Полный текст (386 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
اعتبار عارض التأويل في التكفير
تقدم كلام صاحب كتاب (حد الإسلام) التفصيلي في تقريره لما أسماه بـ: حد الإسلام، والذي ذهب إلى أنه يتكون من ثلاثة أركان: الحكم، والولاية، والنسك، وأن مقصوده بركن الحكم: قبول شرع الله ورفض ما عداه، ومقصوده بالنسك: إفراد الله بالعبادة، ومقصوده بالولاية: موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين.
هذا هو ما أسماه بـ: حد الإسلام، والذي لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، والذي يتوقف على استيفائه منذ البداية ثبوت عقد الإسلام، وصححنا هذا الكلام على أساس أن الذي ذكره ليس هو حد الإسلام الذي يتوقف على تحققه بادئ ذي بدء ثبوت عقد الإسلام، وإنما هذه هي حقيقة الإسلام الذي يتوقف عليها بقاء الحكم بالإسلام.
أما ما يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام فهو الإقرار المجمل بتوحيد العبادة، والالتزام المجمل بتوحيد الألوهية، وهو الذي يكفي في التعبير عنه كلمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فمن أقر بالشهادتين ظاهراً وباطناً فقد ثبت له عقد الإسلام، ثم تأتي بعد ذلك تفاصيل هذا الإجمال، وتعلمه الناس تباعاً، ولا يتوقف الحكم بالإسلام على الإحاطة بها منذ البداية، لكنها تشترط لبقاء الحكم بالإسلام واستمراره بعد ثبوت العقد المجمل.
وذكرنا أن هذا الإقرار المجمل هو الذي لا عذر فيه بالجهل، فكل من لم يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فليس بمسلم مهما كان مآله في الآخرة.
أما تفاصيل ومفردات العبادة، وتفاصيل الشرك وصوره؛ فهذا الذي أتى ببيانه الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالإنسان ملتزم إزاء النبي ﷺ أن يقر إقراراً مجملاً بتوحيد الألوهية، وإقراراً مجملاً بالعزم على الالتزام بما يشرعه النبي ﵌، وما يبلغه من هذه الشرائع، ثم إذا أردنا الحكم على الإنسان فيجب أن نضع في اعتبارنا أولاً: عامل الجهل، وناقشنا هذا الكلام بشيء من التفصيل، أما العامل الثاني بعد عامل الجهل الذي ينبغي أن نراعيه فهو: اعتبار التأويل.
حينما نطبق تفصيلياً قضايا التبديع والتكفير في مجال الحكم على معين من الناس يجب أن نراعي قضية التأويل، ففي مجال النسك مثلاً لابد أن نفرق بين من يجترءون على الوقوع في الشرك بغير تأويل ولا شبهة، وبين من يتلبسون بشيء من ذلك تعلقاً بتأويل الكاتب، أو انطلاقاً من شبهة عارضة مع استمساكهم بعقد الإسلام، وإيمانهم ظاهراً وباطناً بالله ورسوله ﷺ ، وأن الجهل قد يكون عذراً كما ذكرنا في بعض الأحوال، فكذلك التأويل قد يكون عذراً، وقد أجمع علماء المسلمين على أن الذي يتأول لا يكفر، وقد يأثم لقوله على الله بغير علم، لكنه لا يكفر؛ لأن هناك فرق بين المتأول وبين المكذب تكذيباً صريحاً، وحينما نضرب الأمثلة التي نذكرها في قضية التأويل أو قضية الإكراه فليس المقصود هو الدفاع عن هذه التأويلات، فنحن لا نشك أن هذه التأويلات كاذبة، لكن نحن ننظر إليها من جهة أخرى، وهي: أن هذا التأويل يعتبر عذراً لقائله، أو عذراً للآخذ به من حيث منع تكفيره بعينه، لا من حيث الاعتراض على فساد هذا التأويل منذ البداية.
стр. 177
أمثلة لاعتبار عارض الجهل
نذكر مثالاً من الأمثلة:
стр. 178
دعاء غير الله
إن دعاء غير الله والتوجه إلى غير الله بطلب الحاجات هو أعظم ما يقع فيه القبوريون من الشرك، لنرى ما عند هؤلاء القوم، أو نذكر نموذجاً مما يعتمدون عليه من الشبه والتأويلات التي تزين لهم هذا المنكر الأكبر، فالإنسان إذا استوعب وجهة نظر مخالفه، واطلع على فسادها؛ أمكنه تحديد موضع الداء وتشخيص الدواء والعلاج الصحيح له، فهناك كثير من الشبه التي يتلبس بها هؤلاء القبوريون فيما يقترفون من الشرك، ولا نشك في أن هذه شرك أكبر، فدعاء غير الله أو سؤال غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله لا شك أن هذا هو الشرك، ولا شك أيضاً أن بعضها أغلظ من بعض، وهؤلاء الذين يدعون الموتى أو الأولياء أو الصالحين المدفونين في قبورهم، هؤلاء يقولون: إننا نعتقد أن هؤلاء الصالحين هم في الحقيقة أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون ويسمعون، ومن أجل ذلك يعتمدون على تفسير بعض النصوص التي تثبت سماع الأموات لكلام الأحياء، وهذا خلاف معروف بين العلماء يذكره علماء التفسير في تفسير قوله ﵎ في سورة النمل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨٠ - ٨١].
فيستدل الفريق هنا بما فيه خلاف بين المفسرين، فبعضهم يثبت أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، ويستدلون بأن النبي ﷺ كان إذا زار المقابر قال: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين)، ويخاطبهم بصيغة المخاطب، ويستدلون بقول النبي ﵌ لأهل قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وذلك حينما خاطبهم فقيل له: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا، حتى إن بعض علماء السنة يذهب ويجنح إلى هذا، كالإمام الحافظ ابن قيم الجوزية في كتابه الروح، ومن المعاصرين: العلامة القرآني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ حيث فصل هذا البحث، ورجح أن الموتى يسمعون كلام الأحياء ويحسون بهم، وربما اعتمد بعض المصنفين على بعض المنامات والحكايات في هذا الباب، وهذا كخلاف فقهي ليس له هذه الحاسية الخطيرة، لكن الخطر هو في أن بعض الصوفية يأخذون من هذا الخلاف منطلقاً إلى الغلو في الصالحين ودعائهم من غير الله ، ومن هنا يقعون في هذه الشبهة، ولعل من الكتب القيمة جداً التي حققت هذه المسألة: (الآيات البينات في حكم سماع الأموات) تأليف الشيخ نعمان الألوسي وهو ابن محمود الألوسي المفسر الكبير، صاحب كتاب: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وهو كتاب قيم بتحقيق وتعليق الشيخ: ناصر الدين الألباني يرحمه الله، فليراجعه من شاء.
على أي الأحوال: فأول ما يعتمد عليه هؤلاء الذين يقعون في هذا الشرك من دعاء غير الله : أن الصالحين أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون، وأنهم يسمعون، ويقولون: إن دعاءنا الميت ليس أننا نطلب الميت نفسه لكننا نطلب دعاءه، ونطلب منه أن يشفع لنا إلى الله ، وبناءاً على هاتين المقدمتين: أن الأموات أو الصالحين في قبورهم أحياء ليسوا بموتى، وأنهم لا يدعون الميت نفسه، لكن يطلبون منه أن يدعو لهم الله ، وطلب الدعاء من الشخص الحي جائز بلا نزاع، فقالوا: لا وجه للتفريق بين الحياة في الدنيا والحياة في البرزخ! وهذا كلام فيه فساد كبير، وإذا قلت لهم: لكنكم تتوجهون بالطلب إلى الميت مباشرة، وهذه هي حقيقة دعاء غير الله ، قالوا: الشخص الذي يفعل هذا مخطئ في التعبير، يريد وساطة الميت أو شفاعته بالدعاء كما يشفع الحي من الناس إلى أخيه بالدعاء الصالح له، فهذا خطأ ينبه عليه من يفعله؛ لأن المقصود من الميت هو مجرد الدعاء والشفاعة إلى الله، ويقولون: نحن نجزم أن الميت لا يقدر بنفسه على شيء من النفع والضر، ولا التصرف في شيء من دون الله، والواسطة الشركية هي التي يعتقد مشاركتها في التأثير بالرزق، أو الخلق، أو الإحياء، أو الإماتة، لا التي يستشفع بها ويطلب منها الدعاء.
أيضاً قالوا: قد يأتي الاستشفاع بالشخص في صورة الطلب المباشر منه، فيكون من باب نسبة الشيء إلى سببه، ولذلك نظائره في السنة الشريفة، وهذا كله محاولة للهروب من حقيقة هذا المنكر بضروب من التأويلات المختلفة.
ومما يلبسون به على الناس ويستدلون به في هذا المقام: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ -وهو من أهل الصُفَّة ﵁ قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سلني؟ -يعني: أراد النبي ﵊ أن يجازيه على هذه الخدمة التي يخدمها إياه- فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود)، قالوا فهذا ربيعة يسأل رسول الله ﵌ مرافقته في الجنة، وكان هذا جواباً منه عن قوله ﷺ : سلني؟ ومعلوم أن الجنة والنار بيد الله ، وأن دور رسول الله ﵌ هو مجرد الشفاعة والدعاء، وما من شك أن ربيعة كان يعلم ذلك، فجاء طلب الشفاعة في صورة طلب المقصود من الرسول ﷺ ، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، بل قال له: فأعني على نفسك بكثرة السجود.
فالمقصود: ماذا تريد أن أدعو الله لك به؟ والقياس هنا هو قياس مع الفارق؛ فهناك فرق بين الحياة البرزخية وبين الأحياء على الحقيقة في هذه الدنيا، فهم يقولون: يرجع الأمر النهائي إلى التوسل، والتوسل موضع نظر، وقد أجازه كثير من أئمة العلم، والمقصود من الكلام في هذا السياق: بيان ما يعتمد عليه القوم من الشبه والتأويلات في استجازة ما يدعون به من البدع والخرافات، فمع الجزم بأن هذه الشبه متهافتة، وأن هذا التأويل فاسد وباطل، لكن لا يسعنا إلا أن نسلك القوم في عداد المبتدعة مع وجود هذه الشبهات، خاصة إذا كانوا من العوام البسطاء الذين يلبس عليهم بالآيات وبالأحاديث بعد تحريفها عن معانيها، فلا نتردد في أن نسلكهم في مسلك المبتدعة المنحرفين، لكن نتردد أطول ونتوقف كثيراً كثيراً قبل تكفير شخص معين منهم ينحو هذا المنحى بمثل هذا التأويل، فهذا النوع من التأويل نثبت عليه الأمر من باب الالتزام بطاعة الله وطاعة رسول الله ﵌، وأن ما يفعله ليس منافياًَ للتوحيد الذي أقر به في كلمة الشهادة، فمثل هذه الأدلة التي تجدونها في كتب بعض الصوفية، وما كتب الغماري منكم ببعيد، وأنت إذا طالعت كتب أغلب العائلة الغمارية سواء أبو الفيض أو أبو الفضل تجد كثيراً من الشبهات التي يدافعون بها عن مثل هذه الضلالات بشتى التأويلات والتمحلات.
стр. 179
عدم تكفير السلف للضالين بسبب الشبهات
إذا كان السلف قد عذروا الجهمية والمعتزلة رغم ما ذهبوا إليه من تعطيل صفات الله ، وعذروا من أنكر الشفاعة، وليس المعنى أنهم لم يؤثموا ولم يبدعوا ولم يفسقوا، لكن المعنى: لم يكفروهم بأعيانهم؛ لأجل شبهة التأويل التي وقعوا فيها؛ فالخوارج مثلاً: أنكروا شفاعة النبي ﵌ في أصحاب الكبائر، وأنكروا أيضاً كثيراً من أحوال الآخرة، والمعتزلة أنكروا رؤية الله ﵎ في الآخرة، فالسلف عذروا أهل الأهواء في الجملة فلم يكفروهم بأعيانهم، فإذا صلح التأويل عذراًَ مع اثنتين وسبعين فرقة من ضُلاّل هذه الأمة فينبغي ألا يتخلف هذا العذر مع هؤلاء الصوفية الجهال، خاصةً العوام منهم الذين لا علم عندهم، وإنما يلبس عليهم بمثل هذه الشبهات وهذه التأويلات الفاسدة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها -ولو دعا الناس إليها- كافراً في الباطن إلا إذا كان منافقاً، فأما من كان في قلبه إيمان بالرسول ﷺ وما جاء به وقد غلط في بيان بعض ما تأوله من البدع؛ فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ونحن إذا طالعنا الأحاديث التي وردت في الخوارج، وكيف تنبأ النبي ﵌ بخروجهم حينما قال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)، وقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقوله: (اقتلوهم فإن في قتلهم ثواباً أو أجراً لمن قتلهم).
وهكذا أمر ﵊ بمقاتلة الخوارج، وبالفعل وقع ذلك من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ومع ما كانوا عليه من الاجتهاد في العبادة، وكانوا من أظهر الناس بدعة بنص أحاديث رسول الله ﵌، وأشد الناس قتالاً للمسلمين كما جاء في صفاتهم في بعض الأحاديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، ووصفهم أيضاً بأنهم: (سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان)، أي: شباب طائش حديث السن، وبنفس الوقت سفهاء العقول والأحلام والنُهى، ووصفهم بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، هذه سنتهم وطريقتهم في كل زمان، حتى الخوارج المعاصرون اليوم تجدهم مع اليهود مع النصارى والفساق في منتهى الرقة والأدب والتلطف والبشاشة، وتجد الواحد منهم مع المسلمين -وبالذات الملتزمين بدينهم منهم- فضاً غليظ القلب، ومن جرب حالهم وسبر أغوارهم فإنه يعرف هذا الأمر منهم، وقد رأينا هذا منهم كثيراً، فهذه صفتهم، وكانوا أشد الناس قتالاً للأمة، وتكفيراً لها، ولم يكن من الصحابة من يكفرهم رضي الله ﵎ عنهم مع كل هذا، لا علي بن أبي طالب ﵁ -وهو الذي قاتلهم بنفسه- ولا غيره، مع ما يفعلونه من الفساد في الأرض، وقتل أولياء الله الصالحين، وسئل علي ﵁ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.
يقول شيخ الإسلام: بل حكموا -أي: السلف- فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقاً فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقاً -بل كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن- لم يكن كافراً في الباطن وإن أخطأ في التأويل، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة منهم، كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل وخالف إجماع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات.
هذا في النموذج ذكرناه فيما يتعلق بالتأويل في قضية العبادة ودعاء غير الله، وما يتذرع به القوم من الشبهات في باب الحكم.
стр. 180
اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين
يجب أيضاً اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين من الناس، إذ هناك فرق بين المسلك الذي ينبغي أن نسلكه عند دعوة الناس إلى الدين، والمسلك الذي نسلكه عند معاملة أعيان الناس وآحادهم عندما نأتي إلى نصوص الوعيد، مثل: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر)، وغير ذلك من النصوص التي فيها تكفير تارك الصلاة، فأنت في بيان الدعوة يجب أن تترك النصوص كما هي؛ لكي تعمل مفعولها في ترهيب الناس من ترك الصلاة، لكن لا يناسب أن تأتي للناس وتخبرهم أن تارك الصلاة مسلم عاصٍ، إلا في مجال طلبة العلم وبيان الحق إذا ظهر، لكن في مجال الدعوة ينبغي أن تتكلم بعموم النصوص.
مثلاً: قضية الحكم بغير ما أنزل الله ﵎، قد تبين أن نوع هذا الفعل والإعراض عنه على أقسام؛ فمنه ما هو كفر أكبر، ومنه ما هو معصية، ومنه ما يكون خطأً معفواً عنه، فمثلاً: الحاكم الذي يرفض أصلاً التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وتطبيق شريعة الإسلام؛ اعتقاداً منه بأن القوانين الغربية أو الوضعية أفضل من القوانين والشرائع الإلهية، فهذا كافر، أو حاكم آخر يحكم بغير ما أنزل الله، وهو معرض عن شريعة الله، معتقد أن شريعة الله هي مثل القوانين الوضعية سواءً بسواء! فهذا أيضاً كافر.
لكن هناك شخص يحكم بغير ما أنزل الله في قضية من القضايا، وهو يعرف حكم الله فيها، ويقر به، ويؤمن بقلبه أن هذا حكم الله، لكنه يعرض عن تطبيق حكم الله نتيجة هوى في نفسه أو محسوبية أو رشوة أو هوى أو أي مقصد من المقاصد الدنيوية، فهذا فسق ومعصية، وكفر دون كفر، كما قال بعض السلف.
وقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله صدر من عند الإمام المجتهد وظن أن هذا حكم الله بعدما بذل وسعه في الاجتهاد؛ ثم تبين أن حكم الله يخالف ما ذهب إليه هذا المجتهد، فهذا بنص الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، فيعفى عن خطئه.
فعدم موافقة حكم الله له أسباب شتى، والحكم بغير ما أنزل الله شعب متفاوتة، ليست كلها على درجة واحدة، تبدأ هذه الشعب من الاجتهاد الخطأ المعفو عنه، وتنتهي إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة، وبعض هذه الصور قد يلتبس ببعض، والتفريق بين المناط المكفر والمناط غير المكفر مما يحتاج إلى علم وفقه، ولا تزال بعض صور هذا الأمر موضع الجدل بين علماء هذا الزمان، فكيف بعامة الناس أو أشباه العامة؟ فكيف بعد هذا الكلام يأتي من يقول: إن التكفير بكل هذه الأشياء كلها على مرتبة واحدة ما دامت متعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله؟! فإن تكفير هؤلاء من أصل الدين لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، وأنه لا عذر فيه بجهل ولا بتأويل؟! والبعض يجعل من ذلك معياراً في حكمه على العامة من الناس، والسلسلة التي يتدرج الشيطان بها مع هؤلاء الجرآء على حدود الله معروفة، فقد يتفاوتون، فالبعض يكفر مثلاً الجهاز التنفيذي الجهاز التشريعي الجهاز القضائي، ويقف عند هذا الحد، وبعضهم يقف عند أشخاص بأعيانهم، وبعضهم ينزل مثلاً فيقول: البوليس والجيش من رتبة رائد فما فوق كافر، وما تحته لا يكفر! ويتدرج الأمر فيقول: المشارك في أي هيئة من هيئات الدولة يعد كافراً، وبعضهم يصنف تصنيفاً والآخر يخالفه، فربما كفروا من يعمل موظفاً في الحكومة، وربما يتدرج الآخر إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول: إن كل من يعيش في هذه البلد كفار؛ لأن هذه ديار كفر!! وهذه القضية لها حساسية خطيرة جداً؛ لأن بعض الشباب أحداث الأسنان، وقد يكون أحدهم حديثاً جداً على قضية الالتزام والدين، وربما ما زال يتعلم كيف يصحح طهارته وصلاته، ثم إذا به في اليوم الثاني مباشرة يتكلم ويسأل: هل هي دار إسلام أم دار كفر؟! ويعمد إلى بعض الكتب، ويطبق أحكام أهل الكفر على هذه البلاد، إذاً لا تجب فيه صلاة الجمعة؛ لأن الأصل في أهلها أنهم كفار، وربما وصل به الأمر إلى استحلال الدماء والأعراض، إلى آخر تلك المآسي التي نحفظها، والحقيقة أن القضية ليست بهذه السهولة، وربما من كان بهذه المثابة وما زال يحبوا في أولى خطوات طلب العلم، ويقفز مباشرة إلى مثل هذه القضايا الحساسة والخطيرة وذات الآثار البعيدة، ربما كانت هذه من علامات عدم الإفلاح، فمتى ما فتح عينه على الضلالات والبدعة والجرأة على حدود الله بهذه الطريقة فإنه سوف يصل به الأمر إلى أنه يستحل الحرمات، ويكفر عموم الناس، ويكون لإخوانه الملتزمين بدينهم النصيب الأوفى من التكفير والعدوان واستحلال الحرمات، فلذلك ندعو الإخوة للصبر معنا على هذه السلسلة، لكن الصبر عليها وإن كانت قد تكون قاسية، أو نكون أحوج إلى رقائق أو آداب شرعية أو ما هو أعظم نفعاً، لكن الإنسان إذا عاش في مجتمع أو في زمان لاسيما في مثل هذه الضلالات فيجب عليه أن يتعلم ما يدفع به هذه الشبهات ليردها ويعتصم بالله ﵎ منها، فندعو الإخوة للصبر علينا حتى نعطي هذا الموضوع حقه ونوفيه قدره.
стр. 181
تفنيد قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر
على أي الأحوال: فمن المغالطة والجرأة أن يأتي الإنسان لكل هذه الدرجات المتفاوتة من أنواع الحكم بغير ما أنزل الله ويجعلها كلها سواء بسواء، بل يجعل التكفير بها جميعها أصلاً من أصول الدين لا يصبح المرء مسلماً إلا باقتفائها، والحقيقة أن هناك بعض الكلمات التي تقول: إن الإنسان الذي يكون مستهتراً يحب أن يكون كل الناس مستهترين مثله، ويفضل دائماً أن يهلك غيره؛ لأنه يشعر بالوحشة، لذلك تجد القوم نتيجة الشعور بالوحشة بين أهل العلم وبين عباد الله الصالحين، وبين أهل السنة والجماعة تجدهم حريصين على ممارسة نوع من الإرهاب الفكري حتى يقسرك قسراً، ويجبرك إجباراً على أن تطاوعه في ضلاله، فتجدهم نتيجة هذه الوحشة يريدون أن يزينوها بالاستئناس بإرهاب الناس فكرياً، فيرفعون شعار: من لم يكفر الكافر فهو كافر، يعني: أنت إن لم تطاوعني ولم توافقني على تكفير من أكفره فأنت أيضاً تصير كافراً! ويفسر هذا بأن الرضا بالكفر كفر، إلى آخر هذه الشبهات التي سوف نتعرض لها إن شاء الله فيما بعد.
فهذا أيضاً من الأساليب الخبيثة في جر الناس إلى القول على الله بغير علم، وانتهاك حرمات المسلمين، أما من ينظر بتجرد وموضوعية إلى هذه القضية؛ فإنه يدرك مدى الفتنة المشتملة عليها، والحقيقة أنه في كثير من بلاد المسلمين أغلب الطواغيت الذين يحكمون المسلمين لم يجرءوا حتى هذه اللحظة على إعلان رفضهم النهائي لشريعة الإسلام، ولم يعلنوا أنهم يردون شريعة الله مطلقاً، ولكنهم يناورون بينما تمضي سيرتهم في الحكم وأسلوبهم الحقيقي العملي على أساس الكفر بهذه الشريعة، وإقصائها عن الحياة، فهم يعلنون في شتى المناسبات تمجيدهم لها، واعتزازهم بها، وانتماءهم إليها، وأنهم جادون في العمل على تطبيقها بعد تهيئة المناخ وتنحية العقبات، على أن يتم ذلك بتدرج وبحكمة.
