Полный текст (386 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كلام العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية والأعراف الجاهلية
تكلم العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية؛ فنجتزئ من كلامهم بعض النصوص.
يقول شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهذا كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ؛ كسوالف البادية، وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر؛ فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار.
وقال: ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ويقول ابن القيم ﵀ كلاماً قريباً من كلام شيخ الإسلام فلا نطيل به.
ومعروف كلام ابن كثير ﵀ في نفس هذه القضية، نذكر بعضه.
يقول بعد أن ذكر ﵀ نتفاً من الياسق التي يحكم بها التتار، قال: وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله ﵊ خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين.
ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، فكل امرئ حسيب نفسه.
وقال رحمه الله تعالى: سيقول عني عبيد هذا الياسق العصري وناصروه: إني جاهل، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاءوا، فما عبئت يوماً بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول.
ويقول أيضاً الشيخ أحمد شاكر ﵀: أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده، والعمل به؛ عالماً كان الأب أو جاهلاً؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به، ويعرض عن شريعته ألبتة؟ ما أظن مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة، قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
وذكر مقالات لكثير من العلماء كلها تدور حول هذه المعاني في هذه القضية، فمن شاء فليرجع إلى الكتاب ففيه تفصيل أكثر بكثير عن تاريخ القوانين الوضعية إلى بلاد المسلمين، وبيان أن هذا ما تم إلا بالخيانة أيضاً، وما تم إلا بالإكراه كما حصل في كثير من القضايا الأخرى على يد من أرادوا أن يسلخوا المسلمين من دينهم وعقيدتهم.
стр. 247
الأسئلة
стр. 248
حكم المدين إن لم يجد الدائن
السؤال
يقول شخص: عندي نقود لبعض الناس من أيام الجيش كسلف ولم أعرف منازلهم، فهل أخرج حقهم كصدقة أم ماذا؟
الجواب
عليه أن يتحرى ويجتهد، ويبذل أقصى وسعه في سبيل الوصول إلى أصحاب هذا المال، فإن عجز عن الوصول إليهم فيمكن أن يخرجه صدقة بنية أن يكون ثواب هذه الصدقة إلى هؤلاء، فإذا ما وقع على أحدهم في يوم من الأيام، ولم يجز ما فعله بالمال فعليه أن يضمنه له.
والله أعلم.
стр. 249
حكم معاملة المرتد وصلته وولايته
السؤال
هل يجوز مؤاكلة والد ودعوته إلى طعام وقد صرح بالكفر وعدم الإيمان برسالة محمد ﷺ ؟ وماذا يجب على زوجته المسلمة؟ وهل ابنته يجوز أن تتزوج بولايته؟
الجواب
إذا كان يصرح بأنه كافر ولا يؤمن برسالة محمد ﵊، فما من شك أن هذا أخ لـ أبي جهل وأبي لهب، ولا حظَّ له في الإسلام، فتنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن مع إخوانه من اليهود أو النصارى أو المشركين، ومن مظاهر انقطاع الولاية أيضاً أنه لا يرث قريبه المسلم ولا يورث أيضاً، والأمة تتبرأ منهم في كل صور البراءة، ومن مظاهر انقطاع هذه الولاية: أنه لا يجوز له أن يلي زواج ابنته، ولكن يليها أقرب الأقربين من العصبة في أمر الزواج، إذا كانت المرأة معها ابناً مثلاً يمكن أن يزوجها، أو أخوها أو عمها وهكذا حسب ترتيب العصبة المذكورين في الميراث.
أما المعاملة فإن كان أبوها يؤذيها بسب الله مثلاً أو سب الرسول ﵊ فيقاطع ويهجر، وإلا فإنه يجوز إن كان هذا الكافر كفراً أصلياً أن يوصل، كما هو معروف حديث أسماء ﵂ حينما أتت أمها تصلها، فسألت النبي ﵌: (يا رسول الله! إن أمي مشركة وإنها قد أتتني، فهل أصلها؟ فنزل قوله ﵎: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]).
стр. 250
نصيحة لمرتكب الكبائر
السؤال
بم ينصح من يرتكب أكبر الكبائر؟
الجواب
ينصح بالتوبة من هذه المعاصي، والمبادرة إلى التوبة قبل أن يأتيه الأجل، ثم إن الله ﵎ له بالمرصاد، فكل من انتهك حرمات الله ﵎، وتعدى على أعراض الآخرين، فيحذر أن ينتقم الله منه بأن يقع ذلك في عرضه هو أيضاً.
وننصح مثل هذا أن يقرأ كتاب (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، فإنه قد وجه سؤال لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى عن رجل وقع في معصية، وأبهم السائل المعصية، واستحكمت عنده بحيث أنه لا يكاد يستطيع أن يفارقها، فكتب هذا الكتاب وسرد فيه عامة أنواع المعاصي المنتشرة، وأجاد وأبدع في التحذير من المعاصي وبيان آثارها وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فننصح جميع الإخوة معاودة قراءة الكتاب بين وقت وآخر؛ لأنه مفيد وعظيم البركة.
стр. 251
حكم حلق اللحية لتكبير حجمها
السؤال
هل يجوز حلق اللحية من أجل تكبيرها؟
الجواب
يقصد أن الحلق يهيج اللحية ويسرع بنموها، لا يجوز، ونص العلماء على أن ذلك لا يجوز، فالغاية لا تسوغ الوسيلة.
стр. 252
حكم الإسلام في الآثار والتماثيل
السؤال
ما حكم الإسلام في الأهرامات، والآثار المصرية القديمة؟
الجواب
أما ما كان على هيئة التمثال لكائن حي، فقطعاً يجب قطع رأسه؛ لأن الرسول ﵊ قال: (الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة)، أما الأهرامات وآثار الفراعنة فالذي أعتقده في قلبي وأدين الله ﵎ به أن هذه الأشياء أكرم للشعب المصري أن يزيلها من الوجود تماماً وينسفها نسفاً، ويدمرها تدميراً؛ لأن هذه رمز الهوان والذل الذي يوصم به المصريون الدين كانوا يعبدون ملوكهم، فهي في الحقيقة رمز الذل والهوان وليست مجلبة للفخر والاعتزاز، هذه حجارة أناس وثنيين، وكل ما تركوه لنا هو هذه الأحجار، ما هي حضارة القدماء المصريين؟ هي قليل من الحجارة ووثنية وشرك، وعبادة الشمس، وعبادة الملوك فهذا أمر نبرأ إلى الله منه فضلاً عن أن يفتخر به الناس، ويربى المسلمون على الاعتزاز بهذا التراث الحجاري لا الحضاري، والوثنية والشرك، فلا يصح إسلام مسلم حتى يتبرأ من هؤلاء الوثنيين المشركين.
стр. 253
حكم صلة الأرحام من أهل البدع ومجالستهم
السؤال
هناك إخوة أشقاء ظهر أنهم من بعض جماعات التكفير، فما حكم صلتهم وكيف تكون؟
الجواب
أول ما يجب أن ينصح هؤلاء به أن تقام عليهم الحجة على يد من يستطيع أن يقيم الحجة، ويدفع عنهم الشبهة، حتى لا يبقى لحججهم مدفع، فإن أصروا على هذه البدعة فينبغي أن يجتنب الإنسان مجالستهم، والمناظرة والمناقشة معهم، فإن كانوا ذوي علم ونشطين إلى هذه البدعة، فالأولى أن يجتنبهم الإنسان حتى لا يؤثروا في قلبه وهو لا يشعر، والله أعلم.
стр. 254
حكم العمل في المصالح الضريبية والجمارك ونوادي الضباط
السؤال
ما حكم العمل في المصالح الضريبية ومصالح الجمارك، وما حكم العمل في نوادي الضباط إذا كان العمل في الحسابات أو في الورش كتصليح العربات؟
الجواب
أما نوادي الضباط فليس فيها مشكلة والله أعلم، أما المصالح الضريبية ومصالح الجمارك فظلم ومكوس، لا يجوز، يقول : ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 255
حكم التبرع بالأعضاء بعد الموت
السؤال
توجد جمعيات في كثير من الأماكن تدعوا أعضاءها لكتابة تنازل عن أعضائه عند وفاته، فما حكم التبرع بالأعضاء مقابل المال؟
الجواب
لقد أعطاك الله هذا الجسد وليست هذه عطية تمليك، فأنت لا تملك بدنك هذه عارية، فالله أعطاك النعمة والصحة والعافية والأعضاء للمنفعة، ولست أنت تملكها، والدليل أنه لا يجوز لك أن تنتحر مثلاً، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي على هذا البناء الذي بناه الله ، وهو هذا البدن والصحة والعافية ليست ملكاً لك، هذه عارية ملك لله، أما دورك أنت فلك الانتفاع بها فقط، أما أن تبيع كلية، وتبيع العين، وتبيع أعضاءك، فليس الإنسان هو عبارة عن قطع غيار بشرية حتى يمتهن بهذه الصورة، وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة، لكن الذي أعلمه والله أعلم أنه لا يجوز التصرف في الأعضاء؛ لأن الله منحك إياها على سبيل الانتفاع بها، وأنت لست تملكها في الحقيقة حتى تبيعها أو تتبرع بها، وفي كتاب للدكتور عبد السلام السكري حفظه الله (حكم نقل الأعضاء البشرية) وهو كتاب جيد في بابه انتهى فيه إلى عدم جواز بيع الأعضاء البشرية، وكذلك كتاب للشيخ الغماري على صوفيته ﵀، لكنه أجاد أيضاً في هذا الكتاب، وانتهى فيه إلى المنع، وهناك فتوى من المجمع الفقهي من السعودية يبيح الانتفاع بالأعضاء بشروط.
