← Акыда

Акыда · id 21753

سلسلة الإيمان والكفر - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (386 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرح معاني لا إله إلا الله وربطها بالحاكمية أنبه قبل قراءة كلامه أنه قد يكون هناك تحفظ على بعض العبارات ونحن نتلوها، وسوف ننبه عليها فيما بعد حينما نكمل الدراسة إن شاء الله. يقول: وأهم مسألة استحوذت على الأستاذ سيد ﵀ في بداية السجن وحتى لقي وجه ربه، تفسير معاني ومدلولات لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ؛ لقد كان يرى أن جهل المسلمين بمعاني الشهادتين هو سبب هذا الضياع والفساد الذي يلف العالم الإسلامي، كما كان يرى أن مهمة أنبياء الله الذين اختارهم الله وأرسلهم للعباد شرح معاني لا إله إلا الله، وذكر في الظلال أدلة كثيرة على ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله ﵌. ولا شك أن هناك نقطة اتفاق بارزة جداً بين الاتجاه السلفي وبين اتجاه الأستاذ سيد قطب ﵀، هذه النقطة هي إبراز أهمية العقيدة، وإبراز أن تغيير العقيدة هو أصل التغيير في الحقيقة، يعني: بعض الناس قد يأخذ على من يهتمون بأمر العقيدة، وترسيخ هذه العقيدة في عقول الناس، أنهم يركزون على أن التغيير لا بد أن يكون بصورة معينة مثلاً، كالانقلابات أو نحو هذه الأشياء، فلا يرون التغيير إلا هذا، ولا يلتفتون إلى تغيير العقيدة، وتغيير مفاهيم الناس فيما يتعلق بالعقيدة الذي هو في حد ذاته تغيير لا ينكر أثره العظيم، بل هو أعظم من أي تغيير آخر، فتغيير العقيدة في حد ذاته إلى التصحيح والتقوية والترسيخ هو تغيير ميسور في كل الظروف، وفي كل الأحوال بخلاف غيره. وكان يرى ﵀ أن المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله، هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء، ومن الأدلة على شدة اهتمامه ﵀ بالركن الأول من أركان الإسلام، قوله في طبيعة المنهج القرآني في كتاب المعالم، وفي مقدمة سورة الأنعام، يقول ﵀: ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله ﵌ ثلاثة عشر عاماً يتحدث فيها عن قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر، ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى، لقد كان يعالج القضية الأولى والقضية الكبرى والقضية الأساسية في هذا الدين الجديد، قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة. وقال ﵀: ومتى استقرت عقيدة لا إله إلا الله في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه لا إله إلا الله. كان ﵀ يعلم أن هذه المسألة سوف تفجر قلوب الانقلابيين غيظاًَ وحقداً عليه، ولكنه مجدد مجاهد يواجه الناس بمشكلاتهم، ويضع الحلول لها، ولا يخشى إلا الله ، وراجع نهاية كتابه: معالم في الطريق، فصل: هذا هو الطريق، هذه نهاية الكتاب، وكانت هي نهاية حياته ﵀. وهي من أروع ما كتبه، من أروع التصوير لقصة أصحاب الأخدود. وراجع نهاية كتابه: معالم في الطريق، فصل: هذا هو الطريق، لتراه كأنه يتحدث عن إعدامه على أيدي العسكريين من خلال حديثه عن أصحاب الأخدود.

стр. 282

الوعي السياسي ونضوج الخبرة كان للأستاذ سيد ﵀ اهتمامات سياسية وهو لا يزال طالباً في المرحلة الابتدائية، وحدثنا في الابتدائية عن القصائد التي كان ينظمها، والخطب التي كان يكتبها داعياً فيها إلى تأييد ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وازدادت اهتماماته السياسية بعد انتقاله للقاهرة عندما كان تلميذاً للعقاد، الذي ارتبط أدبه بالسياسة، وخاض معارك ضارية ضد بعض الأحزاب، وكان سيد ﵀ ساعده الأيمن في هذه المعارك الأدبية منها والسياسية. ومن تجاربه الغنية في هذا الميدان: رحلة أمريكا، وما شاهده فيها من تناقضات ومن مواقف حاقدة ضد الإسلام والمسلمين، والمرحلة التي سبقت دخوله السجن، أي من عام ألف وتسعمائة وخمسين، وهو تاريخ عودته من الولايات المتحدة حتى عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين، هذه الفترة وحدها كافية لتكوين نضوج سياسي عنده، ومن الكتب الإسلامية السياسية التي أصدرها في هذه المرحلة: معركة الإسلام والرأسمالية، السلام العالمي والإسلام، دراسات إسلامية. يقول ﵀ في معالم في الطريق، في فصل التصور الإسلامي والثقافة: إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره. الحقيقة ونحن نتلو هذا الكلام نذكر عبارة عمر ﵁: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية. هو يريد أن يقول: إنني عرفت الجاهلية جيداً، وسبرت أغوارها، وعشت في معمعتها، فلذلك استشعر نعمة الإسلام العظيمة حينما انتقل من هذا الظلام المطبق إلى ذلك النور العظيم الذي هو نور الوحي ونور الإسلام. يقول: إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم، وما كان يمكن إلا كذلك، وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها، وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك، وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي. إذاً: عاش أربعين سنة رحمة الله يقرأ ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ولم تكن حياته قاصرة على القراءة، بل كانت الخبرة لا تقل أهمية عن القراءة، ولهذا فقد كتب ﵀ كتابات ناضجة، حول الموضوعات التالية: الصهيونية، الصليبية، الشيوعية، الرأسمالية، الاستبداد والعبودية والذل، الاستعمار وأساليبه، فضائح الحضارة الغربية. هذه أمور انفرد فيها الأستاذ سيد قطب ﵀ عن غيره من المجددين المعاصرين الذين حرموا هذه الخبرة، وهذا النضوج السياسي، وكانت مواقفه السياسية لا تنفصل عن عقيدته، وحسن فهمه للإسلام، ثم تقول مجلة البيان: هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب ﵀.

стр. 283

حكم إطلاق كلمة الشهيد على الأشخاص نحمد المجلة على التنبيه على شيء لا يحتاط فيه كثير من الناس، وهو أننا نلاحظ الكثير من الناس يعتقد أنك إذا لم تقل: الشهيد سيد قطب، أو الشهيد حسن البنا، أنك تنتقصه، وتنقص من قدره. هذا غير صحيح. لأن المعروف من حيث الأدلة الشرعية أنه لا يجوز الجزم بأن فلاناً شهيد إلا بدليل من الوحي، لكن أنت ترجو له الشهادة، أنت تدعو له بها، لكن لا تجزم أنه شهيد، لماذا؟ ترجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث، قال: باب لا يقال فلان شهيد، وذكر حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (الله أعلم بمن يقتل في سبيله، الله أعلم بمن يكلم - يعني: يجرح- في سبيله)، فأمر الإخبار بحقيقة الخاتمة هذا أمر مغيب علينا، ولا يملك أحد الاطلاع عليه، حتى في حق الكافر، أنت لا تحكم عليه قطعاً بأنه في النار إلا بدليل من الوحي، وهذا نص عليه العلماء في العقيدة السلفية كما في شرح الطحاوية قال: ونرجو للمحسنين من المؤمنين، ونخاف على مسيئيهم، ولا نقطع لأحد بجنة ولا بنار، يعني: إلا بالوحي. والبخاري ذكر باب لا يقال فلان شهيد، وذكر هذا الحديث، واستدل بقصة ذلك الرجل الذي اشترك في الجهاد واسمه قزمان، وأبلى بلاء حسناً، فأتى بعض الناس وأثنى عليه أمام النبي ﵌ فقال: ما أعظم ما جاهد هذا الرجل، وكان اليوم فعل كذا وكذا، فرد عليه النبي ﷺ وقال: (هو في النار). ففي اليوم التالي لما بدأ القتال، أخذ هذا الصحابي الذي سمع النبي ﷺ يراقب ذلك الرجل الذي كان يجاهد بشدة وقوة وجلد، إلى أن جرح ذلك الرجل، ثم لما انزعج من هذا الجرح وآلمه بشدة، وضع مقبض السيف على الأرض، وجعل ذبابته بين ثدييه، ثم اتكأ عليه حتى نفذ السيف من ظهره. حينئذ هرع ذلك الصحابي إلى النبي ﷺ وقال: أشهد أنك رسول الله، فاستطلع منه النبي عليه الصلاة السلام الخبر، فقال: الرجل الذي قلت بالأمس إنه من أهل النار، حصل منه كذا وكذا، فقال النبي ﵌: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، أو كما قال ﵌. إذاً: ما يحصل بعد الموت لا يجوز الجزم والقطع به. وأيضاً مما يستنكر أحياناً: أن بعض الكتاب يقولون: المرحوم فلان، كأنك تجزم أنه رحم، والحق أن تقول: فلان ﵀، فعندما تقول: فلان ﵀، تثاب على ذلك لدعوتك لأخيك، ثم تنفعه أيضاً بهذه الدعوة إذا استجمعت شروط الإجابة. ختم الباحث في مجلة البيان البحث بقوله: هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب ﵀، وعندما ابتلاه الله بالسجن والتعذيب والتهديد بالقتل صبر على ذلك صبراً شديداً، رغم ما كان يعانيه من أمراض وضعف في جسمه، ولم يتراجع عن مواقفه الإسلامية رغبة أو رهبة، ولهذا فقد تضاعف رواج كتبه بعد تنفيذ حكم الإعدام به، ومما ساعد على انتشارها: عذوبة الأسلوب، وإشراقة الديباجة، ومتانة العبارة، وقوة الحجة، وحضور البديهة. يقول: وقل أن تجد داعية وليس في مكتبته كتاب من كتب سيد قطب، وفضلاً عن ذلك فقد ترجمت هذه الكتب إلى معظم لغات العالم. رحم الله الأستاذ سيد قطب رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير.

стр. 284

الإيمان والكفر [٢٢] إن الحكم على رجال الفكر والأدب العظام وعلى إنتاجهم من أمثال سيد قطب، لا يكون إلا ممن هو أهل لهذا، فلا يُترك الحبل على الغارب لكل من يملي عليه هواه شيئاً، أو لمن نظر نظرة قاصرة إلى الرجل سواء كانت ثمرتها سلباً أو إيجاباً، وسيد قطب ﵀ كغيره يؤخذ من قوله ويترك.

стр. 285

قضايا اختلف فيها سيد قطب مع منهج أهل السنة تحدثنا في السابق حول ترجمة عابرة مختصرة للأستاذ سيد قطب ﵀، وبينا مبدأً مهماً ألا وهو: أنه ينبغي أن نفرق دائماً بين الحق وبين الرجل؛ لأن الحق في كل وقت هو حق، أما الرجل فغير معصوم، فقد يكون معه الحق، وقد يكون بخلاف ذلك بصفته البشرية.

стр. 286

جواز وقوع الخطأ من أي شخص غير معصوم والآن نأتي إلى النقطة التي تمس الموضوع الذي نتحدث فيه منذ زمن بطريقة مباشرة وهي: أثر كتابات الأستاذ سيد قطب ﵀ في فكر التكفير، أو ما يسمى بفكر جماعات التكفير الموجودة الآن، أو التي وجدت متأثرة في ذلك ببعض كتاباته. بداية نقول: إن المرء لا يستطيع أن يخفي إعجابه بمواقف الأستاذ سيد قطب ﵀، وبالذات صموده أمام الطغيان حتى اللحظة الأخيرة من حياته، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضله في تزويد الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية، فما من شك أنه أمدها وزودها بالوعي الذي هو وقود هذه الحركة، وأيضاً بمزيد من الاستقلالية والاستعلاء على الباطل، وتحدي هذا الباطل، حتى أدى ذلك إلى أنه دفع حياته ثمناً لعقيدته التي كان يعيش لأجلها، واعترافنا بهذه الفضائل وغيرها لا يعني أنه ليس هناك نقاط اختلاف، وبصراحة أكثر هناك نقاط خلاف جوهرية، وليست جزئية ولا فرعية، وتحفظات في كثير من مواقفه ﵀ وكتاباته، وأعلم أن كثيراً من الناس يصعب عليهم أن يجدوا الشخصية التي يحبونها ويعجبون بها يؤخذ عليها شيء أو تنتقد، ولكن إن أخطأ سيد قطب ﵀ فقد أخطأ من هو أجل منه؛ ابتداءً من الرجل الثاني في الإسلام وهو أبو بكر ﵁، إلى باقي الخلفاء الراشدين، إلى علماء الأمة وفطاحل الجهابذة في كل العصور، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فلا نستطيع أن ننكر أن هناك بعض كتابات وبعض أفكار مهما حاول كثير من الناس أن يسوغوا أو يدافعوا أو يوردوا التبريرات لبعض هذه الكتابات، لكن في الحقيقة -شئنا أم أبينا- إن احتمل بعض هذه الكتابات التأويل في موضع، فهناك مواضع لا تحتمل التأويل، وهناك مواضع كان الكلام فيها بخلاف الحق والله تعالى أعلم. لكن ننبه على أننا في أثناء الكلام قد نورد بعض العبارات مع التزام دقة النقل، فننقل العبارات بكاملها وبنصها، وفي بعض العبارات سنجد بعض الكتاب يترخص في استعمال كلمة (شهيد)، وقد أشرنا من قبل أنه لا يجوز القطع لأحد بالشهادة حتى لو قتل في سبيل الله، لكن ندعو له بالشهادة، ونرجو له الشهادة، لكن لا يجوز القطع بأن فلاناً في الجنة، أو فلاناً فعلاً قد قتل شهيداً إلا بنص من الوحي، فهذا يكون لمن شهد له الوحي في زمن النبي ﵌، أما ما بعد ذلك فندعو له بالشهادة؛ لأن الخاتمة مغيبة، فإذا قرأنا بعض عبارات بعض المفكرين الذين يترخصون في استعمال هذه الكلمة فلا نحتاج باستمرار أن نستدرك، لكن سنقرؤها ونمر عليها بعد أن نبهنا على هذه العبارة. مثال آخر: حينما قرأنا في الدرس الماضي عبارات مجلة البيان حول الملامح التجديدية في فكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، أشرنا إلى أن مجلة البيان أغفلت بعض الجوانب التي هي موضع نظر موضوعي وليس مجرد كلام سطحي أو يسير، وكان ينبغي -حتى يتم البحث من جميع جوانبه- أن تتكلم عن السلبيات أو الأخطاء التي يمكن أن يزل بها بعض الشباب المسلم بعيداً عن منهج أهل السنة والجماعة الذي تدعو إليه المجلة، فركزت المجلة على الملامح التجديدية لفكر الأستاذ سيد قطب ﵀، وكان ينبغي أن تفعل ما فعلت -مثلاً- مع الأستاذ محمد رشيد رضا وغيره من أصحاب المدرسة الإصلاحية حينما ذكرت بعض المحاسن، وأفاضت في ذكر بعض التعقبات تحذيراً ونصيحة للمسلمين. وربما يخالف بعض الناس -مثلاً- في أن يوصف الشيخ سيد قطب ﵀ بالمجدد، انطلاقاً من أنه خالف منهج أهل السنة والجماعة في بعض الجزئيات أو بعض الأشياء الأساسية، وهذه أيضاً قد لا تكون موضع اتفاق، وربما بعض الناس يدافع عن بعض اجتهادات الأستاذ سيد ﵀ بالذات في الأمور العقائدية التي تمس قضايا الكفر والإيمان، ويستدلون بقول النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وهذا الحديث مما يشيع الاستدلال به في مثل هذا المقام، وننبه إلى أن المقصود: الاجتهاد ممن هو أهل للاجتهاد، ومن تحققت فيه شروط الاجتهاد، وبالتالي قد يخالف بعض الناس في تحقق شروط الاجتهاد في الأستاذ سيد قطب ﵀، وربما بعضهم يعتذر للظروف النفسية التي ألفت فيها هذه الكتب، وربما اعتذر بعضهم أيضاً بأن الفترة العظمى أو الأولى من حياة الأستاذ سيد ﵀ كان فيها أديباً مرموقاً، وطبيعة الأديب أن يسترسل في الأفكار والمعاني، ولا يشترط أن يكون منضبطاً تماماً بكل القواعد التي تشده إلى القواعد والأصول العلمية والفقهية. على كل فإن جميع هذه الأعذار سواء كانت من المتمسكين بفكر الأستاذ سيد قطب ﵀ أو المخالفين له، هذه الخيوط كلها تجتمع في خيط واحد في النهاية هو: أنهم جميعاً يخالفونه في قضايا وليست قضايا مظهرية، لكنها قضايا جوهرية، وأنهم لا يقرونه مع اختلافهم في هذه التسويغات والتبريرات. وفي الحقيقة هذه القضايا نحتاج أن نأتي عليها منذ البداية، ونفصل في الكلام فيها، وبالذات حينما ننسب الكلام إلى أناس ليسوا نكرات في الواقع الذي نعيشه، لكنهم أناس لهم وضعهم ووزنهم في مجال الدعوة الإسلامية، فممن تناولوا أفكار الأستاذ سيد قطب ﵀ بالنقد أناس من فطاحل الجماعة التي كان ينتسب إليها في الفترة الأولى، وهي جماعة الإخوان المسلمين، وأشهرهم الأستاذ سالم البهنساوي، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور جعفر شيخ إدريس، والأستاذ يوسف العظم، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور عبد الحليم عويس، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، بل أشرنا من قبل إلى حصول مواجهة فكرية صريحة وصارمة من قادة الإخوان ممثلة في الأستاذ الحسن الهضيبي ﵀ وابنه الأستاذ مأمون الهضيبي، فهؤلاء جميعاً تناولوا هذه الأفكار بالنقد، فلا حرج علينا في أن نتناوله أيضاً في ضمن هذه الدراسة حول قضايا الكفر والإيمان، ونعتمد على ما قالوه في هذه القضايا.

стр. 287

حكم سيد قطب على المجتمع الذي يعيش فيه أبرز هذه القضايا هي القضية التي تتعلق بالحكم على المجتمع الذي نعيش فيه، فالأستاذ سيد قطب له عبارات صريحة تشير إلى أن هذا المجتمع مجتمع جاهلي، وهو حينما ذكر أمثلة للمجتمع الجاهلي -سواء المجتمعات الوثنية أو المجتمعات اليهودية أو النصرانية- ذكر أنواعاً كثيرة، ثم قال: وبما فيها المجتمع الذي يدعي أنه مجتمع مسلم ولا تتوفر فيه شروط ومواصفات المجتمع المسلم. أيضاً: حكمه بانقطاع المجتمع المسلم؛ فمنذ قرون وحتى اليوم يرى أنه لم يتواجد على الإطلاق مجتمع مسلم، وانقطع وجوده منذ قرون بعيدة. أيضاً: هناك تفريعات على هذا الموقف منها، مثلاً: أن المساجد الموجودة الآن في بلاد المسلمين أطلق عليها الأستاذ سيد قطب عبارة: معابد الجاهلية، وهذه الكلمة تقفّ لها الشعور في الحقيقة، والدعوة إلى اعتزال معابد الجاهلية في ظروف معينة، فربما هو لم يقصد ما حصل من تصرف بعض الشباب الذين قرءوا هذه الكتب وصدقوها، ففي الحقيقة أنه أخطأ كثير من الشباب في فهم هذا الكلام وتطبيقه، وبوحي من هذا الكلام حصلت كثير من الانحرافات التي أطلق عليها في النهاية التطرف، وهي جديرة بأن توصف بالتطرف لانحرافها عن الوسط، وهو موقف عقيدة أهل السنة والجماعة. أيضاً: موضوع العزلة الشعورية وما يتفرع عنه، ومواقف أخرى للأستاذ سيد ﵀ من الفقه، وموقفه من السنة، وما تعكسه كتاباته في هذه القضايا.