فهذه المناورات يقوم بها كثير من الحكام في كثير من بلاد المسلمين، وبقدر المناورة تعظم الفتنة على عموم المسلمين وبين الناس، فمن الناس من يستصحب مقالتهم وواقعهم، ويتأول هذه المقالة بأنها للتلبيس والمخادعة، وإلا فلماذا لا يطبقون القول على الفعل؟! إذ يكون فيها نوع من التلبيس والمراوغة والمناورة، ومن هؤلاء الناس من استصحب أقوالهم وتأول أفعالهم، فالفريق الأول جعل أفعالهم هي الأصل، وجعل الكلام من باب المراوغة والمناورة، وفريق آخر من المسلمين جعل الأقوال هي الأصل، فأحسن الظن بهم، وتأول لأفعالهم، والتمس لها المخارج والتأويلات، ولا شك أن القضية فيها قسط كبير جداً من الحرج والدقة.
وإذا نظرنا إلى مختلف التأويلات المطروحة في هذا المقام واعتبارها حينما نتوجه بهذه القضية إلى إجراء الحكم على معين من الناس، فنلاحظ أن هذا مزلق خطير يحتاج إلى كثير من الحذر قبل أن نكفر من لم يوافق هؤلاء على تكفيرهم.
هذا فيما يتعلق بالتأويل، وإن كانت تأويلات فاسدة، ويجب بيان الحقيقة في فسادها، وكوننا نعذرهم بالتأويل فهذا لا يعني أنهم غير آثمين، كما نقول: فلان معذور بالجهل.
لا يعني هذا أنه غير آثم، بل معذور بالجهل في قضية تكفيره وعدم تكفيره، لكن ذلك الشخص الذي يصلي صلاة بغير وضوء صحيح ويجهل واجبات الطهارة فهو آثم؛ لأن طلب العلم الذي تؤدى به الواجبات فريضة على كل مسلم، إذ كيف تصلي صلاة صحيحة قبل أن تتعلم واجبات الوضوء وأركانه؟ فإذا قصرت في التعلم مع إمكانيته فأنت آثم بذلك، فليس إعذار هؤلاء في مثل هذه القضايا يعني أنهم غير آثمين، بل هم آثمون، لكن القضية الآن قضية الكفر من عدمها.
مثال ذلك في باب العبادة والنسك: دعاء غير الله، ومن يتذرع به ممن يدعون غير الله ، وذكرنا مثالاً في قضية الحكم والتلبيس ومراوغة كثير من حكام المسلمين في هذا الزمان مما يوقع الناس في اللبس وانقسامهم إلى فريقين، وكل هذه القضايا سوف يأتي إن شاء الله تفصيل دقيق جداً لها فيما بعد.
بقيت قضية الولاية كما يقسمها الكاتب في مسلكه التفصيلي، أيضاً ينبغي أن نفرق بين الالتزام المجمل بولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين، وبين تطبيق ذلك عملياً على آحاد الناس، فالقدر الأول محكم ولا يثير إشكالاً، ولا يتطلب تأويلاً؛ إذ إن كل مسلم ينبغي أن يكون عنده ولاء مجمل وعام لكل مسلم موحد مؤمن بالله ﵎، وأيضاً يكون عنده براء مجمل من الكافرين، فالقدر الأول -وهو الالتزام المجمل بولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين- أمر محكم ولا يصير إشكالاً ولا يتطلب تأويلاً، أما أن هذا الرجل بعينه من أهل الإيمان تجب موالاته، أو من أهل الكفر تجب معاداته، فهذا موضع النظر والتأويل، وبقدر اختلاف الاجتهاد في الحكم على معين بأنه من أهل الكفر أو أهل الإيمان بقدر اختلاف النظر في الصلة به ولاء أو معاداة، فكثير من قضايا الإيمان والكفر كانت ولا تزال إلى زمننا هذا موضع جدل وخصومة بين أهل القبلة، ولأهل السنة فيها منهج، ولأهل الأهواء فيها مناهج وطرق ومسالك ينقض بعضها بعضاً، ومن المحال أن نتصور اتحاد الرؤية والتقاء النظر في هذه القضايا بين هؤلاء جميعاً، فمن الناس من يوالي كافراً لا على أساس أنه كافر، لكنه يواليه؛ لأنه لم يثبت عنده كفره، وأحسن الظن به فيما نسب إليه، وتلمس له التأويلات والمخارج، وذلك كما فعل كثير من أهل العلم مع ابن عربي، فـ ابن عربي نطق من الكفر بما هو شنيع جداً، وله أشعار خطيرة جداً إلى الغاية، فمع ذلك نجد كثيراً من أئمة أهل العلم وقعوا في موالاة ابن عربي، بل منهم من اعتقد حبه وإمامته، بل منهم من يلقبه بالشيخ الأكبر -هكذا مطلقاً- ولا يذكر اسمه؛ لشدة شهرته بين القوم.
فهذا الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى له رسالة سماها: تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي، فرد على هذا الكتاب برهان الدين البقاعي في كتاب اسمه تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي.
على أي الأحوال: هذا الإمام السيوطي ﵀ لا يرى في ابن عربي أنه كافر، فهل معنى ذلك أنه يوالي كافراً من دون المؤمنين؟ كلا؛ لكنه أحسن الظن به، فأول كلامه، والتمس له شتى المخارج والتأويلات، فذكر الإمام السيوطي ﵀ في هذه الرسالة: أن الناس افترقوا في ابن عربي فريقين: فرقة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها، ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفريقان، وهي: اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه.
ومن هؤلاء الإمام الفقيه ابن عابدين الحنفي ﵀ صاحب الحاشية المعروفة على الدر المختار، الذي عقد مطلباً في حاشيته عنون له بقوله: مطلب في حال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين ابن عربي نفعنا الله تعالى به! ودافع في هذا المطلب عن ابن عربي، وقال: ومن أراد شرح كلماته التي اعترضها المنكرون فليرجع إلى كتاب (الرد المتين على منتقص العارف محيي الدين) لسيدي عبد الغني النابلسي.
ومن هؤلاء الفقيه ابن حجر الهيتمي صاحب كتاب الزواجر، حيث صرح بأنه يعتقد جلالته، وإن كان لا يعتقد عصمته، فهل نكفر أمثال هؤلاء الأئمة لموالاتهم لـ ابن عربي؟! هم لم يكفروه باعتبار أنهم تأولوا كلامه وأحسنوا الظن به، فبعضهم يقول: إن هذا الكلام مدسوس عليه، وهو لم يقله، وفي الحقيقة فإن إلحاد ابن عربي وكلامه في وحدة الوجود معروف، وهذه الكفريات الشنيعة، وكلامه في هذا بشع جداً، كقوله: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة تعالى الله عما يقول، ويقول أيضاً: العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب فأنى يكلف وخلاصة كلامه: أن كل ما تقع عينك عليه فهذا هو الله! ويرى أن أعظم الموحدين اثنين: إبليس وفرعون! ويذكر كلاماً فظيعاً جداً في هذا، كقوله بإيمان فرعون، وأن فرعون مات مؤمناً، وهناك في الحقيقة كثير من الأشياء الشنيعة جداً التي ارتكبها ابن عربي، ومع ذلك فإن من العلماء من نفى عنه هذا الكلام ولم يصحح نسبته إليه، أو تأوله له، واعتبر بأنه في حالة من الفناء؛ بحيث صار مغلوباً على عقله من شدة الوجد والمحبة والذوق، إلى آخر هذه التمحلات.
لكن على أي الأحوال: هل نكفر أمثال هؤلاء الأئمة؛ لأنهم لم يكفروا ابن عربي؟ كلا.
لأنهم لم يوالوه على أساس أنه كافر، لكن هم أحسنوا الظن به، ونفوا عنه الكفر، فمن الناس من يعادي مسلماًَ، ويتبرأ من إنسان مؤمن بالله ورسوله ﷺ ، وهذا العداء لا لأنه مسلم؛ بل لأنه مرق من الدين وفارق جماعة المسلمين، وهذا حال أهل الأهواء الذين يكفر بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وحسبك من براءة الخوارج من الصحابة، فإنهم جعلوها شرطاً في صحة الإسلام، وأنه لابد أن يتبرأ الإنسان من الصحابة!! وتكفير الخوارج للصحابة معروف وحملهم السلاح عليهم، وهم خيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين.
стр. 182
دعاة القومية
لا يقتصر اللبس والتأويل الفاسد على حال الأشخاص في باب الولاء أو البراء، بل يرد كذلك على صور الموالاة نفسها؛ لأنها شعب متفاوتة تبدأ بالمعصية وتنتهي إلى الكفر، وقد تلتبس هذه الصور بعضها ببعض، وقد يتأول في بعضها المصلحة من جلب خير أو دفع شر، وقد يختلف النظر في بعض الصور هل هي من الصور المكفرة أم لا؟ هناك مثلاً من يروج للدعوة إلى القومية، ويسخر قلمه وعقله للدفاع عن القومية العربية أو القومية الإقليمية حسب كل شعب، ويسود في الترويج للقومية العربية الصحائف والمجلات، ويكون مدخولاً عليهم في ذلك كله، فيتوهم عدم التعارض بين الدعوة إلى القومية والدعوة الإسلامية أو يظن أن الدعوة إلى الوحدة على أساس القومية خطوة لا بد منها على طريق الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وهذا ما حرص دعاة القومية الأوائل على التمويه به عن الأمة.
في بداية الدعوة إلى إيجاد الرابطة القومية، وبداية نشأة الجامعة العربية، ذلك الجهاز الخبيث الذي لا يفطن كثير من المسلمين إلى حقيقته، وغيره من الأجهزة الخبيثة؛ لبسوا على الناس حتى يبتلعوا هذا السم، ويقبلوا قضية الرابطة القومية بديلاً عن الرابطة الإسلامية، ولم يصرحوا بذلك، لكن لبسوا عليهم وقالوا: نحن نجمع ونوحد العرب أولاً، ثم بعد أن يتوحد العرب ننطلق إلى الآفاق بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فبسبب هذا التلبيس خدع خلق كثير بهذا.
ما من شك أن الدعوة إلى القومية هي في حقيقتها دعوة إلى إقامة الولاء والبراء على أساس الوطنية القومية، وليس على أساس الدين، فالمسلم لا يعرف الولاء والبراء إلا على أساس الولاء لله ولرسوله ﷺ والإخلاص لدين الله ، فالإسلام أتى منذ اليوم الأول لهدم أي رباط غير رابطة الإسلام، والرسول ﵊ لو دعا إلى وحدة عربية لضم إليه أبا جهل وأبا لهب وغيرهما من أشراف قريش الذين هم أحسن حالاً من أئمة القومية في هذا الزمان، ولكن الرسول ﵇ عادى أقرب الناس إليه في سبيل هذا الدين، وكان المسلم الذي ينضوي تحت لواء هذا الدين يكون هذا اللواء حد فاصل بين عقيلته وبين قومه، وربما قاتل ابنه أو أباه في سبيل الله ﵎، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، والنبي ﵊ حينما وقف على سفح عرفات يوم الحج الأكبر، وخطب في الأمة خطبة الوداع، قال ﵊: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، كل شيء من أمر الجاهلية: حمية الجاهلية، حكم الجاهلية، تبرج الجاهلية، دم الجاهلية، ربا الجاهلية، ومن أمور الجاهلية التنادي برابطة غير رابطة الإسلام، مثل نظام الأحلاف والتحزبات، إنسان يوالي من ينتمي إلى حزبه أو وطنه أو جنسه أو قبيلته، ويعادي على هذا الأساس من هو على غير ذلك، وآثارها موجودة حتى الآن في بعض البلاد، وهذه جاهلية فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار: فقال المهاجري: يا للمهاجرين! -يستغيث بالمهاجرين لينصروه وهذه عصبية- وقال الأنصاري: يا للأنصار! فكادت تقع مقتلة بين المهاجرين والأنصار، فبلغ ذلك النبي ﵌ فقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة)، فالدعوة القومية العربية دعوى منتنة خبيثة، وقد وضعها الرسول ﵇ تحت قدمه، فكيف نرفعها رايات فوق رءوسنا؟! فما بالنا ندعو بدعوى الجاهلية؟! قال ﵊: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، فهذه من دعاوى الجاهلية، وقال: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي).
وقوله ﵊ في الحديث السابق: (دعوها)، وهذا أمر بالترك، وظاهر الأمر الوجوب، فهذا يدل أيضاً على وجوب طاعة أمر رسول الله ﷺ بالكفر بأي رابطة غير رابطة الإسلام.
قوله: (فإنها منتنة) علل الحكم بأن التنادي بهذه الروابط دعوة خبيثة منتنة، فهي داخلة تحت قوله ﵎ في صفة رسول الله ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فهي محرمة لأنها منتنة وخبيثة، والنبي ﵊ حرم علينا هذه الدعوى الخبيثة، أما رابطة الإيمان ورابطة لا إله إلا الله فهي تربط المؤمن بإخوانه كما تربط الكف بالمعصم، وكما تربط الساق بالركبة، المؤمنون كلهم جسد واحد: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]).
هذا هو الكرم، وهذا هو الحسب الذي ينبغي التفاخر به، لا التفاخر بهذه الروابط الخبيثة التي تريد أن تقضي على الرابطة الإسلامية، ليس فقط تربط بين أهل لا إله إلا الله في الأرض، لكنها تعطف حملة العرش على أهل الإيمان في الأرض، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، فتجد رباط الإيمان يجعل أهل السماء من حملة العرش -وهم أفضل الملائكة- يدعون ويستغفرون للمؤمنين؛ لأنهم إخوانهم في هذه الأرض، فهذا هو الرباط: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين بشكل عام، لا على أساس التنادي بأي رابطة من هذه الروابط الجاهلية.
ومن عجائب الأمور أن العلماء أجمعوا على أنه لو مات رجل مسلم وترك ميراثاً وليس له أي أحد يرثه سوى ابن كافر من صلبه؛ فإن هذا الابن لا يستحق أن يرث أباه، وإنما يئول المال إلى إخوانه المسلمين، فهم الذين يرثونه، ولا يرثه أبداً ابنه الذي من صلبه؛ لأنه لا توجد ولاية بين المسلم والكافر، ولا توارث بين المسلم والكافر، فهذا أقوى دليل على رابطة الإيمان، ورابطة العقيدة أقوى من رابطة النسب كما قال الشاعر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وسلمان الفارسي كان عبداً غير عربي، ومع ذلك رفعه الإسلام، وفي بعض الأحاديث الضعيفة: (سلمان منا أهل البيت)، فلم يفرق النبي ﵊ بين أبيض ولا أسود ولا عربي ولا عجمي، فهذه كلها دعوات تريد أن تضعف وتقضي على رابطة الإسلام بين أمة المسلمين، لماذا؟ هناك سبب واضح جداً، بلاد المسلمين ذات قدرات عظيمة سواء بشرية أو اقتصادية أو عددية أو غير ذلك من أسباب القوة، ولا يشك أحد إذا نظر نظرة واحدة على خريطة العالم الإسلامي أن هؤلاء إذا اجتمعوا تحت لواء العقيدة فإنهم سيكونون أعظم أمم الأرض، والمسألة مسألة وقت حتى يأخذوا بأسباب النهضة المادية والروحية، فأمة تكمن فيها كل هذه الطاقات تجد الأعداء يتكالبون على تمزيقها وتفتيتها وتشتيت شملها.
أحد الكتاب يقول: إن القول بالوحدة الإسلامية دون أن يسبقها العمل على تحقيق الوحدة العربية وتحقيقها يكاد يكون من الأمور المستحيلة، فلا يتصور أن تتحقق وحدة بين بلد إسلامي ينتمي إلى الشرق العربي، وبين بلد إسلامي لا ينتمي إلى العالم العربي دون أن يسبق هذه الوحدة في الوجود وحدة عربية، ومن ثم لا يجوز ولا يعقل القول بإمكانية قيام الوحدة الإسلامية بين مختلف بلاد العالم الإسلامي كله دون أن تسبقها في الوجود وحدة عربية تمهد لها الطريق، ثم يقرر في النهاية عدم التعارض بين الدعوتين فيقول: وإزاء ذلك فإنا نؤيد من ذهب إلى القول بأن الوحدة العربية لا تتعارض مع القول بالوحدة الإسلامية.
كيف تتوافق الدعوى الجاهلية مع الدعوة الإسلامية؟! سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب كيف يجتمعان؟ فمن يدعو إلى الوحدة العربية قبل الوحدة الإسلامية، فإنه قد غفل عن الوقوف على حقائق بدهية تبدو لأي دارس لأحوال العالمين الإسلامي والعربي على حد سواء.
ثم يذهب إلى ما هو أبعد مدى من ذلك فيقول: لهذا يحق لنا أن ندعي أن كل من يعارض الوحدة العربية يكون قد عارض الوحدة الإسلامية، وأن من يعارض الوحدة العربية باسم الوحدة الإسلامية أو بحجة الوحدة الإسلامية يكون قد خالف أبسط مقتضيات العصر والمنطق مخالفة صريحة، كما يروى عن المسيح ﵇ أنه سأله الحواريون: كيف نعرف الكذابين الذين يدعون النبوة؟ قال: من ثمارهم تعرفونهم.
قال: وإذا غضضنا النظر عن الأدلة من القرآن والسنة على تحريم المناداة بهذه الروابط القومية فلننظر إلى أدلة الواقع.
قلت: فلننظر إلى ثمرة الحنظل المرة التي جناها المسلمون من القومية العربية أو غيرها من الروابط الإقليمية الجاهلية، ولا يخفى ما فعله حزب البعث وهو أشد الناس تعصباً للمناداة بالوحدة العربية، حيث إنه أقام دينه الجديد الكافر الملحد على أساس الرابطة القومية والعربية، فهذه الفتن تموج كموج البحر، وقد جعلت هذه القومية حكام العرب كلهم يركعون أمام إسرائيل، وبل يسجدون أمام إسرائيل وأمريكا، فهذا الاستسلام والتخاذل والهوان الذي ما بعده هوان من الذي تسبب فيه؟ إنهم دعاة القومية العربية.
من الذي نكل بدعاة الإسلام في مصر وفي غيرها؟ إنهم دعاة القومية العربية سواء عبد الناصر عليه من الله ما يستحقه أو غيره، فهذا كله باسم الوحدة العربية وباسم القومية العربية.
وقد كانت علامة الولاء للشخص الذي ينتمي لحزب البعث الملحد أن يدوس على المصحف -والعياذ بالله- حتى يثبت أنه معتقد لحزب البعث، وكافر بالله ورسوله، فهذه العلامة تكشف لهم العدو من الصديق، فمن طاوعهم مع هذا الكفر المبين والإلحاد الظاهري فهو منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم، أما من رفض ذلك فهذا يكون قد كشف خبيئة نفسه، وأن في قلبه رصيداً من الحب والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.
ويقول قائلهم: هبوني ديناً يجمع العر
стр. 183
الإيمان والكفر [١٦]
قد يعذر الإنسان بالجهل والتأويل والإكراه بشروط وضوابط، وقد لا يعذر بها، وقد بين العلماء أحكام الإكراه في العبادات والحكم والولاية، فليس كل إكراه يكون معتبراً، وليست جميع أنواع الإكراه على حد سواء.
стр. 184
اعتبار عارض الإكراه في الحكم بالكفر في جانب العبادة
ما زلنا في مناقشة كتاب: (حد الإسلام وحقيقة الإيمان)، وقد انتهينا إلى وجود بعض الموانع التي قد تحول الحكم بالكفر على من دخل في الإسلام، وثبت له عقد الإسلام، وأتى بما يخالف مقتضى هذا العقد؛ لكنه لا يفعل ذلك الشيء عامداً أو مستحلاً، وإنما يفعله إما جاهلاً أو متأولاً أو مكرهاً، فهذه بعض الأعذار التي قد تحول دون الحكم على هذا الإنسان ببطلان عقد الإسلام.
وكاتب البحث حينما يحاول أن يستوفي هذه الشروط أو أركان حد الإسلام وحقيقة الإيمان، فالفرق في المنهج الذي عليه أهل العلم، وبين المنهج الذي ارتضاه الكاتب في بحثه هو: أن العلماء يستعملون القاعدة المعروفة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وعامة من يخوضون في قضية التكفير يعكسون هذه القاعدة المنطقية فيقولون: إن البريء متهم حتى تثبت براءته، فما دام الإنسان دخل في الإسلام بالشهادتين وبإعلان الولاء لله ورسوله ﷺ والمؤمنين، وثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين؛ حينئذ يصبح الأصل في هذا الإنسان أنه مسلم، فهذا هو الأصل.
أما الفريق الآخر ممن ينحون منحى الكاتب، فإنهم يرون أن الإنسان لا يحكم له بأصل الإسلام حتى يستوفي هذه الأركان التي حدودها والشروط التي وضعوها.
فإذاً: المنطلق مختلف: نحن نعتقد أن هذا مسلم، وننظر في أفعاله على أن الأصل فيه الإسلام، أما هم فيرون أن الأصل فيه الكفر؛ ولذلك يتحقق في المنهجين قول الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب وقد ناقشنا من قبل أحد هذه العوارض التي تحول دون الحكم بالكفر على المسلم إذا صدر منه فعل الكفر، فذكرنا عذر الجهل، وعذر التأويل، والجهل تكلمنا عليه بالتفصيل، وطبقناه على العبادة والولاية والحاكمية؛ كذلك تكلمنا في قضية التأويل، والآن نتكلم على أحد هذه الاعتبارات وهو عذر الإكراه.
وهذا العارض لا يرد بالنسبة للالتزام المطلق من حيث ثبوت أصل الدين، لا يعرف المكره بهذه الناحية؛ لأن أصل الدين هو: أن يعقد الإنسان قلبه على الشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله محمد ﷺ بالرسالة، فعقد القلب على الشهادتين، وإعلان ذلك عند القدرة؛ هو أصل الدين، لكن إذا حالت الظروف الظاهرة المحيطة بالإنسان دون إعلان هذه الشهادة، فهو باق على أصل الإسلام، وإذا عجز عن الإعلان عن هذه الشهادة، بقي عقد القلب الذي لا سلطان لأحد عليه.
ولهذا هرقل لم يقبل منه تصديقه برسالة النبي ﷺ ؛ لأن هذا التصديق كان مجرداً من الاتباع، فقد كان هرقل خائفاً على ملكه من قومه؛ لأنه إذا أسلم فسيضيع ملكه.
فالالتزام المجمل بالإسلام لا عذر فيه لأحد، ولا يشفع فيه عارض من العوارض، فالإنسان إذا حمله وعيد على ترك الالتزام المجمل بالإسلام، فهو ممن استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وهو من الكافرين؛ لأن هذا النوع لم يأت بالالتزام المجمل بالإسلام عن طريق إعلان الشهادتين؛ لكن التطبيق التفصيلي لقضايا أصل الدين، وبالذات الثلاثة أركان التي وضعها الكاتب وهي: النسك، والولاية، والحكم، فهذا هو محل العذر بالإكراه عند طروء الإكراه في باب النسك، أو الحاكمية أو الولاء؛ لكن الالتزام بأصل دين الإسلام لا يعذر به الإنسان بالإكراه.
فهل هرقل كان معذوراً عند الله؛ لأنه كان مكرهاً أو في معنى المكره من قومه؟ لا.
