Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
عليه، ولا حق له على الحميل، إلا أن تكون له بينة على أصل الحق، فأما إحالته إياه، فليس هو عندي إقرار، بل هو بذلك مسلف، وأرى للقابض أجرة التقاضي إن كان ذلك شيئا له أجرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المتقاضي غارم للعشرة، معناه، بعد يمين المحيل، وقوله: وأراها كالسلف عليه، معناه: وأراها كالسلف الذي يتقاران جميعا عليه؛ لأنه يستحقه بيمينه قبله. وفي قوله: وأرى للقابض أجرة مثله نظر، إذ لم يدع الأجرة، وإنما زعم أنه قبض حقه الواجب له، وكذلك لو قال الحميل: إنما أحيلك بها، لتكفيني مؤنة تقاضيها، لكان القول قوله أيضا على ما حكاه ابن حبيب، ولكانت له أجرة التقاضي إن كان شيئا له أجرة، وكان ممن يعمل هذا بالأجرة. وقوله في هذه المسألة على قياس قوله في آخر كتاب المديان من المدونة في الذي يقول للرجل: ادفع إلى فلان عني ألف دينار، فيدفعها إليه ثم يريد أخذها من الآمر، فيقول: كانت لي عليك دينا، إن القول قول المأمور؛ لأنه أخرج الدينار من عنده، فالقول قوله: إنها له، حتى يثبت أنها كانت عليه دينا للآمر. يريد: إلا ألا يشبه ما يقول، مثل أن يعلم من فقره، وكونه غريما للآمر، ما لا يشك أنه يكسب هذا القدر.
وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون في مسألة الكتاب هذه، أن ذلك على ما يشبه، فإن كان من أحلته يشبه أن يكون له عليك مثل ذلك، فهو مصدق مع يمينه، وإن كان لا يشبه، فهو كوكيلك، فيكون القول قولك مع يمينك. وحكي عن أشهب أن الحميل مصدق، أشبه قوله أو لم يشبه، وإنما معناه: إن القول قوله إذا أشبه قول المحال، أو لم يشبه، فلا اختلاف إذا أشبه قول أحدهما ولم يشبه قول الآخر، إن القول قول من أتى منهما بما يشبه، وإنما الاختلاف إذا أتيا جميعا بما يشبه، أو بما لا يشبه، فقال ابن القاسم وأشهب: القول قول المحيل، وقال ابن الماجشون: القول قول
стр. 5357
المحال القابض، وهو على القول المعروف من مذهب أشهب أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه؛ لأنه يقول: لم أقبض إلا حقي الواجب لي، خلاف قوله وقول ابن القاسم في هذه المسألة. وبالله التوفيق.
[يتحمل عن الرجل بعرض من العروض فيقضى على الحميل بالغرم]
ومن كتاب الأقضية
قال: وقال ابن القاسم في الرجل يتحمل عن الرجل بعرض من العروض: الطعام والحيوان، وغير ذلك، فيقضى على الحميل بالغرم، إنه إن اشترى للطالب العرض الذي تحمل له به، غرم المتحمل عنه الثمن الذي اشترى به العرض الذي أدى عنه بالغا ما بلغ. قال: وإن أدى عنه ثمنا من دنانير أو دراهم، خير المتحمل عنه، إن شاء غرم ما غرم عنه، وإن شاء غرم العرض الذي كان عليه. قال: ولو كان غرم عنه مثل العرض الذي كان عليه من عند نفسه، لم يشتره، فإن كان مما يكال أو يوزن، مما يوكل أو يشرب، أو غير ما يوكل أو يشرب، غرم مكيله ذلك أو وزنه من صنفه، وإن كان الذي عليه عرض من العروض، فغرم عنه من عنده مثله، غرم لذلك، أو وزنه أيضا مثل ذلك، وإن كان غرم عنه عرضا مخالفا للعرض الذي كان تحمل به عنه، خير المطلوب، فإن شاء غرم قيمة العرض الذي غرم عنه يوم أخرجه الحميل، وإن شاء غرم مثل العرض الذي كان وجب عليه فقط.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى الكفيل العرض الذي تحمل به للطالب، فلا اختلاف أعرفه في أنه يرجع على المطلوب بالثمن الذي اشتراه
стр. 5358
به، ما لم يحاب البائع، فلا يرجع عليه بالزيادة على القيمة. فقوله في هذه الرواية: بالغا ما بلغ، معناه ما لم يكن أكثر من القيمة بما لا يتغابن الناس بمثله في البيوع؛ لأنه لما تكفل عنه بأمره، فكأنه وكيل له على الشراء، إذ قد علم أنه سيطلب بما تحمل به عنه، ويحتاج إلى ابتياعه، وأما إن أدى عنه في العروض دنانير أو دراهم أو عرضا مخالفا له، وكان تحمل عنه بدنانير، فأدى عنه دراهم، أو بدراهم، فأدى عنه دنانير، أو تمرا فأدى عنه قمحا. ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها إن ذلك لا يجوز، والثاني إن ذلك جائز، والثالث إن ذلك جائز فيما تجوز فيه النسيئة في المبايعة، وغير جائز فيما لا تجوز فيه النسيئة في المبايعة، وهو أن يؤدي عنه دنانير من دراهم، أو دراهم من دنانير، أو تمرا من قمح، أو قمحا من تمر، وما أشبه ذلك، فعلى القول إن ذلك لا يجوز، يفسخ القضاء ويرجع على الطالب بما دفع إليه. واختلف على القول بأن ذلك جائز بما يرجع الكفيل على المطلوب المتحمل عنه، فقيل: يرجع عليه بما تحمل به عنه، وقيل: يخير المتحمل عنه، فإن شاء غرم ما غرم عنه، وإن شاء غرم الذي كان عليه، وهذا معنى قول مالك في كتاب المديان من المدونة: إنه لا يربح في السلف، والقولان في كتاب الكفالة من المدونة. فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وقد مضى هذا له في رسم العرية من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف. وكذلك اختلف في المأمور يقضي خلاف ما أمر به على هذين القولين، وقد فرق بين الكفيل والمأمور في ذلك. فقيل إن الكفيل يرجع بما أدى وإن المأمور يرجع بما كان للطالب عليه. واختلف إذا أدى عنه من عنده مثل العرض الذي كان عليه، فقال في هذه الرواية: إنه يرجع عليه بمثله، وهو مذهبه في المدونة، والمشهور في المذهب، وقال في سماع أبي زيد: إن المطلوب مخير، إن شاء دفع إليه مثل ما غرم عنه. وإن شاء دفع إليه
стр. 5359
قيمته. وقال في الواضحة: لا يغرم له إلا قيمته؟ ولا اختلاف إذا أدى عنه عروضا عن دنانير، والبلد يتبايع فيه بالدينار في أن ذلك جائز؛ لأن ذلك يرجع إلى التخيير بين القليل والكثير، وليس في ذلك اختلاف أعراض أنه يؤدي إلى الأقل، وبالله التوفيق.
[يقر للرجل أنه تحمل له بما على غريم له فأنكر الذي زعم أنه تحمل عنه]
ومن كتاب أوله: أول عبد أبتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يقر للرجل أنه تحمل له بما على غريم له، فأنكر الذي زعم أنه تحمل عنه أن يكون للطالب قبله حق، أو أن يكون المقر بالحمالة تحمل عنه بشيء، فقال: يغرم المقر لصاحب الحق ما أقر له مما زعم أنه عمل به عن المطلوب، ثم لا يعدى الحميل الغريم على المطلوب إلا أن يقيم عليه البينة أن ذلك الحق عليه للطالب.
قلت: أرأيت إن أقر بالحق أو أنكر أن يكون تحمل المقر بالحمالة عنه بشيء؟ فقال: يغرم المطلوب ما أقر به، ولا سبيل إلى الحميل حتى لا يوجد للغريم وفاء بما عليه، فإن لم يكن عنده وفاء، غرم الحميل ما أقر أنه تحمل به، وأعدي على الغريم يطلبه بما أدى عنه.
قلت له: ولم يعد عليه، ولم يقر له أنه تحمل عنه بشيء؟ قال: ألا ترى أنه لو لم يغرم عنه شيئا فأحاله عليه صاحب الحق، جاز له أن يطلبه بذلك الحق، ولو أنه قال لصاحب الحق ولم يكن تحمل عنه بشيء: أقضيك عن فلان، وأنا أطلبه بهذا الحق، كان ذلك له، فلا حجة للمطلوب إذا أعدي عليه المقر بالحمالة الغارم بالإقرار، في أن يقول: لا يعدى علي ولم يتحمل عني بشيء، إذا
стр. 5360
أوصل إلى صاحب الحق حقه، من قبل أن المقر له بالحمالة أعدي على الغريم بما أدى عنه، كما كان يعدى عليه ولو أتى عنه بغير حمالة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الحميل أقر أنه يعرف الحق على المتحمل عنه، ولذلك ألزمه الحميل، دون أن تثبت بينة لصاحب الحق عليه، فقال: يغرم المقر لصاحب الحق بما أقر له به مما زعم أنه تحمل به عن المطلوب، ثم لا يعدى الحميل الغريم على المطلوب إلا أن يقيم عليه البينة أن ذلك الحق عليه للطالب، فليست هذه المسألة على هذا التأويل بمخالفة لما في المدونة، ولا لما مضى في رسم التمرة من سماع عيسى إلا أنها مسألة فيها اختلاف قيل: إنه لا يلزمه الغريم بإقراره بالكفالة، وإن أقر أنه يعرف الحق قبل المطلوب، إذا كان المطلوب منكرا، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، وقيل: إنه يلزمه الغريم بإقراره بالكفالة، وإن كان المطلوب منكرا، إذا كان معدما ولا يلزمه إذا كان مليا. وهذا القول يقوم من قول ابن القاسم في أول رسم من سماعه من كتاب الشهادات، في أن شهادة الكفيل على الغريم بالدين الذي تحمل به عنه، تجوز إن كان الغريم مليا، ولا تجوز إن كان معدما. فعلى قول ابن القاسم في هذه الرواية، لا يجوز شهادة الحميل بالدين على الغريم مليا كان أو معدما، وهو نص قول مالك في أول سماعه من كتاب الشهادات. وقد قيل: إن الحميل إن كان معدما جازت شهادته على الغريم بالدين، وإن كان مليا لم تجز شهادته عليه، وهو صحيح على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن الحميل غارم؛ لأنه إذا أسقط عنه الغرم لعدمه سقطت عنه التهمة في شهادته. وأما إذا قبض صاحب الحق من الحميل حقه بإقراره بالحمالة فلا تجوز شهادته للحميل على الغريم؛ لأنه قد كان مكذبا في دعواه، فإذا أشهدوا بما يصدق نفسه فيما كان ادعى وأمضى، فإن ما شهد فيه أصله، فهو شاهد لنفسه.