стр. 256
حكم ختان المرأة
السؤال
نشر في بعض الجرائد أن ختان المرأة ليس عليه دليل شرعي ويجب منعه؛ لأنه إهانة للمرأة ومذلة لها، وفي كتاب (فقه السنة) يقول: إن أحاديث الختان للمرأة كلها ضعيفة؟
الجواب
سبق أن تكلمنا في دروس الفقه في هذه القضية، وبينا صحة بعض الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ صلى قد وجه أم عطية الأنصارية التي كانت حافظة بعض التوجيهات التي بها تتقى مضاعفات هذه المسألة، وقلنا: إن حكم ختان المرأة ليس في نفس قوة حكم ختان الرجل، إذ يجب ختان الرجل، بل من العلماء من شدد في ذلك حتى قال: إنه لا تصح صلاة الرجل إلا به، ولا تؤكل ذبيحته... إلى آخره، الذي يبلغ وهو غير مختون، أما بالنسبة للمرأة فالأقرب والله أعلم أنها مكرمة، فهي مستحبة، لكن بشروط: إذا ولي هذه العملية من يتقن الطب والجراحة مثلاً، بحيث أنه لا يتجاوز الحدود التي بينها النبي ﵊ في قوله لـ أم عطية: (اخفضي ولا تنهكي) أو (أشمي ولا تنهكي)، إذا تأملنا هذه الضوابط وهذه القيود، ونعلم وجود الضمانات الكافية حتى لا يقع ما يقع من الظلم أو العدوان من بعض الخافضات الجاهلات، فالمشكلة أن الناس يعهدون بهذا الأمر إلى الجاهلات من النساء أو غيرهم دون أهل الاختصاص، حتى كتب العلوم الطبية تفصح بأن هناك بعض الحالات ينصحون فيها بإجراء الختان لبعض النساء، وأيضاً هناك حالات لا تختن فيها المرأة، فعلى أي الأحوال القضية فيها كلام طويل، والدكتور عبد السلام السكري أيضاً له بحث قيم في هذه المسألة اسمه: (ختان الذكور وخفاض الإناث) فيمكن أن يراجع، فكل ما يشوش به هؤلاء الذين يقومون بالحملات تلو الحملات من وقت إلى آخر حول قضية الختان، إنما هم يركزون على الأخطاء التي تقع من الجاهلين، والتي حرص الشرع على تجنبها، فبالتالي تستوي عملية ختان الإناث مع أي عملية جراحية حتى مع ختان الذكور، والتي إن وكلت بمن هو جاهل بقوانين الجراحة أو التعقيم، فيمكن أن يحصل في أي عملية النزيف نتيجة هذا التقصير، أو يحصل تلوث، أو يحصل كذا أو كذا، فهذه مضاعفات تقع على يد أي إنسان غير خبير، لكن إذا وكل الأمر إلى أهل الخبرة والإتقان، فهم الذين يستطيعون تقدير هذه الأمور، والله تعالى علم.
стр. 257
أصل كلمة القانون في اللغة ومعناها وحكم تقنين الشريعة
السؤال
هل كلمة: (قوانين)، موافقة للشريعة وكلمة صحيحة؟ وهل يجوز تقنين الشريعة؟
الجواب
هذا يرجع إلى الكلام اللغوي في معنى كلمة القانون، وأصل كلمة القانون، ولا مشاحة في الاصطلاح، المهم المضمون، فالمضمون يجب أن يوافق حكم الله، وشريعة الله دون غيرها من القوانين الطاغوتية، أما تقنين الشريعة فتأكد لنا أن هذه عبارة من ألاعيب وحيل من يصدون الناس عن دين الله، وهي عبارة عن مسوغات أو مبررات للتكاسل والإهمال في قضية تطبيق الشريعة، وتعودنا على هذا كحجة فقط.
تقنين الشريعة عبارة عن وضع الأحكام الشرعية في صورة قوانين مثل المتون، حتى يلجأ إليها القضاة، لكن الأقرب أن يوكل ذلك إلى القاضي الذي وصل إلى مرحلة الاجتهاد وسعة العلم، بحيث يرجع هو إلى الأدلة والتمحيص، لكن على الأقل إذا حكمونا بقوانين شرعية مقننة موضوعة في مواد، فهذا أهون من الحكم بالقوانين الطاغوتية الكافرة.
стр. 258
تصيحة لمن تعلق قلبه بامرأتين
السؤال
شخص له زوجة يتقي الله فيها حق تقاته، ويزكي هذه الأخت، لكنه كان من قبل خاطباً امرأة أخرى، فهو ما زال متعلقاً بها، فيسأل هل أطلق زوجتي وأعود إلى خطبة تلك المرأة مرة أخرى؟
الجواب
سبحان الله! هل هذا هو العلاج الوحيد، ليس العلاج الوحيد بهذه الصورة، مادامت الأخت نعمة من الله عليك ومستقيمة فاصبر معها في الله، حتى يزيدك الله فتتزوج الاثنتين، والرسول ﵊ يقول: (لم ير للمتحابين مثل النكاح)، فأفضل علاج لتعلق القلب هو النكاح، ولا يخشى أي ضرر في ذلك، فإن الله ﵎ وعد الإنسان إذا كان فقيراً أنه سيغنيه، بل تكفل وضمن الله كما جاء في الحديث: (ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف) أي: حق على الله أن يعين الناكح الذي يقصد بذلك العفاف عما حرم الله ﵎.
ويقول بعض السلف: التمسوا الغنى في النكاح.
فعلاج الفقر أن يتزوج، ليس كما يصور بعض الناس أنه يخاف من الفقر، يقول ﵎: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
стр. 259
حكم الصلاة خلف إمام مبتدع
السؤال
ذهبت لزيارة إخوة في الله في قرية مجاورة لي، وعندما كان وقت صلاة المغرب قلت لهم: هيا بنا نصلي في المسجد فامتنعوا، وعندما سألتهم عن السبب أجابوا بأن إمام المسجد مبتدع وصوفي ولا تجوز الصلاة وراءه، وأقاموا الصلاة في منزل أحدهم، وذهبت وصليت في المسجد، فما حكم الدين في ذلك؟
الجواب
قضية الصلاة خلف الفاسق أو المبتدع بدعة لا تكفره، ولا تخرجه من الملة، فيها تفصيل وذكرناها مراراً، وقاعدتها: أنك إذا كنت قادراً على تغيير الإمام المبتدع أو المتلبس بالمعصية، فواجب عليك أن تغيره وتزيله وتعين العدل مكانه، وإن كنت عاجزاً عن ذلك فإما أن تصلي في مسجد آخر إمامه رجل عدل منتظم بالشرع، وإن لم يوجد مسجد آخر ولا تقدر على تغييره إلا بإحداث فتنة في أهل المسجد، ففي هذه الحالة تصلي وراءه، فإذا صليت في بيتك فأنت المبتدع، والإمام أحمد كان يخرج ويصلي خلف الجهمية الذين كانوا يقولون بخلق القرآن، ثم يعيد في بيته، وأنا ما أقول: تعيد، ولكن الآن ليس هناك قوة اجتماعية تقهره، فأصبح من يتخلف عن صلاة الجماعة للأسف يتخلف، لكن المقصود أن المساجد كثيرة، فتحرى أعدل الأئمة وتصلي خلفه.
أما كلمة مبتدع وصوفي كجرح مجمل هكذا، لا بد أن يفصل الجرح، وإلا فبعض الناس كثيراً ما يطبقون كلام العلماء بطريقة غير صحيحة، فالصوفي صحيح اصطلاح مذموم، لكن لا بد أن تتبين ما المقصود من كلمة صوفي؟ كثير من الناس يريدون بكلمة صوفية الجانب الروحي أو الجانب العاطفي، والاتجاه الذي يهتم بالتربية لتزكية النفس بذكر الله، بأداء حقوق الخلق، باحترام المشايخ بكذا بكذا، فهذه المعاني هي معاني إسلامية، وهي من الحق، لكن بعض الناس يتجاوزن ويطلقون عليها وصف الصوفية، وبعض الناس يفهمون الصوفية بمفاهيم أخرى فيها كثير جداً من البدعة والضلالات، قد تصل في أقصاها إلى الكفر كوحدة الوجود والحلول وعبادة القبور، هذا كله يدخل تحت كلمة صوفية أيضاً، فالصحيح أننا ينبغي أن نحتجز ونمتنع عن استعمال هذه العبارات الموهمة، أخذاً من قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:١٠٤]، أمرهم باستعمال ألفاظ التي لا اشتباه فيها، لكن مع ذلك إذا كان هناك شخص يوصف بأنه صوفي، فما ينبغي الحكم عليه مثلاً بحكم الصوفي الكافر الخارج من الملة؛ بسبب عقيدته الصوفية، لكن الصوفي لا بد أن نسأله: ماذا تقصد بالصوفي؟ ما الذي يميز كون هذا صوفياً؟ هل لأنه يذكر الله كثيراً؟ إذاً: نحن كلنا صوفيون، لا بد أن تبحث عن معنى كلمة الصوفية، وماذا يقصد بصوفيته؟ فالجرح المجمل لا ينفع، كذلك ممكن تكون بدعة واحدة في الإمام تقدح في إسلامه إذا كانت بدعة مكفرة، وممكن تكون عشرات البدع في الإمام أو المؤذن لكن لا تقدح في إسلامه، فينبغي أن يكون الجرح مفسراً حتى يأتي الجواب الصحيح، وما دام ذلك الرجل لم يخرج من دائرة الإسلام ولم يوجد مساجد غير هذا المسجد، فمن صلى في بيته بعد سماعه الأذان فهو المبتدع.
стр. 260
حدود عورة الرجل وحكم رؤيتها
السؤال
هل يجوز لرجل ملتزم أن يشاهد عورة رجل مثله في التلفاز؟ وهل المصارعة وكرة القدم حرام؟
الجواب
أما عورة الرجل فمعروف الخلاف فيها من أحاديث كثيرة، والخلاف فيها أيضاً يطول، لكن الأحوط القول بأن الفخذ عورة، وهذا ثبت من أحاديث النبي ﵌: (أن عورة الرجل ما بين ركبته وسرته)، بعض العلماء أراد أن يجمع بين الأدلة المتقابلة في هذه المسألة فقالوا: إن من العورة ما يجوز كشفه ولا يجوز النظر إليه، فالعورة المغلظة لا يجوز كشفها ولا يجوز النظر إليها، أما خلاف ذلك من بين السرة والركبة فيجوز كشفه، لكن لا يجوز النظر إليه، فعلى القولين لا يجوز للإنسان أن ينظر لها، وقول النبي ﷺ : (لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)، أو كما قال ﵌، فمثل هذه المناظر الفاضحة التي تكون فيمن يسمونهم المصارعون، هذه الأشياء مما لا يليق أبداً بأي إنسان عنده دين أن ينظر إلى هذه الأشياء؛ هذا إذا كان من الرجال، فما بالك إذا كان يجمع النساء والحريم فينظرون إلى هذه المناظر الفاضحة السيئة.
أما كرة القدم فلا يشترط في كرة القدم أن تكشف الفخذ، فإذا لم يقترن بها شيء من المحرمات كتضييع وقت الصلاة، كأن تكون على مال معاوضة مالية، أو يرتبط بها سب وقذف وشتائم وعصبيات وهذه الأشياء، فقد تبقى على حكم الإباحة، إلا إذا استدللنا بعموم الحديث: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو أو باطل إلا ثلاثاً: ملاعبة الرجل لامرأته، ومشي الرجل بين الفرضين، وتأديب الرجل فرسه)، لكن والله أعلم قد يترجح أن اللهو المباح ليس منحصراً في هذه فقط، لكن ينبغي للإنسان أن يهتم بالرياضة التي تعود عليه بالنفع هو، فالنظر لا يعود عليه في الغالب بنفع كثير إلا تضييع الوقت، والوقوع في هذا الأذى من كشف العورات وغيره؛ لكن لأن المباريات من الرياضة التي تقوي على الجهاد، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقوي البدن كما كان يفعل الحبشة في لعبهم بالحراب فهذا مما لا بأس به، والله تعالى أعلم.
