Полный текст (386 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الكبر
من هذه الذنوب: الكبر، يقول ﷺ : (يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار)، وفي رواية: (أذقته النار).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً.
فقال ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس)، رواه مسلم.
стр. 107
قتل النفس التي حرم الله
من هذه الذنوب: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهذا الذنب بالذات من الأشياء المختلف في خلود صاحبها في النار، لكن عموم أهل السنة والراجح: أن قاتل النفس ليس مخلداً في النار، بل هو تحت مشيئة الله ﵎، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فلا يجوز أبداً قتل النفس التي حرم الله إلا بإحدى ثلاثة أفعال كما جاء في الحديث المتفق عليه من قول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس -قصاص-، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، يعني: المرتد المفارق لجماعة المسلمين، ومما يؤسف له تلاعب بعض الجماعات الجاهلة والمبتدعة بمثل هذه النصوص، فيستدلون بهذه النصوص التي وردت بشأن جماعة أهل الإسلام وجماعة المسلمين في حق جماعتهم، فإن من يخرج عن جماعتهم يستحلون قتله، بسبب سوء فهمهم لمثل هذا النص، كما حصل من جماعة التكفير والهجرة، أو بتعبير أدق كما كانت تسمي نفسها: جماعة المسلمين، بمعنى أنهم هم جماعة المسلمين ومن لم يدخل في جماعتهم ويبايع أميرهم فليس من المسلمين، وهو خارج عن الإسلام وكافر، ويجب الانتماء لهذه الجماعة حتى تكون مسلماً، فهذا أيضاً من التلاعب بنصوص الوحي من السنة الشريفة، إنما المقصود بقوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، ما جاء في الرواية الأخرى: (قتل النفس التي حرم الله، أو زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان)، وقال ﵊: (لم يزل المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال ابن عمر ﵄: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله).
وحذر النبي ﷺ المسلمون أن يقاتل المسلمين بعضهم بعضاً، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، ولذلك فإن ذلك العبد الصالح ابن آدم أبى أن يقاتل أخاه خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٧ - ٢٩].
стр. 108
أكل الربا
من هذه الذنوب التي تستوجب دخول النار: أكل الربا، يقول الله ﵎ في حق الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله إياه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣١] مع أن الخطاب للمؤمنين لكن يذكر بعض العلماء أنها أخوف آية في القرآن؛ لأن الله يخوفهم هذه النار إذا أكلوا الربا، فهو يخوفهم النار التي خلقت أصلاً للكافرين، ((وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ))، ومعروف أن النبي ﵊ عد أكل الربا من السبع الموبقات، فقال في الحديث: (اجتنوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
стр. 109
أكل أموال الناس بالباطل
أيضاً من هؤلاء الذين يستوجبون عذاب النار: الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، فهذا من الظلم العظيم الذي يستوجب العقوبة بالنار، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، وما أكثر صور أكل أموال الناس بالباطل في هذا الزمان، كأكل أموال اليتامى ظلماً، وخص الله ﵎ هذه المعصية بالذكر لضعف اليتامى عن متابعة أموالهم، وسهولة أكل أموالهم ممن لا خلاق له، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].
стр. 110
التصوير
أيضاً من أشد الناس عذاباً حتى لو كان من الموحدين: المصورون الذين يضاهئون ويتشبهون بخلق الله ﵎، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أشد الناس عذاباً عند الله المصورون)، وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فيعذبه الله في جهنم)، متفق عليه، وقال ﵊ لـ عائشة في النمرقة التي كان فيها التصاوير (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) يعني: أنتم تتشبهون بفعل الله فهيا أحيوا ما خلقتم.
ووصل افتتان بعض هؤلاء المصورين أنه بعدما صنع بعض التماثيل، ومن شدة فتنته وخذلان الله إياه أنه صرخ في التمثال بعدما صنعه قائلاً: هيا انطق، إمعاناً في مضاهاة خلق الله ﵎، فتصوير ذوات الأرواح هذا من خصائص الله ، فلا يجوز للإنسان أبداً أن يرسم بيده صورة شيء له روح أو تماثيل، والتصوير نقطة، واتخاذ التصاوير نقطة أخرى، فحتى من يبيح بعض أنواع التصوير فعليه أيضاً ألا يبيح اتخاذها وتعلقيها في مواطن التعظيم على هيئة التوقير، كما يفعل بصور المشايخ والأقارب والأجداد؛ فهذا من أقبح الذنوب، واتخاذ الصور معصية إضافية بجانب ذنب التصوير في حد ذاته، فينبغي ألا تتخذ وألا تصور، وقال ﵊: (أشد الناس عذاباً الذين يضاهون بخلق الله)، يعني: يتشبهون بخلق الله ﵎، فالذي يصور وينازع الله ﵎ في هذه الخصيصة، من تصوير ذوات الأرواح، فهو يضاهي ويتشبه بفعل الله، فكما يحرم تشبيه الله بخلقه، يحرم تشبه المخلوق بفعل الخالق الذي اختص به الله ﵎.
ويقول النبي ﵊: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة) متفق عليه.
ومعروف أن هناك فرقاً من اليهود والنصارى يحرمون التصوير، فلسنا وحدنا المتطرفين في هذا الباب مع التجوز في هذا التعبير، ففي فترة من الفترات أعلن عن أحداث معينة حصلت في المسجد الأقصى عن طائفة من اليهود لعنهم الله، كانوا يتظاهرون ويستنكرون التصوير، ويقولون: الدين اليهودي لا يبيح التصوير، فلذلك هم يستنكرون ذلك، ووصفوهم آنذاك بالتطرف، وأيضاً توجد طوائف من النصارى تحرم التصوير، وتحرم اتخاذ الصور والتماثيل.
стр. 111
الركون إلى الظالمين وموالاتهم
من الأسباب التي تدخل النار: الركون إلى الظالمين، وموالاة أعداء الله ﵎، يقول الله : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فهذا أيضاً نص على أن من يركن إلى الظالمين أو يوالي أعداء الله ﵎ ويوادهم، فإنه يستحق دخول النار.
стр. 112
الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس
من هؤلاء أيضاً: الكاسيات العاريات، والذين يجلدون ظهور الناس، فهذه الأنواع من أهل النار، هؤلاء النسوة الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتن عباد الله، ولا يستقمن على طاعة الله، يقول النبي ﵊: (صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)، أخرجه مسلم وغيره.
يقول القرطبي في الذين رآهم كأذناب البقر: يبدو أن السياط بهذه الصورة التي نعتاد نحن الآن على معرفتها، وتكون مثل أسياط البقر؛ مدبب من نهايته ورفيع، ثم يكون سميكاً من أعلى ويبدو أنها لم تكن معروفة من قبل؛ فلذلك وصفها لهم النبي ﵊ على أنها شيء غريب، وبعضهم كان يقول: نحن قد رأيناها وصفتها كذا وكذا، أما نحن الآن فهذا شيء نعتاده من كثرة ما شاع وذاع، يقول القرطبي: وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن.
وقال صديق حسن خان معلقاً على قول القرطبي: بل هو مشاهد في كل زمان ومكان، ويزداد يوماً فيوماً عند الأمراء والأعيان؛ فنعوذ بالله من جميع ما كرهه الله، وهذا معروف في كثير من البلاد؛ إذ ما زالت حتى الآن تستعمل هذه السياط في جلد أبشار الناس.
стр. 113
تعذيب الحيوان
من هؤلاء أيضاً: الذين يعذبون الحيوان، قال النبي ﵊: (عرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها -هنا السببية-، ربطتها فلم تطعهما ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً)، إذا كان هذا حال من يعذب هرة فكيف بمن يتفنن في تعذيب العباد؟! وكيف أيضاً إذا كان هذا التعذيب ليس للفاسقين وإنما للصالحين من الشباب المسلمين؛ بسبب إيمانهم وإسلامهم واستقامتهم على طاعة ربهم؟! فالله المستعان!
стр. 114
الرياء في طلب العلم
أيضاً من هذه الذنوب التي تستوجب دخول النار حتى ولو كان فاعلها موحداً: عدم الإخلاص في طلب العلم، المصيبة أن هناك من يتعلم العلم ابتغاء الرياء وابتغاء مدح الناس، أو ليماري به العلماء أو يجادل به السفهاء، ويصرف وجوه الناس إليه، وهذا ليس فقط يحبط عمله ويكون لا له ولا عليه، ويكون فيه نوع من السلامة والعافية له، لكنه يعذب بسبب هذا الشرك وهذا الرياء، يقول النبي ﵌: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرْف الجنة يوم القيامة)، يعني: رائحة الجنة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] يعني: طيبها لهم على أحد التفاسير.
وقال ﷺ : (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس؛ فمن فعل ذلك فالنار النار)، وقال ﷺ : (من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار).
стр. 115
الشرب في آنية الذهب والفضة
من هذه الذنوب التي تستوجب دخول النار: أن يشرب الإنسان في آنية الذهب والفضة، بعض الناس يتفاخرون أنهم يملكون أواني الذهب والفضة، وأن فلانة لما تزوجت كان من أثاثها آنية الفضة وملاعق الفضة، وهذا مما لا يجوز بأي حال من الأحوال، فإن النبي ﵌ قال: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وفي رواية لـ مسلم: (إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وقال ﷺ : (لا تلبسوا الحرير والديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة)، متفق عليه.
стр. 116
قطع شجر السدر
من هذه الذنوب قطع شجر السدر، يقول النبي ﵊: (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار)، وأيضاً قال ﵊: (إن الذين يقطعون السدر - الأشجار - يصبون في النار على رءوسهم صباً).
الشاهد: أن هذا الذنب سواء قلنا: إن هذا من باب الذي يقطعه وهو داخل الحرم أو لا؛ فإن من يقطعون شجر السدر داخل الحرم فإنما: يصبون في النار على رءوسهم صباً.
стр. 117
الانتحار
من هذه الذنوب التي تستوجب عذاب النار والعياذ بالله: الانتحار، أن يبادر الإنسان بقتل نفسه والعياذ بالله، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)، هو يريد أن يتخلص من بعض الهموم الدنيوية والمصيبة في ماله، أو غير ذلك فيوقع نفسه في عذاب لا ينتهي والعياذ بالله، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار).
стр. 118
التحذير من التساهل بالمعاصي
هذه جملة من الأحاديث تدل على أن هناك صنفاً من أهل النار لا يخلدون فيها، وكون الإنسان إذا مات على التوحيد فإنه ينجو من الخلود في النار، لكن إذا كان له ذنوب فإنه يعذب بها في جهنم، بعض الناس قد تتساهل في الأمر، وتقول: سواء طالت المدة أم قصرت سنخرج من النار، ضمن لك أنك ستموت على الإيمان وعلى التوحيد؟ أتظن أن الأمر في يدك أنت؟! هذا لا يملكه إلا الله ﵎ الذي يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم إن من المعروف أن المعاصي هي بريد الكفر، حيث تتدرج بالإنسان حتى توقعه في الكفر، والإنسان إذا تساهل في المعاصي ربما تنتهي به إلى الكفر والردة عن الإسلام.
أيضاً يتخيل هذا الإنسان ويجرب تجربة هو يقول: ماذا سيحصل لو أمكث في النار خمسة آلاف سنة أو عشرة آلاف سنة أو مليون سنة، وبعد ذلك أخرج منها؟ نقول له: ضع يدك في هذه النار من نار الدنيا ثم انظر كم تتحمل هذه النار التي هي جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم، كما قال ﵊: (إن ناركم هذه الذي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، فهذا من أتفه الناس عقلاً الذي يتهاون بالمعاصي، ويغتر بربه الكريم، ويظن أن المسألة يسيرة وهينة، وسبق أن تلونا الحديث الذي فيه أن النبي ﵊ قال: (يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة ثم يخرج منها ويقال له: يا ابن آدم! هل مر بك نعيم قط؟ هل رأيت خيراً قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما رأيت نعيماً قط، وما مر بي خير قط)، هذا بمجرد أن يغمس غمسة في جهنم فقط ينسى كل النعيم وقد كان أنعم إنسان في الدنيا.
إذاً: فهذه بعض النصوص التي ترد على المرجئة الذين يقولون: إن المعاصي لا تضر أهل الإيمان ولا تؤثر في إيمانهم، وعلى الخوارج الذين يقولون: هذه المعاصي تكفر فاعلها وتخرجه من الملة بالكلية.
وأهل الحق وسط بين إفراط هؤلاء وتفريط أولئك فهم يقولون: إن المسلم العاصي يبقى في دائرة الإسلام وفي دائرة التوحيد، لكن إيمانه ينقص بهذه المعاصي، ويستوجب عقوبة الله ﵎، لكنه لا يخلد في جهنم، ولا يستوي مع من كفر بالله وأشرك به ﵎.
стр. 119
العاصي لا يخلد في النار وأمره إلى الله
الشيخ حافظ حكمي ﵀ في كتابه المبارك (معارج القبول) عنون لها بقوله: العاصي لا يخلد في النار وأمره إلى الله، وقال في المسألة الثالثة: فاسق أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان قال: والفاسق الملي ذو العصيان لم ينف عنه مطلق الإيمان لكن بقدر الفسق والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاص ثم قال: ولا نقول إنه في النار مخلد بل أمره للباري تحت مشيئة الإله النافذه إن شا عفا عنه وإن شا أخذه بقدر ذنبه وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان قوله: (ولا نقول إنه في النار)، يعني: لا نقول: إن الفاسق الذي فسق المعاصي التي لا توجب كفراً إنه في النار مخلد فيها.
قوله: (بل أمره للباري) أي: بل أمره وحكمه مردود للباري، إما أن يجازيه بذنبه، وإما أن يعفو عنه ﵎.
قوله: (تحت مشيئة الإله النافذة) أي: تحت مشيئة الإله النافذة في خلقه، فلا يدخل تحت المشيئة إلا من كان موحداً.
قوله: (إن شا عفا عنه) يعني: عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله لذلك الإنسان، مهما ترى من إنسان مقيماً على المعاصي دعه وربه، نعم تنكر عليه وتنصحه لكن لا تتألى على الله، لا تقل له: أنت ستدخل جهنم، أو أنت من أهل النار، لا تقل هذا أبداً خشية أن يعاقبك الله أشد العقوبة، فلا يجوز أبداً أن ننظر إلى ذنوب الناس نظرة أننا أرباب، كما جاء في الأثر عن عيسى ﵇: (ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلى، ومعافى؛ فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.
