Полный текст (386 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تلاعب الأحبار والرهبان بالتوراة والإنجيل
يقول ابن القيم ﵀ وهو يحكي صوراً من تلاعب الشيطان باليهود لعنهم الله: ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه، وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.
حتى في المناظرات المعروفة ينتقد اليهود والنصارى المسلمين لاعتقادهم أن الله له أن ينسخ ما يشاء من آياته وأحكامه، فهم يعتبرون هذا موضع نقد وطعن في الإسلام، فهم عطلوا هذا الحق لله : أنه ينسخ ما يشاء، ويبدل ما يشاء من أحكام لمصلحة العباد، ولما يشاء من الحكم العظيمة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]؟ بلى.
فهم حجروا هذا الحق ومنعوه عن الله ﵎ الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأعطوا نفس هذا الحق إلى الأحبار والرهبان، فأقروا لهم بجواز النسخ في الأحكام وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد ﵌ أن يغير شيئاً من شريعته، فلا يحلل ما حرم، ولا يحرم ما حلل، ولا يوجب ما أسقط، ولا يسقط ما أوجب، بل الحلال عندهم ما أحله الله ورسوله ﷺ ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ ، والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعاً لم يشرعها المسيح ﵇، ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة، وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم، وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث: المسلمون، واليهود، والنصارى، كما تنازعوا في المسيح ﵇ وغير ذلك.
فنحن اعتقادنا في المسيح يختلف عن اعتقاد اليهود والنصارى، فنعتقد في المسيح أنه ﵇ نبي ورسول من أولي العزم من الرسل، وأنه عبد الله ورسوله، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، كما قال الله ، إلى آخر العقيدة المعروفة عند المسلمين في حق المسيح ﵇.
أما اليهود -والعياذ بالله- فهم يرمون مريم ﵍ بالبهتان والإثم والفاحشة، وهذه نظرة النصارى أنفسهم للمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهم قد عبدوا المسيح، وألهوه وضلوا فيه ضلالاً مبيناً.
أيضاً هؤلاء اليهود يختلفون معنا في نظرتنا إلى قضية النسخ، فاليهود لا يجوزون لله أن ينسخ شيئاً من شريعته أو من أحكامه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله بآرائهم، أما المسلمون فيعتقدون أن الله جعل له الخلق والأمر، فلا شرع إلا ما شرعه الله على ألسنة رسله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولله ﵎ أن ينسخ ما شاء بما يشاء، كما نسخ بالمسيح ﵇ ما كان شرعة للأنبياء قبله قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، فهذا نسخ.
فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح ﵇، وليس هذا متعلقاً فقط بالأحكام، بل إن أحبار النصارى الضالين قد بدلوا صلب عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح ﵇، حتى صار أمراً مقرراً في مجامعهم المقدسة، فبدلوا العقيدة فضلاً عن الأحكام، كما وضع لهم الثلاثمائة والثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانة التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الأريسية وغيرهم.
وفيها أمور لم ينزل الله بها كتاباً، بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم طفق ﵀ يذكر بعض الأمثلة على ما أحدثه النصارى من الدين بعدما ذكر تبديل العقيدة من أصلها، وانحرافهم عنها، واخترعوا هذه العقيدة الشركية الوثنية عقيدة الإله والأقانيم الثلاثة، إلى آخر ما وضعوه من الشرك والكفر الأكبر بالله ، واعتقدوا أن هذا هو قانون الإيمان، ولا يعد مؤمناً إلا من اعتقد به.
فيقول شيخ الإسلام: وكذلك تعظيمهم للصليب، لأن الصليب في زعمهم هو الذي صلب عليه إلههم الذي يعبدونه، وعلى هذا لو أن شخصاً قتل أباك بسكين فتأتي أنت تعبد هذه السكين وتعظمها وتتبرك بها وتقدسها، فهذه نظرتهم: تقديس وتعظيم الصليب بالتعظيم المعروف عند القوم.
أيضاً: استحلالهم لحم الخنزير، وتعبدهم بالرهبانية قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، يعني: ما كتبنا عليهم الرهبانية لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
أيضاً: امتناعهم من الختان، وهو تبديل لشريعة الله ، وتركهم طهارة الحدث والخبث، ولا يوجبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يجتنبون شيئاً من الخبائث في صلاتهم، لا العذرة ولا البول ولا غير ذلك من الخبائث.
هذه كلها من الشرائع التي أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ودان بها أئمتهم وجمهورهم ولعنوا من خالفهم فيها.
انتهى كلام شيخ الإسلام.
стр. 212
أمثلة لتشريعات الأحبار والرهبان
قال القرطبي ﵀ أيضاً: اعلم أن هؤلاء القوم وضعوا لأنفسهم قوانين توافقوا عليها، وارتبطوا بها من غير أن يشهد بصحة تلك القوانين شاهد من التوراة ولا من الإنجيل، فمن خالفها عندهم سموه خارجياً تارة وكافراً أخرى، والخروج عن تلك القوانين هو الذنب عندهم، ثم تلك الذنوب منقسمة إلى ما لا يغفرونه وإلى ما يغفرونه.
ويقول القرطبي: قال لهم بولس: هل رأيتم سارحة تسرح من عند ربها وتخرج إلا من حيث تؤمر به؟ قالوا: لا، قال: فإني أرى الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من هاهنا -يعني: من المشرق- وما أوجب ذلك إلا وهو أحق الوجوه أن يصلى إليه، قالوا: صدقت، فأمرهم أن يستقبلوا القبلة إلى جهة المشرق بهذه الحجة.
ثم قال لهم بعد زمان: رأيت رؤيا، قالوا: هات، فقال لهم: ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى رجل هدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه؟ وإن الله سخر لكم ما في الأرض، وجعل ما في السماء لكم كرامة، فالله أحق ألا ترد عليه كرامته، فما بال بعض الأشياء حرام وبعضها حلال ما بين البقة إلى الفيل حرام؟ قالوا: صدقت! ولهذا تلاحظ أن النصارى لا يسألوا عن حكم أي شيء، هل هذا حلال أو حرام؟ لأنهم أصلاً ليس عندهم شريعة، بعكس هذا الدين الكامل والشريعة الخاتمة التي تحكم الإنسان في كل سلوكه وحياته، فلذلك تجد النصراني المفروض ألا ينزعج إذا حكم بغير دينه، فهذا لا يمسه في قليل ولا كثير؛ لئلا يقع في تصادم بين الواقع الذي يعيشه وبين العقيدة التي يدين بها.
وعكس الحال بالنسبة للمسلم الذي تضبط شريعته كل أحواله وتصرفاته، ولا ينفك الإنسان في حال من الأحوال عن العبودية لله تبارك تعالى، فلذلك المسلم إذا حكم بغير شريعة الله يعيش التناقض المؤلم والواقع المرير الذي يصير عذاباً في عذاب، حيث تكون شريعته تشرق، والنظم الحاكمة بغير الإسلام تغرب، فيعيش في صراع دائم في مواقيت الصلاة في ظهور المنكرات في المجتمع في غير ذلك من النظم واللوائح التي تصادم عقيدته.
فهم لا توجد عندهم شريعة أصلاً حتى يقلقوا أو ينزعجوا، بل كما يقول ابن القيم ﵀ : ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم من خير بعد هذا التحريف.
أيضاً يقول: هذا الذي يدعونه البابا، وهذا فيه شيء من التعظيم لأئمة الكفر، حتى للأسف أحياناً نجد بعض الإخوة تجري على فمهم كلمة (البابا) هذا أبوهم هم، أنت لماذا تقول: بابا؟ فهذا لقب فيه نوع من التعظيم، هو رفيع على أمثاله من الكفار، أما أنت فما ينبغي لك أن تقول هذا، فضلاً عما يحصل من السقطات المذهلة من بعض الناس الذين ينتسبون إلى الدعوة حين يخاطبون هؤلاء بقولهم: قداسة البابا، ونيافة البابا، ليست قداسة بل هي نجاسة وركاسة.
فيقول: قداسة البابا، كيف يكون فيهم قديس؟ كيف نصفه بأنه قديس وهو نجس مشرك، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فكيف أنت تعتقد مثل هذه الأشياء؟! يقول أحد بابواتهم: إن ابن الله -والعياذ بالله- أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، ويجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاماً كانوا أو محكومين.
فهذا معنى اتخاذ الأحبار والرهبان، فقد كان له علاقة وثيقة بالاعتقاد، وليس مجرد قبول التشريع، فإنهم أعطوا هؤلاء الأحبار والرهبان سلطات التحليل والتحريم وإن خالفت ما يعلمونه قطعاً من شريعة الله ؛ فبالتالي لا ينبغي النظر فقط إلى جانب قبول الأحكام منهم، لكن هذا وراؤه أمر اعتقادي، وهو إعطاؤهم حق التشريع والتحليل والتحريم.
стр. 213
الفرق بين الإسلام والنصرانية في قبول التجارب العلمية
سبقت الإشارة إلى خطورة هذه القضية، والفرق بين الإسلام والنصرانية وغيرها في هذا الباب في الكلام على العلمانية منذ زمن، وقلنا: إن بعض المقلدين والببغاوات حينما يذهبون إلى الغرب فيتعلمون الثقافات الغربية، ولما كان الغرب عنده عقدة من الكنيسة بسبب هذه الأشياء وغيرها كثير، وحصل رد الفعل العلماني في فصل الدين عن الحياة، بسبب أن ما ولدوه يتصادم مع فطرتهم من العقيدة الوثنية التي تسربت إلى النصرانية، وبسبب البغي والطغيان الذي حصل من الكنيسة، وبسبب صراع الكنيسة مع العلم وردها لأي شيء من البحوث والاكتشافات العلمية الجديدة فكان رد الفعل المغالى فيه: أن رفضوا الكنيسة، ورفضوا كل شيء يمت إلى الدين، والببغاوات حينما تأثروا بهذا القول نقلوا هذا الكلام إلى بلاد المسلمين، فطالبوا أيضاً بالعلمانية أو شجعوا الاتجاهات العلمانية تأثراً بهذه الخلفية التي نشأت عما وقع في الغرب من صدام بين الدين والعلم.
فهذا يتعلق بدينهم لكن نحن ما عرفنا في الإسلام تصادماً مع العلم، وبفضل الله الإسلام عقيدة توافق الفطرة لا تتصادم مع العقل أو الفطرة كما هو معلوم، وما أكثر الآيات التي تقول: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء:٨٢]، وترفض الظن والتخمين والحدث إلى غير ذلك.
فالإسلام دين العلم دين الفطرة دين التوحيد دين الشريعة الكاملة دين السمو في كل شيء، فمن الظلم أن نأخذ النتيجة التي بنيت على الماضي الأسود المظلم في الكنيسة ونطبقها على الإسلام وعلى بلاد المسلمين.
هذا فيما يتعلق بعقائدهم.
стр. 214
حقيقة الربوبية للأحبار والرهبان الواقعة في بني إسرائيل
أما بالنسبة لأعمالهم: فهم جروا في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان وليس على ما شرعه الله لهم في التوراة، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، فالربوبية على أساس هذا الكلام التي ذكرها الله وحكاها عن بني إسرائيل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، كما تتمثل في ادعاء الأحبار والرهبان حق النسخ والتبديل في أحكام الله، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن الله بها، وفي إقرار بني إسرائيل هؤلاء الأحبار والرهبان على ذلك، وتعبدهم بما يتلقونه عنهم وإن كان مخالفاً لما في التوراة والإنجيل، فهذا بخلاف أنواع أخرى من الربوبية إنما تنشأ سلطة قاهرة غاشمة، أو سلطة سياسية من دولة تفرض أحكامها بالقهر والبغي والعدوان على شعوبها.
