← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

تكون للمعمر ملكا، وإن لم تكن معقبة، وقيل: إنه إنما تكون له ملكا إذا كانت معقبة، للآثار الواردة في ذلك عن النبي ﵇، ولم يأخذ بها مالك لمخالفة العمل بها على أصله في أن العمل المتصل بالمدينة مقدم على أخبار الآحاد، لا سيما إذا خالفت الأصول كهذه، وقيل: إنه لم يخالفها، وإنما تأولها على مذهبه، والأول أظهر، والله أعلم. [مسألة: يتصدق على ابن ابنه برأس] مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتصدق على ابن ابنه برأس، وهو صغير، وأبو ابن ابنه المتصدق عليه، فيوكل الجد وكيلا يحوز لابن ابنه ذلك الرأس، فعمد ذلك الوكيل إلى ذلك الرأس فكاتبه إلى أعوام بكتابة منتقضة أو غير منتقضة، ثم يقيم الرأس في خدمة المتصدق يختدمه بحال ما كان قبل الصدقة إلا أن ابن ابنه الذي تصدق به عليه يكون معهم طعامهم واحد، ومنامهم واحد، وذلك الرأس يخدمهما جميعا حتى مات الجد المتصدق، فقام ورثة الجد إلى الرأس، فأخذوه وقالوا: للغلام الذي تصدق عليه به أنه لم يحزه حائز، وقال الغلام وأبوه إن الذي كان وكل بالنظر له والحوز عليه، قد كاتب عليه ذلك الرأس،

стр. 6407

وكان في الكتابة أن يخدم المتصدق عليه حتى يؤدي كتابته؛ فهل يكون هذا حوزا للذي تصدق به عليه، ولم يؤد المكاتب من كتابته شيئا حتى هلك المتصدق به؛ قال: سواء كانت الكتابة منتقضة أو غير منتقضة إذا كان العبد إنما ترك ثبت في ناحية الجد المتصدق لمكان ابن الابن المتصدق عليه وخدمته، فهو يقوم بخدمته والقيام عليه، فلا يضره إن خدم الجد المتصدق أحيانا بعد أن يكون قد أخرجه من يده حين تصدق به إلى هذا الرجل يحوزه مكاتبه على وجه النظر، وهو يرى أنه يحوز له، فهو إن كانت كتابته جائزة، فإنما إقامته تطوع، وخدمته وإن كانت ليست بكتابة للشرط الذي اشترطه عليه في الخدمة مع أنها ليست بكتابة أصلا، وإنما رده على الخدمة للصبي لحاجته إليه؛ فأراها صدقة ماضية له، ليس لورثة الجد فيه قليل ولا كثير. وقال أشهب: نعم، هو حوز له، ولم يكن يجوز للذي جعل العبد على يديه يحوزه للغلام أن يكاتبه إلا بإذن أبيه، فأما إذا أقر بذلك

стр. 6408

أبو الغلام ولم ينكره، فالكتابة جائزة بإقراره بهما. قال محمد بن رشد: قول ابن وهب هذا في الكتابة بشرط ألا يخرج المكاتب عن خدمة سيده، أنها ليست بكتابة أصلا، خلاف قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، من كتاب المكاتب أنها كتابة جائزة والشرط لازم؛ وقال أصبغ: يسقط الشرط وتنفذ الكتابة؛ وأما قوله: إن العبد إن كان ثبت في ناحية الجد المتصدق؛ لمكان ابن ابنِ المتصدق عليه وخدمته، فلا يضره أن خدم الجد المتصدق أحيانا، هو نحو ما في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من قول مالك، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يتصدق على ابن له في حجره صغير] مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتصدق على ابن له في حجره صغير، أو بنت بكر في حجره بكتابة مكاتب له، فيقتضي الأب الكتابة بعد ذلك، وهي كتابة معروفة، ثم يهلك الأب بعد ذلك فيقوم ابنه أو ابنته المتصدق عليها بالكتابة، تطلب تلك الكتابة في مال أبيها، فتقوم البينة على الصدقة، وعلى قبض الأب الكتابة بعد ذلك، ولا يدري الشهود ما فعل الأب بها، فهل تؤخذ من تركة الأب، وتكون بمنزلة دين ثبت عليه، أم لا تكون الصدقة ماضية

стр. 6409

إذا لم يضع ذلك له على يدي غيره؛ قال: إن لم يكن إلا ما وصفت، فالصدقة باطلة لا ينعقد منها شيء، وهي ميراث بين الورثة؛ لأن الذي ذكرت ليست بحيازة بينة ولا تامة ولا قبض معروف، فلا أرى ذلك شيئا، إن لم يكن إلا ما قصصت، وقال أشهب: أراها ميراثا، ولا شيء للابن إذا لم يضع ذلك له على يدي غيره، مثل قول ابن وهب. قال محمد بن رشد: اتفق ابن وهب وأشهب في هذه الرواية على أن الرجل إذا وهب لابنه الصغير كتابة مكاتب له، لا يكون المكاتب حائزا له ما عليه من الكتابة، وذلك على قياس ما في المدونة من قوله أن الكتابة ليست بدين ثابت، وإنما هي جنس من الغلة، وقد قيل: إنها كالدين يكون المكاتب حائزا لها عن سيده لابنه إذا وهبها له؛ وأما إذا كان للرجل دين على عبده من مبايعة أو سلف، فوهبه لابنه الصغير، فإنه يكون حائزا له كما لو كان الدين له على أجنبي، فوهبه لابنه حسبما مضى في رسم الرطب واليابس من سماع ابن القاسم؛ لأن دين الرجل على عبده دين من الديون يحاص به الغرماء، وهو معنى ما في نوازل أصبغ على الصحيح من التأويل، وقد قال بعض المتأخرين: إن الدين الذي للسيد على عبده كالكتابة، في أنه لا يكون حائزا لما عليه منه إذا وهبه السيد لابنه وهو بعيد؛ وأما ما بيد العبد لسيده، فهو بمنزلة ما بيد سيده إن وهبه السيد لابنه الصغير، وهو عرض مما يحوزه الأب لابنه إذا وهبه إياه، كان العبد حائزا له؛ واختلف إذا تصدق الرجل على ابنه الصغير بما بيده من العروض التي تجوز حيازته لها إذا وهبها لابنه، فجعلها بيد غيره؛ فقال ابن

стр. 6410

الماجشون أن ذلك لا يجوز؛ لأنه بمنزلة من قال: لا أحوز لابني، ثم أبقاه بيده، والصحيح أن ذلك جائز، إلا أن تكون دنانير أو دراهم مما لا يحوزها الأب لابنه إذا وهبه إياها، إلا أن يخرجها من يديه إلى غيره يحوزها له، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لابنه إن ضمنت عني الخمسين دينارا التي علي فداري صدقة عليك] مسألة وسئل عن رجل قال لابنه: إن ضمنت عني الخمسين الدينار التي لفلان علي، فداري صدقة عليك، فضمن عنه، فقال: لا صدقة له ولابنه إن شاء أن يرجع عن الضمان رجع. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن ذلك ليس بصدقة إنما هو بيع بضمان، وهي غرر لا يحل ولا يجوز، فالدار راجعة إلى الأب، والضمان ساقط عن الابن، إلا أن يشاء أن يلتزمه باختياره دون عوض، وبالله التوفيق. [مسألة: قال نصف غلامي صدقة على فلان ونصفه حر] مسألة وسئل عمن قال: نصف غلامي صدقة على فلان ونصفه حر، قال: يقوم كله ويعتق نصف قيمته يدفعها إلى المتصدق عليه. قال القاضي: اختلف قول ابن القاسم في هذه المسألة على قولين؛ أحدهما: أنه يقوم عليه نصيب المتصدق عليه لتقدم الصدقة قبل العتق؛ لأنه لما تصدق ببعضه صار كالعبدين الشريكين يعتق أحدهما نصيبه، أنه يقوم

