٣ - يفيض في أرض هذه المنطقة ثمانية وديان: وادي الصريط، ويأتي من خارج سلسلة جبال الركب من الجهة الشمالية منها، ووادي الصدير، فوادي حوضاء، فوادي ثربة، فوادي المنقى الأول، فوادي المنقى الثاني، فوادي شلال، وهذه الوديان الستة تفيض على أرض الحجر، من تلاع داخل حرة عويرض من الجهة الشمالية الغربية والجهة الغربية منها لأرض الحجر، وتجتمع هذه الوديان السبعة في مفرش واسع في الشمال الغربي من أرض الحجر، ثم يتفرع من هذا المفرش ثلاثة وديان: اثنان منها غرب سكة الحديد، وما يسمى بـ: (بئر الناقة) وواحد منها يتجه إلى الجهة الشرقية من أرض الحجر، ثم ينعطف جنوبا، ثم إلى الجنوب الغربي إلى أن يجتمع بالواديين في مفرش غرب سكة الحديد، فيما بين الخريمات غربا وجبل بثنية وجبال الأثالث شرقا، ويتكون منها واد واحد جنوب هذا المفرش يتجه جنوبا مع تعرجات فيه، حتى يلتقي بمفيض وادي المعتدل، ويفيض وادي عشار من الجهة الغربية من حرة عويرض، ويلتقي بمضيق وادي الحجر قبل أن يفيض على العلا، ويبدأ وادي المعتدل من الجهة الشرقية تقريبا متجها إلى الغرب حتى يلتقي بوادي الحجر، ويكون معه واديا واحدا يتجه إلى العلا جنوبا.
٤ - يقع في الأرض المحاطة بسلسلة الجبال المتقدمة كثير من الجبال المتفرقة المنتشرة من أشهرها: جبال الأثالث، وجبل بثينة، وجبل بيت الصانع، وجبل أبي لوحة، وجبال الخريمات، وبكل من هذه الجبال المشهورة بيوت منحوتة، ومن أشهرها جبل عكما،
стр. 1682
وجبل دنان، وبكل منها كتابة أثرية، ومن أشهرها أيضا: جبل الحوارة، وجبل الحوير، وجبل الجميل، وجبال الصقليات، وجبال الصينيات، ومما بداخل السلسلة أيضا من الآثار: بئر الناقة، وخريبة الحجر التي أظهرها السيل العام الماضي، على ما قاله مأمور مركز الحجر وغيره، وتقع هذه الخريبة قريبا من جبال الأثالث، وبثنية كما هو موضح بالرسم، كما أن بأرض الحجر مزارع وأشجار وآبارا حديثة وقديمة أثرية، ويوجد قريبا من جنوب مفيض وادي المعتدل مكان أثري يعرف بـ: (خريبة العلا) ، وبخشم الجبل المشرف عليها وعلى مفيض المعتدل نحوت وكتابة أثرية.
٥ - إن أريد بأرض الحجر جميع الأرض التي أحاطت بها سلسلة جبال الركب وحرة عويرض - فحده من الجهات الأربع طبيعي - وقد تبين مما تقدم - وعلى هذا أخذت اللجنة المساحة من الشمال إلى الجنوب بكيلو السيارة فوجدتها (٣٤.٥) أربعة وثلاثين كيلو مترا ونصف كيلو مع وجود تعرجات اقتضاها خط سير السيارة، وهذا التقدير بعد طرح التعرجات يقرب من تقدير أهل العلم لها قديما بثمانية عشر ميلا، وهو الذي بنى عليه الشيخ عبد الله بن بليهد فتواه في تحديد الحجر.
أما إن أريد بأرض الحجر خصوص ما به بناء أثري وآبار أثرية وجبال أثرية - فالتحديد يحتاج إلى القيام بحفريات في جميع الأراضي التي تحيط بها سلسلة الجبال التي تقدم ذكرها للوقوف على ما اندفن من البيوت والآثار والأسوار، وعند ذلك يمكن التحديد بغير سلسلة الجبال، وإن أريد بالحجر مجرى الوادي فحده طبيعي واضح.
стр. 1683
٦ - تقسيم المنطقة التي بداخل سلسلة الجبال المتقدمة إلى ما يسمى بـ: (أرض الحجر) ، وما يسمى: بـ (أرض العذيب) تقسيم حديث، كما سيجيء بيانه في إجابة عرفاء البلاد في جهة المنطقة.
رابعا - رأت اللجنة بعد أن جالت في المنطقة وعرفت جماعة من أهل الخبرة بالمواقع وأسمائها من سكان هذه الجهات - أن تدعوهم إلى الاجتماع لسؤالهم عن المواقع وأسمائها، وعن المتعارف عليه عندهم في حدود الحجر؛ زيادة في الإيضاح، وتأكيدا لما عرفته في جولاتهم مع الأدلاء في الحجر، ورأت أن يكون المجتمعون من العلا، ومما يسمى بـ: (العذيب) ، وما يسمى بـ: (الحجر) ، فاجتمع كل جماعة من جهة في جهتهم، وسألت اللجنة كلا منهم على انفراد.
وفيما يلي بيان أسمائهم وما سئلوا عنه وأجوبتهم:
الأسماء:
١ - صحن بن شلاش الفقير - وعمره ثمانون سنة تقريبا.
٢ - دبشي بن سلطان الفقير - وعمره ستون سنة تقريبا.
٣ - عبد المهدي بن محمد بن جبل الفقير - وعمره ٤٨ سنة تقريبا.
٤ - حاكم بن شهاب الفقير - وعمره ٦٥ سنة تقريبا.
٥ - صياح بن بندر الفقير - وعمره ٦٥ سنة تقريبا.
٦ - فلاح بن مفلح الفقير - وعمره ٦٥ سنة تقريبا.
٧ - مطلق بن منور الخالد التيمائي - وعمره ٤٥ سنة تقريبا، (أمير مركز العذيب) من ثلاث سنوات، وعمل في خدمة إمارة العلا من عام
стр. 1684
١٣٦١ هـ.