стр. 288

دراسة لكتب سيد قطب وإنتاجه الفكري حصل منذ سنوات قليلة ندوة في بعض دول الخليج تسمى: ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، فيها فوائد عظيمة جداً، وكان من الموضوعات التي طرحت للبحث في هذه الندوة، بحث قدمه الدكتور جعفر شيخ إدريس، وهو من علماء السودان ومن مشاهير جماعة الإخوان المسلمين المعتدلين نسبياً في السودان، وخطه غير خط الترابي، وكان عنوان البحث: قضية المنهج عند سيد قطب في (معالم في الطريق)، وذكر العلماء الذين ذكرنا أسماءهم وبعض الانتقادات والمناقشات حول هذا البحث، وسنحاول أن نلخصها ونستفيد منها خلال هذا العرض، لكن سنبدأ بتعليق واحد ممن كانوا قريبين جداً من الأستاذ سيد قطب ﵀، وممن عاشره عن قرب، وخبر وسبر منهجه، بل وألفه في ترجمة حياته وهو ممن يتحمسون له جداً، وهو الأستاذ يوسف العظم حفظه الله، حتى نرى كيف أن هذا الاقتراب وهذا الإعجاب الشديد بشخصية الأستاذ سيد قطب ﵀ لم يحل بينه وبين ألا يعمى عن رؤية الحق ومحاكمة فكر الأستاذ سيد قطب بمقاييس أهل السنة والجماعة.

стр. 289

رؤية يوسف العظم لمؤلفات سيد قطب يقول الأستاذ يوسف العظم: لقد مرت كتب الأستاذ السيد أو عطاؤه الفكري أو القلمي في ثلاث مراحل: أولاً: الكتب الفنية فيما يتعلق بالتصوير الفني ومشاهد يوم القيامة. ثانياً: كتب الانفعال والحماسة في الإسلام، ومنها: معركة الإسلام والرأسمالية، ومنها: كتاب السلام العالمي والإسلام. ثالثاً: كتب المنهج والتي في قمتها المعالم والظلال والخصائص وهذا الدين، ولذلك فعند دراسة كتب سيد قطب وإنتاجه لابد من وضوح هذه المراحل لمعرفة كل مرحلة. يقول: وأرى أنه من الضروري أن يراجع المفكرون المسلمون فكر الشهيد سيد قطب حتى ينال من التقدير ما يستحق، وليس من المفيد أن نقيم حول فكره سياجاً من التهديد فلا يمس، وحالة من الرهبة حول آرائه فلا تناقش، وقد قلت في كتاب: (الشهيد سيد قطب قائد الفكر الإسلامي المعاصر، حياته ومدرسته وآثاره)، وكان ذلك عام (١٣٩٣هـ) الموافق عام (١٩٧٣م) قلت في كتابي ذاك: نحن نقدر الرجال ولا نقدسهم، ومن تقديرنا لهم: أن نضعهم حيث يفرض الحق أن يوضعوا، وحيث يحب المنصفون؛ لأننا نعاملهم بلا قداسة ولا عصمة ولا تنزيل. وأختصر المقولة لضيق الوقت فأنقل ما قاله الإمام مالك وهي كلمة أخذها مجاهد عن ابن عباس، وأخذها عنهما الإمام مالك، كما قال السبكي في الفتاوي (١/ ١٤٩) ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ . ونرى أن الخلاف حول فكر سيد قطب سببه أمران: الأول: هو الفهم غير السليم لما يقوله سيد قطب حول معاني الاستعلاء أو العزلة الشعورية، وهو أمر لم يقصده الشهيد كما يمارسه بعض الشباب اليوم؛ إذ لا يكتفون بالاستعلاء على قيم الغرب كما دعا له الشهيد، وإنما يستعلون على الناس من بني قومهم ومجتمعهم وأهلهم. والثاني: الأخطاء التي وقع فيها الشهيد وهو يقدم تراثه الرائع وعطاءه المبرور، حيث دعا إلى اعتزال معابد الجاهلية، وعنى بذلك مساجد اليوم، وفي حديثه عن دار الحرب ودار الإسلام كان متطرفاً إلى حد أنه لم يترك للمسلمين بقعة من الأرض يتحركون فيها ويعملون، ومن هنا فإني أرى -وهذا اقتراح أقدمه-: أن يعمل فريق من علماء المسلمين المقدرين لفضل الفكر المؤمن المحبين للحق على إقامة حلقة أو لجنة لدراسة فكر الشهيد وتهميشه في كتابيه: المعالم والظلال. ثم قال: والشهيد كما هو معروف رجاع إلى الحق في أكثر من موقف عندما روجع في أكثر من موضوع، غير أني لقيت في مقابل اقتراحي هذا الذي قدمته في كتابي الذي أشرت إليه منذ أكثر من عشر سنوات -أقول:- لقيت استهجاناً من البعض، ورفضاً لأن يستجيب أحد لمراجعة فكر الشهيد وتبصير الشباب بجانب الخطأ فيه وجوانب الصواب الكثيرة، إلا أن هذا الذي أشرت إليه لا يمكن بحال أن يقودنا إلى إنكار ما قدمه الشهيد سيد قطب من فكر وعطاء وجهد مبرور في معظم كتبه، ولا يجوز بحال أن يظلم كما ظلم الإمام علي من فريقين من الناس: فريق من الناس كفروه، وبعض الغلاة ألهوه، لا يجوز أن يظلم الشهيد سيد قطب من أمته: فريق يقدس فكره ولا يقبل الإشارة إلى بعض ما ورد فيه من أخطاء، وفريق يحاول النيل منه؛ فيصوره أنه مجرد أديب وليس مفكراً، والحقيقة أني أعرف جوانب منها، وقد سمعتها على لسان الشهيد، وقد لازمته فترة في مصر، وهي: أنه كان يحيل بعض الإخوة السائلين في مجلسه إلى بعض الإخوة الفقهاء الذين يعرفون من أحكام الشريعة أكثر مما يعرف، فهو ليس فقيهاً يرجع لكل مقال قاله، ولا هو أديب فحسب، بل هو مفكر إسلامي فتح الله عليه، فقدم فكره العميق بأسلوب أدبي مشرق، مع ما لهذا الفكر من إيجابيات عظيمة، وسلبيات لابد للحركة الإسلامية الواعية الأم أن تتداركها، وتشير إليها؛ لئلا يزداد تخبط الشباب، ويكبر الشق أو الصف الإسلامي الواحد. هذا فيما يتعلق بكلام شخص مقرب جداً من الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى.

стр. 290

رؤية يوسف الطبلاوي لأفكار ومنهج سيد قطب وهذا تعليق علم من أعلام الإخوان المسلمين وهو الدكتور يوسف الطبلاوي حفظه الله، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فحديثي هو تعليق على بحث الأخ الجليل الدكتور جعفر شيخ إدريس، ومناقشة بعض الحاضرين في الندوة له، وذلك حول ما يتعلق بالشهيد العظيم سيد قطب، وأفكاره وقضية المنهج عنده، خاصة في كتاب المعالم، والحقيقة أن الأمر ليس أمر كتاب المعالم، فما المعالم إلا قبسات من الظلال، فالأصل هو الظلال وليس المعالم، وبعض الناس يقولون: إن الأمر مجرد هامش على كتاب المعالم، ويذكرونه في الحواشي، والأمر ليس تحشية في موضع أو موضعين أو عشرة أو عشرين، أو مئات المواضع؛ هذا فكر يسري في الكتب مسرى العصارة في الأوصال، ومسرى الدم في الجسم، والمسألة ليست كما يقول أخي الأستاذ يوسف العظم: إنها تعليق على بعض الأخطاء، فهذه تقال إذا كان الحديث عن أخطاء جزئية، ولكن المسألة هنا تتعلق باتجاهات، وهذا اتجاه، والرجل صاحب اتجاه وصاحب مدرسة، وهذا الاتجاه يجب أن يقوم، ولا تستطيع أن تهمشه إلا إذا كانت المسألة جزئية، وإنما هو صاحب أفكار متسلسلة مرتبط بعضها ببعض. الأمة الإسلامية انقطعت من الوجود، وهو له رأيه المتطرف في مسألة بني أمية وعثمان وغيره، ورد عليه الأستاذ محمود شاكر من قديم في مسألة الصحابة (ولا تسبوا أصحابي)، ورأيه في المجتمع الإسلامي على طوال التاريخ، ورأيه في المجتمع الحالي، وأنه لا يوجد على وجه الأرض مجتمع مسلم قط في أي بلد من البلاد، حتى المجتمع الذي يعلن ارتباطه بالإسلام، ويقول: إن المجتمع جاهلي، كنت أظن أن كلمة: (مجتمع جاهلي) تعني -مثلاً- جاهلية التبرج أو تبرج الجاهلية، أو جاهلية الحمية، لا كما يقول الشرك والكفر، وهذا في الظلال في عشرات المواضع، ودعونا نتكلم بصراحة: إن من حق الأجيال المسلمة أن تعرف هذا الأمر على حقيقته، ولقد كنت لا أعرف هذا، كنت قد قرأت سيد قطب القديم، وسيد قطب مراحل: هناك سيد قطب في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الأديب الناقد الذي كان ينتمي إلى مدرسة العقاد، وكان مبهوراً ببلاغة القرآن، وظهر هذا في كتب التصوير الفني ومشاهد القيامة في القرآن، ومرحلة سيد قطب المعجب بنظام الإسلام، والداعي إلى عدالته ونظامه، وخير ما يصور هذه (العدالة الاجتماعية)، ومرحلة (السلام العالمي والإسلام)، ومرحلة (معركة الإسلام والرأسمالية)، وفيها كتب عن التاريخ ومنهاج ودراسات إسلامية ومقالات مختلفة، ثم المرحلة الثالثة وهي: المرحلة التي بدأت في السجن، ونقول الآن: إنها كانت لظروف نفسية معينة يعيشها هو ويعيشها المجتمع الإسلامي كله نتيجة لتسلط الطواغيت، وظهور الكفر ووثبة الشيوعيين على أجهزة الإعلام وغير ذلك، في هذا الوقت الذي كان يعذب فيه كل من يدعو إلى الله ويدعو إلى الإسلام، في حين تفتح المجالات للآخرين الذين ينكرون الإسلام جهرة وعلانية، في هذا الوقت كتب سيد قطب كتاباته وهي في الظلال أساساً، فاستخرج منها المعالم، وسيد قطب في هذه الكتب له مرحلة أخرى، ولذلك حكى بعض الناس أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما كتب كتبه القديمة، ولما قال له أحدهم: إذاً: فأنت كـ الشافعي لك مذهبان: جديد وقديم؟ قال: نعم، ولكن الشافعي غير في الفروع وأنا غيرت في الأصول، يعني: أصول التفكير؛ لأنه بدأ يفكر في أن المجتمع غير مسلم، مجتمع جاهلي، والناس غير مسلمين، ولذلك يقول: وإن كان يدَّعون أنفسهم مسلمين، أو يسمون أنفسهم مسلمين، أو ما يسمونه العالم الإسلامي، فمثل هذه التعبيرات موجودة منتشرة في كتبه التي كتبت في تلك المرحلة، وراح الذين تتلمذوا عليه يرددون التعبيرات نفسها. وإني ما كنت أعرف هذا حتى جاءتني رسائل تتكلم عن الموضوع الذي أشار إليه الأخ الأستاذ يوسف العظم، أعني مسألة: معابد الجاهلية، لقد أرسل إلي طلاب يدرسون في القاهرة من اليمن وغيرها عما جاء في الظلال في سورة يونس: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]، والتي انطلق منها الشهيد قائلاً: اعتزلوا معابد الجاهلية، واعكفوا على أنفسكم، وأخذ منها هؤلاء: أن المساجد التي تتبع السلطات الجاهلية، ويشرف عليها موظفون؛ إنما هي بيوت للشرك، ولقد اضطررت أن أرد على هذا الكلام، وذلك من سنين طويلة، ولكن القضية كلها تتفرع من قضية: هل الناس الذين من حولنا مسلمون أم لا؟ هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي الوقوف عندها، إن الأخ الدكتور جعفر وقف في مسائل يمكن أن تؤول، مثل: مسألة جيل الصحابة، يعني: هل ممكن أن جيل الصحابة يتكرر أم لا؟ فهذا أمر يمكن أن نقول فيه: إنه يمكن أن يوجد مثل جيل الصحابة أو قريب منه، وفي هذه القضية حكي الخلاف فيها بين ابن عبد البر والجمهور في: هل يمكن أن يكون بعض الناس في عصرنا هذا أو ما بعد عصرنا مثل الصحابة أو لا؟ وهل تفضيل قرن الصحابة تفضيل للمجموع أو تفضيل للجميع؟ فـ ابن عبد البر يقول: يمكن أن يأتي بعض الناس في عصر متأخر مثل الصحابة أو مثل بعض الصحابة، واستثنى المبشرين بالجنة والسابقين الأولين وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وقال: يمكن بعد ذلك أن يأتي ناس أفضل من بعض الصحابة، فهذه قضية معروفة من القديم، والمشكلة هي: أن قضية المجتمع الجاهلي وما يترتب عليها إنما يجب أن نعرض على الناس العقيدة، ولا نعرض أسس النظام الإسلامي، فهم لم يسلموا، فكيف تعرض عليهم أسس النظام وتفصيلاته؟ فالعقيدة أولاً: يجب أن يفهموا لا إله إلا الله بمعنى الحاكمية. هذا ما يدعو إليه، ولذلك كما قال أخونا الدكتور وهبة الزحيلي: كيف يمكن فعلاً الاجتهاد لوضع حلول لمشكلات عصرية للاقتصاد الإسلامي مثل التأمين والبنوك وغير ذلك؟ المقصود: أن الأستاذ سيد قطب ﵀ كان له موقف معين من الاشتغال بالفقه أو بأمور العصر غير مفهوم الحاكمية، وتقديم العقيدة من جديد للناس، هو كان يرى أن من خاطب الناس بالحجاب بالحلال والحرام بهذه القضايا الفقهية كان يرى أن هذا مثل من يستنبت البذور في الهواء، كيف تخاطب مجتمعاً أصلاً ليس هو في حالة تحاكم إلى الإسلام أو لـ (لا إله إلا الله). وتقول لهم: حجبوا النساء، أقيموا حدود الله في كذا أو في كذا، وهو أصلاً لم يمتثل هذه العقيدة أو لم يفهمها؟ فهذه نقطة من النقاط الخطيرة جداً في فكره، وسوف يأتي كلام فيها بالتفصيل، وسيأتي نقاش العلماء لهذه النقطة أيضاً. أيضاً: الحديث عن الفقهاء واستنبات البذور في الهواء، فقد كان ينكر على الفقهاء الذين يتكلمون في قضايا الفروع العملية، ويصف أن هذا استنبات للبذور في الهواء، فيقول: ينبغي للزهور أن توضع في التربة، والتربة لابد أن تكون هي الأصل. يشير بذلك إلى المجتمع الذي تشرب بالعقيدة وقبلها، وذكر هذا بتطويل أكثر في حوالي عشرين صفحة في الظلال، وفي كتاب: الإسلام ومشكلات الحضارة، وأعلن أن الذين ينادون بتجديد الفقه الإسلامي، وتطوير الفقه الإسلامي هؤلاء الناس الطيبون السذج، الذين يريدون أن يجتهدوا لمجتمع لم يوجد بعد، وحينما يولد المجتمع الإسلامي يمكن أن نجتهد له، وقيل: إن الذين يستفتون في أمور الإسلام كلهم هازلون، والذين يجيبونهم هازلون، وليس من الواقعي وليس من الإيجابية في شيء أن نستفتي الإسلام ونحن نخرج لساننا له.

стр. 291

رؤية القرضاوي لمنهج سيد قطب يقول الدكتور القرضاوي: وهذا في الحقيقة تجميد وتغيير، فهناك ناس كثيرون يستفتون ويريدون أن يعرفوا الحلال من الحرام، فهل كل من سأل في حكم شرعي يسأل وهو يخرج لسانه للإسلام؟! هذا غير واقع في الحقيقة، بالعكس الأصل في الناس والغالب عليهم -ولله الحمد- أنهم حينما يسألون يريدون أن يطبقوا حكم الله في القضية، فهل إذا انفصلت السياسة أو الدولة أو الحاكمية عن الشريعة واتجه وانحرف المجتمع إلى العلمانية، هل معنى ذلك: أن نأتي نحن بفأس ونحطم أيضاً البقايا الموجودة في مواقف أخرى في المجتمع أو في قاعدة المسلمين العريضة؟! نحطم ونقول: ناس كفار ليس لهم علاقة بالإسلام والاشتغال بالفقه وبالحلال والحرام، والناس تخرج لسانها للإسلام، ثم تقول: ما حكم الإسلام في كذا؟ كلا. هذا ليس واقع الناس، ليس كل من يسأل يخرج لسانه للإسلام، ويقصد الاستهزاء أو غير ذلك، إنما تسأل الناس في الحقيقة حتى تحترم دينها، وحتى تطبق ما عجزت عن تطبيقه في المجتمع تطبقه في أنفسها؛ لأن هذا داخل في طاقتها. يقول الدكتور القرضاوي: وهذا في الحقيقة تجميد وتغيير، فهناك ناس كثيرون يستفتون ويريدون أن يعرفوا الحلال من الحرام، يريدون أن يعرفوا البنوك وما بها؟ التأمين ماذا نفعل فيه؟ هل توجد بدائل شرعية؟ لماذا لا نجتهد كما قال الأخ الدكتور عويس؟ لماذا لا نضع حلولاً؟ إن هذا كله مبني على فكرة المركزية: هي فكرة أنه لا يوجد مجتمع مسلم. والدكتور القرضاوي هنا يلمح فقط للقضايا المعاصرة التي جدت، لكن ليس فقط الذي نحتاجه هو القضايا المعاصرة، بل نحن نحتاج إلى مخاطبة الناس في دينهم، فأين المسلم الذي لا يتوضأ أو لا يصلي أو لا يتزوج أو لا يطلق أو لا يبيع أو لا يشتري؟ أليست الشريعة الإسلامية غطت كل هذه المجالات من الحياة؟ فإذاً: كيف نطالب الناس أن تهجر الكلام في الحلال والحرام بناءً على أنهم غير مسلمين أصلاً، ونقول: إن من الهزل أن نخاطبهم في الحلال والحرام والتعليم إلى آخر ذلك؟! كل مسلم مطالب بأن يتعلم، ويجب أن يتعلم قدراً معيناً يقيم به عبادته. يقول الدكتور القرضاوي: إن هذا كله مبني على فكرة مركزية: هي فكرة أنه لا يوجد مجتمع مسلم، وأن المسلمين الذين يدعون أنفسهم مسلمين هؤلاء ليسوا مسلمين؛ لأنهم موالون للجاهلية الحديثة، ولذلك يجب أن يقوم كل هذا الفكر. إن سيد قطب قدم الكثير للفكر الإسلامي، وقدم بعد ذلك دمه وعنقه في سبيل الله، وهو مجتهد أصاب أم أخطأ، هو مأجور على الاجتهاد ولكنه ليس معصوماً، كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي ﷺ ، ولهذا فمن الإنصاف لـ سيد قطب، ومن الإنصاف للفكر الإسلامي، ومن الإنصاف للحركة الإسلامية، ومن الإنصاف للمسلمين، ومن الإنصاف للإسلام نفسه: أن نقوم فكرة سيد قطب الآن، وبعد أن مضت مدة على استشهاده؛ لأن أي كلام قبل ذلك ربما اعتبر كأنه انضمام إلى خصوم سيد قطب، ولكن بعد مضي هذه السنين يمكننا أن نراجع تفكيره وإنتاجه، ونقومه بميزان الكتاب والسنة، وبميزان الأصول التي عندنا، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويجزيه خير ما يجزي العاملين المخلصين للإسلام، وأن يغفر لنا جميعاً. وبهذا أنهى الدكتور يوسف القرضاوي كلمته.