стр. 6411

عليه نصيب شريكه، وهو قوله في هذه الرواية وإحدى روايتي يحيى عنه في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب العتق، والقول الثاني أنه يعتق العبد كله، ولا يكون للمتصدق عليه شيء، وهو القول الذي رجع إليه في رواية يحيى المذكورة قياسا على قول مالك في الذي يتصدق بالعبد على الرجل، ثم يعتقه قبل أن يحوزه المتصدق عليه، أن العتق أولى به، ووجه القول الأول هو ما ذكرناه من أنه لما بدأ بالصدقة صار المتصدق عليه شريكا له فيه قبل أن يعتق منه حصته، فوجب أن يقوم عليه كالعبدين الشريكين يعتق أحدهما نصيبه أنه يقوم عليه إن كان موسرا؛ وأما القول الثاني فإنما يتخرج على القول بأن الرجل إذا أعتق بعض عبده يكون حرا كله بالسراية دون أن يعتق عليه، وهو خلاف المشهور في المذهب من أن الرجل إذا أعتق شقصا له في عبد، فلم يعتق عليه حتى مات، كان باقيه رقيقا لورثته، وإن استدان دينا قبل أن يعتق عليه، بيع باقيه في الدين، ووجهه أنه لما أعتق نصفه بعد أن تصدق بالنصف الآخر قبل أن يقبض منه، راعى قول المخالف في أن الصدقة باقية على ملك المتصدق ما لم تقبض منه، فجعل العتق يسري إليه، فبطلت بذلك الصدقة؛ والقول الأول أظهر؛ لأنه هو الذي يأتي على المذهب في أن الصدقة تجب بالعقد، وعلى المشهور فيه من أن من أعتق شقصا من عبده، فالباقي منه على ملكه ما لم يعتق عليه، ولا يكون

стр. 6412

حرا بعتق ما أعتق منه؛ وأما إذا بدأ بالعتاقة فقال: نصف عبدي حر، ونصفه صدقة على فلان، فالمنصوص عن ابن القاسم في ذلك في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب العتق، ومن رواية عيسى عنه أنه يكون حرا كله، وتبطل الصدقة؛ وهذا إنما يأتي على القول بالسراية، وأما على مذهبه في المدونة في أن من أعتق بعض عبده، لا يكون باقيه حرا بالسراية حتى يعتق عليه، فإن وهبه أو تصدق به قبل أن يعتق عليه، قوم عليه، ولم تبطل الصدقة فيه ولا الهبة. وقوله في هذه الرواية: إنه يقوم كله فيعتق، ويكون على المعتق نصف قيمته، هو الذي يأتي على أصل مذهب مالك، وظاهر الحديث أن العبد يقوم كله، فيكون على المعتق لشريكه نصف قيمته، وذلك خلاف قول ابن القاسم في سماع يحيى، من كتاب العتق: أن النصف المتصدق به، هو الذي يقوم على المعتق، ومثله في كتاب الجنايات من المدونة، وهو قول غير ابن القاسم في كتاب أمهات الأولاد من المدونة، وليس المعتق كالواطئ؛ لأن الواطئ وطئ حق غيره، والمعتق لم يحدث على شريكه شيئا؛ فتحصيل الاختلاف في هذه المسألة أن فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصدقة تبطل وينفذ العتق قدم الصدقة أو العتق. والثاني: أنها لا تبطل ويقوم على المعتق قدم الصدقة أو العتق. والثالث: أن الصدقة تبطل إن قدم العتق، ولا تبطل أن قدمها على العتق، وهذا كله على قياس القول بأن العتق والصدقة يجبان بنفس انقضاء اللفظ على ما في كتاب الظهار من المدونة من أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي؛ أن الظهار لا يلزمه؛ وأما على قياس القول بأن العتق والصدقة لا يجبان بنفس تمام اللفظ حتى يسكت بعده سكوتا يستقر به العتق أو الصدقة، وهو الصحيح من الأقوال على ما في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، في الذي يقول لامرأته قبل أن يدخل بها: أنت طالق،

стр. 6413

أنت طالق، أنت طالق؛ أنها ثلاث، إلا أن يريد أن يسمعها، ولا يريد بذلك تكرار الطلاق، فسواء قدم العتق قبل الصدقة، أو الصدقة قبل العتق؛ فيلزمه نصف قيمة العبد للمتصدق عليه؛ لأنه إن قدم العتق قبل الصدقة، حصلت الصدقة قبله، فوجب عليه نصف قيمته، وإن بدأ بالصدقة قبل العتق حصل العتق قبلها، فوجب عليه نصف قيمته، إلا على القول بالسراية، وفي صفة التقويم قولان؛ أحدهما: أنه يقوم العبد كله، فيكون للمتصدق نصف القيمة. والثاني: أنه يقوم نصفه المتصدق به، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على رجل بعبد له ثم أعتقه قبل أن يقبضه] مسألة وسألته عن رجل تصدق على رجل بعبد له، ثم أعتقه قبل أن يقبضه، قال: لا عتق له. قال الإمام القاضي: قوله: إنه لا عتق له، هو الذي يأتي على قياس قول مالك في أن الصدقة يحكم بها على المتصدق، وإن لم تقبض منه، ويحتمل أن يكون من قول ابن وهب، فإن كان من قول ابن القاسم، فهو خلاف قوله في سماع محمد بن خالد، وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يتصدق على الرجل بالجارية فيحبلها المتصدق] مسألة وسألته عن الرجل يتصدق على الرجل بالجارية فيحبلها المتصدق قبل أن يقبضها المتصدق عليه، قال ابن وهب: إذا تصدق بصدقة جد، كانت القيمة على المتصدق عليه، ولو شهد له شاهد على الصدقة، وهي في يديه حلف مع شاهديه.

стр. 6414

قال محمد بن رشد: قد مضى في سماع محمد بن خالد الكلام على الذي يتصدق بالجارية ثم يحبلها قبل أن يقبضها المتصدق عليه، فلا معنى لإعادة ذلك، وقوله: ولو شهد له شاهد على الصدقة، وهي في يديه حلف مع شاهده، صحيح لا إشكال فيه، ولا دليل في قوله، وهي في يديه على أن الحكم يكون بخلاف ذلك إذا لم تكن في يديه؛ لأن المدعي للصدقة يحلف مع شاهده، ويستحق صدقته، كانت الصدقة في يد المتصدق أو في يد المتصدق عليه، على مذهب مالك، والمخالف يقول: إن الصدقة إذا كانت في يد المتصدق فلا يحكم عليه بها للمتصدق عليه، فلهذا قال في هذه الرواية: يحلف مع شاهده ويستحق صدقته، وإن كانت في يد المتصدق، وأما إن كانت في يد المتصدق عليه، فلا كلام في أنه يحلف مع شاهده، وإنما ساق ذلك على سبيل الحجة، فكان وجه الكلام، أن يقول: لأنه لو شهد له شاهد، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على ولد له صغار وكبار بصدقة] مسألة قال: وسألته عمن تصدق على ولد له صغار وكبار بصدقة، فلم يحزها الأكابر حتى مات الأب، فهل للأصاغر شيء؟ قال: نعم، يكون لهم حظوظهم منها. قال محمد بن رشد: المسئول عن هذه المسألة ابن وهب، والله أعلم، وقوله مثل قول مالك في رواية علي بن زياد، عن مالك في

стр. 6415

المدونة، ومثل قوله في رواية أشهب عنه في هذا الكتاب، خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من الكتاب، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: تصدق بصدقة على ولده بدار] مسألة وسألته عمن تصدق بصدقة على ولده بدار، فلم يزل ساكنا في ناحية من الدار حتى مات، ما حد الذي إذا سكنه الأب لم يكن للولد فيه صدقة، فقال: إذا سكن الثلث فأدنى فالصدقة ماضية، وأما إن سكن أكثر من الثلث، فلا صدقة له. قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك؛ لأن الثلث آخر حد اليسير، وأول حد الكثير، وهو عند مالك في جميع المسائل يسير، إلا في ثلاثة مواضع، وهي: معاقلة المرأة الرجل، وما تحمل العاقلة من الدية، والجوائح في الثمار، وبالله التوفيق. كمل الجزء الثالث من كتاب الصدقات والهبات بحمد الله وحسن عونه، والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 6416

[: كتاب الصدقات والهبات الرابع] [ يتصدق على ولده الصغار بالصدقة التي لها الكراء أو الغلة] من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يتصدق على ولده الصغار الذين يحوز لمثلهم بالصدقة التي لها الكراء، أو الغلة، ويكري هو لهم: إن ذلك جائز إذا أشهد على أصل الصدقة، وإن لم يكتب الكراء بأسمائهم؛ قال: ومن يكري للصغير، ويشتري له، ويبيع له، إلا أبوه، وأنكر قول من يقول: لا يجوز إذا كتب الأب الكراء باسم نفسه، وعابه وكرهه كراهية شديدة ورآه خطأ، وقال: قد صحف في ذلك، ولا أعلمه إلا قال: وهذا خلاف لسنة المسلمين، ولا أعلم أحدا من الناس قال هذا، يريد من أهل العلم. قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قوله في آخر رسم شهد، من سماع عيسى، ومن قول مالك في رسم يدير منه،