٨ - عبد الرشيد بن عبد الرحمن الإمام - وعمره ٦٠ سنة تقريبا.
٩ - سعد بن أحمد بن يوسف - وعمره ٦٦ سنة تقريبا.
١٠ - محمد بن إبراهيم طعيمة - وعمره ٨٠ سنة تقريبا.
١١ - محمد أحمد عتيق - وعمره ٨٤ سنة تقريبا.
١٢ - موسى بن محمد بن عيسى العمر - وعمره ٥١ سنة تقريبا.
١٣ - فيحان المطيري (أمير مركز الحجر) - وعمره ٥٥ سنة تقريبا.
١٤ - محمد بن دليحان من أهل ضرماء (أمير مركز الحجر) سابقا - وعمره ٧٠ سنة تقريبا.
الأسئلة التي وجهت إلى كل منهم:
١ - ما المتعارف عليه المشهور بينكم في تحديد الحجر من الجهات الأربع؟
٢ - ما المتعارف عليه المشهور بينكم في تحديد ما يسمى بـ: (العذيب) من الجهات الأربع؟
٣ - هل عرف بينكم حد الحجر من الجنوب بالصينيات، ومتى بدأ ذلك، وعلى أي أساس بنيت هذه المعرفة؟
٤ - هل ما يسمى بـ: (شلال) وما يسمى: ثربة تابعان لمسمى الحجر فيما عرف عندكم؟
٥ - أين بئر الناقة، وأين المزحم فيما تعرف؟
٦ - ما أبعد بئر عادية في الشمال والجنوب والشرق والغرب فيما يسمى بـ: (الحجر) حسبما اشتهر عندكم؟
стр. 1685
٧ - ما أبعد أثر من آثار ثمود في الحجر من الشمال والجنوب والشرق والغرب فيما يسمى بـ: (الحجر) حسبما اشتهر عندكم؟
٨ - هل يوجد فيما يسمى بـ: (العذيب) آبار ثمودية، سواء أكانت محياة أم لا؟
الأجوبة:
اتفقت إجابتهم في أن شلال وثربة ليستا من الحجر، وإن كان سيلهما يفيض في الحجر، وفي أن بئر الناقة يقع عند المحطة الكبرى لسكة الحديد تحت القلعة، أنهم لا يعرفون بئرا أخرى سواها تعرف بـ: (بئر الناقة) وفي أن الحجر في المتعارف عليه عندهم يحد من الجنوب الشرقي: بأم الشجرة، ثم مهج الظفير، ثم مهج الظفير، ومن الشرق والشمال: بالجبال المتصلة المسماة بـ (الراكبة) أو (الركب) ، ومن الغرب والجنوب الغربي: بالجبال المتصلة، والمسماة بـ (حرة عويرض) ، ومن الجنوب يحد قديما بكثيب من الرمال يسمى: (النثلة) وهو يقع عند مفيض المعتدل في طرف نخيل العلا شمالا عند خروج الوادي من الحجر: أما حد الحجر من الجنوب: بما يسمى بـ: (جبال الصينيات) فهو حد حديث لم يعرف إلا بعد استفتاء سلطان الفقير عن أرض العذيب وإجابة الشيخ ابن بليهد له، ومنح أرض العذيب لدبشي بن سلطان الفقير، فعند ذلك قامت لجنة حكومية وحددت العذيب شمالا: بما يسمى بـ: (جبال الصينيات) ، وجنوبا: بـ: (النثلة) عند مفيض المعتدل ونهاية نخيل العلا شمالا، كما اتفقوا على أنه لا توجد آبار ثمودية فيما يسمى بـ: (العذيب) - حسبما يعرفون - وإنما توجد عيون قديمة ومجاري عيون، وما فيه من الآبار كلها محدثة، واتفقوا
стр. 1686
أيضا على أنه لا يوجد في الشمال الشرقي من أرض الحجر آبار قديمة مندفنة، عند مزيلقة، وكذا عند جبال الصقليات يغلب على الظن وجود آبار قديمة مندفنة، ولكن لم يظهر شيء منها إلى الآن، كما اتفقوا على أنه يوجد آبار كثيرة قديمة وحديثة عند جبال الأثالث وبثينة، ولا يوجد شمال الحجر بعد الوادي شيء من الآبار فيما نعرف، وأما الجهة الجنوبية الشرقية والتي جعل بعضها مطارا فليس فيه آبار حسب علمنا: وأما الآثار فهي في مدخل الحجر شمال العلا في منطقة تسمى: (الخريبة) ، وفي جبال الأثالث، وبثينة، وأبي لوحة، والخريمات، وخريبة الحجر.
٨ - مع البحث خريطة تقريبية لأرض المنطقة، ولسلسلة الجبال المحيطة بها، وما بهذه السلسلة من منافذ، وما بداخلها من الجبال والآثار والوديان والآبار.
