← Акыда

Акыда · id 21753

سلسلة الإيمان والكفر - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (386 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

دعوة الله الناس جميعاً إلى التوبة وأمره بالرفق في ذلك لقد دعا الله جميع عباده إلى التوبة، حتى من قال: إن المسيح هو الله، حتى من قال: إن الله ثالث ثلاثة، وحتى اليهود الذين قالوا: يد الله مغلولة؛ فما من أحد إلا ودعاه الله إلى التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]. فالتوبة من أي ذنب سواء كان كفراً أو دون الكفر إذا استوفت شروطها فهي مقبولة. أيضاً دعا الله إليها من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ومن ادعى له الصاحبة والولد قال لهم جميعاً بعدما ذكر جميع هذه الأقسام، قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]. بل دعا إليها من هو أعظم محادة لله من هؤلاء جميعاً، هل هناك أعظم عناداً وكفراً من فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فقال الله ﵎: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٧ - ١٨]، فانظر إلى التلطف في العبارة: ((هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى))، وانظر أيضاً إلى دقة موسى ﵇ ما قال: هل لك إلى أن أزكيك؟ أو ائت حتى أربيك وأنظف قلبك من الشرك والنجس والدنس، لم يضف التزكية إلى نفسه ﵇ وإنما أضافها إلى فرعون: ((هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى))، أي: تتزكى أنت، وهذا من التلطف في العبارة، واستجابة لتوصية الله لموسى ﵇ وهارون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. فإذاً: القول اللين الذي لا مداهنة فيه لا ينافي أبداً التمسك بالدين، بعض الناس يظن أن الغلظة والجفاء والقسوة وخشونة العبارة أسلوب ينم عن عزة المسلم وتمسكه بدينه، فربما خاطب بعض الناس في مقام الدعوة والنصيحة بمثل هذه الأساليب، ويظن أنه إذا ألان له القول فهو مداهن، أو أن هذا ضعف وذل، كلا! لا يوجد أحد أشر في عصره من فرعون، ومع ذلك أمر الله نبيين من صفوة أنبيائه فقال لهما: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا))؛ لأن الهدف هو أن يستجيب للحق؛ فأي شيء قد يقف عائقاً دون هذه الاستجابة فينبغي اطراحه: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، فالرفق والتلطف في العبارة أمر مطلوب وليس من الضعف. يقول الله فيما أوصى به بني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، كلمة الناس هذه تعم اليهودي والنصراني فكيف بالحنيفي المسلم إذا أردت أن تنصحه؟! لاشك أنه أولى بذلك، وهو حث على الخلق الحسن مع كل من على وجه الأرض، والمسلم مطالب بحسن الخلق في جميع أحواله ومع كل الناس بلا استثناء، والدليل قوله ﵎: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). وقال لموسى ﵇ في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠ - ١١]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. ودعا إلى التوبة من عمل أكبر الكبائر الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، والزنا؛ فقال ﵎ بعد ما ذكر كل هذه المعاصي في آخر سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، حسب قوة التوبة؛ فمن رحمة الله أنه يكافئ هذا العبد لشدة إخلاصه في التوبة بأن يبدل سيئاته حسنات في ميزانه. يقول النبي ﵊ في بعض الأحاديث: (ليتمنين أناس يوم القيامة أن لو أكثروا من السيئات)، في لحظة معينة يوم القيامة بعض الناس يتمنون أن لو كانوا أكثروا من المعاصي والسيئات، هؤلاء هم الذين بدل الله سيئاتهم حسنات. أما البطالون إذا سمعوا هذا الحديث يقولون: نكثر من السيئات ونتوب فيما بعد حتى تكثر حسناتنا، نقول لهم: هذا غرور وتسويل من الشيطان، لكن المقصود أن الشخص الذي تاب توبة صادقة نصوحاً لا معصية بعدها ووفق بعدها إلى أن مات، فهذا من شدة إخلاصه في التوبة يكافئه الله على ذلك بأن هذه السيئات يبدلها في ميزانه حسنات كرماً ومنة من الله ﵎. كما دعا الله ﵎ إلى التوبة من ارتكب كبيرة كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]. ودعا إليها المشركين قاطبة، فقال بعدما أمر بقتلهم حيث وجدوا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:٥]، يعني: أسلموا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]. ودعا أيضاً المنافقين نفاقاً أكبر إلى التوبة، فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. ودعا إليها جميع المسرفين بكل ذنب، فقال ﵎: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات. ومن رحمة الله بالعاصي بل بالكافر والمشرك الذي يسب الله ويشرك بالله ﵎ أنه يسد عليه كل الأبواب ما عدا باب التوبة، حتى باب القنوط من رحمة الله يسده الله عليه فانظر إلى الكرم!

стр. 142

وجوب التوبة من الذنوب على الفور إن تأخير التوبة في حد ذاته ذنب، يقول بعض العلماء: تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه؛ فيجب عليك أيها المسكين التوبة على الفور لا على التراخي، قال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] وهكذا يجب أن يبادر الإنسان إلى التوبة، فالتوبة في كل وقت يحتاجها الإنسان من كل ذنب, فالله حينما زكى وامتدح المؤمنين في أواخر سورة آل عمران، لم يمتدحهم لأنهم معصومون من الذنوب، لكن ذكر من ضمن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، يقول النبي ﵊: (ويل لأقماع القوم الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)، أو كما قال ﵊، القمع هو الذي إذا وضعت فيه شيء يخرج ولا يثبت فيه؛ لأنهم يصرون على ما يفعلون وهم يعلمون، لذلك وصفوا بالأقماع. ولذلك سن النبي ﷺ لمن وقع في أي معصية من المعاصي صلاة ركعتين تسميان صلاة التوبة؛ فإذا أذنب العبد ذنباً فقام فتطهر وأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يستغفر الله ﵎ فيهما من هذا الذنب؛ فإن الله يمحو عنه هذا الذنب، فهذه صلاة التوبة والحديث فيها صحيح.

стр. 143

فرح الله بتوبة عبده من رحمة الله إرسال الرسل حتى يدلونا على هذه الأبواب، يقول النبي ﵌: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه -أي: هربت منه الراحلة -وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته- يعني: جلس ينتظر الموت فبينا هو كذلك فإذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها) كم تكون فرحة هذا الرجل؟! ليس هناك شك أنها فرحة عظيمة جداً، فالله أشد فرحاً بالعبد إذا تاب من هذا الرجل الذي أشرف على الهلاك، ثم وجد راحلته وعاد له الأمل في الحياة، فانظر كيف تكون رحمته؟ ثم تأمل قوله: (أشد فرحاً)؛ فانظر كيف يحبك الله؟! كيف يريد بك الخير؟! كيف يفرح بك إذا أقبلت عليه ﵎؟! ثم إن هذا الرجل لما استيقظ ورأى راحلته أخطأ من شدة الفرح، فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يقول النبي ﵊: أخطأ من شدة الفرح)، فانظر إلى شدة فرحه التي أذهبت ضبطه لنفسه حتى نطق بهذه العبارة الشديدة. أيضاً يحكي النبي ﵊ عن ربه قال: (أذنب عبدي ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، قوله: (اعمل ما شئت) ليس المقصود: افعل ما شئت من المعاصي فقد غفرت لك، كلا! هذا من الاغترار بالله، لكن المقصود أن الله علم من هذا العبد أنه رجاع تواب، كلما أذنب تاب واستغفر ولا يصر على المعاصي، فلذلك غفر الله ﵎ له.

стр. 144

أجل التوبة قال النبي ﵌: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فهذا عمر التوبة في حق عمر الدنيا كلها، إذ التوبة لها أجلان مثل القيامة، فكل إنسان له قيامة يبدأ بها في المراحل الأولى منها من اليوم الآخر بانكشاف الحجب عند خروج الروح، ثم ينتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء، من دار الامتحان إلى دار ظهور النتيجة، فبمجرد أن يعاين الإنسان الملائكة وهي تأتي لتقبض روحه من هنا بدأت أول خطوة في رحلته إلى اليوم الآخر الخاص به. فهناك خروج الروح، والصعود بها إلى الملأ الأعلى على تفصيل في ذلك، ثم هناك أيضاً الرجوع إلى ما يحصل عند القبر وسؤاله وامتحانه، ويفتح له باب إلى الجنة أو إلى النار إلى آخر هذه الأحداث. لما سألوا النبي ﵊ عن الساعة: (متى الساعة؟ فنظر إلى أصغر صبي أو غلام في القوم فقال: إن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)، معنى الحديث: أنه بعد مرور مائة سنة فإن هذا الغلام الصغير يكبر ويشيب حتى يبلغ عمره الهرم والشيب، ويكون كل هذا الجيل الموجود ممن حضر أو ممن كان على وجه الأرض في هذا الوقت تكون قامت عليهم ساعتهم، أو يكون كل الحاضرين في ذلك الوقت قد ماتوا، فهذه الإضافة تقتضي أن كل إنسان له يوم قيامة خاص به. وبعد ذلك تنشغل: هل يوم القيامة على وشك الحدوث، كما قال الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] وهكذا. هذا بالنسبة لعمر الدنيا كلها قليل، لكن بالنسبة لأعمارنا وحتى الآن هناك علامات كثيرة من العلامات الكبرى لم تحدث حتى الآن، فأنت لا تشغل نفسك بالساعة الكبرى وساعة انتهاء عمر الدنيا، بل بساعتك أنت؛ لأن الموت سيأتيك قريباً في أي وقت. والساعة ستقوم يوم الجمعة، وهناك أدلة قبلها من نزول المسيح ﵇ وخروج المهدي، فلا بأس بالجزم بأن الساعة لا تقوم غداً في حق عمر الدنيا، أما الذي يخصك أنت في عمرك؛ فلا. مثلاً: لو أن هناك لوحة مضيئة فيها آلاف المصابيح، لا يخلو وقت ما من أن بعض هذه المصابيح ينفد عمرها وتحترق ويحصل تبديل أحد هذه المصابيح لكن اللوحة في كل الأحوال مضيئة. أيضاً: جريان النهر عبارة عن دفعات من الماء يجري بعضها وراء بعض، لكن ذهاب بعض هذه الدفعات لا يعني أن النهر كله يتوقف. كذلك الحياة هناك من يموت من الناس بين وقت وآخر، لكن هناك من يولدون، فالحياة مستمرة، أجيال تعقب أجيالاً، لكن سيأتي وقت وكل هذه المصابيح ستنطفئ، سيأتي وقت تتوقف فيه تماماً دفقات النهر، سيأتي وقت تتوقف فيه تماماً الحياة على وجه الأرض بالقيامة الكبرى. كذلك بالنسبة للتوبة لها أجل في حق كل إنسان وذلك قبل الغرغرة، (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، يعني: انتقاله من الغيب إلى الشهادة، بعدما كان يسمع عن الملائكة تأتي تقبض الروح فينكشف الحجاب ويرى ما لا يراه حتى الحاضرين معه، كما قال الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، وهذا مشاهد فيمن يحضر الذين يموتون، قد يتكلم الميت ويقول: أهلاً، حضرتم، وعليكم السلام، وهكذا يتحدث نتيجة انفعاله بما يراه، والحاضرون لا يرونهم، ومعلومة في ذلك القصص وهي كثيرة جداً ولا نطيل بذكرها. أما بالنسبة لأجل التوبة في حق الدنيا فإن التوبة تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في القرآن والسنة. يقول النبي ﷺ : (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة، ويختم على عمل كل إنسان، والمؤمن لا يستطيع أن يستزيد من الأعمال الصالحة، والكافر إذا أسلم بعد طلوع الشمس لا ينفعه ذلك ولا تقبل توبته وكأنه مات.

стр. 145

فتح باب التوبة للتائبين عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، -متعبد- فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة؛ ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)، هذه من الأساليب التربوية الناجحة؛ إذ مما يعين الإنسان على الاستقامة أن يبعد عن أهل السوء وصحبتهم، والأماكن التي تذكره بمعاصيه وتعينه على الشر. لذلك ذكر بعض العلماء في حكمة تشريع التغريب في حد الزاني غير المحصن: (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) قوله: (وتغريب عام) وذلك لأنه ربما يكون في هذه البلد التي يعيش فيها صحبة سوء هم الذين يحرضونه على المعاصي ويزينونه له، أو غير ذلك من العوامل التي تعيق التوبة في حقه، فإذا نفي سنة من بلده استطاع أن يستأنف حياة جديدة ويتوب ويستقيم. أسلوب تغيير البيئة له أثر عظيم جداً في التوبة، وتجد إخواننا في جماعة التبليغ يستعملون هذا الأسلوب لتغيير صفات من يأوون إليهم، يهتم جداً بنقله من المكان الذي هو فيه إلى مجتمع آخر يغلب عليه الذكر والخير والعبادة، بحيث أنه فعلاً يأتي بثمار طيبة، لولا ما عليهم من بعض المؤاخذات. يقول: (فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكماً، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة)، قال قتادة والحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره. يعني: لم يستسلم لكن أراد أن يقرب نفسه بقدر الاستطاعة من أهل الخير. فوا حسرتاه على الذين يتركون بلاد المسلمين بأرجلهم ويذهبون ليعيشوا في عمق بلاد الكفار! الذين يضعفون منهم الإيمان والدين. فهذا الرجل في اللحظات الأخيرة من شدة حرصه على التوبة وعلى الاقتراب من أرض الخير والعبادة لما عجزت رجلاه ولم تحملاه زحف بصدره حتى يقترب بقدر استطاعته من أرض العبادة وأرض الخير. وفي بعض الروايات: (فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فنأى بصدره، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها شبراً فجعل من أهلها)، وفي بعض الروايات: (أن الله أمر الأرض بأن تمتد حتى إذا قاسوا المسافة وجدوه أقرب إلى القرية الصالحة). أيضاً روى ابن عباس ﵄: (أن أناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً ﵌، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا هل لما عملنا كفارة؟ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]). وقال محمد بن إسحاق: قال نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ في حديثه: (وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم في أنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥]). وكما قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] قوله: (من قريب)، يعني: قبل الموت! قال عمر ﵁: (فكتبتها بيدي في صحيفة) وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁، قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى -مكان- أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم أفهمنيها! قال: فألقى الله في قلبي: أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة.

стр. 146

شروط التوبة النصوح ما هي الشروط حتى تصح بها التوبة؟! إن الشخص الذي أذنب أي ذنب حتى لو كان الشرك ثم تاب، فإنه إذا استوفى هذه الشروط فهي مقبولة، لكن نختلف مع الخوارج في أنهم يقولون: إنه بالمعصية كفر وبالتوبة عاد إلى الإسلام، نحن نقول: لا، بالمعصية استحق عقاب الله إذا كان موحداً، وإذا تاب تاب الله عليه في الدنيا؛ لكن المشكلة فيمن مات قبل أن يتوب، أو مات مصراً عليها ولم يتب منها. أما كل من تاب من أي ذنب سواء الشرك وما دونه إذا استوفى هذه الشروط؛ فإن التوبة مقبولة، وأي توبة يقال عنها: إنها مقبولة فلابد أن نستحضر دائماً أن المقصود بها التوبة النصوح، وليست أي توبة أخرى، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، والتوبة النصوح هي التي فيها ثلاثة شروط: الأول: الإقلاع عن الذنب. الثاني: الندم على فعله. الثالث: العزم على ألا يعود إليه. إذا كان يفعل الذنب فينبغي أن يبادر فوراً بالإقلاع عنه، ثم يندم بقلبه على فعله، ويعزم في المستقبل على ألا يعود إليه. أما إذا كان ذلك الذنب في حق متعلق بالآدميين، كأن سرق مالاً مثلاً من شخص ويريد أن يتوب فلا بد من هذه الثلاثة وأن يعيد الحق إلى صاحبه أو يستحله منه إذا لم يتمكن من إعادته، يقول النبي ﵊: (من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منها اليوم؛ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم)، يوم القيامة العملة المستعملة ليست الدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات.

стр. 147

زمن التوبة أما زمان التوبة ففي حق عمر كل إنسان قبل الغرغرة، وهي حشرجة الروح وترددها في الصدر عند الاحتضار، عندما يرى الإنسان الملائكة، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧]، وليس معنى ذلك: أن التوبة فقط للشخص الذي كان يجهل أنها معصية، لا! الجهالة هنا جهالة عملية، إذ كل من عصى الله جاهل، فالشخص الذي يعرف ويعلم أن الخمر حرام ويشرب الخمر في حد ذاته يسمى جهلاً عملياً، فهناك جهالة السلوك وجهالة العلم، ومن ذلك أن الرسول ﵊: كان إذا خرج من بيته يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) أي: جهالة السلوك وسوء الخلق. ويقول بعض الشعراء: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فهي جهالة عملية، وهي المقصودة هنا في قوله تعالى. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٧ - ١٨]، هذا لا تقبل توبته ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨]، يفهم من هذه الآية أن الذي مات ولم يتب ليس بكافر؛ لأنه فصل بين الذين يموتون وهم كفار وبين الذين يموتون دون أن يتوبوا من المسلمين؛ فدل أن هذا فريق غير هذا الفريق، صحيح أن هذا يستحق وعيد وهذا يستحق وعيد، لكن لم يسمهم كفاراً حتى وإن ماتوا مصرين. وعن أبي العالية: أنه كان يحدث: أن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم كانوا يقولون: (كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة). وعن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وقال مجاهد: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. وقال ابن عباس ﵄: من جهالته عمل السوء. وعنه ﵁ قال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، قال: بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: يعني ما دام في صحته. وقال الحسن البصري: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، يعني: ما لم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب. يعني: يتوب وهو ما زال حياً في الدنيا. وفي الحديث: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فهذا توقيت زمان التوبة في حق كل فرد من العباد، وأما في حق عمر الدنيا فقد تقدم في الآيات والأحاديث أنها تنقطع بطلوع الشمس من مغربها؛ لأنها أول آيات القيامة العظام، وحين الإياس من الدنيا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، هذه الآيات المقصود بها طلوع الشمس من المغرب. كما أن رؤية ملك الموت آية الانتقال من الدنيا وحين الإياس من الحياة، كذلك الأمم المخسوف بها انقطعت التوبة عنهم برؤيتهم العذاب، يقول ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٢ - ٨٥]. فلا تنفع التوبة إذا نزل العذاب أو إذا حضر ملك الموت أو إذا غرغر العبد؛ إنما التوبة في وقت الإمكان وفي وقت الإصلاح. لكن نفرض أن إنساناً تاب قبل أن تأتيه الغرغرة وقبل أن يرى ملك الموت بثانية واحدة، فهل تقبل توبته أم لا تقبل؟ تقبل؛ لأنه لا يعرف مدى أجله، هو يتوب وينوي الاستقامة ما دام حياً، فإذا أتاه ملك الموت بعد توبته النصوح بدقيقة واحدة فيعفى له عن كل ما سلف من الذنوب والخطايا في حقه.

стр. 148

الإيمان والكفر [١٣] إن الحكم على مسلم بالكفر ليس كلمة تقال، فإن وراء ذلك أبعاداً كبيرة، وأحكاماً شرعية عظيمة، ويشبه ذلك القول بأن حكم الإسلام لا يثبت للداخل فيه إلا بشروط غير النطق بالشهادتين، فيخترع حد للإسلام لم يسبق إليه أحد من السلف أو الخلف. وقد صدر كتاب باسم (حد الإسلام، وحقيقة الإيمان) يتكلم عن هذا الموضوع، وهذا الكتاب عليه مؤاخذات ينبغي الحذر منها.