لكن كون الإنسان يتطاول ويستطيل على خلق الله بأنه يصلى والآخر لا يصلي وبأنه مستقيم والآخر مبتلى بالخمر أو بأي شي من هذه المعاصي، هذا لا ينبغي، نعم يجب عليك الإنكار بالقلب وباللسان أو اليد حسب الاستطاعة، لكن ليس معنى هذا أن تتحكم في رحمة الله: ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء:١٠٠].
إذاً: أمور القلوب لا يعلمها ولا يطلع عليها إلا الله ﵎؛ فرب معصية أورثت ذلاً وانكساراً، فهي خير من طاعة أورثت عزة واستكباراً، كما قال بعض السلف: لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إلى من أبيت قائماً وأصبح معجباً.
أي: بعمله، فالإنسان لا يغتر؛ لإن قلبك ليس في يدك إنما هو ملك الله يقلبه كيف يشاء، فلا تتطاول على عباد الله، من هنا كان خطر التمادي في قضية التكفير، فكون الإنسان دائماً يضع نفسه في موقع الحكم على خلق الله ومحاكمتهم وإدخالهم الجنة أو النار فهذا ليس إلينا، فينبغي الحذر من التمادي في هذا الباب، وإلا فإننا سوف ننازع الله ﵎ في صفات ربوبيته، وكأننا لا نرضى إلا بمحاكمة الناس طبقاً لما في قلوبهم، لا نرضى بظاهرهم.
الشاهد أنه يجب عليك أن تنكر المنكر حسب استطاعتك، لكن في نفس الوقت ليس لك شأن بالجنة والنار، لا تقل لفلان: أنت لست من أهل الجنة، وربنا سيدخلك النار، فإن هذا من التألي على الله، وعقوبته شديدة كما قدمنا.
ولا نقول إنه في النار مخلد بل أمره للباري تحت مشيئة الإله النافذه إن شا عفا عنه وإن شا أخذه بقدر ذنبه وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان عن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابة: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف؛ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له)، قوله: (من أصاب من ذلك شيئاً) يعني: غير الشرك مثل: السرقة والزنا والقتل إلى آخره.
قوله: (فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) يعني: إذا أقيم الحد على الإنسان فهذه كفارته، ثم قال: (ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) يعني: إن شاء عفا عنه بمحض رحمته ﵎.
قد يرتكب الإنسان ذنوباً صغيرة جداً، لكن جرأته على الله ﵎ واستهانته بهذه المعصية قد ترفعه إلى حد الكبيرة، وربما إنسان يرتكب كبيرة، لكن يقترن بهذه الكبيرة من الاستحياء من الله، والخوف من عذابه، والوجل من هيبته ﵎ قد يلحقها بالصغيرة، بل قد يعفو الله ﵎ عنها، فهذه أحوال القلوب لا يطلع عليها إلا الله ﵎.
يقول عبادة: (فبايعناه على ذلك).
فيخرج من النار إن كان مات على الإيمان، كما جاء في حديث الشفاعة: (وأنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، بل يخرج منها برحمة أرحم الراحمين، ثم بشفاعة الشافعين).
стр. 120
معنى الحساب اليسير للعبد يوم القيامة
يقول الشيخ: والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يناقش الحساب عذبا قوله: (والعرض تيسير الحساب في النبا)، يعني: جاءنا في النبأ والخبر عن النبي ﷺ أن الحساب اليسير هو العرض، إشارة إلى تفسير النبي صلى الله عليه وآله سلم لقوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨].
وجاء في صحيح البخاري وغيره من طرق عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) يعني: إذا حصلت مناقشة وأخذ ورد مع المرء هذا لا بد أنه سيعذب، أما الحساب اليسير فهو مجرد عرض الأعمال فقط.
وقال ﵊: (ليس أحد يحاسب إلا هلك، قالت: قلت: يا رسول الله! جعلني الله فداك! أليس يقول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، قال ذلك: العرض).
معروف أن النبي ﵊ إذا صح عنه تفسير آية من كتاب الله فيجب المصير إلى تفسيره؛ لأنه أعرف الناس بكلام الله ، ولا يجوز النظر فيما خالفه، فهنا يجب تفسير كلمة الحساب اليسير بعرض الأعمال على الله ، يعني: يقول الله ﵎ للعبد: أتذكر يوم كذا؟ أتذكر يوم كذا؟ أتذكر يوم كذا؟ ويذكره بجميع الذنوب التي فعلها، أحصاه الله ونسوه.
стр. 121
طبقات العصاة من أهل التوحيد
إذا عرفت هذا فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية، ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة: أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فهؤلاء سيدخلون الجنة من أول وهلة ولا تمسهم النار أبداً، اللهم اجعلنا منهم.
الطبقة الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وتكافأت، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار.
فالسيئات التي فعلوها منعتهم من دخول الجنة، والحسنات التي فعلوها لم تجاوزهم عن النار، فهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، كما ذكر ﵎ ذلك بعد أن دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، كما في سورة الأعراف يقول ﵎: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٤ - ٤٥] بعض الناس يستغربون: كيف ستتم مخاطبة أهل الجنة وأهل النار؟ هناك آيات كثيرة في القرآن تدل على وقوع التخاصم والأخذ والرد بين الطرفين، سبحان الله! إن كان في الدنيا هنا يستطيع إنسان وهو في مكان آخر ومن خلال الشاشات التلفزيونية أو تليفونات أن يرى من يكلمه على جهاز التلفون، فالله أقدر من البشر بلا شك على أن يقع هذا بقدرته ﵎.
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦]، يعني: هذا السور الذي بين الجنة والنار ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٦ - ٤٩]، فهذه الطبقة الثانية تساوت حسناتهم مع سيئاتهم وهم أصحاب الأعراف.
الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش.
إن التوبة من كل ذنب مقبولة، لكن بشرط أن تأتي في زمان التوبة، والتوبة لها أجلان: أجل في حق عمر الإنسان، وأجل في حق عمر الدنيا، فالتوبة بالنسبة لعمر الإنسان تقبل منه ما لم يغرغر غرغرة الروح حين الاحتضار وخروج روحه، فالتوبة ساعتها لا تنفع ولا تقبل، أما في حق عمر الدنيا؟ فإذا طلعت الشمس من المغرب أغلق باب التوبة: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
فمن لقي الله ﵎ وهو مصر على المعاصي دون أن يتوب منها ومعه أصل التوحيد، فترجح سيئاتهم على حسناتهم، هؤلاء هم الطبقة الثالثة الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم فوق ذلك، حتى إن منهم من لم يحرم منه على النار إلا أثر السجود، فحسب المعاصي يتفاوت حظهم من النار والعياذ بالله.
ولما يذكر مثل هذه الأشياء حذار أن يتخيل الإنسان أن هذا الكلام لغيرنا، كأن الحق فيه على غيرنا وجب، وكأن الموت فيه على غيرنا كتب، فالإنسان يستحضر أنه ربما إن لم يرحمه الله ﵎ يكون من هؤلاء الهالكين والخاسرين، فالله حرم على النار أن تأكل أثر السجود، فمنهم من تأكل النار كل جسده إلا أثر السجود، وهؤلاء هم الذين يأذن الله ﵎ بالشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من الأنبياء من بعده، والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه.
فعادة أهل البدع والضلال أنهم يؤصلون أصولاً موافقة لأهوائهم ثم يتحكمون بها في نصوص الشرع، فلذلك تجد الخوارج المبتدعة لما وجدوا أحاديث الشفاعة مع أنها أحاديث متواترة تصدم عقيدتهم وأصلهم الذي أصلوه، وتثبت أن هناك قوماً يدخلون النار ثم يخرجون منها بشفاعة النبي ﷺ وشفاعة الشافعين أو برحمة الله، فلذلك كذبوا بأحاديث الشفاعة بالكلية.
المقصود أن هؤلاء الذين ماتوا مصرين على بعض الكبائر والمعاصي يشفع الله ﵎ فيهم نبينا محمداً ﷺ وغيره، فيحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم يحد لهم حداً آخر فيخرجونهم وهكذا، فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه نصف دينار من خير، ثم برة، ثم خردلة، ثم ذرة، ثم أدنى من ذلك إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيراً، أي: لم يبق في جهنم أحد في قلبه حتى أقل من أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الخير، ويخرج الله تعالى من النار أقواماً لا يعلم عدتهم إلا هو بدون شفاعة الشافعين، ولن يخلد في النار أحد من الموحدين ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيماناً وأخف ذنباً كان أخف عذاباً في النار، وأقل مكثاً فيها، وأسرع خروجاً منها، وكل من كان أضعف إيماناً وأعظم ذنباً كان بضد ذلك والعياذ بالله، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة، وأشار إلى هذا المعنى النبي ﷺ بقوله: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، يصيبه قبل ذلك ما أصابه)، فهذا يفهم منه أن من مات على التوحيد، وكان عنده بعض هذه الذنوب التي لم يتب منها، فربما أصابه ما يصيبه من العذاب عند الاحتضار عند خروج الروح أو في القبر أو في البرزخ أو في أهوال يوم القيامة أو بالنار نفسها والعياذ بالله، فقوله ﵊: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، يصيبه قبل ذلك ما أصابه)، هذا مقام ضلت فيه الأفهام، وزلت فيه الأقدام، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
بقي الكلام على مسألة واحدة من هذه المسائل الستة ويتبقى في نفس هذه المسألة كلام مهم جداً للإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في الجمع بين النصوص المتقابلة والتي احتج بها كل فريق من المرجئة أو الخوارج والمعتزلة.
стр. 122
الإيمان والكفر [١٠]
إن لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لوازم ومقتضيات، فمن أتى بها كمل إيمانه، واستقام إسلامه، ومن اكتفى بمجرد المعرفة للكلمة، أو النطق باللسان فقط، أو معرفة القلب كما هي مذاهب المرجئة والجهمية فقد خرج بفهمه السقيم عن فهم السلف الصحيح الجامع لأطراف النصوص المستلزمة للإتيان باللوازم والمقتضيات.
стр. 123
طبقات عصاة الموحدين وشفاعة الشافعين فيهم يوم القيامة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
تقدم الكلام عن المبحث الثالث من مباحث أصول الدين، التي ذكرها الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في كتابه (معارج القبول) في الجزء الثاني، فشرح فيها قوله: والفاسق الملي ذي العصيانِ لم ينف عنه مطلق الإيمانِ لكن بقدر الفسق والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاصِ ولا نقول إنه في النارِ مُخلّدٌ بل أمره للباري تحت مشيئة الإله النافذه إن شا عفا عنه وإن شا آخذه بقدر ذنبه وإلى الجنانِ يخرج إن مات على الإيمانِ والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يناقش الحساب عُذّبا تقدم الكلام في هذه المسألة، وهي: أن العاصي إذا مات على التوحيد لا يخلد في النار، وإنما هو تحت مشيئة الله ﵎، والعاصي يحمل على من لم يتب؛ لأنه التوبة إذا استوفت شروطها فهي مقبولة، أما إذا مات ولم يتب من ذنبه، فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء آخذه وعذبه، لكن إن مات على التوحيد فإنه لا يخلد في النار.
فقوله: (ولا نقول إنه)، أي: العاصي، الذي ارتكب من المعاصي التي ليست كفراً تخرج من الملة، إنه في النار مخلد، بل أمره للباري.
والقاعدة: أنه متى ما دخل الإنسان بعد الموت في المشيئة فهذا دليل على أنه لا يخلد في النار؛ لأن الذي يكون تحت المشيئة هو الذي يموت على التوحيد، فإن شاء الله عذبه بذنوبه، وإن شاء عفا عنه ولم يؤاخذه.
تحت مشيئة الإله النافذة إن شا عفا عنه وإن شا آخذه بقدر ذنبه وإلى الجنانِ يخرج إن مات على الإيمانِ يؤاخذه بقدر ذنبه، ثم بعد ذلك يئول أمره إلى الجنة.
والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يُناقش الحساب عُذّبا فيكنى عن هذا إشارة إلى تفسير قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، وثبت في صحيح البخاري، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ليس أحد يحاسب إلا هلك، قالت: قلت: يا رسول الله! جعلني الله فداك! أليس يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟! قال: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك)، وفي رواية: (ومن نوقش الحساب عُذّب)؛ فمجرد أن يعرض الله على العبد جميع أفعاله التي فعلها، فهذا العرض هو الحساب اليسير، حتى أن الإنسان حين يذكره الله ﵎ بكل ذنوبه، ويقول: أتذكر يوم كذا؟ وفعلت كذا وكذا، فيذكر له كل شيء من أفعاله، حتى يظن العبد أنه هالك لا محالة ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، فإذا انتهى من عرض أعماله عليه يقول الله ﵎ له: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها عليك اليوم) أو كما قال ﵊.
أما من يناقش: لماذا فعلت كذا؟ وتحصل المناقشة في الحساب فهذا علامة على أنه سوف يعذب، ولذلك قال ﵊: (من نوقش الحساب عُذّب)، فإذاً يجب تفسير قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، بأنه سوف تعرض عليه أعماله فقط، وهذا هو الحساب اليسير، أما إذا نوقش زيادة على هذا العرض فلا بد أنه معذب والله أعلم.
والسلف الصالح ﵏ وأئمة العلم والحديث قد قسموا العصاة من أهل التوحيد إلى ثلاث طبقات، حتى أن أعلى طبقة من أهل التوحيد هم من المذنبين؛ لأنه ليس أحد معصوم إلا الأنبياء ﵈، أما ما عدا ذلك فيدخل تحت قوله ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
فالطبقة الأولى من العصاة من أهل التوحيد: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة من أول وهلة، ولا تمسهم النار أبداً.
الطبقة الثانية: هم أصحاب الأعراف، وهم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم وتكافأت فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهؤلاء يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا، ثم بعد ذلك يؤمر بهم إلى الجنة برحمة الله ﵎، والآيات معروفة في سورة الأعراف.
أما الطبقة الثالثة: فهم قوم لقوا الله ﵎ مصرين على كبائر الإثم والفواحش، أي: أن من أتى بهذه المعاصي ولم يتب منها حتى مات، أي: مات من غير توبة، فهؤلاء هم الطبقة الثالثة، ومعهم أصل التوحيد، لكنهم لقوا الله مصرين على بعض الكبائر والفواحش والمعاصي، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من هو فوق ذلك، حتى أن منهم من لم يحرّم الله ﵎ من جسده على النار إلا موضوع السجود، وأصحاب هذا القسم هم الذين يأذن الله ﵎ للنبي ﵊ ولغيره من الشفعاء في الشفاعة فيهم، وأحاديث الشفاعة متواترة.