ونسأل الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبيا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع مع الاحتفاظ بحقي في تقديم وصف للمنطقة بصورة أشمل ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1687
وصف ديار ثمود
من إعداد فضيلة الشيخ: عبد الله بن سليمان بن منيع
الحمد لله وحده، وبعد:
فبناء على ما ذكره أهل العلم من أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبناء على ما قررته هيئة كبار العلماء في أن تقوم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالشخوص إلى الحجر وتطبيق النقول على طبيعة الأرض، ونظرا إلى أن النقول عن أهل العلم في تحديد هذه المنطقة غير واضحة لإمكان تطبيقها، وإنما يتطرقها الاحتمال ـ فقد ظهر لي أن مهمة اللجنة في الدرجة الأولى تكاد تنحصر في وصف مشاهدتها المنطقة، وصفا يتمكن فيه من تكييف أي احتمال يكون في تحديد ما لا يجوز إحياؤه شرعا منها، ونظرا إلى أن الوصف المقدم في البحث لم يكن في رأيي مستغرقا ما في نفسي مما شاهدته فيها مع الزملاء ولم يكن لدى الزملاء استعداد في بسط الوصف بالطريقة التي أراها؛ ولذلك فقد رأيت التقدم للهيئة بالوصف التالي للمنطقة:
١ - أن المنطقة محاطة بسلسلة جبال سود تتخللها منافذ تخرج منها. هذه المنافذ تسمى: مصيعيب، فخرم الشجرة، فأم عاذر، ثم مهج ظفير، ثم مهج ظفير ثم أبو حماطة، فالرماحية، فأبو الحمام، فأم الجرفان، فالمقتل، فالفج، فمزيلقة، ثم مزيلقة الثانية، فالشليل، فالمزحم، فخور الحمار، ومنه مخرج سكة الحديد، ثم الصريط، ثم بويب، وتبدأ هذه
стр. 1688
الجبال من الجهة الجنوبية بالنسبة للواقف في وسط المنطقة، ثم تمتد نحو الجنوب الشرقي، ثم إلى الشرق، ثم إلى الشمال الشرقي، ثم إلى الشمال، ثم إلى الشمال الغربي، وتسمى هذه الجبال بـ (الركب) . ثم يفصلها واد صغير يعتبر أحد روافد وادي الحجر، ويسمى بـ: (الصريط) ، ثم تقوم الجبال السود، وتستمر في الامتداد نحو الغرب، ثم الجنوب الغربي، ثم الجنوب، إلى أن تقابل نقطة الابتداء في مكان يسمى: (أبا القناطير) وتسمى هذه السلسلة الثانية من الجبال بـ: (حرة عويرض) ، وبين ابتداء محيط هذه السلسلة وانتهائه الطرف الشمالي لمدينة العلا.
٢ - أقسام المنطقة: تنقسم هذه المنطقة حاليا إلى قسمين:
القسم الأول: ويسمى بـ: (العذيب) وهو الجزء الجنوبي منها، وفيه مركز إمارة تابع لإمارة العلا، ويعتبر ثلث المنطقة تقريبا، وهو محدود من الجهة الجنوبية: بالعلا، ومن الجنوب الشرقي والجنوب الغربي: بسلسلة الجبال القائمة، ومن الشمال: بجبال تسمى: (جبال الصينيات) ، وفيه مجموعة من المزارع التي تسقى على آبار محدثة، كما أن فيه آثار مجاري عيون أثرية معطلة، وفي جزئه الجنوبي فيما يسمى بـ: (عكمة) و (جبل دنان) كتابات أثرية، وقد استصدر دبشي بن سلطان الفقير أمرا ساميا بإقطاعه إياه، وأخذ بذلك الإقطاع صكا شرعيا من محكمة العلا.
وقد بحثت في بعض معاجم البلدان فلم أجد له تسمية فيها. مما يؤكد الظن أن تسميته بـ: (العذيب) كان في وقت متأخر.
ويجري في العذيب ثلاثة وديان: أحدها: يسمى المعتدل، ويأتي من الجهة الشرقية مما يلي الجنوب الشرقي لسلسلة الجبال المحيطة بالمنطقة،
стр. 1689
ويمتد غربا، ويتصل بأدنى نخل من نخيل العلا من الجهة الشمالية، يسمى: الزهراء، ثم يستمر في الامتداد حتى يتصل بمضيق وادي الحجر.
الثاني: يضيق وادي الحجر ويأتي من الجهة الشمالية من مفرش وادي الحجر، ويمتد جنوبا حتى يتصل به وادي المعتدل، ليشكلا وادي العلا.
الثالث: وادي عشار، وهو يأتي من الجهة الغربية، ويمتد شرقا حتى يتصل بمفيض وادي الحجر قبل اتصال المفيض بوادي المعتدل.
وفي العذيب مجموعة جبال متقطعة متناثرة بيض اللون، أشهرها: عكمة ودنان، وفيهما آثار كتابات قديمة، وفي جنوبيه مما يتصل بشمال العلا قطعة أرض تسمى: (الخريبة) فيها آثار قديمة، منها ما يسمى بـ: (محلب الناقة) ، وفي الجبال الواقعة في الجنوب الشرقي منها نحوت وتماثيل وكتابات، وينقسم العذيب حاليا إلى قسمين: الوسيطى، وقرقرى، وهي تسميات محدثة حسبما أخبرنا بذلك بعض أهلها.
القسم الثاني: الحجر: وهو محدود من الجهات الشرقية والشرقية الشمالية والشمال والشمال الغربي والغرب بسلسلة الجبال القائمة، ومن الجنوب بجبال الصينيات وما حاذاها غربا وشرقا، وفيه مركز إمارة تابع إمارة العلا.
وهو يمثل ثلثي ما أحاطت به سلسلة الجبال القائمة وهو يحتوي على ما يلي:
أ- الوديان: هذه الوديان عبارة عن واد واسع، له روافد سبعة: الصريط، ويأتي من خارج السلسلة الجبلية من الجهة الشمالية للحجر، ثم وادي صدير، ثم وادي حوضا، ثم وادي ثربة، ثم وادي المنقى الأول، ثم
стр. 1690
المنقى الثاني، ثم وادي شلال، وهذه الستة تفيض على أرض الحجر من تلاع داخل هذه السلسلة الجبلية من الجهة الشمالية الغربية، ومن الجهة الغربية لأرض الحجر، تجتمع هذه الروافد السبعة ليتشكل منها واد واسع المجرى، يقدر عرضه قبل انفراشه بثلاثة كيلو مترات، ينحدر هذا الوادي من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وقد قسنا عرضه قبل اتصال وادي ثربة والمنقى الأول والمنقى الثاني وشلال به- فبلغ كيلوين وربع كيلو، ثم ينفرش في أرض واسعة، تقدر مساحتها بستة كيلو مترات تقريبا في مثلها، ثم يخرج من هذا المفرش واد يتجه نحو الجنوب الغربي يتراوح عرضه بين الثمانين مترا والمائة متر، وهو ما سبقت الإشارة إليه بتسميته بـ: (مفيض وادي الحجر) وغالب مجراه واقع فيما يسمى بـ: (العذيب) . وتجدر الإشارة إلى أن نهاية تلعتي ثربة وشلال وراء سلسلة الجبال القائمة قريتين: إحداهما: ثربة، والأخرى: شلال، في كل واحدة منهما مزارع ونخيل.