стр. 292

مناقشة قضية المنهج عند سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) نبدأ في عرض البحث الأساسي الذي دار حوله النقاش، وهو بحث الدكتور جعفر شيخ إدريس هو: قضية المنهج عند سيد قطب في (معالم في الطريق).

стр. 293

أهمية المنهج يقول: قضية المنهج من أهم القضايا الفكرية التي واجهتها الحركة الإسلامية المعاصرة؛ لأن علاقة المنهج بالحركة علاقة طبيعية وشيجة، فالذي يريد أن يتحرك حركة عاقلة رشيدة لابد له أن يحدد الغاية التي يريد التحرك نحوها، والطريق التي يسلكها لبلوغ تلك الغاية، ولأنها كذلك من أكثر القضايا التي ينبني عليها العمل، والتي يؤدي الاختلاف فيها من ثم إلى اختلاف بين الجماعات العاملة للإسلام، وإلى انشقاقات داخل الجماعة الواحدة، ولأن الخطأ في فهمها قد يؤدي إلى تطويل الطريق، ويؤدي من ثم إلى دفع أثمان باهضة، وفقد ضحايا غالية، وقد يؤدي إلى الخمول والركود، أو اليأس والقنوط، وقد يؤدي إلى الفشل برغم طول المدة، وكثرة العمل، إلى غير ذلك من النتائج الخطيرة على سير الحركة.

стр. 294

غاية الحركة الإسلامية ثم يقول تحت عنوان: غاية الحركة الإسلامية: قلنا: إن الحركة الرشيدة تستدعي تحديداً للغاية، وتحديداً للطريق الموصل إليها، فما غاية الحركة الإسلامية في عصرنا؟ يجيب كثير من الدعاة عن هذا السؤال بقولهم: إن غايتنا مرضاة الله تعالى، وهذا صحيح إذا كان المقصود به أنه الغاية الكبرى والقصوى، لكن هذه غاية يبتغيها كل مسلم سواء كان فرداً منعزلاً في جزيرة أو شعب جبل، أم كان عاملاً في جماعة، وبغض النظر عن الجماعة التي ينتمي إليها، والعصر الذي يعيش فيه، والمكان الذي يوجد فيه، هذه الغاية الكبرى تندرج تحتها غايات هي بمنزلة الوسائل المؤدية إليها، والناس حين ينتظمون في جماعة يكون غرضهم -باعتبارهم جماعة- تحقيق إحدى هذه الغايات الثانوية: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، فالمسلمون يسعون كما يسعى الكفار للتمكن في الأرض، لكن غرضهم من التمكن هو إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهم يفعلون ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. فإذاً: المؤمن قد يسعى لتحقيق الغاية نفسها التي يسعى لتحقيقها الكافر، وقد يعمل العمل نفسه الذي يعمله الكافر أو المنافق، لكن المؤمن يعتبر هذه الغاية الأرضية وسيلة لغاية سماوية أكبر، بينما يعتبرها الكافر غاية نهائية، أو وسيلة لغاية أرضية أخرى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. نعود لسؤالنا مرة أخرى: ما غاية الحركة الإسلامية في عصرنا؟ غايتها: أن تتمكن في الأرض لتجعل الحياة في كل أرض تمكنت فيها موافقة لشرع الله تعالى في تصورات الناس العقائدية، وشعائرهم التعبدية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ونظمهم السياسية، وأوضاعهم الاقتصادية، وسياساتهم الدولية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

стр. 295

أهمية كتاب المعالم ثم يقول تحت عنوان: أهمية كتاب المعالم: كيف تعمل الحركة إلى هذه الغاية؟ هذه هي قضية المنهج الذي نتحدث عنه، والتي هي موضوع كتاب المعالم، ذلك الكتاب الذي لا نعرف في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة كتاباً كان أكثر منه انتشاراً، ولا أقوى تأثيراً، ولا أخطر نتائج، ولا أشد رعباً لأعداء الحركة الإسلامية. ومعروف أن كتاب المعالم هو زبدة وخلاصة الظلال. يقول الدكتور جعفر: وقد انقسم الناس حوله إلى ثلاث فئات: فئة قادحة اعتبرته سحراً أسود، ودعوة للظلم وبرنامجاً للتخريب والإثارة والخروج. وكثرة من الشباب مادحة اعتبرته أملها المفقود، ورائدها المأمول الذي يحدد لها معالم الطريق الذي تسلكه للتمكن في الأرض. وفئة منصفة اعتبرته كالفئة الثانية كتاباً عظيماً لداعية عظيم، وأخذت ما فيه من حق وخير، واستفادت منه كثيراً، لكنها ظلت تذكر أن مؤلفه مع إخلاصه وسعة علمه بشر لم تكتب له العصمة، فأخذت من قوله وتركت. يقول: وعلى منهج هذه الفئة الثالثة نحاول أن نثير الخلاف في هذا البحث القصير، فنؤيد الكاتب فيما أصاب فيه، ونفسر بعض عباراته التفسير الذي نراه صحيحاً ومناسباً، ونستدرك عليه بعض ما يبدو لنا أنه أخطأ فيه، ونستدرك على بعض قرائه بعض ما نراهم أخطئوا فيه، سواء كان لخطئهم هذا ما يسوغه من كلمات الكاتب الشهيد أو لم يكن ذلك؛ وذلك لأن غرضنا هو التعاون على تسديد سير هذه الحركة، حتى تبلغ غايتها، وتؤتي ثمارها بإذن الله تعالى.

стр. 296

ملخص كتاب معالم في الطريق والدكتور جعفر في الحقيقة بدأ أولاً يلخص كتاب المعالم في عبارات مركزة، ولأننا نناقش منهج الكتاب فمن الأفضل أيضاً أن نمر على هذا الاختصار والتلخيص. يقول: يستهل الأستاذ سيد قطب كتابه بتقرير أن الحضارة الغربية بشقيها الديمقراطي والرأسمالي والجماعي الشوعي لم تعد صالحة لقيادة البشرية بسبب إفلاسها في عالم القيم، وأنه لابد من قيادة جديدة تملك إبقاء الحضارة المادية وتنميتها، وتزود البشرية بقيم جديدة جدة كاملة، وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي، وأن الإسلام وحده هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج، ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي أهدافه إلا أن يتمثل في مجتمع، بيد أن وجود الأمة المسلمة قد انقطع منذ قرون كثيرة، فلابد إذاً من بعث تلك الأمة كي تتسلم القيادة. ويتساءل الكاتب: كيف تبدأ عملية هذا البعث الإسلامي؟ وهذا يقوده إلى قضية المنهج التي نحن بصددها، ولعلنا نستطيع أن نرتب خطوات هذا المنهج من شتى فصول الكتاب في الآتي: أول خطوة في طريق بعث الأمة الإسلامية هي: وجود طليعة تعزم على تسلم القيادة، الأفراد الممثلون لهذه الطليعة الذين انسلخوا عن المجتمع الجاهلي، والذين خلصت ضمائرهم من العبودية لغير الله يكونون جماعة مسلمة هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، لابد لهذه الطليعة من معالم في الطريق تعرف منها طبيعة عملها، وحقيقة وظيفتها، وطلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة، كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعاً، أين تلتقي مع الناس؟ وأين تختبئ؟ ما خصائص الجاهلية من حولها؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام، وفيم تخاطبها؟ ثم تعرف أين تتلقى في هذا كله؟ وكيف تتلقاه؟ هذه المعالم لابد أن تستقى من المصدر الأول لهذه العقيدة: القرآن، و (معالم في الطريق) كتب للوفاء بهذا الغرض، وهو موجه لتلك الطليعة المرجوة المرتقبة، ولكي تؤدي هذه الجماعة رسالتها وتتسلم قيادة البشرية عليها أن تكون كجيل الصحابة، ذلك الجيل القرآني الفريد؛ لأن القرآن والسنة اللذين خرجا ذلك الجيل ما زالا بين أيدينا، وغيبة شخصه ﷺ لا تفسر عدم تكرار جيل الصحابة، ولكي تكون هذه الطليعة كذلك الجيل عليها أن تسلك المنهج الذي تخرج عليه، وهو يتمثل في أن تستقي من القرآن وحده، ولا تخلطه بمنابع أخرى، وأن تتلقى منه لتنفذ لا لتستمع أو تتثقف، وأن تعتزل الجاهلية المحيطة بها، وأول ما تلقاه ذلك الجيل القرآني وأهم ما تلقاه من القرآن الكريم هو العقيدة، وبالعقيدة ينبغي أن تبدأ هذه الطليعة الجديدة. العقيدة هي: لا إله إلا الله، وهي تعني رد الحاكمية لله في الأمر كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم. إن أول ما ينبغي أن ندعو الناس إليه هو العقيدة حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، فقد ظل القرآن المكي ثلاثة عشر عاماً يتحدث في قضية العقيدة ولا يتجاوزها إلى شيء مما يقوم عليها من التعريفات المتعلقة بنظام الحياة؛ لأن العقيدة هي الأساس التي تقوم عليه وتنبثق منه كل تنظيمات الإسلام وتشريعاته، فإذا استقرت العقيدة في النفس استسلمت للنظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، ولأن هذا الدين منهج عملي حركي جاد، ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، والقرآن لم يعرض قضية العقيدة في تلك الفترة في سورة نظرية أو لاهوت أو جدل كلامي، وإنما كان يخاطب فطرة الإنسان، ولذلك لم يعرض القضية في تلك الصور، وإنما عرضها في صورة تجمع عضوي حيوي، وتكوين تنظيمي مباشر من الحياة ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها، وكان نمو هذه الجماعة ممثلاً لنمو البناء العقدي، كل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله هو خطأ وخطر، كذلك هذا هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين في أي وقت إلا به.

стр. 297

سر قوة تأثير كتاب المعالم يقول الدكتور جعفر شيخ إدريس تحت هذا العنوان: نستطيع أن نرى في هذه الصورة الموجزة إيجازاً يكاد يكون مخلاً لقضية المنهج في المعالم شيئاً من سر ذلك الاستقبال العظيم الذي قوبل به ذلك الكتاب، ولا سيما من الشباب، وشيئاً من ذلك التأثير الذي لم نر له مثيلاً في كتاب حديث؛ إنه يدعوهم لهدف واضح كل الوضوح وسامق كأعلى ما يكون السموق، إنه لا يطلب منهم أقل من أن يسعوا لتسلم قيادة البشرية، وهو هدف مغرٍ وجذاب لكل ذي همة من الشباب، وهو مع اعترافه بأن الطريق إلى ذلك الهدف شاق وطويل إلا أنه يقنع قارئه بأنه ليس بالأمر المستحيل لمن عزم على السير فيه، وأعد له عدته، وها هي عدته، إنه قيم جديدة ومنهج جديد، وكلا الأمرين يملكهما الإسلام ولا يملكهما دين أو مذهب سواه، وإذا كانت الحضارة الغربية قد فاقتنا في المجال المادي؛ فإن التفوق عليها في هذا المجال -مع أهمية التقدم المادي لوجودنا الذاتي- ليس من المؤهلات المطلوبة لتلك القيادة، فها هو الغرب يتراجع عن هذه القيادة برغم امتلاكه لهذه القوة، وسبب تراجعه هو إفلاسه في عالم القيم، وهو يدعوهم إلى أن يكونوا كجيل الصحابة، ويغريهم بأن هذا أمر ممكن إذا هم سلكوا إليه المنهج الصحيح، وإذا أرادوا أن يكرروا ذلك الجيل، وأن يتسلموا قيادة البشرية؛ فعليهم أن يعتزوا بقيمهم الإسلامية، وأن يستعلوا بها على قيم الحضارة الغربية وسائر القيم الجاهلية التي تسود العالم الذي انسلخوا منه، عليهم أن يضعوا قيم الإسلام للناس كما هي من غير اعتذار ولا خجل ولا تدسس، وأن يصارحوهم بأنها تختلف عن القيم التي اعتادوها، وأن المسافة بعيدة بين القيم الإسلامية وهذه القيم الجاهلية، وأن النقلة من هنا إلى هناك بعيدة. هذه الروح الاستعلائية الاعتزازية القوية هي موضوع بعض فصول الكتاب وفقراته، ولكن الأهم: أنها تسري في الكتاب كله، وهي -في رأيي- أهم وأغلى وأبقى ما استفاده الناس من كتاب المعالم. إن هذا الكتاب بهذه الروح يمثل مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية المعاصرة؛ قفزت فيها الدعوة من مرحلة المجاملة والتردد والاعتذار إلى مرحلة المجاهرة والتحدي والاعتزاز، وهذه المرحلة هي أغلى وأبقى ما استفاده الناس من كتاب المعالم، وإنه لإنجاز عظيم، وإنها لنعمة كبرى على العبد أن يجعله الله سبباً لنقل الدعاة إلى هذه المرحلة الجديدة التي تطلبها دعوتهم، ولكن ينبغي ألا ننسى فضل الدعاة الذين سبقوه، وأن نتذكر أنه لم يبدأ من فراغ، وإنما أضاف لبنات مهمة إلى بناء كان قد وضع أساسه وشيد بعض أدواره دعاة قبله. هذا بعض ما يتجلى لنا من الصورة الموجزة التي رسمناها. وأما إذا اكتملت الصورة بالرجوع إلى الكتاب والرجوع إلى مؤلفه في الظروف التي خرج فيها فإن أسراراً أخرى تتجلى، منها: أن الكتاب صيغ بأسلوب يمتاز بالوضوح والقوة والجد والجمال، وباللهجة الصادقة الأمينة، يقرأه الداعية وكأنه خطاب من صديق عزيز يسدي إليه بعض النصائح الغالية، وقد ظاهرت هذه العوامل الداخلية الذاتية لقوة الكتاب عوامل خارجية؛ فقد ظهر الكتاب في وقت ظن الناس فيه أن الحركة التي ينتمي إليها الكاتب قد قضي عليها، فإذا به يذكرهم بوجودها بهذه الصيحة المدوية، وقد قرأ الناس بين أسطر الكتاب معارضة قوية للسلطة الغاشمة التي كانت بلاد الكاتب تعيش تحت وطأتها آنذاك، وزاد من اقتناعهم بذلك: مصادرة الكتاب، كما هي طريقة المغفلين في محاربة الفكر، يظن أن مصادرة الكتاب هو الحل، فزاد من اقتناع الناس بذلك مصادرة الكتاب، ومحاولة الحيلولة دون انتشاره، لكن قوة الكتاب بلغت ذروتها؛ ففي وقت من الأوقات كان بعض الشباب يتداولون كتب الأستاذ سيد في المعاطف والثياب؛ لأنها كانت تعامل كالمخدرات، لكن كانت تقرأ ربما أكثر من الآن، وكان الشباب يهتم بها أكثر من الآن، بسبب أنها كانت تحارب، أما الآن لما توفرت لم يعد الإقبال عليها كما كان في ذلك الوقت، فعامل الله هؤلاء بنقيض قصدهم في حرب الكتاب، لكن قوة الكتاب بلغت ذروتها حين رأى الناس كاتبه يلقى الموت مطمئن البال مستعلياً على السلطة الغاشمة ساخراً منها، فهرعوا إلى الكتاب يقرءونه وصورة الكاتب الشهيد ماثلة أمام أعينهم، فيحسون أنه كان جاداً وأميناً في كل كلمة خطها قلمه، وتذكر كثير منهم قوله في مناسبة أخرى: إن كلماتنا تظل عرائس من الشموع؛ حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة.

