← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يأكل من أضحيته. انتهى كلام الباجي، وليس هناك فرق بين الأضحية والهدي بالنسبة لانتهاء وقت الذبح. وأما الإجماع: فقد قرره الجصاص بقوله- بعد ذكره هذا الرأي عن بعض الصحابة قال: قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ثلاثة، واستفاض ذلك عنهم، وغير جائز لمن بعدهم خلافهم إذ لم يرد عن أحد من نظرائهم خلافه فثبتت حجته. وأيضا: فإن سبيل تقدير النحر التوقيف أو الاتفاق، إذ لا سبيل إليها من طريق القياس فلما قال: من ذكرنا قوله من الصحابة الثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض، وتقدير المهر، ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق، وإذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته، وكان ذلك توقيفا. وأما الأثر: فقد نقله الجصاص وغيره عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. وأما المعنى: فمن وجهين: أحدها: ما ذكره الجصاص بقوله: قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ لأنه لو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق، وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر فلما وجدنا الرمي في يوم النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر يوم النحر، وقال قائلون: إلى آخر أيام التشريق، وقلنا نحن: يومان بعده وجب أن نوجد فرقا بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها. الثاني: ما ذكره الباجي بقوله: هو يوم مشروع النفر قبله فلم يكن من أيام

стр. 1087

الذبح كالخامس. القول الثاني: أن وقت الذبح ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق. وبهذا قال الشافعي: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشافعي: والأضحية جائزة يوم النحر وأيام منى كلها. وقال المرداوي في [الإنصاف] : قال في [الإيضاح] : آخره آخر يوم من أيام التشريق، واختاره ابن عبدوس في [تذكرته] بأن آخره آخر اليوم الثالث من أيام التشريق واختاره الشيخ تقي الدين قاله في [الاختيارات] وجزم به ابن رزين في [نهايته] . والظاهر أنه مراد صاحب [النهاية] فإن كلامه محتمل. وقال ابن القيم في [زاد المعاد] : وهو مذهب إمام أهل الهجرة الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ﵀، واختاره ابن المنذر. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) الآية. وجه الدلالة: أن المراد بالمعلومات أيام النحر، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، واستدلوا لهذا التوجيه بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية.

стр. 1088

قال ابن القيم ﵀: هذه الأيام الثلاثة تختص بأنها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق، ويحرم صيامها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع؟ ! وأما السنة: فقد استدلوا بأدلة: الأول: «أن النبي ﷺ نحر هديه يوم النحر ضحى» . وجه الدلالة: ما ذكره الشافعي بقوله: فلما لم يحظر على الناس أن ينحروا بعد يوم النحر بيوم أو يومين لم نجد اليوم الثالث مفارقا لليومين قبله؛ لأنه ينسك فيه ويرمى كما ينسك ويرمى فيهما. الثاني: ما رواه سليمان بن أبي موسى، عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ قال: «كل عرفات موقف، وارتفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح (١) » . وهذا نص في الدلالة أن كل أيام النحر بأنها ثلاثة بعد العيد. وأجيب عن هذا الحديث: بما نقله الرازي عن الإمام أحمد: أنه قال جوابا لمن سأله عن هذا الحديث قال: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم، وأكثر روايته عنه سهو. قال الرازي: وقد قيل: إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء يسمع قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٢) » فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه: " وكل

стр. 1089

أيام التشريق ذبح "، ويشبه أن يكون الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه؛ لأنه لم يذكره. وأجاب ابن القيم عن ذلك بقوله: وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح (١) » ، وروي من حديث جبير بن مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون. انتهى. وقد تكلم الزيلعي على هذا الحديث في [نصب الراية] فقال: رواه أحمد في [مسنده] وابن حبان في [صحيحه] في النوع الثالث والأربعين من القسم الثالث من حديث عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح، وعرفة كلها موقف (٢) » إلى آخره، وقد ذكرناه بتمامه في الحج، ورواه البزار في [مسنده] وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، ورواه البيهقي في [المعرفة] ، ولم يذكر فيه انقطاعا، وأخرجه الدارقطني في [سننه] عن أبي معيد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار عن جبير بن مطعم مرفوعا، وأبو معيد بمثناة فيه لين، وأخرجه هو والبزار عن سويد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا، قال البزار: لا نعلم قال فيه عن نافع بن جبير عن أبيه إلا سويد بن عبد العزيز، وهو ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب، مع أن ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم. انتهى. وأخرجه أحمد أيضا والبيهقي عن سليمان بن موسى عن جبير بن

стр. 1090

مطعم، عن النبي ﷺ ، قال البيهقي: وسليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم، وأخرج ابن عدي في [الكامل] عن معاوية بن يحيى الصدفي عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح» انتهى. وضعف معاوية بن يحيى عن النسائي والسعدي وابن معين وعلي بن المديني ووافقهم، وقال ابن أبي حاتم في [كتاب العلل] قال أبي: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد. انتهى. وقيل: معاوية محمد بن شعيب. وأما الأثر: فقد أخرج البيهقي عدة آثار في ذلك عن ابن عباس والحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى، وذكر ابن قدامة أنه مروي عن علي. وأما المعنى: فإنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين، ذكر ذلك ابن قدامة. وأما ما عدا هذين القولين من الأقوال فقد تركنا ذكرها؛ لعدم جدوى البحث فيها، فإنها أقوال مبنية على مدارك اجتهادية ولا محل للاجتهاد مع الأدلة، قال ابن عبد البر: ولا يصح عندي في هذا إلا قولان. أحدهما: قول مالك والكوفيين، والثاني: قول الشافعي والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة وما خرج عن هذين فمتروك. انتهى المقصود. بواسطة نقل القرطبي عنه في [جامعه] .