ب- الجبال: هذه الجبال عبارة عن مجموعة جبال متناثرة متقاطعة بيض اللون، ومن أشهرها: جبال بثينة، والأثالث، وأبو لوحة، والخريمات، وجبال الصقليات، وجبل الحوارة، وجبل الحوير، وجبال الصينيات، تتخلل هذه الجبال كثبان من الرمال.
ج- الآثار: توجد الآثار ظاهرة للعيان الآن في منطقة تقدر مساحتها بستة كيلو مترات في أربعة، وهي عبارة عن أمور ثلاثة:
أحدها: نحو بيوت في جبال الأثالث، وبثينة، وأبو لوحة، والخريمات، وما بينها من جبال قد تدخل في مسمى: جبال الأثالث.
стр. 1691
الثاني: آبار بعضها عثرت عليه البادية هناك، وأقاموا عليها مزارعهم، بعض هذه الآبار منحوت حتى الماء، وبعضها مطوي، وغالبها في مفرش الوادي وبعضها خارج عنه من الجنوب، كبئر بجوار جبل الصينية، ومن الشمال كآبار مزيلقة، وقد حفر بعضها ثم دفن بأمر من الحكومة -أعزها الله- حتى يبت في موضوع الحجر.
الثالث: آثار قصور في مفرش الوادي في جهته الجنوبية، وقد كشف سيل العام الماضي عنها، وهي محاطة بآثار سور، يظهر أنه سور مدينة، يقدر طول هذا السور بكيلو متر وعرضه نصف كيلو تقريبا، تحيط به الجبال التي فيها نحوت من جهاته الغربية والجنوبية والشرقية.
كما أن في مفرش الوادي في الجهة الشمالية منه بئرا عند محطة سكة الحديد، وعندها مبنى يقال بأنه كان معدا لاستراحة الحجاج قبل بناء محطة سكة الحديد، وحوله بركة محفورة يقدر طولها باثني عشر مترا في مثلها في عمق مترين ونصف تقريبا، يقال: بأن هذه البئر هي بئر الناقة، وأهل المنطقة لا يختلف بعضهم على بعض في أنها هي بئر الناقة، وليس في واقعها المشاهد آثار قديمة، ولعل آثار حفرها وطيها مطمور، وهي الآن عبارة عن بئر ضيقة داخل المبنى تتصل بها بئر خارجة عن المبنى تبعد عنها قرابة عشرين مترا وبجوار هذه البئر حفر مطمور يقال: بأنه البئر الثالثة، كما يقال: بأن هذه الآبار الثلاث عبارة عن بئر واحد واسعة الأرجاء، تصرفت فيها الحكومة التركية حتى صارت إلى ما هي عليه الآن.
د- المزارع والسكان: يوجد في هذا الجزء من أرض الحجر مجموعة كبيرة من المزارع والبساتين، تزيد على مائة مزرعة، غالبها تسقى من آبار
стр. 1692
ثمودية، كما يوجد بها مجموعة من السكان، غالبهم بادية، وهم يشتغلون في مزارعهم ورعي مواشيهم، وفي الأوراق المتعلقة بالمسألة بيان تعدادي للمزارع قامت بإعداده اللجنة السابقة المكونة من الشيخ عبد الرحمن الخيال والشيخ محمد بن قعود.
٣ - المساحات: قامت اللجنة بأخذ مساحات تقريبية بكيلو السيارة، أهمها ما يلي:
من الصينية إلى المزحم - المزحم: منفذ يخرج من محيط الحجر شمالا، يقال: بأن الناقة كانت تزحمها جباله إذا صدرت منه - واحد وعشرون كيلو متر تقريبا.
عرض مجرى الوادي قبل اجتماع أربعة من روافده كيلوان وربع، ويقدر عرضه بعد اجتماع روافده وقبل انتشاره بثلاثة كيلو متر تقريبا، ويقدر مفرش الوادي في سهول الحجر بستة كيلو مترات تقريبا في مثلها، من حافة الوادي الشمالية إلى السلسلة الجبلية شمالا يتراوح بين المتر وأربعة كيلو مترات، بمعنى: أن هذه المساحة تشكل شبه مثلث طرفا ضلعيه في الغرب.
من مدخل الحجر في شمال العلا إلى مفرش الوادي ستة عشر كيلو متر تقريبا.
طول الوادي من مفيض الصدير إلى منعرج الوادي لجهة العذيب ثلاثة وعشرون كيلو متر تقريبا.
من مدخل الحجر شمال العلا إلى المزحم - وهو أحد مخارج جبال الركب شمال الحجر - أربعة وثلاثون كيلو متر ونصف.
стр. 1693
من مفيض ثربة غرب الحجر حتى مهج ظفير شرق الحجر سبعة وثلاثون كيلو متر تقريبا.
ويلاحظ أن المسافات الطويلة التي أخذت بكيلو السيارة فيها تعاريج اقتضاها خط سير السيارة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين في المائة. مما سجله عداد السيارة.
٤ - الجهة الشرقية: هذه الأرض تحيط بها سلسلة الجبال القائمة، وتبلغ مساحتها عشرين كيلو متر طولا من الشمال إلى الجنوب في عشرة كيلو متر من الشرق إلى الغرب تقريبا، وهذه الأرض ليس فيها آثار ظاهرة ولا مزارع ولا سكان، والجبال فيها قليلة جدا، وقد اقتطع جزء منها ليكون مطارا للمنطقة، وليس فيها وديان غير مجرى وادي المعتدل في نهاية جنوبها، وقد سبقت الإشارة إليه في وصف الوديان الواقعة فيما يسمى بـ: (العذيب) من المنطقة.