فما وقع من الربوبية عند اليهود والنصارى أو عند بني إسرائيل إنما اعتمد على سلطان التدين، وهيمنتها على النفوس، فهم تعبدوا بذلك، وأعطوا هؤلاء الحق في التحليل والتحريم، حتى ولو خالف ما يعلمونه من أحكام التوراة والإنجيل، ففي عقيدتهم في الأحبار والرهبان أنهم يمثلون الله في الأرض، وما عقده الله في الأرض يكون معقوداً في السماء، وما يحله يكون محلولاً في السماء.
فالحلال ما أحله هؤلاء، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه، حتى فيما يتعلق بالقربات والحرمات يعطونهم صكوك الغفران، حتى أعطوهم التحكم في إدخال الناس الجنة وإخراجهم إلى النار، أعطوا الرهبان أو الأحبار هذا الحق، ولا توجد طريقة للتوبة إلا إذا ذهب إلى القسيس ويخلو به، ويجلس على كرسي الاعتراف، ويفصح له بكل تفاصيل الجرائم أو المعاصي التي ارتكبها، حينئذ يتوسط القسيس بينه وبين الله حتى يغفر له، والذي يملك أن يعطي حق إدخال الجنة يملك أيضاً عندهم أن يعطي حق أن يحرم من النار، وفي هذا مهازل عجيبة جداً.
فهذا هو الفساد الاعتقادي في قضية الربوبية التي وصفهم الله بها، جاء في إنجيل متى: الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما ستحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء.
فكانوا إذا حزبهم أمر عقدوا له مجمعاً ينسخون فيه ما يشاءون، ويستحدثون فيه ما يشاءون، حتى آل الأمر ببني إسرائيل إلى أن أصبح الدين كله صناعة بشرية من صناعة الأحبار والرهبان، فهذا معلوم بالضرورة من تاريخ النصرانية المحرفة.
стр. 215
تحريف التوراة والإنجيل بأيدي أصحابها
يقول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
وإذا تأملنا هذه الآية تجد الكتابة بصيغة الماضي، أما كسب وزر هذه السنة فمستمر إلى ما شاء الله، ولذلك أتى بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار، كما قال ﵊: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، فيقول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: الكتابة والتحريف حصل، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: مما يكسبون من الوزر حين تضل أجيال بعد أجيال بسبب هذا التحريف في دين الله .
ويقول : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨]، فهذا حال عامة بني إسرائيل أنهم يدينون للأحبار والرهبان بهذا الحق في التحليل والتحريم، ويتعبدون بما يستحدثونه لهم من العبادات.
فما يسمى بـ: (البابا) ليس مفتياً أو شخصاً عادياً كشيخ أو عالم مجتهد! لا، البابا عندهم مشرع، له عندهم هذا الحق في التحليل والتحريم، وكما ذكرنا ليس فقط في العبادات بل لابد من الرجوع إليهم أيضاً فيما يخص الذنوب والخطايا، ومهازل صكوك الغفران مما يؤيد ذلك.
стр. 216
التفريق بين حال الطواغيت والجبابرة الذين يحكمون المسلمين
إن حكام المسلمين في هذا الزمان في شتى بقاع العالم الإسلامي يحكمونهم بالحديد والنار والقهر، ويجبرونهم على الخضوع والإذعان للشرائع التي تخالف شريعة الله، وأما اليهود والنصارى أو بني إسرائيل الذين كانوا يتعبدون بإعطاء الأحبار والرهبان هذا الحق وفي استحداث ما يشرعونه لهم.
فكانوا يعتقدون أن لهم هذا الحق، وإن كانوا يعلمون أن هذا مخالف للتوراة والإنجيل، فهذا الخضوع من بني إسرائيل والقبول هو من جنس الخضوع للدين، والطاعة لأحكامه، والتعظيم لشعائره طعماً في الخلاص في الآخرة، ودرجات الخلود في ملكوت السماوات، فهذا تدين كانوا يتدينون به.
أيضاً: الآية في سورة التوبة لم ترد في معرض التقرير والتحرير لقضايا أصول الدين، وإنما تحكي وتصف انحراف حال أمة من الأمم اتخذ انحرافها طابعاً معيناً، وهو: ادعاء أحبارهم أنهم يمثلون الله، وأنهم النواب عن رسل الله ﵎، وبالتالي يكون لهم الحق في ممارسة أمر النسخ والتبديل في أحكام الله ، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن بها الله، حتى أصبح دين بني إسرائيل كله من هذه الصناعة الآدمية.
يقول الله ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، يعني: الطاعة في التشريع إن كانت من جنس الابتداع في الدين كما وردت الآية: ((شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ))، فلا جدال أنها شرك وكفر أكبر، ولا تكون الطاعة في التشريع وقبول التشريع من غير الله شركاً أكبر إلا إذا دان الإنسان بهذا التشريع، أي: بأن يتدين بهذا التشريع، ويعتقده كما يعتقد الدين، فيرجع الأمر في الحقيقة إلى الاعتقاد، وليس إلى مجرد قبول الحكم، أما إذا كانت الطاعة من جنس اتباع الشهوات، ومن باب الاستجابة لداعية الهوى فهي ذنب من الذنوب يختلف الحكم على صاحبه باختلاف موضوع هذا الذنب.
فلو أن حاكماً من الحكام أمر الناس بالزنا، وشرع لهم إباحته، فأطاعه بعض الناس التزاماً للحكم بإباحته، ورداً لما أنزل الله من تحريمه، وأطاعه آخرون ليس إيماناً بهذه الإباحة، ولا كفراً بما أنزل الله من التحريم، لكن لأن هذا وافق هوىً في نفوسهم، ومرضاً في قلوبهم، مع بقاء إيمانهم وتصديقهم، كما يتواجد في بعض بلاد الكفار الذين يستبيحون مثل هذه الفواحش؛ فمن قبل هذا تديناً فهو كافر كفراً أكبر بلا شك.
أما من وجد القوم يعيشون في مثل هذه الغابات الكافرة وتابعهم على ذلك لمجرد أن هذا يوافق هواه، وهو يعتقد أن هذا حرمه الله ، فلا شك أن الحكم في حالة التدين يختلف عن الحكم في الحالة الثانية، فالأولون كفار مشركون، والآخرون عصاة مذنبون.
من هنا يكون الفرق بين الخضوع للأحبار والرهبان الذي كان في بني إسرائيل، والخضوع للطواغيت من ذوي السلطان، فالأحبار والرهبان يخضعون الظاهر والباطن، والناس يتدينون بذلك، ويخضعون الأجسام والأرواح والنفوس لما اعتقده الناس فيهم من أنهم يمثلون الله، أو ينوبون عن المسيح الذي يعبدونه، وأن المسيح -كما يفترون- أجاز لهم في السماء كل ما يريدونه هم على الأرض.
أما الطواغيت فإنهم يخضعون الظاهر فقط، ويقهرون الأجسام فحسب، ومن هنا كان لابد أن تقيد الطاعة لهم بالكفر بأحكام الله، إما على سبيل التكذيب وإما على سبيل الإباء والرفض، أما التعبد بما يقول الأحبار والرهبان خلافاً لحكم الله؛ فإنه يتضمن بذاته هذا القيد، فلا يحتاج إلى التنصيص عليهم، يعني: مجرد كلمة التعبد تفيد أن هذا شيء يعتقدونه ويدينون الله به.
стр. 217
أنواع الكفر
أما بالنسبة لقضية الحاكمية، وما هو المناط الذي يترتب عليه الحكم بالكفر في هذه القضية: فقد سبق أن ذكرنا أن أصل الإيمان هو التصديق والانقياد، ومن لم يوجد في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر، يقابل التصديق التكذيب أو الشك، كما يقابل الانقياد الإباء أو الإعراض.
ومن ثم فإن أنواع الكفر أربعة:
стр. 218
كفر التكذيب
الأول: كفر التكذيب، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠].
стр. 219
كفر الإباء والاستكبار
الثاني: كفر الإباء والاستكبار، فهو لا يكذب الرسول، بل يعتقد أنه صادق، وأن الله أوحى إليه، لكن يكفر إباءً واستكباراً عن متابعته، فهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، كان هذا هو محل الاعتراض، فهذا هو الغالب على كفر أعداء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ومن كفر الإباء والاستكبار: كفر إبليس، هل إبليس كان يشك في أن الله هو الذي أمره بالسجود؟! كان إبليس يعلم أن الله هو الذي أمره بالسجود لكنه: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فهذا كفر الإباء والاستكبار.
فيمكن أن يعتقد الإنسان أن الله شرع رجم الزانية، لكنه يأبى ويستكبر أو يقدح في حكمة الله في هذا التشريع، فهذا أيضاً يصير منضماً إلى أخيه إبليس الذي سن له هذا النوع من الكفر.
كذلك كفر أبي طالب: استكبر عن أن يستمع الرسول ﵌، ومشهور عنه قوله وهو يمدح دين النبي ﵊: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا وأصر على عدم الانقياد لشريعة النبي ﵌ وهو يعتقد أنه صادق.
كذلك كفر من كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم من أهل الكتاب، وهذا حال اليهود بالذات.
وهناك حديث اليهودي الذي زنى بامرأة من اليهود، وقال يهودي من بينهم: هلموا إلى ذلك النبي -يعنون رسول الله ﷺ الذي أتى بالتخفيف، هم علموا من طبيعة هذه الشريعة أنها تخفف كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، اليهود أنفسهم يعلمون هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهو أنه دين التيسير والسماحة والحنيفية السمحة، فلذلك قالوا: لا نرجمهم، بل نذهب إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بشيء دون الرجم أخذنا بكلامه، وحاججنا الله يوم القيامة، وقلنا: نحن أخذنا بشريعة نبي من أنبيائك، وأنكروا أن يكون الله قد حكم عليهم بالرجم.
فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون أن الرسول ﵊ رسول الله حقاً وصدقاً، لكن حسداً من عند أنفسهم حسدوا هذه الأمة أن يصطفيها الله بأن يبعث منها هذا النبي الخاتم ﵌.
وفي قصة عبد الله بن سلام، وكان من أكبر علماء اليهود في المدينة، لما أسلم وهداه الله إلى الإسلام أمره النبي ﵊ ألا يظهر إسلامه أمام أحبار وعلماء اليهود، فخرج إليهم النبي ﷺ وقد اختبأ عبد الله بن سلام ﵁، فوقف فيهم وقال: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: فما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله إنه للنبي الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا)! وأخذوا يسبونه ﵁.
فشأن اليهود الجحود، فهم يعرفون النبي ﵌ لكنهم حسداً من عند أنفسهم يجحدون ولا يقرون.
