير، فأراه ضامنا، يحمل على التفسير لرواية عيسى عن ابن القاسم هذه، ولما حكى ابن حبيب عنه في الواضحة من رواية أصبغ. ومثل هذا في كتاب ابن المواز وهذا كله خلاف لما في المدونة من قوله: وإن أخذ الحميل بالغريم، والغريم غائب، فحكم على الحميل وأغرم المال، ثم طلعت للحميل بينة، أن الغريم كان ميتا قبل أن يحكم على الحميل، ارتجع ماله؛ لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ منه الحميل، لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تحمل بنفسه، وهذه نفسه قد ذهبت، فعلى مذهبه في المدونة، إذا مات لا يبالي حيث مات، تسقط الحمالة بموته، مات في مغيبه أو في البلد، وهو قول أشهب. وقد دل على اختلاف قوله في هذه المسألة قوله: وكل ما قلته من خلاف في هذه المسألة فدعه وخذ بهذا، ولو أتى الحميل بالغريم عند الأجل، والطالب غائب، لما برئ بإتيانه به حتى يجمع بينه وبين صاحبه، إلا أن يكون شرط عليه عند الحمالة أنك إن غبت ولم توكل من يقتضي مني، فلا حمالة لك علي، ويكون ذلك له إذا أحضره عند الأجل، ويرى من حمالته بإشهاده على إحضاره، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة. ولو لقي الحميل المتحمل مساء وصباحا حتى تمر به الأعوام، بعد حلول الأجل، لما برئ من حمالته إن غاب بعد، فطلبه به حتى شهد له بالبراءة من حمالته. رواه أصبغ عن ابن القاسم في بعض
стр. 5337
الروايات، وقد اختلف إذا غاب الغريم فقضي على الحميل بالغرم، فلم يؤخذ المال منه حتى أتى به، فقال في المدونة يغرم ما قضى عليه به، وقد مضى الحكم ومثله في العشرة لابن القاسم، وقال سحنون: إن أحضره قبل أن يغرم برئ. وبالله التوفيق.
[اشترى هو وغلامه سلعة من رجل إلى أجل وبعضهما حميل ببعض]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل ابن القاسم عن رجل اشترى هو وغلامه سلعة من رجل إلى أجل، وكتب عليهما جميعا حظه، وبعضهما حميل ببعض، فباع الرجل العبد قبل الأجل، هل يكون على سيد العبد أن يدخل له حميلا ما كان؟ وهل يحل عليه هذا الحق حين باع العبد؟ قال: ليس عليه شي. حتى يحل الأجل، وليس عليه أن يدخل له حميلا ما كان للعبد، وهو يبيع العبد حيث كان، فإن رضي المشتري أن يحسبه بما عليه من الحمالة، كان له البيع، وإلا رده، إلا أن يشاء بائع العبد أن يخرجه من ذلك العيب بالقضاء عنه، ويلزمه المشتري البيع، وذلك إذا لم يعلمه.
قال محمد بن رشد: لم ير أنه يجعل بيع العبد قبل الأجل ما تحمل به العبد عنه إلى الأجل، ولا أن يقيم له حميلا سواه، وهو كما قال؛ لأن حمالة العبد عن سيده لا تبطل عنه بيعه إياه؛ لأنه إن بين ذلك للمشتري لزمه، وإن كان لم يبين له به كان بالخيار بين أن يمسكه بما عليه من الحمالة، وبين أن يرده، وفي إجازة بيعه إياه نظر؛ لأنه بنفس البيع يكون منتزع المال، والعبد المأذون له بالتجارة إذا كان عليه دين، فليس لسيده أن ينتزع ماله؛ لأن انتزاعه إياه، إبطال للدين الذي في ذمته. فمعنى المسألة عندي أن العبد محجوز عليه؛ لأن ما لزم ذمة العبد المحجور عليه من الدين الذي لا يجوز
стр. 5338
للسيد أن يسقط ذلك من ذمته، كنحو هذا الدين الذي علم به فأمضاه، لا يكون إلا فيما وهب له أو تصدق به عليه، فيكون لسيده أن ينتزع ما سواه من ماله.
وقد مضى في رسم مرض من سماع ابن القاسم ما فيه بيان هذه المسألة. وبالله التوفيق.
[مسألة: يكون له عليه الحق إلى أجل فيتقارب الأجل فيريد الذي عليه الحق سفرا]
مسألة وسئل عن الرجل يكون له على الرجل الحق إلى أجل، فيتقارب الأجل، فيريد الذي عليه الحق سفرا، ويتعلق به صاحب الحق، ويقول له: إنك تريد سفرا، وأنا أخاف أن يحل أجل ديني، وأنت غائب، ولكن أعطني حميلا إن غبت عني يقوم لي بحقي. قال: ينظر في ذلك السلطان، فإن رأى الأجل سيحل قبل أن يقضي سفره لبعد المكان الذي يريد في مثل ما بقي من الأجل، كان عليه أن يعجل له حميلا، وإلا لم يكن عليه حميل، ويحلف بالله ما أريد إلا سفرا لمثل ما يخرج إليه من التجارة، وطلب الحوائج الغريبة مما يأتي في مثله ويخليه:
قال محمد بن رشد: لم يذكر في المدونة من كتاب السلم الثاني منها يمينه في هذه المسألة. وقال ابن أبي زيد في اختصاره لها: يريد: ويحلف في هذه المسألة والله أعلم. وكذلك لم يذكر يمينه في مسألة كتاب النكاح الثاني من المدونة في الزوج يريد سفرا، أنه ينظر إلى سفره الذي يريد، فيفرض لزوجته قدر ذلك، فيرجع إليها ويأتيها بحميل يجبر به لها، ومعناه بعد يمينه إن زعمت أنه يريد السفر إلى ما هو أبعد من ذلك. واليمين يمين تهمة، فيدخل في لحوقها ابتداء، وفي رجوعها إذا لحقت على القول بأنها تلحق ما يدخل في يمين التهمة، وقد ذكرنا ذلك في غير ما موضع. وبالله التوفيق.
стр. 5339
[أسلف دينارا إلى أجل واتخذ حميلا فلما حل الأجل قال الحميل ليس عندي]
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار قال: وكتب إلى ابن القاسم، قاضي الإسكندرية، يسأله عن رجل أسلف رجلا دينارا إلى أجل، وأخذ عليه حميلا، فلما حل الأجل لقي الرجل الذي عليه الدينار، فقال: اقضني الدينار، فقال ليس عندي، ولكن أجعله لك في عشرة أراديب شعيرا إلى الغلة.