أما أهل البدع فهم يضعون أصولاً، ثم يتحاكمون بها في النصوص الأخرى، وقد أمروا أن يتحاكموا إليها، فالخوارج لما اخترعوا بدعتهم بتكفير هذا القسم، وأنه كافر كفراً أكبر مخرج من الملة في المعاصي إن لم يتب منها، كانت أحاديث الشفاعة تزعجهم وتقلقهم كعادة أهل البدع، فردوها بالكلية وكذبوا بحديث الشفاعة، لماذا؟ لأن أحاديث الشفاعة تبطل مناهجهم، هل يمكن أن يقال في أحاديث الشفاعة: أخرجوا من النار من ليس فيها؟! هم يقولون: إن من يدخل النار لا بد أن يكون كافراً، ولا يخرج منها أبداً، فأحاديث الشفاعة تثبت أن أهل التوحيد العصاة -وهم هذه الطبقة الثالثة- الذين ماتوا وهم مصرون على بعض المعاصي، هؤلاء يمكن أن يشفع فيهم الأنبياء، ويشفع فيهم النبي ﵊، كما جاء في الأحاديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، يعني: الذين لم يتوبوا، أما من تاب واستوفت توبته الشروط فهي مقبولة كما دلت على ذلك النصوص، فمن تاب إلى الله تاب الله عليه، فالشاهد: أنهم قد أزعجتهم هذه النصوص، وتعارضت مع بدعتهم فردوها، وأثبتوا بدعتهم، ولذلك أولوها.
فأحاديث الشفاعة تبطل وتهدم مذاهبهم؛ لأنه لا يعقل أبداً أن يقال: أخرجوا من النار من ليس في النار! إنما يقال: أخرجوا من النار من دخل في النار، فهذا يثبت أن العصاة يستحقون النار خلافاً لمذهب المرجئة، وخلافاً للخوارج، فيخرجون من النار إن ماتوا على أصل التوحيد، وهذا من الأصول المتقررة عند أهل السنة والجماعة.
ومن أعجب الأشياء أن يبرز في مثل هذا الزمان أناس غرقوا في الضلال إلى آذانهم، فيخرج أيضاً كتاباً فيه فكر الخوارج بمنتهى الحماس والقوة والصراحة، ويدعي أن من دخل النار لا يخرج منها، وأن أي معصية تخرج فاعلها من الملة، كما سنبين بإذن الله فيما بعد.
الشفاعة من أهم أقسامها في هذا القسم الثالث من أوساط الموحدين في إخراجهم من النار، والشافع هو النبي ﷺ الشفاعة العظمى، وغيره من الأنبياء من بعده، ثم شفاعة الأولياء ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، دل على أن غير الأنبياء يشفعون، ويقول ﵊: (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، فالشخص الذي يكثر اللعن لا يصلح للشفاعة لغيره يوم القيامة، كما أن الأحاديث تثبت أن الشهيد يشفع في سبعين إنساناً من أقاربه، فيحد لهؤلاء الشفعاء حداً فيخرجونهم، ثم يحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم هكذا، فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه نصف دينار من خير، ثم بره، ثم خردلة، ثم ذرة، ثم أدنى من ذلك، إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيراً، فيخرج الله تعالى من النار أقواماً لا يعلم عدتهم إلا هو بدون شفاعة الشافعين، ولا يخلد في النار أحداً من الموحدين أبداً، حتى ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيماناً وأخف ذنباً كان أخف عذاباً في النار وأقل مكثاً فيها، وأسرع خروجاً منها، وكل من كان أضعف إيماناً، وأعظم ذنباً كان بضد ذلك والعياذ بالله تعالى.
والأحاديث في هذه الباب لا تحصى كثرة، وقد ذكرنا بعضها، وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ في قوله: (من قال: لا إله إلا الله، نفعته يوماً من الدهر، يصيبه قبل ذلك ما أصابه)، وهذا يشير إلى أن الذي يموت على التوحيد تنفعه كلمة التوحيد يوماً من الدهر، لابد هي نافعته، حتى ولو أصابه قبل ذلك ما أصابه من عذاب النار أو ما دون ذلك، فهذا مقام ضلت فيه الأفهام، وزلت فيه الأقدام، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
стр. 124
مناقشة أهل الضلال في تعريفهم للإيمان وأدلة ذلك
نذكر الآن فصلاً عقده الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى -الملقب بإمام الأئمة ﵀ في كتاب التوحيد، وإثبات صفة الرب بعد أن سرد أحاديث الشفاعة بأسانيدها، قال: قد روينا أخباراً عن النبي ﷺ يحسب كثير من أهل الجهل والعناد أنها خلاف هذه الأخبار التي ذكرناها مع كثرتها، وصحة سندها، وعدالة ناقليها في الشفاعة، وفي إخراج بعض أهل التوحيد من النار بعدما دخلوها بذنوبهم وخطاياهم، وليست بخلاف تلك الأخبار عندنا بحمد الله ونعمته.
والإمام ابن خزيمة هنا يشير إلى بعض الناس ممن تفسد أفهامهم ويأخذون بأطراف الأحاديث، يعني: فريق يأخذ بطرف من الأحاديث، والآخر يأخذ بالطرف الآخر، ولا يجمعون بين النصوص ويؤلفون بينها، فتنتشر البدع والضلالات، وهذا هو منشأ انحراف كثير من الخلق، أي: الإفراط أو التفريط الغلو أو الجفاء، ودائماً تكون الجماعة الوسط هم جماعة أهل السنة والجماعة الذين سلكوا مسلك السلف الصالح، لذلك نحن حينما نقول: الكتاب والسنة لا نتركها بدون قيد، فلا تقل: الطريقة الصحيحة هي الكتاب والسنة وتسكت، بل لا بد أن تضع قيداً حتى تسد الطريق على أهل البدع، فتقول: نأخذ بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، بفهم أهل السنة والجماعة؛ لأنه ممكن أن يكون في الكتاب والسنة بعض العمومات، فيستدل بها بعض أهل الضلال لتأييد بدعتهم، كما يقول بعض الشعراء: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزّلُ بل يصل الأمر أحياناً ببعض الملاحدة والزنادقة أن يستدلوا بآيات من الكتاب على ما هم عليه من الضلال والفاسد، كما قال ذلك الزنديق: ما قال ربك ويل للأولى سكروا لكنما قال ويل للمصلينا! يعني: أنه يدعو لشرب الخمر وترك الصلاة!! فالضال الذي يريد أن يستدل بعمومات النصوص سيجد متسعاً في ذلك، ولكنك إذا قيدته بقولك: نأخذ بالقرآن والسنة بفهم السلف الصالح، فإنك بهذا تسد عليه طريق البدع، فإذا أبى جادلته في مسألة وجوب التحاكم إلى فهم السلف الصالح، والمؤهلات التي أهلهم الله بها.
المقصود: أن إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة يناقش هؤلاء المرجئة أو الوعيدية الخوارج، وكيف أن كل فريق يستدل بالنصوص على بدعته، والآخر أيضاً يستدل بالنصوص، فهؤلاء يسيرون إلى أقصى اليمين، والآخرون يسيرون إلى أقصى اليسار، وأهل الحق أمة وسط كما وصاهم الله ﵎.
يقول: وأهل الجهل الذين ذكرتهم في هذا الفصل صنفان: صنف منهم الخوارج والمعتزلة، أنكرت إخراج أحد من النار ممن يدخل النار.
أي أنهم قالوا: إن كل من يدخل النار لا يخرج منها أبداً، إذ لا يمكن أنه يدخل النار ثم يخرج منها.
وأنكرت هذه الأخبار التي ذكرناها في الشفاعة.
الصنف الثاني: الغالية من المرجئة، التي تزعم أن النار حرمت على من قال: لا إله إلا الله.
فهذا الطرف الذي يقول: من يدخل النار لا يخرج منها، يستدلون بالأحاديث التي فيها وصف بعض المعاصي بالكفر، وما خالفهم ينكرونه، والطرف الآخر من المرجئة الغلاة يستدلون بالنصوص التي حرمت النار على من قال لا إله إلا الله، أو (من قال: لا إله إلا الله حرم الله جسده على النار) إلى آخر هذه الأحاديث وأشباهها، فهؤلاء جفوا، وأولئك غلوا.
فيقول: أول ما نبدأ بذكر الأخبار بأسانيدها وألفاظ متونها، ثم نبين معانيها بعون الله ومشيئته، ونشرح ونوضح أنها ليست بمخالفة للأخبار التي ذكرناها في الشفاعة، وفي إخراج من قضى الله إخراجهم من أهل التوحيد من النار.
ثم ساق منها حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).
وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار: لا إله إلا الله).
وحديث عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يوافي عبد يوم القيامة وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله إلا حرم على النار)، وفي رواية: (فإن الله قد حرم على النار أن تأكل من قال: لا إله إلا الله).
وحديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة).
وحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صادقاً من قلبه دخل الجنة)، يعني: وهذا يقوي الحديث الذي قبله: ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة؟ وهل كل الإيمان أن تقول: لا إله إلا الله؟ كلا.
لكن لا شك أنه ينضم إليه من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فلو أن أحداً مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، لكنه أبى ورفض أن يقول: محمد رسول الله، فهل ينطبق عليه هذا الحديث؟
الجواب
لا، إذاً: لابد أن تجمع النصوص بعضها إلى بعض، وتفهم النصوص في ضوء بعضها البعض، ولا تأخذ بالعمومات، وإنما عليك أن تربط النصوص بعضها ببعض، وفهمها في ضوء جمع أطرافها، مما شابهها وقاربها.
فإن قيل: في هذا الحديث: (من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة)، فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكذب بوجود الملائكة، فهل يكون مؤمناً؟ قلنا: لا، ولا ينفعه هذا الحديث.
إذاً: الإيمان مجموعة من الحقائق المتلازمة التي لا ينفصل بعضها عن بعض، والقدح في شيء منها يهدم كل الإيمان وينقصه، كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى فيما بعد.
فمثلاً: لو شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وصلى وصام وزكى وحج وفعل كل أركان الإيمان، لكن كذب مثلاً بأن عيسى رسول الله وأنكر نبوة المسيح ﵇، أو قال: لم ينزل الله كتاباً اسمه التوراة، أو كذب بأي نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة، فهل ينفعه الإيمان ببقية أركان الإيمان؟ الجواب: لا، بل يصبح مرتداً خارجاً من الملة، يستوي مع من لم يقل هذه الكلمة، إذاً لابد من جمع أطراف النصوص وفهمها في ضوء بعضها البعض.
أيضاً: حديث جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعثه فقال: اذهب فنادِ في الناس: أن من شهد أن لا إله إلا الله موقناً -أو مخلصاً- دخل الجنة).
وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما تركت من حاجة ولا داجة إلا أتيت عليها)، يعني: أنه ما ترك أي شيء من المعاصي أو الآثام إلا وقد أتى عليها وارتكبها، قال: (أو تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فإن هذا يأتي على ذلك كله).
وعن عمر ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمره أن يؤذن الناس: أن من يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً فله الجنة، قال عمر: يا رسول الله! إذاً يتكلوا، قال: فدعهم)، يعني: إذا خشيت من الناس أن تقصر أفاهمهم عن فهم حقيقة هذه النصوص ويتكلوا على ذلك فيدعون العمل، فلا تبلغهم هذا العلم الذي يسيئون فهمه.
وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وجبت له الجنة).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ولم يدخل النار، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق).
وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : (أنه قرأ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: فقرأها رسول الله ﷺ : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، قلت: يا رسول الله! وإن زنا وإن سرق؟ قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وإن زنى وسرق ورغم أنف أبي الدرداء، فلا أزال أقرأها كذلك حتى ألقاه)، رواه ابن خزيمة في التوحيد، وابن أبي شيبة في المصنف، والإمام أحمد في المسند، والنسائي في سننه الكبرى، وفي (عمل اليوم والليلة)، والبزار وأبو يعلي وابن جرير.
وقال محقق الكتاب: وهو حديث صحيح يشهد له ما تقدم، وهو غير حديث أبي ذر المعروف في الصحيحين.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ كلمة، وأنا أقول أخرى، قال: من مات وهو يجعل لله نداً دخل النار، قال: وأقول: ومن مات وهو لا يجعل لله نداً دخل الجنة)، إشارة إلى التوحيد.
قال أبو بكر بن خزيمة ﵀: قد كنت أمليت أكثر هذا الباب من كتاب الإيمان، وبينت في ذلك الموضع معنى هذه الأخبار، وأن معناها ليس كما يتوهمه المرجئة، فالمرجئة يستدلون بمثل هذه الأحاديث على أن الإيمان يثبت بمجرد الكلمة، وذلك بأن يشهد أن لا إله إلا الله.
وكما ذكرنا من قبل ليس هذا هو فقط الإيمان.
يقول: وبيقين يعلم كل عالم
стр. 125
رد شبهات أهل الضلال بحجج عقلية ونقلية
قال الإمام أبو بكر رحمه الله تعالى: ولئن جاز لجاهل أن يقول: إن شهادة أن لا إله إلا الله جميع الإيمان إذ النبي ﷺ أخبر أن قائلها يستوجب الجنة ويعاذ من النار، لم يؤمن أن يدعي جاهل معاند أيضاً أن جميع الإيمان القتال في سبيل الله فواق ناقة -أي: مقدار حلب الناقة- فيحتج بقول النبي ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة)، معناه: أن من يقاتل في سبيل الله دقائق معدودة يدخل الجنة، فهل يؤخذ من هذا أن جميع الإيمان هو أن تقاتل في سبيل الله هذه البرهة القصيرة؟ كلا، هذه فقط في فضيلة القتال في سبيل الله، لكن لا يؤخذ منه أن كل الإيمان المنجي والمستوجب عدم دخول النار هو فقط هذا الفعل، كاحتجاج المرجئة بقول النبي ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة).
ويقول معاند آخر جاهل: إن الإيمان بكماله المشي في سبيل الله حتى تغبر قدما الماشي، ويحتج بقول النبي ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)، ويحتج أيضاً ذلك الجاهل بقوله ﷺ : (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل المسلم).
ويدعي جاهل آخر: أن الإيمان كله عتق رقبة مؤمنة، ويحتج بأن النبي ﷺ قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه النار).
ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان البكاء من خشية الله ﵎، ويحتج بقول النبي ﷺ : (لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى).
ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان صوم يوم في سبيل الله، ويحتج بأن النبي ﷺ قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً).
ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان قتل كافر، ويحتج بقول النبي ﷺ : (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، يحمل الحديث على فضيلة قتل الكافر، لكن: هل أي كافر يقتل؟ هل النصراني أو اليهودي الذمي المستأمن في بلاد المسلمين بذمة وعهد يستوجب ذلك؟ كلا، قال القاضي: يحتمل أن يختص هذا الحديث بمن قتل كافراً في الجهاد، فيكون ذلك مكفراً لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، وأن يكون عقابه بغير النار، أو يعاقب في غير محل عقاب الكفار، ولا يجتمعان في أدراكها.
ثم قال الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب.
يعني: لو أخذنا كتاب الترغيب والترهيب، ففيه آلاف الأحاديث في فضائل الأعمال في الصالحات، ابتداءً من قول: لا إله إلا الله، وانتهاءً بإماطة الأذى عن الطريق، وسوف تجد أحاديث في فضل أعمال كثيرة، فهل يصلح أن يقال: الإيمان فقط هو واحدة من هذه الشعب؟ كلا، بل لابد من الإتيان باللوازم والشروط.
يقول: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب، وفي قدر ما ذكرنا غُنية وكفاية لما له قصدنا، أن النبي ﷺ إنما أخبر بفضائل هذه الأعمال التي ذكرنا، وما هو مثلها، لا أن النبي ﷺ أراد أن كل عمل ذكره أعلم أن عامله يستوجب بفعله الجنة أو يعاذ من النار؛ أنه جميع الإيمان، وكذاك إنما أراد النبي ﷺ بقوله: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار).
المقصود: فضيلة هذا القول، لا أنه جميع الإيمان كما ادعى من لا يفهم العلم ويعاند، فلا يتعلم هذه الصناعة من أهلها، وهم: أهل العلم الراسخين، ومعنى قوله ﷺ : (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، يقول: هذه لفظة مختصرة، ثم أتى بالرواية الأخرى عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لا يجتمعان في النار اجتماعاً)، يعني: أحدهما مسلم قتل كافراً، ثم سدد المسلم وقارب.
قال أبو بكر: فلذاك نقول في فضائل الأعمال التي ذكرنا: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب سدد: أتى بالأعمال على وجهها مائة بالمائة، وقارب: هذا يكون فيما عجز عن الإتيان به على الوجه الأكمل، فيقترب من السداد بقدر الاستطاعة، كما قال ﵊: (سددوا وقاربوا)، وهي مأخوذة من تسديد السهم في الرماية، فالتسديد: أن تصيب القلب والمركز، والمقاربة: أن تقترب من الهدف بقدر استطاعتك.
فالمعنى: إذا عجز عن الإتيان بالتكليف الشرعي على الوجه الأكمل وهو السداد فلينتقل إلى المقاربة، ولا يترك العمل بالكلية.
فالمسلم إذا سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة، فمن جاهد في سبيل الله وقَتَل كافراً ثم سدد وقارب -أي: ثبت على الأعمال الصالحة والإيمان- حتى مات على الإسلام دخل الجنة ولم يدخل النار، المقصود لم يدخل النار إن مات وهو لا يستحق دخول النار، فهل يتعارض هذا مع هذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)؟
الجواب
لا، فالمراد لا يجتمعان في منزلة واحدة من النار، وهي المختصة بالكافرين، لكن إذا قضي له دخول النار فهو يدخل الطبقة التي هي خاصة بعصاة الموحدين.
يقول: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة ولم يدخل النار موضع الكفر منها، لذلك لا يجتمع قاتل الكافر إذا مات على إيمانه مع الكافر المقتول في موضع واحد من النار، لا أنه لا يدخل النار ولا موضعاً منها، وإن ارتكب جميع الكبائر.
هل يصح الاستدلال بهذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، على أنه لا يجتمع حتى لو مات مصراً على بعض المعاصي أو الكبائر، نعم؛ يمكن أن يدخل النار، لكن لا يجتمع في نفس المنزلة إن مات ذلك على التوحيد وإن أتى بهذه المعاصي، حتى ولو ارتكب جميع الكبائر خلا الشرك بالله ، إذا لم يشأ الله تعالى أن يغفر له ما دون الشرك، فقد أخبر الله أن للنار سبعة أبواب، فقال لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]، إلى قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤].
فأعلَمَنا ربنا أنه قسم تابعي إبليس من الغاوين سبعة أجزاء، على عدد أبواب النار، فجعل لكل باب منهم جزءاً معلوماً، واستثنى عباده المخلصين من هذا القسم، فكل مرتكب معصية زجر الله عنها فقد أغواه إبليس ((إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ))، هل مرتكب الكبيرة من الغاوين أم ليس من الغاوين؟ الجواب: هو ممن أغواهم إبليس، والله قد يشاء غفرن كل معصية يرتكبها المسلم دون الشرك وإن لم يتب منها، والدليل على ذلك مثلاً قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وانظر إلى قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ -الغرغرة- قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، فهذه الآية تدل على أيضاً على أن من مات مصراً على بعض المعاصي ولم يتب منها فإنه لا يخلد في النار، وأن بعضهم يتوب عند الموت فلا تقبل توبته، فهذا هو المصر، وهو ليس بكافر بدليل أن الله فصله عن الكافر.
قال: لا يتوب الله على هذا ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، والذين يموتون وهم كفار قسم آخر، فدل هذا على أن القسم الأول ليسوا من الكفار، ولكنهم في المشيئة، بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فما دون الشرك من المعاصي فصاحبه داخل في المشيئة، ودخوله في المشيئة دل على أنه موحد؛ لأنه لا يدخل تحت المشيئة إلا الموحد.
فلذلك يقول ﵎: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ))، وأعلمنا خالقنا أن آدم الذي خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأمر ملائكته بالسجود له عصاه فغوى، وأنه برأفته ورحمته اجتباه بعد ذلك فتاب عليه وهدى، ولم يحرمه الله بارتكاب هذا الحوب بعد ارتكابه إياه، فمن لم يغفر الله له حوبته التي ارتكبها، وأوقع عليه اسم غاو فهو داخل في باب من أبواب النار السبعة.
وفي ذكره آدم في قوله : ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، ما يبين ويوضح أن اسم الغاوي قد يقع على مرتكب خطيئة قد زجر الله عن إتيانها وإن لم تكن تلك الخطيئة كفراً ولا شركاً ولا ما يقاربهما ويجزاهما، ومحال أن يكون من وحد الله قلبه ولسانه المطيع لخالقه في أكثر ما فرض الله عليه وندبه إليه من أعمال البر غير المفروض عليه، وانتهى عن أكثر المعاصي، وأتى بأمور وأركان الإيمان، وصلى وصام وحج وفعل كل طاعة يقدر عليها، لكن ارتكب بعض المعاصي هل يستوي هذا في الغواية والضلال أو الانحراف مع من استكبر عن أن يقول لا إله إلا الله؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، فهل يستوي هذا المؤمن بفعل بعض هذه المعاصي مع من لم يوحد الله ﵎ أصلاً، أو من كفر بالله، أو دعا معه آلهة أخرى، أو قال: إن الله له صاحبة أو ولد؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل يستوي هذا العاصي الموحد مع من لم يؤمن بشي
стр. 126
الإيمان والكفر [١١]
إن فهم النصوص الشرعية يكون بضم بعضها إلى بعض، ويكون ذلك على ضوء فهم سلف الأمة لها، فهذا هو المخرج من الزلل، والناظر في مناهج أهل البدع يجد أنهم قد سلكوا عكس الطريق المطلوب للوصول إلى سلامة المعتقد، وصحة المنهج، فقاموا بضرب النصوص بعضها ببعض، فضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.
стр. 127
إبطال مذهب المرجئة في الإيمان
ما زلنا في الكلام على قضية الرد على طرفي الانحراف في قضية الإيمان والكفر، وهم الغلاة من المرجئة، ثم في الطرف الآخر الخوارج والمعتزلة، وذلك ضمن حديثنا عن ستة مباحث تتعلق بمسائل أصول الدين، كما ذكرها الشيخ حافظ حكمي ﵀ في معارج القبول، يقول: ولا نقول إنه في النار مخلد بل أمره للباري تحت مشيئة الإله النافذه إن شا عفا عنه وإن شا أخذه بقدر ذنبه وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يناقش الحساب عذبا وذكرنا في الرد على المرجئة كلام إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى، وملخصه: أن المرجئة يأخذون بطرف من النصوص ويهملون الطرف الآخر الذي يفسرها ويوضحها ويبينها؛ فهم يزعمون أن النار حرمت على كل من قال: لا إله إلا الله، ولا يمكن أن يدخل النار أبداً، وهم بالتالي يؤولون كل ما خالف هذا الاعتقاد من النصوص، فذكرنا في رد الإمام أبي بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى على هؤلاء حينما ذكر بعض أدلتهم مثل: قوله ﷺ : (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، ومثل: قوله ﷺ : (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، إلى غير ذلك من النصوص، فقلنا: إن هذه النصوص ليست على إطلاقها، بل لابد من تقييدها وفهمها في ضوء جملة أخرى من النصوص، فمثل هذه النصوص إنما تأتي في فضيلة عمل معين من الأعمال الصالحة فقط، لكن لا تعني أن كل الإيمان هو ما ورد في هذا الحديث، فلا يجوز أن تقول: إن من قال: لا إله إلا الله.
قد أتى بكل الإيمان، فهذه النصوص إنما هي في فضائل هذه الأعمال، وليست هي جميع الإيمان، بدليل أنه لا يخالف أحد أبداً في أن من قال: لا إله إلا الله ثم ضم إليها شهادة أن محمداً ﷺ رسول الله، ثم هو في نفس الوقت مع أنه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكنه لم يؤمن بأي واحد من الأنبياء، فلم يشهد بعيسى ولا بموسى ولا بنوح ولا بهود ولا بغير ذلك من الأنبياء الذين يشهد لهم بالنبوة والرسالة، فهل يكون مسلماً مؤمناً؟! وهل يحرم على النار أم أنه يكفر بذلك؟! لاشك أنه يكفر بذلك؛ لأن الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة من أجزاء لا تنفك ولا ينفصل بعضها عن بعض أبداً بأي حال من الأحوال، فالتكذيب بنبي واحد تكذيب بجميع الأنبياء، ولذلك يقول ﵎: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، ومع أن الذي أرسل إليهم كان رسولاً واحداً، لكن التكذيب برسول واحد هو تكذيب بجميع رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فلا يمكن أبداً ولا يوجد أبداً في علماء المسلمين من يقول: إن من قال: لا إله إلا الله حرم على النار، أو دخل الجنة، حتى ولو لم يشهد بالنبوة وبالرسالة، أو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكذب بالجنة أو النار أو البعث والنشور، هل يعد مؤمناً مسلماً أم أنه يكفر بذلك؟ كلا لا ينطبق عليه هذا الحديث، فإذا صح أن يستدل بمثل هذه الأحاديث في فضيلة كلمة التوحيد صح بالتالي أن يحتج جاهل معاند بحديث: (من علم أن الصلاة عليه حق واجب دخل الجنة) إذا صح هذا الحديث جاز أن يدعي جاهل آخر بأن كل الإيمان هو أن تؤمن وتصدق أو تعلم بأن الصلاة عليك حق واجب، وتكون مؤمناً بمجرد ذلك وإن لم تقر بلسانك ولم تصدق بقلبك بشيء مما أمر الله بالتصديق به، وأنك إذا علمت أن الصلاة حق واجب فأنت تدخل الجنة حتى لو أتيت جميع المحرمات وعطلت جميع الواجبات.
وبالتالي أيضاً يمكن أن يأتي جاهل ثالث فيستدل بمثل قول النبي ﷺ : (من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها حرمه الله على النار)، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر؛ فإن فعل هاتين الصلاتين فقط توجب دخول الجنة، حتى ولو لم يأت الإنسان بأي شيء من المأمورات ولم يجتنب شيئاً من المنهيات.
هذه الأحاديث وأمثالها إنما هي في فضيلة هذا العمل، ولا يمكن أن يفهم منها أن جميع الإيمان هو أن تأتي بما ورد في مثل هذه النصوص.
فحقاً لا إله إلا الله كلمة النجاة وكلمة التوحيد، لكن للا إله إلا الله لوازم ومقتضيات وشروط قُيد دخول الجنة باستيفائها.
أنت حينما تقدم أوراقاً لأي جهة رسمية، فهناك أوراق أساسية تطلب منك، وإذا قصرت في تقديم إحدى هذه الأوراق المطلوبة يقال لك: مطلوب منك استيفاء باقي الأوراق، فكذلك للا إله إلا الله شروط ومقتضيات ولوازم لابد من الإتيان بها، وإذا كانت لا إله إلا الله هي مفتاح الجنة، لكن كل مفتاح له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك، والأسنان هي الأعمال ومقتضيات هذا الإيمان.
فكل ما ورد في فضيلة لا إله إلا الله لا يفهم منه أن كل الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإلا فعلى هذه الطريقة المعوجة في فهم النصوص يمكن أن يأتي إنسان جاهل فيقول: إن كل الإيمان هو أن تقاتل في سبيل الله فواق ناقة، وهو الوقت ما بين حلبة وأخرى للناقة، وقت يسير جداً ويستدل بقول النبي ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)، فهل كل الإيمان أن تقاتل في سبيل الله هذه الفترة القصيرة من الزمن؟ أو هل كل الإيمان أن تغبر قدماك في سبيل الله، وتستدل بقوله ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)؟ هل يكون الإنسان مؤمناً كامل الإيمان فقط بأن تغبر قدماه في سبيل الله حتى ولو عطل كل الأوامر؛ فما صلى ولا صام ولا زكى وشرب الخمر وفعل الفواحش وسرق إلى آخر هذه المحرمات؛ ولأنه اغبرت قدماه في سبيل الله دخل الجنة وحرم على النار؟ كلا.
أو هل كل الإيمان أن يعتق الإنسان رقبة مؤمنة حتى ينجو؛ ويستدل على ذلك بقوله ﷺ : (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار)؟ هذا فقط يستدل به على فضيلة عتق الرقبة، لكن لا يقال: هذا هو كل الإيمان.
كذلك أيضاً هل كل الإيمان أن يبكي الإنسان من خشية الله، ويستدل على ذلك بقوله ﷺ : (لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى)؟ كلا، هذه في فضيلة البكاء من خشية الله، وليس معنى الحديث أن كل الإيمان أن تأتي بهذا العمل.