وقد مضى في رسم الثمرة من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي أول
стр. 5361
سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات في هذه المسألة زيادات، فتأملها وقف عليها.
وأما قوله: إن أقر الغريم بالحق، وأنكر أن يكون المقر بالحمالة تحمل عنه بشيء إلى آخر المسألة، فهو كله كلام بين لا إشكال فيه ولا التباس في شيء من معانيه إلا في قوله: ولو قال لصاحب الحق أقضيك عن فلان، وأنا أطلبه بهذا الحق، كان ذلك له، فإنه ليس على ظاهره، ومعناه: إذا قال له: أنا أطلبه به على وجه المعروف منه إليه في كفايته الاقتضاء منه على سبيل الشرط عليه؛ لأنه لم يجز في كتاب الهبات من المدونة أن يسلف الرجل الرجل دنانير، على أن يحيله بها على رجل آخر، كانت المنفعة للذي أسلف أو للذي أسلف، وهذا الاختلاف على اختلافهم في القراض بلفظ البيع، هل يجوز أم لا؟ لأن الحوالة بيع من البيوع، وإنما يجوز ذلك على القول بجوازه إذا لم يرد بذلك ضرره وسجنه. قاله في المديان من المدونة وغيره من الكتب وبالله التوفيق.
[مسألة: يتحمل له الرجل عن غريمه بماله عليه إلى أجل]
مسألة قال: وسألته عن الرجل يتحمل له الرجل عن غريمه بماله عليه إلى أجل، فلما حل الأجل، أراد صاحب الحق أن يأخذ الحميل بما له على الغريم. وقال الحميل للغريم: أنا كنت تحملت لك إلى الأجل، فلما حل الأجل، لقيت صاحبك فاقتضيته بعض حقك، وأنظرته بما أحببت، فإنظارك إياه، يبريني من الحمالة، قال: لا براءة له حتى يصل إلى صاحب الحق آخر حقه، ولا يضره إنظاره إياه، وإنما هو مرفق أدخله الطالب على الغريم والحميل، فليس إحسانه حجة يسقط بها ما وجب على الحميل.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم الأقضية من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
стр. 5362
[يتحمل بوجه رجل إلى أجل فيموت المتحمل عنه قبل الأجل أو بعده]
من سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتحمل بوجه رجل إلى أجل، فيموت المتحمل عنه قبل الأجل أو بعده، قال: إن كان حاضرا أو مات في الحضر، فلا شيء على الحميل، وإن كان غائبا فمات نظر، فإن كان بموضع لو كلفه أتى به في الأجل أو بعده بشيء، لم يكن على الحميل غرم، وإن كان بموضع لو كلفه لم يأت به إلا بعد الأجل بكثرة فأراه ضامنا.
محمد بن أحمد: هذه المسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم سلف دينارا من سماع عيسى لتكرر الرواية هناك، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. اللهم لطفك.
[يدعي قبل رجل دابة فقال له رجل آخر أنا ضامن لك ما جاء في هذه الدابة]
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن رجل يدعي قبل رجل دابة، فقال له رجل آخر أنا ضامن لك ما جاء في هذه الدابة، فحل عنه ففرجت الدابة إلى الداعي يوما آخر فماتت فقال: هو ضامن لها إن أثبتها المدعي عند القاضي وقضى له بها.
قال محمد بن رشد: أصبغ يقول في هذه المسألة: إنه لا يضمن في الموت، وهو الأظهر؛ لأن المعنى المقصود في ضمانها ما يخشى من أن يكون الذي هي بيده بعينها، أو يهرب بها، فترك ما يجب له من توقيفها بما أظهره من الشبهة فيها، إلا أن يثبتها بالضمان الذي ضمنه له، فالأظهر لا يضمن له إلا المعنى الذي ظهر أنه قصده. ووجه قول سحنون، اتباع عموم ظاهر اللفظ، إذ لا يحصر حالا من حال، ومن هذا المعنى ما تقدم القول
стр. 5363
عليه في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الرهن في ضمان الرهن للمرتهن، فهو أصل قد اختلف فيه قول مالك، حسبما بيناه هناك. وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتحمل عن الرجل فإذا حل الأجل قام الغريم على الحميل]
مسألة قلت: فالرجل يتحمل عن الرجل، فإذا حل الأجل، قام الغريم على الحميل، إن المتحمل عنه عديم، ويقول الحميل: بل غريمك مليء على من كشف مال الغريم، فقال: إذا لم يعرف له مال ظاهر، فإن الحميل ما يحمل عنه، إلا أن يكشف لمن تحمل له مال الغريم، فلا يكون له عليه حينئذ شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا لم يعرف له مال ظاهر، فإن الحميل غارم، يدل على أنه محمول على العدم، وأن على الحميل إقامة البينة على ملائه، وإلا غرم ومما يقوي هذا من مذهبه قوله الذي حكيناه عنه في رسم الثمرة من سماع عيسى في الحميل يقر بالحمالة وينكر الذي عليه الحق يضمن، ولا يكلف الطالب أن يثبت الدين قبل المطلوب، إن كانت له بينة ليطلب الغريم قبل الحميل عاجلا، ثم يقوم هو بالبينة على الغريم، ليرجع عليه بما غرم، وفي رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب النكاح، ما يدل على أنه محمول على الملأ، وأن على المتحمل له إقامة البينة أنه عديم؛ لأنه قال فيه: إنه لا شيء على الحميل حتى لا يوجد للغريم مال. وقول سحنون أظهر لقول النبي ﵇ «الزعيم غارم» لأنه يجب بظاهر هذا القول
стр. 5364
حتى يثبت ما يسقط ذلك عنه من ملأ الغريم، ولأنه قد روي عن مالك، بدليل هذا الحديث إن للطالب أخذ الكفيل بالغريم، وإن كان المطلوب المتحمل به مليا، والأظهر قوله الثاني الذي اختاره ابن القاسم؛ لأنه لا يؤخذ الحميل إلا في عدم الغريم، لأنا إن قضينا على الحميل بالغرم، والغريم مالى، وجب أن يقضى للحميل في الحين بالغرم على الغريم، فالقضاء للطالب على الغريم أولى، وأقل عناء، ووجه رواية يحيى في أن الغريم محمول على الملأ، وأن على الطالب إقامة البينة على عدمه، هو الإجماع على أن الدين لم يسقط عن ذمة الغريم بالكفالة، بدليل قول النبي ﷺ في حديث جابر للذي ادعى الدين الذي يحمل به عن الميت، «الآن بردت عليه جلده» . فإذا لم يسقط الدين عن ذمته بالكفالة، كان هو أحق أن يتبع به. وبالله التوفيق.
[مسألة: له على رجل دين فأحاله على غريم له وشرط عليه]
مسألة قال سحنون: وسئل المغيرة عن رجل له على رجل دين، فأحاله على غريم له، وشرط عليه إن لم يقض أو فلس ارتجع على صاحبه. أترى هذا حولا ثابتا أم حمالة؟ وهل تراه أولى به من الغرماء إن فلس قبل أن يقضى؟ قال: أراه حولا ثابتا وأراه للطالب الذي احتال عليه، وله على صاحبه ما ضمن له من شرطه عليه، إذا فلس الذي احتال عليه، رجع على صاحبه بما اشترط عليه.
قال محمد بن رشد: قول المغيرة هذا صحيح، لا أعرف فيما
стр. 5365
أجازه من هذا الشرط في الحوالة خلافا في المذهب؛ لأنه شرط لا فساد فيه، فوجب أن يجوز ويلزم، لقول النبي ﵇: "المسلمون «على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا» . وبالله التوفيق.
[مسألة: دفع إلى رجل دينارا ذهبا على أن يدفع إليه أربعين درهما إلى شهر]
مسألة وسئل سحنون عن رجل دفع إلى رجل دينارا ذهبا، على أن يدفع إليه أربعين درهما إلى شهر، ويحمل له رجل بالأربعين درهما إلى ذلك الأجل، فلم يستفق لذلك حتى حل الأجل، فقال: يؤخذ الحميل بالأربعين درهما الذي تحمل بها، فإن كان فيها ما يشتري به دينارا، اشترى به دينارا لرب الدين، ودفع إليه، ورجع الحميل بالأربعين درهما على الذي غرمها عنه، وإن كان في الأربعين درهما أكثر من دينار، اشترى منهما دينارا بما بلغ، مثل أن يشتري بعشرين درهما ويرجع الكفيل بعشرين على الذي غرمها عنه، وإن كانت الأربعين لا يكون فيها ما يشتري بها دينارا لرخص الدراهم أو كثرتها، غرم الحميل الأربعين درهما، وغرم الذي أخذ الدينار بقية تمام الدينار، واشترى الدافع الدينار دينارا، ودفعه إليه، ورجع الذي غرم الأربعين درهما بما غرم على صاحبه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول رسم العرية فلا معنى لإعادته.