هذا ما تيسر ذكره. وأسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
تحريرا في ٦ \ ٣ \ ١٣٩٣هـ
عضو اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 1694
قرار رقم (٣٠) وتاريخ ٢١ \ ٨ \ ١٣٩٤ هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على برقية سمو نائب وزير الداخلية رقم (١٣٨٧٩) وتاريخ ١١ \ ٤ \ ١٣٩٤ هـ الصادرة بعد صدور قرار هيئة كبار العلماء بتحريم إحياء ديار ثمود الصادر في دورتها الثالثة برقم (٩) في شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٣ هـ، الموجهة لرئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بشأن الاستفسار عما يجب اتخاذه في ثمار ديار ثمود ومنتجاتها التي تم نضجها وحصادها قبل إبلاغهم بالمنع، وهل تلحق المواشي والدواجن بالثمار؟
وبناء على إدراج هذا الموضوع ضمن جدول أعمال الدورة الخامسة لهيئة كبار العلماء -عرض الموضوع في هذه الدورة المنعقدة في مدينة الطائف فيما بين ٥ \ ٨ \ ١٣٩٤ هـ و٢٢ \ ٨ \ ١٣٩٤ هـ.
وبعد دراسة الموضوع وتداول الرأي قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: لا يشمل الحكم بتحريم إحياء ديار ثمود وسكناها وتحريم مياهها- ما نشأ فيها أو جلب إليها من المواشي والدواجن، وإن تغذى بما فيها من مزارع ونبات وشرب من مياهها؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يعلفوا ركائبهم العجين الذي عجنوه بماء آبار ثمود، ولو كان ذلك يوجب تحريم ركائبهم عليهم ما أمرهم ﷺ أن يعلفوها ذلك العجين.
стр. 1695
ثانيا: لا يلزم من تحريم مياهها وإحياء أرضها تحريم ثمارها؛ لأن أعيان المياه والتربة قد استحالت لأعيان أخرى هي الثمار والزروع، والاستحالة تقتضي تغيير الخواص والأحكام ونظير ذلك طهارة ما سمد من الأشجار والزروع بالنجاسات، وحل ثمارها بسبب الاستحالة، ونظيره أيضا طهارة ما تخلل بنفسه من الخمر وحل الائتدام به وبيعه وشرائه، وغيرها من أنواع الانتفاع بعد أن كان خمرا محرما شربها وبيعها وشراؤها، وذلك بسبب الاستحالة.
وأيضا للزراع فيها كسب وتسبب يوجب ملك الثمار والزروع، ومال المسلم معصوم كدمه وعرضه؛ لقول النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه (١) » .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء. .
رئيس الدورة الخامسة
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد الرزاق عفيفي
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد
صالح اللحيدان ... عبد الله بن منيع
مخالف وله وجهة نظر مرفقة ... راشد بن خنين
стр. 1696
وجهة نظر في حكم ثمار ديار ثمود
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي [صحيح البخاري] سنده إلى عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وفيه بسنده إلى ابن عمر، أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
إن المتأمل في علة المنع من الاستقاء من هذه الآبار سيخرج بأحد أمرين: إما لنجاسة الماء، أو لوصف لازم له يوجب تحريمه، وجمهور أهل العلم متفقون على القول بطهارة مياه تلك الآبار؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب- فقال النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (١) » رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه.
قال الإمام أحمد ﵀: حديث بئر بضاعة صحيح. فتعين القول بأن علة المنع من ذلك وصف قائم فيه لازم له يوجب تحريمه.
وإلى نحو ذلك أشار القرطبي ﵀ في تفسير سورة الحجر فقال: أمر النبي ﷺ بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأنه ماء
стр. 1697
سخط فلم يجز الانتفاع به؛ فرارا من سخط الله، وقال: "أعلفوه الإبل" قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم، إذ لا تكليف عليها. اهـ.
وفي [الإقناع وشرحه] ما نصه: ولا يباح ماء آبار ديار ثمود غير بئر الناقة. . . إلى أن قال: فظاهره، أي: ظاهر القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود لا تصح الطهارة، أي: الوضوء والغسل به؛ لتحريم استعماله؛ كماء مغصوب، أو ماء ثمنه المعين حرام في البيع، فلا يصح الوضوء بذلك، ولا الغسل به؛ لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » . . . إلى أن قال: ولا يستعمله؛ لأنه ممنوع منه شرعا فهو كالمعدوم حسا. اهـ.
وحيث اتجه القول إلى أن علة المنع: اشتماله على وصف لازم له، وهو كونه ماء سخط، فإن الثمار الناتجة من مزارع وبساتين تلك الديار المسقاة بتلك الآبار شبيهة بالطحين المعجون بماء هذه الآبار، إن لم تكن أولى منها. ذلك أن العجين بمائها مركب من أمرين: مباح، هو: الطحين، ومحرم، هو: الماء، أما الثمار فمحتواها لا يخرج عن تربة تلك الديار، ومياه آبارها، والقول باستحالة حرمة هذه المياه حينما تحولت إلى ثمار قياسا على النجاسة غير صحيح -فيما أرى- قياس مع الفارق، فإن الشيء المتنجس يزول بغسله، أو باستحالته، أما التحريم فلا يزول إلا بزوال الوصف الموجب له، كاستحالة الخمر إلى خل، فإن الوصف الموجب لتحريمها الإسكار، وباستحالتها إلى خل زال ذلك الوصف، فصارت حلالا. وتحريم مياه هذه الآبار -لكونها مياه سخط أو لأي وصف آخر-
стр. 1698
موجب للتحريم، والوصف الموجب لتحريم مياه آبار ديار ثمود وصف ملازم لها، سواء اختلطت بغيرها -كالعجين- أو شكلت مع غيرها أجساما أخرى كالثمار.
يدل على أن الحرمة لا تزول عن الشيء المحرم -وإن انتقل من حال إلى حال إلا بزوال الوصف الموجب لها- ما روى الجماعة عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه (١) » ، وما روى ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ : قال «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه (٢) » رواه أحمد وأبو داود.
فإن حرمة الشحوم على اليهود انسحبت على أثمان أدهانها، ولم تنفعهم حيلتهم لاستباحتها، بل بقي التحريم قائما، فاستحقوا بذلك لعنة الله لاستباحته.