стр. 261
الإيمان والكفر [٢١]
سيد قطب هو أحد النجوم الساطعة في سماء الفكر الإسلامي، وأحد شموس التجديد والنداء إلى العودة إلى منهج الإسلام الصحيح، وقد عاش حياة متدرجة كان آخرها معالم في الطريق، وقبل ذلك خاض حروباً ضارية مع مخالفيه من رجال الدعوة والفكر والثقافة والسياسة.
стр. 262
منهج سيد قطب
стр. 263
اختلاف الناس على العظماء
إن هناك أعمالاً صدرت ممن تبوءوا مكاناً عظيماً في قلوب المسلمين المخلصين لدينهم في هذه الأعصار الأخيرة، كالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والأستاذ سيد قطب ﵀، ومنهم أيضاً الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵏ أجمعين.
وثلاثتهم ممن كان له دور بصورة أو بأخرى في تجديد شباب هذه الدعوة، ودعوة الناس إلى تحقيق قوله ﵎: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣].
لكن ثلاثتهم أيضاً ربما اجتمعوا في قاسم مشترك ترتب عليه: إما تأويل البعض لكلامهم بصورة غير صحيحة، أو تطبيقه بصورة غير صحيحة، أو ربما يكون فعلاً صدر من أئمة الدعوة بعض المواقف بصفتهم البشرية قد يكون فيها أخذ ورد من وجهة نظر كثير من العلماء.
فأئمة الدعوة كتبوا كثيراً في قضايا التوحيد والدعوة، وربما أحياناً زلوا، حتى إمام الدعوة مجدد القرن الثاني عشر الهجري الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وله رسائل كثيرة في التوحيد ولكنها كانت مجملة ومقتضبة، وربما أدى هذا الإجمال إلى أن أساء البعض فهمها، أو أساء تطبيقها فيما بعد، فبالتالي اتخذ منها بعض دعاة التكفير معيناً لهم على بعض أفكارهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.
نفس الشيء بالنسبة للأستاذ المودودي رحمه الله تعالى، وربما يكون في كلام المودودي عبارات صريحة تؤخذ عليه ﵀ في قضية تكفير المسلمين، وإن كان من خلال الواقع العملي ربما ينكشف شيء من التصحيح لهذه العبارات النظرية، كذلك أخذ الأستاذ سيد قطب ﵀ من المودودي بعض هذه المفاهيم، ودندن حولها في كتبه، وبالذات الظلال ومعالم في الطريق، ولا شك أن الأستاذ سيد قطب ﵀ باعتباره أكثر الناس تأثيراً وأثراً في قلوب الشباب الإسلامي، ومد هذه الصحوة الإسلامية بكثير من المدد والوقود والوعي، لاشك أن شأنه شأن كثير من العظماء، بل كل العظماء أن يختلف الناس عليهم ما بين قادح ومادح، وهو واحد من هؤلاء العظماء، بل هو نادرة زمانه وعصره الذي تبوأ قمة لم يقو الكثير على الصعود إليها، ونرجو أن يكون الله ﵎ قد بوأه هذا المنصب العظيم الذي بشر به النبي ﵌ في قوله: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
وكان بإمكان سيد قطب ﵀ أن يداهن أو يتنازل عن عقيدته ومبدئه، ولعله يصل إلى أرقى المناصب التي كان يغرى بها، ولكنه ثبت أمام هذه المغريات.
стр. 264
ثبات سيد قطب على مبادئه
لم تخل بلاد المسلمين في حياة الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى من أن يكون فيها من هو أعلم أو أفقه من الأستاذ سيد قطب ﵀، لكنه تميز بتجديد في جانب من الجوانب التي كان المسلمون يبحثون عن نجم يضيء لهم، فضلاً عن بدر ينير لهم الليل المظلم، وفي المثل يقولون: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
فلما طال ليل هذه الأمة الذي شابه في طوله ليالي القطبين، وتحسر المسلمون على نجم يسطع ساعة، فضلا ً عن بدر يزين الليل كله، وفي زمن بخل فيه الناس بكلمة الحق وباعوا كرامتهم بأرخص الأثمان، أشرق بدر سيد قطب ﵀ إلى أن سقط على أيدي الطاغية الجبان الذي سقته إسرائيل كئوس الذل مترعة، فلم تعرف له شدة ولا قوة ولا بأساً إلا إزاء المستضعفين من أمته.
تبوأ سيد قطب أعلى مقامات التضحية، وهو مقام التضحية بالنفس، كما يقول بعض الشعراء: يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود فما هناك شك في أنه بصموده وثباته على مبدئه وتضحيته في سبيله حتى اللحظة الأخيرة، ضرب مثلاً نادراً وفذاً في تاريخ المسلمين المعاصر.
وكتب بعض الصحفيين كتاباً يسميه: (سيد قطب من القرية إلى المشنقة)، وإن كان تحامل عليه في مواضع، ولكنه كان ينبغي أن يتم هذا العنوان بعبارة ثالثة لولا أمور الله بها عليم، ففعلاً هو قصد من القرية إلى المشنقة إلى قلوب المسلمين المخلصين لدينهم، حيث تربع فيها، وإن كان سيد قطب ﵀ شخصية بارزة جداً في المجتمع المصري قبل أن يمن الله عليه بالهداية والانضمام إلى لواء الدعوة الإسلامية.
стр. 265
مكانة سيد قطب الاجتماعية
سيد قطب ﵀ لم يكن نكرة في المجتمع المصري، ولم يكن شاباً مغموراً، لكنه كان علماً بارزاً من أعلام الأدب والفكر، وإذا تلونا أسماء الناس الذين كان يعرفهم ويعرفونه لزاد وضوح هذه الفكرة عندنا، وبالتالي وجدنا كيف أن الله ﵎ أبدله خيراً بهؤلاء الذين هجرهم وهجروه بعدما اتجه إلى الاتجاه الإسلامي، وبالأخص بعدما قدم حياته ثمناً لدعوته.
حقاً تنكر له كل هؤلاء، تنكروا جميعاً وسكتوا ولم ينبس أحدهم ببنت شفة إلى سنوات طويلة، ربما يكون هذا عن قصد لإخماد ذكره، ولكن أبدله الله ﵎ بأن صدح بذكره كل لسان مؤمن في آفاق الأرض في جيله بل في أجيال -إن شاء الله- من بعده، فهو لم يكن شخصاً مغموراً في المجتمع المصري، لكنه كان علماً بارزاً من أعلام الأدب والفكر، كان نجماً ساطعاً من نجوم الصحافة، مشهوراً في أوساط الأدباء الذين عرفهم وعرفوه، وعلى رأسهم شخص يعد أستاذه، وهو عباس محمود العقاد، فإن سيد قطب ربما عد من أخص تلامذته، فقد كان قريباً جداً إلى العقاد، ونافح عنه في معاركه الأدبية، سواء ضد الرافعي أو ضد طه حسين، وكان خليلاً حميماً له لمدة تصل إلى ربع قرن كاملاً، ثم انفصلا واختلفا.
أيضاً ممن عرفهم وعرفوه، المدعو طه حسين، وأحمد حسن الزيات، ومحمد منظور، وتوفيق الحكيم، وعزيز أباظة، وأحمد شوقي الشاعر، والرافعي، ويحيى حقي، وعباس خضر، ونجيب محفوظ -لا حفظه الله- وحسين فوزي، وإحسان عبد القدوس، ومصطفى أمين؛ هؤلاء كانوا أصدقاءه ومعارفه وقريبين جداً منه، بل حتى الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبد الناصر كانوا من أخص أصدقائه، وربما جلسوا معه الليالي الطوال في بيته الذي اشتراه في حلوان لما تحول إلى القاهرة.
كل هؤلاء آثروا الصمت، ولم يكتبوا عنه ولم يتحدثوا، حتى كأنهم لا يعرفونه ولم يسمعوا عنه.
فالمقصود أن تحول مثل هذا العلم البارز من أعلام المجتمع إلى الاتجاه الإسلامي، كان ينبغي أن يكون له رد فعل قوي عند هؤلاء، لكن كأنهم تواطأوا أو جبنوا عن أن يشيدوا بهذا التحول العظيم، وأبدله الله كما ذكرنا هذه المكانة في قلوب المسلمين في كل زمان.
стр. 266
حقائق وتنبيهات في منهج سيد قطب
قد يحصل اختلاف مع الأستاذ سيد قطب في بعض الأفكار لأسباب سوف نذكرها إن شاء الله، لكن نقول: إننا حينما ننظر إلى هذه الآراء نظرة النقد والتمحيص في ضوء عقائد أهل السنة والجماعة ومواقفهم، لا نقول إننا بذلك نقف في خندق واحد مع أعداء الإسلام، وأعداء الصحوة الإسلامية الذين أنهوا الأمر بقتله ﵀.
لكن نقول: هم قتلوه لعدائهم للإسلام ليس لاختلاف في هذا الأمر أو ذاك، على أي الأحوال، كل هذا الركام الرفيع للرجل ولأمثاله من أعلام الأمة لا يوجب أن نأخذ كل ما قاله على أنه صواب لا يقبل الخطأ، وإنما ينبغي أن ننبه إلى عدة حقائق مهمة قبل أن نخوض في هذا البحر.
стр. 267
معرفة الرجال بالحق
أول هذه التنبيهات والحقائق نرويها على لسان الأستاذ سيد قطب ﵀ نفسه، يقول رحمه الله تعالى في تفسير سورة آل عمران: وهناك حقيقة أخيرة نتعلمهما من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة التي صاحبت الرسول ﷺ ، والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله، وذلك حينما عاتب الله الصحابة في أواخر سورة آل عمران بعد ما وقع في غزوة أحد.
وهي حقيقة ناصعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله، إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، يخطئون ويصيبون في قواعد التصوف، وقواعد التطبيق والسلوك، ولكن ليس شيئاً من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغيراً لقيمه وموازينه، وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك فإنه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف، ولا يتغاضى عن خطئهم مهما تكن منازلهم، ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم.
ونتعلم نحن من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى ملاجئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه أياً كانوا، وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج، وتبديل قيمه وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف، فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص.
والإسلام لا يعطي العصمة لأحد أبداً بعد رسول الله ﵌، لكن ربما يحصل منا معشر المسلمين أحياناً أن نعطي هذه العصمة للرجال، ويصعب ويعز علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نجلها ونحبها تخطئ وتصيب، كما يصعب علينا أن نقول هذا الرأي من قوله خطأ وهذا صواب.