وكتب عليه بها ذكر حق، ثم لقي الحميل، فقال له: قد بريت من الدين الذي تحملت لي به عن فلان، فأشهد له بالبراءة، حتى مضى له شهر، ثم رجع فقال: هذا مكروه، ولم أعلم، وتعلق بالحميل، أفله أن يرجع إليه أم لا؟ قال: ليس له أن يرجع على الحميل، وقد برأ الحميل من الحمالة، ولا ينفعه ما جعل من ذلك شيء، ولا ينفعه الحرام الذي جعل فيه، ويرجع على صاحبه، والحميل بريء.
قال محمد بن رشد: إنما بطلت عن الحميل بالدينار الحمالة، من أجل أن المتحمل أبرأه منها بما ظن من جواز فسخ الدينار في الشعير إلى أجل، فلم يعذره بالجهالة؛ لأنه أصل مختلف فيه، فيأتي على القول بأنه يعذر بها إذا كان ممن يمكن أن يجهل مثل هذا أن يحلف ما أبرأه من حمالة الدينار، إلا وهو يظن أن الدينار قد بطل عن المطلوب بالشعير، الذي سلمه فيه. وهذا نحو ما حكى ابن حبيب عن أصبغ في الحميل بما على الغريم إذا أخذ الذي له الحق من الغريم، عبدا بالحق، ثم استحق العبد من يده، فرجع إلى الغريم بما كان عليه، فلا سبيل له إلى الحميل، وقد برئ الحميل حين أخذ من الغريم بالحق ما أخذ. وبالله التوفيق اللهم لطفك.
стр. 5340
[قال أشهدكم من داين فلانا فأنا حميل بما بويع به]
ومن كتاب الثمرة قال: وقال مالك في رجل قال: أشهدكم من داين فلانا فأنا حميل بما بويع به، فأتاه رجل، فقال: إن على فلان حقا ولا بينة له عليه إلا إقرار من المتحمل به، وهو يقر أن له عليه حقا وليس لصاحب الحق عليه بينة، قال: لا يكون على الحميل غرم شيء مما أقر به المتحمل به، إلا ببينة تقوم لصاحب الحق على حقه عليه، وكذلك الرجل الذي يشكو الرجل عند القوم، أنه مطله، فيقول رجل: ما لك عليه، فهو علي، فيقر له الذي قبله الحق بألف دينار، أنه لا يجوز إقراره على الحميل، ولا يقبل قوله، ولا يكون له على الحميل شيء، إلا ما أثبت عليه بالبينة.
قال محمد بن رشد: قوله: في الذي قال: أشهدكم أنه من بايع فلانا فأنا حميل بما بويع به، إنه لا يلزمه الحمالة بالإقرار من المتحمل به، مثله في المدونة؛ لأنه قال فيها في الذي قال لرجل: بايع فلانا فما بايعته به من شيء، فأنا ضمين للثمن، إن الضمان يلزمه إذا أثبت ما بايعه به، إذ لا فرق بين المسألتين، وزاد غيره فيه على سبيل التفسير، وإنما يلزم من ذلك ما كان يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه، ولا اختلاف في ذلك عندي ولا في المسألة التي أدخلها عليها بقوله: وكذلك الرجل يشكو الرجل عند القوم، وقد مطله إلى الغرماء. وقد كان ممن أدركناه من الشيوخ، يذهب في هاتين المسألتين مخالفتان لما يدل عليه قوله في المدونة للذي يقول: لي على فلان ألف درهم، فيقول له رجل؛ أنا لك بها كفيل، فيجيء فلان، فينكر أنه لا شيء على الكفيل، إلا أن يقيم البينة على حقه؛ لأن الذي عليه الحق قد
стр. 5341
جحده، دليل على أنه لو أقر ولم يجحده للزم الحميل الحمالة، وليس ذلك عندي بصحيح، إلا أن المسألتين مفترقتان، وإذا قال الرجل: لي على فلان ألف دينار، فقال له رجل: أنا لك بها كفيل، ألزم الكفيل غرمها إذا أقر بها المطلوب، قولا واحدا. وإذا قال الرجل: لي على فلان حق، فقال له رجل: أنا لك به كفيل، فقال المطلوب: له علي ألف دينار، لم يلزم الكفيل غرم ألف بالكفالة، إلا أن يثبتها على المطلوب بالبينة قولا واحدا، بمنزلة من قال لرجل: أنا ضامن لما بايعت به فلانا، وأنا ضامن لما بويع به فلان، وإنما اختلف إذا قال لرجل: أنا كفيل لفلان بألف دينار له على فلان، على ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يلزمه غرمها بالكفالة، وإن أنكر المطلوب أن يكون له عليه شيء، وهو قول ابن القاسم في أول عبد أبتاعه من سماع يحيى بعد هذا، ومثله في كتاب ابن سحنون من سؤال ابن حبيب، قال في المدعي عليه ينكر الدين ويقر الحميل به: إنه يضمن ذلك ويؤديه، فإن كانت للمدعي بينة، فهل يقيمها ليطلب الغريم قبل الحميل، حتى يعوزه طلب الغريم؟ فقال: لا، وإنما يؤخذ الحميل من مثل هذا، فله أخذ الضامن بحقه عاجلا، ثم للضامن أن يقوم بتلك البينة على الغريم بما ضمن عنه. والقول الثاني: إنه لا يلزمه غرمها إذا كان منكرا، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. والقول الثالث: إنه يلزمه غرمها وإن كان هكذا، إذا كان معدما. وهذا القول يقوم من قول ابن القاسم في أول رسم من سماعه من كتاب الشهادات.
وقد مضى هناك وجهه وتحصيل القول في المسألة. وبالله التوفيق.
[يشتري اللحم بدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا فيغرم الحميل الدرهم]
ومن كتاب حبل حبلة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يشتري اللحم بدرهم من الجزار، ويعطيه به حميلا، فيغرم الحميل الدرهم إلى الجزار، هل
стр. 5342
يجوز له أن يأخذ بصاحبه بذلك الدرهم شيئا من الطعام قال لا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحميل لم يدفع طعاما، إنما دفع درهما، فجاز له أن يأخذ به طعاما، ولو أراد الجزار أن يأخذ بذلك الدرهم من الحميل طعاما لم يجز؛ لأنه دفع طعاما، فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من الذي أحاله حسبما يأتي القول عليه في سماع أصبغ بعد هذا إن شاء الله.