стр. 6417

وهو أمر لا أعلم فيه اختلافا في المذهب، وقد مضى من القول على ذلك في رسم يدير المذكور ما فيه كفاية، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على ابن له صغير يحوز لمثله بنصف غنمه] مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول فيمن تصدق على ابن له صغير، يحوز لمثله بنصف غنمه، أو ثلثها، أو بنصف عبده، أو داره، وترك بقية ذلك مالا لنفسه شريكا له به: إن ذلك جائز، وإن ذلك حوز له؛ وإن تصدق على ابن له صغير بنصف غنمه، ونصفها في سبيل الله، فكان الأب يحوز ذلك كله حتى مات الأب، وذلك على حاله، أن صدقة الابن جائزة، وأن ما كان في سبيل الله من ذلك، فليس بشيء؛ ونصيب الابن جائز، وليس ذلك بمنزلة ما لو تصدق عليه وعلى كبير؛ لأن ما كان في سبيل الله في ذلك لا يحوزه أحد، والأجنبي والكبير إذا كان بعينه يحوزه ويقوم به؛ وسبيل الله هو كلا شيء، وهو كما لو حبسه مالا لنفسه، وكان به شريكا. قال أصبغ: لا يعجبني ما قال، وأرى أن يبطل كله، ولا يجوز منه شيء للابن في المسألتين جميعا، لا في الذي جعل للابن نصفه، وأمسك نصفا، ولا في الذي جعل للابن نصفه، وللسبيل نصفه، ولا للسبيل جميعا؛ لأن الذي للابن ليس بشيء بعينه، وهو مشاع فيه كله، فهو كحاله قبل الصدقة، وهو كما لو تصدق عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها بعينها، ولم يسمها أو بعدة من خيله، ولم يسمها

стр. 6418

ولم ينسبها حتى تقع الصدقة فيها بعينها، أنه يبطل؛ وهو قول مالك في الغنم والخيل والجزء، وهو واحد كله، وهذا آخر قول مالك، والذي رجع إليه فيها؛ وقد كان يقول قبل ذلك في الغنم إذا تصدق عليه بعدة منها، وهي في غنمه كما هي؛ أنه جائز، وليس ذلك بشيء، قد رجع عنه هو وأصحابه، وهو قولنا جميعا لا يجوز حتى يسميها بأعيانها، أو ينسبها بأسمائها أو يفرزها، أو يسميها، فكذلك مسألة الجزء سواء. قال محمد بن رشد: اختلف فيمن تصدق بجزء من ماله على الإشاعة على ولده الصغير، هل تصح حيازته إياه له أم لا، على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن حيازته إياه له جائزة سواء أبقى الباقي لنفسه، أو تصدق به على كبير، أو في السبيل، وهو قول مالك. والثاني: أن حيازته له غير جائزة، فسواء أيضا أبقى الباقي لنفسه، أو تصدق به على كبير، أو في السبيل، وهو قول أصبغ في هذه الرواية. والثالث: أن حيازته له جائزة إن أبقى لنفسه أو تصدق به في السبيل، ولا يجوز إن تصدق به على كبير إلا أن يحوز الكبير لنفسه والصغير، فإن لم يحز الكبير شيئا، أو لم يحز إلا حصته، بطل نصيب الصغير، وهو مذهب ابن القاسم، وإرادته في هذه الرواية تبين ذلك من مذهبه، قاله في كتاب ابن المواز من أن نصيب الصغير يبطل، وإن حاز

стр. 6419

الكبير نصيبه، وقد مضى بيان هذا كله وتوجيه الخلاف فيه في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب الحبس، ومضت المسألة أيضا في رسم طلق بن حبيب، من سماع ابن القاسم، من هذا الكتاب، وفي رسم العرية، من سماع عيسى منه؛ فإذا وهب الرجل جزءا من جميع ماله على الإشاعة لولده الصغير، وله أصول ورباع وعروض ورقيق وماشية وناض وطعام، جاز له على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ذلك الجزء من جميع ما كان يملك يوم الهبة من الأصول والرباع والعروض والرقيق والماشية، حاشا ما سكن من الدور، ولبس من الثياب. وأما الطعام والناض فلا يجوز ويبطل؛ إذ لا يعرف ذلك بعينه، إلا أن يضعه له على يد غيره؛ وقد قال: إن ذلك يجوز له إذا أفرزه له، وإن لم يخرجه من يده، وهو قول مالك في الموطأ حسبما مضى بيانه في أول رسم، من سماع ابن القاسم، وفي رسم طلق بن حبيب منه، ومثل هذا في الثمانية لابن الماجشون؛ قال فيمن قال نصف ماله صدقة على ابنتي البكر، وهي في حجره، أن لها نصف ما كان يملك يوم تصدق من عقار أو ثياب أو دواب أو ماشية، إلا العين، فإنه باطل، إلا أن يكون حازه لها على يدي غيره، وكذلك تبطل الثياب التي تلبس والسلاح، وما كان يبتذله، وما سكن من الدور حتى مات. قال القاضي ابن زرب: أنه إن كانت الدنانير، أو ما سكن من دار تبعا لما حاز بالصدقة، فالجميع نافذة، وهو الذي قاله ابن زرب من أنه إن كانت الدنانير أو ما سكن من دار تبعا لما حاز، فالصدقة بالجميع نافذة، لا تصح عندي على مذهب مالك؛ لأنها أنواع من الأموال، فلا يجعل الأقل منها تبعا للأكثر، وإنما ذلك في النوع الواحد، فإن كانت الدار التي سكن هي تبع لما لم يسكن من الدور أو الثياب التي لبس تبعا لما لم يلبس منها، أو الناض

стр. 6420

الذي لم يخرجه عن يده تبعا لما أخرجه عن يده منه، أو وضعه على يدي غيره، جاز ذلك؛ وإلا لم يجز هذا على مذهب مالك في أن الدور الكثيرة إن سكن دارا منها كلها أو جلها، وهي تبع لما لم يسكن منها، جاز له ما سكن، وما لم يسكن، كالدار الواحدة إن سكن منها اليسير جازت للابن كلها، وأما على مذهب أصبغ الذي يقول في الدور الكثيرة: إنه إن سكن واحدة منها أو جلها، وإن كانت تبعا لسائرها؛ أن الهبة فيها تبطل؛ لأن كل دار منها، فكأنها موهوبة على حدة، فبطل ما لبس من الثياب، وما سكن من الدور، وما أبقى عند نفسه من الناض بكل حال، وبالله التوفيق. ومن كتاب الأقضية والحبس [مسألة: تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه، وأشهد له، وقبل ذلك منه، ثم بدا للمتصدق وقال: إني كنت حين فعلت ذلك لا أدري ما أرث نصفا أو ربعا؟ ولا أدري ما عدد ذلك من الدنانير، ولا من الرقيق؟ ولا ما سعة ذلك من الأرضين وعدد الأشجار؟ فلما تبين لي مورثي من أبي، وما أرث مما ترك، رأيت ذلك كثيرا، وكنت ظننت أنه دون هذا، وأنا لا أجيز الآن. فقال ابن القاسم: إن تبين مما قال: إنه لم يكن

стр. 6421

يعرف يسر أبيه، ولا وفره لغيبة كانت عنه، رأيت أن يحلف ما ظن ذلك، ويكون القول قوله، وإن كان عارفا بأبيه وشره، وإن لم يعرف قدر ذلك، جاز عليه على ما أحب أو كره؛ وقال أصبغ مثله. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [: اشترى بغلين أحدهما فاره والآخر رديء فأشهد أن أحدهما صدقة على ابنه] ومن كتاب الوصايا والأقضية قال أصبغ: سمعت ابن وهب، وسئل عن رجل اشترى بغلين؛ أحدهما فاره، والآخر رديء، فأشهد أن أحدهما صدقة على فلان ابنه، ثم مات فادعى الابن الفاره، وجاء بشهود يشهدون أن أباه تصدق عليه بأحد البغلين، ولا يدرون أيهما هو، وقال سائر الورثة: هو الرديء، قال: لا يقبل قوله، ولا قول الورثة، ويجعل له نصف الفاره ونصف الرديء، قال أصبغ: تبطل الصدقة، ولا تكون شهادة في الحكم إلا أن يأخذ ما أقرت به الورثة بإقرارهم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه الشهادة أن الشهود شهدوا أن الميت أشهدهم على أنه تصدق على ابنه بأحد هذين البغلين، وعينه لهم، إلا أنهم لا يدرون أيهما هو منهما، ولذلك وقع الاختلاف في جواز الشهادة، فأجازها ابن وهب، ولم يجزها أصبغ، وقول أصبغ هو المشهور في المذهب؛ أن شهادتهم تبطل إذا شكوا فيه، فلم يدروا أيهما هو