بل خشي أن يضيع ملكه، وهذا ليس إكراهاً؛ فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة، مع أنه يعلم أن الرسول ﵊ حق؛ لكنه لم يتبع النبي ﷺ ، وظن أن هذا الإكراه يعتبر عذراً له، والصواب أنه قدم الدنيا على الآخرة، مع أنه لم يلتفت إلى ضمان الرسول ﷺ له بالسلامة في قوله: (أسلم تسلم)، ولو كان عنده تقوى لأقدم على إعلان إسلامه، والانقياد للرسول ﷺ ، دون النظر في هذه العاقبة؛ لأن الرسول ﷺ ضمن له العاقبة، فقال له: (أسلم تسلم)، فهو لم يلتفت إلى هذا الوعد، واستحب الحياة الدنيا على الآخرة، ولا يعد معذوراً بالإكراه؛ لأنه لم يعلن التزامه المجمل بدين الإسلام في باب النسك، وطروء عارض الإكراه في جانب النسك يقع نادراً؛ لأن النسك في غالب الأحوال عبادة فردية، وتوجه شخصي، لا مصلحة لأحد في منع غيره منه أو حمله عليه؛ فمن ضل في باب النسك ففي الغالب هذا يكون بمحض اختياره، وتقصيره في العبادات يكون بمحض التقصير من نفسه هو، لا بإكراه أحد له، لكن على أي الأحوال إذا وجد إكراه في باب النسك والعبادة، وقدر وقوع هذا؛ فلا شك أنه يعذر باعتبار هذا العذر بلا نقاش وبلا جدال.
وفي الأثر الموقوف -الذي يذكر في كثير من الكتب على أنه حديث صحيح- عن طارق بن شهاب في قصة الرجل الذي دخل النار في ذبابة، وأوله: (دخل رجل النار في ذبابة، ودخل رجل الجنة في ذبابة)، وذكر أن هذين الرجلين مرا على قوم يعبدون وثناً، فقالوا لأحدهما: قرب ولو ذباباً، فأبى فقتلوه، فدخل الجنة بسبب ذبابة؛ لأنه استنكف أن يعبد غير الله أو يتقرب لغير الله حتى ولو بأن يقرب ذبابة، أما الآخر فلما رأى الأول قد قتل فقرب ذبابة لهذا الوثن، فدخل النار بسبب تقديمه ذبابة، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﵌، وإنما هو أثر موقوف عن سلمان رضي الله ﵎ عنه.
ولو كان هذا الحديث صحيحاً فقد قال بعض العلماء: إن العذر بالإكراه هو من خصائص هذه الأمة المحمدية، واستدلوا بهذا الأثر وهو: أن هذا الرجل دخل النار بسبب ذبابة قربها للوثن، وهذا كان له عذر؛ لأنه أكره على أن يقرب ذبابة أو يقتل، فقرب الذبابة، فلو كان العذر بالإكراه معتبراً في هذه الشريعة التي كان ينتسب إليها لعفي عنه؛ لكنه دخل النار، فالمعنى: أنه كان يجب عليه أن يصبر ويثبت حتى ولو قتل، ولا يقرب ذباباً؛ لأنه لم يكن عندهم عذر بالإكراه.
وهذه القصة تذكرنا برجل سافر إلى بلدة في شرق آسيا، وهي مشهورة جداً بعبادة الأوثان والأصنام، فدخل السوق ومعه زوجته وهي مجلببة ومنقبة، فالناس ظنوا أنها الإله تجسد في صورة هذه المرأة المحجبة! فظلوا يسجدون ويركعون! فأراد هذا الأخ أن يستخف بما هم عليه من الشرك والوثنية، فأتى إلى أحد أصنامهم وبال عليه! فثاروا ضده وأرادوا قتله غيرة وانتصاراً لإلههم، وقبض عليه، وقالوا: إما أن تقتل، وإما أن ترضي إلهنا! وصارت أزمة سياسية كبيرة، وتدخلت الدولة في هذا الشخص، واضطر أن يقرب شيئاً يسيراً لهذا الوثن حتى يطلق سراحة! وليس المقام الآن مقام مناقشة سلوك هذا الأخ وتصرفه، فإن كان الأمر سينتهي به إلى هذا الموقف، فكان يمكنه أن ينكر عليهم باللسان حتى لا يئول به الأمر إلى أن يقع في مثل هذا الشيء الشنيع.
الشاهد: أن هذه الأمة تعذر بالإكراه، وهذه من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا ووضعها عنا الله في شريعة رسول الله ﵌.
ومن الأدلة على ذلك: قول أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، فالنفي بالتأبيد يدل على انتفاء الفلاح عنهم تماماً، وأنهم لا يعذرون بالإكراه؛ لأنهم ربما أرغموهم على أن يظهروا العودة إلى ملتهم بالإكراه، فما في شك أن هذا في شريعتنا يكون عذراً كما قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، أما في شريعة أصحاب الكهف فلم يكن لديهم عذر بالإكراه؛ ولذلك نفوا عنهم الفلاح إن عادوا لعبادة ما كانوا عليه، وهذا المعنى ذكره العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان، في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ))، إما رجم وإما العودة إلى الكفر ((وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)).
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأن قوله عن أصحاب الكهف: ((إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ)) ظاهر في إكراههم وعدم طواعيتهم، ولعلهم يكرهون على العودة إلى هذه الملة، ولا يطاوعونهم في ذلك، ومع هذا قال عنهم: ((وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)).
فدل ذلك على أن الإكراه ليس بعذر، ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل؛ لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذباباً قتلوه، ويشهد له أيضاً دليل الخطاب -يعني: مفهوم المخالفة- في قوله ﵌: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فإنه يفهم من قوله ﷺ : (تجاوز لي عن أمتي) أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، وأنه لم يتجاوز عمن عدا أمته من الأمم، فهذا يفهم بدليل الخطاب، وبمفهوم المخالفة يفهم منه: أن من عدا هذه الأمة المحمدية المرحومة لم يكونوا يعذرون لا بالخطأ ولا بالنسيان، ولا بما استكرهوا عليه.
يقول: وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديماً وحديثاً بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة، أما هذه الأمة فقد صرح الله بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]، فالإنسان لا يكفر ولا يخرج من الملة إلا إذا رضي بالكفر وانشرح به صدره، لكن المسلم المكره قلبه عامر بالإيمان، قلبه مطمئن بالإيمان، ولكن تحت ضغط الإكراه وقع في شيء مما ينافي هذا الإيمان لعذر الإكراه فقط.
لكن لا عذر بالإكراه في أن يتحول القلب؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، إنما السلطان على البدن، أما القلب فيظل مطمئناً بالإيمان، راسخاً
стр. 185
اعتبار عارض الإكراه في الحكم بالكفر في جانب الحكم
الحكم هو الركن الثاني من أركان حد الإسلام في نظر المؤلف، ولا مناص ولا مهرب من اعتبار واحترام عارض الإكراه في الحكم على الناس في باب الحكم أو الحاكمية، فهذا النجاشي ﵀ رغم أنه كان ملكاً للحبشة؛ لكنه لم يستطع أن يقيم في قومه كتاب الله، ولم يستطع أن يظهر في نفسه شرائع الإسلام؛ لأن قومه لم يطيعوه في الدخول في الإسلام؛ ولكنه عقد قلبه على الالتزام المجمل بالإسلام، وأقام من حدود الإسلام ما تمكن من إقامته، فعذره الله ﵎ بذلك، فـ النجاشي لم يقم دولة خلافة إسلامية في الحبشة رغم أنه دخل في دين الإسلام، وعذره الله بهذا الأمر، فما هو الفرق بين النجاشي وبين هرقل؟ الفرق هو وجود الالتزام المجمل بالإسلام في قلبه، وقد أعلن ذلك أمام الصحابة ﵃ جعفر بن أبي طالب وغيره، فالالتزام المجمل بالإسلام كان موجوداً في مكة، أما هرقل فاستنكف وأبى خوفاً على ملكه، فلم يوجد منه الالتزام المجمل بالإسلام.
والدليل على أن الله عذر النجاشي أن النبي ﵌ خرج على أصحابه يوماً وأخبرهم أن النجاشي مات في هذا اليوم، وأمرهم أن يصلوا على أخيهم، وصلى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب، والراجح في صلاة الغائب أن يصليها المسلمون على من لم يصل عليه في البلد التي مات فيها؛ وهذا الموضوع يأخذ أحياناً نوعاً من المجاملة لأقارب الميت أو ناحية عاطفية محضة؛ بدون انضباط بالدليل الشرعي، فـ النجاشي مات في دار كفر ولم يصل عليه، كذلك إذا مات مسلم في بلد من بلاد الكفار ولم يصل عليه، فنصلي عليه صلاة الغائب؛ لكن من مات مثلاً في مكة المكرمة، وصلى عليه آلاف المسلمين في موسم الحج -مثلاً-، هل يصلى عليه أيضاً في بلاده صلاة الغائب؟ لا، فالمسلمون صلوا عليه وقضي الأمر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكذلك الكفار من بلغه دعوة رسول الله ﷺ في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله، فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، وأقام من حدود الإسلام ما يستطيع أن يقيمه كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام لكونه ممنوعاً من الهجرة، وممنوعاً من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام؛ فهو معذور، ففي دار الكفر ليس هناك من يعلمه شرائع الإسلام، ولا يستطيع أن يهاجر إلى دار الإسلام لأنه مستضعف، ولم يلتزم جميع شرائع الإسلام؛ لأنه ممنوع من إظهار دينه وإظهار شعائره، ومع ذلك آمن بالرسول وآمن بالله واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي؛ فهذا مؤمن من أهل الجنة.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفاراً.
وكما هو معروف عن الحضارات التي يفخرون بها فحضارة الفراعنة حضارة حجارة، أناس كانوا يعبدون الملوك والأصنام والحجارة، هذا أقصى ما يعبر به عن هذه الحضارة الوثنية.
فأهل مصر في زمن يوسف ﵇ كانوا كفاراً مشركين، وهذا واضح من محاورته مع صاحبي السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، فهذه الآية نكررها لمن يفخمون الآن هؤلاء الأرباب، ويفخرون بانتسابهم إليهم، ويقولون: إن حضارتنا عمرها سبعة آلاف سنة، نعم سبعة آلاف سنة في الشرك والكفر والوثنية وعبادة الأحجار والملوك، أما الحضارة والنور فما عرفناها إلا منذ أربعة عشر قرناً، وقبل ذلك كنا غارقين في هذه الوثنية وهذا الشرك.
فالشاهد: أن يوسف ﵇ كان مع أهل مصر وهم كفار، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، ولما دعاهم إلى الإيمان والتوحيد لم يجيبوه، والسؤال الآن: أين الدليل على ذلك من القرآن؟ الدليل: قول مؤمن آل فرعون في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر:٣٤]، (هلك) هنا معناها: مات وتوفي، ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] يعني: لم تلتزموا بدعوته إياكم إلى الإسلام والتوحيد.
أيضاً النجاشي وإن كان ملك النصارى، لكنه لم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه في الإسلام نفر قليل من الحبشة؛ ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه؛ فصلى عليه النبي ﵌، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات، فقال: (إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات)، وهذا الحديث مما يستدل به على جواز النعي إذا لم يقترن بالتفاخر وأفعال الجاهلية؛ لأن هذا نعي بموت النجاشي، ولفظ الحديث: (نعى رسول الله ﷺ النجاشي إلى أصحابه يوم موته)، فدل على جواز النعي -وهو الإعلام بالموت- حتى يشترك الناس في الجنازة ويبادروا بتجهيز الميت وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكثير من شرائع الإسلام لم يكن دخل فيها -يعني النجاشي - لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا صام شهر رمضان، ولا أدى الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه ﷺ بالمدينة إذا جاءه أهل الكتاب ألا يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، كما في الحكم في الزنا بحد الرجم، وفي الديات بالتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع: النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك.
يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٩/ ٢١٧ - ٢١٩): والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بالقرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً، بل وإماماً، وفى نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
يقول: وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سمّ على ذلك، فـ النجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
فهذا أيضاً دليل على أن الإكراه قد يكون عذراً في بعض الحالات في جانب الحكم.
стр. 186
اعتبار الإكراه مانعاً من الحكم بالكفر في جانب الولاية
أما بالنسبة للولاية فإنها أكثر ما يرد عليها هذا العارض، فأكثر أركان تأتي في وصف الكافر هي أركان حد الإسلام الثلاثة: النسك، والحكم، والولاية.
وقلنا: يندر أن يحصل إكراه في باب النسك، فإن وقع فهناك عذر بالإكراه فيه، وفي باب الحكم أيضاً أوضحنا ذلك، وإن كان احتماله أكثر من النسك.
أما بالنسبة للولاية فهي أغلب ما يقع فيه العذر بالإكراه، وأكثر ما يرد عليه عارض الإكراه؛ لأن الولاية فيها تعلق دائم بالتعامل مع الغير، فيجب أن يفرق في هذا المقام بين عمل القلب الذي يجب أن يكون تاماً موافقاً لمرضاة الله ، وبين ما يجب من أعمال الجوارح الذي يقيمه الإنسان حسب الإمكان، مثلاً: يقول النبي ﵌: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وفي بعض الأحاديث: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل).
المقصود: أن إنكار المنكر بالقلب فرض عين وليس فرض كفاية؛ لأن الرسول ﵊ قال: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبقلبه)، ولم يقل: فإن لم يستطع؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، واعتقاد القلب لا سلطان لأحد عليه، ولا يطلع عليه إلا الله، فبالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان مكرهاً في هذا، بل نفى الإيمان عمن لا ينكر هذا المنكر بقلبه، فإنكار المنكر باليد أو باللسان يتفاوت حسب القواعد المعروفة في الأمر والنهي، أما إنكار المنكر بالقلب، فواجب على كل مسلم أن ينكره بقلبه، وإلا فسوف ينطبق عليه قوله ﵊: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل).
فكذلك هنا: الإنسان لا يعذر بالإكراه في انحراف قلبه عن الاعتقاد الحقيقي؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، فالقلب لا بد أن يكون موافقاً موافقة تامة لما يرضي الله، أما الجوارح فإن كان وقع عليه إكراه فهو يعذر بالإكراه في منع عمل الجوارح، ويقيم أمور دينه حسب الإمكان، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، والمعنى: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم مع انعقاد قلوبكم على الإيمان.
قال القاسمي ﵀ في محاسن التأويل: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) أي: إلا أن تخافوا منهم محذوراً فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه، كما حكى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قوله: إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، هل معنى ذلك: أن المسلم ينافق الناس؟! لا، لكن المقصود في حال الإكراه.
فإذا وجدت شبهة الإكراه العام كما تكون مثلاً في بعض البلاد التي تكون الدولة والغلبة والقهر فيها لغير المسلمين، فحينما نحكم على آحاد الناس في هذه الحالة يجب أن نضع في اعتبارنا هذا العارض عند الحكم على آحاد الناس بما يظهر من صور قد تقدح في قضية الموالاة، فوجود شبهة الإكراه تقدح في دلالة ما يظهر من الموالاة على ما يترتب عليها من الكفر أو الفسق وليس العكس، يعني: إنسان مسلم أتى بشيء يكفره أو يفسقه بعذر الإكراه، مثل أن يقرب لوثن، أو يتكلم بكلام يكف به عن نفسه شر بعض الطواغيت تحت عذر الإكراه مثلاً، فهذا الفعل في حد ذاته إذا نظرنا إليه مجرداً قادح في الإيمان، لكن إذا كان الفعل بمجرده يدل على الكفر، ووجدت شبهة الإكراه فإنها تقدح في الدلالة على كفر فاعلها، وليس العكس، يعني: لا يقال: إن وجود ظاهر الموالاة يقدح في دلالة التلفظ بالشهادتين على الحكم بالإسلام، فنشهد لهذا الإنسان بأنه كافر أو على الأقل نتوقف فيه؛ لأن هذا قلب للقضية، فالأصل أنه مسلم، فأنت لا تنظر للفعل بمجرده، بل انظر للفعل إذا كان معه قرينة الإكراه، ففي هذه الحالة شبهة الإكراه تقدح في الأخذ بدلالة هذا الظاهر، ولا يقال العكس، لا يقال: إن هذا الظاهر يقدح في أصل التوحيد، وأصل التزام هذا الرجل بالشهادتين.
ووجه ذلك: أنه التزم الالتزام المجمل بالإسلام، فشهد الشهادتين، والتزم التزاماً مجملاً بالإسلام؛ فهذا يدل على صحة الانتساب إلى الإسلام في الظاهر، وهذه دلالة تعطينا يقيناً بأن نطق هذا بالشهادتين، والتزامه المجمل بالإسلام، يدل دلالة يقينية على أنه مسلم، ولا يجوز القدح في هذه الدلالة بشبهة محتملة، ولا يجوز العدول عن العمل بمقتضاها إلا بحجة قاطعة، فهذا اليقين لا يبطله إلا يقين مثله، أو أقوى منه.
فهنا توجد شبهة للإكراه، ونحن على يقين أنه مسلم، فلا يتزحزح هذا اليقين إلا بيقين مثله أو أقوى منه، فإذا وجدت شبهة الإكراه فإنها ليست يقيناً كافياً حتى نبطل ونقدح في التزامه بالإسلام.
стр. 187
منهج مؤلف (حد الإسلام) في الإعذار بالأعذار
صاحب كتاب: (حد الإسلام) درج في كتابه على عكس هذا المنهج الذي ذكرناه، فقضى: بأن الإخلال بقضية من قضايا أصل الدين موجب لتخلف حد الإسلام، وانعدام صفته مهما حام حول الإسلام بها من شبهة الإكراه أو غيره حتى يثبت وجود الإكراه بيقين، فإذا تيقنا وجود الإكراه فإنه يعذر؛ لكن الإخلال بقضية من قضايا أصل الدين سواء في النسك أو الحكم أو الولاية، فهذا يوجب تخلف حد الإسلام، وتنعدم منه صفة الإسلام مهما حام حولها من شبهة الإكراه حتى يثبت الإكراه بيقين لا بشبهة، فهذا هو الفرق بين المنهجين.
يقول صاحب حد الإسلام صفحة (٣٨٣): وقبول شرع الله يتحقق بعدم الرد -يعني: بعدم رد أمر الله- وهو الإباء والرفض والامتناع من قبول الفرائض والأحكام، وكذلك قبول شرع غيره يعرف بعدم الرد، فإن منع من الرد مانع الإكراه وجد كره القلب، ودلالته الاعتزال، وعدم المشايعة بالعمل عليه، أي: عدم مظاهرة من يقومون على هذا الباطل وعدم الترويج لباطلهم، فهنا تراه جعل عدم الرد دليلاً على الكفر حتى يثبت الإكراه، ويثبت الإكراه بدلائله من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل، ففي ذلك إهدار للدلالة التي أخذناها من التزام هذا الرجل المجمل في الإسلام، فهذا فيه إهدار تماماً لهذه الدلالة، وهي دلالة الالتزام المجمل للإسلام، مع أن هذه الدلالة يجب أن تكون هي الأصل الذي نستصحبه.
إذاً الأصل: أن هذا الإنسان المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس العكس، فيجب أن يستصحب الأصل الذي هو الالتزام المجمل بالإسلام بناءً على هذا الأصل والحكم عليه بالإسلام، ولا يتحول ولا يتزحزح هذا الأصل حتى يثبت الناقض بيقين، وهو وجود الرد وانتفاء عوارض الأهلية وليس العكس، ففي الحقيقة أن الكاتب -ككثير من الباحثين في هذه المسألة- منطقي مع فكرته نفسها؛ لكن مع أصول أهل السنة والجماعة ليس منطقياً ولا موافقاً؛ لأن منطق الفكرة التي وضعها تقرر أن عقد الإسلام عنده لا يثبت حتى تستوفي جميع أركان حده على التفصيل، وبعد تبينها واستيفائها يحكم له بالإسلام، فالأصل الذي بنى عليه منهجه أن عقد الإسلام لا يثبت لمن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، بل لا بد أولاً: أن نتحرى ونستوفي ونتحقق هذه الأركان الثلاثة فيما يتعلق بالنسك، والولاية، والحكم! يعني: هو يرى أن عقد الإسلام لا يثبت حتى تستوفي جميع أركان حده على التفصيل، فإذا لم تستوف هذه الأركان فليس هناك أصل يستصحب بالإسلام؛ لأن الإسلام لم يوجد بعد حتى يقال: لا يجوز أن يحكم بزوال الإسلام بمجرد الشبهة العارضة، فهو يقول: أصلاً هو لم يثبت التزامه بالإسلام، فهو منطقي هنا بهذا التقرير مع منطقه ومع فطرته؛ لكن ليس منطقياً مع عقيدة أهل السنة التي تثبت عقد الإسلام بمجرد الالتزام به جملة، ويصبح ثبوت حكم الإسلام في هذه الحالة يقيناً لا يزول بالشبهة العارضة، ولا يبطله إلا يقين مضاد، فالخلاف مع صاحب البحث في هذه القضية ينبثق أساساً من الخلاف حول تحديد ماهية أصل الدين، أو بتعبير الكاتب: حد الإسلام على النحو الذي سبق بيانه، فهذا في الحقيقة خلاف تابع وليس خلافاً أصلياً.
стр. 188
الولاية وعلاقتها بأصل الدين
الولاية في اللغة ضد العداوة، وأصل الولاية من الوليْ وهو القرب والدنو، وتطلق على التحالف والنصرة، كما تطلق على المودة والمحبة، يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: وأصل الولاية: المحبة والتقرب كما ذكره أهل اللغة.
وأصل العداوة: البغض والبعد، وكما يبدأ العداء بتنافر القلوب، ويمتد إلى أن يصل إلى مقاتلة العدو أو المظاهرة عليه؛ فإن الولاء يبدأ بميل القلب، ويقوى هذا الميل أو الحب ويشتد إلى أن يحمل على الولاء والنصرة.
العداوة بهذا المعنى تقابل وتضاد الولاية، والأدلة على هذه المقابلة قوله ﵎: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ينقلب إلى العكس، فهذا دليل وجود المقابلة بين الطرفين، ويقول : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف:٥٠].
وفي الصحاح للجوهري: الولْي: هو القرب والدنو، والوليّ ضد العدو، والموالاة: ضد المعاداة، والولاء: النصرة.
وما ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين؟ المحبة والمناصرة منها ما يكون على الدين، ومنها ما يكون على الأسباب أو العلائق الدنيوية.
مثلاً: عاطفة المحبة: منها ما هو حب طبعي، كحب الرجل لزوجه وولده، وحبه لعشيرته ووطنه وقومه، ومن الحب ما يكون على الدنيا، يعني: بعض الناس تحدث بينهم مواصلات وارتباطات وصلات دنيوية من اشتراك في تجارة وعمل ونحو ذلك من الارتباطات الدنيوية، فتوجد بينهم نوعاً من الألفة والمودة والموالاة.
أيضاً: من هذه الموالاة ما يكون على الدين، كحب أي مسلم أسلم بسبب إسلامه، مع أنه قد لا تربطك بهذا الشخص الذي أسلم أي علاقة أو قرابة ولا مودة ولا مصلحة ولا مشاكلة ولا تآلف في أي أمر من أمور الدنيا.
