سابعا: جاء في الصفحتين العاشرة والحادية عشرة من البحث نقل طويل لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وفيه يشير إلى تغليط من يجيز على المذهب المالكي ذبح الهدي قبل الإحرام بالحج بعد أن أورد مجموعة نصوص لشراح [مختصر خليل] يؤولون قوله: وأجزأ بما قبله.
ويمكن مناقشة ما ذكره بعض شراح المختصر من التأويلات بما قاله الدسوقي بعد أن أورد قول بعضهم: إن المراد بذلك: تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه.
قال: فيه نظر، فقد قال الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ما نصه: (عياض) في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد الإحلال بالعمرة وقبل الإحرام بالحج، وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى: أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا، وذكر بعضهم: أنه بعد الإحرام بالعمرة. اهـ.
وبه تعلم أنه يتعين صحة إبقاء كلام المصنف - أي: خليل - على ظاهره، وسقوط تعقب الشراح عليه، وتأويلهم له من غير داع لذلك. اهـ (١) .
стр. 1122
وقال الشيخ محمد عابد في شرح قول الماتن: ولا يجوز نحر هدي التمتع. قال: تبع في ذلك الحطاب في [مناسكه] والدردير وعبد الباقي على خليل عند قوله: وأجزأ قبله، حيث قال كل منهم: أي: إشعاره وتقليده لا نحره إذ لم يقل به أحد، وفي البناني ما يخالف ذلك، وحاصل ما فيه: أنه أطبق كثير من شراح خليل على تأويل قوله: أجزأ قبله - أي: الإشعار والتقليد - محتجين بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ، وهو غير ظاهر؛ لقول الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ما نصه: عياض في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، ثم ساق بقية كلام القاضي (عياض) وكلام المازري عن طريق الأبي (١) .
ثامنا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الرواية عن الإمام أحمد بجواز ذبح هدي من قدم به مكة قبل العشر خشية ضياعه أو سرقته، ويمكن نقاش ذلك بأن هذه المسألة خارجة عن موضوعنا؛ لأنها خاصة فيمن قدم مكة ومعه هدي، وموضوعنا خاص فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج فاستوجب الهدي أيذبحه بعد وجوبه أم يؤخر ذبحه حتى يوم النحر؟
تاسعا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال على جواز الذبح قبل يوم النحر بآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)
стр. 1123
بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، هو قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١) الآية.
وقد سبق مناقشة الاستدلال بهذه الآية في الملاحظة الأولى مما يغني عن إعادته.
عاشرا: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث أبي الزبير عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم.
في هذا الحديث أمور ثلاثة يمكن أن تناقش بما يلي:
أ - التسليم بنفي التعارض بينه وبين الأحاديث الواردة في البحث، إذ ليس فيها ما يدل بصريح العبارة على منع تقديم ذبح هدي التمتع أو القران على يوم النحر، وقد سبقت مناقشة القول بدلالتها على المنع في الملاحظة الثالثة، وعليه فإن دلالة الحديث على إجازة الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج - قد فهمها علماء كبار من رجال الحديث وشراحه، أمثال: النووي والقاضي عياض والمازري والأبي والسنوسي وغيرهم.
ب - إن القول: بأن المقصود بقول جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي. التحلل من الحج يرده مزيد التأمل والتدبر في نهاية الحديث، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم، فلقد أمر ﷺ أصحابه الذين أحرموا بالحج معه أن يحلوا منه إلى عمرة واشتد غضبه ﷺ على قوم ترددوا في الأخذ
стр. 1124
بقوله وأمره. أما التحلل من الحج يوم العيد فإنه لا يكون بأمر، وإنما يحصل بأفعال يفعلها الحاج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة، وفضلا عن ذلك كله فإن راوي الحديث عن جابر - وهو: أبو الزبير - قد أبان المقصود من ذلك، فقد ذكر أبو عبد الله الأبي في شرحه [صحيح مسلم] عند كلامه على حديث جابر ما نصه: ويعني بقوله حين أمرهم: يعني: إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ.
إن القول: بأن في الحديث زيادة شاذة لمخالفتها ما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة، وأن مدارها على محمد بن بكر البرساني - يمكن أن يناقش بما يلي:
١ - نفي الشذوذ في هذه الزيادة، إذ هي لم تخالف غيرها من الروايات، فليس هناك حديث صحيح ينص على بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر، وإنما غاية ما في الأمر مفاهيم لا يجوز أن يحكم بها على زيادة من عدل رواها مسلم في [صحيحه] إذ الزيادة من العدل مقبولة.
٢ - إن القول: بأن مدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني غير صحيح، فقد روى الإمام أحمد في [مسنده] هذا الحديث بكامل هذه الزيادة عن محمد بن بكر وروح بن عبادة القيسي فقال: حدثنا محمد بن بكر وروح قالا: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا النبي ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في البدنة وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجتهم (١) » . اهـ (٢) .