стр. 6422

الذي عين لهم أنه تصدق به منهما، ويأتي قول ابن وهب على ما وقع في أصل الأسدية، من كتاب الأيمان بالطلاق، من أن الشهود شكوا، فلم يدروا أيهما؟ أهي المطلقة التي قد دخل بها، أو التي لم يدخل بها؟ ويختلف على القول بإجازة الشهادة في إجازة الصدقة؛ لأنها إذا جازت صارت بمنزلة من قال: قد تصدقت على ابني بأحد هذين البغلين، أو ببغل من هذين البغلين، أو بعدة من بغاله، أو بعدة من خيله، أو من غنمه دون أن يسميها أو يعينها، وقد اختلف قول مالك في ذلك: كان يقول أولا: إن الصدقة جائزة، ثم رجع إلى أنها لا تجوز حسبما وقع من اختلاف قوله في آخر أول رسم من هذا السماع، فقول ابن وهب في إجازة الصدقة بعد أن أجاز الشهادة على قياس قول مالك الأول، في أن الرجل إذا تصدق على ابنه الصغير بعدة من غنمه، أو من خيله دون تعيين أن الحيازة جائزة، والصدقة ماضية، وقد مضى ذكر الاختلاف في هذه الشهادة وتحصيله في رسم يدير ماله، من سماع عيسى، من كتاب المديان والتفليس، وأما لو كان الميت إنما قال للشهود: أشهدكم أني قد تصدقت على ابني بأحد هذين البغلين دون تعيين منه لأحدهما؛ لكانت الشهادة جائزة باتفاق، والصدقة جائزة على اختلاف. [: الصفائح والنقر والحلي المكسور إذا وهب للثواب] ومن كتاب البيع والصرف قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن الصفائح والنقر والحلي المكسور، أفيه ثواب؟ قال: لا، ليس في ذلك ثواب؛ يعني إذا وهب للثواب، وقاله أصبغ.

стр. 6423

قال محمد بن رشد: وقع هذا الرسم هاهنا في بعض الروايات، وقد مضت المسألة مكررة في رسم أوصى، من سماع عيسى، والتكلم عليها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [: يتصدق على الرجل بنصف أرضه وفي الأرض بئر أو عين] ومن كتاب الكراء والأقضية قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على الرجل بنصف أرضه، وفي الأرض بئر، أو عين، إنما حياة تلك الأرض بها، يقول المتصدق: لم أتصدق عليك إلا بالأرض، وأما الماء؛ فليس لك منه شيء، وإنما كانت الصدقة مبهمة من غير استثناء ولا محدودة، وكيف إن تصدق عليه بقطعه من الأرض والماء فيها، أو في غيرها، هل هو سواء؟ وكيف إن كان تصدق عليه بجميع الأرض والماء فيها، فادعى أنه لم يتصدق عليه بالماء؟ وكيف إن كان الماء يأتيها من أرض له غيرها؟ قال ابن القاسم: إذا كان الماء فيها، وخرجت الصدقة مبهمة إلى جزء منها مشاع، فالماء بينهما على قدر ما لهما من الأرض، إذا كان الماء في الأرض، وإن تصدق عليه بناحية من الأرض والماء في غير ناحية التي قطع له، حلف المتصدق بالله ما تصدق عليه بالماء، وكان ذلك له، وإن تصدق على رجل بأرضه كلها، وفيها ماء، وزعم أنه لم يتصدق عليه بالماء، فالماء للمتصدق عليه،

стр. 6424

ولا شيء للمتصدق، فإن كان الماء في غيرها، حلف بالله ما تصدق عليه بالماء، وكان ذلك له وإن كان الماء يأتيها فهو كذلك، وقاله أصبغ. كل هذا في الذي تصدق بناحية، والماء في غيره، إذا كان يكون للأرض شرب من غيرها بوجه من الوجوه، مثل أن يكون للمتصدق عليه إلى جنبها ماء يسوقه إليها، أو يعتمله بسقيها؛ فإن لم يكن كذلك على شيء من المصارف، ولا المعتمل ولا السبيل إلا ماءها، إن لم تسق به بقيت أبدا لا حياة لها وبطلت؛ رأيت الشرب لها في الماء أيضا حتى يستثني في الصدقة أنه لا ماء لك. وقال مالك في الذي يتصدق بالأرض فيقول: إني نويت أن أتصدق بها بلا ماء، فالقول في ذلك قوله إذا كان المتصدق عليه يقدر على سقيها من غير ساقية المتصدق، فأما إن كان لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه، ولا ينالها الماء إلا من طريق المتصدق؛ فإني أرى في هذا الموضع أن يقبل قوله، وأن يكون له من الماء ما يكفيها؛ وإن تصدق بها مبهمة، كان له من الماء ما يصلحها على ما أحب المتصدق أو كره. قال أصبغ: قيل لابن القاسم: الرجل يشتري من الرجل الأرض على هذا الوجه، أو نصف الأرض مبهمة، وهو جار له، ولها في أرضه ما يسقي به، فزعم البائع أنه لم يبعه على الماء، وإنما باع الأرض على أن يضمها إلى أرضه ويسقيها بمائه، إلا أنه باع منها؛ هل يختلف ذلك إذا كان جاره أو أجنبيا؟ أو هل يختلف في هذا الوجه إذا

стр. 6425

باع قطعة من الأرض والماء في غيرها، وإنما عيش الأرض بالماء؛ أو هل يستوي ذلك كله؟ أو هل هو في جاره والأجنبي سواء؟ أو هل يختلف إن كان مبهما أو غير مبهم؟ قال ابن القاسم: أما إذا كان الماء فيها، وباع مبهما، فالماء للمشتري، وليس للبائع عليه مقال، كان الذي باع كلها أو نصفها، أو جزءا منها، كان جارا أو أجنبيا، أو كان للمشتري أرض إلى قربها أو ماء، أو لم يكن؛ فذلك كله سواء إذا باع مبهما، وكان الماء فيها فهو للمشتري، قال أصبغ: فإن تداعيا البيان والمواطأة على الأرض دون الماء، تحالفا وتفاسخا، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وأما إذا كان الماء ليس فيها، وإنما شربها يأتيها من غيرها، وما باع مبهم، فإنه ينظر، فإن كان لما قال البائع وجه مثل أن يكون للمشتري أرض إلى جنبها يضمها إليها، ويكون شربها منها، فأرى القول قوله ويحلف، ثم يحلف المشتري أنه لم يشتر إلا على الماء، فإذا تحالفا تفاسخا، ومن نكل منهما فالقول قول الآخر مع يمينه؛ فإن كان على غير ذلك فالماء للمشتري، ولا حجة للبائع، وسواء في هذا أيضا اشترى الأرض كلها أو بعضها، إلا أن يدعي البائع الشرط، يزعم أنه استثنى الماء، وهو في الأرض، وأنكر الآخر أو زعم المشتري أنه اشترط الماء، وهو في غيرها، وأنكر الآخر؛ فإن كان الماء فيها فهو للمشتري، وإن كان في غيرها، وكانت تسقى به

стр. 6426

كلها تحالفا وتفاسخا. وقال أصبغ: ذلك كله رأيي، وهو قولي، وهو جيد كله، وبعضه قوة لبعض، وبيان لما قلت لك في الصدقة، إذا لم يكن لها سقي وغيرها من التحالف، إلا قوله في هذا الحرف الآخر، إذا ادعى البائع الشرط، وزعم أنه استثنى الماء، وهو في الأرض، وأنكر المشتري، فإن القول فيه أيضا أن يتحالفا عليه، ولا يكون الماء للمشتري بقوله زعما كما قال، ولكن يتحالفان ويتفاسخان على محمل الحديث إذا اختلف البائع والمبتاع، فالقول ما قال البائع ويتفاسخان، وذلك ما لم يقبض المشتري، ويدخل الغير في الأرض بما يكون فوتا، فإن أدخل ذلك، كان القول قول المشتري، وكان البائع هاهنا مدعيا، والمشتري مدعى عليه، ولم يجتمع التداعي جميعا؛ والأول إذا لم يقبض أو يفوت بغيرهما مدعيان، فهو على الحديث بعينه أيضا، وسواء كان الماء في الأرض، أو لم يكن إذا كان شربها. قال محمد بن رشد: تحصيل القول في المسألة: الرجل يتصدق بالأرض أو بجزء منها على الإشاعة والماء في غيرها، أو فيها، أنه إن كان الماء فيها، فلا اختلاف في أنه تبع لها في الصدقة، واختلف إن قال المتصدق: إنما تصدقت بها وحدها دون الماء، فقيل: إنه لا يتصدق في ذلك بحال، وهو مذهب ابن القاسم ومطرف، وابن الماجشون، وقيل: إنه يصدق في ذلك مع