هذا بالنسبة للموالاة.
أما المناصرة: فمنها ما يكون على الدنيا، كما يتناصر الناس فيما بينهم على وشائج النسب والرحم والقرابة والمصالح، يتناصرون وينصر بعضهم بعضاً على الدنيا، كأغلب الحروب التي تقع في العالم اليوم والمنازعات إنما تكون على مصالح الدنيا، ولا تكون على عقيدة أو مبدأ، لكن من النصرة ما يكون على الدين كتناصر المسلمين فيما بينهم على الإسلام من غير أرحام بينهم ولا تجارة يتعاطونها.
فالذي يرتبط بأصل الدين من الولاء والنصرة هو فقط ما كان قائماً على أساس الدين لا على أساس الأسباب والصلات الدنيوية.
إذاً: نحن قسمنا الموالاة إلى أقسام دينية ودنيوية وكذلك المناصرة، فلماذا نقول: إن الذي يتعلق ويرتبط بأصل الدين وتحقيق الولاية إنما يتعلق فقط بالدين، وما وجه ذلك؟ وجهه: أن الحب الطبعي أو التناصر الدنيوي لا ينقض أصل الولاية، وإن كان يقدح في كمالها، يعني: مثلاً قد يكره الرجل بعض أهله وعشيرته، وقد تقع بينه وبين فريق من المؤمنين عداوة لأسباب دنيوية: إما تحاسد أو تنافس أو غير ذلك من الأسباب الدنيوية، وقد يصل الأمر إلى حد الاقتتال أو التباغض، ولا يقدح ذلك في أصل الدين، ولا يصبح المسلم بذلك كافراً، وقد أشار القرآن إلى بعض ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فالرجل قد يكره زوجه فقال الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، فهذا الحب قد يتخلف مع الزوجة، ومع ذلك لا يمس أصل الدين، فهذه قد تكون طبعية أو لأسباب دنيوية، ولا علاقة لها بقضية الولاية التي لها ارتباط وثيق بأصل الدين.
يقول أيضاً ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، فلم تنقطع بينهم أخوة الإيمان رغم أن هذه العداوة التي وقعت بينهم وصلت إلى التباغض والتدابر بل والاقتتال، ومع ذلك لم يقدح ذلك في أصل الدين، وأثبت لهم صفة الإيمان.
أيضاً: قد يستثقل الإنسان بعض التكاليف الشرعية، ويحصل كره طبعي لا شرعي لبعض هذه التكاليف، لكن لا يقدح ذلك في أصل الدين؛ لأن الذي يقدح في أصل الدين هو الكراهية الشرعية وليست كراهية الطبع والاستثقال، فالإنسان يكره أن يقتل في الجهاد، فهل كراهة حصول القتل والسبي والأضرار التي تحصل، تقدح في أصل الدين؟ إذا كره ذلك من حيث أنه شرع الله فهذا يقدح، أما إذا كرهه طبعاً فهذا لا يقدح، والدليل على اعتبار الشرع الكراهة الطبعية قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقد حصلت للصحابة كراهة طبعية للخروج في غزوة بدر لمقابلة النفير، هم أرادوا أن يخرجوا ليلقوا العير ويغنموا هذه الغنيمة الباردة، يقول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٦]، فمع وجود الكراهة الطبعية أثبت لهم الإيمان.
وقال ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، فلا تستطيع أن تدخل الجنة إلا حينما تمر على هذه المكاره وتثبت عليها، (وحفت النار بالشهوات) لأنها تجذب الناس فتوقعهم في النار، ومن هذه المكاره التي حفت بها الجنة مثلاً: كونك تتوضأ بالماء البارد جداً في شدة البرد لتصلي الفجر، وتسبغ الوضوء على المكاره، وتعطي الوضوء حقه وتبلغ به حده الشرعي وأنت كاره، فأنت تكره هذه البرودة، وهذا نوع من العناء، لكن لا تكرهه شرعاً وإنما طبعاً، أما شرعاً فهو يتلذذ بذلك تقرباً إلى الله ﵎، ويصبر على ذلك ابتغاء وجه الله.
فالكراهة المذكورة في قوله ﵎: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]، لا شك أنها ليست كالكره المذكور في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، فالأولى كراهة طبعية، والأخيرة كراهة شرعية مذموم أهلها.
أيضاً يقول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً جداً بين هذه الكراهة وبين الكراهة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وغير ذلك مما ذكرنا من الكراهة الطبعية.
أيضاً: وجود المحبة الطبعية أو التواد أو التناصر الدنيوي لا يعني بالضرورة وجود الحب الشرعي، وانعقاد الولاية الإسلامية، وسنذكر بعض الأدلة على أن من الولاية والنصرة ما يتعلق بأسباب الدنيا وليس له ارتباط بقضية أصل الدين.
مثلاً: أبو طالب دافع وذبّ عن النبي ﵌، وكانت هذه نصرة أو محبة طبعية لصلة الرحم، ولكن لم تكن محبة شرعية؛ فلذلك لم تنفعه، ووجود هذه المحبة لم تدخله في الإسلام.
أيضاً: قد يحب الرجل بمقتضى الطبع زوجه أو ولده أو عشيرته، وإن كانوا على غير دينه، ولا يقدح ذلك في أصل الدين، إلا إذا حمله محبة الزوجة أو الأولاد على فعل شيء من الكفر الأكبر، يقول الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، وكلمة الأزواج تشمل الزوجة الكتابية اليهودية أو النصرانية، فقد يحبها زوجها المسلم حباً طبعياً لا شرعياً.
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذه الآية نزلت في أبي طالب، وبعض العلماء يفسرها ويقول: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته، فهذه المحبة طبعية بسبب القرابة، لكن ليست محبة شرعية، وقد ظل أبو طالب ينصر رسول الله ﷺ طيلة عمره ويحوطه ويمنعه، ولم يتحقق له بهذه النصرة ولاء الإسلام؛ لأنها كانت نصرة على الرحم، ولم تكن نصرة على الدين، بل إن قيام هذا التناصر الدنيوي بين المسلمين لا يحقق به المقصود من الولاية الشرعية؛ لأن المقصود بها ما كان تناصراً على الدين لا على الصلات والمصالح المشتركة، واعتبر في ذلك قول الرسول ﵌ في بيان ما يجد به الإنسان حلاوة الإيمان في قلبه: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فجعل العمدة في ذلك المحبة الشرعية لله، وهذه إحدى الثلاث الخصال التي من فعلها ذاق طعم الإيمان.
والحب والنصر لا يقدح في أصل الدين إلا إذا كان خذلاناً على الدين، أما مجرد القعود عن الجهاد وإن تعين عليه الجهاد؛ فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، فمجرد هذا التخلف لا يعد قادحاً في الإسلام، إلا إذا كان يقصد خذلان الدين.
ولا يخرج المسلم عن الإسلام بمجرد قعوده عن نصر الملة، وقد يكون تخلفه عن هذه ا
стр. 189
الأسئلة
стр. 190
حكم الطلاق البدعي
السؤال
ما هو القول الصحيح في الطلاق البدعي هل يقع أم لا؟
الجواب
موضع الطلاق يحتاج لكلام كثير جداً، لكن الذي أعلمه وأدين الله به في هذه المسألة: أن الطلاق البدعي يقع، وطلاق الحائض يقع وفاقاً لجمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة؛ لأنه جاء في حديث ابن عمر في بعض الراويات في مسلم أنه أمر ابن عمر أن يعتد بتلك التطليقة التي طلقها فيها وهي حائض وأنه اعتد بها واحتسبها طلقة، مع إنكار النبي ﷺ عليه أنه طلقها وهي حائض، وفي الكلام تفصيل يرجأ إلى حينه -إن شاء الله- في باب الفقه، والله أعلم.
стр. 191
الإيمان والكفر [١٧]
إن تخلف الحب الطبعي أو التواد الدنيوي لأي سبب من الأسباب لا يعني بالضرورة تخلف الحب الشرعي وانقطاع الولاية، فهناك فرق بينهما يتضح عند التأمل في النصوص الشرعية، وكما أن الحب درجات فكذلك الولاية الشرعية درجات يجري عليها ما يجري على غيرها من العبادات.
стр. 192
ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين
لقد سبق كلام يسير في قضية الولاية، وذكرنا معنى الولاية في اللغة، وذكرنا نقطة مهمة وهي: ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين، فالمحبة والنصرة التي هي من معاني الولاية منها ما يكون على الدين، ومنها ما يكون على أسباب دنيوية، فالحب من الولاية، ومنه مزايا طبيعية ومنه مزايا شرعية، فحب الرجل زوجته وحبه لعشيرته ووطنه هو حب طبعي يرجع إلى الطبع.
أيضاً منه ما يكون على الدنيا؛ بسبب ارتباط الناس فيها بينهم بمصالح ووشائج وصلات دنيوية يتحابون فيها، ومنه ما يكون على الدين كحب من أسلم؛ بسبب إسلامه، مع أنه قد لا تربطك به قرابة ولا مصلحة ولا منفعة ولا ألفة دنيوية، كذلك النصرة من معاني الولاية، ومنها ما يكون على الدنيا، ومنها ما يكون على الدين، كما يتناصر الناس على وشائج النسب والرحم والقرابة والمصالح، ومنها ما يكون على الدين، كتناصر المسلمين فيما بينهم على الإسلام، وإن لم تكن بينهم أرحام ولا زيارة يتعاطونها، فالذي يرتبط بأصل الدين هو ما كان على الدين، مثل: الحب والنصرة بسبب الدين، أما ما عدا ذلك فلو حصل فيه شيء من الإخلال فإنه لا يمس العقيدة، ولا يرتبط بقضية أصل الدين.
стр. 193
عدم نقض التواد والتناصر الدنيوي لأصل الولاية
إن اختصاص ما يتعلق بالولاية بأصل الدين، أولاً: أن التواد والتناصر الدنيوي لا ينقض أصل الولاية، وإن كان يقدح في كمالها، مثلاً: الإنسان قد يكره بعض أهله وعشيرته، وقد تقع بينه وبين بعض المؤمنين عداوة لأسباب دنيوية كتنافس وتحاسد ونحو ذلك، بل ربما يصل الأمر إلى حد الشجار أو القتال، وهذا لا يقدح في أصل الدين ولا يبطل إيمان هذا المؤمن، وإن كان يقدح في كمال إيمانه أن يتقاتل مع أخيه المسلم وأن يتحاسد معه.
يقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] فهنا العلاقة علاقة الحب الطبعي للزوجة ليس شرعياً وقد يقع تخلفه كما هو هنا: ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)) فهذه الكراهية التي تقع أحياناً من الزوج لزوجته لا تقدح في عقيدته ولا تمس الدين؛ لأن هذا حب طبعي.
مثلاً: قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، إلى أن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] فوصفهم بالإيمان ولم يقدح تقاتلهم في أصل الدين؛ لأن التقاتل لم يكن بسبب الدين، وإنما على شيء من أمور الدنيا.
أيضاً قد يكره الإنسان طبعاً بعض التكاليف الشرعية، مثلاً: الوضوء بالماء البارد في شدة البرد، فالطبع يستثقل هذا، لكنه يحبه شرعاً؛ لأن الله يحبه، فهذا لا يقدح في إيمانه.
أيضاً قد يكره القتال، يقول ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: أنتم تكرهونه طبعاً، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فهنا كراهة المؤمنين للقتال كراهة طبعية لا شرعية، فهم لا يكرهونه؛ لأنه حكم الله أو أمر الله، لكن لأن النفوس جبلت على كراهته كراهة طبيعية، يقول أيضاً في نفس الموضوع: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] أي: كارهون للخروج لقتال المشركين في غزوة بدر، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٦]، فهذه أيضاً كراهية طبعية وليست كراهية شرعية، كذلك أيضاً قول النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره - يعني: التي تكرهها النفس- وحفت النار بالشهوات).
والكره الموجود في هذه النصوص التي ذكرناها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [النساء:١٩] وقوله: (وحفت الجنة بالمكاره)، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] كل هذا لا علاقة له بأصل الدين؛ لأن هذه الكراهية قد تكون طبيعية، وليست هي نفس الكراهية المذكورة في مثل قوله ﵎: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، هذه كراهية في الدين، ولذلك فهي تبطل وتحبط الإيمان؛ لأنها كراهية للحق والتوحيد والأنبياء.
وهذه الكراهية الطبيعة لا يمكن أن تكون مثل الكراهية التي في قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، فهذه الكراهية في الدين هي التي تمس أصل الدين والعقيدة وتحبط الإيمان.
هذا فيما يتعلق بالدين، أما إذا ما تخلف الحب الطبعي ووجد كره طبعي، فإنه قد يقدح في كمال الإيمان لكنه لا يقدح في أصله، كذلك إذا وجد الحب الطبعي والتواد والتناصر الدنيوي؛ فإن هذا لا يعني بالضرورة وجوب الحب الشرعي، وانعقاد الولاية الإسلامية؛ لأن الرجل بطبعه قد يحب زوجته أو ولده أو عشيرته وإن كانوا على غير دينه، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في أصل دينه إلا إذا حمله على فعل هو في ذاته كفر أكبر، يقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فالأزواج هنا تشمل فيما تشمل الكتابيات اليهودية أو النصرانية إذا تزوجها المسلم بشرطه، ومع ذلك هذا لا يقدح في أصل الإيمان؛ لأنها محبة طبيعية وليست تنافي العقيدة.
وأيضاً قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: لقرابته منك، وقيل: إنها نزلت في قصة أبي طالب ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)) أي: هدايته، ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ))، فـ أبو طالب كان ينصر النبي ﵌ طيلة عمره، ويحرسه ويمنعه ممن آذاه، لكن هل صار بذلك مسلماً؟ لا؛ لأن مناصرة أبي طالب للنبي ﷺ إنما كانت بفعل القرابة، وبسبب الحب الطبعي لا الشرعي، لذلك لم تكن نصرة في الدين، ومن أجل ذلك لم يكن بذلك مسلماً، ويقول النبي ﵌ في العلامات التي إذا فعلها الإنسان يجد حلاوة الإيمان في قلبه: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فهذه هي المحبة المعتبرة المعتد بها.
стр. 194
التخلف عن النصرة الواجبة لا يقدح في أصل الدين
إن تخلف النصرة الواجبة على العبد المؤمن لا يعني التخلف أو القدح في أصل الدين، إلا إذا كان خذلاناً على الدين، أما مجرد القعود عن الجهاد الواجب فهو كبيرة؛ يجب عليه أن ينصر إخوانه المؤمنين، سواء كان النفير عاماً، أو داهم العدو بلداً من بلاد المسلمين، أو حضر الصف في هذه الحالات التي يجب فيها النفير العام، ففي هذه الحالة يجب أن يخرج، فإذا لم يخرج وقد تعين عليه الجهاد فهذا لا يعد قدحاً في أصل إيمانه، وإن كان يقدح في كمال إيمانه وينقص إيمانه؛ لأنه مرتكب لكبيرة من الكبائر؛ لكن لا يخرج بذلك عن الملة، وهنا تخلف عنصر من عناصر المناصرة على الدين.
أيضاً قد يتخلف الإنسان عن مثل هذه المناصرة لسبب، مثل: عهد بينه هو وقبيلته وبين القوم الذين سيقاتلهم المؤمنون، أو لأنه لم يهاجر، أو كامتناع المسلمين من مناصرة من أتاهم بعد صلح الحديبية كـ أبي جندل وأبي بصير فهما حينما انتهى الأمر ردهما النبي ﵌، وامتناعهم أيضاً عن مناصرة من هاجر إليهم على قوم بينهم وبينهم ميثاق.
стр. 195
مناصرة أعداء الله لصلة رحم لا يقدح في أصل الإيمان
إن وجود مودة أو مناصرة لأعداء الله مما يقدح في أصل الدين، إذا كان مساومة لهم على دينهم الباطل، أما إن حصل مثل هذه المناصرة لصلة رحم أو نحوه فهذا ذنب ومعصية من المعاصي، كما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في مكاتبة أهل مكة بخبر خروج رسول الله ﵌، وأيضاً كما وقع من سعد بن عبادة عندما انتصر لـ عبد الله بن أبي في قصة الإفك، وقال لـ سعد بن معاذ: كذبت! والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، بل قد تكون هذه النصرة واجبة أحياناً، فيجب على الأمة أو على المسلمين مناصرة قوم إذا كان بينهم وبينهم عهد على أنهم يدخلون في جوار الأمة الإسلامية، وأنهم يدافعون عنهم إذا داهمهم عدو آخر، كحلف من الأحلاف، فإذا وقع ذلك يجب على المسلمين إذا اعتدي على هؤلاء الذين لهم ذمة وعهد أن ينصروهم، بل الذمي الذي يعيش في وسط المسلمين وله ذمة لا تخفر ذمة الله وذمة رسوله؛ فإن من تعظيم الله وتعظيم رسوله ﵌ وطاعتهما ألا يخفر الله في ذمته؛ فإن له ذمة وعهداً مع إمام المسلمين، فلا ينبغي أن ينقض هذا العهد، بل إن النبي ﵊ تهدد من يفعل ذلك بأن يكون خصيمه يوم القيامة.
خلاصة الكلام أن ما يرتبط من الولاية بأصل الدين هو ما انعقد منها على الدين لا على الدنيا أو الطبع، لكن الأمر الذي يقدح في الولاء والبراء هو معاداة المسلم لإسلامه، أو موالاة الكافر على كفره؛ لأن كلا الأمرين يتضمن الرضا بالكفر أو السخط بالإسلام، فإذا كان ساخطاً على الإسلام ويحارب المسلم بسبب تدينه فإنه يكون راضياً بالكفر، ولذلك يوالي الكافر بسبب كفره، أما ما عدا ذلك فلكل مقام مقال، فإذا كانت الموالاة والمناصرة أو المحبة على كفر فهي كفر، وإن كانت على معصية فهي معصية، أما الموالاة على الأسباب والعلائق الدنيوية ففيه تفصيل بحسب ما تفضي إليه هذه الموالاة، فمنها ما يحل ومنها ما يحرم.
стр. 196
وجهة نظر كاتب (حد الإسلام) في الولاية
ننتقل إلى المسألة الأخرى وهي ما عبر عنه الكاتب بنفي الولاية عن غير الله ، حيث تتلخص خطبته في هذا الباب باعتباره الولاية ركناً من أركان توحيد العبادة، أو ركناً من أركان ما أسماه هو حد الإسلام، فهذا الأمر قرره في مواضع كثيرة من كتابه، وأفرد لدراسته باباً مستقلاً له، فيقول ما نصه: ثم نأتي بعد ذلك إلى الجزء الثاني من الكلام عن توحيد العبادة لتقرير أركان هذا التوحيد وهي: أ- نفي النسك عن غير الله .
ب- قبول شرع الله ونفي ما سواه.
ج- إفراد الله بالولاية.
أيضاً ذكر أن معنى الولاية: أن تتولى الله وتوالي فيه .
أيضاً حدد المناط المحذور المكفر في باب الولاية بأحد أمرين: تولي الكافرين، أو تولي المرء غيره بغير ولاية الإسلام، فاعتبر كلاً منهما كفراً صريحاً.
يقول: والمحذور على المسلمين بالنسبة لأمر الجماعة فيهم أن يتولوا الكافرين، فولاية الكافرين كفر صريح بواح، وأن من يتولى غيره بغير ولاية الإسلام يكون قد اتخذ غير الله ولياً، قال: ومن اتخذ غير الله ولياً فهو مشرك، أيضاً حدد لموالاة الكافرين صورة واحدة وهي المظاهرة والمناصرة، والدل على عورات المسلمين.
هذا هو معنى ولاية الكافرين التي تعد مكفرة عنده، فهذه ليس لها تكييف عنده إلا أنها كفر أكبر.
يقول: على أن التبرؤ من موالاة الكافرين ليس على درجة واحدة بين المؤمنين، ولذلك ذكر الله اتخاذ البطانة ولم يصفه بالكفر: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، وذكر الموالاة ولم يصفها ولو مرة واحدة بغير الكفر، وحدد الموالاة بأنها المظاهرة والمناصرة، والدل على عورات المسلمين.
أيضاً: أكد أن موالاة الكافرين في ذاتها كفر صريح، بصرف النظر عن الاعتقاد الباطن، أو الباعث إلى هذه الموالاة، وعقد مقارنة بين قصة حاطب بن أبي بلتعة وبين قصة أصحاب مسجد الضرار، انتهى منها إلى أن فعل حاطب ﵁ يخرج عن وصف موالاة الكافرين إلى التجسس أو خيانة السر فقط، ولا يتعلق بقضية الموالاة، وإنما هو خيانة للسر، أو عملية تجسس على المسلمين، والرد على هذا صريح جداً، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] والآية صريحة في أن هذا من الموالاة.
أيضاً انتهى إلى أن الخلاف بين فعل حاطب وفعل أصحاب مسجد الضرار لا يرجع إلى الاعتقاد الباطن، ولكن إلى اختلاف عمل الظاهر الذي يتكون من الفعل المحسوس زائد القصد، وبه وحده يتعلق الحكم الشرعي، فجعل الفرق بين قصة حاطباً وقصة أصحاب مسجد الضرار: أن حاطب لم يقصد الإضرار بالمسلمين، وإنما قصد جلب منفعة معينة لذويه الذين هم مستضعفون في مكة مع بقاء الولاء، أما في حالة مسجد الضرار فقد كان هناك قصد الإضرار، بل إلى المحق واستئصال شأفة الدعوة الإسلامية، وذكر أن هذا الفرق بين الأمرين لم يعلم بالأخبار الغيبية وحدها، بل بدلالة الأفعال والأقول، قال : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:١٠٧]، فقال: هناك فرق بين القصد من الإضرار وبين القصد إلى عدم هذا القصد في الحالتين، أما فعل حاطب فلا علاقة له بقضية الولاء، فقال: إنه عبارة عن سقطة في لحظة ضعف افتقد فيها التوكل، فوقع في سوء التأويل، ولكن لم يذهب القصد إلى المظاهرة ولم ينو بذلك المظاهرة والمعاونة والتأليب على المسلمين، أو دلهم على عورات المسلمين ومقاتلتهم التي لا نجاة للمسلمين منهم بعدها، وقد تبين للرسول ﷺ صدقه، وقال: (إنه قد صدق)، فهو لم يتركه مع وقوع فعل الموالاة منه وإنما تبين له صدقه فخرج فعله عن وصف موالاة الكافرين إلى مجرد التجسس أو خيانة سر الرسول ﵌.
آخر كلام للكاتب في هذه القضية، قال: إن ركن الموالاة شأنه شأن بقية أركان حدَّ الإسلام، لا عذر فيه بالجهل! بناءً على ما قرره الكاتب مراراً من أنه لا عذر بالجهل في حد الإسلام؛ لأن للإسلام حداً لا تثبت لأحد صفة الإسلام قبل استيفائه، ومن لم يستوفه كان كافراً، لا فرق في ذلك بين الجاهل والمعاند.
أيضاً أغفل الكاتب الإشارة في هذه القضية إلى العذر بالتأويل، فلم يذكره إلا عرضاً بكلمة عابرة عند كلامه في موقف حاطب بن أبي بلتعة ﵁: أنه سقطة في لحظة ضعف افتقد فيها التوكل، ووقع في سوء التأويل.