стр. 149

وجوب التحرز في إصدار الحكم بالكفر على الناس مما ينبغي التنبه إليه: أن الحكم بالكفر على إنسان ليس مجرد كلمة تقال، لكنها كلمة وراءها أحكام شرعية تترتب على ذلك، ومن أجل هذا فلا يجوز أبداً الاندفاع والتهور في الحكم على إنسان ما بالكفر، بل ينبغي التحرز من ذلك إذا بدرت أي شبهة في هذا الأمر، كما قال بعض السلف: إذا أتى الإنسان بفعل احتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، واحتمل الإيمان من وجه واحد فاحمل أمره على الإيمان، وذلك لأنه إذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فأولى ثم أولى أن يدرأ الحكم بالكفر بالشبهات. فمتى ما وقع للحاكم أو القاضي أي اشتباه في جريمة الشخص الذي سيقام عليه الحد، فينبغي عند وجود أدنى شبهة أن يدرأ الحكم، لماذا؟ لأنه لأَن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في القصاص، مثلاً: إذا استحق القتل فيتركه خير من أن يخطئ في قتله، ثم يتضح بعد أن يقتل أنه كان معذوراً أو أنه كان بريئاً، فلذلك ينبغي التحرز من إطلاق الكفر على الناس، أو الجرأة في ذلك؛ خلافاً لما يرسخ في قلوب كثير من الشباب في هذا الزمان نتيجة الضغط والإرهاب الفكري من بعض المبتدعة، حيث يصورون أن الحكم بالكفر على الناس نوع من البطولة، ونوع من إظهار الولاء والبرء والشجاعة، أو أن هذا دليل على قوة التمسك بالدين والالتزام به، بل الصحيح خلاف ذلك، وهو أن يتورع الإنسان في هذا الأمر، وإن كان حظه من العلم قليلاً فينبغي أن يحتاط، خاصة إذا علم قول النبي ﵌: (من قال لأخيه يا كافر! فقد باء بها أحدهما). وأحياناً يتحرز بعض الناس من الحكم بالكفر على أناس قد يكونون في مظهر الآخرين من كفار أو مشركين، ويكون الدافع إلى ذلك هو أن يخاف الإنسان على نفسه أن يخطئ في ذلك فيؤاخذه الله ﵎ به. كلمة الكفر ليست كلمة تقال، بل هي كلمة وراءها ما وراءها، فإذا حكم على إنسان بالكفر فمما يترتب على هذا من الآثار: أنه لا يحل لزوجته البقاء معه، إذ بمجرد كفره وردته عن الإسلام ينفسخ عقد نكاحه، ويجب أن يفرق بينه وبينها؛ لأن المسلمة لا يجوز أبداً أن تكون زوجة لكافر بإجماع المسلمين. أيضاً أولاده لا يبقون تحت سلطانه، بل لا يؤتمن عليهم، وربما أثر عليهم بكفره، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي، فلذلك يفقد ولايته على أبنائه وبناته، ولا يصلح أن يزوج بناته أو أن يلي أمرهن. أيضاً هو يفقد حق الولاية والنصرة على سائر المسلمين، بعد أن خرج عن الإسلام ومرق عنه بالكفر الصريح، ولهذا يقاطع ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يثوب إلى رشده، كما أنه يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي لينفذ فيه حكم المرتد بعد أن يستتاب، وتزال من ذهنه الشبهات، وتقام عليه الحجة ممن يملكون إقامتها ويتقنون ذلك من أئمة العلم وذوي السلطان، يقول ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه). ثم إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن مع إخوانه من المشركين أو اليهود أو النصارى، كما أنه أيضاً لا يرث أقرباءه المسلمين إذا ماتوا، وإذا مات على حاله من الكفر فإنه يستحق لعنة الله ، وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في دار جهنم. هذه الأحكام -وغيرها كثير- تستوجب التثبت والاحتياط، والإنسان متى اشتبه عليه الأمر فليعتذر بقلة علمه إن كان غير عالم، أو إن كان عنده شبهة في الأمر فعليه أن يمسك لسانه ولا يخوض بغير علم في مثل هذه الأشياء، بل يتريث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول.

стр. 150

كيفية دخول المرء في الإسلام يجب أن نرجع إلى نصوص الكتاب والسنة لنقرر في ضوئها الأصول والقواعد الشرعية في قضية الكفر والإيمان؛ لأن هذه قضية من أخطر القضايا، ولها ما بعدها من الآثار كما نوهنا، فينبغي الاعتماد على النصوص المعصومة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌، وذلك من خلال فهم علماء أهل السنة والجماعة لهذه النصوص، حتى لا نتيه في المتشابهات، أو نضرب الآيات والأحاديث بعضها ببعض، انطلاقاً من اعتقادنا الراسخ بأن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية، خلافاً للفرق النارية التي انحرفت عن هذا المنهج القويم. من هذه الحقائق التي ينبغي أن نتفطن لها ونهتم بتوثيقها حقيقة أساسية جداً، وهي: كيف يدخل المرء في الإسلام؟ هذا سؤال جوابه معروف ومشهور لكل مسلم، وهو أنه يدخل في الإسلام بالشهادتين؛ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﵌، فمن أقرّ بالشهادتين بلسانه فقد دخل في الإسلام، وأجريت عليه أحكام المسلمين، وإن كان كافراً، وقد بينا من قبل تفاصيل شروط الشهادة، فلابد أيضاً من استحضارها هنا، لكن القول المجمل: أن مفتاح الدخول في الإسلام هو الإقرار بالشهادتين، فكل من كان يأتي رسول الله ﵌ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، كان يقبل ذلك منه، ويحكم له بالإسلام، ولم تحصل تلك الأشياء التي اخترعها وأحدثها أناس كثيرون من أهل البدع حتى يحكموا على الشخص بالإسلام، من أنه لابد أن يفعل كذا ويفهم كذا، وهذه يتوقف فيها حتى نتبين أنه يفهم التوحيد. إلى غير ذلك مما اشترطوه من الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان. فكان النبي ﵌ إذا أتاه من يقر بالشهادتين يقبل منه ذلك، ولا ينتظر حتى يأتي وقت الصلاة، أو حول الزكاة، أو شهر رمضان، إلى أن يؤدي هذه الفرائض ثم يحكم له بعد ذلك بالإسلام، بل يكتفي منه بالإيمان بها، وألا يظهر منه إنكار هذه الأشياء، لكن إذا أتى وقت الصلاة يُعلّم الصلاة ويجب عليه أن يصلي، ويحاسب إذا قصر في ذلك، وإذا حال الحول وكان له مال تجب فيه الزكاة، فيأتي عامل الزكاة ويأخذ منه الزكاة، ويحاسبه إذا قصر، أو يرفع أمره إلى القاضي أو الإمام، وهكذا في سائر الأركان الظاهرة. أتى رجل إلى النبي ﵌ وهو مقنع بالحديد في حال غزو أو استعداد للقتال، فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله! أسلم أو أقاتل؟ يعني: أبدأ أولاً بالقتال ثم أسلم، أو أسلم أولاً ثم أقاتل، فقال له النبي ﵌: (أسلم ثم قاتل، فأسلم، ثم مضى إلى القتال فقتل، فقال النبي ﵌: عمل قليلاً وأُجر كثيراً). فلو كان الأمر كما يزعم كثير من الناس الذين يخترعون شروطاً ويحدون حدوداً للإسلام، لقال له النبي ﵊: انتظر حتى نستوفي منك أمور العبادة، وتوحيد العبادة، وتوحيد الحاكمية، وكذا وكذا مما يشترطونه ويحدونه! لكنه قبل منه الإسلام بالشهادتين، وكان واجب الوقت أن يبادر بالجهاد في سبيل الله فقتل، وبذلك شهد له النبي ﵌ بأنه نجا بهذه الكلمة التي قالها. أيضاً: حديث أسامة بن زيد ﵄ الذي رواه البخاري وغيره أن أسامة قتل رجلاً شهر عليه السيف، وفي بعض الروايات: أن هذا الرجل أصاب نكاية شديدة في المسلمين، وكان له قوة وبطش شديد في القتال حتى أنه قتل كثيراً من المسلمين، فلما اقترب منه أسامة ليقتله شهد أن لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فأنكر النبي ﵌ عليه ذلك أشد الإنكار، وقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! فقال: إنما قالها تعوذاً من السيف، فقال: هلا شققت عن قلبه؟!) وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، رواه مسلم، ومعنى: (حسابهم على الله)، يعني: أقبل منهم ظاهرهم، أما حقيقة ما في قلوبهم فحسابه على الله. وفي رواية لـ مسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به)، وفي البخاري عن أنس مرفوعاً: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله). والمقصود بالناس هنا مشركو العرب، كما قال العلماء، وكما فسره أنس في حديثه؛ لأن أهل الكتاب يقبل منهم الجزية بنص القرآن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. فالشاهد: أن هؤلاء المشركين من العرب إذا قالوا لا إله إلا الله، دخلوا بها في الإسلام وصاروا معصومي الدماء والأموال؛ لأن الشخص المعصوم في المجتمع الإسلامي إما أنه معصوم بسبب الإسلام، أو معصوم بالعهد والذمة، فلا يجوز أن تخفر ذمته. وهذا الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) إلخ، هو من الأحاديث المتواترة؛ فقد رواه خمسة عشر صحابياً، ومعلوم أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن هذا الحديث كان في أول الإسلام، أي: قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا الكلام مروي عن سفيان بن عيينة ﵀، وهو أحد أئمة الحديث المشهورين، فما الجواب عن هذه الشبهة؟ بأن ممن رووا هذا الحديث بعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم جداً، ومنهم أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه، فهذا لم يكن في أول الإسلام فقط، ثبت أيضاً بعد الهجرة بزمن. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: من المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلماً، فقد أنكر على أسامة ﵁ قتله لمن قال لا إله إلا الله، لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه، ولم يكن النبي ﷺ يشرط على من يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روي أنه قَبِل من قوم الإسلام واشترطوا ألا يزكوا، كما جاء في بعض الأحاديث أن ثقيفاً اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، وأن رسول الله ﷺ قال: (فسيتصدقون ويجاهدون)، فقبل ذلك منهم، ثم بعد ذلك صح إسلامهم مع هذا الشرط الفاسد، ومع ذلك فقد بين الرسول ﵊ أنهم إذا قوي إيمانهم ورسخت قدمهم في الإسلام فسيتصدقون ويجاهدون. وعن نصر بن عاصم الليثي، عن رجل: (أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على ألا يصلي إلا صلاتين فقبل منه)، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى طبقاً لهذه الأحاديث: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ويثبت له الإسلام، ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها بعد ذلك. الشاهد: أن الدخول في الإسلام إنما يكون بالشهادتين, وكون بعض الأحاديث اشترطت الشهادة الأولى -لا إله إلا الله- فهذا من باب الاكتفاء أو الاختصار من بعض الرواة، أو لأن المقصود في الحديث هنا: (أمرت أن أقاتل الناس) هم مشركو العرب، ولم يكونوا ليقروا بشهادة التوحيد إلا إذا شهدوا لمن جاء بها، وهو رسول الله ﷺ ، فعلم أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، إنما يقولها استجابة لدعوة رسول الله ﵌، ويلزم معها أن يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، فعلى هذا ينبغي أن يفهم قول بعض السلف: الإسلام الكلمة -يعني: كلمة الشهادة- أن الكلمة هنا من باب (وكِلْمة بها كلام قد يؤم). أما الصلاة والصيام وسائر شرائع الإسلام وفرائضه فإنما يطالب بها بعد أن يصبح مسلماً، إذ الصلاة والصيام والزكاة وكل هذه الأفعال لا تصح ولا تقبل إلا من مسلم، أما الكافر فلا صلاة له ولا صيام ولا حج لفقدانه شرط القبول وهو الإسلام.

стр. 151

مناقشة صاحب كتاب (حد الإسلام) كثر السؤال في عدة مناسبات عن حد الإسلام، وسبق الوعد بتلخيص بعض الدراسات التي كتبت فيما يتعلق بهذه القضية، ولعل هناك كتاباً مشهوراً يحمل اسم: (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) فربما حصل اشتباه في بعض قضايا هذا الكتاب على بعض الإخوة، فلذلك نلخص كلام بعض الباحثين في نقد هذا الكتاب في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 152

المقصود بحد الإسلام عند الكاتب نبدأ أولاً بكلمة (حد الإسلام) في ذاتها، فالمؤلف استعمل هذا التعبير ليدل على أصل الدين. فحد الإسلام عنده هو أصل الدين الذي يتوقف على تحققه ثبوت عقد الإسلام، والكاتب استعمل هذا التعبير في ثنايا كتابه كثيراً للدلالة على هذا المعنى، فنتجاوز التسمية مؤقتاً ثم نتعرف على مقصود الكاتب بكلمة (أصل الدين) أو (حد الإسلام) ويعبر عن مقصوده بها فيما يلي: يقول: إن حد الإسلام هو ما يتوقف على تحققه واستيفائه ثبوت عقد الإسلام ابتداء. فالإسلام عبارة عن عقد، وحتى يثبت هذا العقد ويصح لابد من تحقيق هذا الحد الذي حده هذا المؤلف، وبالتحقق واستيفاء حد الإسلام يثبت عقد الإسلام، فهو الذي يكون به المسلم مسلماً، ومن تولى عنه لم يكن مسلماً، يعني: من لم يتحقق فيه هذا الحد، ومن لم يستوفه لم يكن مسلماً. أيضاً: ربما عبر عنه أحياناً بتعبيرات مختلفة، فهو عنده الإيمان، وهو الإسلام، وهو التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، فمسماه واحد لا يختلف باختلاف الأسماء. أيضاً: اعتبر الكاتب حد الإسلام الذي حده شرطاً في صحة الأعمال وقبولها، فهو سابق على غيره من التكاليف، وغيره لاحق بها، ولا يقبل ولا يصح إلا به، يعني: ما عداه من الأعمال لا تقبل منه إلا بتحقيق هذا الحد. أيضاً: ذهب إلى أن حد الإسلام ذو شقين: تصديق بخبر رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب، والتزام شريعته جملة وعلى الغيب. إذاً: حد الإسلام مركب من ركنين: الجانب الأول: تصديق خبر رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب، والجانب الثاني عملي: التزام شريعة رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب، وقد يعبر أحياناً عن الشقين بالركنين. يقول في بعض المواضع: لا يقبل ركن من أركان الحج بغير الركن الآخر، فلا يقبل تصديق بغير التزام، ولا التزام بغير تصديق. هذا كلام مجمل في حد الإسلام، وهذا هو المقصود بالإجمال في تعريف حد الإسلام: أنه تصديق خبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والتزام شريعته جملة وعلى الغيب، وحينما يسلك مسلك التفصيل ويوضح أكثر فيذهب إلى أن أركان حد الإسلام ثلاثة: الحكم، والولاية، والنسك. وحتى يتحقق حد الإسلام فلا بد أن يكون الحكم لله بلا شريك، والولاية لله بلا شريك. أيضاً: من خصائص فهم الكاتب لحد الإسلام: أنه لا تفاوت ولا تبعيض بين أركانه، يعني: أن هذا الحد لا يتبعض، بمعنى: أنه لا يزيد ولا ينقص، فهذا الحد متلازم في جزئياته لا ينفك بعضه عن البعض الآخر.

стр. 153

العذر بالجهل في حد الإسلام ذكر الكاتب في شرح حد الإسلام أن هذا الحد لا عذر فيه بالجهل، فمن تحقق لديه كان مسلماً، ومن لم يتحقق لديه كان كافراً، دون اعتبار لعلم أو جهل. هذه بعض الخصائص التي أوردها الباحث مما سماه: (حد الإسلام)، والذي تدور حوله فكرة مؤلفه من البداية إلى النهاية. فالمتأمل لهذه الخصائص التي أوردها الباحث في خصائص حد الإسلام، يدرك أن مقصوده بيان ما يمكن أن نسميه بالحد الأدنى من الدين، والذي يجب تحققه في كل إنسان لكي تثبت له صفة الإسلام ابتداء، والذي يؤدي تخلفه أو تخلف جزء منه إلى تخلف الدين كله. ويمكن أن نتذكر هنا حديث آخر رجل يخرج من النار، ولا شك أن هذا لن يخرج من النار إلا إذا كان موحداً ومعه الحد الأدنى من الإسلام، فما هو هذا الحد الأدنى؟ بتعبير آخر: إذا فرضنا أن رجلاً يهودياً أو نصرانياً شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، فهل يحكم له بالإسلام، أم لا يحكم له بالإسلام؟ في ضوء هذا الكلام يتضح الفرق بين الطريقين؛ طريق من يشترط مثل هذه الشروط في حد الإسلام، وطريق القافلة الكبرى من أهل السنة والجماعة في كل العصور، فهذا الباحث يفترض حداً أدنى، وهذا الحد يجب أن يكون متماثلاً متساوياً في جميع المؤمنين، فلا يتفاوت ولا يتضاعف ولا يزيد ولا ينقص، يرتبط بوجوده استحقاق الإنسان صفة المسلم، ويرتبط بتخلفه تخلفها، وهذا القدر أيضاً لا علاقة له بعلم ولا بجهل، ولا بحداثة عهد بالإسلام، أو رسوخ قدم فيه، ولا بإقامة في دار الإسلام، أو في الجبال والبوادي المنعزلة. يقول المؤلف في تصوير عدم العذر في حد الإسلام: وذلك لأن للإسلام حداً لا توجد صفة الإسلام قبل استيفاء أركانه، ويتخلف الحد بتخلف أحد أركانه، هذا الحد هو كما قال ابن القيم في طريق الهجرتين: الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله، واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. يقول: وهذه القاعدة تنطبق على كل أركان الحد.

стр. 154

الفرق بين حد الإسلام والإيمان الواجب يفرق الباحث بين حد الإسلام وبين ما دونه، فعنده فرق بين حد الإسلام وبين الإيمان الواجب، فالإيمان الواجب يقع فيه تفاوت، ويقبل الازدياد والنقصان. الإيمان الواجب العملي من أداء المفروضات وترك المحرمات، هذا هو الجانب العملي من الإيمان بعد ثبوت حد الإسلام، فحد الإسلام إذا اختل ركن من أركانه، أو شيء من أسسه يحبط كل الإيمان، ولا يستحق الإنسان صفة المسلم، أما العمل فهو فعل الفرائض واجتناب المحارم، وهذا هو الذي يحصل فيه الزيادة والنقصان. يقول: عندما يكون الإسلام قسيماً للإيمان في الدلالة بمجموعهما على أصل الدين، يكونان متلازمين لا يقبل أحدهما بدون الآخر، وتخلف العمل هنا كفر؛ لأنه لا إيمان يقبل بدون إسلام، وإذا عبر بالإيمان عن مجموعهما فإنه في هذه الحالة لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، وفي حالة الإيمان الواجب فإن الإيمان يزيد وينقص، وإذا ذهب بعضه بقي بعضه، ومن خرج من الإيمان الواجب بترك الفرائض وارتكاب المحرمات خرج من الإيمان إلى الإسلام، فلم يخرج من الإيمان مطلقاً، ولكن خرج من الإيمان الواجب إلى الإيمان المجمل؛ لأن الإسلام لا بد له من إيمان يصح به، فإذا ذهب العمل بقي التوحيد بشقيه القولي والعملي، ولهذا فإن الإيمان الواجب يتبعض ويستثنى منه، ولا يستثنى في الإسلام ولا الإيمان المجمل بل يقطع به. يعني: لا يجوز أن يقال: إن شاء الله، فهنا الإيمان المجمل لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، لكن الإيمان الواجب الذي هو أداء الفرائض وترك المحرمات، يرد عليه ذلك كله. وقرر أيضاً في موضع آخر أن الفروع تتبعض وتتساوى، والأصل لا تفاوت ولا تبعيض بين أركانه. وفي ضوء هذا الكلام نناقش قضيتين: الأولى: هل الإيمان المجمل قابل للتبعيض والتفاوت والنقص والزيادة أم لا؟ والثانية: ما هو ذلك الإيمان المجمل؟ وبلغة الكاتب واصطلاحه: ما هو حد الإسلام الذي عقد الكاتب مُؤَلَّفه كله لتقريره؟ قبل الخوض في جواب هذين السؤالين نقف أولاً عند هذه التسمية، لننظر مدى دقة هذا التعبير عن المعنى الذي قصده الكاتب به، والذي ذكرنا خصائصه وسماته آنفاً.