وقد زدنا هذا بيانا في أول سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال لتكرر المسألة هناك. والله الموفق.
[هلك وعليه دين لا يدري كم هو وقد ترك مالا من عين وعرض]
ومن كتاب الرهون وقال في رجل هلك وعليه دين لا يدري كم هو؟ وقد ترك مالا من عين وعرض، لا يدري كم هو؟ ولم يحصل ولم يعلم، فيقوم بعض ورثة الميت، فيقول لغرمائه: أنا أتحمل لك بجميع دينه على أن تخلوا بيني وبين جميع ما ترك، إن ذلك لم يزل من أمر الناس المعروف إذا كان ذلك من الحميل على وجه المعروف والتماس الخير للميت ولورثته، كان الحق الذي يحمل به على الميت نقدا أو إلى أجل. وتفسير ذلك أن يكون أمر الحميل والذي يجمع عليه، أنه إن كان فيما ترك الميت فضلا عن دينه. كان لجميع الورثة، ولم يكن للحميل من بين الورثة، وإن قصر المال
стр. 5343
عن قضاء الدين، كان على الحميل ما بقي من قضاء الدين بعد ذهاب المال خاصة دون الورثة، فإن كان هذا وجه اصنع، ودخل به الحميل في الحمالة، لم يكن به بأس، وإن كان إنما تحمل بالدين على أن يكون له ما فضل من المال بعد وفاء الدين خاصة، دون الورثة، لم يصلح؛ لأنه غرر، يحمل على أن يكون ضامنا بما نقص المال عن وفاء الدين، على أن يكون له ما زاد المال، فصار ذلك بيعا من البيوع، يحله ما يحل البيع، ويحرمه ما يحرم البيع، أو يكون يريد أن يأخذ تركة الميت على أن يضرب له أجلا مستأخرا، فيأخذ قليلا على أن يعطي أكثر منه إلى أجل، في ذلك ذهب وورق بأشياء غير مسماة ولا معلومة من تركة الميت، فيدخل في ذلك غرر عظيم، وبيع ما لا يحل بيعه متفاضلا إلا مثلا بمثل، ويدا بيد، ولا إلى أجل. ولا يرى ابن القاسم به بأسا، إن كان وارثا واحدا، لا وارث له غيره، إن ذلك لا بأس به، كذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة، أنه قال فيها: إنما جازت هذه المسألة على المسامحة، وبما جرت به عادة الناس، وأصلها ألا تجوز، لما فيها من المجهول. وقد تكررت في كتاب المديان، في رسم أخذ يشرب من سماع ابن القاسم. وفي رسم البيوع من سماع أشهب مضى الكلام عليها هناك مستوفى. وبالله التوفيق.
[مسألة: قال له أنا أضمن لك عقل جرحك فرجع إليه بعد ذلك وقال لا أضمن شيئا]
مسألة وقال في قوم كانت بينهم نائرة فخرج رجل منهم، فقال له رجل من الناس: أنا أضمن لك عقل جرحك هذا، وانطلق فرجع إليه بعد ذلك فقال: لا أضمن لك شيئا، فقال: ذلك له لازم، إذا كان على وجه الحمالة والإصلاح بين الناس، وكان صاحب الجرح
стр. 5344
قد قبل ذلك منه ورضي به، وإنما ذلك في الخطأ مما فيه دية أو عمد، اصطلحوا فيه على يديه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن ذلك لازم له، يريد في الحياة والموت، كان على وجه الحمالة وإصلاح، وكان صاحب الحق قد قبل ذلك ورضي به، والجرح خطأ مما فيه دية، أو عمد اصطلحوا فيه على دية. وإنما شرط في لزوم الحمالة رضاء صاحب الجرح بما دل عليه مساق اللفظ، من أنه إنما تحمل له بعقل الجرح عنهم، على أن يترك طلبه قبلهم، ولو كان هذا من التزامه الحمالة على غير هذا الوجه، مثل أن يقول في مغيبها شهدكم أني ضامن لفلان عقل جرحه، وتلزمه الحمالة وإن كان لم يقل قد قبلت ورضيت، إذا كان الجرح أيضا خطأ أو عمدا اصطلحوا على دية، ومعنى ذلك في العمد، إذا كان الجرح ليس له عقل مسمى وإنما فيه القصاص، وأما لو كان مما له عقل مسمى، كفقء العين، وقطع اليد، وجذع الأنف، وما أشبه ذلك، للزمت لما في ذلك الكفالة بدية العمد المعلومة في ذلك، ولم يكن له رجوع بها على الجاني، إذ لا يلزمه إلا برضاه، وكذلك لو ضمن رجل عن رجل مال حق عن جنايته على الناس، للزمه، قال ذلك أصبغ، حكى ابن حبيب عنه في الرجل يكون له الولد الفاسق المتعسف على الناس بالقتل وأخذ المال، فيأخذه في ذلك، ويريد عقوبته، فيقول له: لست بعائد إلى ذلك، وأنا أعطيك حملا يتحملون، كما اجترمته من قتل أو حد أو أخذ مال، فذلك عليهم، فيفعل، أرى ذلك لهم، ويؤخذون بكل ما يؤخذ به، إلا أنهم لا يقتلون بمن قتل. وفي قوله: إنهم يؤخذون بكل ما يؤخذ به، إلا أنهم لا يقتلون بمن قتل، إشكال فيحتمل أن يريد بذلك، أنه يؤخذ بكل ما اجترم من المال، ولا يؤخذ بالقتل ولا بالجراح، ويحتمل أنهم يؤخذون بالذمة بالقتل، ولا يقتلون، وكذلك الجراح، وهو الأظهر، فيكون
стр. 5345
المجني عليه بالخيار، بين أن يقتص منه، أو يأخذ الدية منهم بالضمان الذي التزموه؛ لأنه ترك عقوبته التي لعلها كانت تردعه بسبب ضمانهم. وبالله التوفيق.