أو هل كل الإيمان أن تصوم يوماً تطوعاً في سبيل الله، وتستدل على ذلك بقوله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)؟ كلا، هذا إنما هو في فضيلة هذا العمل الصالح، وليس معنى ذلك أن كل الإيمان الإتيان بهذه الشعب من الأعمال الصالحة.
стр. 128
إبطال مذهب الخوارج والمعتزلة في الإيمان
بعد أن استعرض الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى هذه الجملة من النصوص لإبطال مذهب المرجئة شرع في بيان ما تشبث به الخوارج والمعتزلة الذين قالوا: إن من فعل أي معصية يدخل النار ولا يخرج منها؛ لأنه يكفر بالمعصية حتى لو بالذنب دون الشرك ودون الكفر، والله ﵎ بين أن هناك من الذنوب ما هو شرك وما هو دون الشرك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهم يعدون أن كل من أتى ذنباً حتى لو كان من الذنوب غير المكفرة، فإنه إذا دخل النار -بناء على النصوص التي تثبت أن المعاصي تستوجب النار- لا يخرج منها، ومن ثم كذبوا بأحاديث الشفاعة؛ لأنها تبطل مذهبهم بالكلية، وإلا فهل يجوز أن يقال: أخرجوا من النار من ليس فيها؟ أو أن يقال: يخرج من النار من ليس في النار؟ كلا.
فلأن أحاديث الشفاعة تبطل مذهبهم الباطل، ومنها: قول النبي ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)؟ فلذلك كذبوا بها حتى لا تزعجهم ولا تقلقهم.
стр. 129
عقيدة الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة
يقول الإمام رحمه الله تعالى الإمام ابن خزيمة: باب ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ ثابتة من جهة النقل جهل معناها فرقتان: فرقة المعتزلة والخوارج، احتجوا بها وادعوا أن مرتكب الكبيرة إذا مات قبل التوبة منها مخلد في النار محرم عليه الجنان.
الكلام بالنسبة للخوارج فيمن فعل الكبيرة ولم يتب منها، هم يقولون: إذا فعل المعاصي فقد كفر وارتد وعاد إلى الإسلام بالتوبة، فبالتالي لا يختلفون في أن من تاب فهو ناج بغض النظر عن تكييف هذه التوبة، أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون: أن من تاب إلى الله توبة صحيحة تاب الله عليه، حتى ولو من أكبر الذنوب وهو الشرك بالله ﵎، فباب التوبة مفتوح له ولا يغلق أبداً حتى تطلع الشمس من المغرب، أو قبل الغرغرة في حق عمر الإنسان، فليست القضية معهم في شأن الذي تاب؛ لأن الذي تاب توبته مقبولة، وهو ناج إن شاء الله؛ ما دامت التوبة صحيحة مستوفية لشروطها، لكن أهل السنة يعتقدون أن إيمانه ينقص بهذه المعصية، والخوارج يعتقدون أن إيمانه يحبط تماماً، وأنه إذا تاب يعود إلى الإسلام من جديد، حتى وصل الأمر أنهم كفروا الأنبياء، بعض الخوارج الجدد يعتقدون بتكفير بعض الأنبياء، فلما كنا نستدل عليهم في بعض المناقشات ببعض النصوص ونعتقد أنها سوف تفحمهم، ونقول لهم قال آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣]، وقال يونس ﵇: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] قالوا: إن يونس كفر ثم عاد إلى الإسلام بالتوبة والعياذ بالله، فتجرءوا حتى على مقامات الأنبياء، بل حتى على خاتم الأنبياء وسيدهم ﵊، فالعياذ بالله من هؤلاء الهالكين الجهال الضالين، وذلك تبعاً لانحرافهم في تفسير قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١].
فالمقصود أن الرسول ﷺ لم يحرمه، وإنما أخذ على نفسه أن يجتنب العسل؛ لما يصدر عنه من رائحة اشتكت منها بعض أزواجه.
هذه قضية أخرى، ولم يكن تحريماً لما أحل الله.
على أي الأحوال وصل بهم الجهل إلى هذا الحد من العدوان والظلم والبهتان، فادعى الخوارج والمعتزلة أن مرتكب الكبيرة إذا مات قبل التوبة منها فهو مخلد في النار محرم عليه الجنان.
أما المرجئة فقد كفرت بهذه الأخبار وأنكرتها ودفعتها، جهلاً منها بمعانيها.
стр. 130
بيان معاني نصوص الوعيد التي يستدل بها المعتزلة والخوارج
يقول: وأنا ذاكرها بأسانيدها وألفاظ متونها، ومبين معانيها بتوفيق الله، ثم ذكر بأسانيده حديث أسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص وأبي بكرة ﵃، قال رسول الله ﷺ : (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: (من انتسب لغير أبيه لم يرح بريح الجنة، وريحها يوجد من مسيرة سبعين عاماً)، فمثل هذه الأحاديث يفهم منها أنه حرمت عليه رائحة الجنة، فأخذوا منها أنه كافر كفراً أكبر، مثل: المشرك النصراني الذي يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، ومثل: اليهود والمجوس كلهم سيان، ويستدلون بمثل هذا الحديث: (فالجنة عليه حرام)، كذلك حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام.
ففهموا أن الشخص الذي يمشي بين الناس بالنميمة يحرم عليه الجنة، فيستدلون بهذه النصوص على كفر من ارتكب هذه المعصية.
والجواب على هذا: أن نجمع بين هذا الحديث وبين مرور النبي ﵌ على قبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس، ثم وضع النبي ﷺ جريدتين رطبتين على قبريهما وقال: اللهم خفف عنهما ما لم ييبسا)، يعني: ما دامت الجريدتان رطبتين لينتين؛ فيدعو الله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا.
الظاهر من الحديث أنهما ماتا بغير توبة؛ لأنهما إذا كانا تابا توبة صحيحة فالتوبة مقبولة.
فالشاهد قوله: (اللهم خفف عنهما ما لم ييبسا)، فدخولهما تحت دعوة النبي ﷺ يؤيد أنهما ليسا بكافرين وليسا من المشركين؛ لأن الله حرم المغفرة والاستغفار والجنة على المشركين، ففي ضوء هذا يفهم هذا الحديث: (لا يدخل الجنة قتات)، يعني: نمام.
وحديث أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك)، الأراك هو عود السواك، لو كان الذي اغتصبه أو سرقه بهذا اليمين أو استولى عليه بغير حق هو عبارة عن عود من السواك فقد حرم الله عليه الجنة.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة نمام، ولا عاق، ولا مدمن خمر)، وحديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة قاطع)، أي: قاطع رحم، وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء)، أي: المرأة المسترجلة التي تتشبه بالرجال في ملابسها أو هيئتها أو كلامها إلى آخره، وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنان بما أعطى)، وحديث أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من قتل نفساً معاهدة بغير حقها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها)، يعني: من قتل يهودياً أو نصرانياً من الذين لهم ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ؛ فإنه يحرم عليه الجنة؛ فهذا يحرم قتله لأنه معصوم، والمعصوم إما المسلم وإما الذمي.
إذاً: الذمي المعاهد لا يجوز ظلمه ولا قتله ولا الاعتداء على ماله ولا نفسه؛ لأنه إذا كان من أهل الذمة فبينه وبين المسلمين ذمة وعهد؛ فلا يجوز أن تخفر هذه الذمة أو تنقض.
стр. 131
كلام ابن خزيمة في معنى أحاديث الوعيد
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى: معنى هذه الأخبار إنما هو على أحد معنيين: أحدهما: لا يدخل الجنة.
أي: بعض الجنان.
يعني: لا يدخل جنة معينة، أو أن جزءاً معيناً من الجنة محرم على من أتى هذه الذنوب.
يقول: أحدهما: لا يدخل الجنة، أي: بعض الجنان؛ إذ النبي ﷺ قد أعلم أنها جنان من جنة، واسم الجنة واقع على كل جنة منها، فالجنة مراتب ودرجات متفاوتة تفاوتاً عظيماً.
وهذه الأخبار التي ذكرها: من فعل كذا لبعض المعاصي حرم الله عليه الجنة، أو لم يدخل الجنة، معنى ذلك: لا يدخل بعض الجنان التي هي أعلى وأشرف وأنبل وأكثر نعيماً وسروراً وبهجة وأوسع؛ أنه أراد لا يدخل شيئاً من تلك الجنان التي هي في الجنة، وعبد الله بن عمرو ﵄ قد بين خبره الذي روي عن النبي ﵌: (لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر)، بين أنه إنما أراد حضيرة القدس من الجنة على أحد المعنيين.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: (لا يدخل حظيرة القدس سكير، ولا عاق، ولا منان).
فهذا الحديث يوضح الحديث الأول.
فتحمل بعض هذه النصوص على هذا الاحتمال الأول، أو على الثاني: منطقة معينة من الجنة تحرم على من أتى هذه الذنوب.
قال: ولكنه يدخل الجنة، لكن جنات معينة ودرجات معينة من الجنة يدخلها من لم يأت بهذه المعاصي، أما من أتى بها فهو وإن دخل الجنة لكن يكون في مرتبة دون تلك التي دخلها من عافاه الله منها.
قال: والمعنى الثاني: أن كل وعيد في الكتاب والسنة لأهل التوحيد فإنما هو على شريطة إلا أن يشاء الله تعالى أن يغفر له.
يعني: من فعل كذا فهو في النار، أو حرم الله عليه الجنة، أو لا يجد ريح الجنة إلا أن يعفو الله عنه.
فيقدر هذا الشرط لفهم الحديث فهماً صحيحاً.
فيقول: إن كل وعيد في الكتاب والسنة لأهل التوحيد فإنما هو على شريطة إلا أن يشاء الله تعالى أن يغفر له ويصفح ويتكرم ويتفضل، فلا يعذب على ارتكاب تلك الخطيئة، إذ الله قد أخبر في محكم كتابه أنه قد يشاء أن يغفر دون الشرك من الذنوب، كما في قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذا قيل لك: ما الدليل على الاشتراط؟ فالدليل هو: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ))، فلا يدخل تحت المشيئة إلا من سلم من الشرك وإن استحق دخول النار، وقد يعافى من دخول النار إذا شاء الله أن يعافيه ويعفو عنه بسبب من أسباب كثيرة جداً سنذكرها إن شاء الله في حينها.
يقول: واستدللت أيضاً بخبر عن النبي ﷺ بهذا المعنى، وساق بإسناده إلى قيس بن محمد بن الأشعث: أن الأشعث وهب له غلاماً فغضب عليه بعدما وهبه الغلام، وقال: والله ما وهبت لك شيئاً، فلما أصبح رده عليه ثانية وندم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف على يمين صبراً ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه).
الشاهد تعليق العقوبة على مشيئة الله ﵎، وقد تقدم حديث عبادة بن الصامت رضي الله ﵎ عنه في قصة البيعة، عن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف؛ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه؛ فبايعناه على ذلك).
الشاهد أنه بعدما أخذ عليهم ألا يشركوا بالله ﵎ شيئاً أخذ عليهم أيضاً ألا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم في جملة أخرى من المعاصي، ثم قال: (فمن وفى منكم فأجره على الله) هذا المسدد الموفق الذي وفى بالبيعة ولم يخالف ولم يرتكب شيئاً من هذا.
قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له)، المقصود من أتى بشيء دون الشرك يستوجب حداً من الحدود فعوقب في الدنيا بإقامة الحد عليه، فإقامة الحد تطهير وكفارة لهذا الذنب، سواء أقر عند الحاكم أو شهد عليه الشهود بأنه فعل فأقيم عليه الحد، لكن إذا ستره الله فليستر على نفسه طمعاً في رحمة الله، كما ستر عليه في الدنيا يستر عليه في الآخرة، لكن لا يفضح نفسه ولا يكشف ستر الله ﵎ عليه.
وذلك لقوله: (ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه).
الشاهد: دخول السارق أو الزاني أو القاتل أو فاعل أي شيء من هذه المخالفات تحت المشيئة، وهذا يدل على أنه فعل شيئاً دون الشرك، وعلى أنه مؤمن ناقص الإيمان بمعصيته، لكن ليس مؤمناً إيماناً مطلقاً كما بينا ذلك مراراً.
يقول الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀: فاسمعوا الخبر المصرح بصحة ما ذكرت أنها جنان في جنة، واسم الجنة واقع على كل جنة منها على الانفراد، فيستدل بذلك على صحة تأويلنا الأخبار التي ذكرنا عن النبي ﷺ : من فعل كذا وكذا لبعض المعاصي لم يدخل الجنة، إنما أراد بعض الجنان التي هي أعلى وأشرف وأفضل وأنبل وأكثر نعيماً وأرفع، إذ محال أن يقول النبي ﷺ : من فعل كذا وكذا لم يدخل الجنة.
يريد: لا يدخل شيئاً من الجنان، ويخبر أنه يدخل الجنة، فتكون إحدى الكلمتين دافعة للأخرى، وأحد الخبرين دافعاً للآخر.
ففي الحديث: (من قال لا إله إلا الله صادقاً من قلبه دخل الجنة أو حرمه الله على النار) إلى آخر الجملة الأخرى من الأحاديث، فمن يقول: لا إله إلا الله، فهو بذلك يستحق الجنة، ثم يأتي نص آخر فيكون هذا الشخص الذي فعل معصية معينة تحرم عليه الجنة أو يدخل النار.
فالمقصود أن هناك تعارضاً في الظاهر لا يقع في الحقيقة بين النصوص، فهذا الجنس من الأخبار لا يدخله النسخ؛ لأنه يلزم من ذلك التضارب في أشياء لا يدخل فيها النسخ، لكن هذا من ألفاظ العام الذي يراد به الخاص.
стр. 132
درجات الجنة وتعددها
ساق بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁: (أن الربيع أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! أنبأني عن حارثة أصيب يوم بدر، فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء، فقال: يا أم حارثة، إنها جنان في جنة، وإنه أصاب الفردوس الأعلى) ﵁، فهذا نص على أنها جنان في جنة، يعني: الجنة الكبرى مكونة من جنان تتفاوت في منازلها وسعتها وشرفها.