стр. 5366
[مسألة: طلبا دابتين ذهبتا منهما فألفياهما عند رجل أعطياني حميلا بقيمتهما]
مسألة من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب وأشهب قال عبد الملك بن الحسن: سئل عبد الله بن وهب عن رجلين طلبا دابتين ذهبتا منهما، فألفياهما عند رجل من الناس، فأعلماه أنهما سرقتا منهما، فقال لهما الذي ألفياهما في يديه: أعطياني حميلا بقيمتهما إلى أجل، واذهبا بالدابتين إلى بلدكما، فإن أقمتما لي بينة عليهما عند قاضيكما، فلا حق لي على حميلكما، وإن لم يثبت ذلك أخذت حميلي بالقيمة إلى ذلك الأجل، فتحمل أحد الرجلين الطالبين للذي ألفيا عنده الدابتين بقيمتهما إلى أجل، ثم انطلقا بالدابة إلى بلدهما، ليقيما عليهما البينة، فهلكتا الدابتين في أيديهما قبل أن يستحقاهما بالبينة، فأتى الذي ألفيت الدابتان عنده عند الأجل إلى حميل أحد الرجلين، فأخذ منه القيمة التي كان يحمل بهما بأمر السلطان، أو بغير أمر السلطان، قلما ذهب أن يرجع على صاحبه الذي تحمل عنه بما غرم عنه، قال له صاحبه: ذلك أن تغرمني ثمن دابة، وأنت تعلم أنها دابتي وإني إنما طلبت من أمرها حقا، فقال الحميل: إنما أعرف أنها دابتك، غير أنك لم تستحقها بالبينة حتى تدفع عني ما تحملت به عنك من قيمتها، وقد غرمت عنك بحمالتي قيمتها فيما يذهب مالي وإنما غرمته عنك بالأمر في ذلك. قال: يرجع عليه بما غرم عنه على ما أحب أو كره، إذا كانت حمالته بأمره؛ لأنه قد أدخله في ذلك، وأمره بالحمالة، وقد علم أنه يثبت أو لا يثبت، ويسلم الدابتان أو لا يسلمان، ولم يثبت بها حق فيسقط الغرم عنهما، فهو يرجع على صاحبه بنصف الغرم، حُكْمٌ يُحكَم به عليه، شاء أو أبى. وإذا كان قد غرم ما تحمل به عنه وعن نفسه، وإن لم يكن غرم رجع
стр. 5367
المتحمل له عليهما، فأخذ من كل واحد منهما النصف، إذا كانت حمالة المتحمل بإذن صاحبه المدعي معه، وأمره كما وصفت. قال أشهب: عليه أن يغرم له ما غرم عنه، إلا أن يستحق الدابتان ببينة، فيرجع المتحمل إلى الذي كانت له الدابتان في يديه فيأخذ منه قيمتهما التي دفع إليه مثل قول ابن وهب.
قال محمد بن رشد: كان من أدركنا من الشيوخ يحملون قول ابن وهب وأشهب في هذه المسألة على أنه خلاف قول ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى في كتاب الاستحقاق، في الذي يستحق من يديه العبد، وهو يعلم أنه من بلاد البائع، إنه لا رجوع له عليه بشيء من الثمن الذي دفع إليه وخلاف قول سحنون - في نوازله من كتاب جامع البيوع في الذي يبتاع الأرض أو الدار من الرجال، وهو قد عره في يديه يحوزه ويملكه ثم يسأله أن يحوزه إياه، إن ذلك لا يلزمه، ولست أرى ذلك ولا أقول به، لأنهما إنما أرجعا الحميل على صاحبه بما أدى عنه من أجل أنه قد التزم ضمان ذلك، لأنهما جميعا التزما ضمان الدابتين للذي ألفياهما في يديه، وتحمل أحدهما بذلك عن صاحبه، فوجب إذا غرم عنه بالحمالة، ما هو له ضامن بالتزامه ضمانه، أن يرجع به عليه قولا واحدا. وبالله التوفيق.
[باع طعاما إلى أجل وتحمل له رجل بالدينار فلما حل الأجل غرمه الحامل]
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيع والصرف
قال أصبغ: قال ابن القاسم في رجل باع طعاما نقدا بدين إلى أجل، وتحمل له رجل بالدينار، فلما حل الأجل، غرمه الحامل، ثم رجع على صاحبه، فأراد أن يعطيه في ذلك طعاما مخالفا لذلك الطعام الذي اشترى منه أو من صنفه أكثر من كيله، قال: لا بأس بذلك كله، والحميل ها هنا بمنزلة البائع، قيل: فلو لم يكن حميلا فتطوع، فقضاه عن الغريم، ثم أراد أن يأخذ من المشتري ما
стр. 5368
وصفناه، قال: فلا بأس بذلك، هو بمنزلة الحميل أيضا في ذلك، وإنما الذي كره من ذلك، أن يكون البائع الذي تحمل به عليه، فلا يجوز للمتحمل إلا ما كان يجوز للبائع أن يأخذه؛ لأنه بمنزلته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه لا يجوز للحميل أو المتطوع بالأداء إذا أدى الدينار عن المشتري، للبائع أن يأخذ منه بديناره طعاما مخالفا له، أو من صنفه أكثر منه؛ لأنه لم يدفع طعاما، وإنما دفع دينارا، فجائز له أن يأخذ به طعاما. وقوله: ليس الحميل ها هنا بمنزلة البائع، بين صحيح؛ لأن البائع باع طعاما، فلا يجوز له أن يأخذ من المشتري طعاما؛ لأنه يدخله الاقتضاء من ثمن الطعام طعاما، فيتهمان على أنهما عملا على بيع طعام بطعام إلى أجل. وقوله: وإنما الذي كره من ذلك أن يكون البائع الذي تحمل به عليه، معناه: وإنما الذي كره من ذلك أن يكون البائع للطعام بالدينار، تحمل رجلا له عليه دينار به، فيأخذ منه به طعاما، وذلك صحيح على ما قاله؛ لأن المحيل ينزل في الدين الذي أحيل به منزلة من أحاله، ومنزلته في الدين الذي أحيل به فيما يجوز له أن يأخذ له منه، وفيما يريد أن يتبعه من غيره، فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا ما كان يجوز للذي أحاله أن يأخذه منه، وما كان يجوز له هو أن يأخذه من الدين الذي أحيل به. وبالله التوفيق.
[مسألة: يتحمل للبائع رجل على أنه إن مات الحميل قبل ذلك فلا حق له]
مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم، وسئل عن الرجل يشتري من الرجل السلعة على أن يتحمل للبائع رجل على أنه إن مات الحميل قبل ذلك، فلا حق له على ورثته، أو مات صاحبه قبل، فلا حمالة له على الحميل والورثة، قال: هذا حرام، فإن وقع وفاتت السلعة ردت إلى القيمة، والحمالة ساقطة عن الحميل، على كل حال. قال أصبغ: أرى جوابه هذا على عجلة وغير علم بالمسألة،
стр. 5369
وأنه أجاب جواب غيرها مما سبق إليه ظنه به، وليس بالمسألة بأس، والبيع عليهما؛ لأن الشرط ليس للمشتري، وإنما هو للحميل، والحق ثابت بحاله للغريم، ليس فيه شرط، فيكون فيه غرور، ومعناه: وإنما شرط الحميل لنفسه كما لو تحمل على غير بيع، ولا اشترى منهما بدين قد كان على المحيل قبل ذلك ثابتا بعوض أو بغيره، واشترط الحميل لنفسه هذا الشرط، لم يكن به بأس، فذلك هو بالبيع والاشتراء، إذا كان الثمن المشتري ثابتا مؤجلا وللحميل شرطه، وإنما ذلك بمنزلة ما لو احتمل مهر امرأة إن تم الدخول بها فعليه، وإن ماتا قبل ذلك أو طلقها فلا احتمال عليه، وهو على الزوج ثابت. أو تحمل على إن أعطاني فلان وثيقة قبل أن يموت، وإلا فلا حمالة لكم علي، أو تحمل إلى قدوم فلان، فإن قدم، أو إلى أجل على إن قدم قبل الأجل فلا حمالة عليه، فهذا كله وما أشبهه، جائز ولا مغاررة فيه من الحميل والبائع، ولا في البيع والاشتراء؛ لأن الثمن ثابت على المشتري، وإنما الذي يفسد ويحرم، أن لو اشترط المشتري إن مات قبل الأجل، فلا تباعة عليه، وإن مات صاحب الحق فلا تباعة له ولا لورثته، والثمن مقدر، أو اشترط الحميل لنفسه وللمشتري جميعا، فيكون أفسد وأشهد وإلا فلا بأس به إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قول: الرجل يشتري من الرجل السلعة على أن يتحمل للبائع رجل، يريد: بالثمن الذي اشتراها به إلى أجل. وقوله: على أنه إن مات قبل ذلك، يريد: قبل الأجل الذي اشترى إليه السلعة. وقوله: أو مات صاحبه قبل، يريد: أو مات المتحمل به المشتري قبل الأجل أيضا، والحمالة على هذا الشرط جائزة إن كانت بعد عقد البيع، روى ذلك
стр. 5370
أصبغ عن ابن القاسم، فيما حكاه ابن حبيب. واختلف إن كانت مشترطة في أصل عقد البيع على أربعة أقوال: أحدها قول ابن القاسم هذا: إن البيع فاسد، والحمالة ساقطة، والثاني: قول أصبغ: إن البيع جائز، والحمالة لازمة، وهو قوله: والمسألة ليس بها بأس والبيع عليهما، يريد: الشرطين، والثالث: إن البيع جائز، والحمالة ساقطة، والرابع: إن البيع فاسد والحمالة لازمة، والاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في البيع على رهن فاسد، على حسب ما قد ذكرناه في أول سماع أصبغ، من كتاب الرهون. وقال بعض أهل النظر: إن قول ابن القاسم في هذه المسألة مخالف لأصله في المدونة في إجازة اشتراط الرهن الغرر، كالثمرة التي لم يبد صلاحها في أصل البيع، وليس ذلك عندي بصحيح، لافتراق المسألتين، فإن الغرر في الثمرة لا صنع لهما فيه والغرر في الحمالة إنما كان بقصدهما له، واشتراطهما إياه، ولو كان الرهن إنما الغرر فيه بما اشترطاه، لجاز ارتهانه بعد عقد البيع قولا واحدا، ويتخرج في اشتراطه في عقد البيع أربعة أقوال، حسبما قد ذكرناه في أول سماع أصبغ، من كتاب الرهن.
وهذه المسألة من غريب المسائل على مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا تجوز الحمالة إذا انفردت عن البيع ويبطلها ويفسد البيع إذا اشترط في أصله. وفرق أشهب في رواية البرقي عنه بين الرهن والحمالة الصحيحين في أصل البيع الفاسد، فأبطل الحمالة وجعل الرهن رهنا بالثمن من الثمن أو القيمة، وابن القاسم يبطل الرهن والحمالة في أحد أقاويله، على ما مضى من اختلاف قوله في رسم العرية من سماع عيسى. وبالله التوفيق.
[مسألة: تحمل عن رجل فقال الذي عليه الحق للحميل بعني سلعتك]
مسألة وسئل عن رجل تحمل عن رجل، فقال الذي عليه الحق للحميل: بعني سلعتك اقضها فلانا أو أبيعها فاقضها فلانا،
стр. 5371
فتسقط عنك الحمالة، قال: ما أراه يحل ولا يعجبني، لأني أخاف أن يكون من وجه الدين بالدين، ووجه من وجوه الربا.