أيضاً كثير من الناس يتعاملون في الواقع العملي مع الشخصيات الإسلامية الكبرى على أساس التسليم لها بكل شيء، أو رفض كل شيء، ويتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس، والتي أرساها السلف الصالح ﵃، من مثل ما حفظناه عن الإمام مالك رحمه الله تعالى من قوله: كل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر، وكان يضع يده على قبر النبي ﵌.
وهذا القول مثل القول الذي يكرره الأستاذ سيد ﵀ بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي سبق أن تلوناه، لكن تطبيقه في الواقع العملي صعب، بل ربما نردده كثيراًَ لكن حينما نطبقه فإن دون ذلك خرط القتاد.
إذا تذوقنا العلم وحده، فهذا التذوق هو الذي سيعودنا على احترام أهل العلم الاحترام الصحيح اللائق بهم، بحيث نصل مع هذا إلى درجة نقدم فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه، دون أن يكون خطؤهم غلاً في أعناقنا، نأخذ ما أصابوا فيه، ونتجنب ما أخطئوا فيه، دون أن نجعل خطأهم تحقيراً لهم، ودون أن نجعل صوابهم عصمة لهم، فهذا الموقف هو الذي ينزه احترام أهل العلم من التحول إلى اتخاذهم أرباباً من دون الله ﵎.
فأي بحث يكون فيه مثل هذا النقد ينبغي أن لا يوجه إلى تجريح الشخصيات، ولا إلى تمجيدها، وإنما يكون الهدف من البحث في مثل هذه القضايا اكتساب موقف سليم بين الحق وبين الرجل، فيبقى الحق حقاً والرجل رجلاً؛ لأن الحق حق فقط، وأما الرجل فيمكن أن يكون محقاً، ويمكن أن يكون مبطلاً، وبين ذلك درجات كثيرة؛ ولهذا ينبغي أن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال، لكن اعرف الحق تعرف أهله.
هذا بالنسبة للتنبيه الأول الذي نحتاج إليه في هذا المقام.
стр. 268
احترام أهل التخصص
أما التنبيه الثاني: فهو أن تحترم أهل التخصص، ودليل هذه القاعدة التي نشير إليها قول عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه في حديث البيعة: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، إلى آخر الحديث.
فقوله ﵊: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، يعني: ألا ينازع أهل الاختصاص من هم دونهم في هذا الاختصاص، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
فينبغي أن نضع كل إنسان في المقام اللائق به، يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله تحت عنوان: (احترموا التخصص): أنصح هؤلاء الشباب أن يحترموا التخصص، فلكل علم أهله، ولكل فن رجاله، فكما لا يجوز للمهندس أن يفتي في أمور الطب، ولا الطبيب في شئون القانون، بل كما لا يجوز لطبيب متخصص في فرع أن يقتحم فرعاً آخر، كذلك لا يجوز أن يكون علم الشريعة كلأ مباحاً لكل من هب ودب من الناس، بدعوى أن الإسلام ليس حكراً على فئة من الناس، وأنه لا يعرف طبقة رجال الدين التي عرفت في أديان أخرى.
فالواقع أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين، ولكنه يعرف علماء الدين المتخصصين الذين أشارت إليهم الآية الكريمة: ﴿فَلَوَلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
وقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العالمين من أهل الذكر والخبرة، قال الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقد قال النبي ﷺ في صاحب الشجة، وهي الجرح في الرأس الذي أفتاه بعض الناس بوجوب الغسل رغم جراحاته، فاغتسل فمات، فقال ﵊: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا؟! فإنما شفاء العي السؤال)، انتهى كلامه حفظه الله.
هذا أيضاً أمر مهم جداً، فحينما نتكلم مثلاً في درجة حديث من الأحاديث، أو الأخذ والرد في تصحيح بعض الأحاديث، فلا نفزع إلى الأستاذ محمد قطب حفظه الله، لكن نرجع إلى الشيخ الألباني أو إخوانه من علماء الحديث المتخصصين، أما إذا أردنا الكلام في القضايا الفكرية أو المذاهب الفكرية المعاصرة وضلالها، وخطط أعداء الإسلام، والغزو الفكري، فإن الأستاذ محمد قطب يعتبر من أخبر الناس بذلك.
وهكذا تجد في كل فرع من فروع الشريعة من فتح عليه في هذا الفرع، ولا يعني هذا تحقيراً وازدراءاًً لغير أهل التخصص، فأبواب الخير كثيرة، ويفتح على الإنسان في بعضها ما لا يفتح عليه في الآخر.
فبالنسبة لقضايا العقيدة وبالذات الكفر والإيمان، وهي قضايا ذات حساسية شديدة جداً، ولا ينبغي أن يفتح بابها من جديد، حتى يضع لنا بعض الناس حدوداً أو ضوابط جديدة لها؛ هذه القضية وضعت ضوابطها وحدودها عند أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة ليسوا نكرات في التاريخ الإسلامي، فهم مشهورون معروفون، ونحن قد فرغنا من الاطمئنان والثقة واليقين بأن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وربما تكلمنا في هذا كثيراً، وأقمنا على هذا الكثير من الأدلة، وأثبتنا أن أهل السنة والجماعة هم في الحقيقة امتداد تاريخي طبيعي وتلقائي للأجيال الأولى من خير القرون، وهم الصحابة ﵃، ثم من تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فيشمل كل أئمة أهل السنة والجماعة المعروفين.
وقد اختلف أهل السنة في المذاهب الفقهية، فهناك المذهب المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي، وغير ذلك من المذاهب، لكنهم في العقيدة لا يختلفون، ويجمعهم اسم واحد، هو أهل السنة والجماعة.
السياسة فيها خطأ وصواب، والعقيدة فيها حق وباطل، وهدى وضلال؛ فمن أجل ذلك اجتمعوا جميعاً على عقائد ثابتة، وضوابط راسخة، وبالذات في قضايا الإيمان، فأي إنسان يريد أن يتكلم في هذه القضية يرينا أولاً ممن يستقي مفاهيمه فإن كان يأخذ من أهل السنة فلن يحتاج إلى الاختراع، ولا إلى إيجاد حدود جديدة، أو ضوابط جديدة للتعامل في هذه القضية مع الناس.
فمن باب احترام التخصص ينبغي أن نعرف علماء العقيدة من علماء أهل السنة والجماعة في العصور المتفاوتة، فقد ضبطوا هذه المسائل وقعدوها بحيث لا نحتاج إلى من يعيد ضبط هذه المسائل من جديد، وما عندنا يكفينا في التعامل مع الواقع بطريقة منضبطة، وطريقة شرعية صحيحة، دون إفراط ولا تفريط.
فنتيجة عدم التفطن لهذا الأمر يقع الخطأ والخلط؛ لأن الناس لا يفرقون بين الاتجاهات الإسلامية الموجودة هناك كتب وعظ ودعوة، وهناك كتب أحكام، فمن الخطأ القاتل أن نأخذ الأحكام من كتب الوعظ أو الدعوة العامة، فكل اتجاه له أسلوبه، وليس كل من أجاد الوعظ أو الخطابة أو تنميق الكلام تؤخذ عنه الأحكام، بل لابد أن يعلم المسلم ماذا يأخذ؟ ومن أين يأخذ؟ ويقول العلماء عن بعض الناس: فلان مستجاب الدعوة، أو لا ترد دعوة هذا الرجل؛ لأنه رجل صالح، ويرون أن دعوته مستجابة، فكما قال بعض الأئمة: إنا لنرد رواية أقوام ونحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة، فهو رجل أمين وثقة وعدل لكنه غير ضابط، ولا يحفظ جيداً.
فيقول: إنا لنرد رواية أقوام، ونحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة؛ لأنهم أناس صالحون.
وقالوا أيضاً: فلان مستجاب الدعوة، مردود الرواية.
فهو لصلاحه وتقواه يرجى قبول دعائه، لكنه لغفلته ولعدم معرفته الجيدة بالرجال ترد روايته.
فهذه بعض التنبيهات قبل أن نخوض بذكر ترجمة عابرة لحياة الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى.
стр. 269
ترجمة مختصرة لسيد قطب
стр. 270
نشأته
نشأ الأستاذ سيد قطب في قرية صغيرة من قرى الصعيد في سنة ألف وتسعمائة وستة ميلادية، وحكى في كتاب له مشهور يسمى: طفل من القرية، ويشبه إلى حد كبير كتاب الأيام للمدعو طه حسين -عليه من الله ما يستحقه- بل إنه أهدى إليه كتاب الأيام وقال: إنها أيام تشبه أيامك إلى حد كبير، وقد تختلف في بعض الأشياء.
فحكى فيه عن نشأته في هذه القرية ودراسته فيها، وكيف أنه كون مكتبة لا مثيل لها في هذه القرية، وهو لا يزال طالباً في المرحلة الابتدائية.
تكلم في هذا الكتاب أيضاً عن العقلية التي يفكر بها أهل هذه القرية، أظن القرية اسمها موشى، وتحدث عن الخرافات التي تعشعش في عقولهم، والبؤس الذي يلف هذه الطبقة من الناس، كان هذا الذي ذكره في كتابه شأن القرى كلها، وليس فقط في صعيد مصر، وإنما في عامة بلاد العالم الإسلامي.
في سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين غادر قريته موشى ليكمل دراسته في القاهرة، وكان من المفترض أن يغادر قريته قبل هذا الوقت؛ لكن ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر كانت سبب تأخره ووقف التدريس، وانصراف الناس إلى ما هو أهم من الدراسة، وفي القاهرة التحق الطالب النجيب بمدرسة عبد العزيز الأولية، وبعد أن أتم دراسته الأولية انتقل إلى دار العلوم، وكانت في مستوى المعاهد المتوسطة، وأتم دراسته فيها سنة ثلاثة وثلاثين، وبعدما تخرج من دار العلوم جرى تعيينه مدرساً في دمياط، ثم في بني سويف، ثم انتقل إلى حلوان في القاهرة مدرساً في مدرستها الابتدائية، وانتقل أهله إلى القاهرة بعد أن اشترى منزلاً في حلوان، وكان ذلك بعد وفاة والده، ثم توفيت والدته بعد انتقالهم إلى القاهرة بقليل.