стр. 1091

ثالثا: ذبح الهدي ليلا مع الأدلة والمناقشة: اختلف أهل العلم في جواز الذبح ليلا: فمنهم من يرى أنه لا يجوز،

стр. 1092

ومنهم من قال بجوازه. وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: لا يجوز الذبح ليلا. وممن قال به مالك وأصحابه إلا أشهب، وهو رواية عن أحمد وهي ظاهر كلام الخرقي، قال الباجي: ولا يجوز نحر الهدي ليلا، وعلى هذا قول مالك وأصحابه، إلا أشهب فقد روى عنه ابن الحارث أنه يجوز نحر الهدي أو ذبحه ليلا، وقال ابن قدامة: ولا يجزئ- أي: الذبح- في ليلتهما في قول الخرقي، قال: واختلفت الرواية عن أحمد في الذبح في ليلتي يومي التشريق ففيه لا يجزئ نص عليه أحمد ﵁ في رواية الأثرم. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) وجه الدلالة: قد يقال: إن الله ذكره بلفظ الأيام وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك. ومن وجه آخر قال الباجي: إن الشرع ورد بالذبح في زمن مخصوص وطريق تعلق النحر والذبح بالأوقات الشرعية لا طريق له غير ذلك، فإذا ورد الشرع بتعلقه بوقت مخصوص؛ كقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢) وبنحر النبي ﷺ وذبحه أضحيته نهارا علمنا جواز ذلك نهارا، ولم يجز أن نعديه إلى الليل إلا بدليل. وقد طلبنا في الشرع فلم نجد دليلا، ولو كان لوجدناه مع البحث

стр. 1093

والطلب، فهذا من باب الاستدلال بعدم الدليل فيما تتوقف شرعيته على وجود الدليل. وأجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال بقوله: هذا إيهام منهم يمقت الله عليه؛ لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية ذبحا ولا تضحية ولا نحرا، لا في نهار ولا في ليل، إنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات، أفترى يحرم ذكره في لياليه إن هذا لعجب! ومعاذ الله من هذا، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل ونهار في العام كله، ولا يختلفون فيمن حلف ألا يكلم زيدا ثلاثة أيام أن الليل يدخل في ذلك مع النهار. وأما السنة: فما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الذبح ليلا. وهذا نص في الدلالة على عدم جواز الذبح ليلا. وقد أجاب عنه ابن حزم بقوله: وذكروا حديثا لا يصح رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار «نهى رسول الله ﷺ عن الذبح بالليل» وبقية ليس بالقوي، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدا ثم هو مرسل. انتهى كلام ابن حزم. وقال ابن حجر في مبشر بن عبيد: هو متروك. ويجاب عن ذلك: بأن البيهقي أخرج في [سننه] حديثا فيه النهي عن الذبح ليلا قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفار، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حفص بن عياش عن شيث بن عبد الملك عن الحسن قال: «نهى عن جذاذ الليل وحصاد الليل والأضحى بالليل» .

стр. 1094

وأجاب عنه البيهقي بقوله: إنما كان ذلك من شدة حال الناس كان الرجل يفعله ليلا فنهى عنه ثم رخص في ذلك. وأما المعنى: فمن وجهين ذكرهما عبد الرحمن بن قدامة: أحدهما: أنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر. الثاني: أن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود. وأجاب ابن حزم عن الدليل الأول فقال: هذا قياس، والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا من عين الباطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا يجوز فيه التضحية، فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية فلا يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم، وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك منع من التضحية ليلا. القول الثاني: أنه يجوز الذبح ليلا بمنى: قال ذلك أبو حنيفة، وروي عن مالك: إن فعل ذلك أجزأه، وقال به أشهب من المالكية، والشافعي، وهو رواية عن أحمد، وقول أكثر الصحابة، وبه قال ابن حزم، قال الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن: وقد روي عن مالك فيمن فعل ذلك أجزأه، ونقل الباجي القول عن أشهب فيه: أنه يجوز الذبح ليلا، وقال الشافعي ﵀: ويذبح في الليل والنهار، وإنما أكره ذبح الليل لئلا يخطئ رجل في الذبح، أو لا يوجد مساكين حاضرون، فأما إذا أصاب الذبح ووجد مساكين فسواء.

стр. 1095

وقال النووي مذهبنا جواز الذبح ليلا ونهارا في هذه الأيام، لكن يكره ليلا، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور والجمهور، وهو الأصح عن أحمد. وقال ابن قدامة بعد ذكره لرأى الخرقي: وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي التشريق الأوليين، وهو أكثر الفقهاء، وقال في الشرح، وروي عن أحمد: أن الذبح يجوز ليلا اختاره أصحابنا المتأخرون، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه، انتهى كلامه. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) وجه الدلالة: يمكن أن يقال: إن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمل الآية على ظاهرها، وهو أنها تتناول الأيام دون الليالي أحوط من حملها على تناول الليل والنهار. وأما المعنى: فمن وجهين ذكرهما عبد الرحمن بن قدامة: أحدهما: أن هاتين الليلتين داخلتان في مدة الذبح، فجاز الذبح فيهما كالأيام. الثاني: أن الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار.