قال محمد بن رشد: المكروه في هذه المسألة بين؛ لأن المعنى فيها أنه اشترى منه السلعة إلى أجل بأكثر من قيمتها نقدا على أن يقبضها غريمه فيما كان له عليه من الدين الذي كان تحمل به عنه، إن كان قضى السلعة بعينها عنه، ولم يبعها، وإن كان باعها فقضاه الثمن، صار كأن الحميل قضى عنه عشرة، إن كان باع السلعة في التمثيل بعشرة، على أن يأخذ من المشتري خمسة عشر إلى أجل إن كان باعها منه في التمثيل بخمسة عشر إلى أجله، فدخله سلف خمسة في خمسة عشر إلى أجل بذلك الدينار بعينه. ووجه من وجوه الدين بالدين كما قال؛ لأن الحميل كأنه دفع إلى المتحمل له، عشرة دنانير، على أن يأخذ بها عن المتحمل عنه خمسة عشرة إلى أجل، وذلك من المكروه. وبالله التوفيق.
[باع من رجل عبدا بنظرة فأحال بها عليه رجلا فأقر بها المشتري]
ومن كتاب القضاء العاشر من البيوع
قال أصبغ: وسألته عن رجل باع من رجل عبدا بنظرة، فأحال بها عليه رجلا فأقر بها المشتري الذي أحيل بها عليه، ثم رد العبد من عيب كان به. قال: إن كان أحاله بدين كان له عليه، لزم المتحمل عليه غرم ذلك للمحال، وإن كان أصله منه، أو هبة وهبها لآخر لم يلزمه غرم شيء إذا لم يكن دفعها، وإن هو دفعها إليه، لم ينتفع بها الموهوب له أو المتصدق عليه والموصول بها، ولم يتبع بها إلا البائع الذي باعه الرأس، ولم يكن له على المدفوع
стр. 5372
إليه قليل ولا كثير، وإنما دفعه إياها بمنزلة ما لو قبضها البائع، ثم تصدق بها على أحد، أو وهبها له؛ لأنه يوم فعل ذلك لم يكن عليه دين يرد به صدقته ولا هبته، وإنما هو قضاء حادث. وفي سماع أبي زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن باع عبدا بنظرة فأحال غريما على المشتري بالثمن، فرد بعيب: إنه يلزمه أن يدفع الثمن إلى المحال ويرد به على البائع المحيل، وهو مثل قوله في كتاب الحوالة من المدونة: إنه إذا استحق العبد على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع، فدخل فيه قول أشهب، فلا يلزمه على مذهبه أن يدفع الثمن إلى المحال، وإن كان قد دفعه إليه قبضه منه أو فات عنده على مذهبه، مضى له، ورجع المشتري بالثمن على البائع، وقيل: لا يلزمه أن يدفعه إليه، فإن دفعه إليه، كان له أن يرجع به عليه، وإن فاته من يده، وإن شاء رجع على البائع؛ لأن البيع قد كشف أنه أحاله بما لم يملك، وأما على القول بأنه ابتداء بيع، فيلزمه أن يدفع إلى المحال الثمن قولا واحدا. والله أعلم.
وكذلك يختلف إذا وهب الثمن أو تصدق به ثم استحق العبد أو رد بعيب على هذه أربعة أقوال: أحدها إن هبته والصدقة به، تفوت له، ويلزم المبتاع أن يدفعه إلى المتصدق عليه، أو الموهوب له، ويرجع به على البائع الواهب. روى ذلك عيسى عن ابن القاسم في المدونة قال: ذلك إذا كان قد جمع بينه وبينه، فأقر له، وهو قول بعض الرواة في النكاح الثاني من المدونة. وفي المرأة تهب لرجل صداقها على زوجها قبل الدخول، فيطلقها، إنه يلزمه أن يدفع جميعه إلى الموهوب له، ويرجع بنصفه على المرأة. والثاني إنه لا يفوت إلا بالقبض، فإن لم يدفعه المشتري، كان له أن يمسكه، وإن كان قد
стр. 5373
دفعه لم يكن له أخذه، ورجع على البائع به. والثالث إنه لا يفوت إلا باستهلاك الموهوب له بعد القبض، فإن كان لم يدفعه كان له أن يمسكه وإن كان قد دفعه إليه، كان له أن يأخذه منه ما لم يفوته بأكل أو استهلاك، فإن فوته بذلك، مضى له ورجع المشتري به على البائع الواهب. والرابع إن الهبة والصدقة لا تصح للموهوب له والمتصدق عليه في حال من الأحوال؛ لأن الغيب كشف أنه وهب أو تصدق بما لم يملك، وإن كان قد دفعه باستهلاكه، رجع المبتاع على البائع، ورجع البائع على المتصدق عليه والموهوب له. حكاه محمد بن المواز عن ابن القاسم في المرأة تأخذ الصداق من زوجها تتصدق به، فيطلقها قبل الدخول، إنه يرجع عليها بنصف الصداق، وترجع هي به على المتصدق عليه؛ لأنها تصدقت عليه بما لم يصح لها ملكه. وفي المسألة قول خامس، وهو إن كان البائع الواهب عديما، كان للمشتري أن يمسكه إن كان لم يدفعه، وإن كان مليا لزمه أن يدفعه إلى الموهوب له، ويتبع به الواهب، وهو قول ابن القاسم في النكاح الثاني من المدونة، وفي المرأة تهب الصداق الذي لها على زوجها فيطلقها قبل الدخول.
هذا تحصيل الخلاف في هذه المسألة، والذي يوجبه النظر والقياس فيها أن يكون هذا الاختلاف في الرد بالعيب على القول بأنه بيع مبتدأ، وفي الطلاق قبل الدخول على القول بأن المرأة يجب لها جميع الصداق بالعقد، ولا يجوز الهبة ولا الصدقة في الاستحقاق ولا في الرد بالعيب على القول بأنه نقض بيع، ولا في الطلاق؛ لأنه لا يجب للمرأة بالعقد إلا نصف الصداق، فيأتي جواب ابن القاسم في مسألة هبة الزوجة صداقها قبل الدخول، على القول بأن المرأة لا يجب لها بالعقد من الصداق إلا نصفه. وجواب بعض الرواة على أنها يجب لها بالعقد جميعه. وبالله التوفيق.
стр. 5374
[يقول للرجل تحمل عني لفلان ولك دينار]
ومن كتاب محض القضاء وسئل أصبغ عن الرجل يقول للرجل: تحمل عني لفلان، ولك دينار. قال: لا خير فيه، كأنه أعطاه دينارا على أن يضمن عنه عشرة، فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الحمالات بالجعل حرام. وقوله. وكأنه أعطاه دينارا على أن يضمن عنه عشرة، ليس بكلام مستقيم، إذ ليس بشبيه له، وإنما هو ذلك بعينه فكان صواب الكلام أن يقول: لا خير فيه؛ لأنه أعطاه دينارا على أن يضمن عنه عشرة، أو يقول: لأنه كأنه أعطاه دينارا على أن يسلفه عشرة دنانير، يؤديها عنه إلى غريمه، ويتبعه بها إن طلب بالحمالة، وقد يطلبه بها، وقد لا يطلب، فهو ربى بين، وغرر ظاهر، وذلك حرام لا يجوز، فإن وقع ذلك، رد الدينار، وبطلت الحمالة، وإن كانت في أصل العقد، وكذلك إذا أعطاه الجعل المتحمل عنه، بعلم المتحمل له، وأما إن أعطاه المتحمل عنه بغير علم الطالب المتحمل له، فيرد الجعل، وثبتت الحمالة.
وقد مضى هذا المعنى في أول رسم سماع ابن القاسم، وفي أول سماع أشهب، فقف على ذلك في الموضعين. والله الموفق.
[مسألة: كان له على رجل مائة دينار إلى أجل فقال أعطني حميلا إلى الأجل]
مسألة وسئل أبو زيد، عن رجل كان له على رجل مائة دينار إلى أجل، فقال له صاحب الحق: أعطني بمالي عليك حميلا إلى الأجل، وأنا أضع عنك منها عشرة، ففعل ذلك، فأعطاه حميلا بما له عليه إلى أجله، على أن يضع عنه عشرة دنانير، قال: لا بأس بذلك، قلت: أرأيت لو قال له: أعطني بمالي عليك رهنا أو حميلا
стр. 5375
إلى أجل. وهذه عشرة دنانير، فخذها مني، فأعطاه رهنا أو حميلا وأخذ منه عشرة دنانير نقدا ليس. مقاصة، ولا وضيعة مما له عليه. قال: وهذا أيضا مثله لا بأس به.
قال محمد بن رشد: لم يذكر في بعض الروايات أبا زيد، فدل على أن المسئول أصبغ. وإجازة من أجاز منهما أن يضع الرجل على الرجل بعض ماله عليه من الحق على أن يعطيه بالبقية رهنا أو حميلا، أو يعطيه دنانير على أن يعطيه بحقه رهنا أو كفيلا، خلاف ما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، وخلاف ما في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال، وإجازة ذلك على ما في هذه الرواية عن أصبغ وأبي زيد أظهر، ووجه الكراهية فيه عند مالك وابن القاسم، أن المعطي للدنانير أعطاه عوضا عما لا يعلم قدر الانتفاع به من الرهن، أو الحميل، إذ لا منفعة للمرتهن في الرهن إلا أن يقوم الغرماء على الرهن، وهو لا يدري هل يقومون عليه أم لا؟ ويكون قدر انتفاعه به إن قام عليه الغرماء؛ لأن كل ما كثر عليه الديون، كثر انتفاعه بالرهن، فدخله الغرر، والحميل أبين من الغرر. وبالله التوفيق.