стр. 197
مناقشة كلام الكاتب فيما يتعلق بقضية الولاء والبراء
نعرض لمناقشة هذا الكلام الذي ذكره الكاتب فيما يتعلق بقضية الولاء، ابتداءً لا ينكر أحد أبداً خطورة وأهمية قضية الولاء والبراء، وأنها من أجلَّ القضايا التي ينبغي على كل مسلم أن يصحح فهمه فيها، وأن يخلصها مما غشيها من الخلل؛ بسبب حقد كثير من المعاصرين من أبناء هذه الأمة، أيضاً في زحمة هذه المدارسة ينبغي ألا ننسى أن بقاء الوجود الإسلامي لهذه الأمة مرهون بوضوح هذه القضية، يعني: إذا كانت قضية الولاء والبراء لم تتخذ الموضع اللائق بها في حس وعقيدة المسلمين وفي واقعهم ومواقفهم، فهذا قد يهدد وجود الأمة الإسلامية تماماً، فلابد أن هذه القضية تبقى حية متأججة في النفوس؛ فإن انقطع هذا الأمر فهذا رهن بقتلها وتقديم البدائل الرخيصة الهزيلة.
لا يغيب عنا أيضاً أن انقطاع الولاء الإسلامي، واجتماع الأمة على المصالح والعصبيات والقوميات كان هو المسئول الأول عن تغييرها وإذابة قيمها ومحو شخصيتها، والإلقاء بها في مهاوي الفتنة والدمار، ولا يخفى أيضاً ما تحاوله قوى الكفر ومن شايعها من فصل هذا الدين عن أمته وتاريخه، وقتل الانتماء إلى الإسلام والاعتزاز به في داخله، حتى يصبح مطية ذلولاً يعبثون به وبمصائره كما يشاءون، فإذا فقدنا مصدر قوتنا وعزتنا وهو الانتماء لهذا الدين والاعتزاز بهذا الدين وبأبطال هذا الدين، فهذه أحد أهداف أعداء الإسلام، وهذا أمر لو أفضنا في مظاهره لطال بنا الحديث جداً، يكفي أن الأطفال في المدارس الابتدائية يحفظون الافتخار بالفراعنة الوثنيين المشركين، ففي بعض الامتحانات التي يمتحن بها الأطفال الضحايا المساكين يأتيهم في التدريبات أو الامتحانات: لماذا تفخر بـ مينا؟ لماذا تنظر بإعجاب إلى رمسيس الثالث؟ فيبرزون هؤلاء الوثنيين المشركين عبدة الملوك في صورة الأبطال المحبوبين، ويجعلون المثل الأعلى للمسلمين الكفار، يقول : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، فهذا هو موقفهم مع الإسلام، قطع العلائق والروابط لما يكسبنا الاعتزاز بهذا الدين.
هذه القضية إن كانت قضية دعوى أو توضيح للمفاهيم، فمقام الدعوة غير مقام التأصيل والتقعيد، فعندما يكون الإنسان في معرض دعوة الناس بالترغيب والترهيب، قد يتسامح في أشياء لا يسامح فيها إذا كان في موضع تقعيد وتأصيل.
أقرب مثال إلى أذهاننا حينما نذكر هذا الفرق بين المفكر الذي يفكر وبين الشخص الأصولي المنضبط في عبارته، والذي يضع الأصول والضوابط والتقنينات، أقرب مثال هو ما حصل من الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال وفي المعالم وهو يعبر عن معان سامية من معاني هذا الدين ومن معاني التوحيد ومعاني الإيمان، لكن هذه القضية بالذات كان لها عند الأستاذ سيد قطب ﵀ موقف خاص، ولا نريد أن نندفع وراء العواطف والإعجاب بجهاد الرجل في سبيل الله وبذله نفسه في سبيل الله، هذا شيء ومحاكمة الكلام بالقواعد العلمية شيء آخر، فالفرق بين هذا المنهج الذي سلكه في الظلال والمعالم وبين المنهج الذي نراه عند صاحب كتاب حد الإسلام: أن صاحب كتاب حد الإسلام يحاول أن يأخذ منطق وضع القوالب الأصولية تأصيل الكلام وتقعيده في قواعد وحدود ورسوم، بحيث يتخذ دستوراً وضابطاً لمثل هذه القضايا الحساسة، فهو دخل في إطارات أصولية، وقعد هذه الأشياء فحصل مثل هذه المآخذ التي نذكرها.
أيضاً حينما يكون المقام مقام التقعيد والتأصيل ووضع الضوابط لا يعني ذلك أننا حينما ندافع عمن عندهم خلل في قضية الولاء والبراء حينما تدفع عنهم وصمة الكفر لا يعني ذلك أنك تواليهم، أو أنك تقرهم على ما هم عليه من الخلل والباطل، هم آثمون ومقصرون، لكن ربما في كثير من هذه الأحوال لا يصل الأمر إلى حد الكفر.
مثال: حينما يتكلم العلماء في قضية حكم قاتل المؤمن متعمداً تجد كلاماً شديداً جداً في هذه القضية، وذكر الأحاديث التي تصف مثل هذا الفعل بأنه كفر: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ذكر بعض العلماء أننا نترك الأحاديث على ظاهرها ولا نفسرها أمام عوام الناس، هذا المقصود منه التخويف والترغيب من قتل المؤمن بغير حق، فلا تقل له: أنت لا تخرج من الكفر وأنك تبقى في الإسلام، مثل هذا في مقام الدعوة والتبليغ لا ينبغي؛ لأن المقصود التبليغ؛ لذلك لما دخل الإمام أحمد رحمه الله تعالى أحد المساجد وجد قاصاً كان يخوض في التحذير من معصية معينة بطريقة فيها شيء من المبالغة كما هو معروف عن القصاصين، فالإمام أحمد لو كان يظن أنه علم لأخذ يناظره ويبطل حجته لكن هو رآه رجلاً من القصاصين، الوعاظ القصاصين وفي نفس الوقت له تأثير جيد على الناس بحيث أنه ينفرهم من بعض هذه المحرمات، أو ينكر على بعض البدع، فقال الإمام: ما أنفعهم للعامة.
الإمام أحمد رجل من علماء الحديث وجهابذته يغار على السنة وعلماء، الحديث لهم حساسية خاصة أمام القصاصين، فهذا القاص أتى بهذه الأشياء التي هي غير ثابتة من حيث الأثر لكن في مجملها تنفر من بدع معينة، فقال: ما أنفعهم للعامة، وتركه وانصرف.
كذلك عندما تتكلم على ترك الصلاة لا تقل لقاطع الصلاة: من ترك الصلاة فقد كفر وهذا الكفر كفر كذا، وأنت مسلم لكنك عاصٍ وكذا مثل هذا الكلام، لكن إذا سئلت لا تكتم العلم الذي تعلمته، لكن في باب التنفير تطلق ذكر عموم النصوص.
فتأتي ذكر المرأة النامصة وتقول: لعن الله النامصة والمتنمصة، ولا تقل لها: اطمئني أنت موحدة وأنت مسلمة، أنت تقولين: لا إله إلا الله، وربما يكون لك أعمال صالحة أخرى تكفر عنك هذه المعصية وربما كذا وربما كذا، كلا، فلا إفراط ولا تفريط، وفي نفس الوقت لا تقل لها: أنت ملعونة، أو أنت قد وقعت عليك لعنة الله؛ لأنَّكَ بالفعل لا تدري هل تقع عليها اللعنة أم لا، لكن تقول لها: قال رسول الله ﷺ (لعن الله النامصة والمتنمصة) فمقام الدعوة ومقام الإرشاد قد يتسامح فيه غير مقام التقعيد والجلوس، أمام مجالس أهل العلم أو المدارسة بين طلبة العلم، هذه تحتاج لضبط ودقة واحتياط، فهذا نقوله بين يدي الكلام في هذه القضية لسنا في مقام الدفاع عن الخلل الموجود في كثير من المسلمين في قضية الولاء والبراء؛ لأن مرض البعد عن الإسلام والتقصير في جنب الله قد شاع في مجتمعاتنا.
أيضاً نحتاج لنبرز ما يعذر به العامة؛ لأن مقامنا هنا ليس مقام الكلام مع العامة، فلا تأت للعامي الذي يفعل أفعال الشرك وتقول له: اطمئن هذا شرك أصغر وأنت كذا وتسوغ باطله وتعتذر عنه، لكن هذا هو البحث العلمي المجرد الذي يقضي بيان الحق في مقامه، ووضع الأمر في نصابه.
أما ما ذكره الكاتب في باب الولاية فهو أولاً قصد حقيقة ولاية الكافرين على النصرة والتجسس، والدل على العورات، هذه هي ولاية الكافرين.
стр. 198
معنى الولاية لغة وشرعاً يناقض ما ذهب إليه كاتب (حد الإسلام) في الولاء
إن أئمة اللغة لم يقصر أحد منهم معنى الولاية على النصرة كما ذهب الكاتب، بل ذكروا جميعاً أن أصل الولاية من الوَلْية، والوَلْي هو القرب، وضد الولاية العداوة، وتطلق الولاية أيضاً على المناصرة، وتطلق على الحب والتقريب.
فهناك إذاًَ: ولاية الحب والمودة، وهناك ولاية التحالف والنصرة، يقول في الصحاح: والولي ضد العدو، والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والتقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، فخلاصة كلام اللغويين في هذا أن الموالاة ضد المعاداة، والمعاداة درجات تبدأ من تنافر القلوب، وتمتد إلى أن تصل إلى المقاتلة وتقابل السيوف، أو المظاهرة على العدو والدل على عورته.
هذا من حيث اللغة.
إذاً: الولاية تشمل هذه المعاني ولا تقتصر فقط على ما ذكره الكاتب.
أيضاً هناك من القرآن الكريم ما يدل على هذا؛ فإن القرآن فرق بين الولاء والنصرة في تسعة عشر موضعاً، منها: قوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥]، وقوله الله : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣]، ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٢]، ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨].
فهذا التفريق بين الولي والنصير من حيث القسمة العقلية لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه تفريق حقيقي، يعني: أن العطف هنا يقتضي المغايرة، وأن الولاية غير المناصرة، أو أن يكون هذا من باب عطف الخاص على العام، مثل قوله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨]، مع أن جبريل وميكال من ملائكة الله ولكنه خصهما من دون ملائكته، فتكون النصرة فرداًَ من أفراد الولاية أو أحد معانيها، ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٧].
فعلى كلا الوجهين يبطل ما ذهب إليه الكاتب من قصر حقيقة الولاية على النصرة والدل على العورات.
وجه ذلك أن الولاية هي ضد العداوة، والعداوة درجات تبدأ ببغض القلوب، وتمتد إلى أن تصل إلى مقاتلة العدو، أو المظاهرة عليه والدل على عوراته، فإذا تأملنا المقابلة بين الولاية والعداوة في مثل قوله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، أيضاً يقول الله : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، فالنصرة فرد من أفراد الموالاة وصورة من صورها وليست كل الموالاة هي النصرة.
أيضاًَ من الأشياء التي تلفت النظر أن الكاتب أخرج ما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عن أن يكون صورة من صور الموالاة، ولم تبلغ حد الكفر؛ لأنه وضع أصل موالاة الكافرين لها معنى واحد هو المناصرة والدل على العورات، وأن هذه المناصرة بهذه الصورة ليس لها تكييف إلا أنه كفر أكبر يخرج من الملة، مع أن الله قال في شأن حاطب: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا))، خصه بالإيمان، ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].
فنهت الآية عن اتخاذ أعداء الله أولياء، وذكرت صورة من ذلك وهي الإلقاء إليهم بالمودة، وهذا هو مورد الآية أصلاً، فكيف يقال بعد ذلك: إن ما وقع من حاطب ﵁ يخرج عن نطاق الموالاة بالكلية، فالمشكلة هي أنه تبنى أصلاً مسبقاً، ثم حاول أن يفسر الآية على الأصل الذي تبناه، أو حاول تأويلها في ضوء هذا الأصل، ونحن مأمورون بأن نتحاكم إلى آيات الكتاب لا أن نتحكم فيه، فهذا والله أعلم نوع من التحكم، فوضع أصلاً من عنده غير موافق للشرع ولا للغة، ثم لما وضع هذا الأصل واستقر عنده أراد أن يقصر معنى الآية على هذا الأصل الذي ذكره.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تفسيراً للموالاة المذكورة في قوله: ((لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ))، فقوله: ((تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ))، هذا هو تفسير الموالاة، وقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، فالآية تجيز للمسلمين في حال الخوف المداراة وإظهار الموالاة باللسان لأعداء الله بقدر ما يكف به شرهم وتندفع به فتنتهم، مع عقد القلب على البراء والبغض، يقول الطبري: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً))، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يكف بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.
ويقول الشوكاني: وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، لكنها تكون ظاهراً لا باطناً.
خلاصة الكلام أن مسمى الموالاة لأعداء الله لا يختص فقط بالنصرة وحدها، بل يشمل سائر صور المودة الأخرى، هذا فيما يتعلق بمعنى الموالاة وقصر الكاتب إياه على المناصرة، وبيان أنها أعم من ذلك.
стр. 199
الفرق بين الحب والكره الطبعي والشرعي
قال المؤلف: ليس مطلق النصرة من أصل الدين، يعني: حصر الكاتب الموالاة في معنى المناصرة والمظاهرة.
ثم قال: إن هذا ركن من أركان حد الإسلام لا يعذر فيه بالجهل، والقدح فيه قدح في أصل الدين.
ف
الجواب
أنه ليست كل مناصرة هي من أصل الدين، بل ما كان من ذلك بسبب الدين، فإذا كان أصل الموالاة هي الحب والقرب، فإن الموالاة تشمل فيما تشمل النصرة.
بقي أن نقرر أصلاً هاماً وهو أن ما يرتبط من الحب والنصرة بأصل الدين هو ما كان من ذلك بسبب الدين، لا مطلق الحب ولا مطلق النصرة، أما ما لم يكن بأصل الدين فإنه يرتبط بالفروع، ويتفاوت الحكم فيه من صورة إلى أخرى.
تفصيل هذا الكلام أن الحب منه ما هو طبعي كحب الحليلة والأولاد، ومن الحب ما هو شرعي اختياري كحب المسلم لإسلامه، وحب ما شرعه الله لعباده من التكاليف؛ لأنها تنزلت من عند الله .
أيضاً من الحب ما يكون لأسباب دنيوية؛ كصداقة وجوار ومصلحة، ومنه ما يكون مرده إلى الدين، كما يحب المسلم إخوانه في الله جملة على الغيب، فأنت تشعر بحب نحو كل مسلم على وجه الأرض حتى ولو لم تعرف اسمه ودون أن تراه، حتى ولو لم تكن لك أي صلة بهذا المسلم، فهذا الحب الذي يكون في الدين، فما يتعلق بأصل الدين من هذين النوعين من الحب الطبعي والشرعي فقط هو الحب الشرعي الاختياري الذي يكون مرده إلى الدين.
ونكرر الكلام بصورة أخرى، فنقول: إن تخلف الحب الطبعي أو التواد الدنيوي لأي سبب من الأسباب لا يعني بالضرورة تخلف الحب الشرعي وانقطاع الولاية، فقد يكره الإنسان زوجته ويحمله ذلك على طلاقها وفراقها، فلو تخلف هذا الحب لا يعني ذلك أنه يكرهها كرهاً شرعياًَ، وأن هذا يقدح في موالاته لله ورسوله، هذا أمر طبعي وليس أمراً شرعياً، فهل معنى ذلك أن ولاية الإسلام تنقطع بين هذين الزوجين؟ لا، فولاء الإسلام باق، وهي ما زالت مسلمة لها حرمة المسلمة وهو كذلك، فيبقى أصل الولاء بسبب الإسلام، وقد أثبت القرآن كرهاً من هذا النوع ولم يثبت به انقطاع ولاية الإسلام، فقال ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤].
وهناك من العداوة ما قد تكون عداوة صريحة كعداوة العدو، وقد تكون عداوة غير مباشرة، كأن يشغلك عن ذكر الله، ولعل هذا هو المقصود بالآية، أو أن الإنسان يحصل لأهله وولده المال من الحرام، فهما يحملانه على فعل شيء من المحرم، ربما أيضاً يستثقل الإنسان بعض التكاليف الشرعية ويكرهها طبعاً، ولا يعني ذلك أن عمله قد حبط وأن إسلامه قد نقض، وأثبتت النصوص شيئاً من هذا الكره ولم تثبت به انخرام عقد الإسلام، كما ذكرنا الأمثلة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، وكذا مثال إباحة الشرع لتعدد الزوجات، فما من امرأة إلا وهي تغار وتكره أن يتزوج زوجها عليها، فهذه الكراهية كراهية طبعية، حتى إن النبي ﵊ كان لا يؤاخذ زوجاته فيما أتينه من أفعال بسبب هذه الغيرة، فحينما أرسلت إحدى أمهات المؤمنين في يوم عائشة ﵂ قصعة فيها طعام وثريد، فحملتها الخادم وأدخلتها على النبي ﵊ في حجرة عائشة، فغارت أم المؤمنين وضربت القصعة وأسقطتها على الأرض حتى انكسرت، فماذا فعل النبي ﵊؟ ظل يجمع الطعام من الأرض ويقول: (غارت أمكم.
غارت أمكم)، فلم يؤاخذها، وأبدل الأخرى بقصعة سليمة.
الشاهد أن هذا شيء طبيعي، لكن لو فرضنا أن امرأة من المسلمين تكره هذا الحكم؛ لأنه حكم الله، هذه تكون عرضت نفسها للردة، وألا يكون لها حظ من الإسلام إذا هي طعنت في هذا الحكم، وأن الله أباح تعدد الزوجات، أو اعتقدت أن هذا ليس من الشرع في شيء بدون تأويل، أو كذبت بهذا الحكم، أو جحدته أو كرهته شرعاً لا طبعاً، فهذا يمس أصل الدين ويمس العقيدة.
فهذه من الأمثلة الواضحة على التفريق بين الكره الشرعي والكره الطبعي، فإذا كرهت المرأة تعدد الزوجات؛ لأنه حكم الله، فهذه ينطبق عليها قول الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، أما إذا كانت الكراهية طبعية بسبب الغيرة والطبع فهذا مما لا تؤاخذ به المرأة.
أيضاً القتال كما ذكرنا مكروه من حيث الطبع، لكنه محبوب من حيث الشرع، والدليل على ذلك أنك ترى المجاهد في سبيل الله يترك ماله وأهله وأولاده، ويلقي بنفسه مقبلاً غير مدبر في نحور الأعداء، وهو حريص على ذلك أشد من حرص الأعداء على الحياة، قال الله في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢] فهو محبوب شرعاً للمؤمن؛ لأن في الجهاد والقتال في سبيل الله ثواباً عظيماً جداً، سواء في النفقة بالمال أو المخاطرة بالروح، فهذا يحبه حباً شرعياً، لكن الطبع قد يكره ذلك لهذه الأسباب.
أيضاً في بعض التكاليف الشرعية قد توجد كراهية طبعية.
هذا أصل معنى كلمة تكليف، التكليف: هو أن يلزم الشخص بشيء فيه كلفة ومشقة، ولذلك لا توجد عبادة إلا وفيها مشقة، لكنها مشقة مقدورة محتملة.
وقوع الكره الطبعي قد يوجد حتى بين بعض المسلمين من تحاسد وتباغض وتدابر، بل ربما يتلاعنون ويتقاتلون ولا يعني ذلك انقطاع أصل ولاء الإسلام بينهم، ونعتبر في ذلك فيما وقع بين الصحابة ﵃ من الاقتتال مع أنه لم يقطع الأخوة الإيمانية بينهم، حتى كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يجمع القتلى من الفريقين ويصلي عليهم بعد انتهاء القتال.
وذكرنا آنفاً قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، فلم تنقطع ولاية الإسلام ولا أخوة الإيمان رغم ما كان بينهم من تحارب وقتال، لذلك العلماء يفرقون بين القتل الذي يكون لعداوة أو لخصومة أو على مال، وبين القتل الذي يكون على دين الإسلام، فالأول يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، أما الذي يكون بسبب دينه وإسلامه فهذا كفر أكبر مخرج من الملة.
فالنوع الأول لا ينقض الولاء والبراء ولا يمس أصل الدين، وإن كان ينقص كمال الدين.
أما النوع الثاني: فهو قتل المسلم بسبب إسلامه، فهذا هو الذي ينقض الولاء والبراء.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: عن حكم قتل المتعمد، وعمن يقتل على مال أو حقد ومن يقتل على دين.
فأجاب: الحمد لله، أما إذا قتله على دين الإسلام مثل ما يقاتل النصارى المسلمين على دينهم.
فهذا كافر شر من الكافر المعاهد، وهؤلاء مخلدون في جهنم كتخليد غيرهم من الكفار، وأما إذا قتله قتلاًَ محرماً لعداوة أو مال أو خصومة ونحو ذلك فهذا من الكبائر ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة.
انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
ذكرنا أيضاً أن وجود الحب الطبعي أو الدنيوي لسبب أو لآخر لا يعني ضرورة وجود الحب الشرعي وانعقاد الولاية الإسلامية، مثال ذلك: الزوجة الكتابية قد يحبها الزوج حباً طبيعياً، لكن لا يعني هذا بالضرورة وجود الحب الشرعي المحرم في مثل هذه الحالة، أو أنها لها ولاية الإسلام، كذلك محبة الرجل ولده وذوي رحمه وإن كانوا على غير دينه، هذه المحبة طبيعية، وفي القرآن الكريم إشارات إلى هذا النوع من الحب الذي لا يعني بالضرورة انخرام عقد الإسلام، مثل: قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: من أحببته لقرابته حباً طبعياً، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذه كما ذكرنا في حق أبي طالب، وإن كان هذا الحب لم يكن من جنس حب النبي ﵌ للمسلمين، فهذا حب خارج عن معنى الولاء والبراء.
وفي تفسير آخر للآية: إنك لا تهدي من أحببت هدايته.
وأيضاً: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، وهذا أيضاً يشمل فيما يشمل الكتابية.
وقال الله : ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]، فهذه المحبة التي نعتها هذه الآية على الصحابة ﵃ من جنس المحبة الناقضة للولاء، وإن كانت مضعفة له ويجب اجتنابها.
كذلك مما لا ينكر أنه كلما قوي ما في القلب من الإيمان بالله، وكلما زادت ورسخت محبة رسول الله ﵌ في قلب العبد؛ فإن هذه المحبة تطرد ما فيه من ميل أو مودة إلى أعداء الله، حتى لو كان هؤلاء آباءً أو أبناءً أو إخواناً أو عشيرة، حتى إذا ما
стр. 200
الفرق بين الحب المتعلق بأصل الدين وغير المتعلق بأصل الدين
كيف نميز بين الحب الذي يكون له علاقة بأصل الدين، والحب الذي لا يتعلق بأصل الدين؟ التفريق والميزان بين الحب الذي له علاقة بأصل الدين والذي ليس له علاقة بأصل الدين هو الباعث، يعني: نبحث ما هو الذي يبعث على هذا الحب، وما هو الذي يحمل عليه، فإن كان هذا الحب لرحم أو لزوجية أو لحاجة كان متعلقاً بالفروع أي: بالأمور العملية في كتب الفقه مثلاً، ولا ينتقض فيه بالضرورة عقد الإسلام، اللهم إلا إذا حمل على ارتكاب فعل هو في ذاته من أعمال الكفر الأكبر، أما إن كان الباعث على هذا الحب مرده إلى الدين، وكان الباعث عليه والدافع له متعلقاً بأصل الدين لا محالة، كالذي يعادي المسلم بسبب إسلامه، أو بغضه لأحكام الله، وكراهيته لما أنزل الله، فهذا ينقض أصل الإيمان ويبطل الإسلام، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٢] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠].