стр. 155

نقد كلمة (حد الإسلام) هذه التسمية التي أطلقها الكاتب على أصل الدين موضع نظر، بل هي غير صحيحة أصلاً، والسبب في ذلك أن الحد في الاصطلاح هو التعريف، فلابد أن يكون الحد مطابقاً للمحدود، أما أن يعرف الشيء بذكر جزء من أجزائه، أو ركن من أركانه، فذلك غير معهود في باب التعريفات، والكاتب استخدم هذا التعبير -حد الإسلام- لبيان الحد الأدنى من الدين الذي يثبت به عقد الإسلام، والذي يؤدي تخلفه إلى تخلف صفة الإسلام أصلاً، ولا يثبت للإنسان الإسلام، ولا يعرف عند أهل العلم استخدام مثل ذلك في الدلالة على هذا المعنى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والنبي ﷺ سطر الإسلام والإيمان بما أجاب به، كما يجاب عن المحدود بالحد، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، فسئل مثلاً: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ سئل مثلاً: (ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره) وقال أيضاً: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، ففي التعريفات يبين المعرف بذكر حقيقته لا بذكر حدوده الدنيا. يعني: ذكرك كل حقيقة الشيء الذي تريد أن تعرفه، ولا تقتصر على ذكر الحد الأدنى منه. عند ذكر كلمة (الحد) فمعنى الحد هو التعريف، كما تدرس في أي علم من العلوم أن تعريف الشيء الفلاني كذا، فالحد يكون جامعاً لكل أركان وأطراف وفروع ما يدخل تحت هذا المصطلح، مانعاً غيره من الدخول فيه، فلا بد أن يكون التعريف جامعاً مانعاً. أما أن يعرف الشيء ويكون تعريف الشيء وتحديده بذكر جزء من أجزائه أو ركن من أركانه، فذلك غير معهود في باب التعريفات، فالكاتب هنا استعمل تعبير (حد الإسلام) ليدل على الحد الأدنى من الإسلام الذي يثبت به عقد الإسلام، والذي إذا تخلف تخلف الدين كله من أساسه. ففي باب التعريفات يبين المعرف بذكر حقيقته لا بذكر حده الأدنى، أو حدوده الدنيا، ولا بذكر واحد من أركانه. نعم، ربما يجاب عن الشيء بذكر أحد أركانه، لكن ليس في مقام التعريف والتحديد، بل في مقام التأكيد على أهمية هذا الركن وتعظيم أمره، مثال ذلك قول النبي ﵊: (الحج عرفة)، فهل معنى ذلك أن الركن الوحيد في الحج هو الوقوف بعرفة أم أن هناك أركاناً أخرى للحج لا يصح بدونها؟ فهو هنا يقول: (الحج عرفة)، لبيان أهمية ركنية الوقوف بعرفات في الحج، لكن ليس كل الحج هو عرفة، فحينما نريد أن نضع تعريفاً فلا بد أن نستوفي كل أركان المعرف، وأما في مثل هذا الجواب فالمقصود تعظيم أمر هذا الشيء المذكور، والتنويه بأمره، وبيان أهميته. وأيضاً: هذا التعبير للدلالة على هذا المعنى لم يسبق إليه الكاتب-والله أعلم- ولم نجده في كتب أهل السنة والجماعة في شتى العصور ليدل بحد الإسلام على هذا المعنى الذي هو الحد الأدنى من الإسلام المنجي. وأيضاً: ليس في نصوص أهل العلم التي ساقها في كتابه -وما أكثرها- ما يؤيد استعمال مثل هذا التعبير، فقد أسرف الباحث في استخدام هذا التعبير، وأشاعه في ثنايا كتابه دون أن يؤيد استخدامه لهذا التعبير بنقل واحد عن إمام من أئمة العلم، رغم أن كتابه مكتظ بمئات النقول، وربما ساق النقول الكثيرة لتقرير بعض الأمور البديهية التي لا يحتاج تقريرها إلى عناء شديد.

стр. 156

مسالك تقرير حد الإسلام عند الكاتب نعود إلى الكلام الذي ساقه في مقدمة المسلك الإجمالي ثم التفصيلي في بيان حد الإسلام، فقد سلك مسلكين في تقرير حد الإسلام: أولاً: مسلك الإجمال. ثانياً: مسلك التفصيل. مسلك الإجمال هو أن حد الإسلام ذو شقين أو ركنين: تصديق خبر الرسول ﵌ جملة وعلى الغيب، والتزام شريعته ﵌ جملة وعلى الغيب. وذكر في موضع آخر أن هذين الشقين هما حد الإسلام، فقال في بيان العلاقة بين الأصل والفروع: لا يقبل ركن من أركان الحد بغير الركن الآخر، فلا يقبل تصديق بغير التزام، ولا التزام بغير تصديق، فلابد من استيفاء الحد كله لاستحقاق الاسم والصفة، وتخلف ركن من أركان الأصل يتخلف به الأصل، والدين يتخلف بتخلف الأصل، أما الفروع فالغالب فيها أن لا تلازم بينها في الفرائض والواجبات، وإتيان الواجبات وترك المحرمات يمكن أن يتخلف بعضها دون أن تنقض أصل الإسلام بالكلية. هذا فيما يتعلق بمسلكه الإجمالي. أما عن المسلك التفصيلي: فإنه حينما فصّل حد الإسلام وضع له ثلاثة أركان، هي: توحيد الحكم، والولاية، والعبادة أو النسك. فعند حديثه عن أركان توحيد العبادة قرر أنها ثلاثة، فسلك مسلكاً مفصلاً فقال: هي نفي النسك عن غير الله ، ثم هي قبول شرع الله ونفي ما سواه، وإفراد الله ﵎ بالولاية. وأراد أن يفصل هذا الأمر فقال: أصل الدين وحد الإسلام سواء علينا سميناه: الإيمان، أو الإسلام، أو التوحيد، أو الدين، أو إفراد الله بالعبادة، فمسماه واحد لا يختلف باختلاف الإسماء. وبالنسبة لهذا المسلك الثاني -وهو مسلك التفصيل لم يقتصر الكاتب هنا على مجرد الاعتقاد المجمل للألوهية، وإنما تجاوز ذلك إلى عمل استقراء لما يندرج تحت توحيد الألوهية من المفردات، وجعل هذه المفردات الثلاثة مرتبطة بما سماه (حد الإسلام) الذي لا تثبت صفة الإسلام قبل استيفائه، والذي لا يعذر فيه أحد بالجهل كائناً من كان، بل من كان عليه كان مسلماً، ومن لم يكن عليه كان كافراً، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل؛ لأنه مما لا يتوقف الحكم به. وتقسيم الناس على أساسه إلى بلاغ أو إعراض، فلم يقتصر في هذا المسلك التفصيلي على الاعتقاد المجمل للألوهية، وإنما تناول ما يندرج تحته من تفاصيل العبادة، فتحت البند الأول في المسلك التفصيلي ذكر نفي النسك عن غير الله ، وبهذا دخلت تحت هذا البند كافة صور العبادة: من دعاء، واستغاثة، ونذر، وذبح، وتوكل، ورغبة، ورهبة، وخوف، ورجاء، وإنابة، وغير ذلك. ودخل تحت البند الثاني -أي: نفي الحكم عن غير الله كل صور تبديل الشرائع، والحكم بغير ما أنزل الله . ودخلت تحت البند الثالث -أي: نفي الولاية عن غير الله كافة صور الموالاة لأعداء الله الجلية والخفية بجميع شعبها وأنواعها. فلا تثبت عنده للمرء صفة الإسلام بادئ ذي بدء إلا باستيفاء هذه الأركان: من شهد الشهادتين، واستوفى مثلاً الإقرار والفهم والالتزام بقضية توحيد النسك وتوحيد الولاية، لكن إن كان عنده خلل في بعض أجزاء قضية الحاكمية مثلاً، فهذا لا يقول: إنه ارتد بعد الإسلام، بل يقول إنه لم يدخل أصلاً في الإسلام، ولم يَصر مسلماً بسبب تخلف بعض هذه الأركان، فلا يثبت للمرء صفة الإسلام بادئ ذي بدء إلا باستيفاء هذه الأركان، وتصحيح اعتقاده في كل ما يندرج تحتها من تفصيلات.

стр. 157

مسلك الكاتب في حد الإسلام المجمل وبيان الحق في ذلك نناقش الآن مسلكي الإجمال والتفصيل عند الكاتب ونلاحظ العلاقة بينهما من تخالف أو توافق: فبالنسبة لمسلك الإجمال فهو: أن حد الإسلام أو الإيمان أو التوحيد عبارة عن شقين: تصديق بخبر رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب، والتزام شريعته ﷺ جملة وعلى الغيب. ولا ينازع أحد من علماء أهل السنة في أن أصل الدين هو الإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي ﵌ تصديقاً وانقياداً، وأن من لم يكن في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر. فهذا أصل الدين الأصيل الذي تعبر عنه كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ﵌، فهذه الكلمة تعني الإقرار المجمل، لذلك جاء في الرواية الأخرى: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به)، أي: يصدقوا بخبره ﵊. فأصل الدين عند أهل السنة هو الإقرار المجمل وليس المفصل، فبمجرد أن يدخل في الإسلام وينخلع من حالته السابقة -من اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من ملل الكفر- فإنه يدخل في دين الإسلام من هذا المنطلق، وهو الشهادة بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، لذلك جعلت الشريعة الشهادتين هما باب الدخول، ونيطت وعلقت بإعلان المرء هاتين الشهادتين عصمة دمه وماله وعرضه؛ لأنهما تتضمنان الالتزام المطلق بالإسلام جملة وعلى الغيب، إذ معنى الشهادتين أنك تصدق الخبر، وتلتزم الشريعة، وتلتزم الحكم. وهنا نذكر قوله ﵌ ثانية: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فشهادة أن لا إله إلا الله تعني: الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المجملة من الشرك؛ لأن فيها نفياً وإثباتاً. فـ (لا إله): براءة من كل ما يعبد من دون الله، و (إلا الله) إثبات استحقاق الله وحده بأن يعبد بلا شريك. والشهادة لرسول الله ﷺ بالرسالة تعني الإقرار المجمل بكل ما جاء به ﵌ تصديقاً وانقياداً. فلهذا كانت هاتان الشهادتان هما أصل الدين، وكانتا أول واجب على المكلف، وأول ما يدعى إليه الناس من الإسلام، ومعلوم حديث معاذ بن جبل ﵁ حينما بعثه النبي ﵌ إلى اليمن فقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﵌. إن ما ساقه المؤلف من أدلة يصدق على كلمة التوحيد لا على ما سماه: حد الإسلام، وهذا هو الذي يتوقف على تحقيقه ثبوت عقد الإسلام، فلا يكون المرء مسلماً إلا باستيفاء هاتين الشهادتين، فالخصائص التي ذكرها الكاتب لتعريفه هي للإسلام أو لحد الإسلام في نظره وأولى بأن تختص بها كلمة الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهذا يتضح بربط الأحاديث مثل: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فهذا الحد هو النطق بالشهادتين باعتبار أنهما تعبران عن الإيمان المجمل الذي يتضمن الالتزام المطلق بشريعة رسول الله ﵌، وهو الحد الذي يتوقف على تحقيقه ثبوت عقد الإسلام، ولا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، وهذا الحد -وهو الشهادتان- شرط في صحة التوحيد؛ توحيد المعبود، وتوحيد الطريق الموصلة إليه، وأنه لا طريق إليه إلا طريق رسول الله ﷺ ، دون اعتبار لعلم أو جهل. حينما يتحدث البعض عن مسألة الكافر الذي يسمع بأن هناك إسلاماً، وأن هناك نبياً يسمى محمداً ﵊، وهناك قرآناً، وهذا اليهودي أو النصراني -أو قل ما شئت- سمع بذلك ولم يؤمن به، فما حكمه؟ الجواب كافر، ويستحق الخلود في النار إن مات على هذا الكفر. لكن المسلم الذي نطق بالشهادتين، وأتى بشيء من أفعال الكفر جهلاً بأنها كفر، أو أنكر شيئاً من أحاديث الرسول ﵊، أو من الأحكام الشرعية جهلاً بأن هذا هو حكم الله، فهل هذا يكفر؟ الجواب: هذا يعذر بجهله؛ لأن الفرق: أن هذا نطق بالشهادتين فصار عنده إيمان وتصديق مجمل، وانقياد مجمل لشريعة الرسول ﵊، فإذا كذب بحديث غير متواتر كأن يقول: هذا الحديث لا يثبت من حيث إن الرواة مطعون بهم، فلا يقبل حديثهم، فهذا لا يكفر. فالمقصود: أن ثمة فرقاً بين من نطق بالشهادتين فصار عنده انقياد وإيمان مجمل بما جاء في القرآن أو ثبت في سنة رسول الله ﵊، فهو يؤمن به تصديقاً وانقياداً واتباعاً وعلماً، وبين من هو كافر وما زال يستكبر عن أن يقول: لا إله إلا الله، فلا سواء بين من استكبر عن أن يقول: لا إله إلا الله، ومن دخل وأعلن انقياده لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، فمن لم يقل لا إله إلا الله فلا يعذر بجهله، ما دام أنه سمع عن الإسلام، ومن لم يتحقق لديه هذا المعنى لم يكن مسلماً دون اعتبار لعلم أو لجهل، لماذا؟ لأن هناك إجماعاً بين مختلف الفرق الإسلامية على الشهادة بالكفر على كل من لم يَدِنْ بدين الإسلام، يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً أو بوذياً أو غيره، يقول ﵊: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا دخل النار). فكل من لم يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد رسول الله ﵌ بالرسالة فهو كافر بلا نزاع، أما ما كان من نزاع في بعض هؤلاء ممن لم تبلغهم النذارة، ومن لم يصلهم البلاغ، فهذا فيما يتعلق بأحكام الآخرة، هل يخلد في النار لأنه كافر، أو يعفى عنه لأنه لم تبلغه الحجة؟ قلنا: إن هذا الالتزام المجمل يصدق عليه أكثر ما أورده الكاتب من الخصائص لما سماه حد الإسلام، فهو سمى حد الإسلام وذكر له خصائص وأكثر هذه الخصائص -لا كلها- تصدق على كلمة التوحيد، لوجود منازعة للكاتب في بعض ما قرره من أن هذا الحد لا يتفاوت ولا يزيد ولا ينقص. فالإيمان المجمل الذي عبر عنه بحد الإسلام عبارة عن تصديق خبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والانقياد لشريعته جملة وعلى الغيب، فالتصديق والالتزام هما الركنان، بينما هو يقول: إن هذا الحد غير قابل للزيادة وغير قابل للنقصان، والحقيقة أن الإيمان المجمل بركنيه التصديق والالتزام كل منهما قابل للنقص والزيادة، وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.

стр. 158

التفاوت بين درجات التصديق سبق الكلام بالتفصيل في قضية زيادة الإيمان ونقصانه، ولكننا سنذكر هنا حقيقة هذا التفاوت من عدة أوجه. فما من شك أن درجات التصديق تختلف قوة وضعفاً تبعاً للتصديق القلبي، فالأنبياء أكمل الناس تصديقاً، ويليهم في ذلك أصحابهم وحواريوهم الذين تلقوا الهدى على أيديهم، ورأوا بأعينهم من المعجزات والآيات ما لا يبقى معه شك في أن هذا الرسول مؤيد من قبل الله ﵎، ثم يليهم بعد ذلك سائر المؤمنين الأمثل فالأمثل. فالقول بتماثل درجات التصديق التي قامت في نفوس هؤلاء ضرب من المكابرة، فما من شك أن ثمة فرقاً في اليقين والتصديق بين طوائف المؤمنين ابتداء بأعلاهم إيماناً -وهو النبي ﷺ ثم الصحابة، ثم الأمثل فالأمثل. فهذا موسى ﵇ أخبره الله فقال: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٣ - ٨٥]، فهل حكى الله عن موسى أنه غضب وانفعل الانفعال الذي وصل إلى حد أنه ألقى الألواح؟ كلا، لكن لما عاين ذلك منهم غضب أشد الغضب، ووصل غضبه إلى أنه ألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، فهل معنى ذلك: أن موسى ﵇ كان يشك في خبر الله حينما أخبره أن قومه عبدوا العجل أم أن لهذا تفسيراً آخر؟ الجواب له تفسير آخر، وهو أن هناك تفاوتاً في درجات التصديق؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، يقول الله ﵎ بعدما حكى صفة أصحاب الكهف وهم نائمون فيه: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، وهذه إشارة إلى نفس هذه القاعدة: ليس الخبر كالمعاينة. فوصف الله حالهم في القرآن لم يحدث لنا الفرار ولا الرعب الشديد من صورتهم، لكن يخبر الله أنك لو رأيتهم بعينك ((لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)) لماذا؟ لما لك من انفعال بما تعاينه وتراه يكون أشد مما تسمع به ولم تره، فهذا تفاوت في درجات التصديق. انظر إلى قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، فهل كان هذا شكاً من إبراهيم ﵇؟ كلا. وإنما كان ذلك منه ليطمئن قلبه، ويتحول علم اليقين إلى عين اليقين، فما من شك أن التصديق في حد ذاته يتفاوت ويختلف من شخص لآخر. أيضاً: من هو ذلك الشخص الذي يجرؤ على أن يزعم أن هناك تماثلاً ومساواة بين تصديق رسول الله ﵌ الذي عرج به إلى السماوات العلا، ورأى من آيات ربه الكبرى، وبين تصديق رجل من عامة المسلمين؟! إن المؤلف يرى في حد الإسلام أنه لا يتفاوت أهله فيه، ولا يتفاضلون فيه، ولا يزيد ولا ينقص، فهل تصديق الرسول ﵌ الذي عاين آيات الله في رحلة المعراج، يكون كتصديق أدنى رجل من عوام المسلمين؟! هذا شيء لا يقول به أحد على الإطلاق. أيضاً: درجات التصديق تختلف قلة وكثرة بحسب العلم بتفصيل الشرائع والجهل بها، فكلما كان الإنسان أكثر علماً كان أكثر تصديقاً، خصوصاً في قضايا الإيمان والعقيدة والتوحيد، ولا شك أن الشخص كلما تعلم أكثر فإنه سيصدق بقلبه أكثر، فالذي درس الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وتعلم أركان الإيمان فإنه يكون أكثر إيماناً بكل واحدة من هذه القضايا، فكلما تعلم خبراً جديداً وعلم بحكم جديد في القَدَر مثلاً أو في غير ذلك من أساسيات الإيمان، فإن كمية الأشياء التي يصدق بها وكمية التصديق بقلبه تزيد مع زيادة علمه، ويكون تصديقه أكبر وأقوى وأكثر من تصديق ذلك الذي لم يعلم هذه المسائل. فدرجات التصديق تختلف في الحقيقة قلة وكثرة بحسب العلم بتفاصيل الشرائع أو الجهل بها، فكلما كان الإنسان أكثر علماً كان أكثر تصديقاً، وكلما قل علمه قل تصديقه، فمن أحاط علماً بعشرات الفرائض كان أكثر تصديقاً ممن كان دونه في ذلك. فالزيادة في هذه الحالة من حيث الكم، ومن حيث العلم بالشرائع زيادة ونقصاناً، وفي الحالة السابقة التي ضربنا لها مثالاً بموسى ﵇ والألواح كانت من حيث الكيف، فانظر كيف تفاوت التصديق كماً وكيفاً حسب زيادة العلم ونقصانه، وحسب قوة هذا التصديق وقوة اليقين. وأيضاً: الالتزام بطاعة الله ، وسائر أعمال القلوب من المحبة والخشية والرجاء، تتفاوت من شخص إلى آخر تفاوتاً عظيماً، وهذا معروف مشاهد ومحسوس، ولا ينكره إلا معاند. لكن إن قال قائل: إن الحد الأدنى من التصديق والالتزام الذي يصح به عقد الإسلام لابد أن يتماثل في الناس جميعاً، فلا يتبعض ولا يتفاوت ولا يزيد ولا ينقص؟ يكون الجواب: أن هذا القدر لا يمكن ضبطه، ولا يتصور وجوده إلا في مجال الظاهر، بحيث يمكن أن يقال: إن الواجب على الناس جميعاً أن يعلنوا التزامهم المجمل بالإسلام تصديقاً وانقياداً، وبراءتهم من كل دين يخالفه، وأن ذلك تعبر عنه كلمة الشهادتين، فهذا كله يتمثل في الشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله محمد ﵌ بالرسالة، فهذا الإعلان الظاهري هو الذي يتماثل عند الناس جميعاً في هذه الناحية، ففي الظاهر الناس يتفاوتون في ذلك تفاوتاً عظيماً، بل يتفاوت الشخص نفسه من حالة إلى أخرى، ويتفاوت تصديقه، ويزيد إيمانه وينقص، ويقوى يقينه ويضعف من حين إلى آخر وهكذا هذا من حيث حقيقة ما في القلب، ولا يمكن تصور حد أدنى متماثل عند كافة الناس؛ لأن إيمان كل إنسان يخصه، والزيادة والنقصان تكون بحسب حالته هو لا بحسب حد أدنى مشترك يمثل مقياساً خارجياً للزيادة والنقصان، إذاً: ما هو هذا الحد الأدنى؟ هو النطق بكلمتي الشهادة. فهذه الماهية المجردة لا وجود لها في الأذهان، ولا حقيقة لها في الخارج، فلا نستطيع أن نتصور ماهية مجردة للإيمان متماثلة في سائر المؤمنين بحيث لا تتفاوت ولا تزيد ولا تنقص، بل لكل إنسان إيمان يخصه، وهذا الإيمان قابل للزيادة والنقصان في كل وقت بالنسبة لمستوى الإيمان وحاله وقت وقوع كل منهما، لا بالنسبة لمستوى ثابت محدد موجود لدى كافة المؤمنين في جميع الأوقات. فمثلاً إذا سُئل رجل: كم مال زيد؟ فأجاب قائلاً: يزيد وينقص. فلا يستنتج السائل من هذا الجواب أن لمال زيد مقداراً محدوداً يزيد عنه مرة وينقص عنه أخرى، مع ثبات هذا المقدار في الوجود، بل الزيادة والنقصان إنما تكون بالنسبة إلى المال الموجود وقت وقوعها.