стр. 271
بروزه في عالم الفكر والأدب
برز اسم سيد كأديب موهوب في مصر، وأصبح اسمه معروفاً في المجلات الأدبية المشهورة، كالرسالة والثقافة والمقتطف، وأصدر في الأربعينيات كتباً مهمة، منها: التصوير الفني في القرآن، ومر بمراحل كثيرة من الناحية الفكرية والأدبية، ربما نستنكرها الآن من خلال ما انتهى إليه -ولله الحمد- من الاتجاه الإسلامي، لكن مر بمراحل منها: أنه كان متأثراً بالاتجاهات الفكرية السائدة في ذلك الوقت الذي كان يموج بكم وافر من الأفكار الواردة.
فكانت بداية كتاباته الإسلامية سنة ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين، وبدأ ارتباطه بالإسلام من خلال منظار النقد الأدبي، باعتباره كان متخصصاً في النقد الأدبي، وكان أديباً مشهوراً، فبدأ ارتباطه بصفة ناقد أدبي، أو متأمل في الناحية الأدبية أو البلاغية من القرآن، فكتب عن الجمال الفني في القرآن، لكن هذه البداية انتهت به إلى أنه تحول من مجرد كاتب إلى أن صار مفكراً، وبمرور الوقت قفز إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي، ومن خلال القرآن بدأ يعالج واقع الأمة، وما تحتاجه من إصلاح من خلال القرآن، ومن خلال نظم الإسلام، فألف كتابه: العدالة الاجتماعية في الإسلام، سنة ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين.
وأغلب كتبه التي صدرت في المراحل الأولى هذه كان فيها أخذ ورد، لكنها تعتبر مسألة تطور ونمو تدريجي في الناحية الفكرية.
من كتبه أيضاً: طفل من القرية كما ذكرنا، كتب وشخصيات النقد الأدبي أصوله ومناهجه، وتدرج في وظائف التعليم في وظائف الوزارة، ففي سنة ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين أصبح مفتشاً في التعليم الابتدائي، ثم في الإدارة العامة للثقافة التي كان يرأسها أحمد أمين، وفي سنة ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة تدريبية، تم اختياره بالذات لها، ولم يكن في رحلته ملتزماً بدراسة معينة، أو بزمن معين يقضيه هناك، وقد أكسبته هذه البعثة خبرة واسعة بطبائع الأمريكان وأساليبهم، وله كتابات مهمة، وكان يبعث رسائل إلى عباس خضر ونجيب محفوظ وغيرهما بين الوقت والآخر، هذه الرسائل جمعت في كتاب يسمى: أمريكا التي رأيت، وله بحث وكتابات أخرى في كتاب اسمه: إسلام أمريكاني، فجمع الكتابات في كتاب موجود الآن تحت عنوان: أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب.
стр. 272
بروزه في عالم السياسة وانقلاب رجال الثورة عليه
عاد من الولايات المتحدة عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، كان عمره حينها خمسة وأربعين سنة، ليخوض معارك سياسة ضد طغيان فاروق، وفساد الأحزاب، وهيمنة المستعمر الإنجليزي، واستقطبت هذه الكتابات فيمن استقطبت ضباط انقلاب ثلاثة وعشرين يوليو فأعجبوا بها، وتعرفوا على كاتبها، وقامت بينهم وبينه علاقات، وتم اختياره بعد نجاح الانقلاب مستشاراً لمجلس قيادة الثورة.
يقول عادل حمودة وهو يكتب عن بعض الأشياء: إن سيد قطب كان له مكتب في مبنى مجلس قيادة الثورة، وإنه كان يقيم هناك إقامة شبه دائمة؛ حيث أوكلت إليه هو وسعيد العريان مهمة تغيير مناهج التعليم، هذا في بداية الانقلاب، فهذه مهمة تربوية لا سياسية، كما أن تكليفه بها كان يعكس طبيعة نظرة رجال يوليو له، وهي نظرة كانت مناسبة لخبرته وتخصصه في مجال التعليم، ثم إنها كانت فرصته لتنفيذ أفكار الإصلاح التي رفضها من قبل وزراء المعارف الذين خدم معهم في العصر الملكي، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، في ذلك الوقت عرفه كمال الدين حسين عن قرب، ورشحه ليتولى منصب وزير التربية والتعليم، المنصب الذي تولاه هو بنفسه، وفي ذلك الوقت كانت كتاباته ومؤلفاته توزع على المدارس التابعة للوزارة بأمر كمال الدين حسين.
كما أن أناشيده الوطنية كانت تدرس للتلاميذ في دروس المطالعة، ولما تغير في وقت من الأوقات موقفهم من سيد قطب ﵀، بذلوا كل وسعهم في أن يجمعوا مؤلفاته ويحرفونها، وفي وقت آخر كان يأتي قرار من السلطة العليا بجمع جميع مؤلفاته، وكانت هناك محاضر رسمية تأمر بنزع صفحة من كتاب القراءة والنصوص، كان سيد قطب له فيها نشيد حماسي وطني عن مصر، ومع ذلك لم يشفع له ذلك أنا أذكر لما كنت في السنة السادسة الابتدائية حينما أتى المفتشون وساد جو من الصمت الغامض في المدرسة، وكانوا يدخلون المدرسة فصلاً فصلاً، ويأمروننا أن نفتح صفحة كذا، ونمزق هذه الصفحة، وبالفعل كان يتم هذا في جميع مدارس الوزارة، حتى ينزعوا اسم سيد قطب ولا يبقى له ذكر في هذه المناهج التي قام على إرسائها.
حتى عبد الحكيم عامر في بعض الرسائل وفي بعض المواقف كان ينتقد ويقول: أيريد سيد قطب الذي كانت توزع كتبه أن يصنع من نفسه نبياً ينزل عليه الوحي؟ ظلت مؤلفات وأناشيد سيد قطب في المدارس الحكومية حتى بعد القبض عليه سنة أربعة وخمسين، ولم يبدأ التخلص منها إلا بعد عشر سنوات، بعد أحداث خمسة وستين، فكان أن جمعت مؤلفاته من المدارس، ونزعت صفحات الأناشيد، وتشكلت لجان خاصة للإشراف على تنفيذ هذه القرارات السامية، وقع أفرادها على محاضر رسمية رفعت إلى جهات الاختصاص العليا، كما أن دار المعارف التي كانت تنشر كتبه تولت بنفسها جمع ما في مخازنها ومكتباتها من نسخ وأحرقتها، وكان تصرفها شاذاً وغريباً بالقياس إلى تصرف جهاز الأمن الذي صادر الكتب التي كانت في بيوت المتهمين، وسلمها إلى دار الكتب التي لم تحرقها، وإن ألقتها في مخازنها الرطبة، بعد أن حولتها إلى عهدة توارثها عدد كبير من صغار الموظفين.
المقصود: أن هذه أيضاً تعكس ما كان له من مكانة في المجتمع قبل التحول الكبير الذي حصل فيما بعد.
стр. 273
انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين
قامت بينه وبين الضباط الأحرار كما ذكرنا علاقات، وتم اختياره بعد نجاح الانقلاب مستشاراً لمجلس قيادة الثورة، ثم أميناً عاماً مساعداً لهيئة التحرير، وكان مرشحاً ليكون وزيراً للمعارف أو للإعلام، لكنه رفض الوزارة عندما لمس سوء نوايا قادة الانقلاب، وأدرك بأنهم ليسوا جادين في تحكيم شرع الله، وارتاب في اتصالاتهم المشبوهة، ولم يجلس في منزله عندما رفض الوزارة والمغريات، وما كان لداعية مجاهد أن يفعل ذلك، وإنما انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في أحلك ظروفها وأشدها قساوة؛ انضم إليها وهو يعلم بأنهم على أبواب محنة، وقال وقتها في سنة واحد وخمسين: لقد ولدت من جديد عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين! فاعتبر هذه فترة ميلاد جديدة له، ومن ثم نستطيع أن نجد في هذا التصريح الواضح رداً قوياً على ما ذكره الصحفي عادل حمودة من أنه بين وقت وآخر يحاول أن يقول: لماذا يحاول الإسلاميون دائماً أن يفصلوا ماضي سيد قطب في نشاطاته الفكرية، وتقلباته الفكرية في المراحل الأولى عما بعد ذلك؟ قال: لئن كان يحاول أن يشير إلى أنها مجرد انعطاف حاد كسائر الانعطافات الأخرى ربما لو طال به العمر لتحول أيضاً عن هذا المنعطف.
وكون صاحب الفكرة يقول: لقد ولدت من جديد، وهو يضع قدمه على أعتاب الدعوة الإسلامية يدل على أنه منقطع تماماً عن كل ما مضى، وبالتالي لا يصح مثل هذا التعليل الذي يريد أن يضعف تأثير دعوته بأن يقول: إن هذا كان مجرد تغير من التغيرات التي حصلت في حياته، ولو طال به العمر لتحول أيضاً عن الاتجاه الإسلامي، فهذا من سوء الظن الذي يدفعه أول من يدفعه الأستاذ سيد قطب ﵀ في هذا التصريح.
стр. 274
تبرئة سيد من أن كتاباته في السجن كانت ردود فعل لا أكثر
أيضاً هناك مظاهر أخرى حاول بها نفس الكاتب -وربما غيره أيضاً- أن يبعد اتجاه سيد قطب عن الاتجاه الإسلامي، بأن قال: إن كتابات سيد قطب هي عبارة عن رد فعل لما عاناه في السجن، خاصة المعالم والظلال كتبها أساساً في فترة سجنه، وهذا شيء عجيب يستنكر ممن يحاول أن يقول: إن هذه الأشياء رد فعل لما يعانيه بصفته مسجوناً يعاني آلام السجن، ويرغب في الحرية، وإلى آخره.
ومن باب الإنصاف، هذا لا يقال في حق الأستاذ سيد قطب ﵀؛ لأن الشخص الذي يقلقه السجن، ويؤرق مضجعه، ويرغب في الحرية، ويرغب في تحصيل مقاصد الدنيا، كان أولى أن يقبل منصب الوزارة لما عرض عليه، وكان أولى أن يكتب رسالة اعتذار وخنوع للطاغية، وبالتالي كان سيفوز بما يريده من الدنيا، بل أقوى من هذا وهذا في الدلالة على براءته من هذا التعليل المرفوض: هو ذلك الفصل الواضح الصريح في كتابه معالم في الطريق، واسمه هذا هو الطريق، تكلم فيه عن أصحاب الأخدود، وهو يقول: هذا هو الطريق، ومن يقرأ هذا الفصل بتمعن يدرك بأنه يتحدث عن حاله وعما يتوقعه لنفسه من مصير، وهذا الفصل من أروع ما كتبه ﵀، وكأنه يقول: هذا هو طريق التضحية، فرجل ثبت على مبدئه، يكتب هذه الكتابات وهو في السجن، هذا ليس سلوك من يريد الدنيا، ولا من يريد السلامة والعافية.