كما يدل على ذلك ما ثبت عنه ﷺ من أنه ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له. فذكر أن من أسباب رد الدعاء وعدم الاستجابة- أكل الحرام، وشربه، والتغذية به، مع أن أعيان هذه الأشياء المحرمة تستحيل إلى مواد أخرى بعد أكلها أو شربها، ومع ذلك لم تكن استحالتها مانعة من ملازمة الحرمة لها، ومن كون ملازمة
стр. 1699
الحرمة لها سببا في رد الدعاء ومنع الاستجابة؛ لأن الوصف الموجب لحرمتها ملازم لها.
لذلك كله فإني أرى أن لثمار مزارع وبساتين ديار ثمود حكم الطحين المعجون بمائها، وهو إطعامه الدواب.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الطائف في ٢٠ \ ٨ \ ١٣٩٤ هـ
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 1700
(٤)
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء
في المعاملات وإلزام القضاة
بالحكم به
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1701
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء
في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فبناء على ما نقله سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عن جلالة الملك فيصل ﵀ بموجب خطاب سماحته رقم ١١٤٧١ \ ١ \ ط وتاريخ ٢٩ \ ٦ \ ١٣٩٢ هـ الموجه إلى فضيلة الأمين العام لهيئة كبار العلماء، وبناء على القرار رقم (٥) وتاريخ ١٣ \ ٨ \ ١٣٩٢ هـ الصادر عن الهيئة -أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به، وضمنته الكلام على ما يأتي على الترتيب:
الأول: تمهيد.
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض.
ب- حكم تولية كل منهم القضاء.
стр. 1702
ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا.
الثاني: الدواعي التي دعت إلى تأليف كتاب بعبارة سهلة يقتصر فيه على القول الراجح من أقوال الفقهاء على هيئة مواد، وإلزام القضاة العمل بما فيه.
الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا.
الرابع: أقوال فقهاء الإسلام قديما وحديثا في إلزام ولاة الأمور القضاة أن يحكموا بمذهب معين أو رأي معين فيما يرفع إليهم من الخصومات مع الأدلة.
الخامس: الآثار التي تترتب على البقاء مع الأصل، والتي تترتب على العدول عنه للدواعي الطارئة؛ لما يظن أنه المصلحة.
السادس: هل يمكن إيجاد حل لهذه المشكلة القائمة سوى إلزام القضاة أن يحكموا بما يراد تدوينه من الأقوال الراجحة، أو يتعين إلزامهم بذلك طريقا لعلاج الموقف وحل المشكلة.
السابع: مدى تصرف إمام المسلمين في الإلزام، مع أمثلة في مجال إلزامه توضح ذلك.
والله الموفق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
стр. 1703
الأول: التمهيد: وفيه ثلاثة أمور:
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض .
ب- حكم تولية كل منهم القضاء.
стр. 1704
ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا.
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض:
١ - قال (١) ابن عابدين نقلا عن ابن كمال باشا: الفقهاء على سبع طبقات:
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة، من غير تقليد لأحد، لا في الفروع ولا في الأصول.
الثانية: طبقات المجتهدين في المذهب؛ كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب؛ كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي -إلى أن قال-: فإنهم لا يقدرون على مخالفة الإمام، لا في الأصول ولا في الفرع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه،
стр. 1705
فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، وعن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقاييس على أمثاله ونظائره من الفروع وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوال والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة؛ كصاحب [الكنز] ، وصاحب [المختار] ، وصاحب [الوقاية] ، وصاحب [المجمع] ، وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل.
٢ - قال (١) الآمدي: أما الاجتهاد فهو في اللغة: عبارة عن استفراغ
стр. 1706
الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. . ثم قال: وأما في اصطلاح الأصوليين: فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد عليه -وبعد أن شرح التعريف قال-: وأما المجتهد: فهو من اتصف بصفة الاجتهاد -وبعد أن ذكر الشرط الأول من شرطي المجتهد المطلق قال- الشرط الثاني: أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها المعتبرة فيها على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها وكيفية استثمار الأحكام منها قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال من الاعتراضات الواردة عليها. . . إلى أن قال: هذا كله يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها، ولا يضره جهله في ذلك بما لا تعلق له به مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية. كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المستكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر.
٣ - قال (١) محمد الأمين الجنكي الشنقيطي ما حاصله: المجتهد المطلق الناظر في الأدلة الشرعية من غير التزام مذهب إمام معين؛ كالأئمة
стр. 1707
الأربعة، وأما مجتهد المذهب فهو مجتهد أصوله أصول إمام مذهبه، سواء كانت منصوصة للإمام المقلد أم مستنبطة من كلامه، فكثيرا ما يستخرج أهل المذهب الأصول- أي: القواعد وفاقية أو خلافية -من كلام إمامهم وشرطه المحقق له: أن يكون له قدرة على استنباط الأحكام من نصوص ذلك الإمام الملتزم هو له، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه؛ لوجود معنى ما نص عليه فيه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى أو استنبطه هو من كلامه، أو كأن يستخرج حكم المسكوت عنه من عموم ذلك أو قاعدة ذكرها، وأما مجتهد الفتيا فهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من أن يرجح قولا على قول آخر لم ينص ذلك الإمام على ترجيح واحد منهما، والمجتهد في المذهب أعلى رتبة من مجتهد الفتوى، والمقلد هو القائم بحفظ المذهب وفهمه في الواضح والمشكل العارف بعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، المستوفي لحفظ ما فيه من الروايات والأقوال، وعلم خاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها. قال: نحو هذا نقله الخطاب، وقال: العلم بذلك متعذر، والظاهر أنه يكفي في ذلك غلبة الظن بأن وجد المسألة في التوضيح، وفي ابن عبد السلام. انتهى كلامه، وهذا له أن يفتي في حدود ما نقل مستوفى، وفيما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق وكذا ما يعلم اندراجه تحت قاعدة من مذهبه، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به، ولا بد أيضا من شدة الفهم وكونه ذا حظ كبير من الفقه.