стр. 159

بيان المسلك التفصيلي في حد الإسلام سبق أن الباحث في تحريره لقضية حد الإسلام -على حسب تعبيره- سلك مسلكين: مسلك الإجمال، ومسلك التفصيل، والكلام الماضي كان فيما يتعلق بمسلك الإجمال، وذكرنا بالنسبة لمسلك الإجمال موقف أهل السنة وما هو معروف في عقيدتهم، وأن الخصائص التي ذكرها لحد الإسلام كان الأولى بمعظمها كلمتي التوحيد، وإنما قلنا: إن معظم هذه الخصائص وليس كلها؛ لأن هناك ملاحظة في دعواه: أن هذا الحد لا يزيد ولا ينقص، بل يتماثل فيه الناس أجمعون، وبينا أن هذا غير صحيح. السؤال الآن: هل يمكن للكاتب أن يسلك نفس المسلك الأول هنا؟ وهل يمكن أن يكون قد قصد فعلاً إلى ذلك؟ لا بد أن نبين المقصود بذلك؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. المقصود: هل يمكن أن يذهب الباحث إلى أن أصل الدين هو التصديق والالتزام بما جاء به النبي ﵌ على جهة التفصيل المطلق، أي: الإقرار التفصيلي بكل ما ثبت بالوحي المعصوم خبراً خبراً وتكليفاً تكليفاً، ثم يكون هذا الإقرار والالتزام هو أصل الدين الذي يثبت به جميع ما أثبته الكاتب لأصل الدين من الخصائص، فلا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه، ولا يعذر فيه أحد بجهل، ويكون سابقاً على غيره من التكاليف، فلا يصح عمل ولا يقبل إلا به، ولا يقبل التبعض ولا الزيادة ولا النقص؟ الظاهر أن الكاتب لا يريد ولا يقصد هذا المعنى؛ لأنه صرح في بعض المواضع فقال: إن الجهل بفريضة الصلاة إن كان له وجه كحال من لم تبلغه فريضتها في دار الحرب عذر يسقط التكليف بها، ويستحق به صاحبه عفو الله عنه، وهذا داخل في أحد شقي التعريف، الذي هو الانقياد لشريعة النبي ﷺ جملة وعلى الغيب. وصرح في موضع آخر فقال: إن الجهل بحكم الله في مسألة من المسائل يصلح عذراً لمن ارتضى في هذه المسألة حكماً غير حكم الله، ظناً منه أن هذا هو حكم الله، فهذا مثل المجتهد المخطئ، يجتهد ويتحرى أن يصل إلى حكم إلهي، يبذل غاية وسعه وجهده ليصل إلى حكم الله، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور له. أيضاً: صرح في موضع ثالث بأن جهل الجارية التي زنت بدرهمين يصلح عذراً لها يسقط الحد ويرفع المؤاخذة، هذه الجارية التي أتت بالفاحشة وأتي بها إلى أحد الخلفاء الراشدين ولعله علي؛ فسألوها فاعترفت وتكلمت بنوع من العفوية والبساطة، فقال الحاضرون: يا أمير المؤمنين! كأنها لا تعلمه، أي: أنه لاحظ طريقتها في الكلام والاعتراف كأنها لا تعرف أن هذا الفعل يستوجب حداً، فاستسهلت به وصرحت وكان ظاهر حالها أنها لا تعلم، فلما تبين ذلك منها عذرت بذلك؛ لأنها تجهل أن هذا يستوجب الحد، فهنا الكاتب أيد هذا الحكم، وأن الجهل بهذا الحد يسقط الحد ويرفع المؤاخذة. فمنهج الكاتب في هذا الأمر قائم على التفريق بين أصل الدين وفروعه، وعنده اعتبار: أن الفروع تقبل التبعيض، ولا يشترط فيها التلازم. نزيد الأمر وضوحاً فنقول: إن اعتبار الإيمان على جهة التفصيل بكل ما ثبت عن النبي ﷺ أصلاً للدين يتوقف على استيفائه بادئ ذي بدء ثبوت عقد الإسلام، وتثبت له جميع ما أثبته أهل العلم من أصل الدين من الخصائص؛ أمر لا يمكن أن يستقيم لأي إنسان عاقل، فلم يقل أحد من السابقين ولا اللاحقين -لا من أهل السنة ولا من أهل البدع- بتوقف ثبوت صفة الإسلام على الإحاطة بجميع الأخبار وجميع التكاليف الشرعية على وجه الاستقصاء والتفصيل، ثم إعلان الإقرار بها والانقياد لها خبراً خبراً وأمراً أمراً، وهذا أمر يكفي تصوره للحكم بفساده. أيضاً: لم يقل أحد من أهل القبلة إن الجهل بأي أمر من الأمور الشرعية الذي يعلم بضرورة الحال أنه جاهل به -وما دام الإنسان جاهلاً بشيء فهو لا يعتقده- فلم يقل أحد إن هذا الجهل ببعض أصول الدين يؤدي إلى انخرام أصل الدين والخروج عن ملة الإسلام، بل عدم الدخول فيها من البداية، ومجرد تصور هذه النتيجة كاف للقطع بفساد ما أدى إليها. أي: لو أن رجلاً شهد شهادة التوحيد وجهل أمراً من الأمور الشرعية، وبالتالي ما دام جامداً فإنه لا يعتقد ما يجهله، فلم يقل أحد: إن هذا الرجل مع نطقه بالشهادتين لم يدخل أصلاً في الإسلام وإنه باق على كفره الأصلي! هذا أيضاً فساده معلوم. أيضاً: لم يعرف في تاريخ الإسلام أن أحداً أُرجئ الحكم بإسلامه حتى تُعرض عليه كافة شرائع الدين وكافة أخباره وزواجره ووعده ووعيده، ليؤخذ إقراره التفصيلي بذلك كله، ثم يثبت له عقد الإسلام بعد ذلك، بل كان الدعاة ولا يزالون من السلف والخلف يقبلون من الناس الإقرار العام والالتزام العام، ثم يعلمونهم بعد ذلك شرائع الدين على مكث. المقصود: أنه لا بد أن نفهم المسلك الإجمالي للكاتب، وأنه لا يقصد بكلمة: (جملة وعلى الغيب) الإقرار بكل الأخبار والانقياد لكل التكاليف، بل يقصد بذلك الإقرار الإجمالي وليس التفصيلي. يعني: هنا لا نقول: إن الكاتب قال هذا الكلام، لكن نقول: قوله: (إن حد الإسلام هو الإقرار بخبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والانقياد لشريعته ﷺ جملة وعلى الغيب) يقصد به الإجمال حقيقة، وما كان له أن يقصد سوى ذلك، لا سيما وقد قرر لأصل الدين ما قرر من الخصائص الخطيرة التي لابد معها أنه كان يقصد حقيقة الإجمال، وليس تفاصيله. فأصل الدين -كما قرر الباحث- هو القبول المجمل لكل ما جاء به النبي ﵌، وليس هو القبول لذلك على وجه التفصيل لكافة الأخبار والتكاليف؛ لأن هذا الأخير مما لا يتوقف على استيفائه من البداية ثبوت عقد الإسلام، ولا يعتبر شرطاً في صحة أو قبول الأعمال. ولا يقال: إنه لا عذر فيه بالجهل؛ لأن الإقرار التفصيلي يتضمن فيما يتضمن الفروع، وهو يعذر في الفروع بالجهل كالأمثلة التي ذكرناها، فيلزم من ذلك أنه لا يقال: إن هذا الأمر لا يقبل الزيادة ولا النقصان؛ لأن تفاوت الناس في معرفة هذه التفاصيل والإقرار بها معروف بالحس والبداهة، وشتان بين العامة في ذلك وبين العلماء. على أي الأحوال: الأمر يحتاج لمزيد من البسط، وكلما مضى وقت أكثر وسبرنا أغوار البحث ستزداد القضية وضوحاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 160

الإيمان والكفر [١٤] عادة ما تختلف معايير البشر، ولكنها تكون أكثر صحة بحسب أخذها من معين الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة؛ وقد صدر لأحد الكتاب كتاب بعنوان (حد الإسلام)، وهو كأي كتاب فيه صواب وخطأ، وفي هذه المادة مناقشة لبعض ما جاء فيه.

стр. 161

عرض مجمل لكتاب (حد الإسلام) تناولنا من قبل دراسة نقدية لكتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيمان)، ومعلوم ما دار حول هذا الكتاب من مناقشات ومباحثات، فمن أجل ذلك أراد الإخوة استجلاء الحقيقة في هذه القضية ذات الحساسية الخاصة، وذات الآثار البعيدة. وذكرنا أن المؤلف حينما تكلم على حد الإسلام أو ما أسماه هو بأصل الدين كما يفهم من كلامه: أن مقصوده بحد الإسلام أو أصل الدين هو: ما يتوقف على تحققه واستيفائه ثبوت عقد الإسلام ابتداءً، فهذا الحد الذي حدده هو الذي يكون به المسلم مسلماً، وإن لم يتحقق ولم يستوف هذا الحد الذي حده لم يكن مسلماً، وقد يعبر عن هذا الحد بالإيمان، أو بالإسلام، أو التوحيد، أو إفراد الله بالعبادة. أيضاً فهم من كلامه: أن استيفاء هذا الحد شرط في صحة الأعمال وقبولها، فهو سابق على غيره من التكاليف وغيره لاحق به، وغيره لا يقبل ولا يصح إلا به. وذكرنا أيضاً: أنه سلك مسلكين في بيان هذا الحد: مسلك الإجمال ومسلك التفصيل. ففي مسلك الإجمال ذكر: أن هذا الحد ذو شقين، تصديق خبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والتزام شريعته جملة وعلى الغيب، والانقياد لها، وذكر أنه لا يُقبل ركن من هذين الركنين إلا بانضمام الآخر إليه، فلا يقبل التصديق بغير التزام وانقياد، ولا انقياد ولا التزام بغير تصديق، ثم سلك مسلكاً تفصيلياً في بيان أركان الحد، فذكر أنها ثلاثة: الحكم والولاية والنسك. أي: أن يكون الحكم لله بلا شريك، والولاية لله بلا شريك، والنسك لله بلا شريك. وذكر من خصائص الإسلام: أنه لا تفاوت ولا تبعيض بين أركانه، فهو لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، وأنه لا عذر فيه بالجهل؛ فمن تحقق لديه كان مسلماً، ومن لم يتحقق لديه كان كافراً دون اعتبار لعلم أو جهل. هذه بعض الخصائص التي ذكرها الكاتب، والتي دار حولها مؤلفه وكتابه.

стр. 162

خطأ المؤلف في وضع حد للإسلام أما بالنسبة للمسلك الإجمالي لحد الإسلام فهو التصديق بخبر الرسول ﷺ جملة على الغيب، والانقياد لشريعته جملة وعلى الغيب. وقد ذكرنا أن هناك نظراً في هذه التسمية -حد الإسلام- وفي مدى دقتها في الدلالة على المقصود. وبالنسبة لكلمة الحد: الحد في الاصطلاح هو: التعريف، والتعريف أو الحد يجب أن يكون مطابقاً للمحدود، أما أن يعرف الشيء بذكر جزء من أجزائه أو ركن من أركانه فهذا غير معهود في باب التعريفات وذكر الحدود، فالكاتب استعمل كلمة حد الإسلام في بيان الحد الأدنى من الدين الذي به يثبت عقد الإسلام، والذي إذا تخلف تخلف بسببه الدين كله من الأساس، وفي باب التعريفات ينبغي أن يبين المعرف بذكر حقيقته لا بذكر حده الأدنى، فالمفروض أننا عندما نعرف شيئاً نذكر كل حقيقته، حتى يكون التعريف جامعاً مانعاً، جامعاً لكل أطراف الموضوع الذي تريد أن تعرفه، مانعاً من دخول غيره فيه، أما أن يعرف الحد بذكر حدوده الدنيا، أو بذكر ركن من أركانه، فهذا لا يذكر في باب التعريفات، لكن قد يذكر الشيء أحياناً بذكر أحد أركانه لا على سبيل التعريف وبيان الحد لكن على سبيل بيان أهمية هذا الركن، كما في قول النبي ﷺ : (الحج عرفة)، فهنا لا يريد النبي ﵊ أن يعرف لنا الحد، أو ما هو الحد، وما هي أركانه، وإنما أراد بيان أهمية الوقوف بعرفة، وكأنه لا شيء في الحج إلا عرفة، والمقصود: أن وقفة عرفات أوجب وأهم أركان الحج. كذلك لم نجد فيما نقل عن أهل العلم فيما مضى استعمال هذا التعريف أو هذا التعبير: حد إسلام. فهذا الاصطلاح لم يعهد في كتب علماء أهل السنة والجماعة على تقادم عصورهم، ولا يوجد عنهم ما يشير إلى استعمال مثل هذا التعبير.

стр. 163

الشهادتان باب الدخول في الإسلام أيضاً قال: إنه لا يقبل ركن من أركان الحد بغير الركن الآخر، فلا يقبل تصديق بغير التزام ولا التزام بغير تصديق، فلابد من استيفاء الحد كله لاستحقاق الاسم والصفة، وإن تخلف ركن من أركان الأصل يتخلف به الأصل، وأما الفروع فالغالب أنه لا تلازم بينها. هذا فيما يتعلق بكلامه في المسلك الإجمالي. وقد ذكرنا: أنه لا ينازع أحد من أهل السنة في أن أصل دين الإسلام هو: الإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي ﵌ تصديقاً وانقياداً، وأن من لم يكن في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر، وكلمة التوحيد كافية في التعبير عن هذا المعنى، فهذا هو الذي ينبغي أن يقال في حد الإسلام أو في ما يثبت به عقد الإسلام لأي إنسان على وجه هذه الأرض؛ إذ يثبت له أمر الإسلام بكلمة التوحيد الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأصل الدين: هو الإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي ﷺ تصديقاً وانقياداً. لذلك جعلت هذه الشريعة كلمة الشهادة أو كلمة التوحيد هي باب الدخول في دين الإسلام، وبإعلان المرء هاتين الشهادتين تحصل له عصمة الدماء والأموال والأعراض، وما ذاك إلا لأن كلمة التوحيد تتضمن معنى الالتزام المطلق بالإسلام جملة وعلى الغيب. يقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وفي بعض روايات مسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله). فـ: لا إله إلا الله هي عنوان لوجود هذه المعاني في القلب، فيجب عقد القلب على الالتزام بمقتضياتها وحقوقها، فلا إله إلا الله، تعني: الإقرار المجمل بالتوحيد والبراء المجمل من الشرك. والشهادة بأن محمداً ﷺ رسول الله، تعني: الإقرار المجمل بكل ما جاء به النبي ﵌ تصديقاً وانقياداً، فأصل الدين هو كلمة الشهادتين، وهما أول واجب على المكلف، وأول ما يدعى إليه الناس من الإسلام، كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن. فأغلب ما ذكره الكاتب في خصائص حد الإسلام أنه جعل له ركنين: ركن التصديق المجمل بخبر النبي ﵌ جملة على الغيب، والانقياد لشريعته ﷺ جملة وعلى الغيب، وذكر له خصائص: أنه لا يتبعض، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأغلب هذه الخصائص كلمة التوحيد أولى بها من هذا الحد الذي وضعه وسماه حد الإسلام. فكلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ﷺ هي التي يتوقف على تحقيقها ثبوت عقد الإسلام؛ فلا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائها. أيضاً: هذه الشهادة سابقة على غيرها من التكاليف، وغيرها لاحق بها، ولا يقبل ولا يصح إلا بها.

стр. 164

عدم العذر بالجهل في قول الشهادتين أيضاً: شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هي التي لا عذر فيها للجاهل، فمن لم تتحقق لديه هاتان الشهادتان لم يكن مسلماً دون اعتبار لعلم أو لجهل، فما دام أنه سمع بأن هناك نبياً، وأن هناك رسولاً أتى بدين الإسلام، وأنزل عليه كتاب هو القرآن وبلغ بذلك صار مسئولاً على هذا الدين، فإن كل الفرق الإسلامية مجمعة على الشهادة بالكفر على كل من لم يدن بدين الإسلام يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً أو بوذياً أو غير ذلك. فكل من لم يشهد لله بالوحدانية، ولرسوله محمد ﵌ بالرسالة فهو كافر بلا نزاع. وقد وقع خلاف بين العلماء في بعض هؤلاء ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام، كأهل الفترة، أو الشخص المجنون، أو المعتوه الذي لم يبلغه الإسلام، أو لم يعقله ولم يفهمه؛ لأنه كان مجنوناًَ أو مغلوباً على عقله، فخلاف العلماء هو فيما يتعلق بأحكامهم في الآخرة، هل يخلدون في النار لكفرهم، أم أنهم يمتحنون في عرصات القيامة لما ثبت في ذلك من الآثار. وهذا الالتزام المجمل الذي تترجم عنه كلمة التوحيد يصدق عليه أغلب ما أورده الكاتب من هذه الخصائص لما سماه حد الإسلام، ولم نقل: كل الخصائص، وإنما قلنا: أغلبها؛ لأن هناك منازعة للكاتب فيما قرره من أن هذا الحد لا يتفاوت ولا ينقص.