стр. 298

البحث في نظرية تكرار جيل الصحابة ويقول أيضاً تحت عنوان: جيل الصحابة هل يتكرر؟ يقول: بعد هذا التلخيص والتأييد المجمل: نبدأ في تفصيل ما عَنَّ لنا من استدراكات على كتاب المعالم في قضية المنهج. إن الكاتب يدعو إلى حركة شديدة، حيث يسمي الذين يبدءونها بالطليعة، مع أنه كان حين كتب هذا الكتاب منتمياً فعلاً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان معه في السجن آلاف من أعضاء هذه الجماعة التي كان رئيساً لتحرير جريدتها، والتي طالما كان يتحدث عن أهميتها ومظاهرها ومنجزاتها. يذكر الكاتب عليه رحمة الله في كلماته الأخيرة التي كانت تنشرها جريدة المسلمون اللندنية: أنه عمل لتكوين جماعة تكون امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي حلها عبد الناصر وسجن أعضاءها، ولكن لماذا اعتبر الجماعة قد انتهت بقرار الحل؟ وإذا كان قد انتهت تنظيماً فإن أفرادها ما زالوا موجودين، فلماذا الدعوة إلى حركة جديدة؟! أظن أن تفسير هذا الأمر المستغرب موجود في قضية المنهج، وأظن أن سيداً كان يرى أن الجماعة الوحيدة التي يمكن أن تعيد بعث الأمة الإسلامية هي الجماعة التي تتبع المنهج الذي ذكره، وإذا كان هذا المنهج يريد منها ويمكنها أن تكون كجيل الصحابة؛ فإنها تكون فعلاً جماعة جديدة لا تماثلها جماعة الإخوان المسلمين، ولا أي جماعة في تاريخ الإسلام بعد جماعة الصحابة رضوان الله عليهم. يقول الدكتور جعفر: يقول الكاتب -يعني: الشيخ سيد قطب ﵀: لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلاً من الناس -جيل الصحابة رضوان الله عليهم- جيلاً مميزاً في تاريخ الإسلام كله، وفي تاريخ البشرية جميعه، ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى، نعم وجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ، ولكن لم يحدث قط أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة. يعلق الدكتور جعفر فيقول: والكاتب يرى أنه بالإمكان تخريج مثل ذلك الجيل حتى في غيبة شخص الرسول ﷺ ، بل لعله يرى أن البشرية -وقد عادت إلى جاهلية مثل الجاهلية التي أنقذها مثل ذلك الجيل- لا يمكن أن ينقذها الآن إلا جيل مثله، فهل ما قاله الكاتب الفاضل صحيح؟ أصحيح أنه بالإمكان إنشاء جيل كامل كجيل الصحابة رضوان الله عليهم؟ أصحيح أن غيبة شخص الرسول ﷺ لا تفسر عدم تكرار ذلك الجيل على مدار التاريخ؟ إن هناك حججاً نقلية كثيرة بل وحججاً عقلية تدل على أن ذلك الجيل لا يمكن أن يتكرر، ولكن دعونا قبل البدء في سرد بعض تلك الحجج أن ننظر في الحجة التي ذكرها الكاتب الفاضل في تأييد رأيه. يقول الكاتب بعد الفقرة التي نقلتها آنفاً: هذه ظاهرة واضحة واقعة ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلاً لعلنا نهتدي إلى سره، إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله ﷺ وهديه العملي وسيرته الكريمة كلها بين أيدينا كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول الذي لم يتكرر في التاريخ، ولم يغب إلا شخص رسول الله ﷺ ، فهل هذا هو السر؟ لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتمياً لقيام هذه الدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في الأرض إلى آخر الزمان، ولكن الله سبحانه تكفل بحفظه الذكر، وعلم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله ﷺ ، ويمكن أن تؤتي ثمارها؛ فاختاره لجواره بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الرسالة، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان إذاًَ: فإن غيبة شخص رسول الله ﷺ لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها. ثم يقول الدكتور جعفر وهو يناقش الفقرة السابقة: إن مقدمات هذه الحجة لا تؤدي إلى نتيجتها، فالمقدمات باختصار هي: لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتمياً لقيام هذه الدعوة لما جعلها الله دعوة للناس كافة، ولما جعلها آخر رسالة، ولما مات رسول الله ﷺ ، والنتيجة الطبيعية لهذه المقدمات هي: إذاً فوجود شخص رسول الله ﷺ ليس حتمياً لقيام هذه الدعوة، أو: فغيبة شخصيته ﷺ لا تمنع استمرار هذه الدعوة، وهذه حجة صحيحة يوافقه كل مسلم على مقدماتها ونتائجها، لكن النتيجة التي انتهى إليها الكاتب الفاضل الكبير هي: أن غيبة شخص رسول الله ﷺ لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها -يعني: ظاهرة تكرار جيل الصحابة-، إن عدم ضرورة وجود شخص الرسول لاستمرار الدعوة لا يعني عدم ضرورته لوجود جيل كجيل الصحابة، فالأمران مختلفان، اللهم إلا إذا قلنا: إن الدعوة لا تقوم ولا تؤتي ثمارها إلا بوجود جيل كجيل الصحابة، ولكن هذا يفضي بنا إلى القول بأن الدعوة نفسها توقفت منذ أن انتهى جيل الصحابة؛ لأنه لم يأت بعده جيل مثله، وهو أمر لا يقول به الداعية الفاضل ولا أحد من المسلمين، لو كان كتاب المعالم كتاباً عادياً لاكتفيت بهذا الرد، لكني أعرف أن حجة الكاتب هذه تأثر بها كثير من الدعاة ولا سيما الشباب، فما أكثر ما سمعت وقرأت تكراراً لها يكاد يكون بألفاظ الكاتب الفاضل! ولذلك فإن الأمر يستحق مزيداً من البيان. إن لدينا نصوصاً صحيحة تدل على أن وجود شخص الرسول ﷺ كان ضرورياً لتخريج ذلك الجيل، ونصوصاً تدل على أنه كان فعلاً جيلاً فريداً لا يتكرر، وإليكم شيئاً من هذه النصوص: عن أنس ﵁ قال: (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، قال: وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا). هكذا كان شعور الصحابة بعد موت الرسول ﷺ وغيبة شخصه، وكانوا يشعرون بشيء من هذا حين يغيبون عنه وهو حي، ففي حديث طويل لـ حنظلة الأسيدي قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ (وما ذاك؟ قال: قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا النار والجنة حتى كأنا نراها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو أنكم تدومون على ما تكونون عندي في الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي سوقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)، هذا الذي شعر به حنظلة وأيده به أبو بكر ﵄ شعور طبعي؛ فإن الواحد منا يعرف من تجربته أنه يقرأ كلاماً فلا يتأثر به، فإذا سمعه من إنسان تأثر به، وقد يسمع كلاماً من إنسان ثم يسمعه نفسه من إنسان آخر فإذا البون بين التأثيرين شاسع، فكيف بمؤمن صادق يسمع القرآن والحكم من فيه رسول الله ﷺ ، ويرى الوحي ينزل أمامه، ويعرف الحوادث والمناسبات التي نزلت فيها كثير من آيات الله وأحاديث رسول الله ﷺ ؟ ولا شك أن هذا الكلام انعكس وانعكست تأثيراته فيما أتى من المواقف التي سنبينها فيما يأتي من كلام الأستاذ سيد ﵀. يقول الدكتور جعفر معلقاً على هذا الكلام: ولكن إذا كانت الأمة التي تحمل هذا الدين قد انقطع وجودها منذ قرون؛ فإن دينها نفسه يكون قد انقطع وجوده منذ تلك القرون، والكاتب الفاضل يدرك هذه النتيجة اللازمة عن كلامه ويقبلها ويقررها، إذ يقول: هذا هو المجتمع المسلم المجتمع الذي تتمثل فيه العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم، كما تتمثل في شعائرهم وعبادتهم، وكما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم، وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود لتخلف ركنه الأول وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ . يقول الدكتور جعفر: فالكاتب الفاضل يقرر في هذه الفقرة: أن تخلف النظام الجماعي والتشريعات عن الوجود يعني تخلف الإسلام نفسه عن الوجود، ويقرر في الفقرة السابقة أن هذا النظام قد تخلف فعلاً عن الوجود، والنتيجة هي: أن الإسلام قد تخلف عن الوجود، وهي نتيجة نقطع بأنها ليست صحيحة، فالله في سورة الفتح لما تكلم عن المنافقين ووصفهم بأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، فما هو ظن الجاهلية؟ إذا رجعنا إلى شرح العلماء لهذه الآية، وإذا رجعنا إلى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد حول هذه الآية: يبين العلماء أن ظن الجاهلية هو أن يظن إنسان أن الكفار يمكن أن يأتي في يوم من الأيام ويستأصلون الإسلام استئصالاً، ويقضون على الإسلام قضاءً بحيث لا تقوم له قائمة بعده. هذا هو ظن الجاهلية، وهذا هو سوء الظن بالله. من سوء الظن بالله -مهما وصل ضعف الإسلام، ومهما وصل طغيان الباطل- أن تظن أن الباطل يمكن أن يأتي في يوم من الأيام بحيث يطغى تماماً ويقهر تماماً، ويظل الإسلام دائماً مقهوراً، أو أن المسلمين يظلون مقهورين مستذلين لا تقوم لهم قائمة. هذا سماه الله ظن الجاهلين فقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فمن ظن الجاهلية أن يقال مثل هذا الكلام. ونحن نبرئ الأستاذ سيد قطب ﵀ من هذا، وهو كان العدو الأول للجاهلية في عصره، نبرئه من هذا الوصف، لكن نقول: هذا يلزم من كلامه، ولو أنه استأنس بهذا المعنى ما نظن أنه كان وصل إلى هذا القرار النهائي، وهو أن الأمة الإسلامية انقطعت من الوجود منذ قرون كثيرة، والمجتمع الإسلامي انقطع من الوجود، والمسلمين انقطعوا والجماعة انقطعت، وبالتالي انقطع وجود الإسلام نفسه: هذا شيء لا يمكن أن يوافقه عليه أحد على الإطلاق. يقول الدكتور جعفر: إن الكاتب الفاضل يقرر أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الكتاب والسنة، ولكن ينبغي ألا ننسى أن هذا الحفظ ليس حفظاً متخفياً، بمعنى: أن تكون نصوص الكتاب والس

стр. 299

نظرة وهبة الزحيلي لمنهج سيد قطب تجاه الفقه يقول وهبة الزحيلي: لقد استمعنا في هذه الفترة الطيبة المباركة إلى بحثين عظيمين، ولكن استوقفني النظر إزاء تحديد الفكر الإسلامي، وكأن الاتجاه يتجه إلى حصر الفكر في مفهوم العقيدة والقضايا العامة، وكأنهم يعزلون الفكر عن نطاق الاجتهادات الإسلامية التي مثلتها أعمال الأئمة العظام من فقهاء المذاهب، وكأن الفقه مراد له ألا يكون من أنماط هذا الفكر. يعني: دائماً يتكلمون على قضايا العقيدة وقضايا عامة، ويفصلون الفكر عن الفقه مع أن الفقه حاكم على الفكر، فالفكر أن يفتح إنسان الكتاب ويتدبره بفكره وبعقله، ويهيم فيه ثم قد يصيب وقد يخطئ، فهناك فرق بين الفكر وبين العلم، ولذلك نحن نأخذ دائماً قضايا الفكر وكتب الفكر بحذر، لابد أن يكون هناك وعي كافٍ لمن يقرأ في كتب الفكر حتى لا يتابع المفكرين في بعض توهماتهم وتخبطهم، والمفكر لابد أن يكون مجذوباً بخيوط تشده إلى أصول أهل السنة والجماعة حتى لا يهيم بعيداً، ولا بد أن يكون مجذوباً بخيوط من العلم الشرعي حتى لا يخالف الأحاديث والأدلة، ومجذوباً ومشدوداً ومقيداً بخيوط تجذبه نحو الفقه الإسلامي حتى لا يشذ عن الفقهاء ويتخبط بعيداً عنهم، ففكر بدون علم قد يأتي بشر كثير. يقول الدكتور وهبة الزحيلي حفظه الله: وكأن الفقه مراد له ألا يكون من أنماط هذا الفكر، مع أن الإسلام لم تتضح صورته، ولم تبرز معالمه، ولم يكتب لها الخروج، ولم تعرف صلاحيته للتطبيق في مؤتمرات العالم المقارنة للقوانين والأنظمة والتشريعات إلا عن طريق الفقه الإسلامي، فكيف أستطيع أن أقبل ما أشار إليه ضمناً الأخ يوسف العظم من أن سيد قطب كان يحيل إلى الفقهاء؟ يعني: كيف يتكلم الأستاذ سيد قطب ﵀ في تنظير الفكر الإسلامي، ويتكلم عن عدم وجود دولة إسلامية؛ ويتكلم في هذه القضايا الحساسة والمصيرية وهو يعترف ضمناً أنه لم يكن فقيهاً، فيحكي عنه الأستاذ يوسف العظم أنه كان يكتب ملازم من الظلال أو بيتاً من الشعر ثم يعرضها على إخوانه الفقهاء. يقول: وكيف أقبل أن تصورات الفقهاء واستنباطاتهم كانت بمثابة استنبات الجذور في الهواء؟ كيف نتكلم على فقه الفقهاء وكلام الفقهاء في الحلال والحرام والفروع ونحوها: استنباط جذور في الهوى أو أنه هزل، أو أن هؤلاء الذين يسألون عن الأحكام الفرعية والذين يجيبونهم هؤلاء هازلون وهؤلاء هازلون؟! كيف يسمى هذا هزلاً؟! كيف ننظر بهذه النظرة التي فيها ازدراء للفقه، وأهمية الفقه في حياتنا والتزامنا بديننا؟! يقول الدكتور وهبة الزحيلي: وكيف أقبل أن تطورات الفقهاء واستنباطاتهم كانت بمثابة استنبات البذور في الهواء؟! إني لا أقبل وأرفض كل هذه الفكرة أسلوباً ومنهاجاً وتطوراً، وإن له كتابات كثيرة في هذا الموضوع -أي: الأستاذ سيد ﵀ تقصي الفقه، وتبعده عن القيام بأي عمل حتى تقوم دولة الإسلام، وعندئذٍ يأتي عمل الفقهاء، لا يمكنني أن أقبل مثل هذا التصور من المرحوم -هكذا قال- سيد قطب، وحتى إن بعض من يتحمس لأفكاره يعادون فكر الإسلام من هذه الزاوية، ولا يمكننا أن نفصل الإسلام عن هذا الاجتهاد العظيم؛ لأننا لا بد أن نبحث قضايا العصر، ومن الذي يبحثها: أليس هم الفقهاء؟ أليس الفقه هو الذي يتصدى لبحث الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟ ثم إني لم أجد في بحث الأستاذ محمد عبد الله السمان ولا في كلام الأخ الدكتور فتحي عثمان إشارة من ناحية الفكر إلى فقه الإسلام، وكأنهما حصرا الفكر في زاوية معينة هي زاوية العقيدة، ولا يمكنني أن أقبل بأي حال من الأحوال تلك المقولة لو استقبلت من أمري ما استدبر لاكتفيت بالقرآن، هذه الكلمة حكاها بعض المحاضرين عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وأعتقد أن هناك تصرفاً في حكايتها، فـ شيخ الإسلام ما كان يقصد بقوله: أني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لاكتفيت بالقرآن، رد السنة؛ إذ لا يمكن بذلك أن يأخذ بالقرآن ولا يأخذ بالسنة، لكن كان نادماً على كل وقت ضيعه في مناظرة المتكلمين والفلاسفة، ونقد هذه المذاهب دون أن يرتبط بالقرآن الكريم، قال هذا لما خلا شيخ الإسلام ﵀ في آخر سجنه بالقرآن، وفتح الله عليه بمعارف عظيمة جداً في كتاب الله ﵎، حتى هذه المقولة يمكن أن تؤخذ بشيء من النظر؛ فبعض الناس الذين استفادوا من إثراء شيخ الإسلام المكتبة الإسلامية بالرد وبإبطال مذاهب الفلاسفة والمتكلمين والصوفية وأعداء الإسلام قالوا: ما كتبه شيخ الإسلام أفاد كثيراً، واستفادوا منه في هذه الأشياء. يقول: ولا يمكن أن أقبل تلك العبارة التي هزت كل كياني، وهي: أن مساجد اليوم معابد الجاهلية، لم أفهم هذه العبارة ولم أعرف ما مدلولها، أأصبحت المساجد هي معابد الجاهلية؟! ثم إن الأخ محمد عبد الله السمان قد وقع في خطأ عندما صور الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، فكل من أهل الرأي وأهل الحديث لم يقصر جهده لا على الحديث وحده، ولا على الرأي وحده، وإنما كان كل واحد منهما يعمل بالحديث وبالرأي معاً، ولكن غلب على أحد الاتجاهين العمل بالحديث، وغلب على الآخر العمل بالرأي، وليس الرأي ما نعرفه اليوم بالفكر المحض، وإنما هو رأي يستمد أصوله من روح التشريع الإسلامي، فالرأي كان عندهم في الغالب هو القياس مثلاً أو ما شابه ذلك، وليس الرأي المحض، يعني: الفكر الآن يهيم بدون ضوابط في هذا الزمان، وإنما هو رأي يستمد أصوله من روح التشريع الإسلامي ومبادئه العامة فهو لا يكاد يخرج عن دائرة النص وإن سمي رأياً. هذا كلام الدكتور وهبة الزحيلي حول السنة والفقه في منهج السيد قطب. وبقي تعليقات أخرى مفيدة لكثير من المفكرين يناقشون فيها بحث الدكتور جعفر شيخ إدريس حول قضية المنهج في فكر السيد قطب، ولا يتسع المقام لذكرها. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 300

الإيمان والكفر [٢٣] لقد كان كتاب معالم في الطريق هو خلاصة منهج سيد قطب ﵀ في الحياة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة في الأوساط الفكرية؛ لما يحمله من أفكار تعيد ذكرى إعدامه، والأجواء التي سادت ذلك الوقت، ونحن لا نستطيع أن ننكر نشاطات الرجل الدعوية والحركية التجديدية التي تُوجِّت بالصمود حتى الموت، ولكن لا يعني هذا العصمة من الخطأ، فإن هذا ليس لأحد من الخلفاء الراشدين ولا لمن بعدهم من التابعين فضلاً عن رجال هذا العصر.