[يتحمل عن ابنه لامرأته بصداقها فيغيب الزوج قبل أن يبتني بالمرأة]
ومن كتاب الجواب وسألته عن الرجل يتحمل عن ابنه لامرأته بصداقها، والرجل الأجنبي، يتحمل بمثل ذلك عن الأجنبي، فيغيب الزوج قبل أن يبتني بالمرأة، فيطلب أهل المرأة أخذ الصداق من الحميل. قال ابن القاسم: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة، وما أشبه ذلك، الذي ليس فيه ضرر، وبعث في الزوج وأتى به، فإن جاء فأعطاها الصداق، وإلا أخذ الحميل، وإن كانت غيبته بعيدة، أو لا يدري أين هو؟ ولا يعرف موضعه، أخذ لها من الحميل الصداق، ولم يضرب له أجل في ذلك، وإن جاء الزوج فطلق، رجع عليها بنصف الصداق، وهو إذ لم يعرف موضعه بمنزلة المفقود؛ لأن امرأة المفقود يتعجل صداقها وإن لم يكن دخل بها؛ لأن مالكا قال في امرأة المفقود، شيء هو لها واجب، فإن جاء الزوج فطلق، رجع بالنصف، وإلا فهو حق لها، قال: وإن طلبوا من الحميل بالصداق في مسألتك النفقة، فليس ذلك لهم عليك. وقد قال مالك في امرأة المفقود إن قدم زوجها وقد تزوجت: لم يرجع عليها بشيء، ولم يكن بنى بها وبه يأخذ عيسى، وليس من رواية عيسى. وفي رواية سحنون. قلت لابن القاسم: الرجل يفقد قبل دخوله بأهله، فيفرق بينهما بعد الاستقصاء، وتعطى صداقها كاملا، ثم تتزوج، فيأتيها زوجها قال: يرجع عليها بنصف صداقها.
стр. 5346
قال محمد بن رشد: قوله في الحميل بالمال إذا غاب المتحمل به: إنه يتلوم له في الغيبة القريبة الأيام، يريد اليومين والثلاثة، خلاف ما في سماع يحيى بعد هذا في رسم المكاتب، من أن الحميل بالمال لا يؤجل ولا يؤخر، وهو كالغريم بعينه، ولا اختلاف في هذا على اختلافهم في الحميل، هل يكون الطالب مخيرا فيه وفي الغريم، يتبع أيهما شاء؟ وإن كان الغريم مليا، أو لا يكون له على الحميل سبيل، إلا في عدم الغريم أو مغيبه، فرواية عيسى هذه على ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك ورواية يحيى على قول مالك الأول: إن الذي له الحق مخير في الغريم والحميل، يتبع أيهما شاء في اليسر والعدم، والغيب والحضور. وأما الحميل بالوجه، فإنه يتلوم له إذا حل الأجل. قال في المدونة: اليوم ونحوه. قال في كتاب ابن المواز: اليوم واليومين، قال في سماع يحيى بعد هذا: اليوم واليومين والثلاثة، وفي كتاب محمد بن المواز لابن وهب في حميل الوجه إذا غاب الغريم، إنه يقضي عليه بالغرم، ولا يضرب له أجل يطلبه، وهو بعيد؛ لأن الحميل بالوجه، يبدأ بإحضار الغريم، مليا كان أو معدما، والحميل بالمال، لا يبرأ بإحضار الغريم معدما. واختلف، هل يبرأ بإحضاره مليا؟ فعلى هذا الاختلاف يأتي الاختلاف في التلوم له الأيام اليسيرة، حسبما ذكرناه. وأما قوله: إن الحميل بالصداق يؤخذ بجميعه إذا غاب الزوج قبل البناء فهو صحيح، على قياس القول بأن المرأة يجب لها بالفقد جميع الصداق، ويسقط نصفه، إلا نصف الصداق ألا يقضي على الحميل إذا غاب الزوج قبل البناء إلا بنصفه، ويأتي على قياس القول بأن الصداق يجب على الزوج جميعه بالعقد وجوبا غير مستقر، فيستقر لها نصفه بالطلاق، وجميعه بالموت والدخول ألا يقضي على الحميل بشيء من الصداق إذا غاب الزوج قبل الدخول، حتى يأتي، فيطلق فيقضي عليه بالنصف، ويدخل فيقضي عليه بالجميع، وهو قول ابن الماجشون في امرأة المفقود قبل البناء، إنها لا يقضي لها بشيء من الصداق حتى يأتي وقت، لو قدم الأول، لم يكن له إليها
стр. 5347
سبيل، وهو أن يتزوج ويدخل بها الزوج، أو لا يدخل، على اختلاف قول مالك في المدونة. وقيل: إنه لا يقضي لها إلا بنصفه، فإن بلغ من السنين ما لا يحيى إلى مثلها، أو ثبتت وفاته ما بينه وبين أن تبين منه بالدخول أو التزويج، على الاختلاف المعلوم في ذلك، قضى له ببقيته. حكى هذا القول سحنون وابن الجلاب. والمشهور في المذهب قول ابن القاسم. وروايته عن مالك، أنه يقضي له بجميعه. واختلف قول ابن القاسم إن جاء زوجها بعد أن تتزوج ويدخل بها زوجها. ولا يدخل على اختلاف قول مالك في ذلك، فمرة قال: إنه لا يرجع عليها؛ لأنها قد انتظرته وضيق عليها، واعتدت منه، ومنعها النكاح، وهو قوله في رواية عيسى عنه. ومرة قال: إنه يرجع عليها، وهو الصحيح في النظر والقياس. وظاهر قوله في هذه الرواية إذا كان لها الصداق كاملا، فهو يعجل لها: إنه يعجل لها وإن لم يحل أجله، مثل قول أصبغ في الواضحة إن كالئها يحل، وهو الذي يدل عليه قول مالك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة، فإذا مضى لامرأته أربع سنين، وأربعة أشهر وعشر، أعطيت صداقها إن كان له قبله من حقها أن تأخذ صداقها إن كان حالا قبل ضرب الأجل وقبل العدة؛ لأنه دين من الديون، يحكم لها به دون تلوم إذا غاب غيبة بعيدة، وإن عرف حياته.
وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة، وفي سماع سحنون من كتاب النكاح. وبالله التوفيق.
[كان له عليه عشرة دنانير فقضاها إياه فذهب بها فألفاها قبيحة الوجه أو ناقصة]
من كتاب القطعان وقال ابن القاسم في رجل، كان له على رجل عشرة دنانير، فيأتيه يتقاضاه، فقضاها إياه، فذهب بها يرى وجوهها أو يزنها فألفاها قبيحة الوجه، أو ناقصة الوزن، فجاءه بها، فقال له: إنما أخذتها
стр. 5348
من فلان، فاذهب إليه بها، فإنه سيبدلها فانطلق بها، فوقعت منه بالطريق، فذهبت قال: إن كان قبضها منه ثم دفعها إليه فقال: اذهب بها إلى فلان ليبدلها لك، فضاعت، فمصيبتها من الذي عليه الحق، وإن كان لم يقبضها منه، فمصيبتها من الذي وقعت منه.