كل هذه صورة من معاداة المسلم بسبب إسلامه، لا أنهم يتنازعون على أرض أو على مال أو على أمر من أمور الدنيا أو تحاسد، لكنها معاداة بسبب أن هذا مسلم، وبسبب أن هذا صاحب دين، فمعاداة المسلم بسبب إسلامه هذا مما يتعلق بأصل الدين وينتقض به عقد الإسلام.
كذلك حتى نميز بين الحب الذي له علاقة بأصل الدين وبين ما لا علاقة له بأصل الدين العداوة وهي نقيض الحب.
إذاً: ما هي العداوة التي تتعلق بأصل الدين؟ وكيف نفصل بينها وبين العداوة التي لا علاقة لها بأصل الدين ولا تنقض عقد الإسلام؟ فيكون نفس هذا الجواب، يعرف ذلك بالبحث عن الباعث على هذه العداوة، إن كان الحامل على هذه العداوة خصومة أو حسد أو تنازع على مالٍ أو على شيء من هذا كان تعلقها بالفروع وليس بأصول الدين، ولكل حالة حكمها، أما إذا كان مردها إلى الدين وعداوة بسبب الدين فهذه ما من شك أنها تتعلق بأصل الدين، وتقدح في صحة الإيمان.
стр. 201
الإيمان والكفر [١٨]
أجمع علماء الأمة عبر العصور كلها على أن الحكم لله وحده بلا نزاع، وأن إعطاء هذا الحق لغيره جل وعلا يعتبر كفراً أكبر مخرج من ملة الإسلام؛ وأما اعتماد الحكم بالكفر على كل من قبل بغير شرع الله مطلقاً فهذا مما لم يقل به أحد، فينظر في أسباب هذا القبول، ونوع هذا الحكم.
стр. 202
منهج كتاب (حد الإسلام) في قضية الحكم
سبق أن ذكرنا تعريف الكاتب لحد الإسلام، وهو أنه يتكون من ركنين: الأول: تصديق خبر رسول الله ﷺ جملة وعلى الغيب.
الثاني: التزام شريعته جملة وعلى الغيب، وأنه لا يقبل تصديق بغير التزام، ولا التزام بغير تصديق.
ثم عبر عن حد الإسلام بتعبير آخر حينما قسمه إلى ثلاثة أركان أساسية، وهي: النسك، والحكم، والولاية.
وذكر أن الحد الأدنى من الدين الذي يجب تحققه في كل إنسان حتى تثبت له صفة الإسلام ابتداءً، والذي يؤدي تخلف جزء منه إلى تخلف الدين كله، هو: ما اجتمع في توحيد الله ﵎ في هذه الأقسام الثلاثة: النسك والحكم، والولاية، يعني: أن يكون الحكم لله بلا شريك، والولاية لله بلا شريك، والنسك لله بلا شريك.
ثم ذكر أيضاً في خصائص هذا الحد: أنه لا تفاوت ولا تبعيض بين أركانه، فهذا الحد لا يتضاعف ولا يزيد ولا ينقص، وأنه لا عذر فيه بالجهل، فمن تحقق فيه هذا الحد كان مسلماً، ومن لم يتحقق لديه كان كافراً، دون اعتبار لعلم أو جهل، وكنا مررنا فيما سبق على قضية الولاية، ويتبعها في الحديث الركن الثالث، وهو: الحكم، ونفي حكم غير الله .
وتتلخص فكرة كاتب البحث في هذا الباب فيما يلي: أولاً: أن قبول شرع الله ورفض ما سواه له تعلق بالتوحيد في جانبيه القولي والعملي، يعني: أن قضية الحكم لله هي ترجمة للواقع العملي؛ من حيث إن المسلم يقبل كل ما شرعه الله ، ويرفض ما سواه، هذه القضية لها تعلق بقضية التوحيد، سواء كان التوحيد القولي أو التوحيد العملي، فمن ناحية تعلقها بالتوحيد القولي أو العلمي من حيث كونها تعتبر إثباتاً لصفة من صفات الله ، يعني: قوله تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، يراد به: أن الله هو الحاكم الأعلى، وينفرد بحق التشريع والحاكمية في هذه الصفة من صفات الله ﵎.
هذه هي قضية الحاكمية وتعلقها بالتوحيد في جانبه العلمي، وهو صفة الحكم لله ، أيضاً يتعلق موضوع الحاكمية بالتوحيد في الجانب العملي من حيث كونه ركناً من أركان توحيد العبادة، وهذا الكلام من الكاتب صحيح حتى الآن؛ لأن قضية الحاكمية أوسع من ذلك المفهوم الضيق الذي يظنه بعض الناس في هذا الزمان، فالحاكمية صارت مرادفة للجانب السياسي من الإسلام، حينما يذكر الحاكمية فالناس تنطلق أذهانها إلى إقامة حدود الله ، وما يتعلق بالجانب الجنائي أو غيرها، وما ماثلها من الأحكام السياسية العليا، ولا يفطنون إلى أن قوله: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾، تتناول كل ما حكم الله فيه حكماً وقضى فيه أمراً، ويتضح ذلك بمراجعة أي مرجع من مراجع كتب أصول الفقه حينما يعقد الأصوليون بحث الحكم، ويتكلمون في الحكم والحاكم، والمحكوم له، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه كل كلامهم يدور حول الأحكام بنوعيها سواء الأحكام التكليفية أو الأحكام الوضعية.
وعندما يتكلمون عن الأحكام التكليفية فيقسمونها إلى الأحكام الخمسة المعروفة، وهي: ما أمر به الله إما على وجه الحتم واللزوم فهو الواجب أو الفرض، أو ما أمر به الله لا على وجه الحتم واللزوم فهو المستحب أو الإحسان أو النافلة أو المندوب أو السنة، ثم ما نهي عنه إما على وجه الحتم واللزوم، فهو الحرام، أو ما لم يكن على هذا الوجه فهو المكروه، ثم ما هو مخير بين فعله وتركه وهو المباح.
فأي حالة يكون عليها المسلم لا تخرج عن شيء من هذه الأحكام الخمسة.
وأنت نائم: النوم مباح، وأنت تصلي: الصلاة إن كانت فريضة فهي فريضة، أو نافلة فهي نافلة، كذلك في سائر العبادات، وأنت تنظر فإن نظرت إلى ما حرم الله، فهذا حرام، وإن نظرت إلى ما أباح الله فهذا مباح، إن ذبحت فهذا إما فريضة أو مستحب، إن وجدت في مجلس فيه كلام فهو إما مكروه أو مباح أو حرام، وهكذا كل أحوال المسلم لا يخرج بها أبداً عن العبودية لله ، فالحاكمية أوسع بكثير من هذا النطاق الضيق الذي يحصره فيه بعض الذين يركزون فقط على الجانب السياسي من الإسلام، ويعزلونه عن باقي أحوال المسلم.
فالمسلم في كل لحظة من حياته هو في حالة تحاكم إلى الله ، وتحكيم لشريعة الله في علاقته بربه أو علاقته بالآخرين.
إذاً: لا شك أن قضية الحاكمية لها تعلق أساسي بالتوحيد في شقيه العلمي والعملي، العلمي: من حيث كونها صفة من صفات الله، وكون الحكم لله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، والعملي: لأن الحاكمية ركن من أركان توحيد العبادة.
هذا فيما يتعلق بفكرة الكاتب الأولى في هذا الموضوع.
أما فكرته الثانية فيقول: إن قبول التكليف من غير الله كفر أكبر، بصرف النظر عن موضوع هذا التكليف.
أي: سواء كان هذا التكليف بما يخالف شريعة الله، أو بما يوافقها، أما الاستجابة للغواية أو الهوى فليس لها تكليف شرعي محدود، وإنما تتوقف على نوع الفعل.
الفكرة الثالثة: أن قبول شرع الله يتحقق بعدم الرد، وهو الإباء من قبول الفرائض والأحكام، يعني: قبول الشرع يتحقق بعدم رده، وأن الإنسان لا يأبى الأحكام والفرائض التي فرضها الله ، وقبول شرع غيره، وأما كيف نحكم على هذا الإنسان أنه قبل شرعاً غير شرع الله؟ يتحقق هذا بعدم رده ورفضه.
يقول: وأدنى درجات الرد: كره القلب، ودلالته الاعتزال، وعدم المشايعة بالعمل عليه، أي: عدم مظاهرة من يقومون على هذا الباطل، وعدم الترويج لهم.
هنا في هذه الفكرة والتي قبلها تختلف النظرة فيها، كذلك رفض تفسير الربوبية في حق بني إسرائيل والتي ذكرها الله في سورة التوبة في قوله ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١].
إلى آخر الآية، بأنها الطاعة في الاعتقاد أي: أن هذه الربوبية لم تكن طاعة لهم في الاعتقاد، وقرر أنها مجرد الطاعة في قبول الأحكام، ويجتهد في إثبات ذلك بعديد من الأدلة، مبيناً أن في تفسيرها بالطاعة في الاعتقاد من اللوازم الفاسدة ما يرده أكثر العقلاء.
ثم ناقش أيضاً الكاتب ما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، مبيناً أنه لم يقرر أبداً أن للطاعة في التشريع حكمين: أحدهما كفر، والآخر ليس بكفر، وإنما فصل هذا التفصيل عندما كان حديثه عن الطاعة في المعصية، والمبالغة في التقليد والعبودية للمال، وقد قرر الكاتب كل هذه البنود بالتفصيل، وقرر أن المناط المكفر في قضية الحكم هو التشريع بتحليل الحرام، أو تحريم الحلال، أو تغيير أحكام الوضع، أو إسقاط الواجب.
أيضاً: رفض حكم الله في التحريم، وهذا يكون بالاستحلال والإباء من قبول الفرائض رجوعاً إلى شريعة أخرى أو من غير رجوع، ثم قال: التحاكم إلى شريعة أخرى غير شريعة الله، أو حكم آخر غير حكم الله ورسوله أو وضع الشريعة أو الشخص موضع الحاكم يرجع إليه عند التنازع، الحكم بموجب شريعة أخرى غير شريعة الله، أي: القضاء بها في مواضع النزاع والمعاملات اليومية.
أيضاً قرر أن المناط المكفر في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، أنه لا علاقة له بالاعتقاد، ولا بالإقرار، وإنما أساسه: رد الأمر عند التنازع إلى شريعة غير شريعة الله، وقرر أنه لم يكن من اليهود الذين تنزلت هذه الآية فيهم تناكر ولا جحود، وأن إنكارهم للحكم لم يرد إلا في حالة الزنا.
فهذه ملامح أساسية مجملة، وسوف -إن شاء الله- نفصل الكلام فيها في هذا الموضوع.
стр. 203
مناقشة الكاتب في منهجيته في مسألة قبول التكليف من غير الله
أولاً: قرر الباحث: أن قبول التكليف من غير الله كفر أكبر، مهما كان موضوع التكليف؛ إذ كون الإنسان يكلف من غير الله بحكم، ويقبل الإنسان هذا الحكم من غير الله، بغض النظر عن موضوع التكليف، فالمبدأ في حد ذاته هو كفر أكبر مخرج من الملة، فلا يعتبر لهذا الأمر تكليفاً شرعياً محدداً، والكفر أياً كان موضوع هذا التكليف سواءً وافق الشريعة أم خالفها، فيقول في صفحة (٣٨١): فقبول التكليف من غير الله له تكييف شرعي محدد وهو الكفر والعياذ بالله.
وقبل هذا الكلام بقليل قال: وإذا كان الشارع أو المكلف أو الحاكم غير الله ، فلا يهم أن تكون الشريعة مخالفة أو موافقة لشريعة الله، أو أن تحتوي على بعض نصوص شريعته ؛ لأن شريعته في هذه الحالة لم تكتسب شرعيتها كقانون إلا بصدورها من هذا الشارع تعبيراً عن إرادته.
وقال في موضع آخر: فقبول التكليف من غير الله له تكييف شرعي محدد لا يتوقف على نوع الفعل، ولا على وقوعه، وهو الكفر الصريح.
فالطاعة في تشريع تتضمن الإقرار بالتشريع لغير الله وهو شرك.
وقال: إن قبول التحريم أو التحليل أو غير ذلك من أحكام التكليف يثبت ويترتب ويتحقق بالطاعة في جزئية من جزئيات التشريع؛ لأنه بطاعته له فيها يعطي هذا الذي أطاعه حق التشريع له، وممارسة سلطان التكليف عليه، إلا في حالات الإكراه بضوابطها الشرعية.
يلاحظ على هذا الكلام: أن قبول التكليف تعبير مجمل يصدق على صور متعددة ومناطات مختلفة، فقد يكون مرده إلى الإيمان بهذا التكليف وإقراره كشريعة واجبة الاتباع، يعني: ممكن أن إنساناً يقبل تكليفاً من غيره -كما ذكر الكاتب- على أنه له حق التشريع، وأنه يجب عليه أن يتبع هذا الحكم من غير الله .
فهذا يحتمل أنه قد يكون مرده إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد يكون مرده إلى المداراة واتقاء الفتنة، وقد يكون مرده إلى الاتفاق والعقد، ولكل صورة من هذه الصور حكمها، واستصحاب حكم واحد في الجميع يعسر قبوله؛ لأنه يفضي إلى لوازم فاسدة، فمن قبل التكليف من جهة ما إقراراً لها بحق التشريع المطلق الذي لا يتقيد بحلال ولا بحرام، ولا يقف عند حد من حدود الله، كما يفعل الديمقراطيون الذين يقرون للأمة ممثلة في نوابها بالحق في التشريع المطلق، ويعبرون عنها بهذه الكلمة الكفرية: (إن الحكم إلا للشعب)، لا يقولون: (إن الحكم إلا لله) وإنما يقولون: الشعب هو مصدر السلطات، الشعب هو الحاكم الشعب هو الذي يحل ويحرم! والديمقراطيون يدينون بأن القانون هو التعبير عن إرادة الأمة الحرة، وأن هذه الأمة هي صاحبة الحق في السيادة المطلقة؛ فلا شك أن من اعتقد هذه العقيدة.
قد أتى باباً من أبواب الشرك الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة بالكلية، وذلك لانعقاد الإجماع من جميع علماء المسلمين على أن الحاكمية المطلقة لله رب العالمين لا شريك له.
أما مثل هذه المجالس البشرية، فليس لها أمام شرع الله إلا وظيفة واحدة فقط هي: التنفيذ والتطبيق، وأن يقولوا: سمعنا وأطعنا، والغربيون لما وضعوا النظام الديمقراطي، ونحو هذه النظم التي يعيشون فيها الآن من حرية الأديان والديمقراطية والحرية الشخصية وضعوها لأن هذا شأن صاحب الباطل دائماً، فهو مستعد لأن يتنازل حتى يتعايش مع الباطل الآخر، وهذا الذي تصوره الكافرون حينما عرضوا على النبي ﵊: نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة، كأنه حل منطقي أو التقاء في منتصف الطريق، فنزل الجواب الصريح: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦].
(لَكُمْ دِينُكُمْ)، يعني: الباطل الذي أنا بريء منه ((وَلِيَ دِينِ))، يعني: الحق هو طريقي وسبيلي، المقصود: أن هذا مقارنة أو صراع أو اختلاف بين باطل وباطل، ولا بأس إن قلنا: كله باطل، لكن هذا ليس مسوغاً ومبرراً للواقع الذي يعيشه الكفار، فهم ما رأوا نور الوحي، وما بلغتهم مثلاً رسالة الإسلام، أو بلغتهم مشوهة، أو هم رضوا بالكفر ديناً والعياذ بالله، فمثل هؤلاء هذا هو ما قد يلتمس لهم، نعم هم يتعايشون معاً، ويعطون الشعوب هذه الحقوق، لكن حينما يأتي دين الله ، هل نسوي الوحي بغيره من النظم، وبغيره من المناهج الكفرية الملحدة؟! فلا يقبل أبداً مبدأ أن الإسلام يقف على قدم المساواة مع النظم الجاهلية الأخرى سواء تسمت بالديمقراطية الاشتراكية الرأسمالية أو غيرها من الأسماء، فهذا كله باطل هؤلاء كلهم يدعون إلى النار، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، لكن عندما يأتي شرع الله ورسالة الله ودين الله فلا ينبغي أن يقرن دين الله بغيره من الأديان الكفرية، ولا يقارن أصلاً دين الله بغيره من النظم، وهذا شأن من قال: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا أليس هذا فيه إزراء للسيف، وتنقيص من شأنه؟! فشريعة الله لا تقارن أصلاً بغيرها من النظم الكفرية، قارنوا ما شئتم بين النظم البشرية بعضها ببعض، أما إذا أتى الحق الوحيد الذي يحق غيره، فتنقشع كل هذه الظلمات، وهناك اتفاق بين جميع علماء الأمة في جميع الأزمان: أن الحاكمية المطلقة هي لله ، وأنه لا توجد سيادة مطلقة ولا حاكمية مطلقة لغير الله ، ومن اعتقد غير ذلك فهو كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة، من اعتقد أن حق التحليل والتحريم أو حق التشريع المطلق يئول إلى الأمة ممثلة في نوابها فهذا كفر لا شك في أنه شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام؛ لأن الاستسلام المطلق لا يكون إلا لله وحده، فمن استسلم لله ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته كافراً به.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، فمن لوازم الإقرار بأنه لا إله إلا الله: ألا يكون الحكم إلا لله، وسوف يأتي إن شاء الله فيما بعد ذكر الأدلة رغم ظهورها مفصلة إن شاء الله.
وما أعظم هذه الكلمة التي قالها بعض علماء اليمن في مناقشة حول الدستور اليمني بعد تعديله، قال أحد هؤلاء العلماء لرئيس اليمن: حينما تضعون مادة الدستور تقولون فيها: إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، هذا يساوي تماماً أنك تقول: الله هو الخالق الرئيسي لهذا الكون، فهل يصح أن يقول الإنسان: إن الله هو الخالق الرئيسي؟ معناه: أن هناك خالقين فرعيين معه والعياذ بالله! هذا شرك وكفر، فكذلك نفس الشيء في الحكم ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]، فمثل هذا قد لا يماري مسلم في الاعتقاد به، ولا يقبل من مسلم أصلاً أي خلاف في هذه القضية، هذا فيما يتعلق بمن قبل التكاليف من جهة ما إقراراً لها بحق التشريع المطلق الذي لا يتقيد بحلال ولا بحرام، وإذا قال القانون أو مجلس النواب أو المجلس التشريعي أو مجلس الشعب: إن الزنا حلال.
يصير حلالاً، هذا أمر قانوني، وإن قال: إن إقامة حدود الله كالرجم أو الجلد وحشية، تصير وحشية محرمة، فهذا كله من الشرك الأكبر.
стр. 204
حكم قبول التكليف من جهة ما لمصلحة أو دفعاً لمفسدة
قد يقبل الإنسان التكليف من جهة ما جلباً لمصلحة أو دفعاً لمفسدة، أو مداراة لها واتقاء الفتنة مع عدم إقراره بهذا التكليف، أو عدم إقراره بحق من أصدره في التشريع المطلق، وهذا له تعلق آخر بالقضية، ولا يستوي مع من قبله إنسان التزم حكماً، وقبل تكليفاً من جهة ما، ولا يعتقد أن له حق في التشريع، لكن جلباً للمصلحة أو دفعاً للمفسدة، أو مداراة لها واتقاء لأذيتها أو فتنتها، مع إقراره بأن هذه الجهة ليس لها حق التشريع، أو حق من أصدر هذا التكليف في التشريع المطلق.
هذا مناط آخر يتفاوت حكمه من صورة إلى أخرى بحسب حجم المخالفة في فعل هذا الإنسان، ومدى العذر في خضوعه لهذا التكليف، وغير ذلك من الملابسات، وجه ذلك: أنه إذا كان ممن يخضع لشرائع الإسلام، ويذعن لأحكام الإسلام لا يكون خضوعه هذا معتبراً شرعاً يثبت له به عقد الإسلام على الحقيقة إلا إذا كان مرده الإيمان بهذه الأحكام، والإقرار بها في الظاهر والباطن، فمن استسلم لأحكام الإسلام؛ لأنها أحكام الله؛ وشريعة الله ، فهذا يعتبر شرعاً إيماناً صحيحاً.
كذلك من يخضع لشرائع الجاهلية، أو يقبل الطاعة لها عندما تكون هي الحاكمة المسيطرة لا يكون خضوعه هذا ناقضاً لإسلامه، مثلاً لو: أن الغربيين أو أي دولة من دول الكفر قالت: نحن درسنا النظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي في الإسلام فوجدناه مناسباً، ويحصل لنا به مصالح كثيرة، ويدفع عنا شروراً كثيرة، ونحن سنطبقه من هذه الوجهة، لا أنهم قبلوا حكم الله إذعاناً لله؛ لأنه أمر الله؛ وشريعة الله، لكن قبلوا لأن فيه مصالح قد تتحقق لهم، مثل تشريع الطلاق، والمواريث، ونحو هذه الجوانب، هل يصيرون بذلك مسلمين لأن النية مفتقدة، والإسلام والخضوع لله غير موجود؟! كذلك في الجهة الأخرى مجرد الإذعان لشرع الله إذا لم يكن مقترناً به الإقرار بحق الله ﵎ في التشريع والحاكمية المطلقة، فلا يعتد به شرعاً، ولا يثبت به عقد الإسلام.
كذلك شخص في الصورة الأخرى المقابلة خضع لشرائع الجاهلية، أو قبل الطاعة لها، حينما يكون هو الحاكم المسيطر، فلا يكون خضوعه هذا ناقضاً لإسلامه إلا إذا تأسس على مبدأ القبول الطوعي الإرادي لها في الظاهر والباطن، والإقرار لها بالحق في التشريع المطلق، دون معارض من جهل أو تأويل أو إكراه، يعني: لا هو جاهل ولا متأول ولا مكره، ولا يوجد له أي عذر، فإذا كان الإنسان يقبل الطاعة لهذه النظم الجاهلية أو الأحكام الوضعية الكفرية، فمجرد الخضوع في حد ذاته لا يكون ناقضاً للإسلام إلا إذا تأسس على الإقرار الباطن والظاهر بأحقيتها في التشريع، والسيادة المطلقة، والتشريع المطلق، دون عارض من جهل أو تأويل أو إكراه، لكن إذا كان قبوله لحكم هذه الجهة مؤسساً على المصالح والمفاسد أو مؤسساً على المداراة، واتقاء الفتنة، وليس شرطاً أن تكون مصالح ومفاسد شرعية، ربما يكون لغرض منفعة شخصية أو غير ذلك، فقد تكون معصية لكن لا تكون كفراً، فإذا كان قبوله الطاعة لهذه الهيئة مؤسساً على المصالح أو المفاسد أو المداراة واتقاء الفتنة، ولم يؤسس على الإقرار بحقها في الطاعة المطلقة، فقد تجاوز موقفه هذا أصل الدين، هنا لا يخدش أصل الدين عنده، ولا يخدش عقد الإسلام والتوحيد، وأصبح تعلقه بفروع الدين لا بأصوله ولا بالعقيدة.