стр. 1125
وروح هو: روح بن عبادة القيسي، قال الحافظ ابن حجر: كان أحد الأئمة، وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وأبو عاصم وابن سعد والبزار، وأثنى عليه أحمد وغيره، وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: زعموا أن ابن القطان كان يتكلم فيه فقال: باطل ما تكلم فيه. . إلى أن قال الحافظ: قلت: احتج به الأئمة كلهم. اهـ. (١) .
وقال الحافظ ابن حجر في محمد بن بكر ما نصه: وثقه أبو داود والعجلي، وقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق. إلى آخر ما قال (٢) .
وقال في [تهذيب التهذيب] : قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدوري عن ابن معين: ثنا البرساني، وكان والله ظريفا صاحب أدب، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود والعجلي: ثقة. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة ثلاث ومائتين، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة وكان ثقة، وذكر الحافظ أنه أجاب عن قول الذهبي في البرساني، روى عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة في حديث بسرة في مس الذكر: أو أنثييه أو فرجه فرفع الزيادة، وإنما هي من قول عروة قال: قد أوضحت ذلك في المدرج وذكرت فيه من شاركه في رفع هذه الزيادة لكن عن غير شيخه وبينت سبب الإدراج ومستنده (٣) .
стр. 1126
٣ - إن هذه الزيادة غير شاذة، ففضلا عن أن محمد بن بكر لم ينفرد بها، بل اشترك معه في روايتها عند أحمد روح بن عبادة وأنه ليس في الروايات الأخرى نص صريح في مخالفتها فقد تأيدت بما روى الحاكم في [مستدركه] والطبراني في [الكبير] من «أنه ﷺ أمر أصحابه بالإحلال من الحج وفسخه إلى عمرة إلا من ساق معه الهدي، ثم قسم ﷺ يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه (١) » . وسيأتي مزيد نقاش لحديث الحاكم.
ج - إن القول: بأن مسألة ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر من الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها لو كان فيها نص بالجواز، يمكن نقاشه: بأن الهمم والدواعي تتوافر أيضا على نقل ما فيها من نصوص تقتضي المنع لو كانت هناك نصوص في ذلك، وحيث لم ينقل عن النبي ﷺ نص صريح في منع ذلك، وتعيين البدء بيوم النحر حتى يمكن أن يكون مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) - تعين الأخذ بعموم الآية، مع ما هناك من أدلة أخرى تسند الجواز، فمتى دخل الحاج في معنى التمتع وجب عليه الهدي، واستقر في ذمته حتى يؤديه؛ كاستقرار الكفارات في ذمة مستوجبها، وكوجوب الدماء في ذمة من استوجبها.
الحادية عشرة: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث الاستدلال للقائلين بجواز تقديم الذبح قبل يوم النحر بما ذكره الشيرازي. ولو أضيف
стр. 1127
إليه ما ذكره الشافعي في [الأم] وابن قدامة في [المغني] وابن رجب في [قواعده] مما تقدم لنا ذكره في الملاحظة الخامسة - لكان ذلك من إيفاء البحث حقه. ومع ذلك فإن مناقشته بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص قد تقدم ردها بالمطالبة بالنص الصريح الثابت من كتاب أو سنة أو قول صحابي في تحديد بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر.
جاء في الصفحة السادسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بآية ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) في أن التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام إلى آخره. من أن التمتع قد لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال فوات الوقوف بعرفة.
ويمكن نقاش ذلك: بأن هذا لا يمنع من لم يجد هديا أن يعدل إلى بدله وهو الصوم مع احتمال عدم التمكن من إكمال التمتع، فإذا جاز ذلك في البدل جاز في المبدل عنه.
الثانية عشرة: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث الحاكم بما رواه الإمام أحمد في [مسنده] عن طريق عكرمة مولى ابن عباس، وفيه: «أن النبي ﷺ قسم يومئذ غنما يوم النحر في أصحابه وقال: " اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ (٢) » إلى آخره. من أن رواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم.
ويمكن مناقشة ذلك بما يلي: إن الروايتين لا يصلح أن تكون إحداهما مفسرة للأخرى؛ لانتفاء الإجمال في رواية الحاكم، فإنها صريحة في أن
стр. 1128
النبي ﷺ قسم الغنم في أصحابه بعد الإحلال من العمرة وقبل الوقوف بعرفة، كما يتضح ذلك من سياق الحديث الذي لم تذكره اللجنة بتمامه. وتأسيسا عليه في النقاش فإنه يتعين ذكر نصه بتمامه. روى الحاكم في [مستدركه] قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا حمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء عن جابر بن عبد الله قال: «كثرت القالة من الناس: فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل أمرنا بالإحلال، فيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا، فبلغ ذلك رسول الله ﵌، فقام خطيبا فقال: " أبالله تعلموني أيها الناس، فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا، ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هديا فلينحر " فكنا ننحر الجزور عن سبعة، قال عطاء: قال ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته، فقال له النبي ﷺ : " اصرخ أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا؟ ! (١) » إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.