стр. 1096

رابعا: مكان ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة: لم نطلع على كلام أحد من أهل العلم، أن هدي التمتع والقران يجوز ذبحه خارج الحرم، ولم يرد في القرآن، ولم نطلع على شيء من السنة يدل

стр. 1097

على جواز ذبحه خارج الحرم، وقد جاءت أدلة من القرآن، خاصة في غير هدي التمتع والقران وجاءت آية دالة بعمومها على محل هدي التمتع والقران، وجاءت أدلة من السنة تدل على ذبحه في أي موضع من الحرم. وفيما يلي بيان هذه الأدلة: قال تعالى في المحصر: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) وفسر محله بأنه الحرم عند القدرة على إيصاله، وقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢) ومعلوم أنه لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣) وهذا عام في الهدايا، ومنها هدي التمتع والقران. وأما الأحاديث فقد روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٤) » . ولتمام الفائدة نورد ما ذكره الزيلعي على هذا الحديث قال: روي من حديث جابر ومن حديث أبي هريرة، فحديث جابر أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٥) » انتهى بلفظ أبي داود، ومثله لفظ ابن ماجه. إلا أن فيه تقديما وتأخيرا، ولاختلاف لفظهما فرقهما ابن عساكر في موضعين من ترجمة عطاء عن جابر في أطرافه فجعلها حديثين وليس

стр. 1098

بجيد، والصواب: ما فعله شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه، فإنه ذكره في ترجمة واحدة، والشيخ زكي الدين المنذري قلد ابن عساكر فلم يعزه في [مختصر السنن] لابن ماجه، والله أعلم. وأسامة بن زيد الليثي قال في [التنقيح] : روى له مسلم متابعة فيما أرى، ووثقه ابن معين في روايته، انتهى. فالحديث حسن. واعلم أن بعض الحديث في مسلم أخرجه عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: «نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم (١) » . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود في الصوم، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع موقف (٢) » انتهى. قال المنذري في [مختصره] : قال ابن معين: محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة ﵁، وقال: أبو زرعة لم يلق أبا هريرة، انتهى. ورواه البزار في [مسنده] وقال: محمد بن المنكدر لا نعلمه سمع من أبي هريرة. انتهى. وروى الواقدي في كتاب [المغازي] : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال في عمرة القضية- وهديه عند المروة -: «هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر (٣) » فنحر عند المروة، انتهى كلام الزيلعي. وقال ابن حجر في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي مولاهم

стр. 1099

أبو إسماعيل المدني: ضعيف من السابعة، روى له أبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 1100

خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته مع الأدلة والمناقشة: دل الكتاب والسنة والإجماع وسد الذرائع على أنه لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه، فإذا لم يجد هديا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام، ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه وما كان ربك نسيا، وقد بين الله ما يجب على المريض إذا عجز مطلقا عن الصيام من الإطعام- بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) وإذا كان قادرا على القضاء فقد بين حكمه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) وبين في كفارة اليمين: أنه يجب العتق أو الإطعام أو الكسوة، وعند العجز يصوم ثلاثة أيام متتاليات، وبين في كفارة من أصيب بمرض أو أذى في رأسه واحتاج إلى ارتكاب محظور؛ ليتخلص مما أصيب به- بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)

стр. 1101

وقال في كفارة القتل خطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢) وقال في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣) ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٤) الآية. وأما السنة: فإن أدلتها في هذا الموضوع متفقة مع القرآن. وأما الإجماع: فإن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين أخذوا بما دل عليه القرآن ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن، فإذا لم يجد هديا أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن قال بالتصدق فإنه يطالب بدليل يخالف ذلك. وأما سد الذرائع: فإنه لو أجيز القول بالاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته- لأدى ذلك إلى التوسع في أبواب الشريعة، فمثلا يقال: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج نظرا لصعوبته في هذا العصر. وهناك شبه قد يتعلق بها من تسول له نفسه القول بالجواز نذكرها فيما يلي، ثم نتبع كل شبهة بجوابها.

стр. 1102

الشبهة الأولى: قد يقال بالجواز نظرا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر مع بقاء المفسدة على حالها، بل وربما زادت مع تزايد عدد الحجاج. ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بأمور: أحدها: أن سوء تطبيق الناس لأمر كلفوا به لا يجوز نقلهم عنه إلى أمر لم يشرع لهم بدعوى أنه يسهل عليهم تطبيقه، بل يجب السعي في تسهيل الذبح عليهم وحسن تطبيقه. الثاني: أن هذا حكم مبني على مصلحة ملغاة، وقد قرر العلماء على أن المصالح ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة فيعمل بها بالإجماع، ومصلحة ملغاة فلا يعمل بها بالإجماع، ومصلحة مرسلة، وفي العمل بها خلاف، والمصلحة المذكورة هنا مصلحة ملغاة، فإن الشرع لم يعتبرها بعد ذكره للهدي، وفي حالة عدم القدرة عليه أو على ثمنه ينتقل إلى الصيام. الثالث: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم، وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول. الشبهة الثانية: ما يجري عليه بعض الحجاج من تسليم ثمن الهدي الواجب عليهم للمطوفين وعمالهم بأنفسهم بصفة التوكيل حيث لا يباشرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم؛ لتعذر