قال محمد بن رشد: لم ير أن تنتقل الدنانير من ذمة المقتضي لها من حقه إلى أمانته، بقول الدافع لها: اذهب إلى فلان ليبدلها لك، حتى يأخذها منه، ثم يردها إليه مرسلا له بها. ومثله من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي كتاب السلم الأول من المدونة في الذي يسلم الثوب في طعام يحرقه رجل في يديه قبل أن يقبضه المسلم إليه؛ لأنه قال فيه: إن كان إنما تركه وديعة في يديه بعدما دفعه إليه، فأرى قيمته على من أحرقه والمسلم على حاله. وعلى هذا يأتي قوله في كتاب القراض من المدونة، يضيع منه بعضه، فيخبر بذلك رب المال، فيقول: اعمل بما بقي في يديك قراضا، إنه على القراض الأول، وإن حضر المال وحاسبه، ما لم يدفعه إليه، ثم يرده عليه قراضا مستأنفا، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك، وربيعة، ومطرف، وابن الماجشون، والليث، وجماعة من أصحاب مالك، إلا ابن القاسم، فانه كان يشدد فيه ويقول: هو على القراض الأول حتى يدفعه إليه ثم يرده عليه، فيأتي على قوله في مسألتنا: إن الدنانير تنتقل من ذمة المقتضي لها إذا أحضرها بقول الدافع لها: اذهب بها إلى فلان، فإنه سيبدلها يأخذ منه في ذمته على حالها فتكون مصيبتها منه، وإن قامت بينة
стр. 5349
على تلفها، وتكون على حالها في يديه كالرهن، لا يضمنها إن قامت بينة على تلفها. والظاهر من المدونة أنها تبقى في ذمته على حالها، والأشبه على مذهبه في السلعة المحبوسة بالثمن، أنها تكون كالرهن في يديه؛ لأنها تشبهها، إذ قد التزم له أخذها على أن يعوضه منها، فيتخرج على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: إنها تنتقل إلى أمانته، فيصدق في تلفها، وهو الذي يأتي على ما حكاه ابن حبيب عن من ذكرناه، والثاني: إنها تبقى على حالها، فتكون مصيبتها منه، وإن قامت بينة على تلفها، والظاهر أيضا من هذه الرواية. والثالث الفرق بين أن تقوم بينة على تلفها، أو يدعي ذلك، ولا يعرف إلا بقوله، وهو الذي يأتي على القول بأن السلعة المحبوسة بالثمن كالرهن. وبالله التوفيق.
[نصراني سلف نصرانيا خمرا وتحمل له نصراني بالخمر فأسلم الحميل]
ومن كتاب باع شاة وسألته عن نصراني سلف نصرانيا خمرا أو خنازير، وتحمل له نصراني بالخمر والخنازير، فأسلم الحميل، وأعدم الذي عليه الحق، قال: فليس على الحميل الذي أسلم شيء، ويتبع النصراني غريمه النصراني. قال ابن القاسم: وكل حمالة كان أصل شرائها حراما فليس على المتحمل مما تحمل شيء.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول رسم العرية فلا وجه لإعادته. وبالله التوفيق.
[مسألة: كان له عليه صك بخمسين دينارا فتحمل عنه رجل ثم فلس]
مسألة وسألت عن الرجل كان للرجل عليه صك بخمسين دينارا،
стр. 5350
فتحمل عنه رجل بخمسة وعشرين دينارا منها، ثم فلس الغريم ببيع ماله، فلم يأخذا المحتمل له بالخمسة والعشرين دينارا من الخمسين التي له على المفلس إلا بثلاثين دينارا، لم يطرأ من المحاصة غيرها. هل على الحميل العشرون كلها أو نصف العشرين؟ أو تكون الثلاثون التي تقاضى بين الحمالة وبين الذي له من غير الحمالة؟ قال ابن القاسم: تكون الثلاثون التي تقاضيا بين الحميل وبين الغريم، ولا تكون على الحميل من العشرين الباقية إلا عشرة دنانير، ويتبع صاحب الحق الغريم المفلس. وقال سحنون في الحمالة مثل قول ابن القاسم سواء.
محمد بن أحمد: - مذهب أصبغ أن على الحميل العشرين الباقية، وهو قول ابن الماجشون، وابن كنانة، قالاه في الرجل يتزوج امرأة بمائة دينار، تأخذ منه حميلا بخمسين، فيطلقها قبل الدخول، إن لها أن تأخذ الحميل بالخمسين الواجبة لها قبل الزوج، خلاف قول ابن القاسم: إنها ترجع على الزوج بخمسة وعشرين دينارا، ولا فرق بين المسألتين على القول بأن الصداق يجب جميعه بالعقد، وأما على القول بأنه لا يجب بالعقد إلا نصف الصداق إن طلق قبل الدخول، يجب على الحميل جميع الخمسين، قولا واحدا. ووجه ما ذهبوا إليه، أن المتحمل له، يقول: إنما أخذته وثيقة من حقي، مخافة، ألا أجد عند الغريم وفاء منه.
وقد مضى هذا المعنى والقول عليه مستوفى في سماع سحنون من
стр. 5351
كتاب النكاح، وفي رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس. فقف على المسألة قي الموضعين. وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتريان السلعة من الرجل ويكتب عليهما صكا أنه يأخذ حاضرهما بغائبهما]
مسألة وعن الرجلين يشتريان السلعة من الرجل، ويكتب عليهما صكا أنه يأخذ حاضرهما بغائبهما وحيهما بميتهما، وأيهما شاء أخذ بحقه، فتحمل عنهما رجل بجميع ذلك الحق، فيؤخذ الحق من الحميل، هل يكون للحميل أن يأخذ أيهما شاء، بجميع ما أدى عنهما كما كان لصاحب الحق، وليس له على كل واحد منهما إلا ما ينوبه من الحق؟ قال: للحميل أن يأخذ أيهما بالحق كله، وذلك أنه لو تحمل للغريم بما على أحدهما، كان للغريم أن يتبع الحميل بالحق كله؛ لأن له أن يتبع أحدهما بالمال كله بما عليه من المال، وبالحمالة، فكذلك يتبعه الحميل بما ضمن للغريم، وبما كان يتبع الغريم، لو لم يتحمل بهما جميعا حميل واحد، فالحميل بمثابة الغريم فيما يتبع.