فقوله ﷺ : " أبالله تعلموني أيها الناس ". . . إلى قوله: " ومن وجد هديا فلينحر " صريح في الأمر بالنحر في ذلك الوقت الذي ألقى فيه كلمته التوجيهية. وقول جابر: فكنا ننحر الجزور عن سبعة، صريح في الامتثال
стр. 1129
لأمره ﷺ يومئذ. وقول ابن عباس: «إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه (١) » - بين أن ذلك هو زمن أمره ﷺ أصحابه بالتحلل من الحج وفسخه إلى عمرة، ويؤيد ذلك روايتا مسلم وأحمد عن أبي الزبير عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم.
ورواية عكرمة عن ابن عباس صريحة في أن الغنم التي قسمها ﷺ في أصحاب سعد كان يوم النحر.
وبذلك يتضح التعارض بين الروايتين ويتعين المصير إلى الترجيح.
وعليه فيمكننا ترجيح رواية الحاكم على رواية الإمام أحمد بالأمور الآتية:
أ - إن رواية الحاكم فيها قصة، ورجال الحديث وحفاظه متفقون على أن القصة في الحديث من أدلة حفظه. قال ابن القيم ﵀ في معرض توجيهه القول بالأخذ بحديث عائشة في إنكارها على زيد بن أرقم بيعه بالعينة - قال: وأيضا فإن في الحديث قصة. وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ (٢) .
ب - إن دلالة رواية الحاكم على أن سعد بن أبي وقاص ذبح تيسه بعد إحلاله من العمرة - مؤيدة برواية مسلم وأحمد عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. قال أبو الزبير راوي الحديث عن جابر: ويعني بقوله: حين
стр. 1130
أمرهم، يعني: إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ.
ج - إن رجال رواية الحاكم ثقات، وعلى شرط مسلم، كما ذكر ذلك الحاكم، وأقره الذهبي، وفيهم عطاء أفقه الناس في المناسك، ومن أكثرهم علما وورعا وتقى. وقد روى صدرها عن جابر عطاء ومجاهد، وروى عجزها عن ابن عباس عطاء.
د - إن رواية الحاكم مؤيدة بما روى الطبراني عند الهيثمي في [مجمع الزوائد] في باب الخطب في الحج حيث قال: وعن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته وكان رجلا صيتا، فقال: " اصرخ: أيها الناس، أتدرون أي شهر هذا؟ !» . . . إلى آخره، قال الهيثمي: رواه الطبراني في [الكبير] ورجاله ثقات (١) ، فقد رتب رواية وقوفه ﷺ بعرفة وخطبته في الناس على رواية تقسيمه ﷺ الغنم في أصحابه وإصابة سعد بن أبي وقاص تيسا منها وذبحه، كما هو الحال في رواية الحاكم.
هـ - إن رواية الإمام أحمد التي فيها: قسم غنما يوم النحر في أصحابه. من طريق عكرمة مولى ابن عباس، ولا يخفى ما لعطاء على عكرمة من الفضل والتقديم والثقة. فإن عكرمة وإن اعتبره بعض أهل العلم، فيكفينا لرد الاحتجاج بروايته إذا عارضت رواية رجال ثقات أمثال عطاء وغيره ممن اعتبرهم أهل العلم ووثقوهم - يكفينا لذلك ما ذكره الحافظ الذهبي في
стр. 1131
كتابه [ميزان الاعتدال] حيث قال عن عكرمة ما يلي:
قال محمد بن سيرين: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب، وقال ابن المسيب لمولاه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقال وهيب: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري ذكر عكرمة فقال: كذاب. وروى جرير عن يزيد بن أبي زيادة عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد الله، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت له: ألا تتق الله، فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي. وقال ابن أبي ذئب: رأيت عكرمة وكان غير ثقة. وقال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكا يكره أن يذكر عكرمة ولا رأى أن يروى عنه.
قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكا حدث بشيء لعكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة، رواه عن ثور عن عكرمة. وقال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير الحديث والعلم بحرا من البحور، وليس يحتج بحديثه ويتكلم الناس فيه، وقال خالد بن خداش: شهدت حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط؛ لأني أكره أن ألقى الله ولم أحدث به. سمعت أيوب يحدث عن عكرمة أنه قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به، قلت - القائل الحافظ الذهبي -: ما أسوأها عبارة وأخبثها، بل أنزله ليهدي به ويضل الفاسقين، وقال قطر بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين. فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين وإن دخلت الغائط، قال عطاء: والله إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزئ، وثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال في عكرمة: كان يرى رأي الصفرية، وقال ابن
стр. 1132
المديني: كان يرى رأي نجدة الحروري، وقال عطاء: كان أباضيا. وقال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج. وقال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب، قال: فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا. إلى آخر ما ذكره (١) .
وما في رواية عكرمة من الإشكال في قوله: " اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ " إذ ليس على العمرة دم، والتمتع والقران لا يسمى أحدهما عمرة فما نوع هذه العمرة المستوجبة للدم؟ ثم إن التعبير بلفظ: فإنها تجزئ، تعبير رديء ركيك ساذج ينزه الأسلوب النبوي عن مستواه. إنه يشبه من يقدم لشخص جائع طعاما ثم يقول له: كله فإنه يرفع الجوع ويدفعه. اللهم إلا أن يكون الغرض من ذلك أنه قسم غنما رديئة لا يجزئ مثلها هديا فاعتبر لها حكما خاصا في الإجزاء كعناق خال البراء بن عازب. وهذا مما لا نستطيع اعتباره والقول به، فمقام رسول الله ﷺ أرفع وأعلى من أن يرتضي لربه نسائك رديئة يتقرب بها إليه. وقد تقرب ﷺ لربه بهدي جزل بلغ مائة بدنة.