وهذا فرعون كان كفره كفر استكبار وعناد وجحود، ففرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك معروفة في القرآن، مثل قول الله ﵎ حاكياً: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ)، يعني: يا فرعون، ونحن نصدق موسى ﵇ في خبره: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:١٠٢]، يعني: الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وفي سورة النمل يقول الله عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ [النمل:١٤]، كان عندهم يقين، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فهذا هو فرعون، وهو من أكفر خلق الله، ومع ذلك كان يصدق موسى ﵇، لكن لم ينقد لدينه وما جاء به من الحق.
стр. 220
كفر الإعراض
الثالث: كفر الإعراض.
الإنسان يعرض عن الحق، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل لا يلتفت إليه ألبتة، وذلك كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ : إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك.
يعني: كأن القضية لا تهمه، وهذا حال أغلب الكفار الآن في العالم الغربي، فهم في الحقيقة لم يعودوا نصارى ولا يهوداً، وربما اليهود ما زالوا متمسكين في عامتهم، لكن النصارى هم الآن شر من اليهود، هم يصفون العصور الوسطى بأنها عصور الظلام.
وهم يعيشون الآن في ظلم أشد من ظلمة العصور الوسطى في الحقيقة، وهم الآن في عامتهم لا دين لهم، وأقرب ما يكونوا للوثنيين، وهذا يعلم من حال القوم، يقول الله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٣ - ٨٤]، ويقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، قضية الدين هذه مثل الأكل والشرب والألوان والروائح والمذاق والطعم، كل إنسان بالنسبة له هي قضية شخصية بينك وبين ربك، إن شئت أن تؤمن تؤمن، وإن شئت أن تكفر تكفر، تعتقد ما تشاء، وتفعل ما تشاء، قضية الدين ليست على بالهم أصلاً.
فهذا كفر الإعراض صاحبه لا يبالي ولا يبحث عن الحق، ولا يكلف نفسه حتى اتخاذ موقف الموالاة أو المعاداة، القضية لا تهمه في قليل ولا كثير.
فهذا كفر الإعراض.
стр. 221
كفر الشك
الرابع: كفر الشك، وهو كفر من ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون، لا يصدقون ولا يكذبون، بل يقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢].
وهذا الشخص الذي يعاني من التردد والشكوك والذبذبة بين التصديق والتكذيب، ويتردد بين الظن وغيره إذا تدبر في آيات الله فإنه يهتدي إلى اليقين في آيات الله ، لكن إذا انضاف إليه الإعراض واستمر على إعراضه فيبقى في هذا التردد والشك.
بناءً على هذا الكلام نستطيع أن نوضح ونبين ما هو الأساس الذي نستطيع أن نحكم به على الشيء بأنه يكفِّر أو لا يكفِّر فيما يتعلق بقضية الحاكمية بسهولة ويسر، فيقال: إذا رجع الخلل إلى أحد الأصلين أو كليهما، أي: إذا رجع الخلل الذي نشأ في قضية الحاكمية إلى التصديق أو الانقياد فهذا كفر، لكن إن سلم للإنسان أصل التصديق والانقياد لشريعة الله فهذا يكون من الفروع.
هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا سلم أصل التصديق وبرئ من كفر التكذيب والشك، وإذا سلم أصل الانقياد وبرئ من كفر الإعراض وكفر الجحود والاستكبار والعناد؛ فالإنسان في قضية الحاكمية إذا سلم من هذه الأنواع الأربعة من الكفر، وحصل خلل في شيء من أمور الحاكمية، فما دام أنه سلم له أصل التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى الفروع.
أما إذا حصل خلل في قضية التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى العقيدة ويكون كفراً أكبر.
فحالة الفروع تمس التصديق والانقياد، وحينئذٍ يصدق على فاعل هذا الشيء ما أثر عن السلف الصالح ﵏ ورضي الله عنهم من قولهم في تفسير قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، قالوا: إن هذا ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ أو ليس الكفر الذي ينقل عن الملة.
وبهذا يكون المناط المكفر في قضية الحاكمية له صورتان: الأولى: ما كان الخلل فيها راجعاً إلى أصل التصديق، وهذه هي صورة الجحود، والجحود في اللغة: هو الإنكار بعد العلم، فمن حكم بغير ما أنزل الله جحوداً لحكم الله فهو كافر بلا نزاع، وهذه الصورة تئول وترجع في النهاية إلى كفر التكذيب؛ لأنه يكذب بحكم الله .
الحالة الثانية: إذا كان الخلل راجعاً إلى أصل الانقياد، فهذه صورة الرد: أنه يرد حكم الله .
стр. 222
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)
من كان حكمه بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وقد قام بجمع الأقوال في تفسير الآية وتحقيقها الأخ علي حسن علي عبد الحميد الحلبي في كتاب أسماه: (القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]).
ومجمل الكلام الذي نقل عن ابن عباس أو غيره: أن ابن عباس ﵄ سئل عن الآية، وكان أول ما نقل في كتب التفسير في الآية عن ابن عباس أنه كان يقول: من جحد بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
يعني: دون الكفر الأكبر.
فعلى هذا الأساس ممكن أن نتخذ هذه القاعدة التي وضعها ابن عباس ﵄ نبراساً نرى في ضوئه رؤية صحيحة إلى الروايات الأخرى التي جاءت عنه في تفسير هذه الآية، فمثلاً: هو سئل في موضع آخر عن هذه الآية، فقال: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا، يعني: فاعله يسمى كافراً، لكن يكون الكفر كما في الروايات الأخرى: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، فليس كفراً ناقلاً عن الملة.
ومعروف أن الكفر يطلق على المعاصي، والإيمان يطلق على شعب الإيمان أيضاً.
وهذا نظائره كثيرة، كقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً).
وإلا نكون مثل الخوارج الذين يكفرون بأي شيء يطلق عليه لفظ الكفر.
يقول ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
هذا في من لم يخرج عن الملة في قضية الحاكمية.
أيضاً في رواية أخرى، قال: هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضاً: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، كفر دون كفر.
أما ما جاء عن ابن مسعود ﵁ وعن الحسن أيضاً فنقل عنهم القرطبي وغيره أنهما قالا: هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرماً فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
أما مجاهد فقال: من ترك الحكم بما أنزل الله رداً لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق.
وقال أبو مجلز كما روى الطبري: أن ناساً من بني عمرو بن سدوس سألوه عن آيات المائدة ليلزموه الحجة في تكفير الأمراء؟ هؤلاء كانوا من الإباضية فرقة من فرق الخوارج، أرادوا أن يلزموه بالتكفير، فسألوه عن الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فقال: هو دينهم الذين يدينون به، وبه يقولون، الكلام هنا عن تطبيق الآية على الأمراء، والأمراء هؤلاء كانوا مسلمين وإن بغوا في بعض الأحكام أو ظلموا أو حادوا لغرض دنيوي فهم لا يكفرون بذلك، فيقول: هو دينهم الذين يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً.
وقال الطبري في تفسيره: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، يعني: الإمام الطبري قال: إنهم ينطبق عليهم الكفر الأكبر إذا كانوا جاحدين، كما ذكرنا في القاعدة التي قرأناها في بداية الكلام.
الانحراف في قضية الحاكمية إذا أحدث خللاً في أصل التصديق أو أصل الانقياد فهو كفر أكبر، وإن لم يمس التصديق والانقياد فهو كفر دون كفر، كذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً هو بالله كافر.
كما قال ابن عباس.
هذا كلام الطبري.
كذلك يقول: في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.
ويقول ابن الجوزي: وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلاً إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم فاسق.
الرازي نقل قول عكرمة وصححه، وهو قوله في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤]، قال: إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بأمر الله تعالى، ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح.
هذا كلام الرازي.
أما الحافظ ابن كثير ﵀ فقال عند قوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، قال: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، حتى الياسق كان أفضل من القوانين الوضعية الآن؛ لأنه كان يأخذ من كتب أصلها سماوي، لكن الآن تؤخذ الشرائع والحلال والحرام من شرائع بشرية.
يقول: وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
هذا كلام الحافظ ابن كثير.
ونقل عند تفسير الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ما روي عن ابن عباس وطاوس: من أنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، وأنه ليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما روي عن ابن عباس من التفريق بين الجاحد والمقر.
فخلاصة الكلام الذي ذكره ابن كثير: أنه يفرق في القضية على أساس الجحود أو الإقرار، إن كان جاحداً فهو كافر كفراً أكبر، وإن كان مقراً فهو كفر دون كفر.
أما الألوسي فقال ﵀: احتج الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال: أن كلمة (من) فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل فيها الفاسق المصدق أيضاً؛ لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى.
الخوارج أخذوا من الآية: أن الفاسق وإن كان مصدقاً بحكم الله فهو غير حاكم بما أنزل الله، واستدلوا بهذه الآية على تكفير الفاسق، وحتى ولو كان مصدقاً بحكم الله بمجرد عدم تطبيقه وحكمه بما أنزل الله.
يقول الألوسي: وأجيب: بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، فإذا عرفنا أن المقصود بالتصديق هو التصديق الانقيادي، حينئذٍ ندرك أن عبارة الألوسي توافق القاعدة العامة التي ذكرناها.
معنى كلام الألوسي: أنه أجيب على الخوارج بأن الآية متروكة الظاهر؛ بأن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح، ولكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ذكرنا من قبل عند كلامنا على حد الإيمان، ومعرفة الإيمان عند السلف، واختلافهم في معنى الإيمان، وأنه قول وعمل أو هو مجرد التصديق، وقلنا: يحمل كلام العلماء الذين قالوا: الإيمان هو مجرد التصديق، أنه لابد أن تضاف كلمة: التصديق الذي يستلزم الانقياد، أما مجرد التصديق فقد يقع في الشخص الذي هو متلبس بكفر الإعراض والاستكبار والجحود والعناد كما ذكرنا عن إبليس وفرعون وبني إسرائيل.
فمجرد التصديق لا يدخل في الإيمان، ولابد معه من الانقياد للشريعة، فمعنى كلام الألوسي: ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، يعني: التصديق الذي يوجب الانقياد.
أما المراغي ﵀ فيقول في تفسيره: وخلاصة المعنى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤]، مستبدلاً به منكراً له كان كافراً لجحوده به واستخفافه لأمره.
العلامة الشنقيطي ﵀ يقول في أضواء البيان: والظاهر المتبادر من سياق الآيات: أن آية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً مسلمي هذه الأمة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة:٤٤]، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.
الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أيضاً يقول في المنار: وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين
стр. 223
خلافات التكفير بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة
الكلام في هذه القضية له خلاف كبير بين الناس، وكل من ينتمي إلى الاتجاهات الإسلامية التي تجعل الإسلام مبدأها ومعادها والحاكم عليها، والخلاف فيها إنما هو خلاف نظري إلى حد بعيد.
فهناك اتفاق بين كل من ينتمي إلى هذا الدين وللدعوة الإسلامية على أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله عناداً واستكباراً، فهذا كافر كفراً أكبر خارج عن الملة، حتى الذين يعتقدون أن الإيمان هو التصديق، فهم لا يطيقون هذا التعبير، ويضيفون إليه ضابطاً وقيداً هو: والتصديق الذي يستلزم الانقياد، والدليل على ذلك: حال المشركين والكافرين، فأئمة الكفر صدقوا أن الرسول رسول من عند الله، لكنهم لم ينقادوا لشرعه.