محمد بن رشد: قوله وذلك أنه لو تحمل للغريم بما على أحدهما، كان للغريم أن يتبع الحق كله، معناه: إذا عرف الحميل ما على كل واحد منهما من الشرط، وسائر المسألة بينة لا وجه للقول فيها، سوى ما ذكرناه من الاختلاف في إعمال الشرط، بأن يأخذ من شاء منهما بجميع حقه، في رسم نقدها قبل هذا فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
[لهما على رجل مائة إردب فتقاضى أحدهما حصته بغير إذن صاحبه]
ومن كتاب العتق
وقال في رجلين لهما على رجل مائة إردب فتقاضى أحدهما حصته بغير إذن صاحبه، فعلم به، فأتاه، فقال له: هبني إياها وأنا
стр. 5352
أضمن لك الخمسين التي بقيت لك، إن ذلك لا يحل، ولو كان يضمن له خمسا وعشرين إردبا قدر ما كان يصيبه مما كان قبض، لم يكن بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم البيع والصرف من أول سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال، بزيادة من قول أصبغ وافق فيها ابن القاسم على قوله: ولو كان يضمن خمسة وعشرين قدر ما كان يصيبه مما قبض، لم يكن بذلك بأس، وفي ذلك من قولهما اعتراض بين قد ذكرناه، وبيناه هناك. فلا وجه لإعادته. والله الموفق.
[يبتاع الرأس والدابة فيتحمل له رجل بالسرقة أو بعيب مسمى]
ومن كتاب الرهون قال عيسى سئل ابن القاسم عن الرجل يبتاع الرأس والدابة فيتحمل له رجل بالسرقة، أو بعيب مسمى، مما يخشى المبتاع أن يكون فيما ابتاع، ثم يظهر المبتاع بعد ذلك من السلعة على عيب غير الذي تحمل به، أيلزمه الحميل؟ قال: لا يلزم الحميل شيء من ذلك، إلا ما تحمل به من العيوب بعينها وسميت.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا إشكال فيه، إذ لا يلزم أحدا سوى ما التزم وبالله التوفيق اللهم لطفك.
[الحميل ينكر الحمالة والمتحمل عنه غائب فيصالحه المتحمل لرضاه بالصلح]
من نوازل سئل عنها عيسى
وسئل عيسى بن دينار عن الحميل ينكر الحمالة، والمتحمل عنه غائب، فيصالحه المتحمل لرضاه بالصلح، قال: بل يرجع فيأخذ ما نقص من حقه، ويدفع المتحمل عنه إلى الحميل ما صالح به عن نفسه.
стр. 5353
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون، أنه لا يرجع عليه ببقية حقه، إلا بعد يمينه بالله أنه ما صالح الحميل رضى بالصلح من جميع حقه، إلا أن يكون أشهد أنه إنما يصالح الحميل لإنكاره الحمالة، وأنه على حقه على الغريم، فلا يكون عليه يمين، واليمين يمين تهمة، فيجري الأمر في ذلك على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، إلا أن يحقق عليه الغريم الدعوى فيحلف قولا واحدا. وبالله التوفيق.
[يطلب الرجل في حق له فذهب معه إلى غريم المطلوب فيقول خذ من هذا حقك]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصبرة قال يحيى: قال ابن القاسم في الرجل يطلب الرجل في حق له، فذهب معه إلى غريم المطلوب، فيقول: خذ من هذا حقك ويأمره بالدفع إليه، فيقضيه إياه، فنقصت بعض حقه، أو لا يقضيه شيئا فيريد أن يرجع على الأول يلزمه ببقية حقه، إن ذلك له، وليس هذا نحو الحول اللازم لمن احتال بحقه؛ لأنه يقول لم أحتل عليه بشيء، وإنما أردت أن أكفيك التقاضي وأخفف عنك مؤنة التلوم ولم أترك من حقي عليك، وإنما وجه القول اللازم أن يقول: أحيلك على هذا بحقك، وأبرأ بذلك إليك بما تطلبني به، ولا رجوع عليه بحقه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن الحوالة بيع من البيوع، ينتقل الدين بها عن ذمة المحيل، إلى ذمة المحال عليه، فلا يكون ذلك إلا
стр. 5354
بيقين، وهو التصريح بلفظ الحوالة وما ينوب منابه، مثل أن يقول له: خذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك وما أشابه ذلك. وقد قال بعض الشيوخ: ولو قال له: اتبع فلانا بحقك علي كانت حوالة، لقول النبي ﷺ : «ومن اتبع على مليء فليتبع» قال: فلما أتى بلفظ يشبه النص، كان ذلك حوالة، إذا كان ذلك على المحال عليه، وليس ذلك ببين، وإنما البين في ذلك أن يقول له: قد اتبعتك على فلان، وأما إذا قال له: اتبع فلانا، فيخرج ذلك على قولين، ذكرتهما في آخر أول رسم من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع. وهذا الأمر هل يحمل على الإيجاب عليه أم لا؟ اختلف في ذلك قول مالك. وبالله التوفيق.
[الحميل بالوجه إذا غاب المتحمل عنه وحل الأجل]
ومن كتاب المكاتب قال: وسألت عن الحميل بالوجه إذا غاب المتحمل عنه وحل الأجل، كم ترى أن يؤجله السلطان في طلب صاحبه؟ قال. إن كانت غيبة المتحمل عنه قريبة، اليوم واليومين والثلاثة، ونحو ذلك، مما لا يضر ذلك بالمتحمل له، وعلى قدر ما يرى الإمام من الحمل عليه في قدره، ونحوه مما لا يضر به فيه بطالب الحق، وإن كانت غيبة المطلوب ببلد لا يرتجى قدومه منه إلى اليوم واليومين والثلاثة، ونحو ذلك، لم يؤجل الحميل قليلا ولا كثيرا، وأعدى عليه بالحق الذي وجب على المتحمل عنه قلت: فإذا أعدى على الحميل، فأراد الحميل أن يباع له مال المتحمل عنه، أترى أن يباع، أو يستأنى به؟ قال: إن كان ببلد بعيد على مسيرة العشر ليال ونحوها، لم ينتظر، ويبيع ماله، فقضى الغريم منه، وإن كانت
стр. 5355
على مسيرة اليوم واليومين ونحو ذلك، انتظر حتى يعذر إليه بكتاب ليقدم، فيبرأ أو سن له بحقه.، ليباع ماله، ويقضي به دينه. قال: والحميل بالمال إذا حل الأجل لم يؤجل، ولم يؤخر إلا برضى صاحب الحق هو في ذلك كالغريم بعينه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الحميل بالوجه إذا غاب المتحمل به وحل الأجل، إن السلطان يؤجله في طلب صاحبه اليوم واليومين والثلاثة، خلاف ما في المدونة من أنه يؤجل اليوم ونحوه. وقوله: إن الحميل بالمال إذا حل الأجل لا يؤجله ولا يؤخر إلا برضى صاحب الحق.