стр. 301

لمحة موجزة عن تفسير الظلال شرعنا في دراسة حول قضية المنهج عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وذكرنا أن المنهج عند الأستاذ سيد ﵀ يتركز في كتابه: (معالم في الطريق)، وذكرنا أن (معالم في الطريق) هو خلاصة تفسيره للقرآن الكريم، وهو: (في ظلال القرآن)، وقد أخذ الأستاذ سيد ﵀ عهداً على نفسه حينما شرع في كتابة تفسيره في ظلال القرآن أن يبتعد عن الموضوعات اللغوية والنحوية، والقضايا الجدلية والكلامية، وأيضاً المسائل الفقهية، وذكر أن الإسراف في ذلك يحجب القرآن عن روحه، ويستر جمال النص القرآني الأخاذ. قال رحمه الله تعالى: كل ما حاولته أن لا أغرق نفسي في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي، وتحجب روحي عن القرآن، وما استطردت إلى غير ما يوحيه النص القرآني ذاته من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية، وما أحفل القرآن بهذه الإيحاءات! وقد اختلف الكاتبون في علوم القرآن وفي التفسير في موقع كتاب الظلال بالنسبة لغيره من أنواع أو اتجاهات التفسير، فهناك اتجاه التفسير بالمأثور الذي يتصدره تفسير الإمام ابن جرير الطبري ﵀، وتفسير الإمام الحافظ ابن كثير ﵀، وهناك التفسير بالمعقول أو بالرأي، وهو ينقسم إلى مذموم ومحمود، وهناك التفسير اللغوي أو الأدبي أو البياني، وغير ذلك، فبعض أولئك -كالأستاذ الدكتور محمد الصباغ حفظه الله- صنف كتاب (ظلال القرآن) في ضمن التفسير البياني للقرآن، أي: الذي يركز على النواحي البيانية واللغوية، وليس المقصود النواحي اللغوية كما فعل -مثلاً- أبو حيان في البحر المحيط، وإنما المقصود التذوق البلاغي لجلال وروعة القرآن. وما من شك في أنه ليس تفسيراً بالمأثور الذي ينضبط بقواعد علوم التفسير الذي ذكرها الكاتبون في علوم القرآن، وقد ذكر هو رحمه الله تعالى عن كتابه أنه عبارة عن تفكير، وليس تفسيراً بالمعنى المتعاهد عليه والمعروف حينما يذكر اصطلاح التفسير، فهو تفكير كما ذكرنا قد يصيب فيه المفكر وقد يخطئ، وهو عبارة عن انفعالاته الروحية، وتذوقه الأدبي لنصوص القرآن الكريم، ومع موهبته الأدبية -التي سبق أن أشرنا إليها- فإن هذا التفسير -كما يقول الدكتور الصباغ حفظه الله- يمتاز بأسلوب مؤلفه الموهوب، فهو يعرض موضوعات القرآن ومعانيه بأسلوب أدبي حي أخاذ سهل بليغ، فقد اجتنب كثيراً من المصطلحات العلمية التي نعثر عليها في كتب التفسير، فكان كتابه سائغاً مفهوماً مقبولاً من جماهير القراء، على أنه كان يكثر من استعمال بعض الكلمات التي تكاد تكون خاصة به، وإن الذي يألف أسلوب المؤلف يستطيع أن يدرك بسهولة معناها، لا سيما وأنه قد شرح بعضها في كتابه (التصوير الفني في القرآن)، ومن الطبيعي أن نجد في كتابة الكتاب الكبار بعض الكلمات التي يكثرون من تردادها، كما نجد بعض الجمل الخاصة التي تعد مظهراً من مظاهر الأساليب الشخصية. يقول: أيضاً يعالج هذا التفسير الموضوعات القرآنية، والحقيقة هي أن هذا هو سر هذه الحرارة العالية التي يتضمنها أسلوب الأستاذ سيد قطب عموماً في المرحلة الثالثة، خاصة الأخيرة، وخاصة في كتابيه المعالم والظلال، سر هذه الحرارة العالية والحماس الصادق نحو قضايا الإسلام هو أنه عالج الموضوعات القرآنية باعتزاز بالإسلام يفوق الوصف، وإيمان به، وبعقلية حركية تدعو إلى استئناف العمل بالقرآن في قوة وصراحة وحيوية، وإلى إعادة سلطان القرآن على الحياة الإنسانية في نطاق الأفراد والأمم والعالم كله، كما عالج هذا التفسير بوعي عميق أصيل، وبحرارة بالغة، وعاطفة كريمة صادقة قضايا المسلمين الفكرية والاجتماعية والسياسية، كما ألم بقضايا الفكر المعاصر والحضارة القائمة، وأعلن بكل وضوح وتصميم أن المبادئ القرآنية هي ما تحتاجه الإنسانية في أزمتها الراهنة اليوم، ويتمتع المؤلف بتحرر تام من كل قيود العبودية الفكرية التي يوصف بها عدد من المفكرين المعاصرين، وهو على معرفته بحضارة الغرب لم يكن مأخوذاً بها، ولا مأخوذاً بالجوانب البراقة فيها، كان يقدرها حق قدرها، ويقومها التقويم السديد، ويحذر من سيئاتها ومن مساوئها التي تزحف على ديار المسلمين، وتهدد حياتهم كلها، والمؤلف يضع العقل في محله الذي ينبغي أن يوضع فيه، دون أن يغلب العقل بتحميله ما لا يقوى على حمله، ودون أن يعطله فلا يسخره فيما خلقه الله له، ويربط المؤلف بين آيات القرآن التي فيها النور والهدى وبين واقع الجيل العظيم الذي تلقى هذا القرآن ليعمل به، ويقيم جوانب حياته عليه، وهو في تفسيره يدعو المسلمين إلى أن يأخذوا أنفسهم بالجد، ويعملوا بالقرآن كما فعل أهل الصدر الأول زمن النبوة، ويحثهم على الانقلاب من واقعهم المريض المتخلف ليكونوا سعداء في بلادهم، وليسعدوا الإنسانية كلها؛ لأنه يقرر أن المسلمين يملكون بهذا القرآن ما لا يملكه أحد سواهم في الدنيا، وليس عليهم إلا أن يكونوا هم الواقع الحي لمبادئ الإسلام لتجد فيهم الإنسانية المعذبة الشقية طلبها. يقول الدكتور الصباغ: وأخيراً: فإن هذا التفسير يبرز قضية وحدة الرسالات السماوية التي بعث الله بها أنبياءه ورسله؛ إذ كانت جميعاً تدعو إلى التوحيد وإسلام النفس لله وحده في الطاعة والعبادة. هذه بعض الفوائد الجيدة، والثمار الزكية التي تقتطف من تفسيره (في ظلال القرآن)، لكن هذا الكتاب -كما قد ذكرنا من قبل- ليس خلواً من بعض المؤاخذات التي قد يتجاوز عنها إذا تذكرنا أن أسلوبه أسلوب الأديب الذي قد يسترسل مع مشاعره وإيحاءات الكلمات، لكن إذا قسنا بعض القضايا التي خلف من بعد الأستاذ سيد قطب ﵀ خلف قد يكونون حملوها فوق ما تحتمل، أو كانت -في الحقيقة- تلك النصوص من كتابيه تحتمل ما وقعوا فيه من اتخاذها أصولاً وقواعد يبنى على أساسها مذهب أو منهج أو اتجاه فكري محدد المعالم لا يوافق ما عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، خاصة في قضية الكفر والإيمان، فتقبل مثل هذه التوجهات في مجال الدعوة العامة من قبل حث المسلمين على هذه القضايا التي أشرنا إليها آنفاً من بث روح الاعتزاز بالإسلام فيهم، والاستعلاء على المناهج الكفرية، وفضح وكشف سبيل المجرمين إلى آخر هذه الميزات التي نقرها جميعاً ولا ننكر فضلها وشدة حاجتنا إليها. لكن أين نضع -مثلاً- (معالم في الطريق) في المكتبة؟ وأين نضع كتاب (هل نحن مسلمون) للأستاذ محمد قطب ﵀؟ هل نضعهما بجوار شرح العقيدة الطحاوية، أو معارج القبول، أو السنة لـ ابن أبي عاصم، أو شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أو غير ذلك من كتب العقيدة؟ أم نضعهما في الجانب الفكري من المكتبة؟ وكتاب (هل نحن مسلمون) هل نعامله على أنه يقصد بذلك أننا كفار، ولابد من أن ندعوا الناس إلى الإسلام حتى يدخلوا في الإسلام ويستأنفوا إسلامهم، أم أنه عبارة عن محاولة لإيقاظ الروح الإسلامية عند المسلمين لتنبيههم ضد مؤامرة أعداء الإسلام، أو ضد الغزو الفكري الذي يتلون بألوان وصور شتى؟ فمن الظلم مثلاً لكتاب (هل نحن مسلمون) أن نضعه مع كتب التوحيد الاصطلاحية والعلمية المقعدة لمنهج وضوابط وقواعد وأصول أهل السنة والجماعة، فهكذا ينبغي أن نتعامل مع هذه الكتب، فعند الانضباط، وعند التقريب والتأصيل والمحاكمة بالميزان العلمي الدقيق ينبغي أن نعود إلى علماء أهل السنة والجماعة، ورموز أهل السنة والجماعة في كل العصور الذين ضبطوا هذه المسائل وقعدوها، ومعرفة من هو المسلم، ومن هو الكافر، وبم يخرج المسلم من الإسلام، وبم يدخل الكافر في الإسلام ليست قضية غفلت عنها الأمة أربعة عشر قرناً، بل هذه القضية حسمت منذ القدم، وهي موجودة في كتب الردة من كتب الفقه وغيرها من كتب التوحيد، وواضحة وضوحاً يغنينا عن محاولة الاجتهاد في تحديد كيفية التعامل مع هؤلاء الناس.

стр. 302

تتمة مناقشة قضية المنهج عند سيد قطب في (معالم في الطريق) لا نستطيع أن ننكر أن الأستاذ سيد ﵀ كانت في نشاطاته الدعوية والحركية مظاهر يمكن أن نسميها تجديدية باعتبار أنه جدد هذه المشاعر، وتوج كل هذه الحسنات بأن صمد وثبت عليها حتى دفع حياته ثمناً لها في سبيل الله إن شاء الله تعالى، لكن لا يعني هذا العصمة من الخطأ؛ فإن هذا ليس لـ أبي بكر ولا لـ عمر ولا للخلفاء الراشدين، ولا لأئمة الإسلام في كل العصور، فمن مقتضى النفس ومن مقتضى أدب العصمة أن يؤخذ من قوله ويترك، كما فعل مع أئمة الإسلام في كل العصور، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فإذا هذه فضائله مبثوثة في كل مكان، ومحبته يدين الناس بها لله، ويتقربون إلى الله بحبه والدعاء له جزاء ما صمد أمام الطغيان، وجزاء ما قدم للدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية، لكن لا يعني هذا أن هذه المحبة تجعلنا نغفل عن بعض المزالق التي وقع فيها بصفته البشرية، وقد نبهنا عليها عدة مرات، وقد قال الشاعر: كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه فمن النبل أن تعد معايب الإنسان، ويقول الآخر: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع فلابد من أن نفصل بين الحق والرجل، فالرجل يمكن أن يكون معه الحق، ويمكن أن يكون الحق ليس معه، أما الحق فهو حق دائماً لا تتخلى عنه هذه الصفة في وقت من الأوقات، فعلى هذا الأساس شرعنا في تلخيص ندوة (الجهاد في الفكر الإسلامي المعاصر) التي عقدت بالإمارات، وكان موضوعها قضية المنهج عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وقدم البحث الأساس فيها الدكتور جعفر شيخ إدريس حفظه الله، ودارت المناقشة من كثير من أعلام الدعوة في هذا الزمان، ويكاد الجميع يتفقون على وجود مؤاخذات في موضوع المنهج عند الأستاذ سيد قطب ﵀، وإن اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا، فبعضهم يقول: إنها نصوص أسيء فهمها. وبعضهم يقول: إن هذه النصوص كانت بسبب الطابع الأدبي الذي غلب عليه فجعله يسترسل في هذه القضايا، وبعضهم قال: السبب هو الجانب النفسي والظروف النفسية التي ألف فيها الكتاب. إلى غير ذلك، لكن هذه الخيوط كلها تؤدي إلى شيء واحد، وهو أن هناك مؤاخذات، وعند ميزان هذه الأفكار تتضح هذه المؤاخذات.

стр. 303

مناقشة القرضاوي لسيد في قضيتي التكفير والجاهلية ذكرنا من قبل كلام بعض هؤلاء الأعلام، ونذكر أيضاً كلاماً للدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، يناقش فيه بعض الأفكار الأساسية في قضية المنهج عند السيد قطب رحمه الله تعالى، وكان من ذلك مناقشته لقضية التكفير والجاهلية. يقول الدكتور القرضاوي: إن المجتمع الذي نعيش فيه الآن ليس شبيهاً بمجتمع مكة الذي واجهه النبي ﷺ حين نشأت الدعوة الإسلامية الأولى، فذلك كان مجتمعاً جاهلياً صرفاً، أعني: مجتمعاً وثنياً كافراً لا يؤمن بـ (لا إله إلا الله) ولا بأن محمداً رسول الله ﷺ ، ويقول عن القرآن: سحر وافتراء وأساطير الأولين. أما مجتمعنا القائم في بلاد المسلمين فهو مجتمع خليط من الإسلام والجاهلية، فيه عناصر إسلامية أصيلة وعناصر جاهلية دخيلة، فيه أناس مرتدون صراحة، وفيه منافقون يتظاهرون أمام الشعب بالإسلام وباطنهم خراب من الإيمان، فلهم حكم المنافقين فيه عدا هؤلاء، وأولئك جماهير غفيرة تكاد تكون أكثرية الأمة الساحقة ملتزمة بالإسلام، وجل أفرادها متدينون تديناً فردياً يؤدون الشعائر المفروضة، وقد يقصرون في بعضها، وقد يرتكب بعضهم المعاصي، ولكنهم في الجملة يخافون الله تعالى، ويحبون التوبة، ويتأثرون بالموعظة، ويحترمون القرآن، ويحبون الرسول ﵌، إلى غير ذلك مما يدل على صحة أصول العقيدة لديهم، ولهذا يكون من الإسراف والمجازفة الحكم على هؤلاء جميعاً بأنهم جاهليون كأهل مكة الذين واجههم الرسول ﷺ في فجر دعوة الإسلام، وإن واجبنا ألا نعرض عليهم إلا العقيدة، والعقيدة وحدها، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وألا نستجيب لاستفتاءاتهم في شأن من شئون المجتمع الإسلامي، فالواقع كما قلنا: إن هؤلاء غير مجتمع مكة المشرك، فكثير منهم يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، وكثير ممن قصر في هذه الفرائض لا ينكرها، ولا يستخف بها، وهي أركان الإسلام ومبانيه، فهل كان مجتمع مكة يلتزم شيئاً من هذه الأركان؟ ثم هم يتزوجون ويطلقون، ويرثون ويورثون، ويوصون على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يزال في بعض البلاد من يقيمون الحدود الشرعية من الجلد والقطع والقصاص ونحوها، ولا تزال القاعدة العريضة في البلاد الأخرى تطالب الحكومات بإقامتها وتطبيق شرع الله تعالى، فهل -يا ترى- إذا استفتى هؤلاء في شأن من شئون الإسلام التي يمارسونها بالفعل ألا نفتيهم ونبين لهم؟! إنهم يسألون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشئون العبادات، وما يسمى بالأحوال الشخصية، ومن واجبنا أن نبين لهم ولا نكتم عنهم علماً نافعا فيلجمنا الله بلجام من نار يوم القيامة، وهم يسألون -أيضاً- عما يعرض لهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية، فهم مسوقون إلى أن يتعاملوا مع البنوك، وأن يؤمنوا على المتاجر والمعامل والممتلكات، ويسألون عن حكم الشرع في ذلك كله، هل نصم أذاننا عن هؤلاء المسلمين حتى لو سألونا عن الصلاة والزكاة والصيام، أم نجيبهم عن أحكام العبادات وما يتعلق بها ولا نجيبهم عن أحكام المعاملات؟! هذه بعض عبارات الدكتور يوسف القرضاوي في الرد على بعض أفكار الأستاذ سيد قطب ﵀ في هذه القضية.

стр. 304

رؤية إبراهيم الكيلاني لمنهج سيد قطب تكلم الدكتور إبراهيم الكيلاني -أيضاً- في هذه الندوة، وقال: إني أحب أن أبين نقطتين في منهج سيد قطب ﵀: الأولى: أنه في طريقته لشرح نظام الإسلام وعرضه له كان متأثراً تأثراً كبيراً بالأستاذ أبي الأعلى المودودي ﵀، وهذه ناحية ذكرها سيد، وتظهر لنا في كتاباته، وهي محاولته عرض الإسلام عرضاً كاملاً، لا عرضه من خلال ردود الفعل من القضايا الجزئية فقط. النقطة الثانية: أنه لم يكن واقفاً في كتاباته وفي ظلال القرآن الذي أنهى وختم به حياته الجليلة لم يكن واقفاً عند قضايا العقيدة فقط، وإنما شرح نظام الإسلام، وشرح آيات الأحكام، كما شرح آيات العقيدة وآيات الأخلاق، وكتابه (في ظلال القرآن) وتفسيره الكامل للقرآن الكريم شاهد على ذلك، فـ السيد قطب في تفسيره للقرآن الكريم شرح النظام الإسلامي كاملاً، وكان في القضايا الفقهية منضبطاً، وحدثني الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى أن سيد قطب كان يرسل إليه ملازم في ظلال القرآن ليزداد اطمئناناً على الأحكام الفقهية التي يطرحها في الظلال، وهذا من ورعه وشدة تمسكه بمنهج العلماء، وبالحكم الفقهي في عرض هذه الأمور، وإنما الذي أريد أن أبينه للإخوة الكرام أننا يجب أن نفهم كلام سيد قطب من خلال منهجه، لا أن نفهمه من خلال كلمات مبعثرة هنا وهناك، فـ سيد قطب رجل دعوة يسعى لإقامة حكم الله في الأرض، وكان يرى كفراً بواحاً منتشراً في المجتمعات الإسلامية، كما قال الرسول ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً). فاستحلال الربا والخمر والزنا والقمار، وتعطيل شريعة الله ماذا يسميهما الفقيه المسلم الذي يقرأ حديث رسول الله ﷺ ؟ أليسا كفراً بواحاً؟! نعم، وباتفاق فقهاء الإسلام أنها كفر بواح، فعندما يقول: إن المجتمع الذي يستحل حرمات الله مجتمع جاهلي كافر إنما يعني أنه استباح حرمات الله ﵎، ولم يقل: إن الذين في هذا المجتمع كفار. وأنا أتمنى من الذين يخالفون هذا الكلام ممن ينتسبون إلى فكر الأستاذ سيد قطب أن يكونوا بخلاف ما يذكر الدكتور إبراهيم الكيلاني هنا. حيث يقول: فعندما يقول إن المجتمع الذي يستحل حرمات الله مجتمع جاهلي كافر إنما يعني أنه استباح حرمات الله ﵎، ولم يقل: إن الذين في هذا المجتمع كفار. فهل الذين ينتسبون الآن إلى الأستاذ سيد قطب يحكمون بالإسلام على الناس في هذا المجتمع على العموم، خاصة من أظهر منهم الإسلام؟! وهل يصلون خلف الناس في المساجد؟! وهل من أظهر شيئاً من شعائر الإسلام ولم يحصل منه استيفاء وتحر وتبين للضوابط التي وضعوها يحكمون عليه قبل ذلك بالإسلام أم لا؟ يقول الدكتور الكيلاني: وقد سألت عن هذه القضية الأستاذ محمد قطب ﵀ فقال: إن سيد قطب لم يقل: المسلم الفلاني كافر. إلا أن يستحل هذا حرمات الله، وكذلك المجتمع كله بصفة عامة عندما تستباح فيه الحرمات ويخرج عن دين الله. فإذا كان سيد قد اجتهد ووصفه بهذا الوصف فله دليله من القرآن الكريم. ثم يقول أيضاً: إن سيد قطب في ظلاله لم يخالف مصدراً قطعياً، ولم يخرج عن العقائد الأصلية للمسلمين. وقد يكون هناك مأخذ على هذا الكلام، بمعنى: كيف لو كان االمصدر ظنياً كحديث آحاد؟ يقول: إن سيداً في ظلاله لم يخالف مصدراً قطعياً، ولم يخرج عن العقائد الأصلية للمسلمين، ولم يخرج عن أصول التفسير المعتمدة عن رجال التفسير، وحينئذ فهو قد التزم بالعقائد الإسلامية، والتزم بقواعد الفقه الإسلامي، وأصول شرح القرآن الكريم، ولم يقدم فقيه من الفقهاء شرحاً لمواد الفقه والنظرية الإسلامية ولأحكام الإسلام كما شرحها سيد قطب ﵀، فهو لم يقلل من شأن الفقه، وقد شرح فقه القرآن الكريم، وربما أتصور أن سيد قطب نتيجة لتأثره الكبير بالأستاذ المودودي كان يرى هذا العالم الذي حدثنا عنه الأستاذ المودودي ﵀ في أحد كتبه وفي إحدى محاضراته أنه كان قد قضى فترة طويلة من عمره وهو يحقق مسألة قياس المسافة بين المنبر النبوي وبين قبر الرسول ﷺ . فيقول الأستاذ المودودي: كان أولى بهذا العالم بدل أن يبذل جهده في هذه المسألة مع أنها قضية علمية قد تفيد في نواح أن يبذله في قضايا أكبر وأهم، فهو يريد من الفقهاء أن يكونوا علماء عصرهم في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حكم الله؛ لأنه لا معنى لأن أتحدث عن أحكام الإسلام، وأن أضع قانوناً مدنياً وقانوناً جنائياً وأغوص في هذه الأمور، ثم أجد أن النظام نفسه يمشي في طريق إبادة القيم الإسلامية، والحياة الإسلامية، والقضاء على الإسلام كله، فهذه الناحية هي التي انتبه إليها سيد قطب، وكأنه يدعو العلماء إلى أن يكونوا رجال حركة ورجال فكر، وأن لا يضيعوا جهودهم في بحث المسائل النظرية والمجتمع يتخاطفه الملحدون أو الغربيون والمبشرون. هذا تعليق الدكتور إبراهيم الكيلاني.