فالخلاف الذي يقع في هذه القضية هو الخلاف في ناحية التطبيق وليس في الناحية النظرية، وهذا ينبغي استصحابه عند مناقشة مواقف الجهات الإسلامية من قضية التكفير، فلابد أن يستحضر الإنسان أن الذي يخالف في هذه القضية هو لا يدافع عن الكفر، هو في الحقيقة يصف الكفر بأنه كفر، فلا نتصور مسلماً أبداً يصح له إسلامه وهو يعتقد أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله، أو طعن في حكم الله يبقى له من الإسلام قيد شعرة، فهذا لا يختلف عليه، لكن الكلام هو في الجانب التطبيقي منه، وبالذات تطبيق صورة الرد، متى نحكم على شخص أنه رد حكم الله؟ التكذيب لا يقع إلا في النادر، والتكذيب الصريح يتحاشى الطواغيت الوقوع فيه، وإنما هم يستترون في الغالب وراء التكذيب المقنع، فمنهم من يصرح، ومنهم من يلمح، ومنهم من يلتمس وينتحل المعاذير.
فمن الظلم البين في هذه القضية ذلك السلاح الذي يشهره بعض أصحاب الاتجاهات، فهو عندما يشعر بالوحشة بسبب ما هو فيه من البدعة، فيحاول أن يستأنس ويزيل هذه الوحشة، بالذات إذا كان مخالفوه على شيء من العلم، فيحاول أن يمارس نوعاً من الإرهاب الفكري، ويشهر السيف المعروف وهو قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر، وسنأتي إلى ذلك بعد بالتفصيل، لكن هذه صورة من صور التكذيب: أنك إذا لم توافقه تصير أنت أيضاً كافر، إذا ما كفرت فلاناً باسمه فتصير أنت أيضاً كافر؛ لأن هذا يعني أنك راض بكفره، والرضا عن الكفر كفر.
وهذه مزلة خطيرة لابد للإنسان أن ينتبه في هذه الحال، فالشخص الذي يتورع عن التكفير هو لا يدافع عن الكفر، ولا يخاف على الحاكم بغير ما أنزل الله بقدر خوفه على نفسه هو؛ لأنه يستحضر حينئذ قول رسول الله ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، إن أخطأ في هذا الأمر سوف يرتد إلى الكفر.
ونبهنا مراراً: أن أولى الناس بالحذر والخوف والتورع في جانب التكفير هم الذين يعتقدون أنه ليس هناك كفر دون كفر؛ لأنه إذا أخطأ في تكفير شخص من المسلمين وهو في الحقيقة مسلم، فإن لم يكن كافراً في الحقيقة فسوف يعود عليه حكم الكفر، لكن كيف يفهم هو هذا الحديث: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا حارت أو عادت عليه) هل هو يعتقد: أن هذا كفر دون كفر كما يعتقد أهل السنة والجماعة في من أخطأ في الحكم على غيره؟ لا، هو يعتقد أنه سيخرج من الملة، وسيصير مثل فرعون وهامان وقارون وغيرهم من أئمة الكفر، فلذلك هو أولى بالتورع؛ لأنه إذا أخطأ فسوف يدخل عليه -في نظره هو- كفراً أكبر، فينبغي أن يكون حظه من الاحتياط والتورع أعظم من غيره ممن يعتقد أنه إذا أخطأ ستكون مجرد معصية.
فرفع سلاح: من لم يكفر الكافر فهو كافر.
هذه صورة من الإرهاب الفكري، وفي نفس الوقت صورة من الانحراف العلمي؛ لأنه هو غير راض بكفره؛ لأن الخلاف في الجانب التطبيقي فقط.
فما في شك أن من اشتبهت عليه قضايا مثل الحكم بالكفر ليس أمراً هيناً، وإنما يترتب عليه من الآثار العظيمة في الدنيا والآخرة ما الله به عليم، ويكفي من بعض هذه الآثار في الدنيا فقط ما رأينا من وقوع القوم في استحلال كثير من المحرمات، وانتهاك الأعراض حينما يكفرون شخصاً، ويأخذون بعض نسائهم ويتزوجونهن، وهو غارق في وحل الكبيرة والفاحشة، ويتصور أنه يطبق حكم الله ؛ لأن هذه امرأة رجل كافر، وهو أنقذها من أن تكون زوجة لهذا الكافر الذي يكفره هو، فيستحلون الأعراض والأرواح، والأموال، ومعروف في التاريخ التصفية الدموية التي كان يمارسها الخوارج المعاصرون من جماعة شكري مصطفى، وما أحدثوه من الفساد العريض في الأرض.
فهذا خطأ يترتب عليه سلوك عملي، وليس مجرد ترف فكري، أو خلاف شكلي، إنما الذي يترتب عليه استحلال كثير من المحرمات، فالتورع في هذا الباب لمن يخشى الزلل والسقوط أمر محمود، ولا ينبغي أن يعاقب ولا يلام عليه فضلاً عن وصفه بأنه ينطبق عليه: من لم يكفر الكافر فهو كافر.
فهو في الحقيقة يكفر الكافر كنوع، أما التعيين: فإذا قال الشخص مثلاً: أنا أقول ما يقوله العلماء، أو إذا وجد قضاء شرعي يحكم في هؤلاء بحكم الله، فهذا أحسن ما يتخلص به الإنسان من الوقوع في ورطة القول على الله ﵎ بغير علم.
فالحقيقة أن الخلاف التطبيقي إنما يكاد ينحصر في: كيف نحكم على الشخص أنه رد حكم الله؟ لأنه يندر جداً أن تجد حاكماً يصرح بأنه يكذب حكم الله، كذلك أيضاً يندر من تجده يطعن في حكم الله، ويصفه مثلاً بالرجعية أو الهمجية أو الوحشية، فإن عامة القوم يتحاشون من ذلك ويهربون إلى حيل أخرى، لكن الخلاف غالباً يكون: على أي أساس نحكم على شخص بأنه رد حكم الله ﵎؟ ذكرنا: أن الرد عكس القبول، ومعنى هذا: أن شخصاً يعلن أنه لا يقبل الحكم بشريعة الله ﵎، وأنه لن ينقاد لهذه الشريعة في واقع الحياة، وهاتان هما صورتا الرد: أنه يعلن أنه لن يقبل الحكم بالشريعة، فهذه صورة مكفرة من صور الرد.
أيضاً: أنه لن يقبل الانقياد لهذه الشريعة في واقع الحياة، هذا في الواقع العملي له صور متعددة وأنواع متفاوتة، لكن كلها يجمع بينها هذا القدر.
أيضاً: قد يكون الرد متفاوتاً في درجة وضوحه؛ فبعض الناس يرد رداً واضحاً وجلياً، ومنه أنواع دقيقة ملتبسة قد تخفى على عموم الناس وما بينهما درجات متفاوتة، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الأول وواضح جلي، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الثاني.
فمثلاً: لو أن رجلاً أعلن أن الشريعة الإسلامية غير مناسبة للتطبيق، أي: أنها لا تناسب هذا العصر، أو انتقدها، أو ندد ببعض الأحكام الشرعية، فلا خلاف بين اثنين أن هذه من أقبح صور الرد وأصرحها، وكل المسلمين يتفقون على كفر صاحبها، ولا يختلفون في ذلك طرفة عين.
فإن كان ثمة خلاف فالخلاف لن يتعلق بالأصول، وسوف يتعلق بالفروع والإجراءات كمدى اعتبار عارض الجهل بالنسبة لهؤلاء أو عدم اعتباره، لكن لا يختلفون أن هذا الفعل كفر أكبر، لكن هل هناك من عذر أو تأويل أو غير ذلك من العوارض التي أشرنا إليها من قبل؟ هذا هو محل الخلاف؛ لأن صور الرفض ليست بنفس الدرجة من الوضوح والصراحة، لذلك ينشأ الالتباس والنزاع بين الناس في هذه القضية.
أيضاً: بالنسبة لمسألة تحكيم القوانين الوضعية، وإظهار أحكام عامة ملزمة لكافة الناس تتقيد بها الأجيال الحاضرة والمستقبلة، وهذه الأحكام تكون معارضة لحكم الله ، معطلة لحدوده، محلة لحرمته، وتقديم الحكم بها والتحاكم إليها على الحكم والتحاكم إلى الكتاب والسنة، بل والحلف والقسم على الإخلاص لها في الظاهر والباطن، هذه الصورة لا شك أنها صورة جلية من صور الرد والرفض لما أنزل الله ﵎.
أيضاً: بعض الناس قد يوردون هنا شبهة على هذا الوضع، فيقولون: إن هؤلاء ورثوا هذه الأحكام ممن قبلهم ولم يستأنفوها هم أو لم يفعلوها، كما أنهم أيضاً لم يعلنوا إلغاءها من ناحية، ولم يعلنوا رفضهم الكامل للشريعة من ناحية أخرى، فتجتمع فيهم على ما يظهر أمور متعارضة، فهم باستمساكهم بالقوانين الوضعية وتحكيمها في الأمة، وإلزام الأمة بها، وعقوبة الخارج على هذه القوانين قد تحقق فيهم ما تحقق لدى من استأنفوا إصدار هذه القوانين من رد ما أنزل الله ﵎، وهذا الرد أحد المناطين المكفرين في القضية.
أيضاً: هم حينما يعلنون الإيمان بالشريعة من جانب آخر، وأنهم يسعون إلى تطبيقها، ويشيدون بذلك في مختلف المناسبات، ويعتذرون عن التباطؤ في ذلك؛ لأنهم يريدون تهيئة الظروف وتحقيق الملاءمة السياسية وغير ذلك مما ينتحلونه أو ينتحل لهم من المعاذير عند من يحسن الظن بهم؛ تنتفي حينئذ دلالة الرد السابقة، ولا يحكمون عليهم بأنهم ردوا حكم الله، وإنما يلتمسون ويقبلون مثل هذه المعاذير.
فالناس ينقسمون في هؤلاء إلى أقسام عدة: فمنهم من يقضي باعتبارهم كفاراً مارقين؛ لأن الحال الظاهر يكذب ما يدعونه من العمل على التغيير، وأن هذا خداع للأمة لا غير، فهؤلاء إذا تحقق كذبهم في ادعاء التغيير، حينئذٍ يثبت في حقهم أنهم ردوا الأحكام الشرعية، وهذا كما ذكرنا من المناطات المكفرة.
لكن من الناس من صدق هذه المعاذير، وقضى باعتبارهم من أئمة الجور؛ لأنهم يعلنون الإسلام من ناحية ولا يتحقق في حالهم، ولم يثبت أنهم ردوا بالفعل الأحكام الشرعية من ناحية أخرى بناءً على ما يدعونه من السعي في التغيير وإعلان الإيمان بالشريعة، بل منهم من يغلو في إحسان الظن بالتصريحات التي يصدرونها فيعذرهم في تعويق الأحكام الشرعية بما يدعونه من المعاذير، فلا يشهد عليهم لا بكفر ولا بجور ولا بظلم، بل يعطيهم من الولاء ما يعطى للخلفاء الراشدين وأئمة العدل المهديين.
من الناس من يقضي باعتبارهم منافقين؛ لأنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، ويسرون خلاف ما يعلنون.