وقد مضى القول على ذلك كله هنالك، فلا معنى لإعادته. وأما قوله: إن الحميل بالوجه إذا غرم المال في غيبة المتحمل عنه به، فسأل أن يباع به مال الغريم، إنه لا يباع له، دون أن يعذر إليه إلا في الغيبة البعيدة العشرة ليال أو نحوها، فهو صحيح؛ لأنه حكم على غائب، والغائب لا يحكم عليه إلا بعد الإعذار إليه. وقد مضى تحصيل الحكم في الغائب في رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
[مسألة: أحاله على غريمه بعشرة دنانير فيقبض ذلك منه ثم يأتي المحيل يتقاضاه]
مسألة قال: وسألته عن رجل قال لرجل: أحيلك على غريمي هذا بعشرة دنانير، فيقبض ذلك منه، ثم إن المحيل أتى القابض فقال: اقضني ما تقاضيت من غريمي، فإني إنما كنت أسلفتكما سلفا، وقال القابض: إنما أحلتني بحق كان لي عليك، فقد قبضت حقي. وإحالتك إياي إقرار منك بحقي، وليست له بينة على أصل الحق، قال: أرى المتقاضي غريما للعشرة، وأراها كالسلف
стр. 5356
عليه، ولا حق له على الحميل، إلا أن تكون له بينة على أصل الحق، فأما إحالته إياه، فليس هو عندي إقرار، بل هو بذلك مسلف، وأرى للقابض أجرة التقاضي إن كان ذلك شيئا له أجرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المتقاضي غارم للعشرة، معناه، بعد يمين المحيل، وقوله: وأراها كالسلف عليه، معناه: وأراها كالسلف الذي يتقاران جميعا عليه؛ لأنه يستحقه بيمينه قبله. وفي قوله: وأرى للقابض أجرة مثله نظر، إذ لم يدع الأجرة، وإنما زعم أنه قبض حقه الواجب له، وكذلك لو قال الحميل: إنما أحيلك بها، لتكفيني مؤنة تقاضيها، لكان القول قوله أيضا على ما حكاه ابن حبيب، ولكانت له أجرة التقاضي إن كان شيئا له أجرة، وكان ممن يعمل هذا بالأجرة. وقوله في هذه المسألة على قياس قوله في آخر كتاب المديان من المدونة في الذي يقول للرجل: ادفع إلى فلان عني ألف دينار، فيدفعها إليه ثم يريد أخذها من الآمر، فيقول: كانت لي عليك دينا، إن القول قول المأمور؛ لأنه أخرج الدينار من عنده، فالقول قوله: إنها له، حتى يثبت أنها كانت عليه دينا للآمر. يريد: إلا ألا يشبه ما يقول، مثل أن يعلم من فقره، وكونه غريما للآمر، ما لا يشك أنه يكسب هذا القدر.
وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون في مسألة الكتاب هذه، أن ذلك على ما يشبه، فإن كان من أحلته يشبه أن يكون له عليك مثل ذلك، فهو مصدق مع يمينه، وإن كان لا يشبه، فهو كوكيلك، فيكون القول قولك مع يمينك. وحكي عن أشهب أن الحميل مصدق، أشبه قوله أو لم يشبه، وإنما معناه: إن القول قوله إذا أشبه قول المحال، أو لم يشبه، فلا اختلاف إذا أشبه قول أحدهما ولم يشبه قول الآخر، إن القول قول من أتى منهما بما يشبه، وإنما الاختلاف إذا أتيا جميعا بما يشبه، أو بما لا يشبه، فقال ابن القاسم وأشهب: القول قول المحيل، وقال ابن الماجشون: القول قول
стр. 5357
المحال القابض، وهو على القول المعروف من مذهب أشهب أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه؛ لأنه يقول: لم أقبض إلا حقي الواجب لي، خلاف قوله وقول ابن القاسم في هذه المسألة. وبالله التوفيق.
[يتحمل عن الرجل بعرض من العروض فيقضى على الحميل بالغرم]
ومن كتاب الأقضية
قال: وقال ابن القاسم في الرجل يتحمل عن الرجل بعرض من العروض: الطعام والحيوان، وغير ذلك، فيقضى على الحميل بالغرم، إنه إن اشترى للطالب العرض الذي تحمل له به، غرم المتحمل عنه الثمن الذي اشترى به العرض الذي أدى عنه بالغا ما بلغ. قال: وإن أدى عنه ثمنا من دنانير أو دراهم، خير المتحمل عنه، إن شاء غرم ما غرم عنه، وإن شاء غرم العرض الذي كان عليه. قال: ولو كان غرم عنه مثل العرض الذي كان عليه من عند نفسه، لم يشتره، فإن كان مما يكال أو يوزن، مما يوكل أو يشرب، أو غير ما يوكل أو يشرب، غرم مكيله ذلك أو وزنه من صنفه، وإن كان الذي عليه عرض من العروض، فغرم عنه من عنده مثله، غرم لذلك، أو وزنه أيضا مثل ذلك، وإن كان غرم عنه عرضا مخالفا للعرض الذي كان تحمل به عنه، خير المطلوب، فإن شاء غرم قيمة العرض الذي غرم عنه يوم أخرجه الحميل، وإن شاء غرم مثل العرض الذي كان وجب عليه فقط.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى الكفيل العرض الذي تحمل به للطالب، فلا اختلاف أعرفه في أنه يرجع على المطلوب بالثمن الذي اشتراه
стр. 5358