стр. 1103

ذلك عليهم، وخوف الهلاك من ممدة الازدحام أو المشقة والحرج. ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الأولى، ويضاف إلى ذلك أن الحاج إذا وكل شخصا يشتري عنه هديا ويذبحه ويوزعه على المستحقين على الصفة الشرعية- فقد خرج بذلك عن عهدة الهدي، وصارت العهدة على من صار وكيلا للقيام بالشراء والذبح والتصدق، فإن هذا مما يجوز التوكيل فيه شرعا. الشبهة الثالثة: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبالتالي فإن هذا درء للمفاسد عن الأمة وجلب لمصالحها. ويجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الشبهة الأولى، ويضاف إلى ذلك: أولا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لكن لا يصح أن يقال: أن ذبح الهدايا مفسدة، وأن درءها بما ذكروه من إلغاء هذه الشعيرة والتصدق بثمنها؛ لأن من القواعد المقررة في الشريعة: أن المفاسد درجات، وأن المصالح درجات، وأنه يجوز تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكاب أخف المفسدتين لاجتناب كبراهما، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح فيما ليس فيه دليل شرعي، وفيما إذا كانت المفسدة أرجح من المصلحة وما نحن فيه ليس كذلك، بل قام الدليل على خلافه، والمصلحة أرجح مما ظن مفسدة بتحريف النصوص عن مواضعها ومقاصدها. ثانيا: أن هذا يفتح باب تلاعب في الشريعة، فلا يكون للنصوص قيمة، وإنما القيمة لما يصدر من سفهاء العقول من تصورات يزعمون أنها مصالح

стр. 1104

تستحق أن تقدم على الأدلة. ثالثا: أن النسك عبادة، والعبادات مبنية على التوقيف، فلا يجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي موجب للعدول عنه، وكل تشريع مبني على التوقيف فإنه لا يدخله الاجتهاد ومنه القول بالمصلحة المدعاة هنا. رابعا: أن من وجب عليه الهدي يجب عليه إيصاله إلى مستحقه، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ (١) وكذلك سائر ما يجب عليه من الحقوق؛ كالزكاة والنذر والكفارات وغيرها. خامسا: أن الشارع لم يمنع الذبح في أي محل من الحرم، كما قال ﷺ : «نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر (٢) » فالحاج ينحره في أي موضع من فجاج مكة ويوزعه على الفقراء.

стр. 1105

سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى: مشكلة اللحوم يمكن أن تعالج بالأمور الآتية: الأول: الكشف على ما يباع للتأكد من صلاحيته هديا من حيث السن والسمن والسلامة من الأمراض وموانع الإجزاء، وتوضع علامة يعرف بها أن هذه الذبيحة تجزئ وما عدا ذلك يمنع. الثاني: التوسع في توعية الحجاج ببيان المجزئ وما لا يجزئ حتى لا يقدموا إلا على بصيرة. الثالث: الإكثار من عدد المجازر في أماكن مختلفة من منى، وفجاج مكة، وإرشاد الناس إليها.

стр. 1106

رابعا: تسهيل طريق الحصول على هذه اللحوم للفقراء، وذلك بما يأتي: أ- إيصاله إليهم إن أمكن. ٢ - معاونتهم على إيصاله إلى منازلهم. ٣ - التوسع في توزيع ما زاد على فقراء الحرم خارج الحرم، ويكون إعطاء الفقراء الذين هم خارج الحرم بمنزلة دفع الزكاة لفقراء بلد المال إذا أعطى فقراء بلد المال حاجتهم ولم يوجد أحد يستحق، فكذلك الهدي ينقل إلى فقراء البلدان المجاورة لمكة. التوسع في التوكيل على ذبح الهدي بطرق منظمة تضمن مصلحة صاحب الهدي ومصلحة الفقير والمصلحة العامة، ويكون فيه أناس يشرفون من قبل الدولة على تطبيق ذلك. هذا ما تيسر ذكره. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1107

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٤٣) وتاريخ ١٣ \ ٤ \ ١٣٩٦ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: بناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في النصف الأول من شعبان عام ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوع (هدي التمتع والقران) في جدول أعمال الدورة الثامنة، وإعداد بحث في ذلك، فقد اطلعت الهيئة في الدورة الثامنة المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في وقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم. وبعد تداول الرأي تقرر بالإجماع ما يلي: ١ - لا يجوز أن يستعاض عن ذبح هدي التمتع والقران بالتصدق بقيمته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على منع ذلك مع أن المقصود الأول من ذبح الهدي هو التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) ؛ ولأن من القواعد المقررة في الشريعة سد الذرائع، والقول بإخراج القيمة يفضي إلى التلاعب بالشريعة فيقال- مثلا-: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج لصعوبته في هذا العصر، ولأن المصالح ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة بالإجماع،

стр. 1108

ومصلحة ملغاة بالإجماع، ومصلحة مرسلة، والقول بإخراج القيمة مصلحة ملغاة؛ لمعارضتها للأدلة، فلا يجوز اعتبارها. ٢ - قرر المجلس بالأكثرية أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، ويجوز الذبح في ليالي أيام التشريق؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) فإن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر، ولما رتب هذه الأفعال على ذبح الهدي دل على أنه هدي القران والتمتع؛ لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال، ولأنه ثبت عنه ﷺ أنه ذبح هديه يوم العيد، وكذلك ذبح هدي التمتع والقران عن نسائه يوم العيد، ولم يثبت عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه ذبح قبل يوم العيد ولا بعد أيام التشريق، ولما روى سليمان بن موسى، عن ابن أبي حسين، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ أنه قال: «كل عرفات موقف (٣) » الحديث. . . إلى أن قال: «وكل أيام التشريق ذبح (٤) » . قال ابن القيم ﵀ روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر، انتهى المقصود. ٣ - لا يخصص الذبح بمنى، بل يجوز الذبح في مكة، وفي أي موضع من الحرم؛ لقوله ﷺ : «كل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٥) » .