стр. 305

رؤية البوطي لمنهج سيد قطب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي -أيضاً- علق على قضية المنهج التي سردها الدكتور جعفر شيخ إدريس فقال: لقد كنت أوثر أن لا أتكلم، ولكن عرض ما دعاني إلى الكلام، وسأبدأ بالنقطة الثانية التي نبهني إليها كلمة أخي الدكتور إبراهيم الكيلاني، وإني لا أرى أن نحاول تبرئة الأستاذ سيد قطب من الخطأ، وأن نحاول أن نجعل مكانته التي تبوأها دون تكلف منا محاطة بهالة من العصمة. فموضوع التفريق بين المجتمع والفرد فكرت فيه كثيراً، ومنذ أمد طويل، واتهمت نفسي بعدم الفهم؛ إذ كيف يمكن أن نقول: إن هذا المجتمع مسلم لكن أفراده غير مسلمين؟! أو أن نقول: إن هذا المجتمع مجتمع كافر، ولكن أفراده مسلمون؟ فالمجتمع في الحقيقة هو الفرد المتكرر، وإذا أسقطنا الأفراد من المجتمع فالمجتمع وعاء فارغ، وعلى ذلك فهذه الكلمة لا ينبغي أن تقال، وهذا الشعار لا ينبغي أن يرفع على جلالة قدر الرجل، فالمجتمع مسلم؛ لأن في أفراده الكثير من المسلمين. وهذه العبارة يمكن أن يكون عليها مأخذ؛ لأنه يمكن أن يطلق وصف الكفر على المجتمع باعتبار نفس الأحكام السائدة، كالحكم -مثلاً- بالقوانين الوضعية، فهذه مسألة والكلام على آحاد الناس مسألة أخرى. ويمكن للإنسان أن يتلذذ بفعل من أفعال الكفر، لكن لا يكون بذلك كافراً؛ لأن حكم الكفر لابد فيه من وجود شروط وانتفاء موانع أشرنا إلى بعضها من قبل، فقد يكون هناك مأخذ على هذا التعبير من الدكتور البوطي. ثم يقول: وأكبر دليل على الخطأ الذي ينطوي عليه الشعار الواقع الذي أخرجه هذا الشعار نفسه، فانظر إلى الشباب الذين تأثروا بهذا الكلام في أي واد ساروا وفي أي متاهة ضاعوا؟! كم من شباب رأيناهم آثروا ليس العزلة كما قال المتحدثون، بل آثروا الانقطاع عن الجُمعات لا الجماعات، وعندما ناقشت كثيراً منهم قالوا: نحن في عصر جاهلي، وهذا المسجد وإمامه وخطيبه والذين فيه لا يمثلون المجتمع الإسلامي. إذاً: هؤلاء الشباب لم يفهموا المجتمع بالشكل الذي فهمه أخي وصديقي الدكتور إبراهيم الكيلاني. يشير إلى قوله: إن الشباب هم الذين أساءوا فهم الكلام، أما هو فلم يقل هذا الكلام ﵀. يقول: وحسن الظن في الناس خير من التورط في إساءة الظن بهم، وهذا شرط أساسي في مد الجسور المتواصلة بيننا وبين الآخرين في نطاق الدعوة إلى الله . يقول: وهذا يذكرني بالكلمة التي قالها أخي عندما قال: إن هذا العمل كفر ولكن لم يسم العامل كافراً. كيف هذا يا أخي؟! هل يوجد عمل من دون عامل؟! العمل عرض، ولا يستقيم العرض إلا بجوهر كما قالوا، ولذلك فنحن لا نكفر العمل حتى نكفر العامل، ويكفينا أن نقول: إن هذا خطأ يستلزم التوجيه والإرشاد. ونحن -أيضاً- نقول: إن هذا خطأ يستلزم شيئاً من التصحيح؛ لأنه يمكن أن نطلق على الفعل بأنه كفر، لكننا نفرق بين كفر النوع وكفر العين، فنوع الفعل كفر، لكن الذي قال بالفعل لا يشترط فيه أن يكون كافراً، وأشهر مثال على ذلك: العذر بالتأويل أو بالإكراه أو بالجهل، كما سنبين -إن شاء الله- فيما بعد.

стр. 306

رؤية محمد سليم للعزلة في منهج سيد قطب كان من المعلقين في الندوة الدكتور محمد سليم العوا، وقد أطال النقاش في قضية إمكانية تكوين جيل كجيل الصحابة ﵃، ولن نطيل بذكر هذه القضية. وكذلك ناقش عبارة (ما إن نفضنا أيدينا من دفن الرسول ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا)، وحديث حنظلة: (ساعة وساعة). يقول: هذه العبودية كما أشار إليها الأستاذ سيد قطب ﵀ قاعدة من قواعد المجتمع الإسلامي، وهي مفقودة في المجتمعات الإسلامية الحالية، ولهذا وجب أن عصمة المؤمن تنشئ لذاتها عزلة شعورية وحقيقية عن المجتمعات التي تعيش فيها، عزلة شعورية تنشأ عنها عزلة كاملة في علاقته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائياً عن بيئته الجاهلية حتى لو كان يأخذ ويعطي مع بعض المشركين، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر. يقول: ومسألة العزلة هذه قد نشأت عنها تطورات فكرية كثيرة بالغة الخطورة أدت إلى ما نعرفه اليوم في ظاهرة الصحوة الإسلامية بالتطرف، وإلى ما عرفه الناس بجماعة التكفير والهجرة، مع أنهم يطلقون على أنفسهم: (جماعة المسلمين) وكذلك جماعات أخرى كثيرة يحفل بها باطن الأرض الإسلامية تظهر حيناً وتختفي أحياناً. يقول: ولقد كنت أتمنى من الأستاذ الدكتور جعفر أن يقف عند هذه المسألة، ويبين فيها قولاً يشفي بعض الصدور، ويريح بعض القلوب. فهو يلوم الدكتور جعفر لأنه لم يفصل في قضية العزلة الشعورية وأثرها على واقع الدعوة الإسلامية. ثم يذكر الدكتور جعفر بأن ما فهمه من أن عدم قيام المجتمع الإسلامي في نظر الأستاذ سيد قطب لا يعني ما يعنيه ظاهر كلامه من انقطاع الأمة المسلمة، فيقول: إن قول سيد قطب بافتقاد المجتمع الإسلامي وانقطاع الأمة اصطلاح خاص بـ سيد قطب، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولا نعتبره مسئولاً عما قام به بعض الشباب من اعتقاد بأن عدم اتصاف المسلمين المعاصرين بشروط المجتمع المسلم يعني عدم اتصافهم بالإسلام ذاته. يقول الدكتور محمد سليم: هذا فهم لبعض الشباب لا يقره الدكتور جعفر باعتبار أنه لا يستلزم كلام سيد قطب، ولا يلزم منه، ولا ينبني عليه. ولكن قراءته للمعالم تفيد غير الذي أفاده هذا البحث، فالأستاذ سيد قطب في المعالم ﵀ يقول: ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم بذلك شهادات الميلاد. فهو بهذا الكلام يأخذ على الدكتور جعفر أنه قال: إن هذه مسألة اصطلاحات، وسيد قطب لم يقصد هذا الكلام على حقيقته، وإنما أتى من بعده من أساء فهم كلامه، يعني: فهم الذين أحدثوا هذه النتوأت الفكرية لسوء فهمهم، وهو هنا يقول: لا، ليست هذه مجرد اصطلاحات. لكن هذا الكلام واضح ومباشر في عبارة يذكرها هنا عن الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وهي قوله: ينبغي أن يكون مفهوم أصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين الخ، والحقيقة أن هذه الكلمة يقشعر لها البدن، أعني إعادة إنشاء هذا الدين، بل نقول: لتحديد شباب الدين، ولتجديد الدين، وليست إعادة إنشاء هذا الدين. يقول: فيجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم بذلك شهادات الميلاد، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولاً إقرار عقيدة لا إله إلا الله بمضمونها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله بالأمر كله. يقول هذا في المعالم. ويقول فيه كذلك: ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، فإذا دخل في هذا الدين -في مفهومه الأصيل- عصبة من الناس، فهذه العصبة يطلق عليها اسم المجتمع المسلم، وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها آياته الواقعية في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي. وهذا المنهج يعتبره سيد قطب ﵀ هو المنهج الوحيد في العودة إلى حياة إسلامية، بل يسميه في غير موضع من كتابه المنهج الرباني في مقابلة المناهج البشرية، أو الطاغوتية التي يرفضها ولا يقبلها، وهذا -أيضاً- من مواضع المآخذ التي ذكرها الباحث على هذه القضية.

стр. 307

تطور فكر الاستعلاء في منهج سيد قطب يقول الدكتور محمد سليم: ومن هنا جاءت مسألة الاستعلاء التي عرج عليها الدكتور جعفر بسرعة شديدة لا تتفق أهميتها ولا تتفق آثارها في عقليات الشباب المعاصرين الذين نراهم كل يوم في المساجد والمدارس والجامعات، والذين نصفهم بأنهم يتخذون من الاستعلاء شعوراً داخلياً بالقوة الذاتية، والقدرة على تغيير المجتمع الكافر إلى مجتمع صالح، ولا يتخذون -يعني هؤلاء الشباب- من الاستعلاء شعوراً بأن أسلحة الإيمان أمضى وأقوى وأتقى من أسلحة الكفر، وإنما يتخذون من الاستعلاء طريقاً إلى نوع من الكبر حتى على آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ومشايخهم. والحقيقة هي أن هذا نلمسه في كثير من الناس الذين نزعوا إلى اتجاهات التكفير، حيث ينتبهون جيداً لقضية الاستعلاء، لكنهم ينحرفون بعيداً إلى أن يصل الاستعلاء إلى حد الكبر والغرور والتعالي على خلق الله، ولا يراعون لأحد حقاً في ذلك، بل قد نسمع أن بعضهم وصل إلى قتل أبيه -مثلاً- أو ضربه، كما تنبأ بذلك بعض السلف فقال: يقل العلم، ويفشو الجهل، حتى ليرفع الرجل سيفه على أمه من الجهل. فقضية الاستعلاء تجاوزت عند كثير من هؤلاء، والاستعلاء بمعانيه الصحيحة هو الاستعلاء على مناهج الكفر من باب أن الإسلام يعلو ولا يعلى، لكن الاستعلاء هنا أدى إلى نوع من التكبر والاغترار في التعامل مع الآخرين. يقول: وإنما يتخذون من الاستعلاء طريقاً إلى نوع من الكبر حتى على آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ومشايخهم؛ لأن هؤلاء الآباء والأمهات والمعلمين والمشايخ لا يتفقون معهم في بعض نظراتهم أو كلها، ولا يتفقون معهم في المنهج الذي يتخذونه لإعادة الإسلام إلى الأرض، وهذه السنة في التفكير وهذه الطريقة في التصور تحتاج من الدعاة والعلماء والمفكرين والمربيين إلى مزيد تبصر، وإلى تعمق في معالجتها. فهذا منه تعريج على قضية الاستعلاء، وكيف انحرفوا بها في الواقع العملي. والشيء المؤسف هو أننا نلاحظ في قضية الاستعلاء هذه القسوة والغلظة، فقد رأينا من بعض اتجاهات التكفير عند التعامل مع غير المسلمين البشاشة والمسامحة والرقة واللطف، وكان بعضهم معنا في الكلية يتعامل مع الفتيات المتبرجات، ويبتسم لزملائه في الكلية ممن لا دين لهم أصلاً، ثم تكون الشدة والغلظة والصلابة مع إخوانه الذين يعملون في نفس الحقل معه في الدعوة لكن يخالفونه في فكره، فأخوه الذي يعمل معه هو أطوع لله من المتبرجة أو من الشاب المنحرف، فإن كنت تحب لله وتبغض لله، وتريد أن تنصف فكيف تعامل من يوحد الله، ومن هو على علم أكثر بالتوحيد، ومن يدعو إلى الله، ويعمر المساجد بصلاة الجماعة وغير ذلك من الأعمال الصالحة كيف تعامله بهذه الغلظة وهذه الصلابة ليكون هذا خطه منك؟! فهذا فيه شبه من الخوارج، بل هو وقع منه ما وقع من الخوارج، وقد رأينا في بعض الأوقات أن الأمر وصل في جماعة من الجماعات المنحرفة التي تسمى بجماعة المسلمين أتباع شكري مصطفى رأينا قسوة وغلظة وصلابة لم نجد لها نظير إلا عند الخوارج أسلافهم الأقدمين، ووجدنا أن محاولات التصفية الجسدية كثيرة جداً، وقد حصلت محاولات القتل بالنسبة لكثير من الذين كانوا معهم خاصة وخرجوا عن فكرهم واهتدوا إلى منهج أهل السنة والجماعة، محاولات القتل والتصفية الجسدية والإرهاب الشديد لهؤلاء لمجرد أنهم خرجوا عن جماعتهم؛ لأن عندهم أن الخروج عن جماعتهم يعني الكفر والردة عن الإسلام. والحقيقة أن الذين وجدوا في أنفسهم بعض الشيء من هذه السلسلة من الدراسات لابد من أن يراجعوا أنفسهم؛ فقضية الإسلام والحفاظ على الحقيقة في صورتها الناصعة أعلى وأغلى وأهم بكثير من بعض العواطف؛ إذ القضية قضية أمانة، ثم قضية الانحراف والتكفير لا تنحصر فقط في داخل القفص الصدري وداخل القلب، لكنها تنعكس في السلوك مع الآخرين، انعكست في استحلال الحرمات، فكثير من الناس بسبب الحكم بأنهم كفار سرقوا منهم بناتهم، وخطفوا زوجاتهم وزوجوهن بآخرين، فهل هذا يرضي الله؟ وهذا يمكن أن يتكرر بين فترة وأخرى، فقضية التكفير ليست قضية نظرية، وليست ضرباً من الترف الفكري، لكن إذا لم تضبط فإنه يترتب عليها مصائب ومحن ذقنا جميعاً ويلاتها، ولعل أبرز مثال على ذلك قتل الشيخ الذهبي ﵀، فمهما حصل منم الخلاف معه، أو من المآخذ عليه فهل يصير بذلك مرتداً وكافراً بحيث يستحل دمه بتلك الطريقة التي حصلت إن كانوا هم فعلاً قد قتلوه؟! فالحقيقة أن هذا الأمر لا يقف عند حد الخلاف النظري أو الطبق الفكري، لكنه ينعكس على الواقع في التعامل مع الناس، حيث نجدهم في ينكرون على من يذهب لصلاة الجماعة، وقد رأيت أحد الإخوة في المسجد يشكو شكوى مريرة من بعض من يعمل معهم أنهم يمنعونه من صلاة الجماعة، وكأنه أتى بمنكر من الفعل لأنه يصلي في المساجد! فأين عقول هؤلاء؟! أتقوم دعوتكم على تخريب بيوت الله؟! فماذا يبقى من الإسلام إذا هجرنا المساجد وخربناها؟! فالحقيقة أن الأمر ليس بالهين؛ لأن له ما بعده من استحلال الأعراض والدماء والأموال، وتخريب بيوت الله ، وفوق ذلك كله إكفار المسلمين والحكم عليهم بالخروج من هذه الملة.

стр. 308

أثر السجن على كتابي الظلال والمعالم يقول الدكتور محمد سليم: ولقد كنت أتمنى أن يعرج الباحث -أي: الدكتور جعفر - على أمرين، وذلك عندما تحدث عن أهمية كتاب المعالم: الأمر الأول: أن الأستاذ سيد ﵀ في نهاية مقدمته للكتاب قرر أن هذا الكتاب لا يتضمن كل معالم الطريق، وإنما يتضمن بعضها، وهو يسأل الله أن يعينه على إخراج عدد آخر من المعالم، وعلى ذلك يكون ما ذكر في كتاب المعالم إنما هو ما استطاع سيد قطب ﵀ في حياته المقدرة التي ابتترت باستشهاده أن يقدمه للناس. ولنا مأخذ على كلمة (ابتترت)، فنحن أهل السنة والجماعة نعتقد أن المقتول ميت بأجله، فهو أجله المكتوب أنه ينتهي إليه، كما يقال: (تنوعت الأسباب والموت واحد)، فما يليق أن تستعمل عبارة: (ابتترت)؛ إذ إنها تعني أنه مات قبل أوانه، كما يقال: المولود المبتتر الذي هو غير ناضج. أي: الذي يولد قبل أن يتم تسعة أشهر في بطن أمه، فهذا التعبير غير مقبول، فلكل أجل كتاب، فهذا الأجل سبق أن كتبه الله وقضى به، فلا نقبل كلمة (ابتترت بالشهادة) فلقد عهدناه ﵀ رجاعاً إلى الحق قبالاً للنقد، يشهد بذلك النظر في طبعتي الظلال الأولى والثانية، وهذه ظاهرة حقيقية، وهي أن الأستاذ سيد ﵀ كان إذا نبه على شيء من الخطأ يرجع فوراً عنه ويعدله فيما بعد أو ما أمكنه ذلك، وهنا مثال من الأمثلة المشهورة، وأنا أنبه عليه حتى إذا سمعنا من يأخذ عليه في هذه المسألة أجبناه بالجواب الذي نذكره، ففي الطبعة الأولى في تفسير سورة الحديد حكى بعض العبارات فهم بعض الناس من عمومها القول بوحدة الوجود، فلما نبه ﵀ على ذلك رجع في الطبعة الثانية مباشرة عن ذلك، وعاد إلى الحق في هذه المسألة، وأتى بالعبارات الصريحة التي تذهب هذا الإيهام رحمه الله تعالى. الأمر الثاني: مسألة الظروف التي كتبت فيها المعالم، بل الظروف التي كتبت فيها الطبعة الثانية من الظلال التي استخرجت منها أربعة فصول بالغة الأهمية من فصول المعالم. لقد كتبت الطبعة الثانية من الظلال وكتب المعالم كله بعد محنة ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي كان ينتمي إليها سيد قطب ﵀، هذه المحنة وظروف السجن الذي قضى فيه عشر سنوات ما أثرها في فكره؟ ما أثرها في تعبيره؟ وما أثرها في اختياره للمنهج؟ وما أثرها في حكمه على المجتمع داخل السجن وخارجه؟ ثم ما أثرها في التأثير في هذه الطليعة المؤمنة -كما سماها- وهذه الجماعة من الناس؟ ذلك التأثير الذي أشعرهم بأنهم وحدهم الأمة المسلمة، وإن لم يكن هو قد سماهم نصاً الأمة المسلمة وحدهم دون سواهم، لكنه سماهم في غير موضع الجماعة المؤمنة، والأمة المؤمنة إلى آخره. هاتان المسألتان كنت أود أن يشير إليهما الدكتور جعفر، وليته يفعل حين يعيد النظر في ورقته تمهيداً لنشرها، والحمد لله رب العالمين.

стр. 309

معادلة التنظير في منهج سيد قطب وقد علق الدكتور عبد الحميد أبو سليمان -أيضاً- على بحث قضية المنهج للدكتور جعفر شيخ إدريس، وتكلم عن قضايا التنظير ومعادلة التنظير في الفكر الإسلامي بأن القول بالمرحلة المكية وأنها كانت عرضاً للعقيدة فحسب قول غير صحيح، ثم ذكر أدلة تثبت أن القرآن المكي اشتمل على قضايا أخرى غير العقيدة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣] وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم:١٤] وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:١ - ٢]، إلى آخره. ثم قال: الذي أريد أن أقوله هو أن سيداً ﵀ كان منهجه يتلخص في الجمع بين الثقافتين، واتساع هذه الثقافة، والتدرج في التنظير، وعرض معالم الصور الجديدة. فهو يعتذر عن بعض الملاحظات التي أخذت بأنها كانت من باب التفرد في التنظير. يقول: وأي فهم لفكر سيد خارج هذا النطاق هو خطأ وقع فيه تلامذة ابن تيمية الذي كان قمة في التنظير. يعني: كما وقع بعض تلامذة ابن تيمية في ذلك كذلك وقع في شيء من هذا تلامذة سيد قطب ﵀. يقول: فحين يأتي تلامذته ويرددون أفكاره دون استخدام منهجه، وينادون بالعزلة فهذا خطأ، ولقد أردت التنبيه لإحسان فهم سيد من خلال منهجه، وليس من خلال أفكار بعض الذين يتحدثون عنه.