هذا التباين في حكم الناس في هذه القضية يجد أن الأساس في الخلاف ليس هو في وصف الكفر بأنه كفر أو المعصية بأنها معصية، إنما الخلاف في تحقيق هذا الواقع، ومدى دقة كل طرف في رؤية الأحداث وتحليلها بهذه الدقة.
ففي الحقيقة هذا ليس خلافاً حول بعض أصول الدين حتى يكفر من يخالف في هذه المسائل التي ذكرناها، فالخلاف ليس راجعاً إلى قضية من أصول الدين؛ لأن كلاً منهم يعتقد أن من رد حكم الله، ومن كذب بحكم الله فهو كافر، فهذا موضع اتفاق بين جميع المسلمين ا
стр. 224
الإيمان والكفر [٢٠]
إن توحيد الحاكمية جزء لا يتجزأ عن التوحيد، فما ذكر في القرآن إلا مقروناً به، وأما القوانين الوضعية ومحاكمها الحالية، فهي مما لم شهده المسلمون وفرض عليهم في هذا العصر، وإن كانت هناك أحكام بغير ما أنزل الله من قبل إلا أنها لم تكن عامة مفروضة مقننة، ولكنها كان عن هوى ومعصية، وقد حكم علماء المسلمين على القوانين الوضعية بالكفر، ولا مجال للشك في ذلك عند المطلع على حقيقتها، العالم بمقاصدها.
стр. 225
توحيد الحاكمية وصلته الوثيقة بالتوحيد
نخوض الآن في قضية الحكم بما أنزل الله أو قضية الحاكمية، وسبق أن ذكرنا أن لقضية الحاكمية صلة وثيقة بالتوحيد بنوعيه: العلمي الخبري، والعملي التشريعي العبادي، وسوّى الله ﵎ بين الشرك في العبادة والشرك في الحاكمية، فقال : ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، (لا) هنا النافية، وفي قراءة ابن عامر من القراء السبعة: ((ولا تشرك في حكمه أحداً))، على أنها (لا) الناهية، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك يا أيها المخاطب في حكم الله ﵎ أحداً، هذا في الحكم، كذلك قال في العبادة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فالأمران كلاهما سواء؛ شرك بالله العظيم في قضية الحاكمية والعبادة.
стр. 226
الفرق بين كفر العين وكفر النوع
هناك فرق في قضية التكفير بين النوع وبين العين، أما كفر النوع: فهو الحكم على الفعل في ذاته، وما ينبغي أن يعتقده كل مسلم في هذا الموضوع الذي نتناوله.
أما الحكم على الشخص الذي قام بهذا الفعل، هل هو كافر أم غير كافر، فهذه إلى حد بعيد قضية تتعلق بإجراءات من المفروض أن يتخذها القضاء الشرعي إن وجد، أما إن لم يوجد القضاء الشرعي فيكل الإنسان الأمر إلى أهل العلم ليقولوا فيه قولتهم، ولا يجترئ على الكلام من عند نفسه، حتى لا ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فإذا دفع الرجل الحكم بالكفر عمن يعتقد هو في نفسه أنه مسلم وأنه مبرأ من الكفر، ذاباً عن عرض أخيه المسلم؛ فإنه يثاب في ذلك حتى ولو لم يصادف الحق ولم يوافق الصدق في هذه الجزئية، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -وكما سننقله عنه إن شاء الله فيما بعد بالتفصيل-، فمن اجتهد في دفع الحكم بالكفر على من يحسن به الظن من المسلمين؛ فإنه يثاب على ذلك ولا يؤثم فضلاً عن أن يكفر، تطبيقاً للقاعدة التي يساء فهمها وبالتالي يساء تطبيقها: من لم يكفر الكافر فهو كافر.
يعني: إذا كان راضياً بكفره، أو من لم يكفر الكافر الذي قام دليل قطعي على كفره مثل: فرعون أو أبي لهب، أو اليهود والنصارى وهكذا.
أما من اختلف العلماء في كفره مثلاً: كتارك الصلاة، هل العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة كسلاً يعتبرون في نظر العلماء الذين يكفرون تارك الصلاة كفاراً؟! هل يقولون لهم: من لم يكفر تارك الصلاة فهو كافر؟! هل الإمام أحمد يكفر الشافعي وأبا حنيفة ومالكاً وغيرهم من الأئمة الذين لا يكفرون تارك الصلاة كسلاً؟! إن هذا فتح لباب عظيم من الفوضى والاعتداء على حرمات الله ﵎، ففي موارد الاجتهاد أو في المواضيع الإجرائية الخلاف فيها أمر له شأن آخر سنتكلم عليه بالتفصيل في قضية العذر بالجهل إن شاء الله.
стр. 227
علاقة الحاكمية بالتوحيد
إن الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فهو أن ينكر هذه المنكرات، وأن يصحح عقيدته في هذه القضايا، ويعلم الحق فيها من الباطل، فقضية الحكم بما أنزل الله من القضايا التي تمس العقيدة من حيث إنها ركن من أركان قضية التوحيد، ولا نقول: إنها كل قضية التوحيد، بحيث نحصر معنى العبادة في قضية الحاكمية كما يحصل من كثير من الاتجاهات الإسلامية، خاصة ممن تأثروا بكتابات بعض الأفراد من المتأخرين الذين وضعوا على أعينهم منظاراً اسمه الحاكمية، ونظروا من خلال الحاكمية إلى كل نصوص القرآن وكل قضايا الإسلام، وبالتالي أهملوا كثيراً من القضايا الحيوية التي تمس العقيدة، وكثيراً جداً من قضايا التوحيد المهمة في بنية المسلم.
إن منهج النظر من خلال منظار الحاكمية له اتجاهات شتى بين الجماعات الإسلامية، وبالذات عند الشيخ سيد قطب ﵀، وعند المودودي اللذين كان لبعض كتابتهما أثر كبير في أن أساء كثير من الشباب فهم كلامهما، فبالتالي وضعوا من هذه المواضع التي فيها نظر أسساً وأصلوا أصولاً وقواعد قد يكون فيه شيء من النظر.
فنحن نركز على بيان قضية الحاكمية كاعتقاد وتصور يجب أن يحتفظ به كل مسلم في قلبه، ويعقد عليه قلبه حتى يصحح هفوته كما يصححها في كل قضايا التوحيد، فإن الله ﵎ وصف من أشرك به في العبادة بالشرك، وكذلك من أشرك بالله في الحكم أيضاً وصفه بأنه مشرك، قال : ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، فالحلال حلال الله والحرام حرام الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غير الله باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه، فمن قدم القوانين الوضعية أو أي تشريع يخالف شرع الله ﵎ على شرع الله، سواء اعتقد أنه مثل شرع الله أو أنهما سواء، فضلاً عن أن يعتقد أنه أفضل من شرع الله، فهذا لا نزاع في كفره وخروجه من الملة، وكل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله، وإن كان أعطاه حق التشريع فهو يقع تحت قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧]، فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد، وقال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فقد سمى الله تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء، أيضاً الشيطان سيقول للذين كانوا يشركون به في الدنيا: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، وبين في نفس الآيات في سورة إبراهيم أن هذا الإشراك لم يكن زائداً على مجرد أنه أمرهم فأطاعوه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي﴾ [إبراهيم:٢٢].
стр. 228
الأدلة على قضية الحاكمية
أما الأدلة على أن لا حكم إلا لله سبحانه تعالى فهي أكثر من أن تحصر يقول ﵎ حاكياً عن يوسف ﵇: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠]، وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال أيضاً: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، وقال : ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]، وقال : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، وقال : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٤٩ - ٥٠]، وقال : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]، فبهذه النصوص يظهر غاية الظهور أن كل من يتبع القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله على ألسنة رسله، فهذا كفر عظيم بواح ناقل عن ملة الإسلام، ولا يخالف في هذا إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي من أمثال هؤلاء.
يقول الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] الحرام هو الذي حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣]، ويقول : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
стр. 229
وجه اقتران صفة إفراد الله بالحاكمية بصفات الرب ﵎
لقد بين الله في كتابه العزيز في كثير من الآيات صفات من يستحق أن يكون له الحكم وحده، وذلك ليلفت أنظارنا إلى أن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله ﵎ إذا كانوا يملكون مثل هذه الصفات فيكون لهم الحق في أن يشرعوا ويحلوا ويحرموا، بل ويعبدوا من دون الله، سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! هذا إن كانت لهم هذه الصفات التي سلكوها، أما إن ظهر لنا يقيناً أنهم أحقر وأذل وأضل وأصغر من ذلك، فيقف الإنسان بهم عند حدهم ولا يجاوز بهم إلى مقام الربوبية.
ولقد اقترنت دائماً صفة إفراد الله بالحاكمية بصفات الرب ﵎، وفي هذا إشارة إلى أن من اتصف بهذه الصفات هو الذي يستحق أن يكون له الحكم من دون الله قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:١٠ - ١١]، ومن أجل ذلك لا حكم إلا لله؛ لأنه هو الذي فطر السماوات والأرض، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: له الخلق وله الأمر؛ لأنه الذي خلق، أما أن يخلقنا الله ويرزقنا فنتجه بالعبادة وبالتوحيد وبالحاكمية إلى غير الله فهذا كفران بنعم الله ، وصرف للعبادة إلى الأنداد والأضداد من دون الله ﵎.
فانظر إلى الصفات التي ذكرها الله ، ثم أعقبها قوله : ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)) من هو الذي له الحكم وحده؟ ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي)) [الشورى:١٠] هو ربي الذي خلقني، فهل هؤلاء أرباب، أم هم الذين خلقونا؟ ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) من هو أيضاً؟ ((فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، هل عبد الرزاق السنهوري، أو أبو جهل العربي أو المصري أو أي إنسان ممن شرعوا من دون الله ووضعوا القوانين التي تحاد شريعة الله؟! هل يتصف بصفة واحدة من هذه الصفات؟ هل هو فاطر السماوات والأرض؟! هل جعل لنا من أنفسنا أزواجاً؟ هل ليس كمثله شيء، أم أنه عبد حقير ذليل ليس له إلا أن يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم الله؟ فانظر كيف كفر العباد بدين ربهم ﵎، وضللهم عن أصول هذا التوحيد.
﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى:١١ - ١٢]، هل في المشرعين من يستحق هذه الصفات؟! يقول : ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وقال ﵎: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] هل الذين يشرعون من دون الله ينطبق عليهم قولنا: لا إله إلا هم، أو كل شيء هالك إلا وجوه هؤلاء، أم أن هذه الصفات يستأثر بها الله ﵎؟! ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، هل فيهم من يتصف بأنه علي وكبير؟ ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٠ - ٧٣].
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، هل في هؤلاء الأنداد الأرباب الذين يعبدون من دون الله حين يحلون ويشرعون بأهوائهم، هل فيهم من يقص الحق وهو خير الفاصلين؟! هناك جملة من الآيات تقترن فيها صفات الله ﵎؛ تلك الصفات التي لا يوصف بها أيُّ من الفجرة الكفرة المشرعين للنظم الشيطانية، ولا يدعيها أي أحد منهم؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
وأيضاً لما كان التشريع وجميع الأحكام سواء كانت أحكاماً شرعية أو أحكاماً كونية قدرية هي من خصائص الربوبية، فكل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله فقد اتخذ ذلك المشرع رباً وأشركه مع الله، فمتى أعطيت حق التشريع وأقررت به لهؤلاء الذين تعلم أنت أنهم يضادون حكم الله ويخالفون شرع الله ﵎، وأطعتهم في ذلك بنفس التفصيل الذي قدمناه من قبل فقد اتخذتهم شركاء وأنداداً من دون الله ﵎.