стр. 165

تفاوت درجات التصديق يقول: إن حد الإسلام لا يحصل فيه تبعيض ولا يزيد ولا ينقص، وذكر أن هذا الحد هو التصديق والانقياد والالتزام، فهل التصديق لا يزيد ولا ينقص؟ الجواب لا؛ فدرجات التصديق تختلف قوة وضعفاً، فما من شك أن الأنبياء أكمل الناس تصديقاً، يليهم بعد ذلك الحواريون أصحابهم الذين تلقوا الهدى على أيدهم، ورأوا من المعجزات ما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم يليهم بعد ذلك سائر المؤمنين الأمثل فالأمثل، فمن المكابرة أن تقول: إن تصديق الأنبياء هو نفس تصديق واحد من عموم المؤمنين، بل الإنسان نفسه قد تختلف درجات التصديق عنده من حالة إلى أخرى. مثال ذلك: موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما أخبره ربه ﵎ أن قومه عبدوا العجل من بعده غضب، كما قال : ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه:٨٦]، غضب موسى ﵇، وكانت معه الألواح التي كتبها الله له بيده، لكن لما رأى بعيني رأسه قومه وهم يعبدون العجل اشتد غضبه كثيراً، وظهر ذلك في أنه ألقى الألواح غضباً وحمية لله لا امتهاناً ولا استخفافاً بها. معاذ الله! إنما أخذته الحمية والغيرة على دين الله وعلى التوحيد، قال : ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠]، فهل شك موسى في خبر الله ؟ الجواب: لا. لكنه تفاوتت درجات التصديق عنده؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة. أيضاً: رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي عرج به إلى السماوات العلى، ورأى من آيات ربه الكبرى، كيف يقال: إن تصديقه ﵊ الذي عرج به ورأى من آيات الله في الملأ الأعلى يكون كتصديق رجل من عوام المسلمين؟ باعتبار أن هذا هو الحد الأدنى للإسلام، وأن التصديق لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص. أيضاً: درجات التصديق تتفاوت قلة وكثرة وقوة وضعفاً بحسب زيادة العلم أو نقصانه فكلما كان الإنسان أكثر علماً كلما كان أكثر تصديقاً، وما من شك أن من يتعلم حدود الله أكثر أنه يزداد الإيمان عنده ويقوى بها إيمانه، ويزيد بها تصديقه، وكلما قل علمه قل تصديقه. فمن أحاط علماً بعشرات بل مئات الفرائض لابد أن يكون أكثر تصديقاً ممن كان دونه في ذلك، والزيادة هنا من حيث الكم، إذ الزيادة في التصديق تتفاوت من حيث الكم ومن حيث الكيف، أما الكيف فقد ضربنا له مثلاً بموسى ﵊، أما الكم فهو من حيث العلم، فكلما زاد الإنسان علماً بالشرائع وبحدود الله كلما زادت كمية التصديق في قلبه، والعكس صحيح. هذا من حيث التصديق، أما من حيث الالتزام فإن التزام أعمال القلوب من المحبة والخشية والرجاء وغير ذلك يتفاوت من شخص إلى آخر تفاوتاً عظيماً، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، ولا ينكره إلا جاهل أو معاند.

стр. 166

الحد الأدنى من التصديق أيضاً إذا قال قائل: الحد الأدنى من التصديق، والحد الأدنى من الالتزام الذي يصح به عقد الإسلام؛ لابد أن يكون متماثلاً في الناس جميعاًَ، وقد ذكرنا من قبل: أن كونه يظن أن هذا هو الحد الأدنى، فمن المفروض في باب التعريفات والحدود ذكر كل ما يتعلق بالحد لا ذكر بعض حقائقه، فكلمة (الحد) لا يذكر فيها الحد الأدنى، بل تذكر كل الحقيقة كما أشرنا، فإذا قال قائل: الحد الأدنى من التصديق والالتزام الذي لا يصح عقد الإسلام إلا به، لابد حينها أن يتماثل في الناس جميعاً، فهو من هذه الناحية لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، فما الجواب على ذلك؟ الجواب أن هذا القدر -الحد الأدنى من التصديق والالتزام الذي لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص- لا يمكن ضبطه، ولا يمكن أن نتصور وجوده إلا في الظاهر، حيث يمكن أن يقال: إن الواجب على الناس جميعاً أن يعلنوا التزامهم المجمل بالإسلام تطبيقاً وانقياداً، ويعلنوا براءتهم من كل دين يخالف دين الإسلام، فما هو الشيء الذي يمثل هذا الأمر الظاهر؟ هو النطق بالشهادتين، فهما اللتان تترجمان وجود التصديق المجمل والالتزام المجمل، ونحن لا نملك إلا قبول ظاهر الناس، فمن شهد الشهادتين، فهذا يعني: أنه يصدق تصديقاً مجملاً بكل ما أتى به النبي ﵌، ويلتزم التزاماً مجملاً أيضاً بشرائعه، ويثبت له بالشهادتين عقد الإسلام. فالذي يمكن ضبطه وتصور وجوده هو في المجال الظاهر بإعلان الالتزام المجمل بالإسلام تصديقاً وانقياداً، والبراءة من كل دين يخالفه، فهذا يتمثل في شهادة التوحيد، والشهادة لرسول الله ﵌ بالرسالة، ففي هذا الحد يتماثل الناس جميعاً. أما على الحقيقة فهم فيها يتفاوتون تفاوتاً عظيماً، وبضميمة أفعال القلوب وأحوال القلوب يحصل التفاوت، لكن الظاهر هذا هو الحد الذي يتساوى فيه جميع الناس من حيث الحكم لهم بالإسلام، أما الحقيقة فهم يتفاوتون، بل قلنا: إنه يتفاوت في الشخص الواحد ما بين حالة وأخرى، ولا يمكن تصور حد أدنى متماثل عند كافة الناس؛ لأن إيمان كل إنسان يخصه، والزيادة والنقص تكون بحسب حالته هو لا بحسب حد أدنى مشترك يمثل مقياساً خارجياً للزيادة والنقصان.

стр. 167

مسلك الإيمان المجمل عند المؤلف ذكر الكاتب مسلك الإيمان المجمل وقال: إن له شقين: التصديق بخبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والالتزام بشريعته جملة وعلى الغيب وذكرنا أن جميع علماء المسلمين لم يذكر واحد منهم أبداً أن حد الإسلام أو حكم ثبوت عقد الإسلام لأي إنسان يشمل المعرفة التفصيلية بالأمور التي ينبغي التصديق بها، والمعرفة التفصيلية بالأمور التي ينبغي الانقياد لها، فاعتبار الإيمان على جهة التفصيل بكل ما ثبت عن النبي ﷺ أصلاً للدين يتوقف على انتفائه عدم ثبوت عقد الإسلام لا يمكن للإنسان أن يدعيه، فلم يقل أحد من السابقين ولا من اللاحقين لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة؛ بتوقف ثبوت صفة الإسلام على الإحاطة بجميع الأخبار والتكاليف الشرعية على وجه الاستقصاء والتفصيل، ولا يتصور أبداً أن يتوقف حكم الإسلام لأحد حتى نأتي به ونتلو عليه جميع ما أخبر به الرسول ﵌، ونسرد عليه جميع الأحكام الشرعية التي كلفنا بها، ويقر بالتزامه وتصديقه بها على جهة التفصيل. أيضاً لم يقل أحد من أهل القبلة بأن الجهل بأي أمر من الأمور الشرعية يؤدي إلى انخرام أصل الدين والخروج عن ملة الإسلام، وعدم الدخول فيه من البداية. أيضاً لم يعرف في تاريخ الإسلام أن أحداً أُرجئ الحكم بإسلامه حتى تعرض عليه كافة شرائع الدين، وكافة أخباره وزواجره ووعده ووعيده ليؤخذ إقراره التفصيلي بذلك كله، ثم يثبت له عقد الإسلام بعد ذلك، بل كان الدعاة والعلماء -ولا يزالون- من السلف والخلف يقبلون من الناس الإقرار والالتزام العام، ثم يُعلمون بعد ذلك شرائع الدين على مكث وعلى مهل. فالكاتب يوافقنا أيضاً في ذلك حينما يقول: إن حد الإسلام هو التصديق بخبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب، والانقياد لشرعه جملة وعلى الغيب، يقصد الإجمال حقيقة ولا يمكن أن يقصد سوى ذلك. فأصل الدين هو القبول المجمل لكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هو القبول على وجه التفصيل لكافة الأخبار والتكاليف.

стр. 168

أركان حد الإسلام عند المؤلف لم يقتصر الكاتب في بحثه على المسلك الإجمالي الذي أشرنا إليه، لكنه نحا منحى آخر تفصيلياً، قرر فيه أن لهذا الحد أركاناً ثلاثةً هي: الحكم والولاء والنسك، ثم جعل باقي الكتاب في تفصيل هذه الأمور الثلاثة، فقد جعل الباب الثالث في تقرير ركن الحكم، والباب الرابع في تقرير ركن الولاية، وقرر ركن النسك ضمن الباب الأول، فلم يقف عند حدود الاعتقاد المجمل للألوهية، لاسيما وهو يتكلم في شرح تفصيلي لحد الإسلام، وما يسميه هو أصل الدين الذي يتوقف على الاكتفاء به من البداية ثبوت عقد الإسلام، والذي يطرد تماثله وثباته وعدم تفاوته بالزيادة أو النقص عند كافة المؤمنين، فهو تجاوز الإجمال إلى هذا التفصيل الذي تندرج تحته كافة مسائل توحيد العبادة، ولا يند عنه منها شيء، فيلزم من ذلك أن يسلك أحد مسلكين لا ثالث لهما: إما أن يرجئ الحكم على عامة المسلمين الذين يشهدون الشهادتين، وقد يكون فيهم جهل بهذا المسلك التفصيلي في شرح معنى التوحيد والحكم أو الولاية أو النسك؛ لأن هؤلاء الناس الذين نراهم يملئون المساجد يصلون العيد يخرجون في الجنائز المسلمين الذين نعيش ونحيا بينهم، هؤلاء أتوا بالشهادتين ولم يحصل من الكاتب ومن نحا منحاه عملية استيفاء وجود الأركان التفصيلية: أركان الحكم والولاء والنسك في هؤلاء الناس، فمن جهل بعض هذه الأركان كيف يكون السلوك معه؟ فإما أن يرجأ الحكم على هؤلاء العامة، فلا نحكم لهم بالإسلام حتى نستوثق من استيفائهم لأركان هذا الحد وبراءتهم من الطواغيت، وتجردهم من التلبس بشيء من العبادة لغير الله ، وموالاتهم للمؤمنين، وبراءتهم من الكافرين، فلا يشهد لأحد منهم بالإسلام إلا بعد التحقق من استيفاء ذلك كله، حتى وإن كانوا قبل ذلك ممن يعلنون الالتزام المجمل بالإسلام، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة. فهذه هي هو الحالة الأولى: أن هؤلاء الناس لا نحكم عليهم بالإسلام، بل يؤجل الأمر فيهم حتى يتأكد من استيفاء هذه الأركان. الحالة الثانية: أن يستصحب أصل الحكم بالإسلام على من أعلن الانتساب إليه، ونقول: إن هؤلاء نطقوا الشهادتين، فالأصل فيهم أنهم مسلمون، حتى نكتشف أن هذا الإنسان متلبس بناقض من نواقض هذا الحد، فحينئذٍ نكتشف أنه كان كافراً من قبل، فيكون انتسابه إلى الإسلام وتلفظه بالشهادة مجرد قرينة على استيفائه لحد الإسلام، لا دلالة على أنه مسلم. وبناءً على هذا التفصيل: الحكم والولاء والنسك. كيف نطبقه في الواقع؟ وكيف يكون موقفنا مع عوام المسلمين الذين يصلون ويزكون ويحجون ولم يحصل استيفاء وتحر وتبين مفصل عن موقفهم من قضايا الحكم والولاية وتفاصيل النسك وغيرها؟ الجواب نقول له: لن يكون أمامك إلا أحد مسلكين، المسلك الأول: إما أن تقول: هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام أصلاً حتى وإن أتوا بهذه الأشياء، إلا بعد استيفاء كل هذه الأركان منهم، ولا تكفي كلمة التوحيد، ولا الصلاة، ولا الزكاة. المسلك الثاني: أن تقول: إنهم كفار أصليون لم يدخلوا أصلاً في الإسلام، ولا نقول: إن كلمة التوحيد قرينة تومئ إلى أنهم مسلمون، لكن: إذا اكتشفنا بعد ذلك أن هذا الإنسان متلبس بشيء يناقض هذا الأصل الذي هو الإسلام، حينئذٍ يكتشف شيء كان خافياً من قبل، وهو: أن هذا الإنسان الذي عاش ستين سنة ينطق بكلمة التوحيد، يصلي ويزكي ويصوم ويحج ويفعل شرائع الإسلام المعروفة، ولم يحصل استيفاء وتبين لموقفه من قضايا الحكم والولاية والنسك يكتشف بعد كل هذه السنوات أنه كان كافراً من قبل، ويكون انتسابه للإسلام وتلفظه بالشهادتين مجرد قرينة على استيفائه لحد الإسلام، فإذا ثبت أن هذا الرجل كان يستجيز أمراً من أمور الشرك، فقد دل ذلك على أنه كان كافراً من البداية، وأنه لم يدخل في الإسلام بعد، حينئذٍ يثبت أن هذا كافر أصلي، مثل النصراني أو اليهودي، ولم يدخل في الإسلام أصلاً، فيتوقف الحكم عليه بالإسلام إلى أن يتبين خلاف ذلك، ويبقى الحكم عليه على ما قبل ذلك، وهو أنه كان كافراً. أما الذين يتلبسون بشيء من نواقض هذا الحد فهم لديه كفار بلا نزاع، ولا فرق في ذلك بين دار الإسلام وبين دار الحرب، ولا بين الجهلة ولا بين العلماء، ولا بين من هو متأول ومن هو معاند، فالكل سواء في هذا الحكم؛ لأن الإسلام -كما ذهب إليه- حد لا توجد صفة الإسلام قبل استيفائه، ومن لم يأت به فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.