стр. 310

خاتمة البحث في منهج سيد في كتاب المعالم أختتم الكلام بتعليق الدكتور جعفر شيخ إدريس على المناقشات حول بحثه، قال الدكتور جعفر حفظه الله: لقد عجبت لبعض الإخوان الذي طلبوا مني أن أتحدث عن كل فكر سيد قطب؛ لأن طريقتي في البحوث التي تقدم للمؤتمرات أن أتكلم عن جزئية واحدة، فأنا لا أكتب كتاباً، وإنما أكتب بحثاً في حدود عشرين صفحة، ولقد دلتني تجربتي على أنه إذا كان البحث أكبر من ذلك فإنه لا يقرأ، وأنا في البحث أتحدث عن قضية جزئية هي المنهج، والمنهج في كتاب المعالم، وأما: ولماذا كتاب المعالم؟ فلأنه -كما قلت- أكثر الكتب الإسلامية انتشاراً، وأكثرها تأثيراً، لهذا اهتممت به، وكما قال بعض الإخوان: فإنه يمثل مرحلة من مراحل سيد قطب ﵀. ومن خصائص سيد قطب في هذا الكتاب أنه ينتقد نفسه، أي: ينتقد المراحل التي تحدث فيها عن العدالة الاجتماعية، ومعركة الإسلام والرأسمالية، وأنا لا أوافقه على ذلك، بل أعتقد أن هذه الكتابات كانت مهمة لما يسميه هو قضية العقيدة. وهذا مثل قول بعض العلماء: إن شيخ الإسلام في آخر حياته في سجنه الأخير ندم على الوقت الذي أنفقه في المجادلة الكلامية والرد على أهل البدع والمناطقة والفلاسفة وغيرهم، وأنه كان يود لو أنه اشغل هذا الوقت بالقرآن وبتدبر القرآن؛ لما شعر من عظم الفائدة التي فتحت عليه لما خلا بالقرآن، ورد على ذلك بعض الناس وقالوا: لو أن ابن تيمية لم يكتب هذه الأشياء لحرمنا من خير كثير عرفناه من خلال ردوده على هؤلاء. كذلك هنا الأستاذ سيد في مقدمة المعالم انتقد نفسه في المراحل السابقة في كتاب: (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و (معركة الإسلام والرأسمالية)، والكتابات الأولى. فهنا يقول الدكتور جعفر: أنا لا أوافق على ذلك. ويذكر دليله على أنه لا ينبغي انتقاد هذه المؤلفات الأولى، يقول: كنت قبل أن أقرأ كتب سيد قطب منضماً إلى جماعة سلفية في السودان، وكنت أعرف عنها تفاصيل العقيدة، وما أظن أنه كانت لي مشكلة، ولكن حينما واجهت الشيوعيين وقالوا لي: إن الإسلام ليس فيه نظام اقتصادي إلى آخره أصار حكم بأني -وأنا طالب بالثانوية آنذاك- شعرت بالزعزعة، والذي رد إلي اليقين والاطمئنان هو كتابات سيد قطب في تلك المرحلة، فالذي أنتقده عليه أنه ظن أن الدخول في هذه التفاصيل من اقتصاد وغيره لا يكون إلا لشيء عملي للدولة، لكنه مهم من الناحية الفكرية كما دلتنا تجربتنا، فأنا لا أتحدث عن كل ما كتب سيد قطب، وإنما أتحدث عن قضية واحدة في كتاب واحد. ثم قال: إن هذا الكتاب -المعالم- ناقشناه في السودان منذ سنين طويلة؛ لأن السودان في ذلك الوقت كان ينعم بالديمقراطية، ومن دون البلاد العربية الأخرى كما أظن، وكان رد فعل الكتاب واضحاً عند الناس، وكانوا يناقشونه، لذلك قضيت شهرين في جلسات عامة كهذه في الجامعة تناقش كتاب: (معالم في الطريق)، وما أستطيع أن أصف لكم كيف كان رد فعل الطلاب عندما أقول لهم: إن سيد قطب أخطأ هنا وأخطأ هناك. حتى إن أحدهم قال لي بعد أن كبر وتخرج من كلية الشريعة: كنت في البداية لا أقبل شيئاً مما قلت. لكنه بعد التفكير وبعد أن مر بخبرات كثيرة قبل بعض ما قلت، ثم إن هذا أصبح له منهجاً، وأصبح لا يقبل الكلام الذي يقال له في الكلية إلا بدليل، قلت له: لقد قلت لنفسك: ما دام سيد قطب قد أخطأ فمن مالك؟ ومن الشافعي وغيرهما؟ ومع كل هذا فلا ينبغي أن نقلل من تأثير سيد قطب ﵀، سواء تأثيره بشخصه أم بكتبه، خاصة كتاب المعالم. أما مسألة الصحابة فلم أذكرها؛ لأنها مسألة أقرها، ولقد أقرها الدكتور القرضاوي حيث قال: إن بعض الأفراد وصلوا إلى هذه الدرجة. ولكن قد يؤخذ عليه المنهج؛ لأنه علق هؤلاء الشباب بشيء لا يمكن أن يصلوا إليه، وهذا يصيبهم بشيء من الإحباط، وتكلمنا عن هذه النقطة بالتفصيل من قبل. أما مسألة المجتمع الإسلامي فـ سيد قطب يعتقد أن الشيء المثالي هو الذي يذكره القرآن، وأنه هو الصورة الوحيدة، وكل ما نقص عنها فليس بإسلام، وهو بذلك علق الشباب بصورة مثالية لا يستطيعون أن يصلوا إليها، وأعطاهم صورة للمجتمع الإسلامي، أو لنظام الحكم الإسلامي ما زالت مؤثرة في كثير من الناس، وكل شيء ينقص عنها فهو ليس إسلامياً، وبذلك لا توجد حكومات إسلامية، ولا مجتمع إسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين كما يرى كثير من الناس. وأقول: إن هذا ضار من ناحية المنهج؛ لأن سؤالاً ملحاً سيظل يسأله الإنسان لنفسه: من أنت؟ ومن هؤلاء الذين يستطيعون أن يحققوا في القرن الخامس عشر ما لم تستطع أن تحققه كل أجيال المسلمين طول هذه المدة مع كل ما نعرف فيها من قمم شامخة في العلم وفي السلوك؟! وأظن أن الذي نهتم به ينبغي أن لا يكون تبرئة سيد قطب ﵀ مما قال، مع أني لا أدري ماذا كان يعني بالضبط؟ ولكن كلماته إذا أخذناها على ظاهرها تدل على ما قلت، وأهم من ذلك: أن الناس فهموا من هذه الكلمات هذه المعاني التي ننتقدها وفهموها على غير تواطؤ منهم، فقامت عندنا جماعات في السودان في الستينات تقول مثلما قالت جماعات في مصر وفي اليمن من غير اتصال بينهم ولا تعارف، وكان الجامع بينهم هو هذا الكتاب. أما مسألة معابد الجاهلية فأذكر أن بعض هؤلاء الذين كانوا يأتونني كانت أهم قضية يتحدثون معي فيها هي اعتزال معابد الجاهلية -أي: المساجد-، فقلت لهم: والله إنكم شياطين، فأرجى عمل عندي هو أن أذهب إلى المسجد، وأنتم لا تقولون لي: اترك الجامعة، أو اترك السوق، وإنما تقولون: اترك المسجد باعتباره من معابد الجاهلية. فتلك ظاهرة فهمها الناس من فكر سيد قطب، وتهمنا في تصحيح مسار الحركة الإسلامية. وأقرر أن سيد قطب لم ينكر الفقه ولم ينكر السنة، ولكنه كان يقول: في هذه المرحلة الأولية ينبغي أن لا نهتم بالفقه. نعم إنه تأثر بـ أبي الأعلى، ولكن تأثره بـ أبي الأعلى كان بالكتابات الأولى لهذا الأخير، فلـ أبي الأعلى كتاب اسمه: (منهاج الانقلاب الإسلامي)، وهو -أيضاً- صورة مثالية لا يمكن أن تتحقق، ولكن لأن أبا الأعلى كان يقود حركة ويعمل ويواجه الناس، الأمر الذي لم يتح للأستاذ سيد قطب ﵀ الذي ظل طوال المدة مع كتبه ومع فكره، من أجل ذلك فقد غير كثيراً من هذه الأفكار المثالية، ومنهاج الانقلاب الإسلامي الذي كنت أحفظ بعض عباراته وكنت متحمساً لها، مثل: إن الناس الموجودين الآن في هذا المجتمع لا يصلح أحدهم لأن يكون جندياً في المجتمع الإسلامي. وهذه صورة مثالية أخذها سيد قطب عنه، كما أخذ عنه مسألة تفسير (لا إله إلا الله). فـ سيد قطب لا يقول فقط: إن المجتمع الذي يستحل ما حرم الله كافر؛ لأن هذه مسألة معروفة، وما كانت تثير جدلاً، ولكنه يقول كلاماً خطيراً، خاصة إذا أخذنا كلماته بظاهرها، وأظن أن مشكلة سيد قطب ﵀: أن دراساته الأولى كانت في النقد الأدبي حيث يباح للإنسان الاسترسال، وأن يقول ما شاء من الكلمات؛ لأنه شيء لا ينبغي أن ينبني عليه عمل، وإنما هو يتذوق نصاً أمامه، فهو أولاً لم يكن فقيهاً، لم يكن فيلسوفاً، لم يكن منطقياً، لم يكن قانونياً، تلك كانت دراساته الأولى، لهذا فإني أحذر من أخذ كلماته على ظاهرها، ولكننا لا نستطيع أن نقول لكل الناس: افعلوا هذا. خاصة في مثل قوله: إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست أرضاً كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي. بهذا نكون مررنا على البحث والتعليقات التي كانت عليه.

стр. 311

اتجاهات التكفير نشأتها وتطورها بقي في قضية المنهج عند سيد قطب ﵀ كلام نضيفه من كتاب المستشار سالم علي البهنساوي، والكتاب يحمل عنوان: (الحكم وقضية تكفير المسلم)، تكلم فيه عن بدء نشوء اتجاهات التكفير في الستينات، وذكر أن بعض هؤلاء الشباب انتهوا في حماسهم إلى القول بمقاطعة المجتمع الذي يعيشون فيه حتى لو صلى أفراده وصاموا وحجوا، وهذه المقاطعة تتمثل في أمور الانعزال، مثل: مقاطعة المساجد؛ لأن الصلاة فيها خلف أئمتها تتضمن الشهادة لهم بالإيمان وهم كافرون. وكذلك الهجرة إلى الصحراء أو الكهوف والجبال؛ لأن ذلك هو السبيل الذي سلكه النبي ﷺ لإقامة دولة الإسلام. وكذلك التوقف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المجتمعات كافرة، وليس بعد الكفر ذنب، بل عدم المساهمة في أي إنتاج؛ لأن ذلك يؤدي إلى تماسك المجتمع الجاهلي. ثم ذكر -أيضاً- بعض العبارات التي اعتمد عليها هؤلاء الشباب من كلام سيد قطب ﵀ في الظلال والمودوي أيضاً في كتابه: (المصطلحات الأربعة). إن موطن الداء في هذه القضية هو الشبهات التي أثارها كل من الشهيد سيد قطب وأستاذنا المودودي رحمهما الله، أو غيرهما ممن يصفون المجتمعات بالجاهلية، فقد علمنا أن هذا الوصف قد يراد به جاهلية الكفر والاعتقاد، كما في قول الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. وقد يطلق على المجتمعات المؤمنة، وهنا يراد به جاهلية المعصية والعمل، وذكر مثالاً على هذا قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب:٣٣]، فلو أن امرأة مسلمة مؤمنة موحدة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكنها متبرجة، وتصلي إذا جاء وقت الصلاة وتغطي نفسها وتصلي، فهل تكون كافرة مثل التي لم تشهد الشهادتين؟! هي لم تستحل معصية التبرج، ولكنها قبلت عقيدة الإسلام، وشهدت الشاهدتين، فهل هذه تعتبر كافرة؟! نعم يصدق عليها تبرج الجاهلية الذي جاء في القرآن، لكن هل تصير كافرة بمجرد فعل التبرج وإن لم تستحله؟! فهذا فعل من أفعال الجاهلية، ولذلك ترجم البخاري وبوب لبعض الأحاديث فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية)، واستشهد بحديث أبي ذر، وهو قول النبي ﷺ لـ أبي ذر: (أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية). لكن شكري مصطفى وأشياعه فهموها على أن هذه جاهلية الكفر والخروج من الملة، والمقصود أن هذا خلق من أخلاق الجاهلية، وفرق بين أن تصف شخصاً بأنه جاهلي كافر وثني مشرك وبين أ، تصفه بأن فيه جاهلية. والعجيب أنهم انتهوا إلى كفر الإمام البخاري نفسه، كما صنع شكري مصطفى لما قال بنفسه: نقبل الأحاديث ولكن هو كافر، وأي أحد يقول: هناك كفر دون كفر فهو خارج الدائرة تماماً، وكافر وخارج من الملة. وقد كنت أناقش بعضهم، وهو الآن في أعلى المناصب في جماعة التكفير، وكان زميلاً لي في الثانوية، كنت أناقشه في بداية ارتباطي بهذه الجامعة، فكنت أقول له: قال الإمام النووي كذا وكذا فيسخر من الإمام النووي رحمه الله تعالى، فالاستخفاف بالعلماء، وتكفير العلماء، وتكفير الأمة منذ قرون عديدة، ودعوى أنها ما عرفت إسلاماً، وأنها كانت تنتظر حتى تأتي هذه الطائفة المنقذة ليولد الإسلام من جديد هذا ضلال مبين، هذا مع شدتهم على أهل الإسلام، كما يقول النبي ﵊ في صفة الخوارج: (يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) فتجد الشدة والغلظة والجفاء مع أهل الإسلام، وتجد الرقة مع أهل الأوثان.

стр. 312

قضية المجتمع الجاهلي الكافر إن النظام الذي يحكم إذا لم يتبن قضية الإسلام تبنياً صريحاً وواضحاً، ويرفع راية الإسلام وراية القرآن وراية الشريعة فهو كافر -في الجملة- لا شك في ذلك، هذا النظام كافر لأنه لا يتبنى الإسلام، بل يحاربه ويصد عنه، أما مسألة عموم الناس فهذه هي القضية، وهذا هو موضع الخلاف في هذه القضية. وهنا يحاول أن يأتي بعبارات للأستاذ سيد قطب ﵀ ليثبت أنها فهمت خطأً، وأنه في مواضع أخرى صرح بخلاف ما فهمه هؤلاء الشباب.

стр. 313

قضية المسلم واعتزال المساجد يقول: إن اعتزال المساجد أمر من مقومات الإسلام عند هؤلاء، وحتى يكون إسلامك صحيحاً لابد أن تعتزل المساجد؛ لأن هذه المساجد هي معابد الجاهلية، والذين يصلون فيها قد ارتدوا عن الإسلام، وبالتالي فالصلاة معهم شهادة لهم بالإيمان وهم كفار، إن هذا الفكر يقوم على دعامتين: الأولى: حتمية التسليم بأن مجتمعات المسلمين في عصرنا مجتمعات الجاهلية. والثانية: أن النتيجة هي حتمية اعتزال المجتمعات وفي مقدمتها المساجد؛ لأنها معابد هذه الجاهلية. والقوم يظنون أن هذا هو منهج الجماعة الإسلامية بباكستان، وينقلون عن الأستاذ المودودي ﵀ قوله في (المصطلحات الأربعة): إن معرفة الرجل بمعاني هذه المصطلحات قد شابها الغموض، ولذا فهي معرفة ناقصة، وتلبس عليه كل ما جاء به القرآن من الهدى والإرشاد، وتبقى عقيدته وأعماله كلها ناقصة مع كونه مؤمناً بالقرآن، هذه النظرة ما كان لنا بها عهد إلا قريباً في القرن الثالث عشر الهجري. والوحيد الذي نعلم أنه صرح بشيء من هذا هو الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ في كتابه (تطهير الاعتقاد عن أدران الشرك والإلحاد)، وهو كتيب صغير معروف ومطبوع، ولفظ عبارته بنفس هذا المعنى الذي ذهب إليه المودودي في مقدمة (المصطلحات الأربعة)، يعني أن من شهد الشهادتين دون أن يدرك كل هذه المعاني لم يدخل أصلاً في الإسلام، ويعتبر كافراً أصلياً، وليس كافراً مرتداً.

стр. 314

قضية اعتزال معابد الجاهلية شرع الأستاذ سالم البهنساوي في مناقشة قضية سيد قطب، واعتزال معابد الجاهلية. يقول: غير أن الشهيد سيد قطب ﵀ في تدبره لقول الله تعالى -وهذا تعبير جيد، أعني: عندما يقول: في تدبره ولا يقول: في تفسيره، فهو نوع من التدبر والتفكير قد يصيب وقد يخطئ، يقول في تدبره لقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧] يقول ﵀: وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات، ونرى أن هذه التعبئة لا شيء يمنعها، فإن كان بنوا إسرائيل قد اضطهدوا ولم يستطيعوا ممارسة العبادة علانية في المجتمع فأمرهم الله بالصلاة في البيوت فلا يوجد ما يمنع المسلم اليوم من أن يفعل ذلك بالنسبة لصلاة النوافل؛ إذ من السنة أن تصلى في البيت، أما الفرائض فلا تصلى في البيوت في عصرنا إلا إذا كانت هناك فتنة، أو كانت المساجد في عصرنا مخصصة لنوع من العبادة التي كانت تمارس في معابد الجاهلية، مثل عبادة الأصنام والأوثان، وهذا لا وجود له بالمرة، ومثل هذه المقارنة بين المساجد في عصرنا ومعابد الجاهلية التي كانت قائمة في زمن نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يكون لها كلمة غير صحيحة، أو يكون لها عمل أو اعتبار إذا كان الرسل وأتباعهم قد شاركوا الجاهليين والوثنيين في عصرهم العبادة في هذه المعابد، ولكن المصادر والكتب السماوية حتى ما حرفوه منها تنفي وجود هذه المشاركة، فلم تكن هناك مشاركة في دور العبادة. يعني أن بني إسرائيل لما أمرهم الله أن يتخذوا بيوتهم قبلة بسبب ضغط واضطهاد فرعون لهذه العصبة المؤمنة فهل معنى ذلك أنه كان بنوا إسرائيل في أماكن العبادة هذه يشتركون مع الفراعنة في العبادة، أم كان هناك انفصال؟ يقول: فالأصل العام الموحى به لجميع الرسل هو الوارد في قول الله لخاتم الأنبياء ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. والذي يمكن أن يقال: هو أنه إذا ظهرت فتنة أدت إلى اضطهاد من يغشون المساجد، وتعقبهم في أنفسهم بالاعتقال والحبس، أو في أموالهم بالمصادرة وأعمالهم بالفصل فلا تثريب على الفئة المضطهدة أن تعتزل المساجد وتصلي في البيوت، لا تأسيساً على أن المساجد هي معابد الجاهلية، بل استناداً إلى الرخص المخولة للمسلم عند الضرورة والإكراه. يعني أن من يأتي الأمور على اضطرار ليس كمن يأتيها على اختيار، فهو قلبه معلق بالمساجد، كما وصف النبي ﷺ أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله بقوله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)، فقلبه معلق بالمساجد، يود أن يخرج إليها، لكن حصل ظرف من الاضطهاد والتنكيل بالشباب أو الإسلاميين، كما حصل في بعض الأوقات، فقد كانت تأتي الشرطة وتأخذ من في المسجد إلى المعتقل بدون جريرة سوى أنهم يقولون: ربنا الله. فمثل هذه الحالات إذا أراد إنسان أن يترخص بسببها في الصلاة في البيوت فإنه يعتزل المسجد لأجل هذه الرخصة فقط، والأفضل أن يأخذ بالعزيمة، لكن يباح له ذلك، لا من حيث إن المسجد هو معبد من معابد الجاهلية يستوي مع الكنيسة ويستوي مع معابد البوذيين والهنود والمشركين، كلا، وكيف يقال هذا؟! وكيف نستطيع أن نبتلع مثل هذا التعبير؟! كيف تكون المساجد معابد الجاهلية؟! وكيف تكون دعوة تؤسس على تخريب بيوت الله ثم نلتمس منها الهدى؟!