стр. 1109

٤ - ما ترك من اللحوم في المجازر فإن على الحكومة حفظه على وجه يحفظ نفعه حتى يوزع بين فقراء الحرم. ٥ - يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل: الجلد والعظام والصوف، ونحو ذلك بما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم مما يتركه أهله رغبة عنه. ٦ - ينبغي للحكومة- وفقها الله- أن تعنى بتكثير المجازر في منى ومكة وبقية الحرم على وجه يمكن الحجاج من ذبح هداياهم بيسر وسهولة، وأن يستفيدوا من لحومها ما شاءوا. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة الثامنة عبد العزيز بن عبد الله بن باز عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر محمد الحركان ... عبد المجيد حسن لي وجهة نظر لابتداء وانتهاء وقت ذبح هدي التمتع والقران ... عبد العزيز بن صالح صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع لي وجهة نظر بالنسبة لوقت ذبح هدي التمتع والقران

стр. 1110

وجهة نظر لصاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع إن وجهة نظري تتلخص في الملاحظات الآتية: أولا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث الاستدلال على تحديد وقت ذبح هدي التمتع والقران بالإطلاق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وبالتقييد في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣) الآية، ولا شك أن بعض أهل العلم استدل بهذا، ولكن الأمانة العلمية تقتضي مناقشة هذا الاستدلال. إذ يمكن مناقشته بما يلي: إن كمال الآية المراد بها تقييد عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٦) الآية، وقد ذكر جمع كثير من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء: أن المراد بالأيام المعلومات عشر ذي الحجة، فقد ذكر الجصاص في كتابه [أحكام القرآن] أنه روى عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق، وهو قول الجمهور من التابعين منهم:

стр. 1111

الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم، وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق (١) وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي أنه قال: الأيام المعلومات: أيام العشر كلها، والمعدودات: أيام منى فقط. اهـ (٢) وقال النووي في [المجموع] : وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. . . إلى أن قال: وقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي في [تفسيره] : قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. اهـ (٣) فعلى هذا لا حجة في الآية على قول بتحديد وقت الذبح بيوم النحر وأيام التشريق، بل قد يكون فيه دليل على القول بذبح هدي التمتع والقران في الأيام المعلومات التي هي العشر الأوائل من ذي الحجة؛ لأن المقصود بذكر الله على بهيمة الأنعام في هذه الآية التسمية عند ذبحها، وعلى القول الآخر لأهل العلم بأن المقصود بالمعلومات: يوم النحر وأيام التشريق فليس في الآية أمر صريح بتحديد وقت الذبح، وإذا كان الدليل يفهم من ترتيب قضاء التفث على ذكر الله على بهيمة الأنعام- فإن هذا يعني بطلان أعمال الحج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة إذا فعل ذلك قبل الذبح أو النحر. ولا يخفى ما عليه إجماع أهل العلم قاطبة من أن

стр. 1112

الترتيب فيها مستحب، وأنه لا حرج في تقديم واحد منها على الآخر؛ لقوله ﷺ حينما سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعض قال: «افعل ولا حرج (١) » فدل ذلك على أن غاية الأمر أن يكون مفهوم الترتيب الاستحباب، وبذلك ينتفي الاستدلال بالآية. ثانيا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث مناقشة الجصاص الاعتراض على منع تقديم ذبح هدي التمتع والقران بإجازة الصوم الذي هو بدل عنه قبل يوم النحر، وقد كانت مناقشة في حاجة إلى مناقشة بما يلي: أ- جاء في قوله: إنه ثبت في السنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر. ويرد على ذلك: بأنه لو كان الأمر كما ذكر من ثبوت امتناع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر بالسنة لما حصل الخلاف كما هو الحال في الأضحية، فقد ثبت بالسنة بدء وقت ذبحها، فانتفى الخلاف في ذلك. والثابت بخصوص الهدي إنما هو في الهدي المسوق تطوعا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، أما هدي المتعة والقران فإن القائلين بجواز ذبحه قبل يوم النحر يطالبون بالنص الصريح الثابت في امتناع ذبحه قبل يوم النحر من كتاب أو سنة، بل إنهم يستدلون بهما على جواز ذلك. ب- ما ذكر: بأن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان إلى آخر قوله) . هذا القول يمكن أن يقال في هدي المتعة. وأيضا فإذا وجد المعنيان إتمام الحج والعمرة صح الهدي عن المتعة، وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون هدي متعة وصار هدي تطوع كصيام التطوع. ج- قوله: بأن الهدي رتب عليه أفعال أخرى من حلق وقضاء تفث وطواف زيارة فلذلك اختص بيوم النحر. مناقشة ذلك ما مر في الملاحظة

стр. 1113

الأولى. ثالثا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث ما نصه: فهذه الأحاديث منها ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى، ومنها ما يدل عليه بمفهومه أو مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى، ونحر أصحابه كذلك، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة. إن ذلك ممكن أن يناقش بما يلي: أ- إن المتتبع لجميع ألفاظ الأحاديث الواردة في البحث لا يجد فيها نصا على تحديد بدء وقت نحر هدي التمتع والقران بيوم الأضحى، وإنما النص في بعضها على أن من ساق الهدي فلا يجوز له الإحلال حتى ينحر هديه، ولا شك أن الهدي الذي ساقه ﷺ وساقه بعض أصحابه ودخلوا به مكة في حجهم معه ﷺ هدي تطوع، دخل فيه هدي التمتع أو القران، فهو متصل به اتصال الجزء بكله بحيث لا يمكن فصله عنه. ب- إن القول: بأن منها- أعني: الأحاديث الواردة في البحث- ما يدل مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه مناسكنا على بدء التحديد بيوم النحر- يرد عليه بإجماع الأمة على جواز ذبح هدي التمتع أو القران في اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق، وهو ﷺ ذبح يوم العيد وقال: «خذوا عني مناسككم (١) » فلو كان عموم قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٢) » واردا على ذلك- لكان الذبح في أيام التشريق غير جائز للمخالفة، وقد لا يمكن القول بأن العموم مخصص بقوله ﷺ : «وكل أيام التشريق ذبح (٣) » فقد تكلم رجال الحديث في