به، ما لم يحاب البائع، فلا يرجع عليه بالزيادة على القيمة. فقوله في هذه الرواية: بالغا ما بلغ، معناه ما لم يكن أكثر من القيمة بما لا يتغابن الناس بمثله في البيوع؛ لأنه لما تكفل عنه بأمره، فكأنه وكيل له على الشراء، إذ قد علم أنه سيطلب بما تحمل به عنه، ويحتاج إلى ابتياعه، وأما إن أدى عنه في العروض دنانير أو دراهم أو عرضا مخالفا له، وكان تحمل عنه بدنانير، فأدى عنه دراهم، أو بدراهم، فأدى عنه دنانير، أو تمرا فأدى عنه قمحا. ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها إن ذلك لا يجوز، والثاني إن ذلك جائز، والثالث إن ذلك جائز فيما تجوز فيه النسيئة في المبايعة، وغير جائز فيما لا تجوز فيه النسيئة في المبايعة، وهو أن يؤدي عنه دنانير من دراهم، أو دراهم من دنانير، أو تمرا من قمح، أو قمحا من تمر، وما أشبه ذلك، فعلى القول إن ذلك لا يجوز، يفسخ القضاء ويرجع على الطالب بما دفع إليه. واختلف على القول بأن ذلك جائز بما يرجع الكفيل على المطلوب المتحمل عنه، فقيل: يرجع عليه بما تحمل به عنه، وقيل: يخير المتحمل عنه، فإن شاء غرم ما غرم عنه، وإن شاء غرم الذي كان عليه، وهذا معنى قول مالك في كتاب المديان من المدونة: إنه لا يربح في السلف، والقولان في كتاب الكفالة من المدونة. فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وقد مضى هذا له في رسم العرية من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف. وكذلك اختلف في المأمور يقضي خلاف ما أمر به على هذين القولين، وقد فرق بين الكفيل والمأمور في ذلك. فقيل إن الكفيل يرجع بما أدى وإن المأمور يرجع بما كان للطالب عليه. واختلف إذا أدى عنه من عنده مثل العرض الذي كان عليه، فقال في هذه الرواية: إنه يرجع عليه بمثله، وهو مذهبه في المدونة، والمشهور في المذهب، وقال في سماع أبي زيد: إن المطلوب مخير، إن شاء دفع إليه مثل ما غرم عنه. وإن شاء دفع إليه
стр. 5359
قيمته. وقال في الواضحة: لا يغرم له إلا قيمته؟ ولا اختلاف إذا أدى عنه عروضا عن دنانير، والبلد يتبايع فيه بالدينار في أن ذلك جائز؛ لأن ذلك يرجع إلى التخيير بين القليل والكثير، وليس في ذلك اختلاف أعراض أنه يؤدي إلى الأقل، وبالله التوفيق.
[يقر للرجل أنه تحمل له بما على غريم له فأنكر الذي زعم أنه تحمل عنه]
ومن كتاب أوله: أول عبد أبتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يقر للرجل أنه تحمل له بما على غريم له، فأنكر الذي زعم أنه تحمل عنه أن يكون للطالب قبله حق، أو أن يكون المقر بالحمالة تحمل عنه بشيء، فقال: يغرم المقر لصاحب الحق ما أقر له مما زعم أنه عمل به عن المطلوب، ثم لا يعدى الحميل الغريم على المطلوب إلا أن يقيم عليه البينة أن ذلك الحق عليه للطالب.
قلت: أرأيت إن أقر بالحق أو أنكر أن يكون تحمل المقر بالحمالة عنه بشيء؟ فقال: يغرم المطلوب ما أقر به، ولا سبيل إلى الحميل حتى لا يوجد للغريم وفاء بما عليه، فإن لم يكن عنده وفاء، غرم الحميل ما أقر أنه تحمل به، وأعدي على الغريم يطلبه بما أدى عنه.
قلت له: ولم يعد عليه، ولم يقر له أنه تحمل عنه بشيء؟ قال: ألا ترى أنه لو لم يغرم عنه شيئا فأحاله عليه صاحب الحق، جاز له أن يطلبه بذلك الحق، ولو أنه قال لصاحب الحق ولم يكن تحمل عنه بشيء: أقضيك عن فلان، وأنا أطلبه بهذا الحق، كان ذلك له، فلا حجة للمطلوب إذا أعدي عليه المقر بالحمالة الغارم بالإقرار، في أن يقول: لا يعدى علي ولم يتحمل عني بشيء، إذا
стр. 5360
أوصل إلى صاحب الحق حقه، من قبل أن المقر له بالحمالة أعدي على الغريم بما أدى عنه، كما كان يعدى عليه ولو أتى عنه بغير حمالة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الحميل أقر أنه يعرف الحق على المتحمل عنه، ولذلك ألزمه الحميل، دون أن تثبت بينة لصاحب الحق عليه، فقال: يغرم المقر لصاحب الحق بما أقر له به مما زعم أنه تحمل به عن المطلوب، ثم لا يعدى الحميل الغريم على المطلوب إلا أن يقيم عليه البينة أن ذلك الحق عليه للطالب، فليست هذه المسألة على هذا التأويل بمخالفة لما في المدونة، ولا لما مضى في رسم التمرة من سماع عيسى إلا أنها مسألة فيها اختلاف قيل: إنه لا يلزمه الغريم بإقراره بالكفالة، وإن أقر أنه يعرف الحق قبل المطلوب، إذا كان المطلوب منكرا، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، وقيل: إنه يلزمه الغريم بإقراره بالكفالة، وإن كان المطلوب منكرا، إذا كان معدما ولا يلزمه إذا كان مليا. وهذا القول يقوم من قول ابن القاسم في أول رسم من سماعه من كتاب الشهادات، في أن شهادة الكفيل على الغريم بالدين الذي تحمل به عنه، تجوز إن كان الغريم مليا، ولا تجوز إن كان معدما. فعلى قول ابن القاسم في هذه الرواية، لا يجوز شهادة الحميل بالدين على الغريم مليا كان أو معدما، وهو نص قول مالك في أول سماعه من كتاب الشهادات. وقد قيل: إن الحميل إن كان معدما جازت شهادته على الغريم بالدين، وإن كان مليا لم تجز شهادته عليه، وهو صحيح على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن الحميل غارم؛ لأنه إذا أسقط عنه الغرم لعدمه سقطت عنه التهمة في شهادته. وأما إذا قبض صاحب الحق من الحميل حقه بإقراره بالحمالة فلا تجوز شهادته للحميل على الغريم؛ لأنه قد كان مكذبا في دعواه، فإذا أشهدوا بما يصدق نفسه فيما كان ادعى وأمضى، فإن ما شهد فيه أصله، فهو شاهد لنفسه.
وقد مضى في رسم الثمرة من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي أول
следующие страницы →