ما كان له أن يكتب مثل هذا لو كانت هذه الكتابات مجرد رد فعل للسجن، نحن لا ننكر أن السجن كثيراً ما يولد لنا أفكاراً غريبة، بالذات في فترة السبعينيات وغيرها، فقد ولدت اتجاهات التكفير التي انطلقت ربما في بعض منطلقاتها أساساً من كتابات سيد قطب والمودودي أو غيرهما، ولا يوجد شك أن ردود فعل حصلت فيها نوع من المبالغة والغلو في مقابلة ما لاقاه هؤلاء من تعذيب واضطهاد وتشريد ونكاية انعكست في مواقفهم الفكرية.
على أي الأحوال نحن في منجى ومنأى من هذه المردودات إذا عدنا إلى الأصل الذي لا يتأثر بالظروف وهو منهج أهل السنة والجماعة، والقواعد الثابتة التي وضعها علماء السلف الصالح في ضبط هذه القضايا التي تسلم من مثل هذه المردودات.
стр. 275
الصدام الفكري بين سيد والإخوان
الإخوان المسلمون لديهم حلقات كثيرة للصدام الفكري بينهم وبين الأستاذ سيد قطب، صحيح الإخوان يفخرون بانتماء الأستاذ سيد قطب ﵀ إليهم، لكن ربما يكون هذا على مستوى الدعوة العامة أو الأمور الدعائية، أما في حقيقة الأمر فالإخوان واجهوا فكر سيد قطب في كثير من المناسبات، بل على لسان أعلى قيادتهم وهو الأستاذ حسن الهضيبي ﵀، الذي ألف كتاب: دعاة لا قضاة، بالاشتراك مع ابنه الأستاذ مأمون الهضيبي، يرد فيه على كتاب الظلال.
وكثيراً ما تقوم كتب الإخوان بالرد على فكر سيد قطب، صحيح أننا ننظر من زاوية معينة للأستاذ سيد قطب على أنه امتداد لفكر الإخوان، لكن ليس هذا على إطلاقه، إذ هناك خلاف فكري بين الإخوان المسلمين الذين يتمسكون بمنهج الشيخ حسن البنا ﵀، الذي كان يميل إلى الحل البرلماني السياسي، وبين اتجاه سيد قطب الذي كان يميل إلى اتجاه آخر، ولذلك سنعتمد كثيراً في نقد بعض مواقف الأستاذ سيد قطب على كتابات كثير من علماء الإخوان ابتداء بالأستاذ حسن الهضيبي ومأمون الهضيبي والأستاذ سالم البهنساوي، أو الدكتور يوسف القرضاوي، أو غيرهم من أعلام الإخوان المسلمين.
اختار الإخوان سيد قطب ﵀ ليكون رئيس تحرير لصحيفتهم (الإخوان المسلمون) فلم يتردد ولم يعتذر، وخاض معركة ضد الانقلابيين، كتلك المعركة التي خاضها ضد فاروق وزبانيته، وكتب كثيراً مما لا يسرهم، وكانت صحيفة الإخوان المسلمون في ذلك الوقت أشد ما يخشاه عبد الناصر وزملاؤه.
ثم انتهى الأمر إلى أن هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يسامرونه ويجالسونه في بيته في حلوان، وكانوا أحياناً يلتقطون الصور التذكارية، وفيها صور لـ عبد الناصر أيضاً مع سيد قطب، تحول الأمر فيما بعد إلى خصومة معهم انتهت إلى قاض يجلس على منصة القضاء والآخر سجين، والقاضي يطالب برأسه.
стр. 276
سجن سيد قطب واختلاف وجهته مع دعاة عصره
سجن الأستاذ سيد ﵀ سنة أربع وخمسين مع عدد من قادة الإخوان المسلمين، ثم أفرج عنه وعنهم بعد قليل، ثم عاد إلى السجن في العام نفسه سنة أربعة وخمسين بعد حادث المنشية، حيث كان نصيبه مما سمي بمحكمة الشعب آنذاك خمسة عشر عاماً من الأشغال الشاقة، ثم أفرج عنه في مايو سنة ألف وتسعمائة وأربعة وستين، بعدما توسط الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ثم أعيد اعتقاله في أغسطس سنة خمس وستين، وقدم لما أسموه محاكمة، وتم إعدامه في السادس والعشرين من أغسطس من سنة ألف وتسعمائة وستة وستين.
سمعت أنه حينما أشرف على إلقاء الإعدام ﵀ أنه دعا فقال: اللهم اجعل دمي وبالاً على مصر، أو على من قتلوني.
عاصر سيد قطب مجموعة من الدعاة الذين كانوا يدافعون عن الإسلام على طريقتهم الخاصة، من الأمثلة على ذلك: أن معظم كبار الدعاة والكتاب كانوا يدافعون عن الإسلام بأسلوب فيه كثير من الضعف، فإذا راجت بضاعة الديمقراطية بين الناس راحوا يتحدثون عن ديمقراطية الإسلام، وإذا فتنت شعوبنا بالاشتراكية صنعوا للإسلام اشتراكية، وإذا أطنب المفكرون في الحديث عن الحضارة، كتبوا المقالات بل المؤلفات في التعريف بحضارة الإسلام، لقد كان الإسلام عند هؤلاء الكتاب اشتراكياً قومياً ديمقراطياً تقدمياً، أما الأستاذ سيد ﵀ فقد رفض هذه الأساليب وحذر منها، انظر إلى قوله: وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام في ثقة وقوة، في عطف كذلك ورحمة، ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق، وأن ما عليه الناس هو الباطل، وعطف الذي يرى شقوة البشر وهو يعرف كيف يسعدهم، ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى.
стр. 277
الاتجاهات الفكرية المعاصرة لسيد قطب وانهزاميتها
كاتب في مجلة البيان يتكلم عن الجوانب التجديدية، ويرفض مقولة: إن الأستاذ سيد قطب ﵀ كان تلميذاً لمن سبقه من الدعاة في هذا الميدان، يقول الكاتب: ومن يدقق النظر بمؤلفاته وسيرة حياته يتبين له خطأ هذا القول، ومجانبته للصواب.
على أي الأحوال: الإنصاف يقضي بأننا لا نستطيع أن نفصل نتاج الإنسان الفكري بالذات عن البيئة التي تحيط به، فلا شك بصورة أو بأخرى أن الأستاذ سيد رحمه لله له تأثر بهذه البيئة الدعوية حينما ارتبط بالإخوان، وإن حصل انعطاف في اتجاه آخر عن اتجاه الإخوان الأصلي، وهو الاتجاه البرلماني فيما بعد، لكن هو نفسه في بعض مقالاته كان يشيد ويتحدث باعتزاز كبير عن انتمائه لجماعة الإخوان ولدعوتها، وهذا أمر ينبغي أن نلتفت إليه؛ فإن الدعوة الإسلامية في الفترات الأخيرة في العصر الحديث ما قفزت هذه القفزة في وضوح المفاهيم بصورة الطفرة، لكن حصل نوع من التدرج فيما وصلت إليه الآن من تميز ووضوح في المفاهيم، والقاعدة العامة من الشباب المصري في الفترة التي ظهرت فيها دعوة الشيخ حسن البنا ﵀، كانت القاعدة العريضة من الشباب مفتونة جداً بالتيارات الفكرية الوافدة من الغرب، والاتجاهات الغربية، وتمجيد الحضارة الغربية والافتتان بها بصورة انعكست حتى على كبار المفكرين في ذلك الوقت، وما محمد عبده ورشيد رضا ومدرستهما منا ببعيد، فإنك إذا طالعت مجلة المنار، تعجب من النظرة الانهزامية التي كان يتحدث بها بعض الكتاب عن الغرب، فكلما ظهر شيء لابد أن يربطوه بالإسلام، فهذه النظرة الانهزامية ظهرت أكثر أيضاً في كتاب تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري، ومن طالع الكتاب يتعجب فمع أن الكتاب من كتب التفسير لكن ما فيه ليس التفسير، فهو كتاب علوم، فلك، موسيقى، رسم، أي شيء من حين يفتح الكتاب فيجد خرائط حفريات، أنواع الموسيقى وأنواع أجهزة الموسيقى، ويزعم أن كل العلوم موجودة في القرآن، ففيه كل شيء ما عدا التفسير.
هذه الصورة أيضاً من صور الانهزام الذي انتاب عمود الأمة في هذه الفترة، كانت ما تزال فترة احتكاك، فعندما يأتي إنسان من وسط محافظ مثل الصحاري أو القرى، يكون هذا الإنسان ليس عنده مناعة كافية، فتجده يتجه إلى الهاوية بسرعة شديدة جداً، مما يسبب نقلة طفرية، هذا الذي حصل في مجتمع مصر لما انفتح على الغرب، وبهت بالتقدم الغربي المذهل، وانعكس هذا حتى على الإسلاميين، فكل شيء يربطونه بالإسلام، فحصلت هذه النظرة الانهزامية، وأصحابها قصدوا خيراً بذلك، لكن هذه كانت طبيعة الفترة.
стр. 278
الاتجاهات الفكرية والعلمية قبل سيد وغربتها
صحيح كانت دعوة أنصار السنة موجودة، وبالذات فطاحل أنصار السنة في الأجيال القديمة التي كان فيها أئمة وعلماء يشار إليهم بالبنان، لكن الظاهر أنه لم يكن لهم التأثير الواسع على قطاع عريض من الشباب كما حصل فيما بعد من قيام دعوة الأستاذ حسن البنا ﵀، فالأستاذ حسن البنا لما حصل صراع في المجتمع في الوسط الإسلامي، كان الصراع على أشده بين الاتجاهين، الاتجاه السلفي ممثلاً في أنصار السنة، والاتجاه الصوفي الأشعري، وكان الصراع على أشده، والشيخ حسن البنا ﵀ أراد أن يجلب صيغة توائم الاتجاهين وتجمع بينهما، أو لا تنحاز إليهما بالكلية، وحصل اتجاه الإخوان المسلمين كما هو معروف.
الشاهد: أن الوضع الذي وصلت إليه الدعوة الآن من حصول وضوح المفاهيم، ومظاهر الصحوة الإسلامية هذه ما أتت من فراغ، بل مرت بفترات طويلة، وأنا أقول هذا حتى لا نجحد فضل السابقين الذين سبقوا إلى هذه الدعوة حتى لو اختلفنا معهم في كثير من القضايا، وينبغي أن نعلم أن دعوة كل جيل لا تنشأ من فراغ، إنما تتأثر بصورة أو بأخرى بمن سبقوه على هذا الطريق، فما ينبغي الجحود بالنسبة لفضل هذه الجماعات، سواءً جماعة أنصار السنة المحمدية، أو جماعة الإخوان المسلمين، حتى لو حصل اختلاف معهم في كثير من الأمور.