قال أبو بكر بن خزيمة: قد أمليت أكثر طرق هذا الخبر في كتاب الجهاد، وقد أمليت في كتاب ذكر نعيم الجنة ذكر درجات الجنة وبُعد ما بين الدرجتين، منها: إخبار النبي ﷺ أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما ترون الكوكب الدري في أفق من آفاق السماء، لتفاضل ما بينهم، فهم يتراءون وينظرون إلى منازلهم وهم في الجنة كما تنظرون أنتم وأنتم في الأرض إلى الكوكب الدري الغابر في أفق من آفاق السماء، كم يكون بعيداً عنكم؟! فهذا تفاضل ما بين أهل الغرف وأصحاب الغرفات، هؤلاء الذين شرفهم الله بهذه المنزلة، فهذا يدل على أن الجنة نفسها درجات، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]، فدرجات الجنة تذهب علواً ودركات النار تذهب سفلاًً.
وأيضاً يقول ﷺ لما حكى هذا الحديث وأخبرهم: (أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما ترون الكوكب الدري في أفق من آفاق السماء؛ لتفاضل ما بينهم، فقال بعض الصحابة ﵃: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم.
قال: بلى، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، يعني: هذه المنزلة قد يبلغها أناس ليسوا من الأنبياء ولا من المرسلين، بل هم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
يقول: وأمليت أخبار النبي ﷺ بين كل درجتين من درج الجنة مسيرة مائة عام، بين كل درجتين مسيرة تقطع في مائة سنة.
فمعنى هذه الأخبار التي فيها ذكر أن من يرتكب بعض الذنوب لا يدخل الجنة، أي: لا يدخل العالي من الجنان التي هي دار المتقين إلا الذين لم يرتكبوا تلك الذنوب والحوبات والخطايا.
ثم قال: وقد يجوز أن يقال: إن قوله ﷺ : من فعل كذا وكذا لم يدخل الجنة.
يريد لم يدخل الجنة التي يدخلها من لم يرتكب هذه الحوبة؛ لأنه يحبس عن دخول الجنة إما للمحاسبة على الذنب، أو لإدخاله النار ليعذب بقدر ذلك الذنب، إن كان ذلك الذنب مما يستوجب به المرتكب العقاب، إن لم يسمح الله ويصفح ويتكرم فيغفر ذلك الذنب ويدخل الجنة مع أول الداخلين، بل يحبس حتى يقتص منه، أو إذا كان الذنب يستوجب النار فيدخل النار فترة حتى يتطهر، ثم يدخل الجنة إن كان مات على التوحيد، فهذه الأخبار إذا لم تحمل على هذه المعاني كانت على وجه التهاتر والتكاذب، وعلى العلماء أن يتأولوا أخبار رسول الله ﷺ ، على ما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه) يعني: ظنوا بكلام رسول الله ﵊ أحسن وأهدى الظن، وأهدى الفهم وأتقاه لله وأهناه.
فخلاف هذا المسلك الذي سلكه العلماء هو مسلك القاصرين الجهلاء الذين ينظرون بعين واحدة هي عين الرجاء، أو عين التخويف والوعيد والتهديد دون أن يجمعوا بين النصوص بهذا الجمع.
стр. 133
ثناء حافظ حكمي على طريقة ابن خزيمة
يقول الشيخ حافظ حكمي بعدما سرد هذا الكلام: انتهى كلامه باختصار، وهذا كلام متين من إمام متضلع من معاني الكتاب والسنة، ذي خبرة وعلم لمواردها ومصادرها.
وقوله رحمه الله تعالى: وعلى العلماء أن يتأولوا أخبار رسول الله ﷺ ، لم يعن ﵀ التأويل الفاسد الذي اصطلح عليه المتكلمون المتأخرون من صرف النصوص عن معانيها إلى الاحتمالات البعيدة، هذا هو التأويل الفاسد الذي هضموا به معاني النصوص بما اقتضته عقولهم السخيفة، وليس ذلك من طريقته -أي: ابن خزيمة - ولا من شأنه ﵀، وإنما عنى ما أشار إليه في غير موضع من كتبه من حمل المجمل على المفسر، والمختصر على المتقصي، والمطلق على المقيد، والعموم على الخصوص، وما أشبه ذلك من التأليف بين النصوص ومدلولاتها؛ لئلا تكون متناقضة يرد بعضها معنى بعض، لأن هذا التناقض مما ينزه عنه كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فهذه طريقة جميع أئمة المسلمين من علماء التفسير والحديث والفقه في أصول الدين وفروعه رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
стр. 134
الجمع بين عفو الله وعقابه لمن رجحت كفة سيئاته
يقول: مسألة: فإن قيل: وما الجمع بين ما تقدم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ في من ارتكب حداً لم يقم عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، وبين ما صرحت به النصوص التي في الميزان والحساب والجنة من أن من رجحت خطاياه وسيئاته بحسناته تمسه النار ولابد؟ يعني: لا إشكال في ذلك ولا منافاة ولله الحمد، وقد حصل جمع فاصل للنزاع بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ الذي ذكرناه: بأن من يشأ الله أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير الذي فسره النبي ﷺ بالعرض، وبين أن من نوقش الحساب عذب، فهو يحاسب، لكن صورة حساب الشخص الذي مات على ذنب من هذه الذنوب واستوجب الحد ولم يقم عليه وستر الله عليه؛ فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.
ف
الجواب
أن من شاء الله أن يعفو عنه فإنما يحاسب حساباً يسيراً، ما الحساب اليسير؟ مجرد عرض الأعمال عليه، ثم يقال له: (فإني أسترها عليك اليوم كما سترتها عليك في الدنيا).
أما الشخص الذي مات على معصية دون أن يتوب منها فهذا سوف يحاسب حساباً عسيراً، كيف يكون الحساب؟ بالمناقشة، متى ما نوقش وحصل أخذ ورد، في هذه الحالة يكون الله قد شاء أن يعذبه.
يقول ﵊: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.
فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.
فيقرره بها، ثم يقول: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)، وأما الذين يدخلون النار بذنوبهم فهم ممن يناقش الحساب، وقد قال رسول الله ﷺ : (من نوقش الحساب عذب)، نسأل الله أن ييسر حسابنا، ويتجاوز عنا، ويغفر لنا بمنه وكرمه آمين.
стр. 135
مرتكب الكبيرة يكفر باستحلاله إياها
المسألة الخامسة من مسائل هذه البحوث: أن مرتكب الكبيرة يكفر باستحلاله إياها.
يعني: لا نكفر أحداً من أهل التوحيد بالذنب، لكن هناك ذنوب يكفر مرتكبها إذا اعتقد استحلال الذنب والمعصية.
نحن قلنا: الإيمان مركب من قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان والجوارح، ففي كل عمل أنت تعمله هناك عمل قلبي، مثلاً: من يشرب الخمر والعياذ بالله انتفى عنه العمل، لكن لابد أن يكون معتقداً في قلبه تحريمها، فالعقيدة والإيمان مرتبط بالعمل، فالذي يشرب الخمر في قلبه إيمان أن هذا حرام، لكنه تخلف عمل القلب نتيجة اتباعه الشيطان في العمل فشرب الخمر وارتكب هذه الموبقة، فهذا مرتكب كبيرة من الكبائر مستحق للعذاب، لكن إذا شرب الخمر واعتقد بقلبه أنها حلال، فهل هذا الذنب يكفره أم لا يكفره؟ يكفره؛ لأنه استحل الحرام، فصارت كبيرة القلب ومعصية القلب أشد من معصية الجوارح.
فإذاً: لا نقول: إن العبد لا يكفر بالذنب، لكن نقول: لا نكفر المؤمن بكل ذنب إشارة إلى أن الذنب يكفر به فاعله إذا استحله إذا استحله، ولذلك يقول الشيخ حافظ حكمي في سلم الوصول: ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلاله لما جنى يقول: (ولا نكفر بالمعاصي)، يعني: المعاصي التي لا توجب كفراً، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولا تستلزم الشرك، ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله.
قوله: (مؤمناً) أي: مقراً بتحريم هذه المعاصي، معتقداً أنها حرام، مؤمناً بالحدود المترتبة عليها، ولكن نقول: يفسق بفعلها، ويقام عليه الحد بارتكابها، وينقص إيمانه بقدر ما ارتكب منها.
إن كلمة لا إله إلا الله هي مثل الروح للبدن، والإنسان إذا قطعت ذراعه يبقى حياً، وأعمالنا هي أركان البدن والجوارح والأعضاء.
أما التوحيد والعقيدة فهي روح هذا البدن، فالإنسان إذا فقئت إحدى عينيه يمكن أن يعيش لكن بعاهة، وإذا قطعت يده أو رجله يعيش وتنقص أركانه وأعضاؤه، وإذا فقد جزءاً من أجزاء البدن يبقى حياً، أو عامة جوارحه إذا بترت منه يبقى حياً، لكن إذا خرجت روحه مع سلامة جميع الجوارح هل يبقى حياً؟ لا، فكذلك العقيدة والتوحيد إذا خرجا من القلب حبط جميع إيمانه وذهب أصله بالكلية.
أما ما عدا ذلك من الأعمال فيمكن للإنسان أن يبقى حياً بدونها لكن ينقص بقدرها من كفاءاته، وينقص إيمانه بالمعاصي، فالمعاصي لها تأثير لا كما تزعم المرجئة أن المعاصي لا تأثير لها على الإيمان، وتنقص من الإيمان، فإذا استحلها أحبطت كل الإيمان، وصار كافراً مشركاً بذلك.
стр. 136
الإيمان والكفر [١٢]
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن من عصى الله وتجاوز حدوده وهو يعلم أن فعله حرام أنه لا يكفر، وأما من استحل ما حرم الله من العاصي فإنه يكفر وإن لم يفعلها، لكن من تاب في زمن التوبة فإنها تقبل منه ولو كانت من الكفر والشرك.
стр. 137
تقرير كفر من ارتكب المعصية إذا استحلها
يقول الشيخ حافظ حكمي ﵀: ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلاله لما جنى أي: لا نكفر من ارتكب المعصية إلا إذا استحلها، وأشرنا إلى عمل القلب في أمر المعاصي، وفي التفريق بين الكفر والإيمان، فهناك عمل القلب وهناك عمل الجوارح، سواء في الطاعات أو المعاصي، فالشخص الذي يسرق ويشرب الخمر ويفعل الفواحش له شقان: شق هو اعتقاد قلبه تجاه هذه الأشياء، وشق يتعلق بالناحية العملية، وإذا ارتكب شخص شيئاً من هذه المحرمات فهنا يعد عاصياً فاسقاً؛ لأنه ارتكب كبيرة أو ذنباً من الذنوب، ولا يكفي هذا لتكفيره؛ لأنه ما زال في قلبه التصديق بأن هذا الشيء حرام، إنما غلبه هواه أو زين له شيطانه أو حرضه رفقاء السوء، أو أي عامل من العوامل التي مهدت له الوقوع في هذه المخالفة، لكنه بقلبه يعتقد أن الخمر حرام وأن السرقة حرام، فهذا نوع من الجريان مع الهوى والميل مع الشيطان، فلا يكفي ذلك لتكفيره، بل هذا ينقص إيمانه.
رجل آخر لا يشرب الخمر ويقول: إنها تضر بالصحة، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، فهذا كافر كفراً أكبر، حتى ولو لم يذق قطرة من الخمر، وخارج من الملة مثل: فرعون وهامان وأبي لهب؛ لأن هذا استحل بقلبه وإن لم يفعل بجوارحه هذه المعصية.
إن اعتقاد المسلم هو وجود عمل القلب بالتصديق بحكم الله في هذه المسائل حتى في حالة المعصية، ولذلك يفرق بين المسلم مرتكب المعصية الذي يفسق بفعلها، أو ينقص إيمانه بفعلها، وبين الشخص الذي لم يفعل المعصية لكنه كافر لاستحلاله إياها بقلبه.
وأشرنا من قبل إلى الأدلة التي تثبت أن فاعل المعصية لا يخرج من الملة، وذكرنا بعض هذه الأدلة سواء من القرآن الكريم أو من سنة النبي ﵌، فمن قتل النفس التي حرم الله هذا من الكبائر، واقتتال طائفتين من المسلمين هو من أكبر الكبائر، ورغم ذلك أثبت لهم القرآن أخوة الإسلام، فقال ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] قوله: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) أثبت لهم صفة الإيمان.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].
هذا قتال بغاة، وفرق كبير في الأحكام الفقهية بين قتال البغاة وقتال الكفار، مثلاً في قتال الكفار الأسير الجريح تجهز عليه؛ لأنك تستحل دمه، وإذا فر تتبعه حتى تقضي عليه، وتسبى نساؤهم وتغنم أموالهم.
وقتال البغاة هذا لم يقع أبداً في عهد النبي ﵌، وإنما الأمر كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة).
يعني: أنه أول من طبق فقه قتال أهل القبلة، ولذلك كان الصحابة ﵃ في الفتنة الكبرى حينما اقتتل جيش علي وجيش معاوية ﵄، كانوا إذا أتى وقت الصلاة يوقفون القتال ويصلون، وكان إذا قتل أي واحد من القتلى أي فريق من الاثنين يأخذه ويصلي عليه ويكفنه ويؤدي حق المسلم معه، ولم يسبوا نساءهم ولم يستحلوا أموالهم، وما كانوا يجهزون على الجريح؛ لأن المقصود كما قال الإمام الشافعي: ليس القتال من القتل بسبيل؛ قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله، والبغاة عبارة عن طائفة من المسلمين تخرج بتأويل سائغ على الخليفة، تكون لها قوة ومنعة وزعيم ومطالب محددة أو تأويل لبعض النصوص؛ فيخرجون على الخليفة الحق، فهؤلاء تطبق عليهم أحكام قتال البغاة، ولم يحصل هذا في عهد النبي ﵊؛ لأن وجود الرسول ﵊ كان رحمة للأمة من أن يصطرعوا أو يتقاتلوا، لكن وقعت الفتنة كما قدر الله ﵎ فحصل ما حصل، فلذلك كان أول مجال عملي طبق فيه فقه مقاتلة البغاة هو الحرب بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فلذلك لم يحصل سبي للنساء؛ لأن هذا فرق بين قتال المسلمين وقتال الكافرين، ولذلك الخوارج كفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وخرجوا عليه، قالوا: لماذا لا تسبي نساءهم؟ فقال لهم: أتسبون أمكم عائشة ﵂؟ فلم يحصل أي شيء.
إذاً: المقصود من قتال البغاة هو إضعاف شوكتهم وليس المقصود استحلال دمائهم، فلذلك إذا فر من المعركة وهرب لا يتبعه أحد، وإذا جرح وعجز عن مواصلة القتال لا يجهز عليه، ولا تسبى النساء، ولا تغنم الأموال، ولكن الكافر يباح دمه ويقتل ويجهز عليه كما هو معلوم.