стр. 1708
٤ - قال (١) شيخ الإسلام نقلا عن ابن الصلاح، وذلك بعد أن ذكر كلاما في المجتهد المطلق يتفق مع ما ذكره الآمدي قال:
وللمفتي المنتسب أحوال أربع:
أحدهما: ألا يكون مقلدا لإمامه، لا في المذهب ولا في دليله، وإنما انتسب إليه؛ لسلوك طريقه في الاجتهاد. . إلخ، وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل ويعتبر بها في الإجماع والخلاف.
الحال الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه، يستقل بتقرير مذهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، ولا بد أن يكون عالما بأصول الفقه، لكنه قد أخل ببعض الأدوات؛ كالحديث واللغة، فإذا استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له، ولا يستوفي النظر في شروطه، وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها، كما يفعل المجتهد المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه. قال: والذي رأيت من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا، قال: وأقول: يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى، ولا يتأدى به إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى؛ لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ على جواز تقليد الميت وهو الصحيح، وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة، أو باب خاص، ويجوز له أن يفتي فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع
стр. 1709
المفتين من مدد مديدة، وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة، وهو أقدر والمستفتي فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له، قطع به أبو المعالي، قال: وأنا أقول: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي (في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبيه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا؟) .
والذي اختاره أبو إسحاق: أنه لا ينسب إليه؛ قال: وتخريجه تارة من نص معين، وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه، والأولى إذا وجد نص بخلافه يسمى ما خرجه: قولا مخرجا، وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك ينسى وجها، وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا، وإن لم يعلم العلة الجامعة، كالأمة مع العبد في السراية، ومهما أمكن الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما، وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق.
الحال الثالثة: أن يكون حافظا للمذهب، عارفا بأدلته، لكنه قصر عن درجة المجتهدين في المذهب؛ لقصور في حفظه أو تصرفه أو معرفته بأصول الفقه، وهي مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة، قصروا عن الأولين في تمهيد المذهب، وأما في الفتوى فبسطوا بسط أولئك، وقاسوا على المنقول والمسطور غير مقتصرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق.
الحال الرابعة: أن يحفظ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها غير أنه مقتصر في تقرير أدلته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في
стр. 1710
نصوص الإمام وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه، وما لم يجده منقولا؛ فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فصل يمكن، كالأمة بالنسبة للعبد في سراية العتق، أو علم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب- جاز له إلحاقه والفتوى به، وإلا فلا، قال: ويندر عدم ذلك، كما قال أبو المعالي، بعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هو في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه، ولا بد في هذا أن يكون فقيه النفس يصور المسائل على وجهها، وينقل أحكامها بعد استتمام تصويرها، جليها وخفيها، قال: ولا تجوز الفتوى لغير هؤلاء الأصناف في الفقه: أنه يجب عليه الاستفتاء. انتهى.
٥ - قال (١) علي بن سليمان المرداوي ما ملخصه: المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام:
مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.
القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء على ما تقدم هناك، إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها، ولا يتقيد بمذهب أحد، وقيل يشترط أن يعرف أكثر الفقه،
стр. 1711
وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك. وقيل: المفتي: من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يسر من غير تعلم آخر.
القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره:
وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه. . . وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
الحالة الثاني: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه، مستقلا بتقريره بالدليل، ومضى في الكلام. . . إلى أن قال: والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط. فهذه صفة المجتهدين أرباب الأوجه والتخاريج والطرق.
الحالة الثالثة: ألا يبلغ به رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره ونصرته، يصور ويحرر، ويمهد ويقوي، ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك؛ إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن طرف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإما
стр. 1712
لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف، بها يشتغل الناس اليوم غالبا، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب.
وأما فتاويهم فقد كانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو نحوه ويقيسون غير المنقول على المنقول والمسطور. . ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه. وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه، أو احتمال، وفتاويهم مقبولة.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه، من منصوصات إمامه، وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. . . ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس. . . ويكفي استحضاره أكثر المذاهب، مع قدرته على مطالعة بقيته.
القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم، فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره، وعليه الأصحاب.
القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو مسألة وليس له الفتوى في غيرها.
٦ - قال ابن القيم (١) : المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى -أربعة
стр. 1713
أقسام.
أحدهم: العالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت. . . إلخ.
النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه في الحكم ولا في الدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. . . إلخ.
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكنه لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البتة. . . إلخ.
النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه، فأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. . . إلخ.
ففتاوى القسم الأول: من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني: من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث، والرابع: من جنس توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعطه متشبه بالعلماء، محاك للفضلاء.
стр. 1714
ب- حكم تولية كل منهم القضاء
أما حكم تولية كل منهم القضاء فمختلف تبعا لاختلاف أحوالهم:
стр. 1715
أ- المذهب الحنفي:
١ - قال (١) علي بن خليل الطرابلسي في الكلام على الركن الأول في شروط القضاء- قال: وإذا أراد الإمام تولية أحد اجتهد لنفسه وللمسلمين. . . ومضى إلى أن قال: وأهل القضاء: من كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لقوله ﵊ لمعاذ حين بعثه قاضيا إلى اليمن: «بم تقضي يا معاذ؟ (٢) » . . . الحديث، ولأن القاضي مأمور بالقضاء بالحق، إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن الحوادث ممدودة، والنصوص معدودة فلا يجد القاضي في كل حادثة نصا يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك إذ كان عالما بالاجتهاد. . . ومضى إلى أن قال: ولا ينبغي أن يكون صاحب حديث لا فقه عنده، أو صاحب فقه لا حديث عنده، عالما بالفقه والآثار، وبوجه الفقه الذي يؤخذ منه الحكم.
قال عمر بن عبد العزيز: من راقب الله تعالى فكانت عقوبته أخوف في نفسه من الناس وهبه الله السلامة.