الثالثة عشرة: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة ما ذكره الشيرازي من الأمر المعنوي في جواز الذبح قبل يوم النحر بأمور ثلاثة يمكن نقاش أحدها بنفي وجود النص الصريح المقتضي منع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حتى يقال بمصادمته للاجتهاد فضلا عن أن القول بالجواز مؤيد بالكتاب والسنة وعمل الصحابة، وقد مر بسط ذلك
стр. 1133
مما يغني عن إعادته.
كما يمكن نقاش الأمر الثاني بما ذكره في الملاحظة الثانية.
ويمكن نقاش الأمر الثالث بأن ما يذكره ابن القيم ﵀ أو غيره من أهل العلم لا يكون حجة حتى يستند قوله على ما يؤيده من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح. أما إذا كان قوله مجرد رأي فإنه رجل وغيره رجال.
الرابعة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشرة من البحث نفي الفرق بين الأضحية والهدي في الوقت.
ويمكن نقاش ذلك: بأنه قياس مع الفارق، فالأضحية عبادة مستقلة جاء النص الصريح بتحديد بدء وقت جواز ذبحها، وكاد الإجماع ينعقد على تحديد نهاية الوقت بنهاية اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق على خلاف بين أهل العلم، أما الهدي الواجب للتمتع أو القران فليس عبادة مستقلة، وإنما هو جزء من أعمال الحج لم يرد نص صريح من كتاب أو سنة بتحديد انتهاء وقته، وقد جاء النص بوجوبه عند حصول التمتع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فقد وجب عليه الهدي واستقر في ذمته حتى يؤديه، قال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر أن هدي التمتع يجب بالإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة - قال ما نصه:
وأما ذبحه ونحره بعد ذلك فلأن هذا الهدي قد بين الله تعالى أول وقت وجوبه، ولم يحدد آخر وقت وجوبه بحد، وما كان هكذا فهو دين باق أبدا حتى يؤدى، والأمر به ثابت حتى يؤدى، ومن خصه بوقت محدود فقد قال
стр. 1134
على الله ما لم يقله ، وهذا عظيم جدا. اهـ (١) .
وقد رد بعض أهل العلم قياس هدي التمتع والقران على الأضحية أو هدي التطوع، فقال ابن مفلح: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى (٢) . اهـ.
وقال النووي: ويخالف الأضحية؛ لأنه منصوص على وقتها. اهـ (٣) .
الخامسة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشرة الاحتجاج على تحديد وقت انتهاء الذبح باليوم الثاني من أيام التشريق بالإجماع بما ذكره الجصاص عن بعض الصحابة، وأنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم.
ويمكن نقاش ذلك بأمرين:
أحدهما: أن المقصود بالذبح ذبح هدي التطوع والأضاحي لا ذبح هدي المتعة والقران؛ لورود النص فيهما دون هدي المتعة والقران ولاختلافه عنهما.
الثاني: استبعاد أن الجصاص يقصد بقوله: وأنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم؛ انعقاد الإجماع على ذلك، وعلى فرض أنه يقصد الإجماع فإن النقل عن بعض الصحابة في حكم مسألة لا يعني إجماع كل الصحابة على القول به حتى يرد النص بنفي الخلاف بينهم فيها ما لم تكن مبنية على نص صريح ثابت من كتاب أو سنة.
السادسة عشرة: جاء في الصفحة الثانية من البحث نقول عن الرملي
стр. 1135
والفتوحي من الشافعية: بأن وقت ذبح الهدي محدود بوقت ذبح الأضحية على الصحيح، وصحح ذلك النووي والرافعي.
ويمكن نقاش ذلك: بأن مقصود الرملي والنووي والرافعي بالهدي هو هدي التطوع.
وفيما يلي بعض النصوص في بيان ذلك:
قال النووي: (فرع) في وقت ذبح الأضحية والهدي المتطوع بهما والنذور، فيدخل وقتهما إذا مضى قدر صلاة العيد وخطبتين معتدلتين بعد طلوع الشمس يوم النحر، سواء صلى الإمام أو لم يصل، وسواء صلى المضحي أو لم يصل، ويبقى إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق، ويجوز في الليل لكنه مكروه. . . إلى أن قال: وأما الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتع أو القران أو اللبس أو غير ذلك من فعل محظور أو ترك مأمور، فوقتها من حين وجوبها بوجود سببها، ولا تختص بيوم النحر ولا غيره. اهـ (١) .
وقال في موضع آخر: ووقت وجوب دم التمتع إذا أحرم بالحج، فإذا وجب جازت إراقته ولم يتوقت بوقت كسائر دماء الجبرانات. اهـ. (٢) .