الشاهد أن التطبيق العملي لهذه الآية التي تتحدث عن قتال البغاة تؤكد أن المعاملة كانت بين جيشين متقاتلين معاملة البغاة، وليست معاملة المرتدين أو الكافرين.
أيضاً الذي يقتل أخاه لأي هوى دافع من العصبية أو الصراع على دنيا أو أي شيء، قال ﵎ عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] القصاص لا يحصل إلا بعد أن يكون هناك قاتل ومقتول، ومع ذلك خاطبهم بلفظ الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، أي: إذا عفا ولي الدم عن القاتل؛ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت لهم الأخوة مع وجود هذه المقاتلة.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٨].
لوكان هذا القاتل مرتداً لما سماه الله أخاً؛ لأنه لا أخوة البتة بين مؤمن وكافر.
كذلك حاطب بن أبي بلتعة، مع أنه من البدريين ﵁ فقد ارتكب معصية كبيرة من الكبائر، حينما أرسل كتاباً إلى أهل مكة من المشركين يخبرهم فيه: أن رسول الله ﷺ يريدهم ويقصد مقاتلتهم وغزوهم، وأنه جهز جيشاً لفتح مكة، ونزل جبريل ﵇ فأخبر النبي ﵌ بما فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وأرسل النبي ﷺ نفراً من أصحابه فتتبعوا المرأة التي كانت تحمل هذه الرسالة، وفعلاً هددوها إما أن تخرج الكتاب، وإما أن يرفعوا الثياب ويكشفوها حتى يفتشوا عن ذلك، فأخرجت المرأة هذا الكتاب وأحضروه إلى النبي ﵌، وحينئذ نزل قوله ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا)) خاطبه بوصف الإيمان مع ارتكابه لهذه المعصية الكبيرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١].
حينئذ اعتذر حاطب رضي الله تعالى عنه بأن كل واحد من الصحابة له عصبة ورجال يحمون ذويهم في قريش من الكفار، فهو أراد أن يبذل بعض الجميل للكفار؛ لأنه ليس له ولا لذويه في قريش هذه المنعة، فأراد أن يصنع لهم يداً بحيث يكفوا شرهم عن أهله في مكة، فمن أجل هذا التأويل تجاوز له الله عن هذا الفعل؛ لأنه لم يقصد خيانة الله ورسوله، فحينما استأذن عمر رضي الله تعالى عنه النبي ﵌ في ضرب عنق حاطب، قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فحينئذ قال له النبي ﵌: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، مع أن عمر ﵁ وصف حاطباً بالنفاق، مع ذلك امتنع النبي ﵌ عن قتله بهذا الفعل؛ لأنه باق على أصل الإسلام مع ارتكاب هذه المعصية، والمقصود من قوله: (لعل الله اطلع على أهل بدر)، يعني: علم ما خواتيم جميع من شاركوا في غزوة بدر، وأن كلاً منهم إذا أذنب رجع إلى الله ، وليس معناه أن بدرياً يستحل المعاصي، ويقول: أنا بدري وسيغفر الله لي، لكن معناه أن الله اطلع على خواتيمهم، وعلم من شأنهم وأحوالهم أنه لا يوجد بدري إلا إذا أذنب ذنباً يتوب منه، ولا يصر عليه فيتوب الله عليه.
كذلك ليس كل من خاض في حديث الإفك من المنافقين، بل فيهم مؤمنون كما هو معلوم، ومع ذلك أنزل الله ﵎ قوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، المقصود منها أبو بكر ﵁؛ لأنه كان له قريب يدعى: مسطحاً، وكان أبو بكر ينفق عليه ويتصدق عليه، فحينما وقع في أم المؤمنين أقسم أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه هذا الرزق، فنزلت هذه الآية تعاتب أبا بكر رضي الله ﵎ عنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فحينئذ قال أبو بكر ﵁: (بلى يا رب والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرد على مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها عنه أبداً).
وإنما كان ذلك لما أظهر مسطح الندامة.
والإنس
стр. 138
وجوب معاملة الناس بظاهرهم لا بما في قلوبهم
عن أسامة بن زيد ﵄ قال: (بعثنا رسول الله ﵌ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة -يعني: هجمنا في الصباح على هذه القبيلة من جهينة- فأدركت رجلاً من الكفار، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته! مع أنه قال: لا إله إلا الله؛ فوقع في نفسي من ذلك! فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح! قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ!) قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين يعني: أسامة ﵁، قيل: لأنه كان له بطن عظيم، فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
هذا الحديث يجب أن يوضع نصب عين كل من لا يقتنع بأن يحاسب الناس على ما يظهرون، شأن العبيد مع العبيد فبعض الناس يريد أن يحاسب الناس على ما في قلوبهم لا يكتفي بما يظهرونه، ويظل يتتبع ويتحرى حتى ظهرت هذه البدعة الضالة: التوقف والتبين! يقول لك: يتبين، ولسان حالهم يقول: أريد أن أعاملك على أساس ما في قلبك لا على أساس ما تظهره؛ ويتعنت ويتعسف في بذل الجهد في إنقاص عدد أمة محمد ﷺ ، هذه هي المهمة التي يعيش من أجلها: كيف يخرج الناس من الإسلام؟! كيف يحكم عليهم بالكفر؟! فمعاملة العبد لعبد لا تنبني إلا على ما يظهر هذا الإنسان، أما الذي يعامل الناس على ما في قلوبهم فهو الله سبحانه؛ لأنه وحده الذي يطلع على ذلك، معلوم قول النبي ﵊ في مناسبة أخرى: (إني لم أؤمر أن أنقب عما في قلوب الناس أو أن أشق بطونهم) أو كما قال ﵌.
وفي بعض الآثار كما في الموطأ عن عيسى بن مريم ﵇ قال: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلىً، ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).
فالإنسان الذي يعامل الناس على ما في قلوبهم تجد أنه ينازع الله في ربوبيته.
أما في حالة أسامة هذه فإن الظاهر أن هذا الرجل لما لاذ بالشجرة أو اختبأ، وقال: لا إله إلا الله، ولنفرض جدلاً أنه قال هذه الكلمة لكي تعصم دمه في الحال، فلا ينبغي حينها أبداً أن يلتمس مثل هذه المعاذير.
إن قلة الفقه بهذه القضايا هي التي أوجدت مثل هذه الأمور التي نسمع بها من بعض إخواننا في أفغانستان؛ لعدم وجود الفقه والبصيرة والعلم الشرعي، كان بعض الإخوة إذا لاقوا الجنود من حكومة أفغانستان الشيوعية تجد جرأة على إراقة الدماء، فيقولون: لا إله إلا الله ومع ذلك يقتلونهم، هذا انحراف عن هدي النبي ﵌؛ لماذا؟ يقول: هو ما قال ذلك إلا بعد ما قدرت عليه وكدت أن أقتله؛ هذا نفس ما حدث مع أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، ومع ذلك زجره النبي ﵌.
قد يطرأ
السؤال
لماذا لم يؤاخذ النبي ﵊ أسامة بقتله ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله؟
الجواب
لم يؤاخذه لوجود الشبهة في هذا الأمر، وأنه ظن أنه إنما قالها تعوذاً؛ فلو قال إنسان هذه الكلمة حتى لو كان الظاهر أنه يتعوذ بها فإنها تحميه، وفي قصة بني جذيمة حينما عرض عليهم خالد الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، صبأنا.
فصبأنا من حيث اللغة تعني تغيير الدين، أما هو فقد فهمها بخلاف ذلك؛ لأن فيها نوعاً من عدم الصراحة في إثبات أنهم مسلمون أو غير مسلمين، وكان ينبغي أن يتحرى خالد ﵁ لكنه عرضهم على السيف وقتلهم؛ فحينما بلغ ذلك النبي ﵊ رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وأرسل دية هؤلاء القوم حتى ميلغة الكلب)؛ أي: حتى الإناء الذي يلغ فيه الكلب دفع النبي ﵊ تعويضاً عنه.
الشاهد أن الإنسان ينبغي أن يحترز في مثل هذه الأشياء، وألا يجترئ على إراقة الدماء، وللأسف نسمع الكثير من الناس يسمون قتل المسلمين جهاداً في سبيل الله، هذه مصيبة من المصائب، وهي تنم عن الجهل الفاحش والجرأة على اقتحام حرمات الله ﵎.
يظن الإنسان أنه إذا خاض في قتال الفتنة أنها ما هي إلا لحظات ثم يقفز ويطرح حيث يشاء، ويظن أن ذلك شهادة، ولا يدري لعله قد يلج نار جهنم بإراقة هذه الدماء أو إذا قُتِل في مثل هذه الفتن، فينبغي أن تسمى الأشياء بأسمائها، فالجهاد: هو قتال المشركين لإعلاء كلمة الله، هذا عند الإطلاق صحيح، وتوجد صور أخرى من الجهاد؛ كجهاد النفس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من الجهاد، طلب العلم جهاد، السعي في طلب الرزق جهاد، الخروج على الحاكم إذا جاز الخروج عليه هذا نوع من الجهاد.
لقد شوه الجهاد الآن حتى صار إذا ذكرت كلمة: (جهاد)، تنصرف إلى أحد هذه الأنواع، وإن كان تعريف الجهاد في أي كتاب من كتب الفقه ينصرف عند الإطلاق إلى قتال المشركين لإعلاء كلمة الله ﵎.
الشاهد من حديث أسامة ﵁ أنه قال: (بعثنا رسول الله ﵌ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ!)، يقول: تمنيت أني قبل هذه اللحظة ما كنت مسلماً، وأن هذه بداية إسلامي؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وبالتالي تكون صفحته بيضاء، ثم قال رجل أثناء رواية سعد ﵁ للحديث، وذلك حينما دعي إلى الخوض في فتنة القتال بين المسلمين، قال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين- يعني: أسامة - فقال رجل يعاتب سعداً ﵁ على عدم خوضه في هذا القتال فقال: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]؟ فقال سعد: لقد قاتلنا، يعني: قاتلنا لما كانت الراية واضحة لإعلاء كلمة الله وفي سبيل الله.
لقد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة! وفي رواية أخرى لـ مسلم في صحيحه: أن رسول الله ﷺ قال: (أقتلته؟ قال -أي: أسامة -: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!).
стр. 139
الأدلة على عدم تكفير العصاة
عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﵊: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف! فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك)، الشاهد هو: دخول بعض أهل المعاصي تحت المشيئة، هذا لا يكون إلا للمسلم.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: ألا يعذبهم).
في رواية أخرى لـ مسلم فيها هذه الزيادة، قال: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)، يعني: يعتمدوا على ذلك ويتركوا التنافس في الأعمال الصالحة.
ولو أن معاذاً ﵁ فهم أن هذا النهي للتحريم لما أخبر بهذا الحديث، لكنه فهم أن هذا النهي عن التبشير ليس للتحريم، ولذا أخبر به عند موته تأثماً وخوفاً من كتمان العلم.
أيضاً من الأدلة على عدم تكفير العصاة: إقامة الحدود، فالله ﵎ شرع كثيراً من الحدود في بعض المخالفات، والأدلة متواترة على ذلك في القرآن والسنة والإجماع.
ومن أهم هذه الحدود: حد الزنا: فالمحصن يرجم، والبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً أو الجلد فقط على خلاف، شارب الخمر يجلد من أربعين إلى ثمانين جلدة، وغير ذلك مما فيه حد.
وهذه هي حدود الله ﵎ التي يعطلها الناس في هذا الزمان، وربما خرجت منهم عبارات تخرجهم تماماً من الملة من وصف الحدود الشرعية بأنها عقوبات وحشية، أو نحو ذلك من هذه العبارات الفظة المكفرة لمن يقولها ويعتقدها.
وهؤلاء الذين يقننون القوانين يخدعون الناس بمثل هذه العبارة: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهي كما قال بعض العلماء في مناسبة من المناسبات: إن كلمة: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، تعني بالضبط كما لو قال قائل: إن الله ﵎ هو الخالق الرئيسي لهذا الكون.
والمعنى: أن هناك خالقين آخرين مع الله، وهناك شركاء مع الله ﵎ عن ذلك علواً كبيراً، يحلون ويحرمون ويعطلون حكم الله ﵎؛ فالتشريع حق لله وحده.
والشرك في العبادة تماماً نفس الشرك في الحاكمية أو في الأحكام، قال الله ﵎ في العبادة: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال في الحكم: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، كما لا يقبل أن يشرك به في العبادة كذلك لا يقبل أن يشرك به في الحكم، قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
السارق تقطع يده، القاتل يقتل، السن بالسن، العين بالعين، الإصبع بالإصبع، وكذلك سائر الجروح، المحاربون تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والمرتدون يقتلون: (من بدل دينه فاقتلوه) التعزير هو عقوبة من الإمام فيما لا حد فيه.
فإذاً: لو كان هؤلاء كفاراً لماذا تفاوتت الحدود في النوعية والمقادير؟ إن تفاوت الحدود واختلاف أنواعها له دلالة، حتى القتل هل يقتل ردة أم يقتل حداً؟ فإن كان مسلماً قتل حداً، وبالتالي تجري عليه سائر أحكام المسلمين بعد قتله، من كونه يغسل ويصلى عليه ويورث ويدفن مع المسلمين، أما إذا قتل ردة فيعامل بعد قتله معاملة الكافر والمرتد.
هذا أحد الأدلة أيضاً التي يستدل بها أبو عبيد في رده على الخوارج في كتاب الإيمان: ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم -أي: الخوارج- وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا بالقتل؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوبتهم القطع والجلد، وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو وأخذ دية ولكنه القتل، لو أن القاتل كفر بالقتل لما وجب في حقه إلا حد الردة؛ لقوله: (من بدل دينه فاقتلوه)، لكن الله وسع في الأمر، وجعل لولي المقتول سلطاناً: إما أن يعفو ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، وإما أن يقبل الدية، وإما أن يصر على أن يقتل كما قتل قريبه.
стр. 140
قبول التوبة إذا استكملت شروطها
هناك قضية أيضاً مر أجزاء منها في الكلام لكن نخصها مرة أخرى بالكلام، إذ كل الكلام السابق متعلق بمن مات مصراً على الكبيرة ولم يتب، أما من تاب فما من شك أن التوبة التي استوفت شروطها الشرعية أن الله ﵎ يقبلها.