ثم ينظر بعد ذلك في مدى ما ترتب على هذه الطاعة من مخالفة للشريعة، ومدى ما قام عنده من العذر، ويقرر لكل حالة حكمها حسب العذر، وحسب ما ترتب على هذه المخالفة من آثار، فمثلاً الذين يعملون في المؤسسات العلمانية في ظل الأنظمة العلمانية المعاصرة ليسوا سواءً في مجالس إجراء الأحكام، وإن كان الظاهر في عامتهم أنهم قد قبلوا التكليف من غير الله ، فالظاهر أن الناس خاضعين ومذعنين لهذه الأحكام أو النظم العلمانية، فعامة هؤلاء الناس الذين يدخلون في هذه المؤسسات العلمانية طائعين، وهم يعلمون سلفاً أن لهذه المؤسسات شرائع وأنظمة ولوائح تخاطب كافة العاملين في هذه المؤسسات، ويلزمون بها، ويعلمون كذلك أن من سنوا هذه التشريعات وقرروا هذه اللوائح طائفة من البشر لم يهتدوا بهدي الله، ولم يردوا أمرهم إلى شريعة الله، وإنما مردهم إلى الأهواء والمصالح التي قد تتفق أحياناً مع شريعة الله، وقد لا تتفق، ومع ذلك ربما يبعد تصديقنا لهذا الكلام من الكاتب، وإن كان هذا هو مآل قاعدته التي يترتب عليها: أن مجرد قبول التشريع كفر.
هذا فيما يتعلق بهذا الأمر.
فهؤلاء الذين دخلوا في هذه المؤسسات وحالهم كما ذكرنا إن قال قائل عنهم: هؤلاء لا خيار لهم في الخضوع لهذه النظم؛ لأنها قواعد آمرة من جهة ذات سلطان ملزم لا يد لهم في تغييرها، فالجواب أن نقول: لكن هؤلاء قد كان لهم الخيار ابتداءً في عدم الالتحاق بهذه الهيئات من البداية، فهم وإن كانوا مكرهين في الخضوع لأنظمة هذه الهيئات بعد الدخول فيها فقد كانوا طائعين في دخولها منذ البداية، فضلاً عن قدرتهم على الانفصال عنها في أي لحظة.
فلا يخفى وجود فارق بين رجل الشارع الذي لا يد له بعدم الخضوع للنظم العلمانية التي تلاحقه بحكم وجوده تحت مظلة هذه النظم العلمانية اللهم إلا إن كان يستطيع الهجرة منها، فلا شك أن هناك فرقاً بين هذا الرجل وبين العاملين في هذه الهيئات التي التحقوا بها في أغلب الأحيان طائعين مختارين وهم يعلمون سلفاً أن التحاقهم بها يترتب عليه قبولهم لأنظمتها التي لم تظهر مستندة إلى كتاب الله وسنة رسول ﵌.
ومع ذلك فلا يعرف أحد من علماء أهل السنة المعاصرين قضى باستصحاب أصل الكفر في هؤلاء تأسيساً على هذه القاعدة، ولا يعلم أحد من العلماء عمم الكفر على هؤلاء جميعاً بأي صورة من الصور.
كذلك من جهة أخرى قد يكون قبول التكليف مرده إلى العقد الذي أبرم بين طرفين بتحقيق مصلحة مشتركة، فمثل ذلك قد يكون جائزاً، وقد يكون ممنوعاً، فما كان منه من جنس الشرك فهو ممنوع، وما كان دون ذلك فهو دون ذلك، لكن ليس في ذلك أصل واحد يستصحب وإنما يختلف الحكم باختلاف المعقود عليه من حيث موافقته للشريعة أو عدمه.
فهذا أيضاً ينطبق على العاملين في مؤسسات خاصة، فهم يخضعون لما قرر لها أربابها من النظم واللوائح، ويلتزمون بطاعة رب العمل، والخضوع للرؤساء بمقتضى ما أبرم بينهم وبين هذه المؤسسات من عقود، قد يكون أصحاب هذه المؤسسات ممن لا يدينون أصلاً بدين الإسلام، ومع هذا فإن المقطوع به في مثل هذا المقام اختلاف الحكم في هذه الأعمال باختلاف موضوعها، ومدى ما تضمنته نظمها من موافقة للشريعة أو مخالفة، فالعمل في بنك ربوي مثلاً، أو في مرقص ليلي يختلف عن العمل في متجر أو مزرعة.
والعمل في مجال أمور إدارية يختلف عن العمل في مجال القضاء حيث الحكم بغير ما أنزل الله ، وهنا تبدو المجازفة في إطلاق القول بأن مجرد قبول التكليف من غير الله شرك أكبر مهما كان موضوع التكليف سواء وافق الشريعة أو خالفها، فمع حسن الظن بنية الكاتب ومن ينحون منحاه إلى هدف من وراء هذا الكلام، وهو -فيما نظن- تربية الأمة على الكفر بالطواغيت، وعدم الإقرار لها بحق التشريع، وتجريد الانقياد لله وحده، إلا أن مجرد هذه النية وحدها لا تكفي في الحكم على صحة هذا المسلك إلا إذا اعتمدنا وصححنا مذهب الخوارج في التكفير بالمعصية.
إذاً: نصحح مذهب الخوارج الذين كفروا بالمعصية، بحجة أن الخوارج يربون الأمة على استعظام المعاصي، ويحولون بينهم -بهذا الوعيد- وبين ارتكاب هذه المعاصي، يعني: الغاية لا تبرر الوسيلة.
أيضاً قول الكاتب: إن الطاعة في التشريع تتضمن الإقرار بالتشريع لغير الله وهو شرك.
هذا الكلام ليس على إطلاقه، فهو يقول: إن مجرد الطاعة في التشريع، والانقياد تتضمن الإقرار بالتشريع لغير الله ، وهذا شرك أيضاً كما ذكرنا آنفاً، هذا القول ليس على إطلاقه، بل الطاعة في التشريع من غير الله قد تتضمن الإقرار بالتشريع لغير الله وقد لا تتضمن، فإن كانت كذلك كان الحكم فيها كما قال: إن كانت الطاعة ناشئة عن إعطاء حق التشريع المطلق لغير الله ، وعن إقرار هذا الحق فهذا شرك، وإن لم يقترن بها الإقرار بهذا الحق في التشريع ففي الأمر تفصيل، ويختلف أيضاً الحكم باختلاف موضوع هذه الطاعة، فمن أطاع في تشريع إقراراً بحق من أصدره بالتشريع من دون الله ومتابعة له على ذلك كان مشركاً بالله .
ومن أطاع في التشريع لأسباب أخرى فقد تجاوز هذا المضيق، وكان حكمه حكم ما أطاع فيه، إن كان أطاع في كفر فهو كفر في فسوق فهو فسوق في معصية فهو معصية، فالذي نستطيع أن نخلص منه من عبارة الكاتب في هذه المسألة: أن تقييد الطاعة بالطاعة الشركية، أي: إن كان في الطاعة شرك فتكون شركية، وإلا ففي الأمر تفصيل كما ذكرنا؛ لأن الطاعة في التشريع ليست في كل حالة تكون شركية، فمنها ما هو من جنس الشرك ويأخذ حكمه، ومنها ما هو دون ذلك.
فرق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين من أطاع الأحبار والرهبان فيما أحدثوه لهم من التحليل والتحريم من بني إسرائيل في اعتقاد ما قالوه دون ما قاله الله ورسوله، وبين من أطاعوهم في معصية الله مع صحة اعتقادهم في حكم الله، فبين شيخ الإسلام: أن الطائفة الأولى مشركة كافرة، وهي التي أطاعت الأحبار والرهبان في أمور تخالف الدين، واعتقدوا كلام الأحبار والرهبان دون كلام الله ورسوله الذي أرسل إليهم، فهذه الطائفة بين شيخ الإسلام أنها طائفة مشركة كافرة.
أما الطائفة الثانية: فهم الذين أطاعوا الأحبار والرهبان في معصية الله، مع صحة اعتقادهم في حكم الله، فهم يعتقدون أن هذا حكم الله، لكنهم اتبعوا الأحبار والرهبان اتباعاً للهوى وانقياداً للدنيا، فهذه الطائفة الثانية مذنبة عاصية.
فجعل شيخ الإسلام الطاعة في التشريع، منها ما هو شرك، ومنها ما هو دون ذلك حسب صحة الاعتقاد وأثره، لكن لا شك أن هناك فرقاً بين كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وبين كلام الباحث صاحب حد الإسلام في أن مطلق الطاعة في التشريع كفر
стр. 205
حكم صرف العبادة لغير الله
العبادة مرتبطة بأصل الدين، وصرف العبادة لغير الله يعتبر شركاً أكبر، فكون العبادة المرتبطة بأصل الدين والتي يعتبر صرفها لغير الله شركاً أكبر ليست هي مطلق الطاعة، وإنما الطاعة التي تنبثق من كمال المحبة والتذلل.
فمن خضع لإنسان مع عدم حبه له لا يكون عابداً له، فالعبودية تتكون من شقين، غاية الحب مع غاية الذل والانقياد، قد يحصل ذل وانقياد، لكن مع بغض ومقت وكراهية، كشخص يكره الضابط في الدين كراهية شديدة، لكنه يطيعه وينقاد لأوامره هذا لا يسمى عبودية؛ لأنه فقد أحد الركنين، وجدت الطاعة والانقياد، لكن مع البغض والمقت والكره، فليست هذه عبودية، والعكس: قد يدعي إنسان محبة إنسان، أو يدعي محبة الله مثلاً أو محبة رسوله ﵊، ثم لا يخضع ولا ينقاد لحكمه، فهذا أيضاً ينافي العبودية.
فالعبودية كمال الحب مع كمال الذل والطاعة والانقياد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قال بعض المفسرين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، يعني: والذين آمنوا في حبهم لله أشد حباً لله من حب أصحاب الأنداد لأندادهم، أما القول الثاني فهو: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، من المشركين بالأنداد لله، فإن محبة المؤمنين خالصة، يعني: أن المشركين قد يحبون الله ، لكنها محبة فيها شرك، أما المؤمنون فإنهم يمحضون ويخلصون حبهم لله ويجردونه؛ فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت الأنداد بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من التي فيها شرك.
مقصود الكلام: أن المحبة الشركية هي المحبة مع الله، لما تتضمنه من التأله لغير الله، والتعلق به، والرغبة إليه، وإنما كانت شركاً لما يقع في قلوب أصحابها من التعلق لغير الله رغباً أو رهباً، بخلاف المحبة في الله كحب الرسول ﵌ والصالحين من عباد الله، فإنها من جنس الطاعة لله؛ لأنها تابعة لمحبته ولازمة له.
هل محبة رسول الله ﵊ محبة مع الله؟! كلا.
هذه من توابع ولوازم محبة الله، فأنت تحب من يدلك على الله، وتحب من يسير على طريق الله، فهناك محبة في الله، ومحبة لله، وهناك محبة مع الله وهي المحبة الشركية.
فالطاعة الشركية هي التي تنبثق من هذا الحب الخاص: حب التأله والتنسك، وليس من مطلق الحب، وذلك عندما يكون النظر إلى ذاك المطاع -مع غض الطرف عن موضوع الطاعة- على أنه هو الآمر، فمهما أمر فإنه يطاع حكمه حتى لو أمر بحرام أو بغير ذلك، فما أثبته الكاتب من أن قبول التكليف من غير الله ، أو الطاعة في التشريع شرك أكبر مهما كان موضوع التكليف من حيث موافقة الشريعة أو مخالفتها يجب أن يقيد بما إذا كان منبثقاً عن الحب الخاص؛ حب التأله والتنسك لغير الله .
فما دام الكاتب يريد أن يسبغ وصف الشرك على الطاعة باعتبار المصدر فقط -بغض النظر عن موضوع الطاعة- فلابد أن تقيد الطاعة بأنها الطاعة التي تستند إلى المحبة الشركية، فهذه هي الطاعة التي يصدق عليها وصف الشرك الأكبر، والتي تخرج صاحبها من الملة بلا تردد، لكن إذا اعتبرنا موضوع الطاعة فهنا تتسع الدائرة، ويقال: إن للطاعة الشركية مأخذين: المأخذ الأول: باعتبار مصدرها.
المأخذ الثاني: باعتبار موضوعها.
فباعتبار مصدر الطاعة الشركية: من كانت طاعته لغير الله مبنية على المحبة الشركية التي تتضمن تعلق القلب بغير الله رغباً ورهباً وحباً وتألهاً، أي: أن الحب الذي ينبغي أن يصرف لله وحده صرفه الشخص تماماً إلى غير الله ، فهذا قد أشرك شركاً أكبر بغض النظر عن موضوع الطاعة؛ لأنه نظر إلى عين وذات الآمر، وأعطاه هذا الحق نتيجة المحبة والرغبة والرهبة، فصرف هذه المحبة إلى غير الله بهذه الصورة، فصارت محبة شركية يطيع الآمر فيها، بغض النظر عما يؤمر به أو ينهى عنه، فهذا من جنس الذين يتخذون من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله؛ لأنه أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله، فصرف هذه المحبة التي لا ينبغي ولا تكون إلا لله إلى غير الله ، فانبثقت عنها الطاعة المطلقة، بغض النظر عما يؤمر به، فهذا باعتبار النظر إلى مصدر هذا التشريع.
المأخذ الثاني: باعتبار موضوع الطاعة: فمن كانت طاعته لغير الله غير مبنية على المحبة الشركية، ولا على الإقرار لغير الله بالحق في التشريع المطلق؛ فقد تجاوزت الطاعة في هذه الحالة وصف الشرك باعتبار المصدر، وبقي أن ينظر إلى موضوع التكليف أو الطاعة؛ فطاعته ليست مبنية على المحبة الشركية التي ذكرناها في القسم الأول، وليست مبنية على أنه يقر لغير الله بحق التشريع المطلق، فحينئذ تتجاوز هذه الطاعة مسألة أصول الدين، وعقد الإسلام، ويبقى النظر في موضوع التكليف أو الطاعة، فإن كانت الطاعة في شرك فهو حينئذ يصبح مشركاً، وإن كانت الطاعة في معصية فهذا ذنب من الذنوب، فإذا تضمنت طاعته رد حكم الله أو انعكست بالخلل على أحد ركني أصل الدين: التصديق أو الانقياد كانت كفراً، وإن لم تكن كذلك تفاوت الحكم فيها باعتبار الموضوع حتى تصل إلى درجة المباح، إذا كانت طاعة في الأمور العادية التي سكتت عنها الشريعة وتركت أمر تنظيمها إلى العباد.
стр. 206
درجات الرد للشرائع الجاهلية عند الكاتب
قرر الباحث أيضاً: أن أدنى درجات الرد للشرائع الجاهلية الاعتزال وعدم المشايعة، أقل درجة من درجات الرد للحكم الجاهلي هي: الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل.
فهو قرر في أكثر من موضع: أن قبول التشريع من غير الله كفر، وأن ذلك يتحقق بعدم الرد، وأن أدنى درجات هذا الرد كره القلب، وكيف نعرف كره القلب؟ نعرفه بالاعتزال وعدم المشايعة بالعمل عليه.
قال في صفحة ثلاثة وثمانين وثلاثمائة من بحثه: وقبول شرع الله يتحقق بعدم الرد.
أي: عدم رد أمر الله عليه، وهو الإباء من قبول الفرائض والأحكام، وكذلك قبول شرع غيره يعرف بعدم الرد، فإن منع من الرد مانع الإكراه في القلب، ودلالة كره القلب الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل عليه.
أي: عدم مظاهرة من يقومون على هذا الباطل، وعدم الترويج لباطلهم.
يقول أيضاً في موضع آخر وهو يتحدث عن الربوبية التي كانت في بني إسرائيل: فإذا تبين الرضا فله حكم الفعل، وإلا فالمتابعة دليل على الرضا، والرضا له حكم الفعل ما لم يكن ثمة إكراه بدلائله ينفي هذه الدلالة.
فيقرر هنا في هذه الفقرات ثلاثة أمور: الأول: أن قبول التشريع من غير الله كفر.
الثاني: أن هذا القبول يعرف بعدم الرد.
الثالث: أن شبهة الإكراه لا تنفي دلالة المتابعة الظاهرة إلا إذا قامت الأدلة على كره القلب من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل.
الملاحظات على هذا البحث: أولاً: أن الباحث اعتبر أن دلالة الكره بالقلب لا تكون إلا بالاعتزال وعدم المشايعة بالعمل، فانظر إلى هذا الحصر: أنه لا توجد طريقة للاطلاع على أن الإنسان كاره لهذا الأمر إلا بأن يظهر كرهه له في الاعتزال وعدم المشايعة على هذا بالعمل، فهذا القول مفض إلى تكفير عامة من لم يعتزل هذه الكيانات الجاهلية المعاصرة، فيترتب على هذا: أن كل من لم يعتزل هذه الكيانات يحكم عليه بالكفر؛ لأن عدم الاعتزال دليل عنده على وجود قبول التكليف من غير الله ، وقبول التكليف من غير الله كفر بإطلاق.
كما بين الباحث في أكثر من موضع.
قد يؤول هذا الكلام وتظهر له بعض اللوازم ربما يكون الكاتب نفسه لم يقصدها.
هذا احتمال، لكن على أي الأحوال هي لازم كلامه، ومآلات ما قعده من قواعد وأصول، فكل من وجد في كيان من هذه الكيانات الرسمية تحت مظلة الحكم بغير ما أنزل الله سواءً في الجيش كالشرطة والقضاء، أو البنوك، النقابات، الوزارات إلى آخره، فيترتب على هذه المقدمات -لأنه لم يعتزل هذه الكيانات الجاهلية- أنه كافر مشرك بالله العظيم.
كذلك لا يقبل من أي واحد من هؤلاء الاعتذار بالجهل؛ لأنه سبق في مقدمة البحث: أن الكاتب جعل نفي الحكم عن غير الله ركناً من أركان الإسلام، ولا عذر بالجهل في ذلك.
كذلك لا يقبل منه الاعتذار بالإكراه؛ لأن دلالته الوحيدة عند الكاتب: هي وجود الكره في القلب بالاعتزال وعدم المشايعة بالعمل، ولا يقبل منه أنه يعمل في هذه الأشياء وأنه يتقي الله في موقعه ما استطاع، فلا يقول: أنا أجتهد في تقوى الله ما استطعت في عملي، وأنه لا يتلبس في عمله بمعصية؛ لأن مجرد وجوده في هذه النظم هو عبارة عن قبوله لأحكامها ضرورة، ومجرد القبول من غير الله كفر بصرف النظر عن موضوع هذا التكليف، بل ربما يكون الأمر له آثار ومآلات هي أخطر وأبعد مدىً مما ذكرنا، وهو أن الحكم بالكفر ينسحب على كل من شارك في كيان من هذه الكيانات الرسمية، ويمكن أن نصفها بأنها مثل القنابل العنقودية، وهذه طبيعة الاتجاهات التي تطورت في أمر التكفير بلا ضوابط، فتجد الفكرة تئول إلى ما بعدها من الآثار الأخطر، حتى لو أن صاحب الفكرة الأولى لم يقصد هذا، لذلك نجد الانشطارات الداخلية كثيرة جداً في الاتجاهات التكفيرية، وهذا أمر معروف ومجرب ومعلوم تجد نفس الاتجاهات تنقسم على نفسها وتنشطر، وهكذا تتفتت وتتشتت، فمنهم من يقف مثلاً عند تكفير جهات معينة، ثم يأتي آخر ينطلق بنفس المنطلق ويكفر الذين يريدون يعملون في الحكومة.
ثم يأتي بعد ذلك من يكفر كل من وجد في البلاد؛ لأن هذا البلد يعلو عليه حكم الكفر، فالأصل في كل أهلها أنهم كفار إلا من ثبت إسلامه، وهكذا تجد الأمر لا ينضبط ولا يقف عند حد، وإنما تحصل هذه التفاعلات الانشطارية والقنابل العنقودية، ويحصل ما يحصل من التهارج والفوضى التي لا حدود لها في أخطر قضية يترتب عليها أخطر الآثار من استحلال الدماء والأعراض والأموال وغير ذلك.
نقول: إن من لوازم هذا الكلام: أن الحكم بالكفر ينسحب على كل من شارك في كيان من هذه الكيانات الرسمية، ولو كان لا علاقة له ألبتة بأي مخالفة شرعية، كما لو كانت محكمة شرعية تحكم بما أنزل الله في نطاق الأحوال الشخصية، أو جهة علمية تتولى تدريس القرآن والعلوم الشرعية، وفعلاً أتى وقت من الأوقات في بعض البلاد مثل السعودية فوجد من يدعو إلى اعتزال الكليات الشرعية كالجامعة الإسلامية أو الجامعات المعروفة هناك؛ لأنها تأتي من قبل حكومة هم يكفرونها، فوصل الأمر إلى هذا الحد، أن الإنسان لا يتعامل مع هذه الأجهزة، ولا أي من هذه الكيانات.
أيضاً: الأزهر مؤسسة حكومية، قد يأتي من يسلك هذا المسلك الانشطاري أو العنقودي، ويقول: الأزهر مؤسسة حكومية، وخاضع لنظم الدولة، فبالتالي لا يجوز التعلم عندهم، أو يقدح في عقيدة الإنسان الذي يتخرج من مثل هذه المؤسسات.
ووجه هذا التهور: أن هذه الدول الجاهلية هي التي تنظم هذه الكيانات، وتضع لها القواعد والتشريعات، والقاعدة: أن الإنسان لا ينظر إلى موضوع التكليف، وإنما ينظر إلى ذات المكلف؛ فالحكم لا يكون في موضوع التكليف، حتى لو كان تحفيظ القرآن أو تعليم العلوم الشرعية، وإنما: من الذي يأمر؟ ومن الذي يكلف؟ بغض النظر عن موضوع التكليف، فالمكلف هنا هو هذه الدول العلمانية، ومجرد الوجود في هذه الكيانات بناءً على هذا الكلام، وعدم اعتزالها يكون حكماً كافياً بالكفر بناءً على ما ذكرنا تقريره من هذه المقدمات.
أنبه أيضاً إلى أن من ينتقدون الباحث في مسلكه لا نجزم بأنه يقول بهذه اللوازم، لكن هذه اللوازم والمآلات واقع رأيناه من كثير من هذه الاتجاهات التي تهورت في قضية الحكم بالتكفير، لكن إذا أردنا أن ننظر نظرة أخرى لهذا الجانب، أو مسلك الكاتب في هذه النقطة، فكان ينبغي أن يلغي الكاتب في كلامه: عدم الاعتزال لهذه النظم دلالة على قبول أحكامها.