стр. 315

قضية معابد الضرار أو الجاهلية ثم يقول البهنساوي تحت عنوان: (معابد الضرار أو الجاهلية): إن مقصود سيد قطب من قوله: اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المؤمنة مساجد لم يطلقه الشهيد أو يلقي القول على عواهنه، بل وضح المناسبة، وهي قوله: وقد يجد المسلمون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة، فهنا يرشدهم الله إلى أمور، منها اعتزال معابد الجاهلية. فوصف الأستاذ سيد المساجد بكلمة (معابد الجاهلية). هذا يتطلب أن يكون هناك اضطهاد ومطاردة للمؤمنين، وأن يكون المجتمع قد نتن وفسدت بيئته مع تجبر الطاغوت كما كان الأمر في عهد فرعون. إن هذه مبررات القول باعتزال معابد الجاهلية، فهذا مثل وصف مسجد المنافقين بمسجد الضرار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨]، فقد نهى الله النبي ﷺ أن يصلي فيه لأنه مسجد للضرار، كما أن الله تعالى قد وصف صلاة الجاهلية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال:٣٥]. ونحن قد نجد بعض الحكام قد اتخذ من بيوت الله أداة لأعمال الجاهلية من تصفيق وهتافات له ولجاهليته، وهنا يجب اعتزال هذا المسجد، وأما وصفه بأنه من معابد الجاهلية فإننا لا نقر هذا الوصف، ولكن الاعتزال هنا أمر مباح، ويقدر حسب حالة كل شخص، ولهذا ننقل ما كتبه العلماء عن أسباب نزول الآية محل الخلاف، فهذه العبارات المذكورة قد يكون فيها نظر، فهل وصف من الأوصاف يكفي لوصف المسجد أنه مسجد ضرار ويجب اعتزاله لأنه من معابد الجاهلية، فلو أن مسجداً أسسه رجل لوجه الله من ماله، وقف أرضاً يبنى عليها المسجد، وبذل المال في سبيل الله ليبنى به، ثم جاء المحافظ أو الوزير أو أي واحد من الظالمين ووضع يده على المسجد، وعلق رخامة مكتوباً عليها: افتتح في عهد السيد الرئيس كذا أو المحافظ كذا، وعلقت الرخامة، فهل يكفي هذا لأن ينقلب عمل هذا الرجل فيكون مسجد ضرار أو معبداً من معابد الجاهلية؟ وإذا ذهب عبد الناصر وصلى في مسجد عمرو بن العاص فهل ينقلب المسجد لوجود عبد الناصر ووجود سفهاء يصفقون له في المسجد إلى معبد جاهلية؟! فهذا أيضاً من الغلو، والله أعلم. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية السابعة والثمانين من سورة يونس: يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتخذا لقومهما بمصر بيوتاً، واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، فقال الثوري وغيره عن ابن عباس: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] قال: أمروا أن يتخذوها مساجد. وقال الثوري -أيضاً- عن منصور عن إبراهيم: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)) قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. يقول الحافظ ابن كثير: وكان هذا -والله أعلم- لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، فأمروا بكثرة الصلاة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. وفي الحديث: (كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى)، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: بالثواب والنصر القريب. فمعنى قوله تعالى: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)) أكثروا من الصلاة وذكر الله في البيوت، واستعينوا على هذا البلاء بأن تكثروا الصلاة في البيوت. وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: قالت بنوا إسرائيل لموسى ﵇: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة. فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة. قال مجاهد: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)) لما خاف بنوا إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة أمروا بأن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً. وقال سعيد بن جبير: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)) أي: يقابل بعضها بعضاً. أما القرطبي ﵀ فيقول في تفسيره: الآية فيها خمس مسائل: الأولى: قوله: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا)) أي: اتخذا ((لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا)) يقال: بوأت زيداً مكاناً وبوأت لزيد مكاناً. والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه: بوأه الله منزلاً، أي: ألزمه إياه وأسكنه، ومنه الحديث: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). قال الراجز: نحن بنو عدنان ليس شك تبوأ المجد بنا والملك ومصر في هذه الآية ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا)) هي الإسكندرية في قول مجاهد، وقال الضحاك: إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر. قوله تعالى: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً))، قال أكثر المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، أي: مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة، هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وابن مالك وابن عباس وغيرهم. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)) يقابل بعضها بعضاً. والقول الأول أصح، أي: اجعلوا مساجدكم إلى القبلة قبل بيت المقدس، قيل: بيت المقدس، وهي قبلة اليهود إلى اليوم، وقيل: الكعبة. ويقول القرطبي أيضاً: المراد صلوا في بيوتكم سراً لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون، فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة والدعاء إلى أن ينجز الله وعده. ثم ذكر الكلام في قوله ﵊: (وجعلت الأرض لي مسجداً وطهوراً)، وحديث صلاة النبي ﷺ في بيته بعض الركعات صلاة التنفل، وأيضاً تكلم على مسألة القيام في رمضان هل الأفضل أن يصلي في البيت أم في المسجد، ثم قال: وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم النوافل، فإن قلنا: الفرائض -أيضاً- يصلونها في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجمعة والجماعة، والعذر الذي أبيح له به ذلك كالمرض الحابس، أو خوف جور السلطان في مال أو بدن، دون القضاء عليه بحق، والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه، وقد فعل ذلك ابن عمر، أي أن هذه بعض أعذار التخلف عن صلاة الجماعة. وقوله تعالى: ((وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ))، قيل: الخطاب لمحمد ﵊. وقيل: الخطاب لموسى ﵇.

стр. 316

حتمية تأويل أقوال سيد قطب يقول الأستاذ البهنساوي عن حتمية تأويل أقوال سيد قطب: ترد وتجد في عبارات الشهيد سيد قطب كلمات الجاهلية والأصول العامة في الإسلام، توجب أن تفسر هذه العبارات إذا اتصلت بالمسلمين على أن المقصود بها اعتزال المناهج والتشريعات المستوردة، على أن أساس أن أصلها جاهلي، ولا يترتب على هذا أن يقال: إن المسلمين في عصرنا قد ارتدوا عن الإسلام وأصبحوا كفاراً، ولهذا فعبارة اعتزال معابد الجاهلية ليست إلا وصفاً لا مدلول له من الناحية الفقهية، ذلك أن أقوال النبي ﷺ استوجب تأويلها اتفاقاً مع القواعد العامة كما رأينا، فمن باب أولى كلام العلماء والفقهاء، وليس أدل على أن الشهيد سيد قطب لا يريد النتائج والأحكام الفقهية المترتبة على الألفاظ العامة من الخطاب الذي نشره الأستاذ محمد قطب بمجلة المجتمع في العدد (٢٧١) الصادر في السابع عشر من شوال سنة ألف وثلاثمائة وخمس وتسعين هجرية، الموافقة (٢١/ ١٠/١٩٧٥م) وهو يؤكد ما قلناه. والمجلة أولاً ذكرت مقدمة كتمهيد للمقالة، قالت مجلة المجتمع: دارت حول أفكار الشهيد سيد قطب آراء اكتنف بعضها الغلو سلباً وإيجاباً، ودفع للحوار في طريق أدق أمانة وأكثر إيجابية كتب شقيقه الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ محمد قطب الرسالة التالية، وهو خير من يكتب في هذا الموضوع نظراً لاطلاعه الوافر على أفكار أخيه، ومعرفة مدلول هذه الأفكار بالتالي، ومما هو معروف أن الشقيقين كانا يتدارسان الإسلام معاً، ويقلبان وجوه النظر في قضاياه وموضوعاته معاً أيضاً، ومن هنا قلنا: إن الأستاذ محمد قطب أقدر على تحديد نقاط الأفكار وآراء واجتهادات الشهيد سيد قطب. نص الرسالة: أخي: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإنك تعلم -يا أخي- ما دار من لغط في محيط الإخوان حول كتابات الشهيد سيد قطب، وما قيل من كونها مخالفة لفكر الإخوان أو جديدة عليه، وأحب في هذا المجال أن أثبت مجموعة من الحقائق أحس بأنني مطالب أمام الله بتوضيحها حتى لا يكون في الأمر شبهة. إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معين هو بيان المعنى الحقيقي لـ: (لا إله إلا الله)، شعوراً منه بأن كثيراً من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته، وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما ورد في الكتاب والسنة، شعوراً منه بأن كثيراً من هذه المواصفات قد أهمل أو غفل الناس عنه، ولكنه مع ذلك حرص حرصاً شديداً على أن يبين أن كلامه هذا ليس مقصوداً به إصدار الأحكام على الناس، وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة، ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي، أم بعيدين عن هذا الطريق فينبغي عليهم أن يعودوا إليه. ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول: نحن دعاة ولسنا قضاة، إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس، ولكن مهمتنا أن نعرفهم بحقيقة (لا إله إلا الله)؛ لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي، وهو التحاكم إلى شريعة الله. كما سمعته أكثر من مرة يقول: إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلاً عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم. أما بالنسبة لقضية المفاصلة فقد بين في كلامه أنها المفاصلة الشعورية التي لابد أن تنشأ تلقائياً في حس المسلم الملتزم تجاه من لا يلتزمون بأوامر الإسلام، ولكنها ليست المفاصلة الحسية المادية، فنحن نعيش في هذا المجتمع وندعوه إلى حقيقة الإسلام ولا نعتزله، وإلا فكيف ندعوه؟ تلك خلاصة كتابات سيد قطب، ولي على هذه الخلاصة تعقيبات -والكلام للأستاذ محمد قطب -: الأول: هو تأكدي الكامل -بإذن الله- من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف الكتاب والسنة اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين. وتعقيباً على هذا نقول: كان ينبغي أن تكون العبارة: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، بدل أن نقول: اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين. فقبل الإخوان المسلمين وقبل أنصار السنة، وقبل محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية، وقبل هؤلاء جميعاً كان الميزان هو منهج أهل السنة والجماعة. التعقيب الثاني: هو تأكدي الكامل أيضاً من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف أفكار الإمام الشهيد حسن البنا ﵀ مؤسس هذه الجماعة، ولا ما يخالف أقواله، وهو الذي نص في رسالة التعاليم في البند العشرين على أن المسلم الذي لا يجوز تكفيره هو الذي نطق بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض، وذلك فضلاً عن كون كتابات سيد قطب -كما أسلفت- لم يقصد بها إصدار الأحكام على الناس، وإنما قصده منها كما كان قصد الإمام الشهيد بالضبط، وهو بيان حقيقة الإسلام ومواصفات المسلم كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . تلك حقائق أرى أن من واجبي أن أبينها وأوضحها أداء للشهادة لله؛ فإننا لا ندري متى نلقى الله، ولا ينبغي لنا أن نلقاه وقد كتمنا شهادتنا، والله الموفق إلى سواء السبيل. أخوك: محمد قطب. فبهذا نستطيع أن نقول: إننا أنهينا هذا البحث فيما يتعلق بما قيل حول المنهج عند سيد قطب، وهل هذا المنهج كان له أثر في اتجاهات التكفير أم لا ويكفي في هذا الاضطراب كله أن نقول: إنه لن يخلو من أثر من الآثار، سواء قصد أم لم يقصد، وسواء أساء الناس فهمه أم لم يسيئوا، فعلى أي الأحوال الذي يهمنا هو ما ذكرناه في بداية الكلام، أي: أن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً، فالحق حق في كل الأحوال، والرجل قد يكون محقاً وقد يكون مبطلاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وسبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 317

الإيمان والكفر [٢٤] أهل الفترة هم الذين عاشوا في فترة انقطاع الرسالة بين نبيين، فمنهم من بلغته الدعوة فوحد الله، ومنهم من أشرك، ومنهم من لم تبلغه الدعوة بالكلية، وهؤلاء هم الذين اختلف العلماء في حكمهم، والقول الذي تعضده الأدلة هو القول بامتحانهم في عرصات يوم القيامة.

стр. 318

أحكام أهل الفترة قبل أن ندرس قضية العصر، أو موضة العصر، وهي قضية العذر بالجهل التي تطرح بين وقت وآخر، وتتعرض للخوض الكثير فيها، ونرجو -إن شاء الله- أن نتكلم فيها بمزيد تفصيل، ثم لن نفتحها بعد ذلك، ولا نحتاج إلى ذلك بإذن الله، قبل ذلك علينا أن نعلم أن بعضاً ممن يكتبون أو يتكلمون في قضايا العذر بالجهل يخلطون بين أمرين: بين الكافر الذي لم يدخل أصلاً في الإسلام، وبين المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام، فتجد بعض الناس يستدل بأدلة هي في حق المشركين الذين لم يدخلوا أصلاً في الإسلام، كقوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] إلى آخر الآية في سورة الأعراف، فهذه في حق المشركين. وفي الطرف الآخر يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهذه -أيضاً- تحمل على غير معناها. فالشاهد أن بعض الناس يخلطون بين هذين الطرفين، وفرق بين من استكبر أن يقول لا إله إلا الله، واستكبر عن أن يدخل في دين الإسلام وكفر ولم يؤمن بالله ولا بالرسول ولا بالقرآن، ولا دخل في الإسلام، وبين من دخل في الإسلام، ثم خالف أو وقع في شيء يناقض عقيدة التوحيد ويناقض عقيدة الإسلام دون أن يعرف أن هذا يناقض الإسلام، أو دون أن تبلغه الحجة الرسالية، فرق كبير بين الطرفين، وسنزيد ذلك بياناًَ إن شاء الله فيما بعد. ومما يتعلق بقضية العذر بالجهل قضية أهل الفترة، وكثير من المتكلمين يناقشون معرفة الله هل تدرك بالعقل أم تدرك بالشرع؟ واعتقادنا -والله أعلم- أن هذه الأشياء تدرك عن طريق التلقي بالوحي لا عن طريق العقل، بل إن الله ﵎ قد فطرنا على فطرة الإسلام، وأنزل إلينا الكتب، وبث آياته في الآفاق وفي أنفسنا، ومع ذلك فإنه ﵎ تفضل وامتن على عباده بأنه لن يعذب أحداً منهم حتى تبلغه حجة الرسل. فإذاً: الحجة تقوم بالأنبياء والمرسلين، وبنصوص الوحي، ولذلك قال : ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا))، وترد هنا بعض الأدلة التي فيها المؤاخذة قبل بعثة الرسل، مثل حديث الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ : (أين أبي؟ فقال: في النار فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار). فنجد أن ناساً يقولون: إن هذا دليل على أن هؤلاء كانوا في النار رغم أنهم كانوا من أهل الفترة، لكن مع ذلك عذبوا. وهذا يعني أن النقاش في هذه القضية سيطول قليلاً -إن شاء الله- لنوضحها؛ لأن لها علاقة بما نحن بصدده.

стр. 319

تعريف الفترة لغة واصطلاحاً الفترة في اللغة: هي السكون والضعف. تقول: فتر الشيء: إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة. وتقول: أفتره الداء: أي: أضعفه. والفترة: فعلة من: فتر الأمر يفتر أو يفتر فتوراً، وذلك إذا هدأ أو سكن، وفي الحديث: (ثم فتر الوحي)، أي: انقطع وسكن. أما اصطلاحاً فهي: ما كان بين كل نبيين، كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﵊، وكالفترة بين نوح وإدريس ﵉، وقيل: هي ما كانت بين رسولين، فلم يرسل فيها إلى الناس الرسول الأول، ثم لم يدركوا الرسول الثاني، فهذه فترة. وقال الألوسي ﵀: أجمع المفسرون على أن الفترة هي الانقطاع ما بين رسولين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩]، وفي الصحيح: (أن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة)، وهذا في البخاري، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم -والأنبياء أولاد علات-؛ ليس بيني وبينه نبي)، رواه البخاري، والعلات: الضرائر، كما جاء في الحديث الآخر: (نحن -معشر الأنبياء- إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى)، فقوله: (ديننا واحد) يعني العقيدة، لكن الشرائع تختلف، فالحلال والحرام، ونظم الطلاق، والزواج، والبيوع، والأمور العامة تتفاوت، والشرائع تتغير وتنسخ، لكن العقيدة واحدة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، والأنبياء كلهم جاءوا ليدعوا إلى الإسلام، فقوله: (وأمهاتنا شتى) هي الشرائع والأحكام في الحلال والحرام، والأمور العملية. وقوله ﵊: (ليس بيني وبينه نبي) لفظ واضح وصريح في أنه لم يكن هناك نبي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، خلافاً لبعض الأحاديث الضعيفة التي فيها إثبات نبي من الأنبياء ضيعه قومه، فهذا الحديث صريح في ذلك، حيث قال: (ليس بيني وبينه نبي) وهو أصح.

стр. 320

تعريف أهل الفترة يأتي بعد تعريف الفترة معرفة أهل الفترة ومعرفة أحكامهم، وهل أهل الفترة يكلفون أم لا؟ إن المكلف في الاصطلاح هو الشخص الذي تعلق حكم الشارع بفعله، وشرط هذا المكلف أن يكون قادراً على فهم الدليل؛ لأن التكليف خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وخطاب من لا عقل ولا فهم له محال، والقدرة على الفهم إنما تكون بالعقل؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه يمكن الامتثال، ولما كان العقل من الأمور الخفية، وليس شيئاً محسوساً نراه، فربط الشرع التكاليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس، وهو البلوغ، بأن يكون المرء عاقلاً، ويعرف ذلك بما يصدر عنه من الأقوال والأفعال بحسب المألوف من الناس، فمن بلغ الحلم ولم يظهر خلل في قواه العقلية والفعلية والقولية صار مكلفاً. ويشترط في المكلف أن يكون أهلاً للتكليف، والأهلية هي الصلاحية لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، قال الله تعالى: ((وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا))، والأهلية تتحقق بالعقل والفهم، فمن هذه الشروط: أن يكون المكلف عالماً بما كلف به، أو متمكناً من العلم ليستطيع الفعل والترك؛ لأن التكليف بالمستحيل وبما لا يقدر عليه المكلف محال.
следующие страницы →