стр. 6427

يمينه إذا كان المتصدق عليه يقدر على سقي الأرض من غير ذلك الماء بوجه من الوجوه؛ وأما إن كان الماء في غير الأرض المتصدق بها، أو بجزء منها على الإشاعة، فاختلف في ذلك: قيل: إن الماء يبقى للمتصدق؛ إذ ليس في الأرض التي تصدق بها، وهو الذي يأتي على من يدل عليه قول أشهب، في رسم باع شاة، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، ومعنى ذلك: إذا كانت الأرض تستغني عن الماء، وكان يقدر على سقيها من غير ذلك الماء؛ وقيل: إن الماء للمتصدق عليه، واختلف على هذا القول إن قال المتصدق: إني إنما تصدقت بها دون الماء؛ هل يصدق في ذلك أم لا؟ فقيل: إنه يصدق في ذلك مع يمينه، إلا أن تكون الأرض لا تستغني عن ذلك الماء بوجه من الوجوه، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية على ما زاده أصبغ فيها. وقيل: إنه لا يصدق في ذلك، معناه إلا أن يكون له دليل من شاهد الحال، مثل أن يتصدق عليه بقطعة من أرضه ليضيفها إلى أرضه، وله ما يسقيها به، فيعلم أنه إنما تصدق عليه بالأرض ليسقيها من مائيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم الذي مضى في رسم شهد، من سماع عيسى، في الذي يتصدق ببيت من داره؛ إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، والحكم في الماء في البيع إذا وقع مبهما في الأرض، أو في جزء منها، والماء فيها أو في غيرها، ولم يدع أحد المتبايعين في ذلك شرطا ولا نية، كالحكم فيه في الصدقة سواء، إن كان الماء في الأرض فهو للمشتري، وإن كان في غيرها، ويمكن أن يسقي من غير ذلك الماء؟ فقيل: إنه يكون للبائع، وقيل: إنه يكون للمشتري على الاختلاف الذي مضى في الصدقة في ذلك. وأما إذا تداعيا البيان في ذلك والنص عليه، فقال البائع: بعتك الأرض دون الماء، وقال المبتاع: بل اشتريتها منك بمائها، أو قال كل واحد منهما: كانت هذه نيتي، فقول أصبغ على ما يدل عليه قوله في هذه الرواية أنهما يتحالفان ويتفاسخان على ما

стр. 6428

ادعياه من الإفصاح والبيان على نياتهما، كان الماء في الأرض أو خارجا عنها على مذهب الحديث، إلا أن يكون المشتري قد قبض الأرض، وفوتها بإدخال العين فيها، أو بما سوى ذلك مما يفوتها، فيكون القول قوله؛ ومذهب ابن القاسم على ما قاله في هذه الرواية من رواية أصبغ عنه: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، إلا أن يكون الماء في الأرض، أو يكون في غيرها، ولا يشبه ما قال البائع، ويشبه ما قال المشتري بأن لا يكون للأرض سقي من غير ذلك الماء، فيكون ذلك القول قول المشتري، فراعى ابن القاسم في هذه الرواية دعوى الأشباه مع القيام، وهو خلاف المشهور في المذهب، ولم يراعه أصبغ على المشهور فيه، وبالله التوفيق. [مسألة: ضمن عن ابنه نفقة سنين سماها بدنانير في كل سنة] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن ضمن عن ابنه نفقة سنين سماها، بدنانير سماها في كل سنة، أو لم يسم دنانير، إلا أنه قد عرف وجه النفقة، فضمن نفقة سنين، وذلك كله بعد عقد النكاح، مثل أن يراد أن يقام بابنه ليفرق بينهما، فضمن لك عنه أبوه، أرى أن ذلك يلزمه ما كان حيا، فإذا مات سقط ذلك عنه؛ وقاله أصبغ، وهو الحق، وكذلك نفقة المطلقة إذا ضمن الابن، هذه حقوق يقضى بها قد افترضت، وليس هذا كالذي يضمن في النكاح النفقة، ذلك شيء لم يأت، ولم يفرض، ولم يجب ولا أمر له، ومجهول كله يكون أو لا يكون، ومتى يفترقان أو يموتان. قال محمد بن رشد: جعل الضمان بالنفقة لا يجب إلا بالحياة، من أجل أنها لم تجب بعد، فما وجب منها في حياته لزمه، وما وجب منها بعد وفاته لم

стр. 6429

يلزمه، بخلاف الحمالة بما قد وجب من الحقوق، ذلك يجب في حياته وبعد وفاته؛ لأنها خرجت على عوض، وهو ما رضي المحمول له به من ترك ذمة غريمه، وكان القياس أن يجب عليه ضمان نفقة السنين التي سمى، وإن مات قبل تمامها إذا عاش ابنه حتى انقضت، أما إن مات ابنه قبل انقضائها، فلا يلزمه ضمان ما بقي منها وإن كان حيا؛ لأنها تسقط عنه بسقوطها عن ابنه الذي تحمل عنه. وقوله: وكذلك نفقة المطلقة إذا ضمن الابن، معناه: وكذلك إذا ضمن عن ابنه لزوجته المطلقة نفقة ولدها منه سنين، فمات قبل انقضاء السنين، لا يلزمه ضمان ما بقي منها، فكان القياس أن يلزمه ضمان ذلك في ماله إن مات إذا عاش الابن، وأما إن مات الابن قبل انقضاء السنين، فيسقط عن الأب الضامن ضمان ما بقي منها، وإن كان حيا بسقوطها عن ابنه الذي تحمل عنه، وأما إذا تحمل بالنفقة في أصل عقد النكاح، فهي حمالة لا تلزم على ما دل عليه قوله في الرواية؛ لأن النكاح يفسد بذلك، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويسقط الشرط، ويكون للزوجة صداق المثل، وقد مضى بيان هذا، في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها، من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، وبالله التوفيق. [مسألة: أعمر رجلا دارا وجعلها لولده من بعده] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن رجل أعمر رجلا دارا، وجعلها لولده من بعده، هل يجوز له أن يشتريها من المعمر،

стр. 6430

وهي لولده من بعده؟ وهل يجوز للمعمر أن يشتري العمرى من ربها حتى يكون له أصلها، كما يجوز للمعمر؟ قال ابن القاسم: أما إذا جعلت لولده من بعده، فلا يجوز لصاحبها أن يشتريها؛ لأن الأب ليس يبيع لقوم بأعيانهم، ولا يعرف عددهم؛ وأما المعمر فيجوز له أن يشتريها من صاحبها حتى يكون له أصلها، إذا لم يكن لولده من بعده، وإن كانت لولده من بعده، فلا يحل له اشتراؤها؛ لأنه يشتري حق قوم آخرين، ولا يحل للمعمر أن يشتري حق المعمر وحده أيضا إذا كانت لولده من بعده، وإنما يشتري ما يملك به الدار ملكا تاما حتى يبيع ويهب، ويتصدق إن شاء؛ وأما أن يشتري شيئا، فإذا مضى خرجت من يده أيضا إلى قوم آخرين، ولا يستطيع فيه بيعا ولا غير ذلك، فلا يحل، وقاله أصبغ، قال أصبغ: وإنما مكروه ذلك، أنها إجارة مجهولة، وكراء مجهول، وغرر ومخاطرة. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت متكررة في آخر رسم إن خرجت من سماع عيسى، ومضى الكلام عليها هناك، وفي المواضع المذكورة فيه، فلا معنى لإعادة ما مضى الكلام فيه، فإن مات المعمر نزل ورثته منزلته، فكان لكل واحد منهم أن يشتري من الخدمة قدر حظه من المرجع عند ابن القاسم. وقال ابن كنانة: لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم

стр. 6431

فيشتروا جميع الخدمة، وقال المغيرة: للواحد منهم أن يشتري جميعها، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول لابنه أصلح نفسك وتعلم القرآن ولك قريتي فلانة] مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يقول لابنه: أصلح نفسك، وتعلم القرآن، ولك قريتي فلانة، فيصلح نفسه بإذن الله، ويتعلم القرآن، ثم يموت أبوه، وهو لم يبلغ الحوز، والمنزل في يدي أبيه، هل تدري الصدقة له جائزة؟ قال: لا، إذا كان إنما هو قول هكذا، إلا أن يعرف تحقيق ذلك بإشهاد يشهد له على ذلك، أو يقول لقوم: اشهدوا أنه إن قرأ القرآن فقد وهبت له، أو تصدقت عليه بعبدي، أو بقريتي، فيكون ذلك جائزا له إذا كان صغيرا في ولاية أبيه، ويكون ذلك حوزا له؛ فأما إذا لم يكن الأمر على هذا، فإني أخاف أن يكون ذلك منه على وجه التحريض، فلا أرى ذلك للابن إلا على وجه قوي، مثل ما وصفت لك من الإشهاد، إن شاء الله. قال محمد بن رشد: الظاهر من قوله: ولك قريتي فلانة، تمليكه إياها بإصلاحه لنفسه، وتعلمه القرآن، وليس بنص على ذلك؛ ألا ترى أن أهل العلم قد اختلفوا في العبد هل يملك أو لا يملك، مع إضافة النبي ﷺ المال لابنه بهذه اللام التي يسمونها لام الملك، فقال ﷺ : «من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع؛» فقال: «أنت ومالك لأبيك» فلم يكن هو وماله ملكا لأبيه، فلما احتمل

стр. 6432

أن يريد بقوله: ولك قريتي فلانة تسكنها، أو ترتفق بمرافقها، أو ينفذ أمرك فيهما، وما أشبه ذلك؛ لم ير ابن القاسم أن ينتقل ملكه عنها إلا بيقين، وهو أن يقول: أشهدكم أنه إذا فعل ذلك، فقد تصدقت عليه بها، أو وهبتها له، وما أشبه ذلك؛ فتجوز الهبة له، وتصح له بحيازته إياها إذا كان صغيرا في ولايته، ولم يجعل ما أوجب له القرية به من إصلاحه نفسه، وتعلمه القرآن عوضا لها، فتمضي له دون حيازة، وفي ذلك اختلاف. حكى ابن حبيب، عن مطرف أنه قال: له ومن أعطى امرأته النصرانية داره التي هو فيها ساكن على أن تسلم فأسلمت، فلا أراها بمنزلة العطية؛ لأنها ثمن لإسلامها، والإشهاد يجزيها عن الحيازة؛ وإن مات الزوج فيها، وبه أقول. وقال أصبغ: لا أراها إلا كالعطية، ولا بد فيها من الحيازة، وإلا فلا صدقة لها، وفي المدنية لابن أبي حازم، ولابن القاسم من رواية عيسى عنه، مثل قول مطرف، وما اختاره ابن حبيب؛ قال: وسألت عبد العزيز بن أبي حازم، عن رجل قال لابنه: إن تزوجت فلك جاريتي فلانة، هل يلزمه ذلك؟ قال: نعم، إذا تزوج فهي له، وإن مات الأب أخذها من رأس المال؛ قال ابن أبي حازم: وإن كان على الأب دين، حاص الغرماء بذلك؛ قال عيسى: قال ابن القاسم: هي له دون الغرماء إن فلس، وإن مات أخذها من رأس المال، ولم يكن لأهل الدين فيه شيء؛ قال ابن القاسم: ولو قال: لك مائة دينار إن تزوجت، كان هو والغرماء سواء في ماله في الفلس والموت جميعا؛ لأنه ليس بشيء بعينه،

стр. 6433

وقول ابن القاسم أنه يكون أحق بالجارية من الغرماء، وأنه يحاصهم بالدنانير، هو الصحيح، لا ما قاله ابن أبي حازم؛ ومعناه إذا وجبت له الهبة بالتزويج، قبل أن يتداين الأب، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدقت بمورثها من دار أبيها على رجل وتلك الدار لم تقسم] مسألة قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن امرأة تصدقت بمورثها من دار أبيها على رجل، وتلك الدار لم تقسم، فعمد المتصدق عليه، إلى ناحية منها، فبنى فيها، وسكن من غير قسم، ثم توفيت المرأة، هل له صدقة؟ قال: لا حق للمتصدق عليه فيها، إلا أن يكون شركاؤه هم الذين صالحوه على ناحية، يرتفق بناحية، ويرتفقون بناحية، فيكون ذلك حيازة؛ وأما أن يأتي رجل قد تصدق عليه بمورث من أرض، فعمد إلى قطعة، فبنى فيها وشركاؤه غيب، ثم يموت المتصدق بها قبل أن يحوز هذا، فلا أرى له في ذلك شيئا، ولعل ذلك لو قسم صار لغيره، وقاله أصبغ؛ إلا الموضع الذي ابتنى وحازه بالبنيان، فإني أرى حصة المتصدق منه خاصة من عرصته للمتصدق عليه الباني، وأرى ذلك فيه حيازة للمتصدق عليه، وعن المتصدق وقبضا، فيجوز فيكون قبضا ويكون شريكا لشركائه فيه خاصة، ويبطل ما سوى ذلك من الصدقة بموت المتصدق، ويرجع إلى ورثة شركائه وللشركاء أيضا. قال محمد بن رشد: اختلف فيمن تصدق عليه رجل بحظه من دار

стр. 6434

أو أرض على الإشاعة، وحاز بيتا من الدار، أو قطعة من الأرض، قدر حق المتصدق من ذلك أو أقل أو أكثر، والأشراك غيب أو حضور دون علمهم ولا إذنهم على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك ليس بحيازة يستحق بها شيئا من الصدقة، لا فيما حاز، ولا فيما لم يحز، وهو مذهب ابن القاسم، في سماع أبي زيد بعد هذا؛ وفي هذه الرواية؛ بدليل قوله فيها، ولعل ذلك الذي حازه بعينه لو قسم صار لغيره. والثاني: أن ذلك حيازة صحيحة يصح له بها جميع صدقته إذا ارتفعت يد المتصدق، ونزل هو مع أشراكه أو وحده، فعمر شيئا من الأرض، أو سكن بيتا من الدار؛ وهو قول مطرف، وابن الماجشون قالا: ولو لم يعمل المتصدق عليه شيئا؛ إلا أنه منع المتصدق من العمارة؛ لكان ذلك حيازة تامة، تصح له بها الصدقة مع الإشهاد، ونحوه في المدنية لابن كنانة، ولابن القاسم: أن المنع حيازة، وقد ذكرنا ذلك في رسم الكبش، من سماع يحيى بعد هذا، فيما تقدم. والثالث: أنه يصح له بهذه الحيازة قدر حظ المتصدق مما حاز لا أكثر، ويبطل ما سوى ذلك، وهو قول أصبغ هاهنا، وفي نوازله بعد هذا، وقول ابن القاسم، على قياس القول في القسمة أنها تمييز حق، بدليل قوله، ولعل ذلك لو قسم صار لغيره، وقول أصبغ على قياس القول بأنها بيع من البيوع، ولا اختلاف في أنه إذا نزل مع الأشراك منزلة المتصدق، فعمر معهم على الإشاعة، أو على غير الإشاعة أقل من حق المتصدق، أو أكثر برضاهم، أن ذلك حيازة صحيحة تامة؛ واختلف إذا تصدق الرجل على الرجل بجزء من أرضه على الإشاعة معه، فنزل المتصدق عليه مع المتصدق في الأرض، وعمرهما معه كما يعمر الشريك مع شريكه على سبيل الاستقصاء

стр. 6435

لحقه والمشاحة، فقيل: إن ذلك حيازة، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه، حكى ذلك ابن مزين وقال به، وقيل: إن ذلك ليس بحيازة، إلا أن يحوز الأرض كلها، أو يقاسما فيها، فيحوز ما صار له بالقسمة في الحظ المتصدق به، وقد مضى في أول السماع إذا تصدق على من يحوز له بجزء من داره، أو أرضه، أو عبده على الإشاعة مع نفسه، والكلام على ذلك مستوفى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: تتصدق بمالها كله في سبيل الله أو تجعله صدقة] مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول: قال لي مالك في المرأة تتصدق بمالها كله في سبيل الله، أو تجعله صدقة، أو تعتقه وهو مالها كله: إن ذلك كله سواء إذا رده الزوج لم يجز منه قليل ولا كثير؛ قال أصبغ: وهو قولهم جميعا. قال محمد بن رشد: في قول ابن القاسم في هذه الرواية إذا رده الزوج لم يجز منه قليل ولا كثير، دليل على أن فعلها على الإجازة حتى يرده الزوج، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك، وفي هل يرد الجميع، أو ما زاد على الثلث مستوفى في رسم الكبش، من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته، فليس قول أصبغ وهو قولهم جميعا بصحيح، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على رجل بعبد له واشترط عليه أن له منه خدمة يومين] مسألة وسئل عمن تصدق على رجل بعبد له، واشترط عليه أن له منه خدمة يومين في كل جمعة، فمات المتصدق فقال: ليست أيضا بصدقة. قال أصبغ: أرى الورثة على رأس أمرهم يمضون، أو يردون