ثم بعد فترة الستينيات هذه وصل الإسلام في المجتمع إلى غربة شديدة جداً؛ فقد كان لا يرى في المجتمع شخص ملتح إلا القسيس، وكان الإخوة حينما يمشون في الشوارع باللحية كان الأطفال يضربونهم بالحجارة، وينشدون أناشيد معينة يحفظونها يشتمون بها القساوسة، لماذا؟ لأنه يعرف أن القسيس هو الملتحي، وما يعرف أن المسلم يجب أن يكون ملتحياً.
فهذه كانت الغربة، كانت المساجد لا يرى فيها إلا كبار السن، أما الشباب الذي هو عصب الدعوة، والذي يرجى من ورائه العمل للإسلام فلا يرى له أي اتجاه إلى الدعوة الإسلامية، بل بعض الناس كان يخاف من الذهاب لصلاة الفجر حتى لا يقبض عليه، أو حتى صلاة الجماعة، ولعل بعضكم عاصر هذه الفترة، ورأى ولمس قوة الصراع الذي كان يحدث داخل الأسر بمجرد أن يلتحي أو يصلي في المسجد.
ثم بفضل الله ﵎، وبفضل النشاط الدعوي، حصل أن هذه الغربة زالت إلى حد ما في مجتمعنا اليوم.
الشاهد من هذا الكلام أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الدرجة العليا من السلم، أو التي وصلنا إليها، لكن ننظر أيضاً إلى أن هناك خطوات سبقت، وبناءً على هذه الخطوات وصلت الدعوة إلى ما وصلت إليه، فبتر النضوج الفكري عند الأستاذ سيد قطب ﵀ تماماً عمن سبقه، لا نحسب أنه من الإنصاف بصورة أو بأخرى؛ فلئن كان عمر بن عبد العزيز ﵀ إماماً مجدداً؛ لكن هل عمر بن عبد العزيز نشأ من فراغ، أم أن هناك بيئة صنعته؟ هناك من تعلم عليهم عمر بن عبد العزيز، هناك من أدبه، هناك من رباه، هناك من صنعه بعد عناية الله ﵎ به، أي إمام مجدد مثل الإمام الشافعي، أو شيخ الإسلام ابن تيمية لا ينبغي أن ننكر أثر البيئة التي خرج منها هذا المجدد، أو هذا العالم، أو هذا الإمام.
هذه كلمة عابرة قبل أن نستطرد في ذكر أهم الجوانب التجديدية في دعوة الأستاذ سيد قطب ﵀.
стр. 279
أهم الجوانب التجديدية في دعوة سيد قطب
فبالنسبة لهذه الذاتية التي أكد عليها الأستاذ سيد ﵀ بلا شك في هذه المرحلة، كانت فعلاً شيئاً جديداً وشيئاً تجديدياً.
стр. 280
رفض الفكر الانهزامي المتراجع أمام شبهات الغرب
أنا حاولت أن أقرأ في مجلة المنار كنوع من المطالعة لهذه الحقبة من تاريخ الدعوة الإسلامية، فشعرت أني سوف أغزى فكرياً، والإنسان يخشى على قلبه، فما تكاد تجد مقالة في أغلب المقالات التي تتحدث عن أوروبا إلا وفيها نوع من التعظيم الغير عادي، نعم عندكم كذا والإسلام فيه كذا، عندكم كذا من الميزات ونحن أيضاً عندنا كذا.
هذا يمكن أن يحصل لكن بصورة فيها نوع من الانهزامية أمام الغرب لا نستطيع أن ننكرها بين السطور، فهذه الروح حصلت في فترة من الفترات، وربما من طالع بعض كتابات العقاد مثلاً في وقت من الأوقات، رأى أنها رد فعل بهذه الروح، أو هي صورة من صور هذا الانهزام، مثلاً لما يكتب: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، وغيرها من كتبه، وكأنه في صورة الدفاع عن الإسلام، والغرب عندما يطعن في حكم معين من أحكام الإسلام، أو قضية من قضايا الإسلام، هم يقبلون مبدأ أن هذه تهمة، وبالتالي يقرون مبدأ أن الإسلام الآن موضوع داخل قفص الاتهام، وهم المحامون الذين يدافعون عنه حتى يعطوه البراءة؛ فهذا المبدأ في حد ذاته هو صورة من صور الانهزام.
مثلاً قضية تعدد زوجات النبي ﵌، والمستشرقون خبثاء، كانوا يلقون هذه الشبهات حتى ينشغل المسلمون بالرد، ويبتروا من الإسلام هذه المفاهيم رويداً رويداً، فمسألة وضع الدين الإسلامي أو الحقائق الإسلامية في صورة أنه يحاكم، فهذا قبول بأن الإسلام متهم، وهي من حيث المبدأ ليست تهمة، وهذا يصلح إذا كنا نقارن بين شرائع وأديان أرضية صنعها البشر قارن بين اشتراكية وشيوعية، لكن لا تقارن بين الإسلام وبين هذه المذاهب الأرضية؛ لأن الإسلام هو دين الله الحق، والأرض هي مملكة الله، والآمر هو الله، والذي أنزل القرآن هو الله، فيتبين أن ينطلق المسلمون من هذا الحكم.
حينما تأتي مثلاً مواثيق حقوق الإنسان التي يقدسونها في الغرب، ويهولون من شأنها، وتنص على أن من حقوق الإنسان أن يتحرك في الأرض كلها حيثما شاء لا يمنعه مانع، ونأتي مثلاً لحكم الله وحكم رسول الله ﷺ بأن لا يدخل المسجد الحرام مشرك: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فهذا حكم الله، ولا ينبغي أن يكون للبشر فيه أي تبديل، ولا أي تغيير، فلا يمكن كافر من دخول هذه الأماكن.
هذا حكم الله في أرضه.
لذلك مما يستحسن من عبارات الشيخ أحمد ديدات حفظه الله حينما كان يناقش ذلك القسيس الشيطان، وذكر هذه المسألة، قال: أنا أريد أن أدخل مكة؛ فأنت أتيت إلى بلادنا، وجعلناك تعطي محاضرة، وما منعكم أحد من ذلك، لماذا لا تجعلني أنا أدخل إلى مكة والمدينة؟ فرد عليه فقال: أنا حينما أردت أن آتي إلى بلادكم ما أتيت مباشرة، أنا أتيت إلى القنصلية أو السفارة، وحصلت على تأشيرة الدخول حتى أدخل، فاحترمت نظمكم، أنت كذلك إذا أردت أن تدخل مكة أو المدينة هناك تأشيرة لا بد أن تأتي بها حتى تدخل مكة والمدينة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊.
لقد كان هذا شيئاً فذاً وجديداً، إن الكلام على الإسلام يجب أن يكون بهذه الاستقلالية، ورفض منطق الخضوع والانهزام أمام الغرب، ورفض مبدأ وضع الإسلام في قفص الاتهام حتى يأتي هؤلاء المفكرون ليحاموا وليدافعوا عنه في ذل وخنوع واستسلام.
ومن الأمثلة على ذلك: أن معظم كبار الدعاة والكتاب، كانوا يدافعون عن الإسلام بأسلوب فيه كثير من الضعف، فإذا راجت بضاعة الديمقراطية بين الناس، راحوا يتحدثون عن ديمقراطية الإسلام، سمعت أحد الخطباء مرة يتكلم على أن الإسلام هو دين الحريات، ودين الديمقراطية، وأن من مظاهر هذه الديمقراطية وهذه الحرية: أن الله أعطى إبليس حرية الأخذ والرد في حواره مع الله ﵎، قال لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، أخذه من منطلق الحرية والديمقراطية، هذا أيضاً من الانهزام أمام هذه الأفكار الوافدة.
يقول: وإذا فتنت شعوبنا بالاشتراكية، وإذا أطنب المفكرون في الحديث عن الحضارة كتبوا المقالات، بل والمؤلفات في التعريف بحضارة الإسلام، لقد كان الإسلام عند هؤلاء الكتاب اشتراكياً وقومياً وديمقراطياً تقدمياً، أما الأستاذ سيد ﵀ فقد رفض هذه الأساليب وحذر منها! وفعلاً تأملوا كلامه فهو كلام عظيم جداً، وربما كان للأستاذ محمد مبارك رحمه الله تعالى كلام طيب جداً مثل هذا أيضاً في رسالة له تسمى: ذاتية الإسلام، يقول الأستاذ سيد ﵀: وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام في ثقة وقوة، في عطف كذلك ورحمة، ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق، وأن ما عليه الناس هو الباطل، وعطف الذي يرى شقوة البشر وهو يعرف كيف يسعدهم، ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى، لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً، ولن نربص على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة، سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة، هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس، والله يريد أن يطهركم، هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث، والله يريد أن يطيبكم، هذه الحياة التي تحيونها دون، والله يريد أن يرفعكم، هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم، والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها.
ويقول أيضاً ﵀: هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام؛ لأن هذه هي الحقيقة، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة، سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم أم في أي مكان خاطب الناس فيه، نظر إليهم من عل لأن هذه هي الحقيقة، لأنه أعلى من كل شيء، الإسلام يعلو ولا يعلى؛ لأن هذه هي الحقيقة، وخاطبهم بلغة الحب والعطف؛ لأنها حقيقة كذلك في طبيعته، وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد؛ لأن هذه هي طريقته، ولم يقل لهم: إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة، أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها، كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام، مرة تحت عنوان: ديمقراطية الإسلام، ومرة تحت عنوان: اشتراكية الإسلام، ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة، إلى آخر هذا التدسس الناعم، والتربيد على الشهوات.
انتهى كلامه ﵀.
تأثر شباب الجيل بأسلوب سيد ﵀، فأعرضوا عن الأساليب السابقة الضعيفة، لاسيما وأنه ﵀ أشبع هذا الموضوع بحثاً في مؤلفاته وتفسيره القيم: في ظلال القرآن، الذين عاشوا تلك المرحلة يدركون ما هو الجديد الذي جاء به صاحب الظلال، هذه حقيقة ليس فيها شك.
ومن عاش في هذه المرحلة يدرك الفرق بين اللهجة التي كانت سائدة في عالم الفكر في ذلك الوقت، وبين هذه اللهجة الجديدة التي أتى بها الأستاذ سيد ﵀، وهو هنا في الحقيقة يرد على واحد من قيادات الإخوان الكبار في سوريا، وهو صاحب كتاب: اشتراكية الإسلام.
هذا بالنسبة للجانب الأول من الجوانب التجديدية في دعوته ﵀.
стр. 281
شرح معاني لا إله إلا الله وربطها بالحاكمية
أنبه قبل قراءة كلامه أنه قد يكون هناك تحفظ على بعض العبارات ونحن نتلوها، وسوف ننبه عليها فيما بعد حينما نكمل الدراسة إن شاء الله.