стр. 1114

هذه الزيادة بما لا يتسع المقام لذكره، وبما يبطل الاستدلال به للتخصيص، مع أن قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم (١) » عام في جميع أفعال النسك من ركن وواجب ومستحب، وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) تخصيص لعموم قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٣) » . ج- إن ما نحره نفسه هو هديه الذي ساقه ﷺ تطوعا ودخل به مكة محرما،. وكان سوقه سبب امتناع عن الإحلال، وأما نحره ﷺ عن أزواجه في حجه فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك أضحية منه عنهن. قال ابن حزم: ووجدنا ما رويناه من طريق مسلم، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فقدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: " دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بالحج " قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللت بعمرة، وقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم (٤) » . . . إلى أن قال: فإن قيل: قد صح أنه ﵇ أهدى عن نسائه البقر، قلنا: نعم، وقد بين معنى ذلك الإهداء سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنه

стр. 1115

كان أضاحي، لا هدي متعة، ولا هديا عن قران. اهـ (١) . وعلى فرض أن ما ذبحه ﷺ عن نسائه هدي تمتع أو قران فقد فعل الأفضل، ولا شك أن الأفضل ذبح ذلك يوم العيد. د- وأما القول بأنه لم يعرف أحد من أصحابه نحر هدي تمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى- فإنه يمكن مناقشته: بأن عدم معرفة أحد من الصحابة نحر هديه قبل يوم الأضحى لا يعني منع ذلك، ولا نفي أن أحدا من الصحابة فعله، ثم إن الحديث الذي أخرجه الحاكم في [مستدركه] وذكر أنه على شرط مسلم، وأقره الذهبي - صريح في أن سعد بن أبي وقاص ذبح هديه قبل يوم النحر، وقد أخرجه الطبراني في [الكبير] وذكر: أن رجاله ثقات، وسيأتي مزيد من نقاش لهذا الحديث والاعتراض عليه بما في [مجمع الزوائد] عن عكرمة. رابعا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج لذلك القول بالإجماع بما ذكره ابن عابدين، ويمكن أن يناقش ذلك بما يلي: لعل ابن عابدين ﵀ يقصد بالإجماع: إجماع أهل مذهبه، مع أن ابن قدامة ﵀ نسب إلى أبي حنيفة القول بوجوب هدي التمتع بالإحرام بالحج، وذلك في كتاب [المغني] كما نسب ذلك إليه ابن العربي في كتاب [أحكام القرآن] وابن مفلح في كتابه [الفروع] . أما أن يقصد ابن عابدين إجماع الأمة على منع ذلك فبعيد جدا؛ لوجود الخلاف القوي في المسألة بين العلماء من مالكيين، وشافعيين، وحنابلة،

стр. 1116

وغيرهم، ولأن مثل ابن عابدين لا يخفى عليه الخلاف في المسألة، لا سيما وهو خلاف مشهور، وعلى فرض أن ابن عابدين يقصد بالإجماع إجماع الأمة فما ذكره غير صحيح، والخلاف في ذلك مشهور يعرفه الخاص والعام. خامسا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج بالمعنى بما ذكره ابن قدامة ﵀ بقوله: لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الأضحية فيه. . . إلى آخره. ويمكن نقاش ذلك بما ذكره ابن قدامة نفسه توجيها للقول بجواز تقديم ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حيث قال: ووجه جوازه: أنه دم يتعلق بالإحرام وينوب عنه الصيام، فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب، واللباس؛ ولأنه يجوز إبداله قبل يوم النحر فجاز أداؤه قبله كسائر الفديات. اهـ (١) وبما ذكره في توجيه رواية الوجوب بعد الإحرام بالحج بقوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) وهذا قد فعل ذلك؛ ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) . وبما ذكره الشافعي ﵀ بقوله: وإذا ساق المتمتع الهدي معه أو

стр. 1117

القارن لمتعته أو قرانه، فلو تركه حتى ينحره يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأ عنه من قبل أن على الناس فرضين: فرضا في الأبدان، فلا يكون إلا بعد الوقت، وفرضا في الأموال، فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض، اهـ (١) . وبما ذكره ابن رجب في [قواعده] قال: العبادات كلها- سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما- لا يجوز تقديمها على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب، أو قبل شرط الوجوب، ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة، وذكر منها ما ذكرتم قال: ومنها صيام التمتع والقران، فإن سببه العمرة السابقة للحج في أشهره، فبالشروع في إحرام العمرة قد وجد السبب فيجوز الصيام بعده، وإن كان وجوبه متأخرا عن ذلك، وأما الهدي فقد التزمه أبو الخطاب في انتصاره، ولنا رواية: أنه يجوز ذبحه لمن دخل قبل العشر لمشقة حفظه عليه إلى يوم النحر. اهـ (٢) . كما أنه يمكن مناقشة ما ذكره ابن قدامة ﵀ من قياسه الهدي على الأضحية بما ذكره ابن مفلح في [الفروع] حيث قال: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى. اهـ (٣) سادسا: جاء في الصفحة التاسعة من البحث: اعتراض الرهوني على ما ذكره الأبي عن القاضي عياض في شرحه رواية مسلم: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من