стр. 6436

كما كان للمتصدق في حياته. قال القاضي: إنما رأى الشرط يفسد الصدقة؛ لأنه لما شرط من خدمته يومين من كل جمعة، فقد حجر عليه التصرف في صدقته بالسفر بها والوطء لها، إن كانت أمة والتفويت، فصار كمن تصدق بصدقة وشرط المتصدق عليه ألا يبيع ولا يهب؛ ألا ترى أنه لما كان الحبس لا يباع، ولا يوهب، جاز فيه هذا الشرط على ما قاله في سماع ابن زيد بعد هذا، وأجاز ابن كنانة هذا الشرط في الصدقة والحبس، وقال: إن الشرط لا يفسد الصدقة بل يشدها، والمعنى فيما ذهب إليه عندي أنه رآه شريكا معه في رقبة العبد بما استثنى لنفسه من خدمته، ولذلك أجازه في الصدقة والحبس، وقال: إن الشرط لا يفسد الصدقة، وقول أصبغ في هذه الرواية أرى الورثة على رأس أمرهم يمضون أو يردون كما كان للمتصدق في حياته خلاف ابن القاسم، فالصدقة بالعبد على هذا الشرط على مذهب ابن القاسم على الرد حتى يحاز، وعلى قول أصبغ على الإجازة حتى يرد؛ لأنه أنزل الورثة منزلته في الإجازة أو الرد، وقد مضى بيان هذا كله مستوفى في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، في أول مسألة منه، فلا معنى لإعادته. [مسألة: ورثة قام رجل منهم فادعى صدقة عليه من أبيه] ومن كتاب القضاء المحض مسألة قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن ورثة؛ قام رجل منهم فادعى صدقة عليه من أبيه، فسئل البينة على الحوز، فأتى بشاهد واحد، وأن

стр. 6437

القاضي وقف له صدقته زمانا حتى يأتي بشاهد آخر، فلم يأت به، ثم إن القاضي أمر بقسمته على الورثة، وكانت رقيقا ومنازل وأرضا، فقسمت واتخذت أمهات أولاد، وعتق ما عتق، وغرس في الأرض شجر؛ ثم إن الذي كان ادعى بالصدقة ظفر بشاهد آخر كان صبيا فبلغ، أو غائبا فقدم؛ قال ابن القاسم: أما ما اتخذ منها أمهات أولاد، وما عتق منهم، فلا سبيل له إليهم، ويتبع بالثمن الورثة؛ وأما ما لم يحبل ولم يعتق، فله أن يأخذه بعد أن يدفع الثمن الذي هو في يديه ممن اشترى، ويتبع بالثمن الورثة، فيأخذ ذلك منهم؛ وأما الأرض فلا يأخذها حتى يدفع لمن هي في يديه ثمنها، وما أنفق فيها جميعا، ثم يرجع هو على الورثة بالثمن، فيأخذ ذلك منهم، بمنزلة الرجل يشهد عليه الرجلان أنه مات وهما عدلان، ثم يأتي الرجل بعد ذلك، وقد كان اشتبه عليهما؛ فإن مالكا قال في مثل هذا؛ هذا القول فيما فات. قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية أنه يقضى له بالشاهد الذي أتى به مع الشاهد الأول بعد أن كان قد عجزة، وقضى بقسمة الميراث فاقتسم وفوت، خلاف ما في سماع أصبغ من كتاب النكاح، في رسم النكاح، من قوله فيه: قلت: فإن عجزه، ثم جاء ببينة بعد ذلك، وقد نكحت المرأة أو لم تنكح، قال: قد مضى الحكم، ومثل ما في المدونة؛ إذ لم يفرق فيما بين تعجيز الطالب والمطلوب، وقال: إنه يقبل منه القاضي ما أتى به بعد التعجيز

стр. 6438

إذا كان لذلك وجه، وقد قيل: إنه لا يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز كان طالبا أو مطلوبا؛ وفرق ابن الماجشون في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجزه بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان، وفي تعجيز الطالب ثلاثة أقوال؛ قيل: هذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام، وقيل: بل ذلك فيه وفيمن بعده من الحكام، وهذا الاختلاف، إنما هو إذا عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار، وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه، وقد مضى هذا في رسم النكاح، من سماع أصبغ، من كتاب النكاح، وفي رسم نذر سنة، من سماع ابن القاسم، من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على من بلغ الحوز فلم يحز لنفسه حتى مرض المتصدق] مسألة قال: وكل من تصدق على من بلغ الحوز، فلم يحز لنفسه حتى مرض المتصدق، فأجازه في مرضه فلا صدقة له؛ وهو بمنزلة من أوصى لوارث حين منعه في صحته، وأسلمه في مرضه، فلا يجوز ذلك له، وقال ذلك أصبغ؛ إلا أنه لا يحاص بها أهل الوصايا، كما يحاص بوصية الوارث، ولكنها تطرح من رأس المال كشيء لم يكن، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، وترجع ميراثا كالإقرار بدين لوارث في المرض، مما كان فيه من التوليج والتهمة سواء.

стр. 6439

قال محمد بن رشد: قوله: وكل من تصدق على من يبلغ الحوز يريد من الورثة؛ لأن من تصدق على أجنبي في صحته بصدقة، فأجازه إياها في مرضه، يصح له إن مات منه في ثلثه؛ وقوله: إلا أنه لا يحاص بها أهل الوصايا كما يحاص بوصية الوارث، ولكنها تطرح من رأس المال كشيء لم يكن، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها إلى آخر قوله، هو من قول ابن القاسم متعلق بقوله، وهو بمنزلة من أوصى لوارث، لا من قول أصبغ؛ والفرق بين هذا وبين الذي يوصي لوارث بين، وذلك أن الذي أوصى لوارث، قد أراد إدخاله على الموصى لهم، فكان من حق، الورثة أن ينزلوا منزلته في محاصة أهل الوصايا، إذا لم يجيزوا له الوصية؛ والذي تصدق على وارث في صحته، وأجازه في مرضه، لم يرد إدخاله على الموصى لهم، وإنما أراد أن يأخذ صدقته من رأس ماله. وأما قوله: ولكنها تطرح من رأس المال كشيء لم يكن، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، فكان من أدركنا من الشيوخ يحملون ذلك على أنه خلاف لقوله في رسم أمهات الأولاد، من سماع عيسى، من كتاب الوصايا، في الذي يتصدق في صحته، ولا يخرج ذلك في يديه حتى يقول: إن الوصايا تدخل فيه، بخلاف إذا قال في مرضه: قد كنت تصدقت على فلان بكذا، أو قد كنت أعتقت عبدي فلانا في صحتي، فإن الوصايا لا تدخل فيه، والذي أقول به أن هذه المسألة ليست بخلاف لما وقع في رسم أمهات الأولاد، وكتاب الوصايا؛ لأن هذه المسألة لما أجاز فيها الوارث في مرضه ما كان تصدق عليه به في صحته، تبين أنه أراد أن يخرج ذلك لوارثه من رأس ماله؛ فوجب ألا تدخل فيه الوصايا، وأن يكون للورثة إذا لم يجيزوه. وأما مسألة

стр. 6440

أمهات الأولاد، فالوجه فيها أنه لما لم يحز ما تصدق به حتى مات، حمل عليه أنه أراد أن يبطل صدقته، فوجب أن تدخل فيها الوصايا، وقد روى ابن وهب عن مالك أن الوصايا لا تدخل فيه؛ والوجه في ذلك أن الصدقة إنما ردت بعد الموت بالحكم للتهمة التي لحقت المتصدق في صدقته؛ إذ لم يحزها حتى مات؛ فإنه أراد أن يخرجها من رأس ماله بعد موته؛ فوجب ألا تدخل فيها الوصايا، ولا يدخل هذا الاختلاف في هذه المسألة، ولا في مسألة الذي يقول في مرضه: قد كنت تصدقت في صحتي على فلان بكذا وكذا، أو قد كنت أعتقت في صحتي عبدي فلانا، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول في صدقته أشهد لك أني قد تصدقت على فلان بجميع ميراثي] مسألة وسئل عن الرجل يتصدق بميراثه على رجل، فيقول في صدقته: أشهد لك أني قد تصدقت على فلان بجميع ميراثي، وهو كذا وكذا في الغنم والبقر والرمك، والرقيق والثياب والدور، والبور، والأرض البيضاء، فإنها لي، وفي تركة الميت جنان لم ينصها أو غير ذلك؛ هل يكون جميع ما نص، وما لم ينص للمتصدق عليه إلا ما استثنى، أم لا يكون له إلا ما نص، وقد قال في أول صدقته: أشهدكم أني قد تصدقت على فلان بجميع ميراثي، أو قال: بميراثي في كذا وكذا، إلا كذا وكذا. قال أصبغ: أرى له كل شيء إلا ما استثنى إذا كان يعرفه، وأرى الجنان إذا كان يعرفه داخلا في الصدقة؛ لأنه إنما استثنى