إن الشيطان أوحى إلى أوليائه فقال لهم: سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة، من الذي قتلها؟ فمما يروى أنه أجابهم أن الله هو الذي قتلها أو أخذ روحها، فقالوا: الميتة إذاً ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام، مع أنكم تقولون: إن ما ذبحتموه بأيديكم حلال؟! فهل أنتم أحسن من الله؟ فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، يعني: الميتة، حتى وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب، ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، يعني: أن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه خروج من طاعة الله واتباع لتشريع الشيطان، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فهذه فتوى سماوية من الله بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله العظيم.
ويقول : ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، وقال ﵎: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]، فكل من اتبع هذه التشريعات الشيطانية التي يوحيها الشيطان إلى أوليائه يكون قد عبده من دون الله ﵎.
ويقول ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، لما سأل عدي بن حاتم: كيف اتخذوهم أرباباً؟ أجابه ﵊ فقال: (إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله)، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً من دون الله.
ومن أصرح الأدلة في أن الكفار كانوا إذا أحلوا شيئاً يعلمون أن الله حرمه، وإذا حرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله، فإنهم بذلك يزدادون كفراً جديداً مع كفرهم الأول، قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ﴾ [التوبة:٣٧]، فقد كان الجاهليون يستحلون شهر المحرم ويحرمون بدله شهر صفر، فهذا هو النسيء، فهذا من تشريعاتهم الباطلة، فلذلك قال ﵎ في حقهم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، معاندة ومضادة لتشريع الله ﵎، مع أنهم كانوا كافرين أصلاً إلا أنهم لما وقعوا في هذا الأمر الجديد زادوا كفراً على كفرهم.
стр. 230
وجوب الكفر بالطاغوت
إن رأس الطاغوت هو الشيطان؛ لأن كل معصية تقع في الوجود إنما تكون بتحريض هذا الشيطان وباتباع أوامره وأوليائه، فالكفر بالطاغوت شرط في صحة الإيمان، كما يقول : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، العروة الوثقى هي لا إله إلا الله، وكلمة (الطاغوت) مشتقة من مادة طغى، أي: من الطغيان، وهو مجاوزة الحد ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، فالطغيان فيه مجاوزة الحد؛ لأن من أطاعه في هذا الشرك وهذا الكفر قد طغى، وجاوز به حده بصفته مخلوقاً مربوباً لله إلى أن اتخذه إلهاً من دون الله، فهذا هو معنى الطاغوت.
فيفهم من هذه الآية كفر من لم يكفر بالطاغوت، فينبغي أن يعتقد كل مسلم بقلبه بطلان هذه القوانين، وفي أن هذا كفر ومعاندة ومضادة لتشريع الله ﵎.
ويقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، ويقول : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
أيضاً أوضح الله ﵎ في آيات كثيرة حال الذين يكرهون ما أنزل الله ، فقال ﵎: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وهذا واضح من حال العلمانيين أعداء الشريعة في كل بلاد الدنيا، فهم يكبر عليهم ويشق عليهم ما تدعوهم إليه من تحكيم شريعة الله .
ويقول ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس:٧١]، وقال أيضاً: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، فانظر إلى شدة بغض الكفار لما كان يدعوهم إليه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ((وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ))، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥]، ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧].
ويقول ﵎: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢]، وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] أي: شوشوا عليه والغوا فيه، ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، وقال ﵎: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٦ - ٨]، وقال ﵎: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٥ - ٢٦] فعلى كل مسلم أن يتدبر هذه الآيات، وأن يحذر حذراً كاملاً مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيراً من الناس في هذا الزمان بلا شك وأولهم العلمانيون أعداء دين الله وأعداء رسل الله وأعداء شريعة الله في كل البلاد داخلون في هذا الوعيد؛ لأنهم يكرهون ما أنزل الله، وهذا حالهم مع شريعة الله ﵎، فكل من قال لمن يشرعون تشريعاً مخالفاً لدين الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في هذه الآيات، فالذين يتعبون القوانين الوضعية يبشرون والعياذ بالله بسوء الخاتمة، وأنهم إذا أتتهم الملائكة عند خروج أرواحهم يضربون، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]؛ وذلك لأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، فأحبط الله ﵎ أعمالهم.
стр. 231
جواز اتخاذ القوانين الإدارية التنظيمية التي لا تخالف الشريعة
ينبغي أن نعلم أن النظام والتشريع قسمان: قسم إداري، وآخر شرعي، أما النظام الإداري فهو الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع.
أولاً: نظم العمل ونظم المرور والقوانين التي لا تصطدم مع الشرع في شيء.
ثانياً: أن تحقق مناط الشريعة الإسلامية، وتتلائم مع المصالح التي شرعتها.
وثالثاً: أن تعين على ضبط الأمور وإتقانها، فهذا لا يعد من التشريع أو الحكم بغير ما أنزل الله، كما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله ﵎ عنه فقد استحدث نظماً إدارية كثيرة في خلافته لم تكن موجودة في زمن النبي ﵌.
وإذا تأملنا ما حصل في غزوة تبوك لما تخلف كعب بن مالك وصاحبيه، فلم يكن عندهم قوائم تضبط أسماء الجنود حتى يعلم من حضر ومن غاب، فما علم بتخلف كعب بن مالك إلا بعد أن وصل تبوك، لكن في عهد عمر وجد ديوان الجند، وفيه ضبط وإثبات للجنود إلى آخره.
أيضاً اشترى عمر ﵁ دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً في مكة المكرمة، مع أن النبي ﷺ لم يتخذ سجناً ولا أبو بكر ﵁.
أي: أن الأمور الإدارية التي تفعل من أجل أن تتقن الأمور ولا تخالف الشريعة جائزة، فلا بأس بتنظيم شئون الموظفين، وإدارة الأعمال على وجوه لا تخالف الشريعة، وتقع تحت قواعد الشريعة التي تراعي المصالح العامة للمسلمين، أما النظام الشرعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بالله فهو النظام المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض، فهذا تحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض؛ كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، هذا كفر بواح يخرج من الملة تماماً، فمن يصف حكم الله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] بأنه غير عدل وأنه لا يناسب العصر، أو أن هذا فيه هضم لحقوق المرأة، أو إلى آخر هذه الدعاوى الشيطانية، فهذا لا شك في كفر القائل به.
أيضاً دعوى أن تعدد الزوجات ظلم، فهذا أيضاً كفر بالله العظيم، أو دعوى أن الطلاق ظلم للمرأة، أو أن الرجم للزاني المحصن وقطع يد السارق، هذه أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، فمن هذه هي نظرته إلى شريعة الله في نفوس الناس وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعصورهم وأديانهم، فقد كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بما يصلحها .
فهذه بعض المقدمات فيما يتعلق بقضية الحكم بما أنزل الله ﵎.
стр. 232
القوانين الوضعية
قصة القوانين قصة طويلة، وتاريخ إدخالها في بلاد المسلمين لا نطيل بذكره؛ لأنه يستهلك وقتاً طويلاً.
стр. 233
فساد واضعي القوانين
من أجمع ما كتب في هذه القضية كتاب: (الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية) للدكتور: عمر سليمان الأشقر، لكن نجتزئ منه بعض المواضع، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتاب الأصلي، فقد ذكر تحت عنوان: نظرتنا إلى القوانين الوضعية، أولاً: أن القوانين الوضعية عاجزة عن تحقيق الأهداف المرجوة منها، فالقوانين الوضعية عبارة عن ترجمة وانعكاس لآراء المقننين، فهي في الحقيقة لا تحقق الأهداف التي ترجوها للارتقاء بالمجتمعات وعلاج أمراضها وعللها، لكن الواقع أن القوانين الوضعية لا تمثل هذه المعاني الرفيعة التي يجب أن يحققها القانون، وإنما تمثل تلك القوانين آراء الحكام والمقننين، وتترجم عن أنانيتهم وشرعهم، وتسجل عليهم سوء النية وسوء التفكير، والتضحية بالمعاني الرفيعة إرضاءً للأطماع، وإشباعاً للغرور، فمن الذي وضع القوانين الوضعية؟ وضعها البشر، وما صفات هؤلاء البشر؟ القصور، الظلم، الانحراف، هذه صفة الإنسان الظلوم الجهول.
إن القوانين الوضعية حينما تعالج مشكلة من المشاكل ونظراً للقصور الذي في طبيعة البشر من عدم الإحاطة بأمور كثيرة تغيب عن العلم البشري؛ فإنهم يتصرفون في خلال ما عَنَّ لهم فقط من أمور، لكن تغيب عنهم أشياء بعد ذلك حينما يطبق القوانين، فتظهر هذه الأشياء فيعدلون القوانين حسب ما يتجدد من علمهم، فيغيب عن هذه الحقائق كثير من الأشياء، أما شريعة الإسلام شريعة الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالذي خلق الإنسان أنزل هذا الشرع من أجل إصلاح حاله، فهو أعلم بما يصلح الناس، فلا يمكن أبداً أن تند أو تغيب أو تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
أيضاً القوانين الوضعية تهدر تماماً حق الله، وهذا من أخبث الأشياء في القوانين الوضعية، فهي لا تعرف شيئاً اسمه حق الله ﵎، بل هناك حق المجتمع، حق الأطراف البشرية، لكن حق الله غير مراعى عندهم؛ ولذلك يسقطون في المجتمعات العلمانية قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! أنت حر تفعل ما شئت ما دام أن المعاصي تتم بالتراضي، وعقود الربا تتم بالتراضي، إلى غير ذلك مما يخالف شريعة الله، فهم لا يضعون في اعتبارهم حق الله، وأن هذا حرام لحق الله، وأنك تغار على حرمات الله حينما ترى المعصية، وبالتالي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ لأن هذا حق الله، أما القوانين الوضعية فتهدر تماماً حق الله ﵎ وتلغيه، انظر إلى الأخلاق وإلى العقيدة ولا تنظر للإنسان نظرة شاملة.