[يشتري من البكر أو المولى عليه ويتخذ عليهما حميلا بما لزمه]
من نوازل سئل عنها أصبغ وسئل أصبغ عن الرجل يشتري من البكر أو المولى عليه، ويتخذ عليهما حميلا بما لزمه من قبله أو من قبلها من درك، هل يلزم الحميل حمالته إذا فسخ بيع السفيه والبكر، وإبطال الثمن عنهما بفاسدهما وأنهما لم يدخلاه في منفعة، ويعدى عليه المشتري بالثمن كما اشترط في حمالته؟ وكيف إن لم يذكر حمالته وقال: إنما نشتري منك على أنك ضامن لما أدركني من قبله؟ قال أصبغ: الحمالة لازمة، ولا تسقط عنه؛ لأنه ليس فيها حرام يسقط به، إنما
стр. 5376
ضمن ما دفع إلى السفيه، فهو كرافعه إليه، ويغرم به، ويسقط عليه ولا يتبعه به، فأما ضمان ما أدرك منه فلا أراه شيئا؛ لأنه لم يدركه من السفيه لما شرط، إنما أدركه به وليس منه، فلا أراه شيئا، إلا أن يكون السفيه هو القائم بذلك عن نفسه، ولنفسه، حتى فسخ له شراء المشتري وإبطال ماله، بمعاملة قام بذلك عن نفسه فقضي له، أو حسنت حاله، وقام به قيام وصحة، فقضى له، فإن كان كذلك، رأيت الضمين ضامنا لأنه أدركه منه وإلا فلا.
قال محمد بن رشد: ألزم أصبغ، من تحمل للمشترى عن البكر أو المولى عليه بما لزمه من قبل كل واحد منهما ما التزمه، وكذلك إذا ضمن ذلك عنهما. وفي قوله في السؤال: وكيف إن لم يذكر حمالته؟ وقال إنما أشتري منك على أنك ضامن لما أدركني من قبله، دليل على أن الحمالة عنده ألزم من الضمان في ذلك، وإن كانا عنده جميعا لازمين فيه، والأظهر أن يكون الضمان في ذلك ألزم من الحمالة، وإن لزما جميعا؛ لأن السفيه لا يرجع عليه، والحمالة تقتضي الرجوع، والضمان يحتمل الحمل الذي لا رجوع فيه، والحمالة التي فيها الرجوع، فاللفظ الذي يحتمل فيما لا رجوع فيه، ينبغي أن يكون ألزم من اللفظ، الذي لا يحتمل الحمل فيما لا رجوع فيه، وظاهر قول أصبغ إلزام الحميل الحمالة، وإن لم يعلم بسفه الذي تحمل عنه، وهو مذهب ابن القاسم، ومعنى ذلك عندي إذا لم يعلم بذلك المتحمل له أيضا، وأما إذا علم هو ولم يعلم الحميل، فينبغي أن لا تلزمه الحمالة؛ لأنه قد غره، إذ لم يعلمه بسفهه، حتى يتقدم في الضمان عنه على المعرفة بأنه لا يرجع بما ضمن، وابن الماجشون يقول: إن الحمالة لا تلزم الحميل إذا لم يعلم بسفه المتحمل عنه، معناه: علم المتحمل أو لم يعلم،
стр. 5377
فالخلاف فيما بين ابن القاسم وابن الماجشون، إنما هو إذا لم يعلما جميعا، وأما إذا لم يعلم الحميل، وعلم المتحمل له، فلا تلزمه الحمالة، قولا واحدا، فإن علما جميعا أو علم الحميل منهما، لزمته الحمالة قولا واحدا. وقد رأيت لابن الماجشون، أنه إذا علم المتحمل له، فلا شيء على الحميل، علم أو لم يعلم، وهو بعيد أن تسقط الحمالة عن الحميل إذا تحمل به وهو يعلم بسفهه، فإن علم الحميل ولم يعلم المتحمل له، لزمته الحمالة باتفاق، وإن علم المتحمل له ولم يعلم الحميل لم تلزم الكفالة باتفاق، وإن جهلا جميعا أو علما جميعا لزمته الحمالة عند ابن القاسم، ولم تلزم عند ابن الماجشون، إلا في وجه واحد من الأربعة أوجه، وهو أن يعلم الحميل ولا يعلم المتحمل له، ولا تسقط عند ابن القاسم إلا في وجه واحد منها، وهو ألا يعلم الحميل، ويعلم المتحمل له، وفي قوله في سؤال المسألة: وإبطال الثمن عنهما لفسادهما، وأنهما لم يدخلاه في منفعة، دليل بين على أن السفيه لا يبطل عنه ما أدخله في منفعته، وصرفه في وجوهه، وفي ما لا غناء له عنه، وهو نص قوله في نوازله من كتاب المديان والتفليس، خلاف ما رواه عن ابن القاسم وابن كنانة حسبما ذكرناه هناك. وتفرقة أصبغ في هذه الرواية أن يقول: أتحمل لك بما أدركك منه أومن قبله بين على ما تقتضيه الألفاظ، إذا عرى الأمر من بساط، يدل على الوجه الذي التزم الطلاق به وبالله التوفيق. اللهم لطفك.
[يتحمل بوجه إلى أجل فلا يأتي من تحمل عنه إلى الأجل]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن الذي يتحمل بوجه الرجل إلى أجل، فإن لم يأت به إليه، فالمال عليه، فلا يأتي به إلى الأجل، ويأتي به من الغد، إن الحميل ضامن للمال، حين لم يأت به يوم الأجل.
стр. 5378
قال محمد بن رشد: إعمال ابن القاسم هذا الشرط في رواية أبي زيد عنه، خلاف أصله المعلوم من قوله، وروايته عن مالك في مسألة كتاب بيع الخيار من المدونة في الذي يبيع السلعة من رجل، على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام، فإن غابت الشمس من آخر الثلاثة الأيام، ولم يأت بها، لزمه البيع، إنه بيع مكروه، لاشتراطه فيه ما يوجب الحكم خلافه، ولم يتكلم في المدونة على حكم البيع إذا وقع على هذا الشرط. وقد اختلف في ذلك، فقيل: يفسخ البيع، وهو دليل ما في كتاب ابن المواز من أنه بيع فاسد، وقيل: يبطل الشرط ويجوز البيع، على قياس قوله: إن لم يأت بالثمن إلى كذا وكذا، فلا بيع بينهما، فقول ابن القاسم في هذه الرواية، يأتي على قياس قول أشهب: في أن البيع يلزم المشتري بمغيب الشمس من آخر أيام الخيار، والذي يأتي على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، إن كان الحميل بهذا الشرط بعد عقد البيع أن يبطل الشرط ويتلوم الحميل إن حل الأجل، ولم يأت بالغريم، حسبما مضى من الاختلاف في ذلك في رسم الجواب من سماع عيسى، ورسم المكاتب من سماع يحيى. وقد قيل: إن المال يلزمه إذا مضى بعد الأجل قدر ما يتلوم له فيه الثلاثة الأيام. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها إن المال يلزمه بمضي الأجل كما شرط، والثاني إن المال يلزمه بمضي قدر التلوم، والثالث إن المال لا يلزمه إلا بالحكم بعد التلوم، كما إذا تحمل بالوجه ولم يشترط شيئا أو دون تلوم، على ما حكاه ابن المواز عن ابن القاسم عن ابن وهب، من أن الحميل بالوجه لا يؤجل إذا حل الأجل وغاب الغريم، وإن كان في عقد البيع فسد البيع على الاختلاف الذي ذكرته في أول رسم من سماع أصبغ في الحمالة الفاسدة المشترطة في أصل البيع. وبالله التوفيق.
[مسألة: عليه دين وله مال غائب يعلم غرماؤه ذلك فطلبوا حميلا حتى يقدم المال]
مسألة وقال في رجل عليه دين، وله مال غائب، يعلم غرماؤه
стр. 5379
ذلك، فقالوا: أعطنا حميلا حتى يقدم مالك، قال: ليس ذلك لهم، إلا أن يخافوا عليه أن يموت أو يغيب عنهم.
قال محمد بن رشد: كان ابن عتاب يضعف هذه الرواية ويقول: إنها رواية ضعيفة، خارجة عن الأصول، كالتي فوقها، وككثير مما روي. والصواب أنه يلزمه حميل بالمال، إذا سأل أن يؤخر بما عليه حتى يأتي به، فرأى ذلك القاضي بوجه النظر والاجتهاد.
وكان الفقهاء بطليطلة يتفقون فيمن عليه دين، فسأل أن يؤخر به حتى ينظر فيه وهو وافر الحال، معلوم بالجدة واليسار والمال المأمون، فأُجل في ذلك، أنه لا يلزمه حميل إلا بوجهه، بدليل هذه الرواية، وهو لعمري دليل ظاهر، وإلى هذا ذهب ابن مالك فقال: إذا كان المطلوب معروف العين مشهورا ظاهر الملا بين الوفر، فلا يؤخذ منه حميل؛ لأن معنى الحميل، إنما هو الوثق بالطلب بحميل، هو واثق من مطلوبه، فإذا كان مطلوبه ثقة، فلا معنى للحميل، إذ لو أتاه بحميل ملي بماله، وإن لم تكن حاله في الملا كحال المطلوب، لقبل منه، فبان بذلك أنه لا معنى للحميل في ذلك. قال: وإنما كان سحنون يرى على قاتل الخطأ الحميل، لتشهد البينة على عينه في رجل غير مشهور. هذا معناه عندنا، فعلى ما ذهب إليه ابن مالك، إذا لم يكن مشهور العين، وهو ظاهر الملا والوفر، لزمه حميل بوجهه على ما كان يفتي به فقهاء طليطلة دون تفصيل، فقول ابن مالك هو الصحيح في المسألة، وتضعيف ابن عتاب الرواية صواب؛ لأن مال المطلوب غائب على ما ذكره فيها، فوجب أن يؤخذ منه حميل بالمال، بخلاف إذا كان ماله حاضرا ووفره ظاهرا من الأصول وغير ذلك، فها هنا يحسن قول ابن مالك، وما كان يفتي به الفقهاء بطليطلة، وهو قول سحنون، كتب إليه في رجل بعث معه
стр. 5380
بمال، فتعدى فيه، فأنفقه، ثم اعترف به عند الحاكم، وقال: هذا ربعي أبيعه، فيعرضه، فلا يجد من يشتريه، فطلب منه الطالب حميلا بوجهه. فهل ذلك عليه؟ وهل يحبس إن لم يجد حميلا؟ فكتب، لا حميل على هذا ولا حبس، إذا بذل من نفسه هذا، ولم يتهم، وإنما يحبس المفلس، فيتهم أن يخفي مالا. وبالله التوفيق.