стр. 6441

الأرض البيضاء، ولم يستثن الجنان، إلا أن تكون الأرض هي الجنان عند الناس، وكذلك تسمى وتنسب وتعرف، فتكون له باستثنائه. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه قد تصدق عليه بجميع ميراثه إلا الأرض البيضاء، فوجب أن يكون الجنان داخلا في الصدقة، إلا أن يكون عند الناس من الأرض البيضاء كما قال، وإن كان لم يسم الجنان فيما سمى؛ لأنه لما تصدق بجميع ميراثه، واستثنى منه الأرض البيضاء تبين أنه لم يرد بما سمى استيعاب جميع المورث؛ وقوله فيه أنه داخل في الصدقة إن كان يعرفه، صحيح على ما مضى من مذهب ابن القاسم في رسم الأقضية والحبس، من هذا السماع أن هبة الميراث جائزة إن لم يعلم قدره، إلا أن ينكشف أنه أكثر مما ظن به على زعمه، فيحلف على ذلك ولا يلزمه، ويأتي على ما ذكرناه هناك من قول ابن عبد الحكم في أن هبة المجهول جائزة، وإن ظهر له أنها كانت كثيرة بعد ذلك أن يكون الجنان للمتصدق عليه إذا تصدق عليه بجميع مورثه: إلا ما استثناه منه، وإن لم يعلم بالجنان، وبالله التوفيق. [: الجارية توهب للثواب الوطء فيها فوت تجب به القيمة عليه] ومن كتاب البيوع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الجارية توهب للثواب: إن الوطء فيها إذا وطئها فوت تجب به القيمة عليه، وكذلك الاعتصار إذا وطئها الابن لم يكن للأب أن يعتصر، قال أصبغ: حبلن

стр. 6442

أو لم يحبلن سواء، قال ابن القاسم: ولكن التفليس إذا فلس المشتري بعدما وطئها أخذها صاحبها، وهي سلعته بعينها، وهو أولى بها، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها يوم وهبها ويأخذوها. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في الجارية توهب للثواب؛ إن الوطء فيها إذا وطئها فوت، تجب به القيمة عليه، وهو مثل ما تقدم من قوله في رسم العتق، من سماع عيسى، والاختلاف في ذلك، بل قد قيل: إن الغيبة عليها فوت تجب بها القيمة عليه، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وأصبغ. وقوله أيضا أنه إذا وطئها الابن لم يكن للأب أن يعتصرها، هو مثل ما مضى من قوله، في رسم باع شاة، من سماع عيسى، وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أن الوطء لا يقطع الاعتصار؛ لأن ذلك لا يمنعه من بيعها، وما يريد من الانتفاع بثمنها، إلا أنها توقف بعد العصرة، فإن صح رحمها تمت العصرة، وإن ظهر الحمل امتنعت العصرة؛ وأما وطء الذي وهبت له هبة ثواب، فلا اختلاف في أنه ليس بفوت يحول بينه وبين أخذها في التفليس، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها، أو يأخذوها، قال في هذه الرواية يوم وهبها، ومثله في أول رسم من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك ذكر الاختلاف في ذلك وتوجيهه، فلا معنى لإعادته، وسمى الموهوب له مشتريا في قوله: لو فلس المشتري؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع.

стр. 6443

[مسألة: وهب نصف كتابة مكاتبه لرجل] ومن كتاب المدبر والعتق مسألة قال أصبغ: قال لي ابن القاسم فيمن وهب نصف كتابة مكاتبه لرجل، أنه إن عجز، فهو شريك له فيه بذلك؛ لأن مالكا قال: إذا وهب له الكتابة فعجز، فهو عبد للموهوب له، وقاله أصبغ كله؛ وكذلك الأجزاء كلها، قلت لابن القاسم: فوهب نجما، ولم يسمه، كيف يستأديان نجومه، قال: يكون شريكا في النجوم كلها بقدر ذلك. قال أصبغ: يريد بقوله نجم من عدد النجوم، إن كانوا خمسة فخمس كل نجم على هذا الوجه. قال أصبغ: قال ابن القاسم: فإن عجز كان شريكا في الرقية أيضا بقدر ذلك، قال أصبغ: يريد بقوله نجم من عدد النجوم، إن كانوا خمسة فخمس كل نجم على هذا الوجه. قال أصبغ: قال ابن القاسم: فإن عجز كان شريكا في الرقية أيضا بقدر ذلك بمجرى النجوم؛ قال أصبغ: وإن سمى نجما بعينه وهبه، فعجز العبد، فلا أرى له فيه شركا؛ لأنه كأنه إنما وهب مال ذلك النجم إن تم، فإنما وهب له مالا إلا أن يزعم الواهب غير ذلك، والقول في ذلك قوله. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، لا وجه للقول فيها على المشهور في أن بيع جزء من أجزاء الكتابة جائز، كما يجوز بيع

стр. 6444

جميعها، وهو قول مالك في موطئه، ويأتي على القول بأنه لا يجوز بيع جزء من أجزاء الكتابة؛ لأن الهبة في ذلك لا تحوز على الثواب، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله، في رسم نذر، من سماع أبي القاسم، من كتاب المكاتب، وفي رسم الكبش، من سماع يحيى منه، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدقت على زوجها بجارية لها] من مسائل سئل عنها أصبغ بن الفرج مسألة وقال أصبغ في امرأة تصدقت على زوجها بجارية لها، وكتبت له كتابا فيه تصدقت عليه بجاريتها فلانة التي اشترتها من فلان وولدها، فقال الزوج: تصدقت علي بالجارية وولدها، فقالت: إنما نسبت الجارية إلى ولدها، ولم أتصدق عليك بولدها، والجارية وولدها في بيت الرجل الذي فيه امرأته؛ فقال: إن كانت اشترتها هي وولدها، فالقول ما قالت، ولا يأخذ الزوج الولد، وله الأم وحدها، ولا يفرق بينهما. قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنها إن كانت اشترتها هي وولدها، فالقول قولها: إنها لم تتصدق عليه بالولد يريد مع يمينها؛ وإن كانت لم تشترها مع ولدها، فلا تصدق فيما ادعت؛ لأنها قد تبين كذبها، ويأخذ

стр. 6445

الزوج الولد مع الجارية على ما في الكتاب الذي كتبت له بالصدقة دون يمين دون، وإن لم يعرف إن كانت اشترتها مع ولدها أو دون الولد، فالقول قولها مع يمينها أنها لم تتصدق عليه بالولد؛ لأن الزوج مدع عليها بصدقة الولد، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على ابن له صغير بدنانير له عند عبده] مسألة قال أصبغ في رجل تصدق على ابن له صغير بدنانير له عند عبده، قال: إن كان العبد حاضرا فقال السيد للعبد: خذ مالي عندك لابني فلان، ويشهد له، فتلك حيازة، وهي جائزة، وإن كان العبد غائبا، وأشهد له على الصدقة ودفع كتاب الدين إن كان له كتاب إليه، أو إلى من يحوز له، فهي جائزة. قال القاضي: معنى هذه المسألة أن الدنانير له قبل العبد دينا ثابتا في ذمته، وذلك بين في آخر المسألة. قوله: ودفع كتاب الدين إن كان له كتاب إليه، ولو كانت الدنانير له بيد العبد وديعة وما أشبه ذلك، لم يجز؛ لأن العبد لا يجوز للأب حيازته، ويد العبد كيد سيده، وينبغي في الدين أن يحوز، ويكتفي بالإشهاد في الغائب والحاضر، وإن لم يقل له في الحاضر: اقبض ما لي عندك لابني، ولا ادفع كتاب ذكر الحق في الغائب إليه، أو إلى من يحوز له على ما قال، كمن وهب لابنه الصغير دينا له على رجل أجنبي، فحيازته الإشهاد، وإن لم يقل له: اقبض ما لي عندك لابني، ولا ادفع ذكر
следующие страницы →