وقال الشربيني: وسيأتي في آخر الباب محرمات الإحرام على الصواب ما نصه: ووقته وقت الأضحية على الصحيح هذا بناه المصنف على ما فهمه من أن مراد الرافعي بالهدي هنا المساق تقربا إلى الله تعالى فاعترضه
стр. 1136
هنا، وفي [الروضة] و [المجموع] واعترض الأسنوي المصنف بأن الهدي يطلق على دم الجبرانات والمحظورات، وهذا لا يختص بزمان، وهو المراد هنا، وفي قوله: أولا ثم يذبح من معه هدي، وعلى ما يساق تقربا إلى الله، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر باب محرمات الإحرام فلم يتوارد الكلامان على محل واحد حتى يعد ذلك تناقضا. وقد أوضح الرافعي ذلك في باب الهدي من [الشرح الكبير] فذكر: أن الهدي يقع على الكل، وأن الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، لكنه لم يفصح في [المحرر] عن المراد كما أفصح عنه في [الكبير] فظن المصنف - هو النووي - أن المسألة واحدة فاستدرك عليه، وكيف يجيء الاستدراك مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؟ ! . اهـ (١) .
وبهذا يتضح أن النووي والرافعي والرملي يقصدون بتوقيت ذبح الهدي بوقت الأضحية ما يساق هديا تقربا إلى الله تعالى على سبيل التطوع أو النذر، أما هدي المتعة والقران فنصوصهم صريحة متضافرة على جواز ذبحها بعد وجوبها.
هذا ما تيسر إيراده، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1137
مصادر ومراجع هذا البحث (باب الهدي من كتاب الحج)
١ - المذهب الحنفي: [أحكام القرآن] للجصاص، [لباب المناسك] للسندي، [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] ، [مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر] ، [المبسوط] للسرخسي، [كتاب الآثار] لأبي يوسف، [فتح القدير] .
٢ - المذهب المالكي: [المدونة] للإمام مالك، [المنتقى] للباجي، [حاشية الرهوني على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل] ، [أحكام القرآن] للقرطبي، [أضواء البيان] للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، [شرح الرسالة] لابن أبي زيد، [شرح الأبي على مسلم] .
٣ - المذهب الشافعي: [الأم] للشافعي، [شرح صحيح مسلم] للنووي، [فتح الباري] ، [المجموع شرح المهذب] ، [الإيضاح] للنووي، [المنهاج] وشرحه [مغني المحتاج] ، [الأشباه والنظائر] للسيوطي، [أحكام القرآن] للشافعي، [القرى لقاصد أم القرى] للطبري.
٤ - المذهب الحنبلي: [تفسير ابن كثير] ، [المغني] لابن قدامة، [الشرح الكبير] لابن قدامة، [حاشية المقنع] ، [زاد المعاد] لابن قدامة، [الإنصاف] للمرداوي، [مسائل الإمام أحمد] لابنه عبد الله، [القواعد] لابن رجب، [الفروع] لابن مفلح، [المحرر] لمجد الدين أبي البركات، [تحفة الودود في أحكام المولود] لابن قيم الجوزية، [القياس في الشرع الإسلامي] .
стр. 1138
٥ - كتب أخرى: [المحلى] لابن حزم، [السنن الكبرى] للبيهقي، [سنن الدارقطني] ، [نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية] للزيلعي، [التلخيص الحبير] لابن حجر العسقلاني، [الدراية] ، [شرح معاني الآثار] للطحاوي، [سنن أبي داود] ، [معالم السنن] للخطابي، [بلوغ المرام] لابن حجر العسقلاني.
стр. 1139
(٤)
حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
وحكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال
وحكم الرمي ليالي أيام التشريق
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1140
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
وحكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال
وحكم الرمي ليالي أيام التشريق
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد (١) :
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية المنعقدة في مدينة الرياض في المدة من ١\ ٨\ ١٣٩٢ هـ إلى ١٣\ ٨\ ١٣٩٢ هـ.
موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق. وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال. وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1141
أما بعد: فهذا بحث في بيان حكم رمي جمرة العقبة ليلة النحر، ورميها ليلة القر، وتقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق، والرمي في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر، وبيان أدلة الترخيص للرعاة.
وطريقة البحث هي: تحرير محل الخلاف، وذكر المذاهب، وبعض القائلين بكل مذهب وبيان مآخذهم، ومناقشة هذه المآخذ، والمقارنة بينها على القدر الذي يسره الله جل وعلا وترك الترجيح لأصحاب السماحة والفضيلة أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء.
وقد روعي في إعداد هذا البحث نسبة كل قول إلى من قال به مع ذكر المصدر الذي أخذ منه.
وسيكون في آخر البحث قائمة تشتمل على بيان كاف للمصادر التي أخذ منها حتى يتيسر الأمر لمن أراد الاطلاع عليها.
والله ولي التوفيق.