٢ - قال (٣) الكاساني في الكلام على من يصلح للقضاء بعد أن ذكر جملة من الشروط: وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز، بل شرط الندب والاستحباب، وعند أصحاب الحديث كونه عالما بالحلال والحرام وسائر الأحكام، مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك- شرط جواز التقليد، كما قالوا
стр. 1716
في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به -وبعد سياقه الحديث: "القضاة ثلاثة" قال: إلا أنه لو قلد جاز عندنا؛ لأنه يقدر على القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده جائزا في نفسه، فاسد المعنى في غيره، والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم عندنا مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع، وهو كالبيع الفاسد، إنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم كذا هذا. انتهى.
٣ - قال (١) عثمان بن علي الزيلعي على قول صاحب [الكنز] : (والاجتهاد شرط الأولوية- قال: - لأنه أقدر على الحكم بالحق، واختلفوا في حد الاجتهاد. قيل: أن يعلم الكتاب بمعانيه، والسنة بطرقها، والمراد يعلمها على ما يتعلق به الأحكام منه، ومعرفة الإجماع والقياس؛ ليمكنه استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها بطريقها.
ولا يشترط معرفة الفروع التي استخرجها المجتهدون بآرائهم، وقال بعضهم: يشترط مع هذا: أن يكون عارفا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف؛ كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما من المجتهدين، وقال بعضهم: من حفظ المبسوط ومذهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد، والأشبه أن يقال: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه يعرف معاني الآثار،
стр. 1717
وصاحب فقه له معرفة بالحديث؛ كيلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: لا بد مع هذا من أن يكون صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس؛ لأن كثيرا من الأحكام مبني عليها. انتهى.
ب- المذهب المالكي:
١ - يشترط (١) في القاضي أن يكون مجتهدا، فلا تنعقد إلا له إن وجد، وإلا فمقلد، ويجب عليه العمل بالمشهور في مذهب إمامه، واعلم أنه أراد بالمجتهد المطلق، وأما غير المطلق فهو داخل في المقلد، وهو قسمان: مجتهد مذهب، وهو الذي يقدر على إقامة الأدلة، ومجتهد الفتوى، وهو الذي يقدر على الترجيح، وما ذكره من أن تولية المقلد مع وجود المجتهد باطل قول، والقول الآخر: أنها صحيحة، وعليه طائفة أيضا، كالمازري وغيره، وعليه العمل في زمن مالك وغيره ممن قبله وممن بعده من المجتهدين، فكان ينبغي الاقتصار عليه.
٢ - يشترط في صحة تعيين القاضي: أن يكون مجتهدا مطلقا إن وجد، وإلا فمجتهد مذهب أو فتوى، وهو الذي يضبط المسائل المنقولة ويقوى على استخراج ما ليس فيه نص بقياس على المنقول في مذهب إمامه وباعتبار قاعدة كلية، وقيل: الاجتهاد المطلق شرط كمال التولية وتقديم الأمثل، وهو مجتهد المذهب على المقلد المحض ليس بشرط صحة في
стр. 1718
التولية على الأصح، بل قال بعضهم: يصح تولية غير العالم حيث شاور العلماء.
ج- المذهب الشافعي:
١ - قال الماوردي: ولا يجوز أن يقلد القضاء من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده، وينفذ بها حكمه وهي سبعة. . . إلى أن قال: والشرط السابع: أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، وعلمه يشتمل على أصولها، والارتياض بفروعها. ثم فصل الكلام بما ينطبق على المجتهد المطلق. ثم قال بعد ذلك: فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي، وجاز له أن يستفتى ويستقضى، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطأ كان تقليده باطلا، وحكمه -وإن وافق الصواب- مردود، وتوجه الحرج فيما قضى به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء، وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد؛ ليستفتى في أحكامه وقضاياه، والذي عليه جمهور الفقهاء: أن ولايته باطلة، وأحكامه مردودة، ولأن التقليد في فروع الشريعة ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه. ثم قال: ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة؛ لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه. فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي
стр. 1719
حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة، ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضاء والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة، وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور، والاجتهاد فيها مستحق. وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أداه اجتهاده إليه، وإن خالف ما تقدم من حكمه، فإن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في المشتركة بالتشريك في عام، وترك التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي؟ فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي.
٢ - وبعد (١) أن ذكر الرملي: أن الاجتهاد شرط في تولية القضاء، قال بعد ذلك: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد وهو: من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى. . . ومضى إلى أن قال: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، إما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد، كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له
стр. 1720
الاجتهاد مع النص (فإن تعذر جمع هذه الشروط) أو لم يتعذر، كما هو ظاهر مما يأتي فذكر التعذر تصوير لا غير (فولى السلطان أو من له شوكة) . . . (فاسقا أو مقلدا) (ولو جاهلا) نفذ قضاؤه الموافق لمذهبه المعتد به، وإن زاد فسقه (للضرورة) لئلا تتعطل مصالح الناس. . . ويجب عليه رعاية الأمثل فالأمثل؛ رعاية لمصلحة المسلمين، وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد، وإلا نفذت تولية المقلد، ولو من غير ذي الشوكة. . . ومعلوم أنه يشترط في غير الأهل معرفة طرف من الأحكام. . . ويلزم قاضي الضرورة بيان مستنده في سائر أحكامه، كما أفتى بذلك الوالد ﵀، ولا يقبل قوله: حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وكأنه لضعف ولايته. انتهى المقصود.
د- المذهب الحنبلي:
١ - قال (١) في [المنتهى وشرحه] : فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا. . . إلى أن قال: وعلى الإمام أن يختار لذلك أفضل من يجده علما وورعا؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح لهم.
٢ - وقال (٢) أيضا: وله أن يولي قاضيا من غير مذهبه.
٣ - وقال (٣) أيضا بعد ذكره لشروط الاجتهاد: فمن عرف أكثر ذلك فقد صلح للفتيا والقضاء؛ لتمكنه من الاستنباط والترجيح بين الأقوال، قال في