стр. 1118

حجهم. مع أن في الحديث حجة لمن يجيز للمتمتع نحر هديه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلى آخره، حيث ذكر الرهوني أن لديه نسخة عتيقة مظنونا فيها الصحة، وليس فيها جواز نحر هدي المتمتع بعد التحلل من العمرة، وإنما ذكر فيها جواز تقليد الهدي قبل الإحرام بالحج إلى آخر ما ذكره الرهوني. ويمكن مناقشة ذلك بما يلي: أ- إن عبارة القاضي عياض في جواز نحر الهدي قبل الإحرام بالحج قد تناقلها شيوخ كبار في مذهب الإمام مالك، فقد نقلها عنه الأبي والسنوسي والدسوقي والبناني ومحمد عابد - فلم يعترض عليها واحد منهم، بل احتج بها بعضهم على رد تأويلات بعض شراح مختصر خليل في قوله: وأجزأ- أي: دم التمتع- قبله- أي: قبل يوم النحر- حينما قال بعضهم: إن المقصود بذلك تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه. ب- إن احتجاج الرهوني لدعواه التصحيف بما لديه من نسخة يدعي قدمها والوثوق بها- فيه نظر، ولو سلم له احتجاجه لكان ذلك من أقصر الطرق لرد آراء العلماء وأقوالهم بإنكار نسبتها إليهم بالتصحيف فيما كتب عنهم، ثم هل يمكن أن تكون نسخة الرهوني هي الصحيحة الثابتة دون ما عداها مما لدى شيوخه وشيوخهم، إن العكس هو القريب الممكن المعقول. ج- إن اللجنة أيدت دعوى التصحيف بما ذكره بأن اللخمي ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر، وهذه الحجة ليست أكثر عجبا من سابقتها، فإن عدم ذكر الشخص الشيء لا يعني نفيه من الوجود واللخمي

стр. 1119

كغيره من عباد الله ينطبق عليه القول: (علمت شيئا وغابت عنك أشياء) . على أن المرء يقف حائرا في تكييف وجه الخلاف بين علماء المذهب المالكي في جواز تقليد الهدي وإشعاره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلا أن يكون المراد بذلك مآل التقليد والإشعار، وهو الذبح حسبما يفهم من التمثيل على جواز ذلك بقياسه على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة قبل الحول، وأن ذلك مما تقتضيه السنة توسعة في جميع ذلك، فإن اقتضاء السنة التوسعة على العباد لا يعني الحرج وإيجاد العسر والمشقة في رعاية الهدي المقلد والمشعر حتى يأتي يوم النحر، فإن الحاج في شغل عنه بتهيئة أسباب حجه، من زاد وراحلة وغير ذلك، وإنما التوسعة عليه في إراحته من ملازمته ورعايته بذبحه بعد وجوبه، ولا شك أن المتتبع بإنصاف لنصوصهم يقوى لديه الظن بأنهم يقصدون بذلك الذبح؛ لما في جميع ذلك من التوسعة التي تقتضيها السنة. د- إن الرهوني تعقب ما نقله الأبي عن المازري من قوله: مذهبنا: أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج وفي وقت جوازه ثلاثة أوجه: فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج. اهـ (١) . فقال: ليس فيه أن المراد بالجمهور جمهور أهل المذهب، وقد تقدم: أن المراد بهذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير: جمهور المجتهدين، وإن كانت تشمل الإمام مالكا، لكن لا تصريح بنسبة ذلك

стр. 1120

إليه. اهـ (١) . وهذا ما يفرح به القائلون بتقديم ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، فلأن يكون هذا القول قول جمهور المجتهدين من علماء الإسلام أمثال الإمام مالك أحب إليهم من أن يكون قول جمهور المالكيين من أمثال الرهوني وأترابه. هـ- إن المتتبع لحواشي الرهوني يخرج من تتبعها بالحكم عليه بأنه ليس في مستوى قيادي في مذهبه يريد أن يقلل من شأن القول بجواز الذبح قبل يوم النحر بإنكار أن الجمهور القائلين به حسبما ذكره المازري جمهور المالكيين، وإنما هم جمهور المجتهدين أمثال مالك وغيره، وهذا تقوية للقول من حيث لا يدري مع أن المتتبع لقول المازري يخرج من تتبعه أنه يتحدث عن مذهبه وعن فقهاء مذهبه وأقوالهم، مما يدل على أن ما ذكرنا في الرهوني وارد، وإذا كان الرهوني على مستوى يسمح باعتباره إماما في مذهبه ومحققا، وإذا كانت نسخته هي المظنون بها الصحة، فكيف لنا تفسير نقله من نسخته، هذه التي لم يجد غيرها في ذلك الوقت حسبما ذكر، نقله آية من كتاب الله تعالى وأوردت خطأ دون أن يشير إلى تصحيحها، فقد جاء في [حاشيته] ونقلته اللجنة عنه في السطر الثامن من الصفحة التاسعة من البحث ما نصه: ونصه: وقوله للمتمتعين: (فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) نص في كتاب الله تعالى مما يلزم التمتع. إن صحة الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢)

стр. 1121

سابعا: جاء في الصفحتين العاشرة والحادية عشرة من البحث نقل طويل لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وفيه يشير إلى تغليط من يجيز على المذهب المالكي ذبح الهدي قبل الإحرام بالحج بعد أن أورد مجموعة نصوص لشراح [مختصر خليل] يؤولون قوله: وأجزأ بما قبله. ويمكن مناقشة ما ذكره بعض شراح المختصر من التأويلات بما قاله الدسوقي بعد أن أورد قول بعضهم: إن المراد بذلك: تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه. قال: فيه نظر، فقد قال الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ما نصه: (عياض) في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد الإحلال بالعمرة وقبل الإحرام بالحج، وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى: أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا، وذكر بعضهم: أنه بعد الإحرام بالعمرة. اهـ. وبه تعلم أنه يتعين صحة إبقاء كلام المصنف - أي: خليل - على ظاهره، وسقوط تعقب الشراح عليه، وتأويلهم له من غير داع لذلك. اهـ (١) .