[مسألة: اشترى دابة وثوبا إلى أجل وتحمل آخر بالبيع فحل الأجل والغريم غائب]
مسألة وقال في رجل اشترى من رجل دابة وثوبا إلى أجل، وتحملت أنا بالبيع، فحل الأجل، والغريم غائب، فقام المشتري، قال: إن غرم الحميل ثوبا مثله، ودابة مثلها من عنده بغير شراء يشتريه، فالذي عليه الحق مخير، إن شاء أعطاه قيمة ثوبه، أو قيمة دابته، بدابة مثل دابته، أو ثوب مثل ثوبه. وإن اشترى الثوب أو الدابة، كان على الذي عليه الحق ذلك الثمن، ولو أعطاه الحميل من ثوب حمارا أو من حمار ثوبا، كان الذي عليه الحق مخيرا إن شاء قيمة ما دفع، أو يدفع إلى الحميل مثل الذي تحمل به عنه، ثوبا كان أو دابة.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ها هنا في بعض الروايات وقد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم الأقضية من سماع يحيى فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
[مسألة: اشترى سلعة بعشرة دنانير إلى شهر فلما حل الأجل أداها الحميل من ماله]
مسألة وقال في رجل اشترى من رجل سلعة بعشرة دنانير إلى شهر، على أن تحمل له بها رجل، فلما حل الأجل أداها الحميل من ماله، ثم جحد أن يكون أخذ شيئا، فرجع على الحميل، فأخذها ثانيا. قال: إن كان دفع العشرة الأول أو الآخرة بحضرة الغريم
стр. 5381
بعشرين، وإن كان دفع بغير حضرته، فليس له عليه إلا عشرة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم أوصى لمكاتبه من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: ضمن قمحا لرجل إلى أجل فلما حل الأجل لزم الذي ضمن القمح]
مسألة وسئل عمن ضمن قمحا لرجل على أخ له إلى أجل، فلما حل الأجل، لزم الذي ضمن القمح، فجاء الذي عليه القمح فقال: إن فلانا لزمني بذلك القمح، فدفع إليه الغريم دنانير، وقال: اذهب، اشتر له بها قمحا، فاقضه، فقال الذي ضمن ذلك القمح: عندي قمح، وأنا أبيعك عشرة أراديب بدينار، وادفع إليه القمح، فقال: لا يحل للذي له القمح أن يقبضه من الذي ضمن حتى يكلفه للذي عليه الحق، حتى يصير ضمانه منه، ثم يقبضه منه بعد، قال: وأحب إلي أن يوكل الذي عليه الحق من يقبضه من الذي ضمن، ثم يوفيه إياه، فإن وكل الذي ضمن، فأرجو أن يكون خفيفا وضعفه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
[مسألة: تحملوا لرجل عن رجل بأربعمائة دنانير وبعضهم حملا عن بعض فحل الأجل]
مسألة وقال ابن القاسم في أربعة نفر، تحملوا لرجل عن رجل بأربعمائة دنانير، وبعضهم حملا عن بعض، فحل الأجل، وثلاثة منهم غيب، والرابع حاضر، فأغرمه صاحب الحق مائتين، ثم جاء أحد الثلاثة الغيب، فقال: يغرم للذي أدى المائتين، ستة وستين دينارا وثلثي دينار. قيل له: فإن لم يقدم أحد الغائبين الآخرين كيف
стр. 5382
يرجع عليه؟ قال: يغرم أربعة وأربعين دينارا، أو أربعة أتساع الدينار، فيكون بين الذي غرم أولا وبين الذي جاء الثاني نصفين سواء، اثنين وعشرين دينارا وتسعي دينار لكل واحد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في مسألة الستة كفلا وعلى ما في كتاب محمد بن المواز من أن الحملاء في صفقة واحدة على أن بعضهم حميل عن بعض، إذا أخذ أحدهم ما ينوبه من جملة ما تحملوا به فأقل، لم يكن له به رجوع على أصحابه، وإنما يرجع على من وجد منهم بما يجب عليه مما أخذ منه زائد على ما ينوب به من جملة ما تحملوا به.
وبيان ذلك في هذه المسألة بعينها، أن الغريم الذي تحمل له الأربعة كفلا بأربعمائة دنانير، وكل واحد منهم حميل عن أصحابه لما وجد أحدهم، فأخذ منه مائة دنانير، كانت المائة الواحدة منها هي التي تنوبه من جملة ما تحملوا به، فلا رجوع له بها على أحد، والمائة الثانية أداها عن أصحابه الكفلا الثلاثة الغيب، ثلاثة وثلاثين وثلثا ثلاثة وثلاثين، وثلثا ثلاثة وثلاثين وثلثا وثلثا عن كل واحد منهم، فإن قدم أحدهم قام عليه الذي أدى المائتين، فقال له: قد أديت إلى الغريم مائتين، المائة الواحدة واجبة علي لا رجوع لي بها إلا على المتحمل عنه، والمائة الثانية أديتها بالحمالة عنك وعن صاحبيك الغائبين، ثلاثة وثلاثين وثلثا عنك، وستة وستين دينارا وثلثي دينار عن صاحبيك الغائبين، ثلاثة وثلاثين وثلثا وثلاثة وثلاثين وثلثا عن كل واحد منهما، فادفع إلي الثلاثة والثلاثين وثلثا التي أديت عنك في خاصتك بالحمالة، ونصف ما أديت عن صاحبيك الغائبين بالحمالة، لأنك حميل معي بهما، وذلك ثلاثة وثلاثون دينارا، وثلث دينار، لأني أديت عنهما جميعا ستة وستين وثلثين، فيأخذ منه ستة وستين وثلثين، كما قال، وذلك بين حسبما بيناه، فإن قدم بعد ذلك الثاني من الغائبين، فقام عليه الأول الذي أدى
стр. 5383
مائتين، والثاني الذي رجع عليه الأول بستة وستين وثلثين، رجعا عليه بأربعة وأربعين، وأربعة أتساع، فاقتسماها بينهما بالسواء. وتفسير ذلك، أنهما يقولان له: أدينا عنك في خاصتك ثلاثة وثلاثين وثلثا، فادفعها إلينا، وأدينا عن الغائب الثاني بالحمالة، ثلاثة وثلاثين وثلثا، فعليك ثلثها، لأنك حميل معنا به، وذلك أحد عشر وتسع، فيأخذان ذلك منه قيمة أربعة وأربعين، وأربعة أتساع بينهما كما قال، اثنين وعشرين وتسعين لكل واحد منهما، فهذا تفسير ما ذكره من التراجع في هذه المسألة، فإن قدم بعد ذلك الغائب الرابع، فقام عليه الثلاثة الأول، الذي أدى مائتين، فرجع منهما على القادم بستة وستين وثلثين، وعلى القادم الثاني باثنين وعشرين وتسعين حسبما وصفناه، والثاني الذي رجع عليه الأول بستة وستين وثلثين، فرجع هو منهما على القادم الثاني باثنين وعشرين وتسعين، والثالث الذي رجع عليه الأول، والثاني بأربعة وأربعين وأربعة أتساع فيما بينهما حسبما وصفناه، بأنهم يرجعون عليه بثلاثة وثلاثين وثلث فيما بينهم إحدى عشر وتسع لكل واحد منهم، فيستوي الأول بذلك جميع المائة التي أدى بالحمالة؛ لأنه رجع على الذي قدم أولا بستة وستين وثلثين، وعلى الذي قدم ثانيا باثنين وعشرين وتسعين، فتمت بذلك المائة، ويكون كل واحد منهما من الثلاثة الغيب، قد أدى ثلاثة وثلاثين وثلثا كما وجب عليه من المائة التي أداها عنهم الأول، وذلك أن الأول من القادمين كان رجع عليه الأول بستة وستين وثلثين، فرجع منهما على القادم الثاني، باثنين وعشرين وتسعين، وعلى هذا الثالث بإحدى عشر وتسع، فتمت ثلاثة وثلاثين وثلث، نصف ما كان أدى، والثاني من القادمين كان رجع عليه الأول والثاني بأربعة وأربعين وأربعة أتساع على ما بيناه، فلما رجع منها على الثالث بأحد عشر وتسع، كان الذي غرم ثلاثة وثلاثين وثلثا، فاستوى ثلاثتهم في الغرم، وبقي لصاحب الدين من دينه مائة دينار، فرجع بها عليهم ثلاثتهم، فيأخذ من كل واحد منهم ستة وستين دينارا، وثلثي دينار، فيكون كل واحد منهم قد أدى مائة مائة، كما أدى الأول، وقد رجع بالمائة الثانية،
стр. 5384
فيرجع كل واحد منهم بالمائة التي أدى إلى المتحمل له على المحتمل عنه. فهذا بيان هذه المسألة وتمامها على هذا القول، وأما على القول بأن الحملا في صفقة واحدة كل واحد منهم حميل على صاحبه، يرجع من أدى منهم شيئا على أصحابه بما يجب عليهم من جميع ما أداه حتى يستوي معهم في الغرم، كان هو الذي ينوبه مما تحملوا به، أو أكثر أو أقل، فلا يحتاج في التراجع إلى هذا التشغيب؛ لأن كل ما وجد واحد منهم واحدا من أصحابه، رجع عليه حتى يساويه فيما غرم.
بيان ذلك في مسألتنا هذه: أن الأول الذي غرم مائتين، يرجع على القادم أولا من الغيب الثلاثة بمائة، ثم إن قدم الثاني رجعا عليه بستة وستين وثلثين، فاستوى ثلاثتهم في الغرم ثم إن قدم الثالث، رجعوا عليه بخمسين ربع المائتين، فاقتسموها بينهم ثلاثتهم، يجب لكل واحد منها ستة عشر وثلثان، فيكون الذي أدى كل واحد منهم، خمسين وخمسين وهذا كله بين. وبالله التوفيق.
[مسألة: يكون عليه دين يحيط بماله أو ببعضه يتحمل بحمالة وهو يعلم أنه سيغرم]
مسألة وقال في رجل يكون عليه دين يحيط بماله أو ببعضه، يتحمل بحمالة وهو يعلم أنه سيغرم، إنه لا ينفعه ذلك فيما بينه وبين الله، وهو يعلم أنه سيغرم، والحمالة أيضا عند مالك مفسوخة لا تجوز وراءها من ناحية الصدقة، ولم يرها من ناحية البيع، وذلك أن الحمالة معروف لا شك فيه، وكل معروف صدقة.
محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة بزيادة من قول أصبغ، من كتاب المديان والتفليس. ومضى القول عليها هناك فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
стр. 5385
[مسألة: له على رجل مائة إردب قمح فلزمه بها فقال ليس عندي شيء]
مسألة وسئل عن رجل كان له على رجل مائة إردب قمح، فلزمه بها، فقال: ليس عندي شيء أعطيك، فجاء رجل فقال: أنا أتحمل لك بوجهه إلى غد، فقال صاحب الحق: إن لي عليه مائة إردب قمح، فقال الحميل لست أضمن لك قمحا، ولكن أنظر إلى ثمنه كم هو؟ فإن لم أجئك به، كان على ثمنه، مائة درهم، فتحمل له إن لم يأت بوجهه غدا، كان عليه مائة درهم، فلم يأت به للغد، قال: عليه مائة درهم، قيل له: كيف يصنع بها؟ قال: يأخذها السلطان، فيبتاع له بها قمحا، فإن فضل شيء رد إلى الحميل، وإن عجز لم يكن عليه شيء، قيل له: فإنها ضاعت قبل أن يشتري بها قمحا، ممن يكون؟ قال من الغريم، ويتبع الحميل الغريم الذي تحمل عنه بمائة درهم، ويطلب صاحب الحق أيضا من غريمه الأول، ولا يكون له على الحميل شيء بعد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن صاحب الحق قنع منه بالحميل بالوجه، إذ كان من حقه أن يأخذ منه حميلا بالقمح، لإقراره له به، والمعنى فيها أيضا، أن الغريم سأل الحميل أن يتحمل عنه، وذلك أن مصيبته المائة درهم إن تلفت منه، ولو كان إنما تطوع له بالحمالة عنه من غير أن يسأله ذلك، لوجب أن يكون ضمان المائة منه وأخذت المائة إردب من الغريم فيبعث في المائة درهم للحميل، ويكون على الذي له الحق ما نقص من المائة درهم، وله ما زاد. وبالله التوفيق.
[مسألة: له عليه ثلثا دينار ولآخر نصف فقال لصاحب النصف خذ من هذا ثلثي دينار]
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل كان لي عليه ثلثا دينار، ولرجل علي نصف دينار، فقلت للذي له علي النصف: خذ من هذا ثلثي
стр. 5386
دينار، لي عليه، أحيل به، ويبقى لي عليك سدس دينار، قال: هذا لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز هذا؛ لأنه أحاله بنصف دينار، على أن يسلفه سدس دينار، والحوالة بيع من البيوع، لا يجوز أن يقارنها سلف، ولو أحاله عليه بنصف دينار من ثلثي الدينار الذي له عليه لجاز ذلك؛ لأنه أحاله من ذهب؛ لأن الثابت لكل واحد منهما في ذمة صاحبه ذهب، وإن راعيت ما يوجبه الحكم لكل واحد منهما جاز أيضا؛ لأنه قد أحاله من دراهم في دراهم. وبالله التوفيق.
[باع من ثلاثة نفر سلعة واشترط عليهم أن يأخذ حيهم بميتهم ومليهم بعديمهم]
من سماع حسين بن عاصم وسئل ابن القاسم عن رجل باع من ثلاثة نفر سلعة، واشترط عليهم أن يأخذ حيهم بميتهم، ومليهم بعديمهم، وأيهم شاء أن يأخذ بحقه أخذه، ثم سأل أحدهم حميلا بما عليه فأعطاه حميلا بذلك، ولم يشترط على الحميل شيئا، فلما تقاضاهم الحق قال: أتاه آخذ المحمول عليه بجميع الحق، وأراد غريم الحميل الحق كله، وقد فلس المحمول عنه، فقال: إنما تحملت بما ينوب هذا من المال، فعلي ثلث الحق، فقال ابن القاسم: أرى على الحميل ما على صاحبه، وذلك الحق كله، إذا أخذه الغريم بما شرط عليه، فما وجب على المحمول عنه، وجب على الحميل ما وجب على صاحبه المحمول عنه.
قال الفقيه القاضي وهذا كما قال: إن من حقه أن يأخذ الحميل بما كان له أن يأخذ به المتحمل عنه، وقد كان له أن يأخذ المتحمل عنه بجميع حقه بمقتضى شرطه، فإذا علم الحميل بشرطه، لزمه ما كان يلزم المتحمل عنه، ولو لم يعلم بشرطه لما
стр. 5387
لزمه إلا ثلث الحق، حظ الذي تحمل به، وهو محمول على غير العلم حتى يثبت عليه العلم، فإن أنكر أن يكون علم بالشرط ولم يقم عليه بذلك البينة، لزمته اليمين، فإن حلف لم يلزمه إلا ثلث الحق، وبالله التوفيق.
[مسألة: الحميل إذا اشترط على المتحمل له إذا لقيت صاحبك فتلك براءتي]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الحميل إذا اشترط على المتحمل له، إذا لقيت صاحبك فتلك براءتي، أترى هذا براءة له إن لقيه؟ وكيف إن لقيه بموضع إن تعلق به لم يقدر عليه؟ قال ابن القاسم: أرى له شرطه هذا، وأرى هذا براءة للحميل، بشرط إن لقيه الغريم بموضع يقدر عليه، وإن لقيه بموضع لا يقدر عليه، فلا أرى له ذلك براءة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه شرط لا فساد فيه ولا غرر، فوجب أن يلزم، لقول النبي ﵇: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا» ويبرأ إذا لقيه بموضع يقدر عليه فيه؛ لأنه المفهوم من قوله: إذا لقيت صاحبك، فتلك براءتي، إذ لا معنى للقيه في موضع لا يقدر عليه فيه، كما لو دفعه إليه في ذلك الموضع لم يبرأ من حمالته بدفعه إليه، ولو لم يشترط ذلك عليه، لم يبرأ بلقيه إياه، وإن لقيه في موضع يقدر عليه حتى يدفعه إليه فيه، وشهد عليه بذلك، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم. قال: قلت له: فلو تحمل رجل برجل إلى غير أجل، أو إلى أجل، فلقي الطالب صاحبه مساء وصباحا بعد محل الأجل، فتمر به السنتان والثلاث، لا يذكر من أمره شيئا ولا يطلب الحميل بشيء من حمالته، فيغيب المتحمل عنه أو يموت، فيطلب صاحبه من الحميل حمالته، فقال:
стр. 5388
هو على حمالته، ولا يبريه لقي صاحب الحق إياه، إلا أن يشهد له بالبراءة من حمالته. وقعت هذه الرواية في بعض الروايات في هذا الكتاب متصلة بآخر سماع يحيى وفيها بيان لهذه. وبالله التوفيق.
[مسألة: يتحمل بوجه الرجل ويشترط عليه أنه ليس عليه إلا وجهه ولا يكفل بمال]
مسألة قال: وسألته عن رجل يتحمل بوجه الرجل، ويشترط عليه أنه ليس عليه إلا وجهه، ولا يكفل بمال إن جاء عليه، وإنما علي وجهه أطلبه حيث كان، فيغيب المحمول عنه، ويؤجل المحيل أجلا بعد أجل فلا يحضر به، قال ابن القاسم: قال مالك: ليس عليه إلا وجهه أبدا، وإن أجله آجالا كثيرة، وشرط الحميل جائز. قلت له: فإذا كانت غيبة المحمول عنه لا تعرف، أيكلف الحميل طلبه؟ قال لا أرى ذلك، قلت: فإن قال المحمول له: أنا بموضع قد سماه، فأخرج فآتني به. قال: ينظر في ذلك للحميل، فإن كان المحمول عنه ببلد يقوى مثله على السير إليه، أمر بذلك، قلت لابن القاسم: فإن خرج إليه فقدم، فقال: لم أجده، وقال المتحمل له: من يعلم أنك بلغت الموضع؟ قال: إذا غاب عن موضعه قدر ما يرى أن مثله يبلغ في مثله ذلك الموضع، فأراه مصدقا في قوله، قال ابن القاسم: وإن كان ضعيفا عن الخروج إلى مثل ذلك الموضع الذي ذكره المحمول له، فلا أرى أن يؤمر بذلك، قلت لابن القاسم: فإن تبين أنه ببلد، وأنه لا يطلبه، قال ابن القاسم: وكيف يختبر هذا؟ إلا أن تقوم بينة أنه خرج، فأقام بقرية، فرجع ولم يتوجه إلى المحمول عنه، وما أشبه ذلك، فأرى للسلطان أن
стр. 5389
يعاقبه بالحبس في ذلك على قدر ما يرى، أو يأمره بإحضار صاحبه إن قدر عليه، فأما ضمان المال، فلا أراه عليه إلا أن يكون لقيه فتركه، أو غيبه في بيته وأبى أن يظهره، فإذا أثبت ذلك ببينة عدل، رأيته ضامنا لما عليه إن لم يحضره إياه، وإرساله بعد أن أخذه حتى تلف ذلك الحق، فعليه ضمان ذلك في عنقه. قال أشهب: أراه ضامنا إذا أخذه ثم خلاه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مثل ما في المدونة وغيرها إن الحميل بالوجه، إذا اشترط ألا شيء عليه من المال، فله شرطه، ولا ضمان عليه إلا أن يغيبه أو يفوته عليه، أو يحول بينه وبينه، وما أشبه ذلك، وإنما عليه إذا غاب عن موضعه أن يذهب عنه إن كان قريبا، وليس عليه ذلك إن كان بعيدا، ولا أن يطلبه إن جهل موضعه، وقد اختلف في حد البعد الذي يكلف فيه الذهاب عنه، فقال في هذه الرواية: ينظر في ذلك للحميل، على قدر ما يرى أنه يقدر عليه.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم ذلك في مسيرة الأيام التي تكون من أسفار الناس، واختلاف البلدان غير النائية جدا. قال ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس كثير. وحكى عن أصبغ أنه لا يكلف الذهاب عنه إلا مسيرة اليوم واليومين، وما لا مضرة عليه فيه، واختار ابن حبيب القول الأول.
وحكى الفضل عن محمد بن عبد الحكم، أن السلطان يتلوم له، فإن جاء به وإلا حبسه حتى يأتي به. وفي كتاب ابن المواز إذا قال: لا أضمن إلا
стр. 5390
وجهه لم يلزمه ضمان المال، كما لو اشترط أنه لا شيء عليه من المال، وهذا عندي فيه نظر، إذ لا فرق بين أن يقول.: أنا ضامن لوجهه، ولا يزيد على ذلك وبين أن يقول: لا أضمن إلا وجهه، في وجوب ضمان الوجه عليه، وضمان الوجه يلزمه المال إذا لم يأت بالوجه.