стр. 234
فساد المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية
إن الإنسان إذا نظر إلى أرقى المجتمعات التي يسمونها متحضرة وبالذات العالم الغربي تجد أن نسبة الإجرام فيها متزايدة ومرتفعة، مع أنهم وضعوا هذه القوانين التي يتشدقون بها من أجل الأمان والرفاهية والرخاء والتقدم، إلى آخر هذه الدعاوى، ثم إذا نظرت إلى واقع هذه المجتمعات تجدها عبارة عن غابات يعيش فيها مجموعة من الوحوش، لا يصح نسبتهم إلى البشر، يعيشون في حالة من الهمجية والتردي والضياع لا يستطيع أن يتخيلها إنسان، ولو قدر أن يكشف النقاب عن التزوير الذي يحصل في نقل صورة المجتمع الغربي لفوجئ الناس بالذات هنا في البلاد الإسلامية أننا في حالة رقي أخلاقي واجتماعي وعقائدي، وبيننا وبينهم مفاوز وفلوات تنقطع دونها أكباد الإبل، لا تحلم أمريكا ولا الغرب بعشر معشار ما عليه المجتمعات الإسلامية الآن؛ ببركة بقايا الإسلام الموجودة، فما ظنك إذا كان كل الإسلام مطبقاً في مجتمعاتنا؟ هم لا يحلمون بما نعيش فيه، نحن الآن هنا في هذه البلاد لا نشعر بالنعم؛ لأننا لم نفقدها، لكن اسألوا من يذهب إلى تلك البلاد، ويرى الضياع الذي إذا تكلم الإنسان فيه يستغرق ساعات وساعات، فأعلى نسب الإجرام موجودة في هذه المجتمعات التي وضعت هذه القوانين، والتي تزين لنا هذه القوانين، لكن إذا ذهبت إلى المدينة المنورة أو إلى مكة المكرمة تجد منظراً نتحدى به العالم أجمع، هذا المنظر هو منظر الرجل الصراف الذي يجلس في السوق أمام الحرم المكي أو المدني، رجل بسيط يجلس على الرصيف وأمامه أكوام من الأموال والدولارات والريالات والجنيهات، عملة جميع بلاد العالم موجودة أمامه بالأكوام، والناس يغدون ويروحون بالآلاف من أمامه، والرجل في حال من الأمان بثمرة وبركة الإسلام وتربية الإسلام لهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، اسألوا أي إنسان يعيش في مدينة نيويورك، وتخيلوا لو أن مثل هذا الرجل في أفخم حي في العالم وهو منهاتن في نيويورك صاحبة ناطحات السحاب، فإن الأمر لا يحتاج سوى وقت يسير حتى يقتل هذا الرجل وينهب هذا المال نهباً، فهذا مما نفاخر به الدنيا، هذا منظر يسير جداً يعكس مدى الأمن رغم انحراف المسلمين عن حقيقة الإسلام إلى حد بعيد، فلا يستطيع إنسان أن يمشي بحقيبة فيها نقود، لابد أن تضع يدك في جيبك حينما ترى رجلاً مقبلاً في الطريق حتى توهمه أن معك مسدساً، حتى لا يحاول أن يقتلك أو يأخذ منك شيئاً، وعلى ما نحن عليه من البعد عن الإسلام ومع بقايا الإسلام التي بقيت في مجتمعاتنا تجد الأمان، فكيف بنا إذا طبقنا الإسلام بكامله في مجتمعاتنا فأكثر بلاد الدنيا أمناً هي أقربها إلى بقايا الشريعة الإسلامية، وأكثر البلاد إجراماً هي هذه البلاد التي تدعي الحضارة والتقدم، وتزين قوانينها الكفرية، وتحارب شريعة الله ﵎، ويقولون: حقوق الإنسان.
стр. 235
قوانين حقوق الإنسان الوضعية وانحرافها
لو تكلمنا أيضاً فيما يسمى بحقوق الإنسان، وموقف الإسلام من وثيقة حقوق الإنسان لطال الكلام جداً، فهم يرتكبون في حق البشرية أعظم جريمة حينما يصدون عن دين الله، لأن من أعظم حقوق الإنسان الذي لا يختلف عليه اثنان ألا يحال بينه وبين سعادة الدنيا والآخرة، ألا يحال بينه وبين الإسلام، ألا يشوه الإسلام في نظر الناس، فيصدونهم عن دين الله ﵎، من الذي أمر بهذه الشريعة؟ هو الله ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نقارن بين شريعة الله وشريعة هؤلاء المتوحشين.
стр. 236
استغلال الأمة ومواردها عن طريق القوانين الوضعية
إن القوانين الوضعية إنما اتخذت وسيلة لتمكين أعداء الله ﵎ في ديار المسلمين، فأتي بهذه القوانين حتى تحطم عناصر القوة في هذه الأمة، ولا يغيب عنا ما وقع من اإانجليز من إفساد في المجتمع المصري؛ من أجل التمكين لمصالح أعداء الله الإنجليز، فقد بين ذلك الشيخ عبد القادر عودة في كتابه: (الإسلام وأوضاعنا الكونية)، وأطال في الكلام، وذكر أمثلة كثيرة جداً من الاستغلال الذي كانت إنجلترا تستغل فيه مصر، وتخرب مصر باسم القوانين الوضعية، وأيضاً يذكر شيئاً منها عبد القادر عودة ﵀ فيقول: إن القوانين المصرية قامت على أساس خدمة الاستعمار، ومحاباة الأجانب، وتمكين الجميع من امتصاص دماء الشعب المصري، وصرف المصريين عن طريق الخير، وإبقائهم إلى أطول وقت ممكن فريسة الجهل والضعف، فالقوانين الجمركية والمالية التي تحمل اسم مصر تؤخذ من جيوب المصريين الفقراء لتضخيم جيوب الإنجليز الأثرياء، ولا يخطئ الإنسان كثيراً إذا قال: إن الهدف الأول من هذه القوانين: هو حماية التجارة الإنجليزية، وقد أتى علينا زمن كانت السلع الرخيصة تمنع فيه من دخول البلاد المصرية إذا كانت تزاحم برخصها سلعة إنجليزية.
أيضاً القوانين الوضعية تلزمنا أن ننشئ طرقاً ونعدها للإنجليز، وأن ننشئ السكك الحديدية وننفق عليها لصالح الإنجليز، وننشئ الموانئ ونوسعها لتأوي إليها مراكب الإنجليز، وأن نمد خطوطاً تلفونية وتلغرافية لخدمة الإنجليز، وبالرغم من ذلك تدخل إلى مصر حاجات الجيوش الإنجليزية، إلى آخره.
القوانين المصرية تسمح للأجانب المثقفين الأغنياء أن يعاملوا بالربا المصريين الجهلاء الفقراء، وغير ذلك أمثلة كثيرة، إباحة الزنا، إباحة بيع الخمر، إلى غير ذلك من الأشياء.
أيضاً من النماذج التي وقع فيها الضرر الكبير على يد هؤلاء محكمة (دنشواي) وما وقع فيها من الظلم الفاحش، والظلم البين الذي وقع بالمسلمين في هذه البلدة، ولعلكم إذا رجعتم أيضاً إلى الوراء، وتذكرتم قصة سليمان الحلبي الذي قتل كليبر الفرنسي، وما فرنسا؟ حاملة لواء الحرية، وصاحبة قانون نابليون الذي يفتخرون به، ماذا حصل مع سليمان الحلبي؟ قالوا: حاول الفرنسيون معه بالطريقة الأوروبية الراقية في التحقيق، فلم يفد معه ذلك شيئاً، يقول: فسلكنا معه سلوك أبناء البلد، يعنون بذلك التعذيب، فعذبوه عذاباً شديداً، وانتزعت منه الاعترافات، وحصل أن قطعوا يديه وشووهما أمامه، ثم بعد ذلك قتلوه أشنع قتلة، هذا من النماذج، والنماذج يطول الكلام فيها.
стр. 237
استحالة الالتقاء بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية
بعض الناس يظنون أنه يمكن أن يحصل لقاء بين التشريع الإسلامي وبين القانون الوضعي، ولا يمكن أن تصدر هذه الدعوى من شخص يؤمن بالله، ويؤمن بهذه الشريعة ويعلم خصائصها، فالشريعة غنية عن أن تحتاج إلى القوانين الوضعية كما يزين شياطين القانون الوضعي، ويقولون: ممكن أن يحصل لقاء بين الشريعة الإسلامية وبين هذه القوانين الوضعية، ويقولون بعبارة أخرى رددها إخوانهم المنافقون من قبل: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، أي: التوفيق بين الشريعة الإسلامية والشرائع الطاغوتية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٣]، ولعل من يتابع التحول الجذري الذي يحصل الآن في اليمن بعد اتحاد اليمن الشيوعية مع اليمن الشمالية، وما يحصل من تزوير وتزييف وضغط على العلماء والمسلمين في اليمن من أجل هذا الدستور العلماني الجديد، تجد حيلاً وأساليب المنافقين تعود من جديد من أجل فرض هذه القوانين الكفرية على بلاد المسلمين.
стр. 238
الكفر الاعتقادي في الحكم بغير ما أنزل الله
فصل الشيخ محمد بن إبراهيم متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً من الملة، فذكر أن الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين: كفر اعتقادي، وكفر عملي، ثم فصل القول في الكفر الاعتقادي، وذكر أنه ستة أنواع:
стр. 239
جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي
أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله ﵌، وما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير: أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول ﷺ قطعياً، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة، وهذا كفر الجحود.
стр. 240
اعتقاد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله
ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله، فهو يعتقد ويؤمن بأن هذا الحكم من عند الله، لكن يعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً وإما بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث، فحكم غير الشرع أفضل من حكم الشرع وأحسن؛ نتيجة تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب في كفره؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار على حكم الحكيم الحميد.
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قل نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، يعني: تغير الأحكام بتغير الأزمان، هذه القاعدة ليست على إطلاقها، هذه الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام التي تكون أسست على العرف، والعرف متغير ومتبدل، فما كان من الأحكام راجع إلى العرف فإنه يتغير بتغير الأزمان والبيئات، أما الأحكام الشرعية المؤسسة على الأدلة، فهذه لا يمكن تغييرها بحال من الأحوال.
стр. 241
اعتقاد أن حكم غير الله يساوي حكم الله
ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين الذي قبله في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
стр. 242
اعتقاد جواز الحكم بغير حكم الله
ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله، فضلاً عن أن يعتقد أنه أحسن منه، لكنه اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ﷺ ، فهو غير جاحد والفرق بين هذا النوع والنوع الثاني: أن هذا يقول: أنا أقر بحكم الله، لكن حكم غير الله أحسن من حكم الله، ولا هو من النوع الثالث الذي يقول: أقر بحكم الله، ولا أقول: إن حكم غير الله أحسن من حكم الله، لكن أقول: هو مثله.
أما هذا النوع فليس من هذا ولا ذاك، لكنه يعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ﵌، ويجيز الحكم بغير ما أنزل الله ﵎، فهذا كالذي قبله يصدق عليه باعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن ظن أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهذا كافر يجب قتله بعد استتابته، وهذا للأسف الشديد موجود عند بعض الصوفية، إذ حينما تناقشه بالأدلة وتبين له، يقول: أنتم لكم طريقة ونحن لنا طريقة، أنتم تأخذون من العلم والأدلة، ونحن نأخذ مباشرة عن الحي الذي لا يموت، وربما ادعى بعضهم أنه يطلع على اللوح المحفوظ، وفي الحقيقة ليست لهم طريقة غير طريقة المسلمين وإنما هي: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]؛ لأن من جوز أن هناك طريقاً إلى الله بعد بعثة رسول الله ﵊، وطريقاً إلى حكم الله غير رسول الله ﵊، فلا حظَّ له في دين الإسلام، فمن جوز أن يأتي بتشريع جديد بعد بعثة النبي ﷺ مخالف لشريعته يجوز التعبد به، فهذا لا حظَّ له في دين الإسلام، ومن جوز ذلك مدعياً أنه في حاله هذه مثل الخضر مع موسى، فهذا أيضاً لا يقبل منه؛ لأن شريعة موسى لم تكن شريعة عامة، ولم تكن للناس كافة، والخضر بعث في نفس الوقت في طائفة آخرين على القول الأرجح أنه كان نبياً، قال ﷺ : (كان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت للناس كافة)، أو كما قال ﵊، ففي هذه الحالة كان يسع الخضر الخروج على شريعة موسى؛ لأن هذا له شريعة، وهذا له شريعة، والدين واحد: لا إله إلا الله، أما بعد بعثة النبي ﵌ فكل الطرق إلى الجنة مسدودة إلا الطريق الذي على رأسه محمد رسول الله ﵌، فلا يجوز لمسلم أن يرتاب في هذه الحقيقة قيد شعرة، ولا يجوز أن تتزلزل أو تتزحزح هذه العقيدة أو تهتز بأدنى شيء من الشك أو الريب، فكما أنك تقول: لا إله إلا الله، وتعتقد بطلان أي شرع غير شرع الله ﵎، فموسى لم تكن دعوته عامة، ولم يكن يجب على الخضر اتباع موسى، بل قال الخضر لموسى: (إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من عند الله علمكه الله لا أعلمه)، فمصدر العلم هو الله، والشرائع كانت تتعدد في ذلك الزمان.