يقول الشيخ حافظ حكمي في سلم الوصول: وتقبل التوبة قبل الغرغرة كما أتى في الشرعة المطهرة وهذه هي المسألة السادسة وهي: أن التوبة إذا استكملت شروطها فهي مقبولة من كل ذنب، سواء كان هذا الذنب كفراً أو دون الكفر.
стр. 141
دعوة الله الناس جميعاً إلى التوبة وأمره بالرفق في ذلك
لقد دعا الله جميع عباده إلى التوبة، حتى من قال: إن المسيح هو الله، حتى من قال: إن الله ثالث ثلاثة، وحتى اليهود الذين قالوا: يد الله مغلولة؛ فما من أحد إلا ودعاه الله إلى التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
فالتوبة من أي ذنب سواء كان كفراً أو دون الكفر إذا استوفت شروطها فهي مقبولة.
أيضاً دعا الله إليها من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ومن ادعى له الصاحبة والولد قال لهم جميعاً بعدما ذكر جميع هذه الأقسام، قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤].
بل دعا إليها من هو أعظم محادة لله من هؤلاء جميعاً، هل هناك أعظم عناداً وكفراً من فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فقال الله ﵎: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٧ - ١٨]، فانظر إلى التلطف في العبارة: ((هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى))، وانظر أيضاً إلى دقة موسى ﵇ ما قال: هل لك إلى أن أزكيك؟ أو ائت حتى أربيك وأنظف قلبك من الشرك والنجس والدنس، لم يضف التزكية إلى نفسه ﵇ وإنما أضافها إلى فرعون: ((هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى))، أي: تتزكى أنت، وهذا من التلطف في العبارة، واستجابة لتوصية الله لموسى ﵇ وهارون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
فإذاً: القول اللين الذي لا مداهنة فيه لا ينافي أبداً التمسك بالدين، بعض الناس يظن أن الغلظة والجفاء والقسوة وخشونة العبارة أسلوب ينم عن عزة المسلم وتمسكه بدينه، فربما خاطب بعض الناس في مقام الدعوة والنصيحة بمثل هذه الأساليب، ويظن أنه إذا ألان له القول فهو مداهن، أو أن هذا ضعف وذل، كلا! لا يوجد أحد أشر في عصره من فرعون، ومع ذلك أمر الله نبيين من صفوة أنبيائه فقال لهما: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا))؛ لأن الهدف هو أن يستجيب للحق؛ فأي شيء قد يقف عائقاً دون هذه الاستجابة فينبغي اطراحه: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، فالرفق والتلطف في العبارة أمر مطلوب وليس من الضعف.
يقول الله فيما أوصى به بني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، كلمة الناس هذه تعم اليهودي والنصراني فكيف بالحنيفي المسلم إذا أردت أن تنصحه؟! لاشك أنه أولى بذلك، وهو حث على الخلق الحسن مع كل من على وجه الأرض، والمسلم مطالب بحسن الخلق في جميع أحواله ومع كل الناس بلا استثناء، والدليل قوله ﵎: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).
وقال لموسى ﵇ في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠ - ١١]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
ودعا إلى التوبة من عمل أكبر الكبائر الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، والزنا؛ فقال ﵎ بعد ما ذكر كل هذه المعاصي في آخر سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، حسب قوة التوبة؛ فمن رحمة الله أنه يكافئ هذا العبد لشدة إخلاصه في التوبة بأن يبدل سيئاته حسنات في ميزانه.
يقول النبي ﵊ في بعض الأحاديث: (ليتمنين أناس يوم القيامة أن لو أكثروا من السيئات)، في لحظة معينة يوم القيامة بعض الناس يتمنون أن لو كانوا أكثروا من المعاصي والسيئات، هؤلاء هم الذين بدل الله سيئاتهم حسنات.
أما البطالون إذا سمعوا هذا الحديث يقولون: نكثر من السيئات ونتوب فيما بعد حتى تكثر حسناتنا، نقول لهم: هذا غرور وتسويل من الشيطان، لكن المقصود أن الشخص الذي تاب توبة صادقة نصوحاً لا معصية بعدها ووفق بعدها إلى أن مات، فهذا من شدة إخلاصه في التوبة يكافئه الله على ذلك بأن هذه السيئات يبدلها في ميزانه حسنات كرماً ومنة من الله ﵎.
كما دعا الله ﵎ إلى التوبة من ارتكب كبيرة كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
ودعا إليها المشركين قاطبة، فقال بعدما أمر بقتلهم حيث وجدوا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:٥]، يعني: أسلموا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].
ودعا أيضاً المنافقين نفاقاً أكبر إلى التوبة، فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦].
ودعا إليها جميع المسرفين بكل ذنب، فقال ﵎: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات.
ومن رحمة الله بالعاصي بل بالكافر والمشرك الذي يسب الله ويشرك بالله ﵎ أنه يسد عليه كل الأبواب ما عدا باب التوبة، حتى باب القنوط من رحمة الله يسده الله عليه فانظر إلى الكرم!
стр. 142
وجوب التوبة من الذنوب على الفور
إن تأخير التوبة في حد ذاته ذنب، يقول بعض العلماء: تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه؛ فيجب عليك أيها المسكين التوبة على الفور لا على التراخي، قال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] وهكذا يجب أن يبادر الإنسان إلى التوبة، فالتوبة في كل وقت يحتاجها الإنسان من كل ذنب, فالله حينما زكى وامتدح المؤمنين في أواخر سورة آل عمران، لم يمتدحهم لأنهم معصومون من الذنوب، لكن ذكر من ضمن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، يقول النبي ﵊: (ويل لأقماع القوم الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)، أو كما قال ﵊، القمع هو الذي إذا وضعت فيه شيء يخرج ولا يثبت فيه؛ لأنهم يصرون على ما يفعلون وهم يعلمون، لذلك وصفوا بالأقماع.
ولذلك سن النبي ﷺ لمن وقع في أي معصية من المعاصي صلاة ركعتين تسميان صلاة التوبة؛ فإذا أذنب العبد ذنباً فقام فتطهر وأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يستغفر الله ﵎ فيهما من هذا الذنب؛ فإن الله يمحو عنه هذا الذنب، فهذه صلاة التوبة والحديث فيها صحيح.
стр. 143
فرح الله بتوبة عبده
من رحمة الله إرسال الرسل حتى يدلونا على هذه الأبواب، يقول النبي ﵌: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه -أي: هربت منه الراحلة -وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته- يعني: جلس ينتظر الموت فبينا هو كذلك فإذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها) كم تكون فرحة هذا الرجل؟! ليس هناك شك أنها فرحة عظيمة جداً، فالله أشد فرحاً بالعبد إذا تاب من هذا الرجل الذي أشرف على الهلاك، ثم وجد راحلته وعاد له الأمل في الحياة، فانظر كيف تكون رحمته؟ ثم تأمل قوله: (أشد فرحاً)؛ فانظر كيف يحبك الله؟! كيف يريد بك الخير؟! كيف يفرح بك إذا أقبلت عليه ﵎؟! ثم إن هذا الرجل لما استيقظ ورأى راحلته أخطأ من شدة الفرح، فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يقول النبي ﵊: أخطأ من شدة الفرح)، فانظر إلى شدة فرحه التي أذهبت ضبطه لنفسه حتى نطق بهذه العبارة الشديدة.
أيضاً يحكي النبي ﵊ عن ربه قال: (أذنب عبدي ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، قوله: (اعمل ما شئت) ليس المقصود: افعل ما شئت من المعاصي فقد غفرت لك، كلا! هذا من الاغترار بالله، لكن المقصود أن الله علم من هذا العبد أنه رجاع تواب، كلما أذنب تاب واستغفر ولا يصر على المعاصي، فلذلك غفر الله ﵎ له.
стр. 144
أجل التوبة
قال النبي ﵌: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فهذا عمر التوبة في حق عمر الدنيا كلها، إذ التوبة لها أجلان مثل القيامة، فكل إنسان له قيامة يبدأ بها في المراحل الأولى منها من اليوم الآخر بانكشاف الحجب عند خروج الروح، ثم ينتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء، من دار الامتحان إلى دار ظهور النتيجة، فبمجرد أن يعاين الإنسان الملائكة وهي تأتي لتقبض روحه من هنا بدأت أول خطوة في رحلته إلى اليوم الآخر الخاص به.
فهناك خروج الروح، والصعود بها إلى الملأ الأعلى على تفصيل في ذلك، ثم هناك أيضاً الرجوع إلى ما يحصل عند القبر وسؤاله وامتحانه، ويفتح له باب إلى الجنة أو إلى النار إلى آخر هذه الأحداث.
لما سألوا النبي ﵊ عن الساعة: (متى الساعة؟ فنظر إلى أصغر صبي أو غلام في القوم فقال: إن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)، معنى الحديث: أنه بعد مرور مائة سنة فإن هذا الغلام الصغير يكبر ويشيب حتى يبلغ عمره الهرم والشيب، ويكون كل هذا الجيل الموجود ممن حضر أو ممن كان على وجه الأرض في هذا الوقت تكون قامت عليهم ساعتهم، أو يكون كل الحاضرين في ذلك الوقت قد ماتوا، فهذه الإضافة تقتضي أن كل إنسان له يوم قيامة خاص به.
وبعد ذلك تنشغل: هل يوم القيامة على وشك الحدوث، كما قال الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] وهكذا.
هذا بالنسبة لعمر الدنيا كلها قليل، لكن بالنسبة لأعمارنا وحتى الآن هناك علامات كثيرة من العلامات الكبرى لم تحدث حتى الآن، فأنت لا تشغل نفسك بالساعة الكبرى وساعة انتهاء عمر الدنيا، بل بساعتك أنت؛ لأن الموت سيأتيك قريباً في أي وقت.
والساعة ستقوم يوم الجمعة، وهناك أدلة قبلها من نزول المسيح ﵇ وخروج المهدي، فلا بأس بالجزم بأن الساعة لا تقوم غداً في حق عمر الدنيا، أما الذي يخصك أنت في عمرك؛ فلا.
مثلاً: لو أن هناك لوحة مضيئة فيها آلاف المصابيح، لا يخلو وقت ما من أن بعض هذه المصابيح ينفد عمرها وتحترق ويحصل تبديل أحد هذه المصابيح لكن اللوحة في كل الأحوال مضيئة.
أيضاً: جريان النهر عبارة عن دفعات من الماء يجري بعضها وراء بعض، لكن ذهاب بعض هذه الدفعات لا يعني أن النهر كله يتوقف.
كذلك الحياة هناك من يموت من الناس بين وقت وآخر، لكن هناك من يولدون، فالحياة مستمرة، أجيال تعقب أجيالاً، لكن سيأتي وقت وكل هذه المصابيح ستنطفئ، سيأتي وقت تتوقف فيه تماماً دفقات النهر، سيأتي وقت تتوقف فيه تماماً الحياة على وجه الأرض بالقيامة الكبرى.
كذلك بالنسبة للتوبة لها أجل في حق كل إنسان وذلك قبل الغرغرة، (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، يعني: انتقاله من الغيب إلى الشهادة، بعدما كان يسمع عن الملائكة تأتي تقبض الروح فينكشف الحجاب ويرى ما لا يراه حتى الحاضرين معه، كما قال الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، وهذا مشاهد فيمن يحضر الذين يموتون، قد يتكلم الميت ويقول: أهلاً، حضرتم، وعليكم السلام، وهكذا يتحدث نتيجة انفعاله بما يراه، والحاضرون لا يرونهم، ومعلومة في ذلك القصص وهي كثيرة جداً ولا نطيل بذكرها.
أما بالنسبة لأجل التوبة في حق الدنيا فإن التوبة تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في القرآن والسنة.
يقول النبي ﷺ : (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة، ويختم على عمل كل إنسان، والمؤمن لا يستطيع أن يستزيد من الأعمال الصالحة، والكافر إذا أسلم بعد طلوع الشمس لا ينفعه ذلك ولا تقبل توبته وكأنه مات.
стр. 145
فتح باب التوبة للتائبين
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، -متعبد- فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة؛ ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)، هذه من الأساليب التربوية الناجحة؛ إذ مما يعين الإنسان على الاستقامة أن يبعد عن أهل السوء وصحبتهم، والأماكن التي تذكره بمعاصيه وتعينه على الشر.
لذلك ذكر بعض العلماء في حكمة تشريع التغريب في حد الزاني غير المحصن: (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) قوله: (وتغريب عام) وذلك لأنه ربما يكون في هذه البلد التي يعيش فيها صحبة سوء هم الذين يحرضونه على المعاصي ويزينونه له، أو غير ذلك من العوامل التي تعيق التوبة في حقه، فإذا نفي سنة من بلده استطاع أن يستأنف حياة جديدة ويتوب ويستقيم.
أسلوب تغيير البيئة له أثر عظيم جداً في التوبة، وتجد إخواننا في جماعة التبليغ يستعملون هذا الأسلوب لتغيير صفات من يأوون إليهم، يهتم جداً بنقله من المكان الذي هو فيه إلى مجتمع آخر يغلب عليه الذكر والخير والعبادة، بحيث أنه فعلاً يأتي بثمار طيبة، لولا ما عليهم من بعض المؤاخذات.
يقول: (فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكماً، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة)، قال قتادة والحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
يعني: لم يستسلم لكن أراد أن يقرب نفسه بقدر الاستطاعة من أهل الخير.
فوا حسرتاه على الذين يتركون بلاد المسلمين بأرجلهم ويذهبون ليعيشوا في عمق بلاد الكفار! الذين يضعفون منهم الإيمان والدين.
فهذا الرجل في اللحظات الأخيرة من شدة حرصه على التوبة وعلى الاقتراب من أرض الخير والعبادة لما عجزت رجلاه ولم تحملاه زحف بصدره حتى يقترب بقدر استطاعته من أرض العبادة وأرض الخير.
وفي بعض الروايات: (فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فنأى بصدره، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها شبراً فجعل من أهلها)، وفي بعض الروايات: (أن الله أمر الأرض بأن تمتد حتى إذا قاسوا المسافة وجدوه أقرب إلى القرية الصالحة).
أيضاً روى ابن عباس ﵄: (أن أناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً ﵌، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا هل لما عملنا كفارة؟ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]).
وقال محمد بن إسحاق: قال نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ في حديثه: (وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم في أنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥]).
وكما قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] قوله: (من قريب)، يعني: قبل الموت! قال عمر ﵁: (فكتبتها بيدي في صحيفة) وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁، قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى -مكان- أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم أفهمنيها! قال: فألقى الله في قلبي: أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة.
следующие страницы →