стр. 1142
رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
المسألة الأولى: حكم رمي جمرة العقبة ليلة العيد
القول الأول: اختلف العلماء متى يبتدئ وقت رميها:
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز رميها بعد منتصف الليل من ليلة النحر، وممن قال به الشافعي (١) ، وقال المرداوي (٢) : وهو الصحيح من المذهب مطلقا، وقول أكثر الأصحاب، وقال ابن قدامة (٣) : وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: « (أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم، اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني: عندها (٤) » . رواه أبو داود وسكت عنه. قال أبو حازم (٥) : قال أبو داود في رسالته لأهل مكة: وليس في كتاب [السنن] الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وقال ابن كثير (٦) : انفرد به أبو داود، وهو إسناد
стр. 1143
جيد، وقال ابن حجر (١) : إسناده صحيح، وقال ابن قدامة (٢) : واحتج به أحمد.
وجه الدلالة: قال الشافعي (٣) : وهذا لا يكون إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة.
وقد اعترض على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ودلالته:
أما الاعتراض عليه من جهة سنده: فإنه روي مرسلا وموصولا مسندا، قال القرطبي (٤) : روى معمر قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه قال: «أمر رسول الله ﷺ أم سلمة: أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها (٥) » قال أبو عمر: اختلف على هشام في هذا الحديث؛ فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا، كما رواه معمر، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ (أمر أم سلمة بذلك) مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا، وكلهم ثقاة. انتهى.
قال العراقي (٦) : إذا اختلف الثقات في حديث فرواه بعضهم متصلا وبعضهم مرسلا فاختلف أهل الحديث هل الحكم لمن وصل أو لمن أرسل أو للأكثر أو للأحفظ؟
على أربعة أقوال: أحدها: الحكم لمن وصل، وهو الأظهر الصحيح،
стр. 1144
كما صححه الخطيب، وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح في الفقه أصوله، وقد اعتضد هذا الحديث بما رواه الخلال (١) بسنده عن سليمان بن داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: «قدمني رسول الله ﷺ فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى» .
قال ابن القيم: قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني، ويقال: ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. انتهى.
قال ابن حجر (٢) : قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني، من أهل دمشق ثقة مأمون، وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، ثم قال أيضا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب أنه صدوق. انتهى.
قال الخطيب البغدادي (٣) : إذا عدل جماعة رجلا وجرحه أقل عدد من المعدلين فإن الذي عليه جمهور العلماء: أن الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ؛ لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر، ويقولون: عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره، وقد اعتلت هذه الطائفة بأن كثرة المعدلين تقوي حالهم وتوجب العمل بخبرهم، وقلة الجارحين تضعف خبرهم،
стр. 1145
وهذا بعد ممن توهمه؛ لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك، وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح؛ لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه فثبت ما ذكرناه. وقال أيضا: والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما.
وقد أبطل ابن القيم ﵀ حديث أم سلمة بما ثبت في [الصحيحين] عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة، قالت: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به (١) » .
وجه الدلالة: أن الحديث الصحيح يبين: أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه.
وقد رد هذا الاستدلال بما رواه الدارقطني وغيره، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ «أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع، فيرمين الجمرة، ثم تصبح في منزلها، وكانت تصنع ذلك حتى ماتت (٢) » .
وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن هذا الرد فقال: يرده محمد بن حميد أحد رواته، كذبه غير واحد، ويرده أيضا: حديثها الذي في [الصحيحين] وقولها: (وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة) .
стр. 1146
وقد أورد على جواب ابن القيم: بأنه ثبت في [صحيح مسلم] عن أم حبيبة: «أن رسول الله ﷺ بعث بها من جمع بليل (١) » .
فأجاب عنه: بأنها من الضعفة التي قدمها ﷺ .
ثم أورد ابن القيم اعتراضا فقال: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ (بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر) (٢) » .
فأجاب عنه بقوله: قيل: نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد والترمذي وصححه: «أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٣) » ، ولفظ أحمد فيه: «قدمنا رسول الله ﷺ : أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا، من جمع - قال سفيان: بليل - فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: أي بني، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٤) » لأنه أصح منه، وفيه «نهى النبي ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس» وهو محفوظ بذكر القصة فيه، والحديث الآخر: إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر. انتهى كلام ابن القيم.
وأما الاعتراض عليه من جهة متنه:
فقال ابن القيم: وأما حديث عائشة ﵂ «أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ (٥) » تعني: عندها، رواه أبو داود - فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره، ومما يدل على إنكاره أن فيه: أن رسول الله ﷺ (أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة) وفي رواية: (توافيه بمكة، وكان يومها فأحب أن توافيه) وهذا من المحال قطعا، قال
стр. 1147
الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة «أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة (١) » لم يسنده غيره وهو خطأ، وقال وكيع عن أبيه مرسلا: إن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا، وهذا أعجب، أيضا أن النبي ﷺ يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة؟ ينكر ذلك، قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته، فقال عن هشام عن أبيه (أمرها أن توافي) ليس (توافيه) قال: وبين ذين فرق، قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال: هكذا سفيان عن هشام عن أبيه، قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع (توافيه) وإنما قال وكيع: (توافي منى) وأصاب في قوله: (توافي) كما قال أصحابه وأخطأ في قوله: (منى) . انتهى المقصود.