يقول صاحب الطحاوية: إن اعتقد الحاكم أن الحكم بغير ما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.
стр. 243
مضاهاة المحاكم الوضعية بالمحاكم الشرعية
أما النوع الخامس وهو أعظمها وأصرحها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله ﷺ : ومضاهاة المحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستندات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌ فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني, وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حاكمها بينهم بما يخالف حكم الكتاب والسنة من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، يقول الشيخ محمد بن إبراهيم: فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً ﷺ رسول الله بعد هذه المناقضة.
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء، وأولي النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله ﷺ نصاً أو استنباطاً؟!! فتدعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله ﷺ الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد.
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب ألا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد الرءوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربئوا بنفوسهم عنه؛ لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض والأغلاط والأخطاء فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
ومن تتبع قصة تطبيق القوانين الوضعية في بلادنا الإسلامية وجد المآسي والفضائح والخيانات المخزية، ففي الحقيقة لم يحصل دخول القوانين الوضعية نتيجة أن الأمة الإسلامية حريصة على ما يسمونه بالتقدم والرقي، وأخذ هذه القوانين العصرية، لا، بل حصل ذلك بالقهر والخيانة، كشأن كثير من القضايا التي تسربت إلى بلاد المسلمين؛ بسبب هذه الخيانة وهذا القهر والاستعباد الاستعماري الجديد.
стр. 244
الحكم بالسلوم والأعراف القبلية دون حكم الله
ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعادتهم التي يسمونها (سلومهم) يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به، ويحرصون على التحاكم إليه عند التنازع إبقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبةً عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فهنا صنفان من الناس كفروا في هذه القضية بلا شك: الصنف الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله، ووضعوا القوانين المخالفة لشرع الله، حيث يلزمون به العباد، والإجماع على كفرهم لا شك فيه، وهؤلاء هم الشركاء الذين عناهم رب العزة بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فمن شرع وأحل أو حرم خلاف شرع الله؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، وهذا هو الدليل، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
ولقد عظم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جريمة هؤلاء وهول أمرها، فبعد أن بين حكم الحاكم الذي يحكم بغير علم، والحاكم الذي يحكم بغير الحق وهو يعلم، وأنه من أهل النار، تحدث عن الفريق الذي يشرع غير ما أنزل الله، ويبدل دين الله، فقال: وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين فجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى عنه الله ورسوله، فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين مالك يوم الدين، الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
ويقول شيخ الإسلام: والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
стр. 245
كلام الشيخ أحمد شاكر في القوانين الوضعية
الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى باعتباره كان أحد القضاة الشرعيين، ومحدث الديار المصرية كما هو معلوم، يقول ﵀ في ذلك: هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً كلمات تقديس القانون، قدسية القانون، حرمة المحكمة، ويقولون: وحصل منه ذلك في حرم المحكمة ولا حرم في الدنيا إلا مكة والمدينة، حتى بيت المقدس لا يسمى حرماً، فالآن أهينت الكلمة ويقولون: الحرم الجامعي، بل يقولون: ممنوع إلقاء الزبالة في حرم سكة الحديد، كل شيء أصبح له حرم حتى هذه المحاكم، يقول: حرمة المحكمة، وحرم المحكمة، حتى المحامي تجده يصف القاضي بعبارات التفخيم والثناء والمديح، مثل: عدالتكم، وكيف يكون عادلاً وهو يحكم بغير ما أنزل الله؟! من أين يأتيه العدل إذا كان في أحكامه يرفع راية غير راية الإسلام، وشريعة غير شريعة الإسلام؟ فهذه القوانين ليس لها مكان غير تحت موضع القدم، حيث تداس الأقذار والنجاسات، والدليل: قول النبي ﵊ في أكبر محفل شهده مع الصحابة في حجة الوداع: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي) هذه صيغة عموم، ربا الجاهلية، تبرج الجاهلية، حمية الجاهلية، ظلم الجاهلية، حكم الجاهلية، فهذا مكانها تحت الأقدام لا فوق الرءوس، فكيف نصف من يتحاكم إليه بعدالتكم وفخامتكم إلى آخره؟! يقول: وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية، وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها بكلمات الرجعية، والجمود والكهنوت وشريعة الغاب، إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين.
ثم بين كيف تدرج الأمر بالمسلمين فصاروا يطلقون على هذه القوانين ودراستها كلمة: الفقه والفقيه، والتشريع والمشرع، حتى القوانين أصبح فيها فقيه في القانون ومشرع، ويكون المشرع الحكيم قصد من هذه العبارة الطاغوت الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، المحامي في نفاقه ودجله يمتدح المشرع ويقول: المشرع الحكيم.
ثم بين الشيخ أحمد شاكر ﵀ أن المسلمين انحدروا درجة، وتجرءوا على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد، ثم بين كيف وصل الحال بهم إلى الدرك الأسفل، فنفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شرعت لقوم بدائيين غير متمدنين، فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني خصوصاً في الحدود المنصوصة في الكتاب والعقوبات الثابتة في السنة.
إلى أن قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة واسعة المعرفة في هذا اللون من الدين الجديد الذي نسخوا به شريعتهم، ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوروبا، فصار للمسلمين من أئمة الكفر ما لم يبتل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور، وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكام الشريعة وما خالفها.
يقول أيضاً: والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وتعطيل لكل ما في شريعة الله.
стр. 246
كلام العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية والأعراف الجاهلية
تكلم العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية؛ فنجتزئ من كلامهم بعض النصوص.
يقول شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهذا كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ؛ كسوالف البادية، وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر؛ فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار.
وقال: ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ويقول ابن القيم ﵀ كلاماً قريباً من كلام شيخ الإسلام فلا نطيل به.
ومعروف كلام ابن كثير ﵀ في نفس هذه القضية، نذكر بعضه.
يقول بعد أن ذكر ﵀ نتفاً من الياسق التي يحكم بها التتار، قال: وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله ﵊ خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين.
ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، فكل امرئ حسيب نفسه.
وقال رحمه الله تعالى: سيقول عني عبيد هذا الياسق العصري وناصروه: إني جاهل، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاءوا، فما عبئت يوماً بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول.
ويقول أيضاً الشيخ أحمد شاكر ﵀: أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده، والعمل به؛ عالماً كان الأب أو جاهلاً؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به، ويعرض عن شريعته ألبتة؟ ما أظن مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة، قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
وذكر مقالات لكثير من العلماء كلها تدور حول هذه المعاني في هذه القضية، فمن شاء فليرجع إلى الكتاب ففيه تفصيل أكثر بكثير عن تاريخ القوانين الوضعية إلى بلاد المسلمين، وبيان أن هذا ما تم إلا بالخيانة أيضاً، وما تم إلا بالإكراه كما حصل في كثير من القضايا الأخرى على يد من أرادوا أن يسلخوا المسلمين من دينهم وعقيدتهم.
стр. 247
الأسئلة
стр. 248
حكم المدين إن لم يجد الدائن
السؤال
يقول شخص: عندي نقود لبعض الناس من أيام الجيش كسلف ولم أعرف منازلهم، فهل أخرج حقهم كصدقة أم ماذا؟
الجواب
عليه أن يتحرى ويجتهد، ويبذل أقصى وسعه في سبيل الوصول إلى أصحاب هذا المال، فإن عجز عن الوصول إليهم فيمكن أن يخرجه صدقة بنية أن يكون ثواب هذه الصدقة إلى هؤلاء، فإذا ما وقع على أحدهم في يوم من الأيام، ولم يجز ما فعله بالمال فعليه أن يضمنه له.
والله أعلم.
стр. 249
حكم معاملة المرتد وصلته وولايته
السؤال
هل يجوز مؤاكلة والد ودعوته إلى طعام وقد صرح بالكفر وعدم الإيمان برسالة محمد ﷺ ؟ وماذا يجب على زوجته المسلمة؟ وهل ابنته يجوز أن تتزوج بولايته؟
الجواب
إذا كان يصرح بأنه كافر ولا يؤمن برسالة محمد ﵊، فما من شك أن هذا أخ لـ أبي جهل وأبي لهب، ولا حظَّ له في الإسلام، فتنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن مع إخوانه من اليهود أو النصارى أو المشركين، ومن مظاهر انقطاع الولاية أيضاً أنه لا يرث قريبه المسلم ولا يورث أيضاً، والأمة تتبرأ منهم في كل صور البراءة، ومن مظاهر انقطاع هذه الولاية: أنه لا يجوز له أن يلي زواج ابنته، ولكن يليها أقرب الأقربين من العصبة في أمر الزواج، إذا كانت المرأة معها ابناً مثلاً يمكن أن يزوجها، أو أخوها أو عمها وهكذا حسب ترتيب العصبة المذكورين في الميراث.
أما المعاملة فإن كان أبوها يؤذيها بسب الله مثلاً أو سب الرسول ﵊ فيقاطع ويهجر، وإلا فإنه يجوز إن كان هذا الكافر كفراً أصلياً أن يوصل، كما هو معروف حديث أسماء ﵂ حينما أتت أمها تصلها، فسألت النبي ﵌: (يا رسول الله! إن أمي مشركة وإنها قد أتتني، فهل أصلها؟ فنزل قوله ﵎: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]).
стр. 250
نصيحة لمرتكب الكبائر
السؤال
بم ينصح من يرتكب أكبر الكبائر؟
الجواب
ينصح بالتوبة من هذه المعاصي، والمبادرة إلى التوبة قبل أن يأتيه الأجل، ثم إن الله ﵎ له بالمرصاد، فكل من انتهك حرمات الله ﵎، وتعدى على أعراض الآخرين، فيحذر أن ينتقم الله منه بأن يقع ذلك في عرضه هو أيضاً.
وننصح مثل هذا أن يقرأ كتاب (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، فإنه قد وجه سؤال لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى عن رجل وقع في معصية، وأبهم السائل المعصية، واستحكمت عنده بحيث أنه لا يكاد يستطيع أن يفارقها، فكتب هذا الكتاب وسرد فيه عامة أنواع المعاصي المنتشرة، وأجاد وأبدع في التحذير من المعاصي وبيان آثارها وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فننصح جميع الإخوة معاودة قراءة الكتاب بين وقت وآخر؛ لأنه مفيد وعظيم البركة.
следующие страницы →