يقول: وأهم مسألة استحوذت على الأستاذ سيد ﵀ في بداية السجن وحتى لقي وجه ربه، تفسير معاني ومدلولات لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ؛ لقد كان يرى أن جهل المسلمين بمعاني الشهادتين هو سبب هذا الضياع والفساد الذي يلف العالم الإسلامي، كما كان يرى أن مهمة أنبياء الله الذين اختارهم الله وأرسلهم للعباد شرح معاني لا إله إلا الله، وذكر في الظلال أدلة كثيرة على ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله ﵌.
ولا شك أن هناك نقطة اتفاق بارزة جداً بين الاتجاه السلفي وبين اتجاه الأستاذ سيد قطب ﵀، هذه النقطة هي إبراز أهمية العقيدة، وإبراز أن تغيير العقيدة هو أصل التغيير في الحقيقة، يعني: بعض الناس قد يأخذ على من يهتمون بأمر العقيدة، وترسيخ هذه العقيدة في عقول الناس، أنهم يركزون على أن التغيير لا بد أن يكون بصورة معينة مثلاً، كالانقلابات أو نحو هذه الأشياء، فلا يرون التغيير إلا هذا، ولا يلتفتون إلى تغيير العقيدة، وتغيير مفاهيم الناس فيما يتعلق بالعقيدة الذي هو في حد ذاته تغيير لا ينكر أثره العظيم، بل هو أعظم من أي تغيير آخر، فتغيير العقيدة في حد ذاته إلى التصحيح والتقوية والترسيخ هو تغيير ميسور في كل الظروف، وفي كل الأحوال بخلاف غيره.
وكان يرى ﵀ أن المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله، هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء، ومن الأدلة على شدة اهتمامه ﵀ بالركن الأول من أركان الإسلام، قوله في طبيعة المنهج القرآني في كتاب المعالم، وفي مقدمة سورة الأنعام، يقول ﵀: ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله ﵌ ثلاثة عشر عاماً يتحدث فيها عن قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر، ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى، لقد كان يعالج القضية الأولى والقضية الكبرى والقضية الأساسية في هذا الدين الجديد، قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة.
وقال ﵀: ومتى استقرت عقيدة لا إله إلا الله في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه لا إله إلا الله.
كان ﵀ يعلم أن هذه المسألة سوف تفجر قلوب الانقلابيين غيظاًَ وحقداً عليه، ولكنه مجدد مجاهد يواجه الناس بمشكلاتهم، ويضع الحلول لها، ولا يخشى إلا الله ، وراجع نهاية كتابه: معالم في الطريق، فصل: هذا هو الطريق، هذه نهاية الكتاب، وكانت هي نهاية حياته ﵀.
وهي من أروع ما كتبه، من أروع التصوير لقصة أصحاب الأخدود.
وراجع نهاية كتابه: معالم في الطريق، فصل: هذا هو الطريق، لتراه كأنه يتحدث عن إعدامه على أيدي العسكريين من خلال حديثه عن أصحاب الأخدود.
стр. 282
الوعي السياسي ونضوج الخبرة
كان للأستاذ سيد ﵀ اهتمامات سياسية وهو لا يزال طالباً في المرحلة الابتدائية، وحدثنا في الابتدائية عن القصائد التي كان ينظمها، والخطب التي كان يكتبها داعياً فيها إلى تأييد ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وازدادت اهتماماته السياسية بعد انتقاله للقاهرة عندما كان تلميذاً للعقاد، الذي ارتبط أدبه بالسياسة، وخاض معارك ضارية ضد بعض الأحزاب، وكان سيد ﵀ ساعده الأيمن في هذه المعارك الأدبية منها والسياسية.
ومن تجاربه الغنية في هذا الميدان: رحلة أمريكا، وما شاهده فيها من تناقضات ومن مواقف حاقدة ضد الإسلام والمسلمين، والمرحلة التي سبقت دخوله السجن، أي من عام ألف وتسعمائة وخمسين، وهو تاريخ عودته من الولايات المتحدة حتى عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين، هذه الفترة وحدها كافية لتكوين نضوج سياسي عنده، ومن الكتب الإسلامية السياسية التي أصدرها في هذه المرحلة: معركة الإسلام والرأسمالية، السلام العالمي والإسلام، دراسات إسلامية.
يقول ﵀ في معالم في الطريق، في فصل التصور الإسلامي والثقافة: إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره.
الحقيقة ونحن نتلو هذا الكلام نذكر عبارة عمر ﵁: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية.
هو يريد أن يقول: إنني عرفت الجاهلية جيداً، وسبرت أغوارها، وعشت في معمعتها، فلذلك استشعر نعمة الإسلام العظيمة حينما انتقل من هذا الظلام المطبق إلى ذلك النور العظيم الذي هو نور الوحي ونور الإسلام.
يقول: إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم، وما كان يمكن إلا كذلك، وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها، وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك، وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي.
إذاً: عاش أربعين سنة رحمة الله يقرأ ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ولم تكن حياته قاصرة على القراءة، بل كانت الخبرة لا تقل أهمية عن القراءة، ولهذا فقد كتب ﵀ كتابات ناضجة، حول الموضوعات التالية: الصهيونية، الصليبية، الشيوعية، الرأسمالية، الاستبداد والعبودية والذل، الاستعمار وأساليبه، فضائح الحضارة الغربية.
هذه أمور انفرد فيها الأستاذ سيد قطب ﵀ عن غيره من المجددين المعاصرين الذين حرموا هذه الخبرة، وهذا النضوج السياسي، وكانت مواقفه السياسية لا تنفصل عن عقيدته، وحسن فهمه للإسلام، ثم تقول مجلة البيان: هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب ﵀.
стр. 283
حكم إطلاق كلمة الشهيد على الأشخاص
نحمد المجلة على التنبيه على شيء لا يحتاط فيه كثير من الناس، وهو أننا نلاحظ الكثير من الناس يعتقد أنك إذا لم تقل: الشهيد سيد قطب، أو الشهيد حسن البنا، أنك تنتقصه، وتنقص من قدره.
هذا غير صحيح.
لأن المعروف من حيث الأدلة الشرعية أنه لا يجوز الجزم بأن فلاناً شهيد إلا بدليل من الوحي، لكن أنت ترجو له الشهادة، أنت تدعو له بها، لكن لا تجزم أنه شهيد، لماذا؟ ترجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث، قال: باب لا يقال فلان شهيد، وذكر حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (الله أعلم بمن يقتل في سبيله، الله أعلم بمن يكلم - يعني: يجرح- في سبيله)، فأمر الإخبار بحقيقة الخاتمة هذا أمر مغيب علينا، ولا يملك أحد الاطلاع عليه، حتى في حق الكافر، أنت لا تحكم عليه قطعاً بأنه في النار إلا بدليل من الوحي، وهذا نص عليه العلماء في العقيدة السلفية كما في شرح الطحاوية قال: ونرجو للمحسنين من المؤمنين، ونخاف على مسيئيهم، ولا نقطع لأحد بجنة ولا بنار، يعني: إلا بالوحي.
والبخاري ذكر باب لا يقال فلان شهيد، وذكر هذا الحديث، واستدل بقصة ذلك الرجل الذي اشترك في الجهاد واسمه قزمان، وأبلى بلاء حسناً، فأتى بعض الناس وأثنى عليه أمام النبي ﵌ فقال: ما أعظم ما جاهد هذا الرجل، وكان اليوم فعل كذا وكذا، فرد عليه النبي ﷺ وقال: (هو في النار).
ففي اليوم التالي لما بدأ القتال، أخذ هذا الصحابي الذي سمع النبي ﷺ يراقب ذلك الرجل الذي كان يجاهد بشدة وقوة وجلد، إلى أن جرح ذلك الرجل، ثم لما انزعج من هذا الجرح وآلمه بشدة، وضع مقبض السيف على الأرض، وجعل ذبابته بين ثدييه، ثم اتكأ عليه حتى نفذ السيف من ظهره.
حينئذ هرع ذلك الصحابي إلى النبي ﷺ وقال: أشهد أنك رسول الله، فاستطلع منه النبي عليه الصلاة السلام الخبر، فقال: الرجل الذي قلت بالأمس إنه من أهل النار، حصل منه كذا وكذا، فقال النبي ﵌: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، أو كما قال ﵌.
إذاً: ما يحصل بعد الموت لا يجوز الجزم والقطع به.
وأيضاً مما يستنكر أحياناً: أن بعض الكتاب يقولون: المرحوم فلان، كأنك تجزم أنه رحم، والحق أن تقول: فلان ﵀، فعندما تقول: فلان ﵀، تثاب على ذلك لدعوتك لأخيك، ثم تنفعه أيضاً بهذه الدعوة إذا استجمعت شروط الإجابة.
ختم الباحث في مجلة البيان البحث بقوله: هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب ﵀، وعندما ابتلاه الله بالسجن والتعذيب والتهديد بالقتل صبر على ذلك صبراً شديداً، رغم ما كان يعانيه من أمراض وضعف في جسمه، ولم يتراجع عن مواقفه الإسلامية رغبة أو رهبة، ولهذا فقد تضاعف رواج كتبه بعد تنفيذ حكم الإعدام به، ومما ساعد على انتشارها: عذوبة الأسلوب، وإشراقة الديباجة، ومتانة العبارة، وقوة الحجة، وحضور البديهة.
يقول: وقل أن تجد داعية وليس في مكتبته كتاب من كتب سيد قطب، وفضلاً عن ذلك فقد ترجمت هذه الكتب إلى معظم لغات العالم.
رحم الله الأستاذ سيد قطب رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير.
стр. 284
الإيمان والكفر [٢٢]
إن الحكم على رجال الفكر والأدب العظام وعلى إنتاجهم من أمثال سيد قطب، لا يكون إلا ممن هو أهل لهذا، فلا يُترك الحبل على الغارب لكل من يملي عليه هواه شيئاً، أو لمن نظر نظرة قاصرة إلى الرجل سواء كانت ثمرتها سلباً أو إيجاباً، وسيد قطب ﵀ كغيره يؤخذ من قوله ويترك.
стр. 285
قضايا اختلف فيها سيد قطب مع منهج أهل السنة
تحدثنا في السابق حول ترجمة عابرة مختصرة للأستاذ سيد قطب ﵀، وبينا مبدأً مهماً ألا وهو: أنه ينبغي أن نفرق دائماً بين الحق وبين الرجل؛ لأن الحق في كل وقت هو حق، أما الرجل فغير معصوم، فقد يكون معه الحق، وقد يكون بخلاف ذلك بصفته البشرية.
следующие страницы →