стр. 169

الفرق في منهج المؤلف بين مسلكي الإجمال والتفصيل في الإيمان والآن نذكر الفرق بين الاتجاهين اللذين تركهما الكاتب في الإجمال والتفصيل في تحرير قضية الأصل في الدين: المسلك الأول: الإجمال، وهو التصديق بخبر الرسول ﵊ جملة وعلى الغيب، والالتزام جملة وعلى الغيب، فالمسلك الأول يعني: ثبوت عقد الإسلام لكل من أعلن الالتزام المجمل بالإسلام، ودليل ذلك النطق بالشهادتين؛ فإن كان صادقاً في ذلك فقد ثبت له عقد الإسلام ظاهراً وعلى الحقيقة، فلو مات في هذه اللحظة لمات على الإسلام، ولو لم يعلم من تفاصيل ما يجب اعتقاده واتباعه من الدين شيئاً؛ لحديث ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي ﵌ فقال: (يا رسول الله! أسلم أو أقاتل؟ قال: أسلم ثم قاتل) فلم يقل له: تعال أولاً أعرض عليك هذه المعاني المفصلة للحكم والنسك والولاية، ونستوفي منك كل حدود هذا الحد، ثم بعد ذلك تصبح مسلماً ثم تقاتل، بل شهد الشهادتين وبذلك ثبت له عقد الإسلام، وقاتل فقتل شهيداً، فقال النبي ﵌: (عمل قليلاً، وأجر كثيراً)، فلو مات بعد هذه اللحظة لمات على الإسلام، حتى لو لم يعلم تفاصيل هذه الأمور. المسلك الثاني: ذكر الكاتب تفاصيل النسك والحكم والولاية، وأنه لا يثبت عقد الإسلام على الحقيقة إلا لمن استوفى أركان توحيد العبادة، واعتقد الحق في كل مسألة من مسائله على التفصيل، وعلى هذا فإن من أعلن لنا التزامه بالإسلام، وقبوله المجمل بدين الإسلام الذي تترجمه كلمة الشهادتين أثبتنا له صفة الإسلام بناءً على ذلك، هذا هو المسلك الأول للكاتب، ووافقناه في ذلك مع توضيح الفروق بين الاتجاهين، لكن إذا اكتشفنا -بعدما أثبتنا له صفة الإسلام بالطريقة المجملة- جهله ببعض نتائج التوحيد كتوحيد العبادة مثلاً؛ فإنه يكون بذلك لا يزال باقياً على كفره الأول لم يدخل في الإسلام بعد لعدم استيفاء حده. فالفرق بين المسلكين: أن المسلك الأول يثبت عقد الإسلام ظاهراً وباطناً بمجرد الالتزام المجمل به ظاهراً وعلى الحقيقة، وإن جهل كل عقائده وشرائعه، ما دام أنه قد انعقد قلبه على مطلق التصديق والاتباع والالتزام. أما المسلك الثاني: فلا يكفي هذا الالتزام المجمل في الحقيقة، بل يهدر إهداراً كلياً أمام جهله بمسألة من المسائل المتعلقة بتوحيد العباد، بحيث لو أن رجلاً مضى على إعلانه للإسلام، وإقامته لشعائره، وصدقه في اتباعه ظاهراً وباطناً عشرات السنين، ثم اكتشف جهله بمسألة من مسائل توحيد العبادة، كمسألة الاستغاثة بأصحاب القبور، وأنها من الشرك الذي حرمه الله، لدل ذلك على استمرار كفره الأول، وحبوط عمله طيلة هذه السنين، وأنه لم يدخل في الإسلام بعد، فهذا هو الفرق بين المسلكين بالنسبة لقضية حد الإسلام. ونحن تكلمنا في نقد المسلك الإجمالي في أن حد الإسلام لا يتبعض، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاوت الالتزام والتصديق، وقلنا: إن كلمة التوحيد أولى بِجُل هذه الخصائص التي أضفاها على تعريفة المجمل لحد الإسلام، فأولى ثم أولى أن تكون هذه الخصائص لكلمة التوحيد التي يثبت بها عقد الإسلام فيما يظهر لنا. أما المسلك التفصيلي فيلاحظ عليه: أنه قام على أساس: أن الإيمان المجمل الذي هو حد الإسلام شيء واحد متماثل في كل المؤمنين لا يتبعض ولا يتفاوت، ولا يزيد ولا ينقص، فما من شك أن هذه الشبهة هي نفس الشبهة التي دخلت على كلٍ من الخوارج والمرجئة والمعتزلة، وكانت أساس ضلال هذه الفرق جميعاً في باب الإيمان رغم ما قد يبدو بينهما في الظاهر من تناقض واختلاف، بل الخوارج من معتقدهم: تكفير صاحب الكبيرة، وأنه ليس بمؤمن؛ ذهاباًَ إلى الأخذ بنصوص الوعيد، وتأسيساً على أن ماهية الإيمان لا تقبل التعدد ولا التبعض، ووافقهم على ذلك المعتزلة، إلا أنهم أخرجوه من الإيمان، ولم يدخلوه في الكفر اعتباراً بالنصوص التي تفرق بين المرتد وبين أصحاب المعاصي؛ فابتدعوا ما أسموه بالمنزلة بين المنزلتين التي يستعملونها الآن بعبارة عصرية، وهي: التوقف، والتوقف يعني: انعدام الوزن؛ فلا هو مسلم ولا هو كافر، فلا يحكم عليه بالإسلام ولا بالكفر، وهذا اتباع لبدعة المعتزلة المسماه: المنزلة بين المنزلتين، فهؤلاء إن خالفوهم مقالاًَ إلا أنهم وافقوهم مآلاً؛ لأنهم حكموا عليه بالخلود في نار جهنم في الآخرة، وعلى نفس هذا الأساس -أساس تصور أن حد الإسلام شيء واحد متماثل في كافة المؤمنين لا يتبعض ولا يتفاوت ولا يزيد ولا ينقص- أقام المرجئة معتقدهم في إخراج العمل عن الإيمان بناءً على الأدلة الكثيرة التي تشهد بفساد مذهب الخوارج والمعتزلة، واعتباراً بظواهر نصوص الوعد، وتأسيسها على أن ماهية الإيمان لا تقبل التعدد ولا التبعض. وعلى نفس هذا الأساس حرر الكاتب مذهبه في أصل الدين؛ فافترض أن له ماهية ثابتة متماثلة لدى الكافة، وأنها لا تقبل التعدد ولا التبعض، يقول: والأصل أنه لا تفاوت ولا تبعيض بين أركانه، ويقول في موضع آخر: عندما يكون الإسلام قسيماً للإيمان في الدلالة بمجموعهما على أصل الدين يكونان متلازمين لا يقبل أحدهما بدون الآخر، وتخلف العمل هنا كفر، فهذا التفاوت له وجوه متعددة، منها العلم والجهل، فكلما علم العبد بما أخبر به الرسول ﷺ فصدقه، وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام وإقرار عام، فمن عرف أسماء الله ومعانيها كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إيماناً مجملاً أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان إيمانه بها أكمل. وأيضاً: شتان بين إيمان أهل السنة الذين تلقوا نصوص الوحي بالقبول وفهموها على وجهها، وبين تلقي أهل البدع لهذه النصوص، وتحريف دلالاتها بتأويلات فاسدة وشبه باردة كما فعلت المعتزلة والجهمية من تعطيل الصفات، وكما فعل الخوارج والمعتزلة والزيدية من إنكارهم الكثير من المغيبات. أيضاً: هناك خلط في هذا المسلك التفصيلي بين ما يجب من أصل الدين لثبوت عقد الإسلام، وما يجب لاستمرار عقد الإسلام وعدم انقطاعه، فثبوت عقد الإسلام بادئ ذي بدء يتوقف على الإقرار المجمل بالإسلام تصديقاً وانقياداً، ولا يتوقف على الإحاطة بالتفاصيل لا في الفروع ولا في الأصول، فمن جاء إلى النبي ﵌، أو جاء إلى جماعة المسلمين من بعده يعلن إيمانه بمحمد ﵌ وبما جاء به من عند الله؛ فقد ثبت له عقد الإسلام كائناً ما كان جهله، فهذا القبول المجمل للإسلام كافٍ في ثبوت عقده، ومن قال بإرجاء الحكم بإسلامه حتى يتوقف على شيء من التفاصيل فقد كابر الحقيقة والتاريخ، ولو مات هذا الرجل بعد الإقرار العام فهو ناجٍ عند الله؛ لأن عقد الإسلام قد ثبت له ظاهراً وعلى الحقيقة. فإن قال قائل: لكن الذين بعث فيهم رسول الله ﵌ كانوا عرباً يعرفون مدلول الكلمات، ويفهمون من كلمة التوحيد ما يجب أن يفهم منها لاستيفاء حد الإسلام، ولهذا كانت هذه الكلمة في زمانهم كافية في ثبوت عقد الإسلام. ف الجواب أن هذه الدعوة عارية عن الحجة، وعاطلة عن البرهان، فرسول الله ﵌ لم يبعث إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى العرب والعجم، وكان يفد إليه ﵌ أخلاط من الناس متفاوتون في المدارك والمعارف، ولم يسمع قط أنه قبل لا إله إلا الله من قوم وردها من آخرين حتى يفهموا منها ما لابد من تحقيقه لاستيفاء أصل الدين، فكان يأتيه البدوي والعربي الفصيح والشريف والضعيف والعبد والرومي والفارسي والحبشي، ومع تفاوت الناس وكثرة عدد من دخل في الإسلام لا نعلم على الإطلاق أن النبي ﷺ قبل إسلام العربي؛ لأنه يفهم لغة العرب ويعرف كل معاني التوحيد بسليقته وفطرته، وتوقف في إسلام الأعجمي الذي أتى وشهد الشهادتين حتى يستوفي حد الإسلام، أو توقف في قبول كلمة التوحيد من هذا الرجل الذي قد يكون مظنة الجهل ببعض هذه المفاهيم، ولا يستطيع أحد أن يغامر بادعاء أن العرب قاطبة كانوا يفهمون من كلمة التوحيد كل ما تتضمنه من حقائق وأصول، فهذا في العرب فكيف بالعجم؟ فعن عدي بن حاتم رضي الله ﵎ عنه، في سبب نزول الآية -إذا صح- التي في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]: أن النبي ﷺ دخل عليه عدي وقد علق صليباً من فضة في عنقه، فقال: (يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن، وتلا هذه الآية: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)) [التوبة:٣١]، فقال: يا رسول الله! ما كنا نعبدهم، فقال له النبي ﵌: ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فتطيعوهم؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم)، والقصة مشهورة أخرجها ابن جرير الطبري، هذه القصة إذا صحت فهي دليل على أنه كان يجهل المعنى الحقيقي الشامل للعبادة، فإنه كان يظن أن العبادة هي الركوع والسجود، فبين له النبي ﵌ أن إطاعة الغير في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله عبادة له؛ لأن هذا من خصائص الألوهية التي لا تنبغي أن تكون إلا لله ، ومع ذلك كان يجهل هذا المعنى من المعاني الأساسية للتوحيد. كذلك كان من هؤلاء العرب من قالوا للنبي ﵌ في غزوة حنين حينما مروا بشجرة يقال لها: ذات أنواط، يعلق عليها المشركون أسلحتهم تبركاً بها، فقالوا للنبي ﵌ -وكانوا حديثي عهد بالإسلام-: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﵊: الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده! كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)، فالشاهد: أن هذا فيه جهل

стр. 170

سمات الإقرار التفصيلي المرتبط بأصل الدين الإقرار التفصيلي المرتبط بأصل الدين يتسم بالسمات الآتية: أولاً: النسبية: قد يصح الخبر لدى مكلف ولا يصح لدى آخر، أو يصح عند هذا الثاني، ولكن يكون عنده من الأخبار الأخرى ما يعارضه، فيجب على الأول من الإيمان به والإذعان له ما لا يجب على الثاني، وليس بالضرورة أن يكون هذا الثاني مصيباً، أو أن يكون مأجوراً؛ فقد يكون مخطئاً، وقد يكون آثماً بتقصيره في النظر أو في طلب العلم من مظانه وعلى يد أهله، ولكننا نتحدث فقط عن ثبوت أصل الدين وانخرامه. فأصل الدين التصديق والانقياد، ويخرم ذلك التكذيب أو الرد -الرفض-، ولكن يشترط لانخرامه: أن يصح الخبر لدى المكلف سالماً من المعارض، أي: أن يرده بغير تأويل، فإن رده بغير تأويل هل يكفر بذلك؟ الجواب لم يكفر أهل السنة المعتزلة وإن لم يقروا -مثلاً- باعتقاد رؤية الله ﵎ في الآخرة، والذي ثبت بأحاديث متواترة، لكنهم هم لا يثبتون تواترها، ما من شك أن التكذيب بمثل هذه الأخبار قد لا ينفك عن الإثم، لكن الكلام عن زوال عقد الإسلام وانخرامه وخروج الإنسان من الإسلام بشيء من ذلك. فيشترط لانخرام عقد الإسلام أن يصح الخبر لدى المكلف سالماً من المعارض فيرده بغير تأويل. والخوارج كذبوا أحاديث الشفاعة وهي متواترة، وكذبوا بالرجم وهو أيضاً متواتر، فهم لا يقرون بتواتره، بل يتأولون في ذلك، بل ربما يطعنون في رواتها من الصحابة، أو يكفرونهم والعياذ بالله! فالمقصود: أن هذا ليس رداً لكلام الرسول ﷺ ، وإنما يكون من باب الطعن في الرواة، أو تأويل مثل هذه الأحاديث، فإن كذب المرء بما لم يصح عنده فلا يكفر، وعندنا شيوخ مشهورون ويشار إليهم بالبنان ويكذبون أحاديث رسول الله ﵌، فهل يحكم عليهم بالكفر؟ الجواب: لا يحكم عليهم بالكفر؛ لأنه لا يقصد تكذيب رسول الله ﵌، بل يوجه طعنه إلى رواة الأحاديث، وبغض النظر هل هو آثم في هذا أو معتدٍ؟ هذه قضية أخرى، لكن الكلام في أن الشخص إن كذب بما لا يصح عنده لا يعتبر مكذباً لرسول الله ﵌، وإنما هو مكذب لمن نقلوا إليه خبره، فلا ينخرم بذلك إيمانه المجمل، وهو باقٍ على أصله، فإن رد إنسان دلالة لفظ بتأويل فاسد فهو لم يرد على رسول الله ﵌ أمره، وإنما تعلق بما ظنه التأويل الصحيح لأمره ﵌ اعتماداً على دلالات نصوص أخرى، وعلى هذا الأساس لم يحكم السلف بكفر أصحاب الأهواء رغم ما ورد بشأنهم من الوعيد الغليظ عذراً لهم في التأويل، واعتباراً بما عندهم من الإيمان المجمل، اللهم إلا من كان منهم منافقاً في الباطن. هذا فيما يتعلق بمسألة التصديق المجمل والالتزام المجمل. وقد يحصل عدم تصديق أو تكذيب وعدم انقياد من إنسان، ولا يكفر بذلك؛ لأن هذا نشأ عن تأويل لا عن تكذيب للرسول ﵊ أو رد حكمه؛ لأنه لا يثبته أصلاً ولا يعترف أنه حكمه، أو يثبته لكنه يؤوله، فيأثم بذلك، وإن لم يعذر فهو يكون آثماً مقصراً في ذلك لكن لا يكفر بمجرد ذلك. وأما بالنسبة للتبعض والزيادة والنقصان فهذا ليس شيئاً واحداً متماثلاً في كافة المؤمنين، وإنما هو يتبعض ويتفاوت ويختلف من شخص إلى آخر بالنقصان والزيادة، وهذا التفاوت يكون إما بالكيف، كما ذكرنا تفاوت الناس في درجات التصديق، أو التفاوت في أعمال القلوب كالحب والخشية والإنابة والتوكل ونحوها، ومنها ما يتعلق بالكم كتفاوت التصديق والمعرفة التي في القلوب بتفاوت مقدار الإحاطة بأخبار الشريعة وأوامرها، فليس تصديق من صدق رسول الله ﷺ مجملاً مع علمه بقليل من أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار وصدقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملاً ومات بعد معرفة النزر اليسير من أوامره ﷺ كمن عاش حتى علم ذلك مفصلاً وأطاعه فيه. أيضاً: هذا التصديق والانقياد التفصيلي لا يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام من البداية، وإنما يتوقف عليه استمرار هذا الحكم وعدم انقطاعه. فهنا يحصل خلط -كما حصل من الكاتب- بين ما يجب تحققه من أصل الدين لثبوت عقد الإسلام، وبين ما يجب بعد ذلك لاستمرار الحكم بالإسلام وعدم انقطاعه. فهناك ثمة فرق بين ثبوت عقد الإسلام وبين استمرار الحكم به وعدم انقطاعه، ففي الأول عند ثبوت عقد الإسلام نقبل الإجمال، وفي الثاني يحصل التفصيل النسبي وليس المطلق على ما بينا.

стр. 171

نواقض الالتزام بالتوحيد، ومتى يعتبر عارض الجهل سبق أن بينا أن الكاتب ذكر أركاناً ثلاثة في حد الإسلام التفصيلي: الحكم والنسك والولاية، فقال: إنه يقصد بركن الحكم: قبول شرع الله ورفض ما سواه، ومقصوده بالنسك: إفراد الله بالعبادة، ومقصوده بالولاء: موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين، فهذه هي أركان توحيد العبادة كما عرضها، وهي عنده حد الإسلام الذي لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، والذي يتوقف على استيفائه من البداية ثبوت عقد الإسلام. فما ذكره الكاتب في هذا الكلام ليس هو حد الإسلام الذي يتوقف على تحققه بادئ ذي بدئ ثبوت عقد الإسلام، فهذا حقيقة الإسلام التي يتوقف عليها بقاء الحكم بالإسلام. فما يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام هو الإقرار المجمل بتوحيد العبادة، والالتزام المجمل بتوحيد الألوهية، وهذا هو الذي تترجمه كلمة التوحيد، فمن أقر بذلك ظاهراً وباطناً فقد ثبت له عقد الإسلام. ثم تأتي بعد ذلك تفاصيل هذا الإجمال التي يتعلمها الناس تباعاً، ولا يتوقف الحكم بالإسلام على الإحاطة بها من البداية، ولكنها تشترط لبقاء الحكم بالإسلام واستمراره بعد ثبوته بالعقد المجمل، فهذا الإقرار المجمل هو الذي لا عذر فيه بالجهل، بمعنى: أن من لم يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﵌ بالرسالة فليس بمسلم كائناً ما كان. هذا ما عليه الأولون والآخرون من المسلمين. أما تفاصيل العبادة ومفرداتها، وتفاصيل الشرك وصوره؛ فذلك هو الذي أتى لبيانه الأنبياء، وكثير منه لا يعرف إلا من جهتهم، فليس هو مما يتوقف على معرفة ثبوت عقد الإسلام الأول، وإنما يجب على المكلف الإذعان لما عرفه منه، وقامت به عليه الحجة وإلا كان ناقضاً للالتزامه المجمل. نضرب مثالاً يوضح هذا الأمر: لو أن رجلاً التزم لملك من الملوك بأن يؤدي إليه حقه، وأن يدخل في طاعته، وقطع على نفسه موثقاً بذلك على جهة الإجمال أنه سيطيعه طاعة مطلقة، وينقاد لحكمه انقياداً مطلقاً، ويؤدي حقه تماماً، فهو بهذا الالتزام المجمل يدخل في عداد أوليائه وأتباعه، ولا يصدق على هذا الرجل أنه نقض موثقه، أو تخلفت عنه صفة ولائه لهذا الملك إلا إذا تعهد أن يؤدي ما علم أنه حق للملك إلى غيره، أو تعمد أن يرد عليه ما علم أنه من أمره، يعني: إذا تعمد ذلك قصداً وتركه إصراراً وتناقض -كما يقولون- بكل نيته، وتعمد أن يرد أمر الملك، أو أن يؤدي حق الملك إلى غيره، فهذا هنا يكون ناقضاً لهذا العهد، لكن إذا اشتبه عليه حق الملك بحق غيره في أمر من الأمور فأداه إلى غيره جهلاً أو خطأً فلا يصدق عليه أنه ناقض لموثقه عند من يعلم جهله وخطأه، كذلك أيضاً لو رد ما لا يعلم أنه من أمره؛ لأن مناط النقد وتخلف الولاء تعمد أداء ما علم أنه من حقه إلى غيره، وتعمد التمرد والرد لما علم أنه من أمره، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، هذه مجرد ضرب أمثال، ولا شك أن هناك فرقاً بين هذا الرجل الذي أخذ الميثاق بالانقياد المجمل للملك وأداء حقه وبين غيره، فإذا تعمد مخالفة ذلك فهو ناقض للميثاق، لكن إذا خالف ذلك جهلاً أو خطأً بغير قصد، فلا يحكم عليه بأنه ناقض لهذا الميثاق، فلابد من اعتبار عدة أشياء حينما نتكلم في هذه القضية. فأول هذه الأشياء: اعتبار عارض الجهل: فالناس يتفاوتون في العلم بتصور العبادة، ويتفاوتون في العلم بتفاصيل الشرائع تفاوتاً عظيماً، ولا ينقض أصل الدين إلا بما علم المكلف أنه ناقض له، ولا يمكن إهدار دلالة الالتزام المجمل بالإسلام ومقتضاها من ثبوت عقد الإسلام وعصمة الدماء والأموال والأعراض بإخلال جزئي تلبس به المكلف جاهلاً بحكمه مع عقد قلبه على الإقرار بالإسلام كله تصديقاً وانقياداً، والالتزام المجمل بعبادة الله وحده، فمثلاً: في باب النسك والعبادة قد يجهل المرء تكييف بعض الأعمال بأنها عبادة، ولا يجوز أن تصرف إلا لله، فيصرفها لغيره لا على أنها صورة من صور العبادة قد صرفها لغير الله، ولكن على أنها صورة من صور الحب للصالحين وتوقيرهم، مع انعقاد قلبه على أن العبادة لا تكون إلا لله، ولا يجوز صرفها لغيره بحال، فهذا بالنسبة للجهلة من العوام، فالشخص الذي لديه الالتزام المجمل بالإسلام، والإقرار المجمل بعبادة الله وحده، ولديه ما يميزه عن عبَّاد الأصنام في مكة الذين عارضوا الالتزام المجمل بالتوحيد فهو مسلم، ففرق بين شخص يعارض الالتزام المجمل بالتوحيد، والإقرار المجمل والانقياد المجمل بالطاعة، وبين شخص دخل وثبت له عقد الإسلام ثم حصل منه إخلال جزئي بحقوق التصديق أو الانقياد. فهؤلاء المشركون في مكة كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون، ويأنفون أن يقروا إقراراً مجملاً بالتوحيد وبالانقياد، فهم هم الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فيتعجبون من دعوة رسول الله ﵌ إلى التوحيد، ويقرون بأن العبادة تكون شركة بين الله وبين الأصنام، فيقرون بأنهم يعبدون الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ودينهم هو الشرك بالله ﵎، وعقيدتهم تعدد الآلهة وتوزيع العبادة بينها على تفاوت بينها في القدرة على النفع والضر والجدارة باستحقاق العبادة، فمن تلبس بشيء من الشرك جهلاً بأنه شرك، فما ما دينه؟ الجواب دينه الإسلام، وعقيدته المجملة الالتزام المجمل بعبادة الله ﵎ وحده، وما وقع فيه من مظاهر الشرك الذي يناقض هذه الحقيقة سببه أنه يلتبس في ذهنه ببعض الصور الأخرى المشروعة كالحب، وكالولاء والتوقير للصالحين ونحو ذلك. فلو سألت الوثني: لمَ تعبد الأصنام؟ لأقر بعبادتها، وقال: أعبد الأصنام لأنها تقربنا إلى الله زلفى. وأرجو الانتباه إلى أننا لا ندافع عن عبادة غير الله، ولا نقول: إن هذا شيء نرضى به ونقبله، بل هذا من أكبر المنكرات، ومن أعظم أسباب البلايا التي تصيب أمتنا، وفي الصميم من عقيدة التوحيد، وواجبنا هو تعليم هؤلاء الناس؛ لأن العارض الذي حال دون فهم حقيقة الإسلام هو الجهل، فالواجب هو أن نقوم بتعليمهم لا بتكفيرهم، فالواجب أن تزيل هذه الصفة القبيحة صفة الجهل التي وصلت ببعضهم إلى أنه جهل معاني أساسية من التوحيد فوقع في شيء من الشرك وهو لا يعلم أنها من الشرك، ولم يبلغه من النصوص ما تقوم عليه به الحجة بطريقة تدفع عنه كل شبهة بحيث يقر بأن هذا شرك، وتقوم عليه الحجة بذلك. وينعكس الأمر إذا سألت واحداً من المشركين: لماذا تعبد الأصنام؟ فإنه يقر أنه يعبد الأصنام؛ ويزعم أنها تقربه إلى الله زلفى، وإن سألت واحداً من عموم المسلمين الذين يتلبسون بشيء من شرك النسك جهلاً بأن هذا شرك: لمَ تعبد أصحاب القبور؟ أجاب على الفور: معاذ الله أن نعبد غير الله! ونطق على الفور: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذه طريقة الناس العوام، فإذا قلت لأحدهم: لماذا تعبد الحسين؟ لماذا تعبد البدوي؟ لماذا تعبد أبا العباس؟ فسيقول لك: لا إله إلا الله، نحن لا نعبدهم ولا نقصد ذلك، إنما هذه من محبة الصالحين، ومن كذا وكذا، ويلتمس مثل هذه التبريرات. فهذا الرجل الأخير لديه الالتزام المجمل بالإسلام، والإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المجملة من عبادة غير الله لديه من كل هذا ما يفرقه عن الوثني قبل البعثة، فإن ذلك الوثني انعقد قلبه على الرفض المجمل للتوحيد، والالتزام المجمل للشرك، وتوزيع العبادة بين الله والأصنام، فإهدار الالتزام المجمل بكلمتي التوحيد إنما هو لوجود خلل جزئي تلبس به صاحبه ذاهلاً أو جاهلاً عن معارضته لهذا الالتزام المجمل معتقداً اندفاقه منه، يعني: أنه يظن أن هذا من مقتضيات التوحيد، ومحبة الصالحين، وسرعان ما يحتج بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، وهو يعاديك ظناً منه أنك بهذا تعادي أولياء الله، مع أنه لا يحسن تطبيق الآية في موضعها، ويجهل أن هذا ينافي العقيدة، فهو يعتقد أن هذا الفعل الذي يفعله ينبثق وهو من لوازم محبة أولياء الله، وهذه أشياء تتوجب المراجعة والتأمل في موقفه حتى تقف على مكمن الداء، لكن في نفس الوقت نحن لا ننكر أن واقع الحال أن هناك طوائف من هؤلاء وصل بهم الحال إلى أنهم نقضوا حتى الالتزام المجمل بالخروج الصريح من الملة، وقد يكون بينهم من المنافقين والزنادقة خلق كثير، لكن نتكلم الآن عن الظاهرة العامة، والواضح الأغلب في عوام المسلمين كما قرر أهل العلم: عدم تكفير أهل الأهواء في الجملة، وإن كان هذا لا يمنع أن يوجد بينهم من هو منافق في الباطن وكافر على الحقيقة.