لأن الواقع القائم أن هذه النظم تتولى في هذه المجتمعات كل مرافق الحياة بالتنظيم والإشراف فلا يعرف مرفق من مرافق الدول الرسمية إلا وهو خاضع لنظمها وقوانينها، فالناس باعتبار وجودهم في هذه المجتمعات، وارتباط مصالحهم بها، مدينون لذلك شاءوا أم كرهوا، وهذا أمر يتفق في الخضوع له والارتباط به أغلب الناس، سواء في ذلك المنكر أو الراضي، إلا من اعتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
كما ألغينا اعتبار دلالة عدم الاعتزال والمشايعة، كذلك في الجهة المقابلة: ينبغي اعتبار التفرقة على أساس الموضوع والوظيفة، فمن تقلد عملاً في بنك ربوي يختلف عمن تقلد عملاً في مستشفى حكومي للعلاج، ومن يعمل في مجال الشرطة والقضاء لابد أنه يختلف عمن يعمل في مجال الإدارة والخدمات، حتى في نطاق الأعمال المحرمة يجب أن نفرق بين من يوجد تحت لوائها ارتزاقاً مستحلاً ما يتعاطاه من مرتب، وأنه ما يجد عيشاً غير ذلك، وبين من يوجد استجازة لها والتزاماً بشرائعها عندما يكون الحديث عن الإيمان والكفر.
حتى في قضية التزام الشرائع يجب أن نفرق بين وضعين: بين من يلتزم شريعةً ما إيماناً بها، وولاءً لها، وإقراراً لأصحابها في الحق في ذلك، وبين من يلتزم بهذه الشريعة جلباً لمصلحة أو دفعاً لمفسدة، فالمناط المكفر في هذا هو المناط الأول، وهو من يلتزم هذه الشرائع إيماناً بها، وولاءً لها، وإقراراً لأصحابها بالحق في ذلك.
فالذي يلتزم بشريعة الإسلام في الظاهر حقناً لدمه، أو دفعاً لمغارم وجلباً لمغانم لا يكون مؤمناً في حقيقة الأمر، وإن أجريت عليه في الظاهر أحكام الإسلام عند من لا يعرف حاله، والذي يلتزم بنظام جاهلي اتقاءً لشره أو جلباً لمغنم مع كفره به، وكراهيته له، لا يكون كافراً في الحقيقة، وإن جاز أن تجري عليه أحكام الكفر في الظاهر عند من يجهل حاله.
فإن وجدت شبهة الإكراه العامة التي تجعل الخضوع لهذه النظم أو الكثير منها لا ممدوحة منه أهدرت هذه الدلالة في الحكم بظاهر الكفر، واستصحب أصل الإيمان في كل من تحقق لديهم عقده المجمل حتى يثبت الالتزام الطوعي بهذه النظم والإقرار المسبق لها دون شائبة من جهل أو تأويل أو إكراه.
стр. 207
الإيمان والكفر [١٩]
جرى اليهود والنصارى في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان ولا على ما شرعه الله لهم في التوراة والإنجيل، وهم يعلمون ذلك، ويدعون أن حق النسخ هو لهم من دون الله، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، وهذا خضوع بالظاهر والباطن، وهو على عكس الخضوع للطواغيت فإنه لا يكون إلا بالظاهر فقط.
стр. 208
عبادة اليهود والنصارى للأحبار والرهبان
стр. 209
حدود الإسلام وأركانه من وجهة نظر الكاتب
مررنا على معظم القضايا التي هي محل أخذ ورد فيما يتعلق بكتاب حد الإسلام، والذي ذكرنا أنه يقوم على اعتبار أن حد الإسلام يتكون من ركنين: الأول: تصديق خبر رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب.
الثاني: التزام شريعته جملة وعلى الغيب.
وذكرنا أيضاً: أنه يعتبر أن لهذا الحد ثلاثة أركان: النسك، والولاية، والحكم.
وذكر أن تحقيق التوحيد في هذه الأركان الثلاثة هو الحد الأدنى من الدين الذي يجب تحققه في كل إنسان حتى تثبت له صفة الإسلام ابتداءً، والذي يؤدي تخلفه أو تخلف جزء منه إلى تخلف الدين كله.
وناقشنا تفاصيل القضية في النسك والولاية، وشرعنا في الكلام على الركن الثالث، وهو: نفي الحكم عن غير الله .
وذكرنا أن فكرة الكاتب في هذا المقام تتلخص في أن قبول شرع الله ورفض ما سواه، له تعلق بالتوحيد في جانبيه القولي والعملي، فهو يتعلق بالتوحيد القولي من حيث كونه إثباتاً لصفة من صفات الله وهي صفة الحكم، ويتعلق بالتوحيد العملي من حيث كونه ركناً من أركان العبادة، وذكرنا أن هذه النقطة الأولى هي محل خلاف؛ لأن الآيات والنصوص تواترت على أن لا حكم إلا لله.
فلا شك أن قضية الحكم وإفراد الله بالحاكمية من الأركان الأساسية لعقيدة التوحيد، وبين الله أن الشرك في الحكم تماماً مثل الشرك الذي يكون في العبادة، كما قال الله : ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال في الحكم: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، فسمى هذا شركاً كما سمى هذا شركاً، وقال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقال : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، والآيات في هذا كثيرة جداً والتي تتعلق بالفكرة الأولى التي أتى عليها هذا البحث.
الفكرة الثانية: أن قبول التكليف من غير الله كفر أكبر بغض النظر عن هذا التكليف، يعني: سواء كان هذا التكليف بما يخالف شريعة الله أو بما يوافقها، أما الاستجابة لرواية فليس لها تكييف شرعي محدد، وإنما تتوقف على نوع الفهم.
وسبق أن ذكرنا أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فمجرد قبول التكليف لا يشترط أن يكون كفراً أكبر على التفصيل الذي ذكرناه.
كذلك قال: إن قبول شرع الله يتحقق بعدم الرد -وهو الإباء- من قبول الفرائض والأحكام، وقبول شرع غيره يتحقق بعدم الرد، وأدنى درجة الرد: كره القلب، ودلالته الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل عليه.
الفكرة الثالثة هي: رفض الكاتب تفسير الربوبية في بني إسرائيل المذكور في قوله عن بني إسرائيل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فهو قدر هذه الربوبية بأنها طاعتهم في الاعتقاد، واجتهد في إثبات ذلك تعدد من الأدلة، مبيناً أن في تفسيرها بالطاعة في الاعتقاد من اللوازم الفاسدة ما يرده أكثر العقلاء.
стр. 210
نقض تفسير عبادة الأحبار والرهبان بالطاعة في الاعتقاد
أولاً: بالنسبة لتفسيره للربوبية التي وقع فيها بنوا إسرائيل، وذهابه إلى أن هذه الربوبية لم يكن مردها إلى الطاعة في الاعتقاد بمجرد أنهم قبلوا الأحكام بذلك حتى لو اعتقدوا حكم الله كما أنزله الله، واعتقدوا فيه عقيدة قلبية صحيحة، لكن أطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوه وحرموه مخالفاً لشريعة الله، فمجرد قبول الأحكام كفر أكبر بغض النظر عن اعتقادهم في ذلك.
فالمناط المذكور في الآية هنا هو الطاعة في التشريع وليس الطاعة في الاعتقاد أو المعصية.
وتوضيحاً لهذا الكلام: فهذه الآية في سورة التوبة تتحدث عن حالة من حالات الانحراف التي جمح فيها أصحابها بين فساد الاعتقاد وفساد العمل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
أيضاً هؤلاء القوم الذين أطاعوا الأحبار والرهبان في هذه الأشياء فسدت عقيدتهم؛ لأنهم أقروا لأحبارهم ورهبانهم حق النسخ والتبديل في أحكام الله ، فاعتقدوا أنما يربطه الأحبار والرهبان في الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما أحلوه في الأرض يكون محلولاً في السماء، فالحلال عندهم ليس حلال الله، والحرام ليس حرام الله، وإنما الحلال عندهم ما أحله الأحبار والرهبان وإن كان خلافاً لما يعرفونه هم من حكم التوراة التي أنزلها الله عليه، والحرام عندهم أيضاً ما حرمه الأحبار والرهبان وإن كان ذلك خلافاً لما يعرفونه من إباحته في التوراة.
فهذه الطاعة كانت طاعة لها علاقة بالاعتقاد لا بمجرد قبول الحكم، فهم أعطوا حق نسخ شريعة الله وتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله للرهبان والأحبار، فبذلك صدق عليهم وصفهم بأنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله .
فهذه طاعة في الاعتقاد قبل أن نقول: إنها طاعة في قبول الأحكام من الأحبار والرهبان، فهم تركوا تحريم التوراة وتحليلها إلى تحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم تأسيساً لهم على الإقرار لهم في الحق بذلك.
стр. 211
تلاعب الأحبار والرهبان بالتوراة والإنجيل
يقول ابن القيم ﵀ وهو يحكي صوراً من تلاعب الشيطان باليهود لعنهم الله: ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه، وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.
حتى في المناظرات المعروفة ينتقد اليهود والنصارى المسلمين لاعتقادهم أن الله له أن ينسخ ما يشاء من آياته وأحكامه، فهم يعتبرون هذا موضع نقد وطعن في الإسلام، فهم عطلوا هذا الحق لله : أنه ينسخ ما يشاء، ويبدل ما يشاء من أحكام لمصلحة العباد، ولما يشاء من الحكم العظيمة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]؟ بلى.
فهم حجروا هذا الحق ومنعوه عن الله ﵎ الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأعطوا نفس هذا الحق إلى الأحبار والرهبان، فأقروا لهم بجواز النسخ في الأحكام وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد ﵌ أن يغير شيئاً من شريعته، فلا يحلل ما حرم، ولا يحرم ما حلل، ولا يوجب ما أسقط، ولا يسقط ما أوجب، بل الحلال عندهم ما أحله الله ورسوله ﷺ ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ ، والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعاً لم يشرعها المسيح ﵇، ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة، وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم، وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث: المسلمون، واليهود، والنصارى، كما تنازعوا في المسيح ﵇ وغير ذلك.
فنحن اعتقادنا في المسيح يختلف عن اعتقاد اليهود والنصارى، فنعتقد في المسيح أنه ﵇ نبي ورسول من أولي العزم من الرسل، وأنه عبد الله ورسوله، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، كما قال الله ، إلى آخر العقيدة المعروفة عند المسلمين في حق المسيح ﵇.
أما اليهود -والعياذ بالله- فهم يرمون مريم ﵍ بالبهتان والإثم والفاحشة، وهذه نظرة النصارى أنفسهم للمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهم قد عبدوا المسيح، وألهوه وضلوا فيه ضلالاً مبيناً.
أيضاً هؤلاء اليهود يختلفون معنا في نظرتنا إلى قضية النسخ، فاليهود لا يجوزون لله أن ينسخ شيئاً من شريعته أو من أحكامه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله بآرائهم، أما المسلمون فيعتقدون أن الله جعل له الخلق والأمر، فلا شرع إلا ما شرعه الله على ألسنة رسله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولله ﵎ أن ينسخ ما شاء بما يشاء، كما نسخ بالمسيح ﵇ ما كان شرعة للأنبياء قبله قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، فهذا نسخ.
فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح ﵇، وليس هذا متعلقاً فقط بالأحكام، بل إن أحبار النصارى الضالين قد بدلوا صلب عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح ﵇، حتى صار أمراً مقرراً في مجامعهم المقدسة، فبدلوا العقيدة فضلاً عن الأحكام، كما وضع لهم الثلاثمائة والثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانة التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الأريسية وغيرهم.
وفيها أمور لم ينزل الله بها كتاباً، بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم طفق ﵀ يذكر بعض الأمثلة على ما أحدثه النصارى من الدين بعدما ذكر تبديل العقيدة من أصلها، وانحرافهم عنها، واخترعوا هذه العقيدة الشركية الوثنية عقيدة الإله والأقانيم الثلاثة، إلى آخر ما وضعوه من الشرك والكفر الأكبر بالله ، واعتقدوا أن هذا هو قانون الإيمان، ولا يعد مؤمناً إلا من اعتقد به.
فيقول شيخ الإسلام: وكذلك تعظيمهم للصليب، لأن الصليب في زعمهم هو الذي صلب عليه إلههم الذي يعبدونه، وعلى هذا لو أن شخصاً قتل أباك بسكين فتأتي أنت تعبد هذه السكين وتعظمها وتتبرك بها وتقدسها، فهذه نظرتهم: تقديس وتعظيم الصليب بالتعظيم المعروف عند القوم.
أيضاً: استحلالهم لحم الخنزير، وتعبدهم بالرهبانية قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، يعني: ما كتبنا عليهم الرهبانية لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
أيضاً: امتناعهم من الختان، وهو تبديل لشريعة الله ، وتركهم طهارة الحدث والخبث، ولا يوجبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يجتنبون شيئاً من الخبائث في صلاتهم، لا العذرة ولا البول ولا غير ذلك من الخبائث.
هذه كلها من الشرائع التي أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ودان بها أئمتهم وجمهورهم ولعنوا من خالفهم فيها.
انتهى كلام شيخ الإسلام.
стр. 212
أمثلة لتشريعات الأحبار والرهبان
قال القرطبي ﵀ أيضاً: اعلم أن هؤلاء القوم وضعوا لأنفسهم قوانين توافقوا عليها، وارتبطوا بها من غير أن يشهد بصحة تلك القوانين شاهد من التوراة ولا من الإنجيل، فمن خالفها عندهم سموه خارجياً تارة وكافراً أخرى، والخروج عن تلك القوانين هو الذنب عندهم، ثم تلك الذنوب منقسمة إلى ما لا يغفرونه وإلى ما يغفرونه.
ويقول القرطبي: قال لهم بولس: هل رأيتم سارحة تسرح من عند ربها وتخرج إلا من حيث تؤمر به؟ قالوا: لا، قال: فإني أرى الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من هاهنا -يعني: من المشرق- وما أوجب ذلك إلا وهو أحق الوجوه أن يصلى إليه، قالوا: صدقت، فأمرهم أن يستقبلوا القبلة إلى جهة المشرق بهذه الحجة.
ثم قال لهم بعد زمان: رأيت رؤيا، قالوا: هات، فقال لهم: ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى رجل هدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه؟ وإن الله سخر لكم ما في الأرض، وجعل ما في السماء لكم كرامة، فالله أحق ألا ترد عليه كرامته، فما بال بعض الأشياء حرام وبعضها حلال ما بين البقة إلى الفيل حرام؟ قالوا: صدقت! ولهذا تلاحظ أن النصارى لا يسألوا عن حكم أي شيء، هل هذا حلال أو حرام؟ لأنهم أصلاً ليس عندهم شريعة، بعكس هذا الدين الكامل والشريعة الخاتمة التي تحكم الإنسان في كل سلوكه وحياته، فلذلك تجد النصراني المفروض ألا ينزعج إذا حكم بغير دينه، فهذا لا يمسه في قليل ولا كثير؛ لئلا يقع في تصادم بين الواقع الذي يعيشه وبين العقيدة التي يدين بها.
وعكس الحال بالنسبة للمسلم الذي تضبط شريعته كل أحواله وتصرفاته، ولا ينفك الإنسان في حال من الأحوال عن العبودية لله تبارك تعالى، فلذلك المسلم إذا حكم بغير شريعة الله يعيش التناقض المؤلم والواقع المرير الذي يصير عذاباً في عذاب، حيث تكون شريعته تشرق، والنظم الحاكمة بغير الإسلام تغرب، فيعيش في صراع دائم في مواقيت الصلاة في ظهور المنكرات في المجتمع في غير ذلك من النظم واللوائح التي تصادم عقيدته.
فهم لا توجد عندهم شريعة أصلاً حتى يقلقوا أو ينزعجوا، بل كما يقول ابن القيم ﵀ : ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم من خير بعد هذا التحريف.
أيضاً يقول: هذا الذي يدعونه البابا، وهذا فيه شيء من التعظيم لأئمة الكفر، حتى للأسف أحياناً نجد بعض الإخوة تجري على فمهم كلمة (البابا) هذا أبوهم هم، أنت لماذا تقول: بابا؟ فهذا لقب فيه نوع من التعظيم، هو رفيع على أمثاله من الكفار، أما أنت فما ينبغي لك أن تقول هذا، فضلاً عما يحصل من السقطات المذهلة من بعض الناس الذين ينتسبون إلى الدعوة حين يخاطبون هؤلاء بقولهم: قداسة البابا، ونيافة البابا، ليست قداسة بل هي نجاسة وركاسة.
فيقول: قداسة البابا، كيف يكون فيهم قديس؟ كيف نصفه بأنه قديس وهو نجس مشرك، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فكيف أنت تعتقد مثل هذه الأشياء؟! يقول أحد بابواتهم: إن ابن الله -والعياذ بالله- أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، ويجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاماً كانوا أو محكومين.
فهذا معنى اتخاذ الأحبار والرهبان، فقد كان له علاقة وثيقة بالاعتقاد، وليس مجرد قبول التشريع، فإنهم أعطوا هؤلاء الأحبار والرهبان سلطات التحليل والتحريم وإن خالفت ما يعلمونه قطعاً من شريعة الله ؛ فبالتالي لا ينبغي النظر فقط إلى جانب قبول الأحكام منهم، لكن هذا وراؤه أمر اعتقادي، وهو إعطاؤهم حق التشريع والتحليل والتحريم.
стр. 213
الفرق بين الإسلام والنصرانية في قبول التجارب العلمية
سبقت الإشارة إلى خطورة هذه القضية، والفرق بين الإسلام والنصرانية وغيرها في هذا الباب في الكلام على العلمانية منذ زمن، وقلنا: إن بعض المقلدين والببغاوات حينما يذهبون إلى الغرب فيتعلمون الثقافات الغربية، ولما كان الغرب عنده عقدة من الكنيسة بسبب هذه الأشياء وغيرها كثير، وحصل رد الفعل العلماني في فصل الدين عن الحياة، بسبب أن ما ولدوه يتصادم مع فطرتهم من العقيدة الوثنية التي تسربت إلى النصرانية، وبسبب البغي والطغيان الذي حصل من الكنيسة، وبسبب صراع الكنيسة مع العلم وردها لأي شيء من البحوث والاكتشافات العلمية الجديدة فكان رد الفعل المغالى فيه: أن رفضوا الكنيسة، ورفضوا كل شيء يمت إلى الدين، والببغاوات حينما تأثروا بهذا القول نقلوا هذا الكلام إلى بلاد المسلمين، فطالبوا أيضاً بالعلمانية أو شجعوا الاتجاهات العلمانية تأثراً بهذه الخلفية التي نشأت عما وقع في الغرب من صدام بين الدين والعلم.
فهذا يتعلق بدينهم لكن نحن ما عرفنا في الإسلام تصادماً مع العلم، وبفضل الله الإسلام عقيدة توافق الفطرة لا تتصادم مع العقل أو الفطرة كما هو معلوم، وما أكثر الآيات التي تقول: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء:٨٢]، وترفض الظن والتخمين والحدث إلى غير ذلك.
فالإسلام دين العلم دين الفطرة دين التوحيد دين الشريعة الكاملة دين السمو في كل شيء، فمن الظلم أن نأخذ النتيجة التي بنيت على الماضي الأسود المظلم في الكنيسة ونطبقها على الإسلام وعلى بلاد المسلمين.
هذا فيما يتعلق بعقائدهم.
стр. 214
حقيقة الربوبية للأحبار والرهبان الواقعة في بني إسرائيل
أما بالنسبة لأعمالهم: فهم جروا في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان وليس على ما شرعه الله لهم في التوراة، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، فالربوبية على أساس هذا الكلام التي ذكرها الله وحكاها عن بني إسرائيل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، كما تتمثل في ادعاء الأحبار والرهبان حق النسخ والتبديل في أحكام الله، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن الله بها، وفي إقرار بني إسرائيل هؤلاء الأحبار والرهبان على ذلك، وتعبدهم بما يتلقونه عنهم وإن كان مخالفاً لما في التوراة والإنجيل، فهذا بخلاف أنواع أخرى من الربوبية إنما تنشأ سلطة قاهرة غاشمة، أو سلطة سياسية من دولة تفرض أحكامها بالقهر والبغي والعدوان على شعوبها.
فما وقع من الربوبية عند اليهود والنصارى أو عند بني إسرائيل إنما اعتمد على سلطان التدين، وهيمنتها على النفوس، فهم تعبدوا بذلك، وأعطوا هؤلاء الحق في التحليل والتحريم، حتى ولو خالف ما يعلمونه من أحكام التوراة والإنجيل، ففي عقيدتهم في الأحبار والرهبان أنهم يمثلون الله في الأرض، وما عقده الله في الأرض يكون معقوداً في السماء، وما يحله يكون محلولاً في السماء.
فالحلال ما أحله هؤلاء، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه، حتى فيما يتعلق بالقربات والحرمات يعطونهم صكوك الغفران، حتى أعطوهم التحكم في إدخال الناس الجنة وإخراجهم إلى النار، أعطوا الرهبان أو الأحبار هذا الحق، ولا توجد طريقة للتوبة إلا إذا ذهب إلى القسيس ويخلو به، ويجلس على كرسي الاعتراف، ويفصح له بكل تفاصيل الجرائم أو المعاصي التي ارتكبها، حينئذ يتوسط القسيس بينه وبين الله حتى يغفر له، والذي يملك أن يعطي حق إدخال الجنة يملك أيضاً عندهم أن يعطي حق أن يحرم من النار، وفي هذا مهازل عجيبة جداً.
فهذا هو الفساد الاعتقادي في قضية الربوبية التي وصفهم الله بها، جاء في إنجيل متى: الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما ستحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء.
فكانوا إذا حزبهم أمر عقدوا له مجمعاً ينسخون فيه ما يشاءون، ويستحدثون فيه ما يشاءون، حتى آل الأمر ببني إسرائيل إلى أن أصبح الدين كله صناعة بشرية من صناعة الأحبار والرهبان، فهذا معلوم بالضرورة من تاريخ النصرانية المحرفة.
стр. 215
تحريف التوراة والإنجيل بأيدي أصحابها
يقول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
وإذا تأملنا هذه الآية تجد الكتابة بصيغة الماضي، أما كسب وزر هذه السنة فمستمر إلى ما شاء الله، ولذلك أتى بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار، كما قال ﵊: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، فيقول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: الكتابة والتحريف حصل، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: مما يكسبون من الوزر حين تضل أجيال بعد أجيال بسبب هذا التحريف في دين الله .
ويقول : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨]، فهذا حال عامة بني إسرائيل أنهم يدينون للأحبار والرهبان بهذا الحق في التحليل والتحريم، ويتعبدون بما يستحدثونه لهم من العبادات.
فما يسمى بـ: (البابا) ليس مفتياً أو شخصاً عادياً كشيخ أو عالم مجتهد! لا، البابا عندهم مشرع، له عندهم هذا الحق في التحليل والتحريم، وكما ذكرنا ليس فقط في العبادات بل لابد من الرجوع إليهم أيضاً فيما يخص الذنوب والخطايا، ومهازل صكوك الغفران مما يؤيد ذلك.
следующие страницы →