فقد اعتمد ابن القيم ﵀ في إنكار هذا الحديث على إنكار الإمام أحمد، كما اعتمد عليه ابن التركماني (٢) ، والطحاوي (٣) .
ولكن يرد استنكار الإمام أحمد ﵀ لهذا الحديث قول ابن قدامة (٤) ﵀ بعد ذكره لهذا الحديث: واحتج به أحمد. وقد سبق ذكر طائفة من أهل العلم بالحديث ورجاله أنهم صححوه، واعتماد ابن القيم ﵀، وكذلك الطحاوي وابن التركماني على استنكار الإمام أحمد غير صحيح فقد تبين أنه احتج به فبطل الأصل، وببطلانه يبطل قول من اعتمد عليه. وصرح ابن حجر (٥) في [التلخيص الحبير] بسلامته من الزيادة
стр. 1148
التي استنكرها الإمام أحمد بن حنبل ﵀، أي: سلامة رواية أبي داود.
وأما الاعتراض على حديث أم سلمة من ناحية الدلالة فمن وجهين:
أحدهما: أنه خاص بها.
قال الخطابي (١) : وقال غيره - أي: الشافعي - إنما هذا رخصة خاصة لها فلا يجوز أن يرمى قبل الفجر.
وقال الزرقاني (٢) : ويؤيده كون ذلك اليوم يوم نوبتها منه ﷺ ، وله أن يخص من شاء بما شاء.
ويجاب عن هذا: بأن القاعدة المقررة في علم الأصول: أن خطاب المواجهة يعم إلا إذا أول الدليل على الخصوص (٣) .
ويرد ذلك: بورود الأدلة الدالة على نهي ابن عباس وأمثاله عن الرمي قبل طلوع الشمس، وكذلك رميه ﷺ ضحى مع قوله: «خذوا عني مناسككم (٤) » .
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن حديث عائشة محمول على الجواز، وحديث ابن عباس محمول على الأفضل.
أو أن حديث ابن عباس محمول على غير أهل الأعذار، وحديث عائشة محمول على أهل الأعذار.
الوجه الثاني: أن الرخصة لأم سلمة ﵂ أن ترمي في الليل
стр. 1149
عام في النساء فقط، لكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن (١) .
وقد يفهم تخصيص ذلك بالنساء من تصرف النسائي حيث ترجم هذه الترجمة (الرخصة في ذلك للنساء) وساق حديث عائشة، وذلك بعد روايته لحديث ابن عباس الذي في (النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس) .
وقال محمد شمس الحق العظيم أبادي (٢) : وهذا الحكم مختص بالنساء، فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت؛ لورود الأدلة بخلاف ذلك، لكنه يجوز لمن ذهب معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن، ويجري في هذا الوجه من المناقشة والمقارنة ما جرى في الوجه الذي قبله.
الدليل الثاني: عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي فصلت، ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم حلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: (فارتحلوا) فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني، إن رسول الله قد أذن للظعن (٣) » هذا لفظ البخاري، وعن عطاء بن أبي رباح ﵁ قال: إن مولاة أسماء بنت أبي بكر أخبرته قالت: «جئنا
стр. 1150
مع أسماء بنت أبي بكر ﵄ منى بغلس، قالت: فقلت لها: لقد جئنا منى بغلس، فقالت: (كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك (١) » أخرجه مالك في [الموطأ] والنسائي في [السنن] .
وأخرج أبو داود: قال عطاء: أخبرني مخبر «عن أسماء: أنها رمت الجمرة قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: (إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ (٢) » وقول أسماء ﵂: (كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك) و (كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ له حكم الرفع، كما هو مقرر في علم أصول الحديث (٣) .
وجه الدلالة (٤) : في هذا الحديث دليل على أنه يجوز للنساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل (٥) ، وحد القبلية: نصف الليل بشهادة العرف وظاهره، سواء كان ثمة عذر أم لا، ولذلك قالت أسماء: كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ ، وخطاب المواجهة يعم كما سبق، وقد سبق في رواية البخاري (قد أذن للظعن) .
وقد رد هذا الوجه: بأن أسماء إنما رمت بعد طلوع الفجر فلا حجة فيه لمن استدل به على جواز رميها قبل طلوع الفجر.
قال ابن القيم (٦) : ليس في هذا - يعني: حديث أسماء - دليل على جواز رميها - أي: جمرة العقبة - بعد نصف الليل، فإن القمر يتأخر في الليلة
стр. 1151
العاشرة إلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عليه، ومع هذا فهي رخصة للظعن، وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. انتهى.
وقال الطحاوي (١) متعقبا الاستدلال بحديث أسماء على جواز الرمي بعد نصف الليل قال: فقد يحتمل - أي: قول مولى أسماء لها: قد غلسنا - أن يكون أراد التغليس في الدفع من مزدلفة، ويجوز أن يكون أراد التغليس في الرمي، فأخبرته أن نبي الله ﷺ أذن لهم في التغليس لما سألها عن التغليس به من ذلك، وقال بعد ذلك في (باب رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر) قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب حديث - أسماء أنها رمت ثم رجعت إلى منزلها فصلت الفجر، فقلت لها: قد غلسنا، فقالت: (رخص رسول الله ﷺ للظعن) فأخبرت: أن ما قد كان رخص رسول الله ﷺ في ذلك للظعن هو الإفاضة من المزدلفة في وقت ما يصيرون إلى منى في حال مآلهم أن يصلوا صلاة الصبح. انتهى.