стр. 172

حكم الديمقراطية هذا فيما يتعلق بالنسك في باب الحكم، فقد تختلط بعض الطرق الحكمية الكفرية ببعض الطرق أو الصور الشرعية في حس بعض الجهلة والعوام، فيتحمسون لها ويدعون إليها؛ لا على أنها دعوة إلى تحكيم غير شريعة الله بل باعتبار أنها مما جاء بنظيره الإسلام، وقبل أن نتكلم عن موضوع الديمقراطية: هل ينكر أحد أنه يوجد خطباء مشهورون ومرموقون، ويشهد لهم بحب الإسلام، والبذل والتضحية في سبيله، ومع هذا يتكلمون على فضائل الديمقراطية ويطالبون بها؟! هذا واقع؛ فنحن نسمع ونرى خطباء من الناس الصالحين وأهل الخير -ولا يظن بهم إلا الخير- ومع ذلك -وللأسف ولوجود القصور في فهم حقائق التوحيد- يذكرون كلمة الديمقراطية على أنها الأمل العظيم للأمم، ويقولون: أين الديقراطية؟ هذه ليست ديمقراطية، نحن نطالب بالديمقراطية. فهذا يقع من خواص المسلمين نتيجة التباس الحق عليهم، فما بالك بالعوام؟! فصارت هذه الديمقراطية فتنة العصر، وهي مقياس المثالية في الحكم، ويتحمس في المطالبة بها كثير من المخلصين، وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون طريقة من طرق الحكم الكفرية لما تقوم عليه من جعل السيادة العليا المطلقة للأمة، وبدل ما كان يعبد إله واحد تعبد الأمة، فالشعب صار هو الإله، والشعب هو الذي يشرع، فليس إلهاً واحداً ولا اثنين، بل ملايين الناس يشرعون وتؤخذ أصواتهم، فإذا اتفقوا على أن الخمر حلال فهي حلال؛ لأن الشعب أراد ذلك، حتى قال أحد الهالكين عليه من الله ما يستحقه: نعم للدستور ولا للشريعة!! قالها بصراحة، فالديمقراطية حكم الشعب نفسه بنفسه، فالشعب هو المشرع، وهو الذي يحلل وهو الذي يحرم، والشعب له السيادة العليا، والقانون هو التعبير عن إرادة هذه الشعوب الحرة، فالأمة في ظل النظام الديمقراطي هي التي تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء، ففي الحقيقة صارت الأمة بهذا المعنى صنماً عصرياً لا تقل خطورته عن خطورة ما مضى من الأصنام، ولا تقل عبادته شركاً عن عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها، وما يقال عن الديمقراطية يقال عن الاشتراكية وغيرها من الطرق الحكمية الكفرية المعاصرة، فما من شك أننا نفرق في حسنا بين من يدعو إلى الطرق ويتحمس لها ممن ليس بمسلم، أو من لم يعرف عنه التزامه المجمل بتطبيق الشريعة، وبين أن يدعو لها بعض الإسلاميين الذين عرفوا بالتزامهم المجمل بالإسلام. ولو أننا طبقنا معيار كاتب كتاب (حد الإسلام) في استيفاء حقوق النسك والولاية والحكم، ولا نحكم على إنسان بالإسلام إلا بعد استيفاء هذه الحقوق، وطبقناها بغير تحفظ لحكمنا بكفر الجميع على الفور لتلبسهم بقبول غير منهج الله ﵎، والدعوة إلى جعل الحكم للأمة بدلاً من الإقرار به لله، وكل ذلك كفر صريح مناقض لما سماه هو حد الإسلام. فإن قال من يأخذ بهذا الكلام: إن هؤلاء لا يعلمون أن الديمقراطية دعوة إلى تحكيم غير شريعة الله؟ فالجواب أن نقول: ومثلهم أيضاً هؤلاء الذين يستغيثون بأصحاب القبور لا يعلمون أن ذلك توجيه للعبادة إلى غير الله، فإن كان الأولون يفهمون أن الديمقراطية هي الشورى، فإن الآخرين تلتبس عليهم، ويقولون: الإسلام دين الديمقراطية، ويأتون بالأدلة على الشورى، فقد اختلطت عليهم المفاهيم الأساسية، فهؤلاء الآخرين من القبوريين ونحوهم يفهمون أن الاستغاثة هي من جنس التعظيم المشروع للصالحين من عباد الله الذين أعطاهم الله ذلك بقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٣٤]، فيسيئ فهم الآية، ويظن أن الصالحين لهم ما يشاءون عند ربهم، وأن منهم هؤلاء المقبورين. فما ذكر عن الديمقراطية والاشتراكية مجرد أمثلة لما يقع أو لما يمكن أن يقع الناس فيه من جهل في باب الحكم، ويقاس عليه في ذلك غيره.

стр. 173

بيان أحكام العذر بالجهل في الولاية ونحوها أما في باب الموالاة: فقد يجهل بعض الناس أن هذه الصورة بعينها من الموالاة مما يخرج صاحبها من الملة؛ لأن مسمى الولاية لأعداء الله يقع على شعب متفاوتة تتفاوت من المعصية إلى الكفر، واختلاط هذه بتلك مما قد يلتبس على كثير من أهل العلم، فما بالك بالعامة وأشباه العامة؟ من ناحية أخرى قد يجهل الناس كفر هذا الذي يتولونه؛ لأن كفره لم يصل إلى حد معلوم بالضرورة من الدين، فيقعون في الموالاة له لا باعتبار أنه كافر، ولكن باعتباره من عصاة أهل القبلة الذين نواليهم لإسلامهم ونبغضهم لعصيانهم، ولقد وجد في أصحاب رسول الله ﵌ من كان يتولى عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق في المدينة جهلاً منهم بحاله، ووجد في تاريخ الإسلام من يتولى ابن عربي النكرة وغيره من أئمة الكفر جهلاً بحالهم، أو إحساناً للظن بهم، وفي هؤلاء من الفقهاء والعلماء عدد كبير من يدافع عن ابن عربي أو يحسن الظن به، أو يتأول له فيما نطق به من الأشياء الفظيعة، فمثلاً: القاسمي إمام من أئمة العلم ورجل له دوره في التجديد في دعوة الإسلام، ومع ذلك فهو ممن اعتذر وتلطف مع ابن عربي، وهكذا الإمام ابن حجر الهيتمي صاحب الزواجر، والإمام ابن عابدين الحنفي صاحب الحاشية المعروف، وغيرهم كثيرون، فالغالب في أخطاء العلماء أن مردها إلى التأويل، والغالب في أخطاء العامة أن مردها إلى الجهل. فالمقصود من هذا الكلام: أن نمهد السبيل لعذر العامة، فإن عذر الجهلة والعوام أولى من عذر الفقهاء والأعلام.

стр. 174

حجج القائلين بالعذر بالجهل وحجج مخالفيهم أيضاً: لعدم العذر بالجهل عند القائلين به في هذا المقام أحد مأخذين: المأخذ الأول: أن أصل الدين لا عذر فيه بالجهل؛ لأن للإسلام حداً لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه، فمن لم يأت به فهو كافر سواء كان كفره عناداً أم جهلاً. المأخذ الثاني: أن التقصير في التعلم يهدر الاحتجاج بالجهل، فحيث وجدت مظنة العلم وتهيأت أسبابه فلا عذر بالجهل، وحيث التبست الأمور أو فترت الشرائع تعين العذر لا محالة. فالمأخذ الأول: أن أصل الدين لا عذر فيه بالجهل؛ لأن حد الإسلام لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه. هذا هو الذي درج عليه الكاتب، ولهذا لا يفرق في أحكام الدنيا بين وجود مظنة العلم أو عدم وجودها، فحد الإسلام عنده معيار موضوعي بحت؛ إن وجد وجد الإسلام، وإن تخلف منه شيء تخلفت صفة الإسلام بصرف النظر عن حال صاحبه من علم أو جهل، وحال مجتمعه من وجود مظنة العلم أو عدم وجودها. فهذا المأخذ كما بينا من قبل مرفوض بلا نزاع عند التصديق التفصيلي لقضايا أصل الدين؛ لكنه مقبول فيما يتعلق بالإقرار المجمل بالإسلام، والالتزام المجمل بعبادة الله وحده لا شريك له. وبهذا الكلام تنكشف مغالطة من يزعم: بأن إقرار العذر بالجهل في قضايا أصل الدين سوف ينتهي بنا إلى عذر اليهود والنصارى والمجوس، فيقولون: أنتم تتمادون في العذر بالجهل، وسوف يصل بكم الأمر في النهاية إلى عذر اليهود والنصارى والمجوس، وأخذ بعضهم في وقت من الأوقات يتفكه ويتندر فيقول: الأخ كارتر والأخ بيجن والأخ كذا ويذكرون أسماء أناس من الطواغيت والكفار، فيقولون: هم على أساس هذا المنهج إخوة لنا وهم أيضاً معذورون، فهذا الكلام لا محل له؛ لأن هؤلاء الذين يذكرهم الأخ لم يثبت من أحد منهم الإقرار المجمل بالإسلام ولا الالتزام المجمل بالإسلام، فكيف نسويه بمن نطق الشهادتين، وأعلن أنه قابل من حيث الإجمال بتوحيد الألوهية، وقابل بتوحيد الطريق إلى الله وهو الشهادة بأن محمداً رسول الله ﵌، فهل يستويان؟ هل يستوي هذا مع هذا؟ شتان بينهما، فمن أتى بما يخالف توحيد العبادة أو توحيد الطريق الموصل إلى الله جهلاً بأن هذا يخالف، فواجبك نحوه أن تعلمه الحق، وترده إلى مقتضيات الإقرار المجمل والالتزام المجمل. إذاً: الجواب على هذه الشبهة التي هي: أن التمادي في قضية العذر بالجهل سوف يصل بنا إلى عذر اليهود والنصارى والمجوس والشيوعيين وغيرهم، الجواب أن الإقرار المجمل بالإسلام، والالتزام المجمل بالتوحيد لا عذر فيه بالجهل بالإجماع، فمن لم يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﵌ بالرسالة، ولم يبرأ على الجملة من كل دين يخالف دين الإسلام فهذا ليس بمسلم بلا نزاع، سواء كان كافراً جاهلاً أو كافراً معانداً، لكن الذي ثبت له عقد الإسلام يبحث عما إذا كان جاهلاً فلا يحكم عليه بالكفر حتى تقام عليه الحجة. فليس موضع النزاع في الإيمان المجمل، والتصديق المجمل، والإقرار المجمل بدين الإسلام والبراءة مما خالفه، وإنما النزاع في القضايا التفصيلية لأصل الدين كالدعاء، والنذر، والذبح، والتحاكم إلى شريعة الله وحده، فهذه بعد ثبوت عقد الإسلام بالإقرار المجمل به جملة وعلى الغيب يعذر فيها الجاهل ولا يصار إلى تكفيره بهذا التفريق بين الإجمال والتفصيل، فيسقط الاحتجاج بحال المشركين قبل البعثة، وأن كفرهم لم يتوقف على بيان أو إعذار، فقد خوطبوا من البداية بقوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، لأن هؤلاء قد نقضوا العقد الأول، وانعدم عندهم الالتزام المجمل بالحنيفية ودين إبراهيم ﵇. فالمشركون قبل البعثة لم يوجد لديهم الالتزام المجمل بالتوحيد، أو الإقرار المجمل بدين إبراهيم، بل كان دينهم الذي يدينون به هو تعدد الآلهة، وتوزيع العبادة بينها وبين الله ، وهذا هو دين آزر وليس هو دين إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، فأين هذا من المسلم الذي أقر إقراراً مجملاً بالإسلام وبالانقياد، وإذا قلت له: لماذا تعبد البدوي؟ لماذا تعبد الحسين؟ يقول: لا إله إلا الله أنا لا أعبدهم، الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، إلى آخر الحجج المحفوظة والواهية، والتي لا تسول له هذا الفعل، وهو منكر عظيم، ونحن لا نقر بهذا المنكر. فما من شك أن هناك فرقاً بين من قال الله في شأنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، ويقول : ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٤ - ٧] وبين من تلبس بشيء من الشرك من أهل القبلة، فهذا لا يجوز إهداره عند تحرير المسائل وتنقيح المناط، فقياس من دينه الإسلام، واعتقاده المجمل هو التوحيد، وإن خالف مقتضاه في بعض المسائل بجهل أو تأويل قياس مثل هذا على من يكفر بالتوحيد ويكذب المرسلين قياس مع الفارق، ولا يعرف من قال بمثله في تاريخ الأمة إلا الخوارج، فهذا فيما يتعلق بالمأخذ الأول للقائلين بعدم العذر بالجهل في هذه القضية. المأخذ الثاني: وهو أن التقصير في التعلم يهدر الاحتجاج بالجهل، فمتى وجدت مظنة العلم وتهيأت أسبابه فلا عذر بالجهل، وحيث التبست الأمور أو فترت الشرائع تعين العذر لا محالة. هذا الكلام في الجملة لا منازعة فيه، لكن لابد أن نفرق في هذا المأخذ بين قضايا الأصول وقضايا الفروع، ولا نهدر اعتبار اختلاف الأزمنة والأمكنة في تصديقه، فأبرز ما يميز هذا المأخذ: عدم التفريق بين القضايا على أساس الأصول والفروع، فينبغي في مسألة العلم وعدم مظنة العلم أو عدم وجودها أنه لا يحصل التفريق بين قضايا الدين على أساس الأصول والفروع، بل على أساس المعلوم من الدين بالضرورة وغيره، أو علم العامة وعلم الخاصة، فالمعلوم من الدين بالضرورة أو علم العامة لا يتعلق بالأصول فحسب، وإنما يتعلق بالأصول والفروع على حد سواء، فمثلاً: من المعلوم من الدين بالضرورة: وجوب الأركان الخمسة في الإسلام، فلا يتصور أبداً أي مسلم يجهل أن الصلاة ركن من أركان الإسلام. وهكذا تحريم أمهات الفواحش من الزنا وشرب الخمر، هذا من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وهذا من الفروع، أيضاً الإيمان المجمل بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر من المعلوم من الدين بالضرورة عند المسلمين، كما أن علم الخاصة أو ما سوى المعلوم من الدين بالضرورة لا يتعلق بالفروع فحسب، بل منه ما هو من الفروع، ككثير من أحكام الطلاق والفرائض وغيرها، ومنه ما يتعلق بالأصول ككثير من مسائل الصفات وأحوال الآخرة. أيضاً: يحصل في هذا الأمر اختلاف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فالمعلوم بالضرورة في نطاق العلماء يختلف عما هو كذلك في نطاق العوام وأشباه العوام، فالمعلوم بالضرورة في دائرة العلماء قد يختلف عما هو معلوم بالضرورة عند العوام أو أشباه العوام. المعلوم بالضرورة في زمان تمكين الدين وقيادة الربانيين يختلف حالة عن المعلوم بالضرورة في أزمنة غربة الدين وقيادة المفسدين وفتور الشرائع، والآن العلماء قائمون بتعليم الناس أركان التوحيد وحدود التوحيد وحقوق العبادة إلى آخر هذه الأشياء، وهناك تفاوت بين بلد وآخر يقوم فيه علماء السوء بتزيين الباطل وخلطه على الناس بلبوس الحق، والدفاع حتى عن مثل هذه الشركيات التي تنافي أصل الدين. فالمعلوم بالضرورة في دار الإسلام وفي مواقع العلم والعلماء يختلف بالضرورة عن المعلوم بالضرورة في دار الحرب أو البوادي المنعزلة، فعندما نقرر: أنه عند التصديق التفصيلي لقضايا أصل الدين لابد من اعتبار عارض الجهل؛ فإننا لا نقرر ذلك خطة ثابتة مطردة في جميع هذه القضايا، وفي جميع الأشخاص، وفي كافة الأزمنة والأمكنة، وإنما نقرر فقط أن يؤخذ هذا العارض في الاعتبار، فمن كان لاحتمال جهله وجه عذر، ومن لم يكن كذلك لم يعذر، وإنما الذي ينبغي أن نرده بلا تردد هو المأخذ الأول لهذه القضية، وهو الخلط بين الإجمال والتفصيل في قضية أصل الدين، واعتبار كافة المسائل التفصيلية في توحيد العبادة مما لا يثبت عقد الإسلام بادئ ذي بدء إلا باستيفائه، ولا يعذر أحد بجهله، وقد فصلنا الكلام في هذا عند مناقشة المأخذ الأول، هذا فيما يتعلق باعتبار الجهل، ويبقى الكلام في اعتبار التأويل والإكراه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 175

الإيمان والكفر [١٥] جرى علماء الإسلام في أحكامهم العامة على الناس بما يظهر لهم، ولم يخصوا معيناً بكفر أو فسق أو ظلم إلا بعد أن يجتمع فيه الشروط وتنتفي الموانع، ويعتبر عارض الجهل أحد أهم هذه الموانع، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن العوارض الصارفة أيضاً للحكم بالكفر أو الفسق: عارض التأويل السائغ.