والذي يوجبه النظر في ذلك عندي أن ينظر فيه إلى البساط؛ لأن في قوله لا أضمن إلا وجهه، دليل على أنه قصد إلى نفي ما سئل إياه، فإن كان قيل له: تضمن فلانا أو تضمن المال عن فلان، فقال: لا أضمن إلا وجهه، لزمه ضمان المال، ولم يأت بالوجه على حكم ضمان الوجه، وإن كان قيل له: تضمن وجه فلان، فإن لم تأت به، غرمت ما عليه، فقال: لا أضمن إلا وجهه، لم يلزمه ضمان المال بحال. وبالله التوفيق.
[مسألة: وجوه الحمالة]
مسألة وسمعت ابن القاسم تكلم في شيء من الحمالة فقال: إنما هي ثلاثة وجوه، وهذا الذي آخذ به لنفسي إذا قال: أنا أتحمل لك بالوجه، ليس أنا من الدين في شيء، فليس عليه إلا وجهه يطلبه أبدا، وإن قال: تحمل لي بوجهه، فإن لم تأتني به غدا فالحق عليك، فإن لم يأت به إلى قدر ما تلوم له السلطان إذ لو رفع إليه، فالحق عليه، ولو رفع إلى السلطان تلوم له اليوم واليومين والثلاثة، يطلبه بعد الأجل، قال: وإن تحمل بالوجه هكذا، ولم يأت به حتى مضى الأجل، وبعد ذلك بشهرين أو ثلاثة، أو أربعة، ثم جاء به، فليس له إلا وجهه، يعني ما لم يخاصمه، فيقضي له عليه.
قال محمد بن رشد: افتراق هذه الوجوه الثلاثة صحيح كما ذكر، غير أن لبعضها تفسيرا وفي بعضها اختلاف، فأما الوجه الأول، وهو أن يتحمل بالوجه، ويشترط ألا شيء عليه من المال، فقد مضى تفسيره في
стр. 5391
المسألة التي قبل هذه وأما الوجه الثاني وهو أن يتحمل بوجهه إلى أجل، ويشترط وجوب المال عليه حلول الأجل، ففيه ثلاثة أقوال، قد مضت في أول سماع أبي زيد وأما الوجه الثالث، فلا خلاف فيما ذكره فيه أعلمه. وبالله التوفيق.
* * *
تم كتاب الكفالة والحوالة بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه. وسلم تسليما، يتلوه كتاب الشركة.
стр. 5392
[: كتاب الشركة] [ مسألة: دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويخرج مثلها أو يشاركه فيها ويتجران جميعا بها]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الشركة من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال في رجل دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويخرج مثلها أو يشاركه فيها ويتجران جميعا بها في موضعهما أو يسافران في ذلك، قال: إذا كان ذلك على وجه الصلة والمعروف منه إلى أخيه ولا حاجة إليه في شيء إلا الرفق به فلا بأس بذلك، وأما أن يحتاج إليه في بصره بالبيع والاشتراء أو نفاذه في التجارة وتعلمه ونحوه فلا خير فيه، قال ابن القاسم: وقال لي مالك بعد ذلك: لا خير فيه على حال، وتفسيره الأول إذا كان لا يحتاج إليه في بصر ولا مرفق لم أر به بأسا هو أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قوله إذا كان ذلك منه على وجه الصلة والمعروف منه ولا حاجة له في شيء من ذلك إلا الرفق فلا بأس به صحيح؛ لأنه إذا فعل ذلك لارتفاقه بمشاركته إياه في وجه من الوجوه كان سلفا جر منفعة، وقد «نهى رسول الله ﷺ عن سلف جر نفعا» ، ولا اختلاف في أنه لا بأس بذلك إذا صحت نيته ولا في أنه لا يجوز ذلك إذا قصد
стр. 5393
به منفعة نفسه، فمرة رأى مالك النية في ذلك محتملة فسأله عنها وصدقه فيها، ومرة رآها بعيدة، والأظهر منه أنه قصد منفعة نفسه بدليل سؤاله إياه الشركة فنهاه عن ذلك وقال له: لا خير فيه، ولو كان المشرك هو الذي سأله أن يسلفه ويشاركه لوجب أن يسأل عن نيته في ذلك قولا واحدا، وهذا كله فيما يؤمر به ابتداء أو ينهى عنه، وأما إذا وقع ذلك وادعى أنه قصد بسلفه منفعة نفسه ليأخذ سلفه معجلا إن كان ضرب له أجلا أو قيمته إن كان عرضا فعلى القول بأنه يسأل عن نيته ابتداء وينهى عن الفعل يصدق في ذلك مع يمينه ويأخذ سلفه معجلا، وقد مضت هذه المسألة في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف فأوجزنا الكلام فيها، وأرجأنا تمامه إلى هذا الموضع وبالله التوفيق.
مسألة قال ابن القاسم: وقال مالك في رجلين اشتركا في مال لهما لا يستويان فيه لأحدهما مائة وللآخر خمسون، ثم إن صاحب المائة دعا صاحب الخمسين أن يسلفه نصف الخمسين التي يفضله بها حتى يستويا في الشركة قال: إذا كان ذلك على غير شرط عند المشاركة ولا لحاجة من المسلف الذي أسلفه في بصر ولا على شيء إلا الرفق فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا كان ذلك شرطا في أصل الشركة فلا يجوز؛ من أجل أنه إذا كان ذلك شرطا في أصلها؛ وذلك مثل أن يقول له: لي مائة دينار فأنا أسلفك خمسة وعشرين على أن تشاركني بأن أخرج أنا الخمسة والسبعين الباقية لي، وتخرج أنت مثلها بالخمسة وعشرين التي سلفتك، فقد تبين أن المسلف قصد منفعة نفسه فكان ذلك سلفا جر منفعة؛ وكذلك لو قال ذلك بعد أن عقد الشركة معه على أن يخرج هذا مائة وهذا خمسين
стр. 5394
فيشركا فيها على الثلث والثلثين لما جاز أيضا؛ لأن الشركة من العقود الجائزة التي لا تلزم بالعقد، وإنما يفترق أن يقول ذلك له في العقد أو بعده إذا قاله له على غير وجه الشرط مثل أن يقول له: تعال أسلفك خمسة وعشرين فتضيفها إلى الخمسين التي لك فأخرج لنا خمسة وسبعين مثلها فنشترك فيها أو يقول ذلك له بعد أن عقد الشركة معه على أن يخرج هو مائته وهذا خمسينه فيشتركا فيها على الثلث والثلثين؛ لأنه إذا قال ذلك له في العقد ابتداء كان الأظهر منه أنه قصد منفعة نفسه فصدق في ذلك مع يمينه إن ادعاه حسبما مضى في المسألة التي قبلها، وإذا قال ذلك له قبل العقد كان محمولا على أنه لم يقصد منفعة نفسه؛ إذ قد رضي بشركته فأشبه إذا كان المشرك هو الذي سأله ذلك، ولو قال ذلك له بعد أن عقد الشركة فاشتريا بها عروضا للتجارة على الثلث والثلثين مبلغ رؤوس أموالهما لكان ذلك بيعا جائزا، وإن سمياه سلفا؛ لأنه باع منه سدس العروض بالخمسة وعشرين التي سميا سلفا. وبالله التوفيق.
[مسألة: اشتركا في ذهبين مختلفتين في الوزن وصرفهما ونفاقهما في البيع مختلفة]
مسألة قال مالك في رجلين اشتركا في ذهبين مختلفتين في الوزن وصرفهما ونفاقهما في البيع مختلفة فاشتريا بها كيف يقتسمان الربح؛ أَعَلى وزنهما أو على نفاقهما؟ قال: بل على وزنهما، يجمع هذه في كفة وهذه في كفة ثم يقتسمان الربح على قدر ما يكون لكل واحد منهما من الوزن.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن الربح بينهما على وزن ما أخرج كل واحد منهما من الذهب، إذا لم يعثر على ذلك إلا بعد الشراء يريد بعد أن يأخذ كل واحد منهما مثل الدنانير التي أخرج، ولو عثر على ذلك قبل
стр. 5395
الشراء انفسخت الشركة بينهما، وهذا في الاختلاف الكثير في النَّفَاق مع الاستواء في الطيب، ولو كان الاختلاف في النَّفَاق يسيرا لجازت الشركة على ما قال في المدونة إذا أخرج أحدهما دنانير هاشمية والآخر دمشقية، ولو وقعت الشركة على دنانير مختلفة في الطيب مثل العبادية والنصفية فلم يعثر على ذلك إلا بعد الشراء لاقتسماها بأيدهما على قيمة الدنانير التي أخرجها كل واحد منهما، وبالله التوفيق.
[مسألة: الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل واحد منهما لصاحبه]
مسألة وقال مالك في رجلين اشتركا على مال مسمى من كل واحد منهما على أن ما باع أحدهما بدين فقد ضمنه معا صاحبه فقال: أكره ذلك؛ لأن كل واحد منهما ما يدري ما يعيب به عنه صاحبه من الخلاف، قال سحنون: قال مالك: لا أرى بذلك بأسا؛ لأن الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل واحد منهما لصاحبه.
قال محمد بن رشد: المعنى عندي في هذه المسألة أن مالكا لم ير الرجلين إذا اشتركا في مال مسمى متفاوضين فيما اشتركا فيه إلا أن يشتركا فيه على المفاوضة بخلاف إذا اشتركا في جميع أموالهما فرأى ما اشترطاه من أن ما باعه أحدهما بدين فقد ضمنه معه صاحبه غررا لأنه ضمن هذا نصفه ما باع هذا على أن ضمن هذا نصف ما باع هذا، ورآهما سحنون متفاوضين فيما اشتركا فيه من المال، وإن لم يشترطا ذلك بمنزلة إذا تشاركا في جميع أموالهما فلم ير ما اشترطاه من أن ما باعه أحدهما بدين فقد ضمنه معه صاحبه غررا؛ لأن الحكم يوجب ذلك عنده وإن لم يشترطاه على حكم المفاوضة. وبالله التوفيق.
[مسألة: عبد بين رجلين أراد أحدهما أن يضربه]
مسألة وقال مالك في عبد بين رجلين أراد أحدهما أن يضربه: إن
следующие страницы →