стр. 1122

وقال الشيخ محمد عابد في شرح قول الماتن: ولا يجوز نحر هدي التمتع. قال: تبع في ذلك الحطاب في [مناسكه] والدردير وعبد الباقي على خليل عند قوله: وأجزأ قبله، حيث قال كل منهم: أي: إشعاره وتقليده لا نحره إذ لم يقل به أحد، وفي البناني ما يخالف ذلك، وحاصل ما فيه: أنه أطبق كثير من شراح خليل على تأويل قوله: أجزأ قبله - أي: الإشعار والتقليد - محتجين بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ، وهو غير ظاهر؛ لقول الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ما نصه: عياض في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، ثم ساق بقية كلام القاضي (عياض) وكلام المازري عن طريق الأبي (١) . ثامنا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الرواية عن الإمام أحمد بجواز ذبح هدي من قدم به مكة قبل العشر خشية ضياعه أو سرقته، ويمكن نقاش ذلك بأن هذه المسألة خارجة عن موضوعنا؛ لأنها خاصة فيمن قدم مكة ومعه هدي، وموضوعنا خاص فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج فاستوجب الهدي أيذبحه بعد وجوبه أم يؤخر ذبحه حتى يوم النحر؟ تاسعا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال على جواز الذبح قبل يوم النحر بآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)

стр. 1123

بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، هو قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١) الآية. وقد سبق مناقشة الاستدلال بهذه الآية في الملاحظة الأولى مما يغني عن إعادته. عاشرا: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث أبي الزبير عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. في هذا الحديث أمور ثلاثة يمكن أن تناقش بما يلي: أ - التسليم بنفي التعارض بينه وبين الأحاديث الواردة في البحث، إذ ليس فيها ما يدل بصريح العبارة على منع تقديم ذبح هدي التمتع أو القران على يوم النحر، وقد سبقت مناقشة القول بدلالتها على المنع في الملاحظة الثالثة، وعليه فإن دلالة الحديث على إجازة الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج - قد فهمها علماء كبار من رجال الحديث وشراحه، أمثال: النووي والقاضي عياض والمازري والأبي والسنوسي وغيرهم. ب - إن القول: بأن المقصود بقول جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي. التحلل من الحج يرده مزيد التأمل والتدبر في نهاية الحديث، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم، فلقد أمر ﷺ أصحابه الذين أحرموا بالحج معه أن يحلوا منه إلى عمرة واشتد غضبه ﷺ على قوم ترددوا في الأخذ

стр. 1124

بقوله وأمره. أما التحلل من الحج يوم العيد فإنه لا يكون بأمر، وإنما يحصل بأفعال يفعلها الحاج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة، وفضلا عن ذلك كله فإن راوي الحديث عن جابر - وهو: أبو الزبير - قد أبان المقصود من ذلك، فقد ذكر أبو عبد الله الأبي في شرحه [صحيح مسلم] عند كلامه على حديث جابر ما نصه: ويعني بقوله حين أمرهم: يعني: إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ. إن القول: بأن في الحديث زيادة شاذة لمخالفتها ما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة، وأن مدارها على محمد بن بكر البرساني - يمكن أن يناقش بما يلي: ١ - نفي الشذوذ في هذه الزيادة، إذ هي لم تخالف غيرها من الروايات، فليس هناك حديث صحيح ينص على بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر، وإنما غاية ما في الأمر مفاهيم لا يجوز أن يحكم بها على زيادة من عدل رواها مسلم في [صحيحه] إذ الزيادة من العدل مقبولة. ٢ - إن القول: بأن مدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني غير صحيح، فقد روى الإمام أحمد في [مسنده] هذا الحديث بكامل هذه الزيادة عن محمد بن بكر وروح بن عبادة القيسي فقال: حدثنا محمد بن بكر وروح قالا: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا النبي ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في البدنة وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجتهم (١) » . اهـ (٢) .

стр. 1125

وروح هو: روح بن عبادة القيسي، قال الحافظ ابن حجر: كان أحد الأئمة، وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وأبو عاصم وابن سعد والبزار، وأثنى عليه أحمد وغيره، وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: زعموا أن ابن القطان كان يتكلم فيه فقال: باطل ما تكلم فيه. . إلى أن قال الحافظ: قلت: احتج به الأئمة كلهم. اهـ. (١) . وقال الحافظ ابن حجر في محمد بن بكر ما نصه: وثقه أبو داود والعجلي، وقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق. إلى آخر ما قال (٢) . وقال في [تهذيب التهذيب] : قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدوري عن ابن معين: ثنا البرساني، وكان والله ظريفا صاحب أدب، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود والعجلي: ثقة. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة ثلاث ومائتين، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة وكان ثقة، وذكر الحافظ أنه أجاب عن قول الذهبي في البرساني، روى عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة في حديث بسرة في مس الذكر: أو أنثييه أو فرجه فرفع الزيادة، وإنما هي من قول عروة قال: قد أوضحت ذلك في المدرج وذكرت فيه من شاركه في رفع هذه الزيادة لكن عن غير شيخه وبينت سبب الإدراج ومستنده (٣) .
следующие страницы →