стр. 176

اعتبار عارض التأويل في التكفير تقدم كلام صاحب كتاب (حد الإسلام) التفصيلي في تقريره لما أسماه بـ: حد الإسلام، والذي ذهب إلى أنه يتكون من ثلاثة أركان: الحكم، والولاية، والنسك، وأن مقصوده بركن الحكم: قبول شرع الله ورفض ما عداه، ومقصوده بالنسك: إفراد الله بالعبادة، ومقصوده بالولاية: موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين. هذا هو ما أسماه بـ: حد الإسلام، والذي لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، والذي يتوقف على استيفائه منذ البداية ثبوت عقد الإسلام، وصححنا هذا الكلام على أساس أن الذي ذكره ليس هو حد الإسلام الذي يتوقف على تحققه بادئ ذي بدء ثبوت عقد الإسلام، وإنما هذه هي حقيقة الإسلام الذي يتوقف عليها بقاء الحكم بالإسلام. أما ما يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام فهو الإقرار المجمل بتوحيد العبادة، والالتزام المجمل بتوحيد الألوهية، وهو الذي يكفي في التعبير عنه كلمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فمن أقر بالشهادتين ظاهراً وباطناً فقد ثبت له عقد الإسلام، ثم تأتي بعد ذلك تفاصيل هذا الإجمال، وتعلمه الناس تباعاً، ولا يتوقف الحكم بالإسلام على الإحاطة بها منذ البداية، لكنها تشترط لبقاء الحكم بالإسلام واستمراره بعد ثبوت العقد المجمل. وذكرنا أن هذا الإقرار المجمل هو الذي لا عذر فيه بالجهل، فكل من لم يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فليس بمسلم مهما كان مآله في الآخرة. أما تفاصيل ومفردات العبادة، وتفاصيل الشرك وصوره؛ فهذا الذي أتى ببيانه الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالإنسان ملتزم إزاء النبي ﷺ أن يقر إقراراً مجملاً بتوحيد الألوهية، وإقراراً مجملاً بالعزم على الالتزام بما يشرعه النبي ﵌، وما يبلغه من هذه الشرائع، ثم إذا أردنا الحكم على الإنسان فيجب أن نضع في اعتبارنا أولاً: عامل الجهل، وناقشنا هذا الكلام بشيء من التفصيل، أما العامل الثاني بعد عامل الجهل الذي ينبغي أن نراعيه فهو: اعتبار التأويل. حينما نطبق تفصيلياً قضايا التبديع والتكفير في مجال الحكم على معين من الناس يجب أن نراعي قضية التأويل، ففي مجال النسك مثلاً لابد أن نفرق بين من يجترءون على الوقوع في الشرك بغير تأويل ولا شبهة، وبين من يتلبسون بشيء من ذلك تعلقاً بتأويل الكاتب، أو انطلاقاً من شبهة عارضة مع استمساكهم بعقد الإسلام، وإيمانهم ظاهراً وباطناً بالله ورسوله ﷺ ، وأن الجهل قد يكون عذراً كما ذكرنا في بعض الأحوال، فكذلك التأويل قد يكون عذراً، وقد أجمع علماء المسلمين على أن الذي يتأول لا يكفر، وقد يأثم لقوله على الله بغير علم، لكنه لا يكفر؛ لأن هناك فرق بين المتأول وبين المكذب تكذيباً صريحاً، وحينما نضرب الأمثلة التي نذكرها في قضية التأويل أو قضية الإكراه فليس المقصود هو الدفاع عن هذه التأويلات، فنحن لا نشك أن هذه التأويلات كاذبة، لكن نحن ننظر إليها من جهة أخرى، وهي: أن هذا التأويل يعتبر عذراً لقائله، أو عذراً للآخذ به من حيث منع تكفيره بعينه، لا من حيث الاعتراض على فساد هذا التأويل منذ البداية.

стр. 177

أمثلة لاعتبار عارض الجهل نذكر مثالاً من الأمثلة:

стр. 178

دعاء غير الله إن دعاء غير الله والتوجه إلى غير الله بطلب الحاجات هو أعظم ما يقع فيه القبوريون من الشرك، لنرى ما عند هؤلاء القوم، أو نذكر نموذجاً مما يعتمدون عليه من الشبه والتأويلات التي تزين لهم هذا المنكر الأكبر، فالإنسان إذا استوعب وجهة نظر مخالفه، واطلع على فسادها؛ أمكنه تحديد موضع الداء وتشخيص الدواء والعلاج الصحيح له، فهناك كثير من الشبه التي يتلبس بها هؤلاء القبوريون فيما يقترفون من الشرك، ولا نشك في أن هذه شرك أكبر، فدعاء غير الله أو سؤال غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله لا شك أن هذا هو الشرك، ولا شك أيضاً أن بعضها أغلظ من بعض، وهؤلاء الذين يدعون الموتى أو الأولياء أو الصالحين المدفونين في قبورهم، هؤلاء يقولون: إننا نعتقد أن هؤلاء الصالحين هم في الحقيقة أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون ويسمعون، ومن أجل ذلك يعتمدون على تفسير بعض النصوص التي تثبت سماع الأموات لكلام الأحياء، وهذا خلاف معروف بين العلماء يذكره علماء التفسير في تفسير قوله ﵎ في سورة النمل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨٠ - ٨١]. فيستدل الفريق هنا بما فيه خلاف بين المفسرين، فبعضهم يثبت أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، ويستدلون بأن النبي ﷺ كان إذا زار المقابر قال: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين)، ويخاطبهم بصيغة المخاطب، ويستدلون بقول النبي ﵌ لأهل قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وذلك حينما خاطبهم فقيل له: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا، حتى إن بعض علماء السنة يذهب ويجنح إلى هذا، كالإمام الحافظ ابن قيم الجوزية في كتابه الروح، ومن المعاصرين: العلامة القرآني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ حيث فصل هذا البحث، ورجح أن الموتى يسمعون كلام الأحياء ويحسون بهم، وربما اعتمد بعض المصنفين على بعض المنامات والحكايات في هذا الباب، وهذا كخلاف فقهي ليس له هذه الحاسية الخطيرة، لكن الخطر هو في أن بعض الصوفية يأخذون من هذا الخلاف منطلقاً إلى الغلو في الصالحين ودعائهم من غير الله ، ومن هنا يقعون في هذه الشبهة، ولعل من الكتب القيمة جداً التي حققت هذه المسألة: (الآيات البينات في حكم سماع الأموات) تأليف الشيخ نعمان الألوسي وهو ابن محمود الألوسي المفسر الكبير، صاحب كتاب: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وهو كتاب قيم بتحقيق وتعليق الشيخ: ناصر الدين الألباني يرحمه الله، فليراجعه من شاء. على أي الأحوال: فأول ما يعتمد عليه هؤلاء الذين يقعون في هذا الشرك من دعاء غير الله : أن الصالحين أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون، وأنهم يسمعون، ويقولون: إن دعاءنا الميت ليس أننا نطلب الميت نفسه لكننا نطلب دعاءه، ونطلب منه أن يشفع لنا إلى الله ، وبناءاً على هاتين المقدمتين: أن الأموات أو الصالحين في قبورهم أحياء ليسوا بموتى، وأنهم لا يدعون الميت نفسه، لكن يطلبون منه أن يدعو لهم الله ، وطلب الدعاء من الشخص الحي جائز بلا نزاع، فقالوا: لا وجه للتفريق بين الحياة في الدنيا والحياة في البرزخ! وهذا كلام فيه فساد كبير، وإذا قلت لهم: لكنكم تتوجهون بالطلب إلى الميت مباشرة، وهذه هي حقيقة دعاء غير الله ، قالوا: الشخص الذي يفعل هذا مخطئ في التعبير، يريد وساطة الميت أو شفاعته بالدعاء كما يشفع الحي من الناس إلى أخيه بالدعاء الصالح له، فهذا خطأ ينبه عليه من يفعله؛ لأن المقصود من الميت هو مجرد الدعاء والشفاعة إلى الله، ويقولون: نحن نجزم أن الميت لا يقدر بنفسه على شيء من النفع والضر، ولا التصرف في شيء من دون الله، والواسطة الشركية هي التي يعتقد مشاركتها في التأثير بالرزق، أو الخلق، أو الإحياء، أو الإماتة، لا التي يستشفع بها ويطلب منها الدعاء. أيضاً قالوا: قد يأتي الاستشفاع بالشخص في صورة الطلب المباشر منه، فيكون من باب نسبة الشيء إلى سببه، ولذلك نظائره في السنة الشريفة، وهذا كله محاولة للهروب من حقيقة هذا المنكر بضروب من التأويلات المختلفة. ومما يلبسون به على الناس ويستدلون به في هذا المقام: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ -وهو من أهل الصُفَّة ﵁ قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سلني؟ -يعني: أراد النبي ﵊ أن يجازيه على هذه الخدمة التي يخدمها إياه- فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود)، قالوا فهذا ربيعة يسأل رسول الله ﵌ مرافقته في الجنة، وكان هذا جواباً منه عن قوله ﷺ : سلني؟ ومعلوم أن الجنة والنار بيد الله ، وأن دور رسول الله ﵌ هو مجرد الشفاعة والدعاء، وما من شك أن ربيعة كان يعلم ذلك، فجاء طلب الشفاعة في صورة طلب المقصود من الرسول ﷺ ، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، بل قال له: فأعني على نفسك بكثرة السجود. فالمقصود: ماذا تريد أن أدعو الله لك به؟ والقياس هنا هو قياس مع الفارق؛ فهناك فرق بين الحياة البرزخية وبين الأحياء على الحقيقة في هذه الدنيا، فهم يقولون: يرجع الأمر النهائي إلى التوسل، والتوسل موضع نظر، وقد أجازه كثير من أئمة العلم، والمقصود من الكلام في هذا السياق: بيان ما يعتمد عليه القوم من الشبه والتأويلات في استجازة ما يدعون به من البدع والخرافات، فمع الجزم بأن هذه الشبه متهافتة، وأن هذا التأويل فاسد وباطل، لكن لا يسعنا إلا أن نسلك القوم في عداد المبتدعة مع وجود هذه الشبهات، خاصة إذا كانوا من العوام البسطاء الذين يلبس عليهم بالآيات وبالأحاديث بعد تحريفها عن معانيها، فلا نتردد في أن نسلكهم في مسلك المبتدعة المنحرفين، لكن نتردد أطول ونتوقف كثيراً كثيراً قبل تكفير شخص معين منهم ينحو هذا المنحى بمثل هذا التأويل، فهذا النوع من التأويل نثبت عليه الأمر من باب الالتزام بطاعة الله وطاعة رسول الله ﵌، وأن ما يفعله ليس منافياًَ للتوحيد الذي أقر به في كلمة الشهادة، فمثل هذه الأدلة التي تجدونها في كتب بعض الصوفية، وما كتب الغماري منكم ببعيد، وأنت إذا طالعت كتب أغلب العائلة الغمارية سواء أبو الفيض أو أبو الفضل تجد كثيراً من الشبهات التي يدافعون بها عن مثل هذه الضلالات بشتى التأويلات والتمحلات.

стр. 179

عدم تكفير السلف للضالين بسبب الشبهات إذا كان السلف قد عذروا الجهمية والمعتزلة رغم ما ذهبوا إليه من تعطيل صفات الله ، وعذروا من أنكر الشفاعة، وليس المعنى أنهم لم يؤثموا ولم يبدعوا ولم يفسقوا، لكن المعنى: لم يكفروهم بأعيانهم؛ لأجل شبهة التأويل التي وقعوا فيها؛ فالخوارج مثلاً: أنكروا شفاعة النبي ﵌ في أصحاب الكبائر، وأنكروا أيضاً كثيراً من أحوال الآخرة، والمعتزلة أنكروا رؤية الله ﵎ في الآخرة، فالسلف عذروا أهل الأهواء في الجملة فلم يكفروهم بأعيانهم، فإذا صلح التأويل عذراًَ مع اثنتين وسبعين فرقة من ضُلاّل هذه الأمة فينبغي ألا يتخلف هذا العذر مع هؤلاء الصوفية الجهال، خاصةً العوام منهم الذين لا علم عندهم، وإنما يلبس عليهم بمثل هذه الشبهات وهذه التأويلات الفاسدة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها -ولو دعا الناس إليها- كافراً في الباطن إلا إذا كان منافقاً، فأما من كان في قلبه إيمان بالرسول ﷺ وما جاء به وقد غلط في بيان بعض ما تأوله من البدع؛ فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ونحن إذا طالعنا الأحاديث التي وردت في الخوارج، وكيف تنبأ النبي ﵌ بخروجهم حينما قال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)، وقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقوله: (اقتلوهم فإن في قتلهم ثواباً أو أجراً لمن قتلهم). وهكذا أمر ﵊ بمقاتلة الخوارج، وبالفعل وقع ذلك من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ومع ما كانوا عليه من الاجتهاد في العبادة، وكانوا من أظهر الناس بدعة بنص أحاديث رسول الله ﵌، وأشد الناس قتالاً للمسلمين كما جاء في صفاتهم في بعض الأحاديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، ووصفهم أيضاً بأنهم: (سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان)، أي: شباب طائش حديث السن، وبنفس الوقت سفهاء العقول والأحلام والنُهى، ووصفهم بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، هذه سنتهم وطريقتهم في كل زمان، حتى الخوارج المعاصرون اليوم تجدهم مع اليهود مع النصارى والفساق في منتهى الرقة والأدب والتلطف والبشاشة، وتجد الواحد منهم مع المسلمين -وبالذات الملتزمين بدينهم منهم- فضاً غليظ القلب، ومن جرب حالهم وسبر أغوارهم فإنه يعرف هذا الأمر منهم، وقد رأينا هذا منهم كثيراً، فهذه صفتهم، وكانوا أشد الناس قتالاً للأمة، وتكفيراً لها، ولم يكن من الصحابة من يكفرهم رضي الله ﵎ عنهم مع كل هذا، لا علي بن أبي طالب ﵁ -وهو الذي قاتلهم بنفسه- ولا غيره، مع ما يفعلونه من الفساد في الأرض، وقتل أولياء الله الصالحين، وسئل علي ﵁ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. يقول شيخ الإسلام: بل حكموا -أي: السلف- فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقاً فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقاً -بل كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن- لم يكن كافراً في الباطن وإن أخطأ في التأويل، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة منهم، كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل وخالف إجماع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات. هذا في النموذج ذكرناه فيما يتعلق بالتأويل في قضية العبادة ودعاء غير الله، وما يتذرع به القوم من الشبهات في باب الحكم.

стр. 180

اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين يجب أيضاً اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين من الناس، إذ هناك فرق بين المسلك الذي ينبغي أن نسلكه عند دعوة الناس إلى الدين، والمسلك الذي نسلكه عند معاملة أعيان الناس وآحادهم عندما نأتي إلى نصوص الوعيد، مثل: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر)، وغير ذلك من النصوص التي فيها تكفير تارك الصلاة، فأنت في بيان الدعوة يجب أن تترك النصوص كما هي؛ لكي تعمل مفعولها في ترهيب الناس من ترك الصلاة، لكن لا يناسب أن تأتي للناس وتخبرهم أن تارك الصلاة مسلم عاصٍ، إلا في مجال طلبة العلم وبيان الحق إذا ظهر، لكن في مجال الدعوة ينبغي أن تتكلم بعموم النصوص. مثلاً: قضية الحكم بغير ما أنزل الله ﵎، قد تبين أن نوع هذا الفعل والإعراض عنه على أقسام؛ فمنه ما هو كفر أكبر، ومنه ما هو معصية، ومنه ما يكون خطأً معفواً عنه، فمثلاً: الحاكم الذي يرفض أصلاً التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وتطبيق شريعة الإسلام؛ اعتقاداً منه بأن القوانين الغربية أو الوضعية أفضل من القوانين والشرائع الإلهية، فهذا كافر، أو حاكم آخر يحكم بغير ما أنزل الله، وهو معرض عن شريعة الله، معتقد أن شريعة الله هي مثل القوانين الوضعية سواءً بسواء! فهذا أيضاً كافر. لكن هناك شخص يحكم بغير ما أنزل الله في قضية من القضايا، وهو يعرف حكم الله فيها، ويقر به، ويؤمن بقلبه أن هذا حكم الله، لكنه يعرض عن تطبيق حكم الله نتيجة هوى في نفسه أو محسوبية أو رشوة أو هوى أو أي مقصد من المقاصد الدنيوية، فهذا فسق ومعصية، وكفر دون كفر، كما قال بعض السلف. وقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله صدر من عند الإمام المجتهد وظن أن هذا حكم الله بعدما بذل وسعه في الاجتهاد؛ ثم تبين أن حكم الله يخالف ما ذهب إليه هذا المجتهد، فهذا بنص الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، فيعفى عن خطئه. فعدم موافقة حكم الله له أسباب شتى، والحكم بغير ما أنزل الله شعب متفاوتة، ليست كلها على درجة واحدة، تبدأ هذه الشعب من الاجتهاد الخطأ المعفو عنه، وتنتهي إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة، وبعض هذه الصور قد يلتبس ببعض، والتفريق بين المناط المكفر والمناط غير المكفر مما يحتاج إلى علم وفقه، ولا تزال بعض صور هذا الأمر موضع الجدل بين علماء هذا الزمان، فكيف بعامة الناس أو أشباه العامة؟ فكيف بعد هذا الكلام يأتي من يقول: إن التكفير بكل هذه الأشياء كلها على مرتبة واحدة ما دامت متعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله؟! فإن تكفير هؤلاء من أصل الدين لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، وأنه لا عذر فيه بجهل ولا بتأويل؟! والبعض يجعل من ذلك معياراً في حكمه على العامة من الناس، والسلسلة التي يتدرج الشيطان بها مع هؤلاء الجرآء على حدود الله معروفة، فقد يتفاوتون، فالبعض يكفر مثلاً الجهاز التنفيذي الجهاز التشريعي الجهاز القضائي، ويقف عند هذا الحد، وبعضهم يقف عند أشخاص بأعيانهم، وبعضهم ينزل مثلاً فيقول: البوليس والجيش من رتبة رائد فما فوق كافر، وما تحته لا يكفر! ويتدرج الأمر فيقول: المشارك في أي هيئة من هيئات الدولة يعد كافراً، وبعضهم يصنف تصنيفاً والآخر يخالفه، فربما كفروا من يعمل موظفاً في الحكومة، وربما يتدرج الآخر إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول: إن كل من يعيش في هذه البلد كفار؛ لأن هذه ديار كفر!! وهذه القضية لها حساسية خطيرة جداً؛ لأن بعض الشباب أحداث الأسنان، وقد يكون أحدهم حديثاً جداً على قضية الالتزام والدين، وربما ما زال يتعلم كيف يصحح طهارته وصلاته، ثم إذا به في اليوم الثاني مباشرة يتكلم ويسأل: هل هي دار إسلام أم دار كفر؟! ويعمد إلى بعض الكتب، ويطبق أحكام أهل الكفر على هذه البلاد، إذاً لا تجب فيه صلاة الجمعة؛ لأن الأصل في أهلها أنهم كفار، وربما وصل به الأمر إلى استحلال الدماء والأعراض، إلى آخر تلك المآسي التي نحفظها، والحقيقة أن القضية ليست بهذه السهولة، وربما من كان بهذه المثابة وما زال يحبوا في أولى خطوات طلب العلم، ويقفز مباشرة إلى مثل هذه القضايا الحساسة والخطيرة وذات الآثار البعيدة، ربما كانت هذه من علامات عدم الإفلاح، فمتى ما فتح عينه على الضلالات والبدعة والجرأة على حدود الله بهذه الطريقة فإنه سوف يصل به الأمر إلى أنه يستحل الحرمات، ويكفر عموم الناس، ويكون لإخوانه الملتزمين بدينهم النصيب الأوفى من التكفير والعدوان واستحلال الحرمات، فلذلك ندعو الإخوة للصبر معنا على هذه السلسلة، لكن الصبر عليها وإن كانت قد تكون قاسية، أو نكون أحوج إلى رقائق أو آداب شرعية أو ما هو أعظم نفعاً، لكن الإنسان إذا عاش في مجتمع أو في زمان لاسيما في مثل هذه الضلالات فيجب عليه أن يتعلم ما يدفع به هذه الشبهات ليردها ويعتصم بالله ﵎ منها، فندعو الإخوة للصبر علينا حتى نعطي هذا الموضوع حقه ونوفيه قدره.
следующие страницы →