وتعقبه أيضا ابن كثير (٢) فقال: إن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس؛ لأن إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط؛ فلهذا أمر الغلمان بألا
стр. 1152
يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس؛ لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر، وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها، لكن يقوي الأول قول أبي داود. . . «عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: (إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي ﷺ (١) » انتهى كلام ابن كثير.
والغلس: - محركة- ظلمة آخر الليل (٢) ، والليل والليلات من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس (٣) . انتهى. وإذا كان رميها قد وقع قبل الفجر فتجري فيه المناقشة والمقارنة التي مضت في الجواب عن الاعتراض الثاني على حديث أم سلمة من جهة دلالته.
الدليل الثالث: القياس، ونصه: ولأنه وقت للدفع من مزدلفة وكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس (٤) .
ويجاب عن (٥) هذا: بأن أوقات المناسك لا تعرف قياسا.
стр. 1153
القول الثاني: لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر، ومن رماها قبل طلوع الفجر أعادها .
وقال القرطبي (١) : قال الإمام مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ رخص لأحد برمي قبل طلوع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل
стр. 1154
الفجر أعادها. انتهى كلام القرطبي.
وكذلك قال بالمنع أبو حنيفة وأصحابه (١) .
واستدل لهذا القول بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: عن كريب عن ابن عباس: أن النبي ﷺ «كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين» أخرجه البيهقي في [السنن الكبرى] والطحاوي في [شرح معاني الآثار] .
وعن مقسم عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ بعثه في الثقل وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا (٢) » أخرجه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] .
وجه الدلالة: أنه ﷺ نهاهم عن رمي جمرة العقبة إذا قدموا منى حتى يصبحوا (٣) ، إذ المعنى: حتى تدخلوا في الصباح وهو يحصل بأول الفجر، ورد (٤) هذا الاستدلال بأن اللفظ مطلق يدل على فرد شائع مما يحتمله اللفظ، ومن جملة ما تصح إرادته الوقت الذي بعد طلوع الشمس لدخوله في مطلق الإصباح فيكون مجملا، وقد بين بفعله ﷺ حيث رماها ضحى، فكان هو المراد، ولا ينافيه قوله ﷺ : «حتى تطلع الشمس (٥) » لعدم التفاوت بين طلوعها ووقت الضحى الذي هو انبساطها وإشراق نورها إذ فيه تحقيق للبعدية. انتهى.
стр. 1155
الدليل الثاني: وأما قول مالك ﵀: (لم يبلغنا) يعارض بما سبق في حديث أم سلمة وأسماء.
القياس، وهو (١) : أن النصف الآخر من الليل وقت الوقوف فلم يكن وقتا للرمي كالنصف الأول.
ويجاب عنه: بأن (٢) أوقات المناسك لا تعرف قياسا.
стр. 1156
القول الثالث: أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس ، وهو قول النخعي والثوري (١) ، واختيار ابن القيم (٢) .
واستدل لهذا القول بأدلة:
الدليل الأول: عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٣) » رواه مسلم.
وجه الدلالة: قال النووي (٤) : وأما قوله ﷺ : «لتأخذوا مناسككم (٥) » فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي. مناسككم، فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، وهذا الحديث
стр. 1157
أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي (١) » انتهى.
الدليل الثاني: عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٢) » . رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي (٣) والنووي (٤) وابن القيم (٥) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، وقد مضى إيراد ابن القيم على هذا الحديث ودفعه ومناقشته لحديث أم سلمة وأسماء.
الدليل الثالث: حديث أسماء المتفق عليه، وقد سبق، قال فيه: قالت: (يا بني هل غاب القمر؟) قلت: نعم، قالت: (فارتحلوا) فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت: «يا بني، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (٦) » اهـ.
وجه الدلالة: هذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس وهو بقية الظلام.
وصرحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظعن، ومفهومه: أنه لم يأذن للذكور الأقوياء (٧) انتهى.
وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به للمذهب الأول.
стр. 1158
الدليل الرابع: حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، وفيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: (رخص في أولئك رسول الله ﷺ .
وجه الدلالة (١) : حديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس، كما ترى ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك.
وقد جمع ابن القيم بين أدلة هذا الباب فقال (٢) : لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق معه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. انتهى.
وبعد سرده للمذاهب في هذه المسألة قال (٣) : والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر؛ لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٤) : الذي يقتضي الدليل رجحانه
стр. 1159
في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس؛ لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم - أعني: الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر- فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في علم الأصول هي: أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز، وله وجه من النظر.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. انتهى المقصود.
стр. 1160
المسألة الثانية: حكم رمي جمرة العقبة ليلة النفر
في هذه المسألة مذهبان:
المذهب الأول: إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فإنه يرميها .
قال الطحاوي: وقال أبو حنيفة: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم