محل التأمين.
هـ- أن تكون هذه الوثائق سارية المفعول وقت تحقق الخطر.
ويؤكد علماء القانون أن فكرة المشاركة مستمدة من مبدأ القول بأنه (لا يجوز أن يكون التأمين بأي حال من الأحوال مصدر ربح للمؤمن له، وإنما الغرض الوحيد منه هو تعويض المؤمن له عن الأضرار المادية التي لحقت الأشياء المؤمن عليها بحسب قيمتها الحقيقية وقت تحقق الخطر) .
стр. 2137
١٣ - التأمين الاقتراني وإعادة التأمين:
لا شك أن اختلاف الأخطار التي يجمعها المؤمن في ضمانه من حيث طبيعتها وقيمتها يؤدي إلى وجود فروق كبيرة تهدد نشاط المؤمن في حال زيادتها عن متوسط ما قدرت به التعريفة، ولكي يواجه المؤمن هذه الاحتمالات الخطرة فإن أمامه طريقين يمكنه بهما أو بأحدهما أن يحقق تناسقا بين الأخطار الواقعة في ضمانه:
أحدهما: التأمين الاقتراني.
والثاني: إعادة التأمين.
أما التأمين الاقتراني: فيتلخص في أن يحتفظ المؤمن لنفسه بقدر من الخطر الاحتمالي بما يتناسب مع قدرته التحملية، ثم يعرض القدر الزائد على مؤمنين آخرين كل منهم يتقبل جزءا من الخطر في حدود إمكانياته، فإذا تحقق الخطر قام المؤمنون جميعا بمواجهة كل بقدر حصته منه، ويعتبر كل واحد من المؤمنين في حدود حصته من التأمين مرتبطا تعاقديا مع المؤمن له من غير أن يكون للآخرين ارتباط بهذه الحصة.
ونظرا لرفض مجموعة كبيرة من المؤمن لهم التأمين الاقتراني؛ لعدم
стр. 2138
التضامن بين المؤمنين فضلا عن الصعوبة في تحقق رضا المؤمن له عن كل شركة من شركات التأمين الاقتراني، وعن مساوئ تعدد الإدارات وبالتالي تأخر البت في إعطاء المؤمن له التعويض اللازم، نتيجة لاختلاف النظر والنشاط في التحقيق والتثبت عن صحة الالتزام، كل ذلك جعل التأمين الاقتراني غير مرغوب فيه كوسيلة من وسائل التنسيق بين الأخطار.
أما إعادة التأمين فهي: اتفاق قائم يتم بموجب عقد يقع إبرامه بين هيئتين من هيئات التأمين تسمى الأولى منهما: معطية، والثانية: معيدة التأمين، تحيل الشركة المعطية بمقتضاه حصصا من الأخطار التي تتقبلها في معاملتها الخاصة إلى معيد التأمين الذي يتعهد بقبولها حسب شروط العقد.
ويتضح من هذه العملية أنها تعتبر عقد تأمين جديد قائم بذاته لا علاقة للمؤمن له الأول به، ذلك أن المؤمن وهو المعطي يعتبر في هذه العملية مؤمنا له، ومعيد التأمين يعتبر مؤمنا، ودرك المؤمن له الأول على المؤمن الذي هو مؤمن له في عقد إعادة التأمين. وحيث إن عقد إعادة التأمين يعتبر في الواقع عقدا من عقود التأمين الاعتيادية، فإنه يتمتع بنفس الخصائص التي يتميز بها عقد التأمين الاعتيادي.
ويمتاز إعادة التأمين بقدرته على توزيع المخاطر على أوسع نطاق ممكن، وعلى تحقيق التوازن بين المخاطر مع سلامته من المساوئ التي تتمثل في التأمين الاقتراني، ولهذا يحرص الكتاب دائما على تسميته بالعمود الفقري لكل شركة تأمين؛ لأن له أهمية كبرى في أسواق التأمين العالمية، إذ ما من شركة تأمين مهما كان مركزها المالي إلا وهي آخذة
стр. 2139
بنصيبها منه.
стр. 2140
١٤ - تنوع نظريات التأمين تبعا للاعتبارات التي بنيت عليها:
للتأمين جوانب اقتصادية ومدنية وفنية، ولكل جانب من هذه الجوانب الثلاثة اتجاه نظري خاص.
أ- فللتأمين من الجانب الاقتصادي نظريتان:
إحداهما: نظرية التأمين للحاجة عاجلا أو آجلا، ذلك أن المرء قد يكون محتاجا احتياجا عاجلا لازما لإشباع متطلبات مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه وما إلى ذلك من شئون حياته العاجلة، وقد يكون احتياجه آجلا كحاجته إلى تأمين استعداده للظروف المحتمل وقوعها مستقبلا، فتغطية حاجته عاجلا أو آجلا واستعداده للطوارئ التي قد يرتب وقوعها خسائر كبيرة هو الباعث على التأمين.
الثانية: نظرية التأمين للأمن. ذلك أن المرء وإن كانت حاجته متوفرة لديه إلا أن قلقا نفسيا، يساوره حينما يعرف أن هذه الأمور محل للأخطار المتوقع حصولها عليها مستقبلا، لذلك يجد نفسه مدفوعة إلى التأمين على هذه الأشياء طلبا للراحة النفسية والأمن والاطمئنان إلى سلامتها ودوامها طيلة حاجته إليها.
ب- وللتأمين من الجانب المدني نظريتان:
إحداهما: نظرية التأمين عن الضرر، ذلك أن التأمين ضمان للتعويض عن الأخطار التي تترتب على وقوعها أضرار مادية. فطالب التأمين يطلبه؛ لأنه يرى فيه إنقاذا من أضرار لا قبل له بتحملها.
الثانية: نظرية التأمين في مقابل. ذلك أن المؤمن له يدفع للمؤمن قسطا
стр. 2141
دوريا في مقابلة التزام المؤمن بدفع تعويض عن الضرر الواقع على محل التأمين في حدود ما تم عليه الاتفاق وشمله العقد، فالتأمين بهذا عملية تقابل: قسط يدفع في مقابلة تعويض عند وقوع الحدث المؤمن عنه يدفع. .
ج- أما الجانب الفني فللتأمين نظريتان:
إحداهما: المقاصة المنظمة، وذلك على أساس أن الأخطار التي يتعرض لها المؤمن لهم توزع عليهم عن طريق المقاصة.
الثانية: نظرية المقاولة المنظمة فنيا. هذه النظرية تتلخص في أن التأمين ليس عقدا بين فردين عاديين، وإنما هو عقد بين فرد وهيئة منظمة تنظيما فنيا يجري تعاملها على أساس قواعد الإحصاء التي تعطي نسبة تقريبية لوقوع الأخطار، ويجري على ضوء النتائج الإحصائية مدى الدخول مع طالب التأمين في اتفاق تأميني ثم تقدير القسط وسعره ومبلغ التأمين في حال الاقتناع بجدوى ذلك.
مما تقدم نستطيع استخلاص الحقائق التالية:
أ- التأمين عقد إلزامي ليس من باب الإعانات ولا التبرعات.
ب- يغلب على عمليات التأمين القصد التجاري، وإن وجد فيه التعاون فالغالب أنه جاء بطريق الاستلزام لا بطريق القصد.
ج- ليس للمؤمن في جميع صوره مجهود في اتقاء المخاطر، وإنما مجهوده محصور في استقصاء المعلومات عن احتمال وقوع الخطر بواسطة قانون الاستكثار وغير ذلك من الملابسات والظروف، وعن الحال الاجتماعية والأخلاقية الذي يكون عليها المؤمن له حيث إن
стр. 2142
عقود التأمين يفترض فيها توافر حسن النية لدى الطرفين.
د- التأمين وإن كان بالنسبة للمؤمن يعتبر في الغالب عملا تجاريا واسعا، فهو بالنسبة للمؤمن له ليس عملا تجاريا وإنما هو إجراء مدني يقصد به الوقاية من كوارث يستطيع به المؤمن له درء خسائرها عليه.
هـ- التأمين بالنسبة للمؤمن التزام احتمالي معلق قيامه على وقوع الخطر المؤمن عنه، حيث إن الخطر المؤمن عنه يحتمل وقوعه فيجري الالتزام بدفع مبلغ التأمين، ويحتمل ألا يقع فتبرأ ذمة المؤمن مما التزم به من تعويض، وأما بالنسبة للمؤمن له فالتزامه بدفع الأقساط التزام منجز ليس للاحتمال فيه مجال.
ويعتبر المؤمن له في عقد التأمين مشتريا الأمان عن الخطر الذي أمن عليه كل فترة دورية (شهرية أو سنوية أو مدة معينة) بما يدفعه قسطا تأمينيا لها.
ز- ليس للمؤمن له تأمينا تجاريا حق في استرجاع الأقساط التي دفعها أو شيئا منها في حال انقضاء المدة التي دفع عليها التأمين دون وقوع الحادث.
ح- ليس للمؤمن له تأمينا تجاريا حق في الأرباح التي يستحصلها المؤمن من المؤمن لهم.
ط- ليس للمؤمن حق في اقتطاع جزء من مبلغ التعويض عند وقوع الخطر على محل التأمين عند استكمال قيام التزامه بدفع كامل مبلغ التأمين.
ي- المؤمن لا يقدم على عملية التأمين إقداما عشوائيا، وإنما يعقد التأمين بعد إجرائه الدراسات الإحصائية التي تعطيه نتائج تقريبية في ربح
стр. 2143
الصفقة.
ك- لا يصح التأمين على خطر ليس للمؤمن له مصلحة في عدم وقوعه، ولا التأمين على خطر قد وقع أو مستحيل الوقوع، ولا التأمين على أخطار ما يكون احترافه مخلا بالنظام العام والآداب.
стр. 2144
الخلاصة: وجملة القول: أن الكلام في التأمين ينحصر في مقامين: بيان حقيقة التأمين وما يتعلق بها، وبيان حكمه.
أما المقام الأول فيتضمن ما يأتي:
١ - التأمين:
لغة: بعث الأمن والطمأنينة في النفس، والأمن ضد الخوف.
واصطلاحا: يعرف على أنه تصرف بين المؤمن والمستأمن بأنه عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغا من المال، أو إيرادا مرتبا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك في نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن.
ويعرف باعتباره فكرة لها أثر اقتصادي واجتماعي بأنه نظام تقوم به هيئة منظمة على أساس المعاوضة أو التعاون، وتديره بصورة فنية قائمة على أساس ونظريات وقواعد إحصائية فتوزع بمقتضاه الحوادث والأخطار، وترمم به الأضرار.
٢ - فكرة التأمين من حيث هو: نشأت قبل الميلاد بزمن، وأخذت على مر الأيام أشكالا عدة وصورا متنوعة تختلف كثيرا عن التأمين في العصر الحاضر، فمثلا ظهر في إلقاء بعض حمولة سفينة؛ ليخف عبؤها وتسلم
стр. 2145
مع باقي حمولتها، ثم ظهر في إلزام الحكومة الرومانية تجار الأسلحة بإرسال ما لديهم من أسلحة إلى القوات بحرا على أن يضمنوا لهم ما تلف منها بحرا أو بيد العدو، وما زال التأمين يظهر في أشكال حتى انتهى إلى أنواعه وصوره الحاضرة، ويذكر أن أقدمها التأمين البحري، وقد وضعت النظم حسب مقتضيات البلاد التي انتشر فيها، ولم يدخل في البلاد الإسلامية إلا في وقت متأخر بدليل أنه لم يكتب في حكمه أحد من علماء المسلمين المتقدمين، ويقال: إن أول من كتب فيه ابن عابدين من فقهاء الحنفية.
٣ - للتأمين عدة تقسيمات باعتبارت مختلفة:
أ- فينقسم من حيث شكله والغرض منه إلى:
تأمين تعاوني -تبادلي- وهو: أن يشترك جماعة بمبالغ تخصص لتعويض من يصببه الضرر منهم، وإن عجزت الأقساط عن التعويض دفع الأعضاء أقساطا إضافية لتغطية العجز، وإن زادت فللأعضاء حق استرداد الزيادة، ويقوم على إدارتها جماعة من المشتركين والغرض من هذا النوع التعاون في تحمل الخسائر لا الربح.
وإلى تأمين تجاري -تأمين بقسط ثابت- وقد سبق تعريفه في فقرة (١) ، والغرض منه أصالة الربح وتختص به شركة التأمين التي تقوم بإدارته مستقلة عن الأعضاء المشتركين.
ب- وينقسم من حيث موضوعه إلى: تأمين تجاري، ويشمل التأمين البحري والنهري والتأمين الجوي والتأمين البري، وإلى تأمين على الأشخاص، ويقوم المؤمن بتعويض المؤمن له أو وارثه عن الضرر الذي
стр. 2146
أصابه في جسمه سواء كان موتا أم عاهة أم مرضا أم شيخوخة. وإلى تأمين من الأضرار ويتناول التأمين من المسئولية بضمان المؤمن كل ما يرجع فيه على المؤمن له من الأضرار التي أصاب بها غيره كحوادث السيارات والعمل. كما يتناول التأمين على الأموال بتعويض المؤمن له عن الخسارة التي تصيبه في ماله من سرقة أو حريق أو موت حيوان أو تلف زرع أو سيارة ونحو ذلك.
٤ - للتأمين وظائف:
منها: أنه من عوامل إنماء الصناعة والتجارة بضمانه لرؤوس أموالهما وتعويض التجار والصناع عما يصيبهم فيما يصدرون ويستوردون. . . إلخ.
ومنها: أنه أحد العوامل في إقامة البنوك والمصارف التي لها خدماتها في المرافق الكثيرة للحكومات والأمم.
ومنها: أنه يساعد على تكوين رؤوس الأموال للشركة والمستأمنين ولتكوين رؤوس الأموال أثر بالغ في نماء الاقتصاد وسد الحاجات، وقد أجمل بعض من كتب في التأمين وظائفه في الأمان والائتمان وتكوين رؤوس الأموال.
٥ - أسس التأمين الفني:
يقوم التأمين الفني على ثلاثة أمور:
أ- التعاون بين المستأمنين تحت إشراف المؤمن وتنظيمه، وهذا يحقق أمرين:
أولا: تجزئة المخاطر بتوزيع نتائجها على عدد كثير من المستأمنين
стр. 2147
حيث تدفع مما تحصل من الأقساط التي دفعوها دون شعور منهم بعبء ثقيل.
ثانيا: كفالة الأمان للمؤمن بتوفر عدد كثير من المشتركين، وللمستأمن لثقته بقدرة الشركة على الوفاء بعد تكوين الرصيد.
ب- المقاصة بين المخاطر بتنظيم توزيعها بين المستأمنين توزيعا عادلا، ويتوقف ذلك على المتشابه بين المخاطر، وأن تكون عددا كثيرا لا نادرا، وأن لا تقع في زمن واحد، وأن تتحد في موضوعها وقيمتها.
ج- جدول الإحصاء:
تعتبر قواعد الإحصاء أساسا لقبول التأمين وتقدير قسطه وتقدير مبلغ التأمين وغير هذا مما يتوقف على الإحصاء.
٦ - أركان التأمين وعناصره:
يرى جماعة ممن كتب في التأمين الفرق بين عناصر التأمين وأركانه، فجعلوا أركانه ثلاثة: التراضي بين المتعاقدين، ومحل التأمين، والسبب الباعث للمتعاقدين على إبرام عقد التأمين، وعند الشرح يفسرون محل التأمين بالخطر أو بثلاثة أمور: الخطر، والقسط، ومبلغ التأمين، ويفسرون السبب بالمصلحة التأمينية، وهؤلاء يرون أن عناصر التأمين هي: الخطر والقسط، ومبلغ التأمين، والمصلحة التأمينية. ويرى جماعة آخرون منهم أن أركان التأمين وعناصره شيء واحد، وهي: الخطر المؤمن منه، والأقساط التي يدفعها المستأمن ومبلغ التأمين، والمصلحة التأمينية. وبالمقارنة يتبين ما بين الرأيين من تداخل والثاني منها هو الظاهر.
стр. 2148
٧ - خصائص عقد التأمين:
لعقد التأمين خصائص هي:
أولا: أنه من عقود التراضي، فيعتبر فيه الإيجاب والقبول، ويخضع للقواعد العامة التي تحكم سائر العقود الرضائية.
ثانيا: أنه عقد احتمالي؛ لأن كلا من المتعاقدين لا يعرف وقت العقد مدى كسبه أو خسارته؛ حيث إنه تابع لأمر غير محقق الحصول، أو غير معروف وقت حصوله؛ ولذا قيل: إنه من عقود الغرر، وإن نظم المؤمن عملياته وبناها على الإحصاء.
ثالثا: أنه عقد مستمر لاستمرار المستأمن في سداد الأقساط واستمرار عهدة المؤمن إلى السداد.
رابعا: أنه عقد إذعان، لإذعان المستأمن إلى قبول الشروط التي وضعها المؤمن دون مناقشة أو تعديل؛ ولذا حمى المسئولون المستأمن في تنظيم عقد التأمين فأبطلوا الشروط التعسفية، وفسروا ما كان غامضا في العقد لمصلحة المستأمن.
خامسا: أنه عقد معاوضة، لالتزام المؤمن بمبلغ التأمين مقابل الأقساط التي يدفعها المستأمن.
سادسا: أنه عقد ملزم للمتعاقدين، حيث ينشأ عنه التزامات متقابلة لكل منهما.
سابعا: أنه من العقود المسماة التي تخضع للأحكام والقواعد المقررة في قانون المحاكم بخلاف العقود غير المسماة في القانون المحلي، فإنها تخضع للنظرية العامة للالتزام وللشروط التي اتفق عليها الطرفان.
стр. 2149
ثامنا: أنه من عقود حسن النية، لإذعان المستأمن للشروط دون مناقشة، ولعدم معرفة المؤمن بحال المستأمن تفصيلا؛ ولذا يجب ألا يخفي كل من الطرفين عن الآخر شيئا من الأمور الجوهرية.
تاسعا: أنه عقد تجاري يقصد المؤمن به الربح، وأما بالنسبة للمستأمن فهو تجاري إن تعلق بشئون تجارته.
عاشرا: أنه عقد يؤخذ فيه بالسبب القريب في التسبب كتلف أمتعة من إلقائها حين الحريق أو تهدم بنيان من إطفاء الحريق بالماء، ولا يؤخذ فيه بالسبب البعيد؛ كالزلازل والبراكين. . .
٨ - حلول المؤمن لمحل المستأمن:
يحل المؤمن محل المستأمن بما دفع من تعويض عن الحريق ونحوه في الدعاوى التي للمستأمن قبل من تسبب في ضرره، ويكون ذلك في حدود المبلغ الذي دفعه المؤمن للمستأمن ما لم يكن من أحدث الضرر قريبا للمستأمن أو صهرا له يعيش معه أو يكون تابعا للمستأمن مسئولا عنه، وإذا تعذر الحلول بتنازل المستأمن عن مطالبة المتسبب برئت ذمة المؤمن من مسئولية التأمين براءة تامة أو جزئية حسب الأحوال.
٩ - وثيقة التأمين أو بوليصة التأمين:
هي: عقد بين المؤمن والمستأمن يبرم بعد اتخاذ إجراءات بينهما من المؤمن لمصلحته؛ لإثبات حق كل منهما، وتشتمل على ما يلي:
أ- أسماء المتعاقدين ومحل إقامتهما واسم المستفيد إن كان معينا.
ب- وصف محل التأمين وصفا كاملا يتضمن بيان نوعه وجنسه ومحل خزنه إن كان مالا ومحل ونوع عمله إن كان شخصا.
стр. 2150
ج- وصف الخطر المؤمن منه وصفا دقيقا تنتفي معه الجهالة.
د- مقدار سعر التأمين الذي يمكن أن يحتسب قسط التأمين على ضوئه.
هـ- مقدار القسط الدوري وتعيين وقته، وطريق سداده.
وبيان مدة العقد وتحديد نفاذه بذكر تأريخ ابتدائه وتأريخ انتهائه.
ز- المبلغ المؤمن به، ويسمى: رأسمال بوليصة التأمين.
ح- الشروط الخاصة بالعقد المتعلقة بمصالح طرفيه.
ط- توقيع طرفي العقد المؤمن والمؤمن له وتأريخ التوقيع.
ولوثائق التأمين تقسيمات عدة باعتبارات مختلفة.
أ- فتنقسم باعتبار مدة سريان العقد إلى وثيقة سنوية، وإلى وثيقة لفترة قصيرة -أي دون السنة- وإلى وثيقة لفترة طويلة، أي أطول من سنة إلى وثيقة سفرية، وهي التي يتوقف أمد نفاذها على المدة التي يكمل فيها النقل، ولقصر المدة وطولها تأثير في إضافة زيادة إلى القسط وعدم الإضافة، وفي تعجيل دفع كامل القسط وعدم تعجيله.
ب- وتنقسم من حيث نطاق ضمان العقد إلى وثيقة اعتيادية، وهي التي تضمن شيئا معينا من خطر معين، وهي أكثر الوثائق شيوعا، وإلى وثيقة عائمة، وهي التي تتضمن شروطا عامة لتغطية شحنات متعددة لمدة غير محدودة بمبلغ تأمين إجمالي وبموجبها يلتزم المستأمن بدفع قسط التأمين بنسبة المبلغ الإجمالي مقدما، ويكون قابلا للتسوية عند انتهاء عمليات الشحن، وإلى وثيقة عامة وهي التي تصدر بالتأمين من أخطار متعددة يخشى حدوثها على أموال مختلفة، ولذا يستوفى بموجبها قسط تأمين إجمالي يشمل كافة الأخطار المؤمن منها.
стр. 2151
ج- وتنقسم من حيث قيمة التأمين إلى وثيقة محدودة، وهي التي حددت فيها قيمة التأمين بالنسبة لقيمة محل التأمين وقيمة العقد، وإلى وثيقة غير محدودة، وهي التي لم يجر فيها تحديد قيمة التأمين بالنسبة لقيمة المحل، فإن زادت قيمة محل التأمين على مبلغ التأمين فليس للمستأمن حق المطالبة بمقابل هذه الزيادة عند تحقق الخطر، وإن نقصت قيمة المحل عن مبلغ التأمين كان للمستأمن المطالبة برد نسبة معينة من قسط التأمين تحسب على أساس الفرق بين مبلغ التأمين وقيمة محل التأمين.
١٠ - المشاركة في التأمين:
قد يؤمن شخص على شيء معين ضد خطر معين عند عدد من شركات التأمين، وتتجاوز جملة مبالغ التأمين القيمة الحقيقية لمحل التأمين، فيكون لمجموع شركات التأمين حق توزيع الخسارة بينهم حال الخطر على محل التأمين، كل منهم بنسبة مبلغ التأمين الذي التزم به؛ منعا للمؤمن له من أن يتخذ التأمين طريقا تجاريا للربح، كما أن للمؤمن له الحق في مطالبتهم بإعادة نسبة من قسط التأمين حسب نظام معروف يحكم بينهم في ذلك.
ويشترط لتطبيق مبدأ المشاركة في التأمين ما يأتي:
أ- أن يقوم نفس الشخص بالتأمين على محل معين لدى مؤمنين عدة.
ب- أن تشترك وثائق التأمين في تغطية نفس الأخطار.
ج- أن تحمي هذه الوثائق مصلحة تأمينية معينة.
د- أن تكون مبالغ التأمين في هذه الوثائق زائدة عن قيمة المحل.
هـ- أن تكون هذه الوثائق سارية المفعول وقت تحقق الخطر.
стр. 2152
١١ - التأمين الاقتراني وإعادة التأمين:
قد تختلف الأخطار التي جمعها المؤمن في طبيعتها وقيمتها فتعرضه لشدة الخطر، ولذا يحتاج إلى تنسيقها؛ ليخفف عن نفسه، فيلجأ إلى التأمين الاقتراني أو إعادة التأمين، ويتبين الفرق بينهما مما يأتي:
أ- التأمين الاقتراني: أن يحتفظ المؤمن لنفسه بجملة من التأمينات المتناسقة في حدود قدرته ويعرض ما بقي على مؤمنين آخرين، وعند تحقق الخطر يقوم كل من المؤمنين بما التزم به في حدود حصته مرتبطا بالمؤمن له مستقلا عن غيره من المؤمنين.
ب- إعادة التأمين: هي عقد يبرم بين هيئتين من هيئات التأمين تسمى الأولى معطية، والثانية معيدة، فتحيل الأولى بمقتضى العقد حصصا من الأخطار التي لديها إلى الثانية التي تتعهد بقبولها حسب شروط العقد، وتعتبر إعادة التأمين توثيقا للتأمين الأول، وكفالة له فقط.
ونظرا لعدم التضامن بين المؤمنين في التأمين الاقتراني واختلاف إدارات شركات التأمين في نشاطها ووفائها، وتأخر دفع التعويض للمؤمن له نتيجة لذلك، ونظرا إلى زيادة الثقة في إعادة التأمين وتعجيل دفع التعويض لوحدة المسئول أمام المؤمن له وهو المؤمن الأول رغب المستأمنون في الشركات التي تلجأ في التنسيق إلى إعادة التأمين دون التي تلجأ إلى التأمين الاقتراني.
١٢ - نظريات التأمين:
تتنوع نظريات التأمين تبعا للأسس التي بنيت عليها اقتصادية، أو فقهية، أو فنية.
стр. 2153
أ- فللتأمين نظريتان من الناحية الاقتصادية: إحداهما: التأمين للحاجة، والباعث على ذلك حاجة الإنسان إلى إشباع رغبته من متطلبات الحياة أو إزالة ضرورته الواقعة أو المتوقعة. والثانية: التأمين للأمن، والباعث عليه خوف وقوع خطر على نفسه أو أملاكه فيؤمن؛ ليطمئن قلبه.
ب- وللتأمين من الناحية المدنية -وقد تسمى: الفقهية- نظريتان:
الأولى: التأمين عن الضرر، والباعث عليه الرغبة في الحصول على التعويض عن الضرر، الذي يصيبه عند وقوعه.
والثانية: التأمين في مقابل، بناء على أن التأمين عقد مبادلة بين الأقساط الدورية ومبلغ التأمين.
ج- وللتأمين من الناحية الفنية نظريتان: الأولى: المقاصة المنظمة؛ لتوزيع الأخطار على المستأمنين على ضوء أسس فنية، والثانية: نظرية المقاولة فنيا، بناء على أن كلا من مؤسسي شركات التأمين محترف، فكل مؤسسي شركة يديرون مقاولة على نظم معروفة، ويقومون بمقاصة على قواعد معلومة لديهم.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.
стр. 2154
الثاني: ذكر اختلاف الباحثين في حكمه، وأدلة كل فريق منهم مع المناقشة:
اختلف الباحثون من الفقهاء في حكم عقد التأمين التجاري:
فمنهم: من منعه مطلقا، ومنهم: من أجازه مطلقا، ومنهم: من فصل في ذلك، وفيما يلي ذكر ما قيل في ذلك من الأدلة والمناقشة:
ذكر كلام المانعين:
ا- قال الباجي: ومن دفع إلى رجل داره على أن ينفق عليه حياته. روى ابن المواز عن أشهب: لا أحب ذلك، ولا أفسخه إن وقع، وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ، وقال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز إذا قال: لا ينفق عليه حياته (١) .
٢ - قال ابن عابدين: وسئلت في رمضان سنة أربعين ومائتين وألف عما إذا جرت العادة بين التجار أنهم يستأجرون مركبا من مراكب أهل الحرب؛ لحمل بضائعهم وتجاراتهم، ويدفعون للمراكبي الحربي الأجرة المشروطة، وتارة يدفعون له مبلغا زائدا على الأجرة لحفظ البضاعة، بشرط ضمان ما يأخذه أهل الحرب منها، وأنه إن أخذوا منه شيئا فهو ضامن لصاحبها جميع قيمة ذلك، فاستأجر رجل من التجار رجلا حربيا كذلك ودفع له مبلغا تراضيا عليه، على أنه إن أخذ أهل الحرب منه شيئا من تلك البضاعة يكون ضامنا لجميع ما يأخذونه، فسافر بمركبه، فأخذه منه
стр. 2155
بعض القطاع في البحر من أهل الحرب، فهل يلزمه ضمان ما التزم حفظه وضمانه بالعوض أم لا؟
فأجبت: الذي يظهر من كلامهم عدم لزوم الضمان؛ لأن ذلك المراكبي أجير مشترك، والخلاف في ضمان الأجير المشترك مشهور، والمذهب: أنه لا يضمن ما هلك في يده، وإن شرط عليه الضمان فيما في يده كما في [التنوير] ، ثم إذا هلك ما بيده بلا صنع منه ولا يمكنه دفعه والاحتزاز عنه؛ كالحرق والغرق وخروج قطاع الطريق والمكابرين لا يضمن بالاتفاق، لكنه في مسألتنا لما أخذ أجرة على الحفظ بشرط الضمان صار بمنزلة المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة، فإنها إذا هلكت يضمن، والفرق بينه وبين الأجير المشترك: أن المعقود عليه في الإجارة هو العمل، والحفظ واجب عليه تبعا، أما المودع بأجرة فإن الحفظ واجب عليه مقصود ببدل؛ فلذا ضمن، كما صرح بذلك الإمام فخر الدين الزيلعي في باب ضمان الأجير، وهنا لما أخذ البدل بمقابلة الحفظ الذي كان واجبا عليه تبعا صار الحفظ واجبا عليه قصدا بالبدل فيضمن، لكن يبقى النظر في أنه هل يضمن مطلقا أو فيما يمكن الاحتراز عنه، والذي يظهر الثاني؛ لاتفاقهم في الأجير المشترك على عدم ضمانه فيما لا يمكن الاحتراز عنه، فالظاهر أن المودع بأجر كذلك؛ لأن الموت والحريق ونحوهما مما لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه، وقد صرحوا بأن إغارة القطاع المكابرين مما لا يمكن الاحتراز عنه، فلا يضمن في صورتها، حيث كان أخذ البضاعة من القطاع المكابرين الذين لا يمكن مدافعتهم، لكن ذكر في [التنوير] قبيل باب كفالة الرجلين، قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلك وأخذ ماله لم
стр. 2156
يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن، ضمن، وعلله في [الدر المختار] عن [الدرر] بأنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا. انتهى. أي: بخلاف المسألة الأولى فإنه لا يضمن؛ لأنه لم يصرح بقوله: فأنا ضامن، وهذا إذا كان المال مع صاحبه، وفي صورتنا المال مع الأجير وقد ضمن للمستأجر صفة السلامة نصا فيقتضي ضمانه بالأولى، وإن لم يمكن الاحتراز لكن الظاهر أن مسألة التغرير المذكورة مشروطة بما إذا كان الضامن عالما بخطر الطريق؛ ليتحقق كونه غارا وإلا فلا تغرير.
وسياق المسألة في [جامع الفصولين] في فصل الضمانات يدل على ما قلنا، فإنه نقل عن فتاوى ظهير الدين، قال له: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلك، فأخذه اللصوص لا يضمن، ولو قال لو مخوفا: وأخذ مالك فأنا ضامن، والمسألة بحالها ضمن، فصار الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعارضة، أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البر: اجعله في الدلو، فجعله فيه، فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به - يضمن إذ غره في ضمن العقد، وهو يقتضي السلامة. انتهى، وحاصله: أن الغار يضمن إذا صرح بالضمان أو كان التغرير في ضمن عقد المعاوضة، وإن لم يصرح بالضمان، كما في مسألة الطحان، وقد صرح فيها بكون الطحان عالما بالنقب، وما ذاك إلا ليتحقق كونه غارا كما يشير إليه تسميته بذلك؛ لأن من لا علم له بذلك لا يسمى: غارا، فلو لم يكن العلم شرطا في الضمان لكان حقه أن يعبر عنه بالآمر لا بالغار.
ويؤيد ذلك أيضا أنه في [جامع الفصولين] نقل بعد ذلك عن
стр. 2157
[المحيط] : أن ما ذكره من الجواب في قوله: فإن أخذ مالك فأنا ضامن مخالف لما ذكره القدوري: إن من قال لغيره: من غصبك من الناس، أو من بايعت من الناس فأنا ضامن لذلك -فهو باطل. انتهى.
فأجاب عنه في [نور العين] بقوله: يقول الحقير لا مخالفة أصلا، والقياس مع الفارق؛ لأن عدم الضمان في مسألة القدوري من جهة عدم التغرير فيها، بخلاف ما نحن فيه فافترقا.
والعجب من غفلة مثل صاحب [المحيط] ، مع ماله من فضل وذكاء البحر المحيط انتهى.
فقد أفاد أنه لا بد من التغرير، وذلك بكونه عالما بخطر الطريق، كما قلناه، ففي مسألتنا: إن كان صاحب المركب غر المستأجر بأن كان عالما بالخطر يكون ضامنا، وإلا فلا، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
لكن ينبغي تقييد المسألة بما إذا كان صاحب المال غير عالم بخطر الطريق؛ لأنه إذا كان عالما لا يكون مغرورا، لما في [القاموس] غره غرا وغرورا وغرة بالكسر، فهو: مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو، وفي المغرب: الغرة بالكسر الغفلة، ومنه أتاهم الجيش وهم غارون، أي: غافلون، وفي الحديث (نهى عن بيع الغرور) والخطر الذي لا يدري أيكون أم لا، كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، فقد ظهر أن العالم بما قصد غيره أن يغره به لا يكون مغرورا، أرأيت صاحب البر لو كان عالما بنقب الدلو وأمره الطحان بوضعه فيه هل يكون مغرورا، بل هو مفرط مضيع لماله، لا أثر لقول الطحان معه.
ففي مسألتنا لا بد أن يكون الأجير عالما بخطر الطريق والمستأجر غير
стр. 2158
عالم به فيضمن، وإن كان الأجير غير عالم أو المستأجر عالما فلا ضمان على الأجير لعدم تحقق التغرير، والله تعالى أعلم (١) .
стр. 2159
٣ - وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: ورد علينا خطاب من بعض العلماء المقيمين بالأناضول بالروملي الشرقي بولاية سلانيك العثمانية، إلى أن قال: (ورد خطابكم تذكرون به أن المسلم يضع ماله تحت ضمانة أهل قومبانية السوكرتاه أصحابها مسلمون وذميون أو مستأمنون ويدفع لهم نظير ذلك مبلغا من الدراهم حتى إذا هلك ماله الذي وضعه تحت ضمانهم يضمنونه له بمبلغ مقرر بينهم من الدراهم، وتستفهمون عما إذا كان له شرعا أن يضمنهم ماله المذكور إذا هلك بحرق ونحوه أم لا يكون له ذلك، وعما إذا كان يحل له ما أخذه من الدراهم إذا ضمنوا له ما هلك من ماله أم لا يحل له ذلك، وعما إذا كان يشترط في حل ما يأخذه من الدراهم بدلا من ماله الهالك أن يكون كل من العقد وأخذ الدراهم المذكورة في غير دار الإسلام، فإذا هلك الموضوع تحت الضمان كان لصاحبه أن يأخذ الدراهم المقررة بدلا من ماله الهالك ويتسلمها في دار الإسلام من وكيلهم الذمي أو المستأمن فيها، وعما إذا كان يحل لأحد الشركاء أن يعقد ذلك بغير دار الإسلام وأن يأخذ بدل ماله الهالك أيضا في غير دار الإسلام ثم يعود بما أخذه إلى دار الإسلام أو يبعث به إلى شريكه أو وكيله بها أم لا يحل له ذلك أيضا.
وقلتم: إن ذلك مما عمت به البلوى في الديار التي أنتم بها الآن، وأنكم راجعتم ما لديكم من كتب المذهب فلم تقفوا على شيء تطمئنون به
стр. 2160
في حكم ذلك.
وأجاب: أن المقرر شرعا أن ضمان الأموال إما أن يكون بطريق الكفالة، أو بطريق التعدي والإتلاف.
أما الضمان بطريق عقد الكفالة فليس متحققا هنا قطعا؛ لأن شرطه أن يكون المكفول به دينا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، أو عينا مضمونة بنفسها بأن يجب على المكفول عنه تسليمها بعينها للمكفول له، فإن هلكت ضمن له مثلها في المثليات وقيمتها في القيميات، وذلك لمغصوب والمبيع بيعا فاسدا، ثم أورد أمثلة أخرى، ثم قال: وعلى ذلك لا بد من كفيل يجب عليه الضمان، ومن مكفول له يجب تسليمه للمكفول له، وبدون ذلك لا يتحقق عقد الكفالة، ولا شبهة أنها لا تنطبق على العقد المذكور؛ فإن المال الذي جعله صاحبه تحت ضمان أهل القومبانية لم يخرج عن يده، ولا يجب عليه تسليمه لأحد غيره؛ فلم يكن دينا عليه أداؤه، ولا عينا مضمونة عليه بنفسها يجب عليه تسليم عينها قائمة أو مثلها أو قيمتها هالكة، فأهل القومبانية لو ضمنوا يضمنون مالا للمالك وهو لم يزل تحت يده يتصرف فيه كيف يشاء، فلا يكون شرعا من ضمان الكفالة) .
وقال: في الضمان بالتعدي أو الإتلاف (فهذا الضمان إنما يكون على المتعدي؛ كالغاصب إذا هلك مغصوبه، أو على المتلف؛ كالشريك الموسر إذا أعتق نصيبه في عبد مشترك، وأتلف بالعتق نصيب الشريك الآخر، وأهل القومبانية لم يتعد واحد منهم على ذلك المال، ولم يتلفه ولم يتعرض له بأدنى ضرر، بل إن المال هلك بالقضاء والقدر، ولو فرض وجود متعد أو متلف فالضمان عليه دون غيره؛ فلا وجه حينئذ لضمان أهل
стр. 2161
القومبانية من هذا الطريق أيضا) .
إذا علم ما تقدم كان هذا العقد هو عبارة عن أن الإنسان يلتزم بدفع مقدار معين من الدراهم لأهل تلك القومبانية في نظير التزامهم أن يدفعوا له في حياته أو لورثته بعد موته مقدارا معينا من الدراهم إذا هلك ذلك الإنسان نفسه، وهو ما يسمونه: (سوكرتاه الحياة والنفس) ، أو إذا أهلك المال الذي وضعه تحت ضمانهم، وهو ما يسمونه سكرتاه الأموال مع كون المال المذكور باقيا تحت يد مالكه وفي تصرفه، ولم يدخل تحت يد أحد من أهل القومبانية بوجه من الوجوه فيكون هذا العقد عقد التزام لما لا يلزم شرعا. . . إلى أن قال: (والعقد المذكور لا يصح أن يكون سببا شرعيا لوجوب الضمان، ولا يجوز أن يكون عقد المضاربة كما فهمه بعض العصريين؛ لأن عقد المضاربة يلزم فيه أن يكون المال من جانب المضارب والربح على ما شرطا، والعقد المذكور ليس كذلك؛ لأن أهل القومبانية يأخذون المال على أن يكون لهم يعملون فيه لأنفسهم فيكون عقدا فاسدا شرعا؛ وذلك لأنه معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار معنى) .
وقد صرح في [شرح السير الكبير] : (بأن حكم الحربي المستأمن في دار الإسلام حكم أهل الذمة) ، قال: (وعلى هذا لا يحل أخذ ماله بعقد فاسد، كما لا يحل أخذ مال الذمي به، وقد صرحوا في معتبرات المذهب بأن المسلم المستأمن في غير دار الإسلام يحل له أن يأخذ مالهم برضاهم ولو بربا أو قمار؛ لأن المحرم هو الغدر والخيانة فما أخذه برضاهم وليس فيه غدر ولا خيانة يكون حلالا على أي وجه أخذه، وقد صرحوا أيضا بأن دار الإسلام محل إجراء الأحكام الشرعية دون غير دار الإسلام، وإنه لا يحل
стр. 2162
لمسلم في دار الإسلام أن يعقد مع المستأمن الذي فيها، وليس منها إلا ما يحل من العقود مع المسلمين) .
ثم قال: وعلى ذلك إما أن تكون مباشرة العقد في دار الإسلام وأخذ بدل الهالك فيها أيضا ففي هذه الصورة لا يحل لمسلم أخذ ذلك البدل ولا يطيب له، بل إن قبضه ملكه ملكا خبيثا، وإما أن تكون مباشرة العقد في غير دار الإسلام وأخذ بدل الهالك في غيرها أيضا ففي هذه الصورة يحل له ما أخذه من البدل ويطيب له؛ لأنه إنما أخذه برضاهم في دارهم بدون غدر ولا خيانة، وإما أن تكون مباشرة العقد في غير دار الإسلام ولكن أخذ بدل المال، الهالك في دار الإسلام ففي هذه الصورة لا يحل أخذ ذلك البدل؛ لما علمت أنه لا يحل لمسلم أن يأخذ في دار المسلم من مال المستأمن فيها، وليس منها إلا ما يلزم ذلك المستأمن شرعا، وهذا المال لم يلزمه شرعا، وإما أن تكون مباشرة العقد بدار الإسلام، ولكن أخذ بدل المال الهالك كان بغيرها، وفي هذه الصورة يحرم مباشرة العقد والإقدام عليه في دار الإسلام؛ لأن العقود الفاسدة منهي عن مباشرتها شرعا، ولكن مع ذلك يحل أخذ بدل المال الهالك متى كان الأخذ بغير دار الإسلام وبرضاهم.
فالحاصل: أن المدار في حل أخذ بدل المال الهالك منهم على أن يكون ما أخذ من مالهم وفي بلادهم وبرضاهم لا يضر في ذلك كون الأخذ -مبنيا على سبب فاسد شرعا،.
стр. 2163
٤ - لقد ورد سؤال إلى الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ عن التأمين هذا نصه: رجل يضمن محل تجارته من الحريق في إحدى شركات الضمان (السيكورتاه) على مبلغ معين من المال، وقدر الله واحترق ذلك المحل، فهل يجوز له شرعا مطالبة شركات الضمان بهذا المبلغ ويكون حلالا أم لا؟ وهل كل أنواع الضمانات ضد الحريق والحياة والغرق والسرقة شرعية يجوز عملها أم لا؟
فأجاب بقوله: كل ما في السؤال الأول فهو من المعاملات المالية غير المشروعة في الإسلام فلم يرد بها نص من الشارع، ولم يقرها بالاجتهاد إمام عادل، وإنما هي من العقود الحادثة عند أولي المدنية المادية في هذا العصر، ومن التزمها في غير دار الإسلام والعدل لزمته شاء أم أبى، وإنما هو مخير في أخذ ما ثبت له دون ما ثبت عليه، وللمؤمن في غير دار الإسلام أن يأكل مال أهلها بعقودهم ورضاهم؛ فهو لا يكلف معهم التزام أحكام دار الإسلام التي يلتزمونها، ولكن عليه أن يحاسب نفسه على إضاعة ماله باختياره فيما له مندوحة عنه (١) .
٥ - وأجاب أيضا عن التأمين على الحياة فقال: لم يذكر السائل كيفية هذا الضمان ولا عقده، والمشهور أن هذه العقود التي تشبه الميسر (القمار) في كون الذي يعطي المال لشركة الضمان لا يعطيها إياه في مقابلة عمل تعمله له أو منفعة تسديها إليه، وإنما يرجو بذلك أن تأخذ ورثته منها أكثر مما أعطى إن هو مات قبل المدة المعينة، وجمهور الفقهاء يصرحون بأن
стр. 2164
مثل هذا العقد باطل ومحرم؛ لما فيه من إضاعة المال الواجب حفظه وعدم بذله إلا فيما فيه منفعة دينية أو دنيوية معلومة أو مظنونة، وليس كل العقود التي يحكم الفقهاء ببطلانها محرمة دينا، فإنهم قد يشترطون شروطا اجتهادية لا يحكم قاضيهم، ولا ينفذ أميرهم الحكم إلا إذا تحققت في العقد، وإن لم يكن في ترك الشروط منها مخالفة لأمر الله ورسوله، وقد صرخ بعض الفقهاء بحل جميع العقود والشروط التي يتعاقد الناس عليها ويشترطونها إذا لم تكن مخالفة للكتاب والسنة الصحيحة، وهذا هو الصواب (١) .
стр. 2165
٦ - وقال إبراهيم الجبالي: وأما شركات التأمين على الأموال والأرواح فقد تغلغل الميل إليها في نفوس الكثير من الناس، خصوصا من المستنيرين إلى حد يصعب معه اقتلاعه من عقولهم، وأقوى حجة لهم في تبريرها أن يقول لك أحدهم: إني أدفع القليل؛ ليطمئن قلبي على الكثير فأنا رابح الطمأنينة حال السلامة والعوض إذا ما طرأ ما أخشاه، والشركة رابحة المال الذي تأخذه مني ومن سواي فكلا الطرفين مستفيد.
ونقول له: أليس أمرك دائرا بين أن تدفع بلا مقابل وذاك إذا قدرت لك بسلامة المال أو تأخذ مالا حق لك فيه وترزأ غيرك ممن دفع وهو لم يجن عليك فيما إذا عطب مالك؟ أو ليس الأمر على كلا التقديرين أن هناك دفعا وغرما من أحد الجانبين بدون مقابل من الجانب الآخر؟ فإنه لا قيمة لما دفعه المؤمن بالنسبة لما يأخذه على فرض عطبه، كما أن طمأنينته عليه التي
стр. 2166
زعم أنه استفادها في حالة سلامة ماله لا دخل لشركة التأمين فيما إذا لم تكن حارسة عليه، ولا تستطيع أن تقف في وجه المقادير وتصاريف الزمان.
وأما التأمين على الحياة: فهو أبعد عن العقل السليم، وأوجب للدهشة والاستغراب، فما كانت الشركة لتطيل له عمرا، وما كانت لتبعد عنه قدرا، ولكنها التعللات بالأماني، وما أشبهها بشئون الدجالين والمشعوذين، سيقول لك قائلهم نفس المقالة الأولى أو قريبا منها، سيقول: إني متى دفعت ولو قسطا واحدا فإذا فاجأتني المنية استحق ورئتي ما أمنت به على حياتي، فكان لهم بذلك عزاء وسلوة عن فقدي، وإذا بقيت المدة المضروبة لي استرجعت كل ما دفعت بأرباحه، فأنا مستفيد على كلتا الحالتين، وللشركة فائدتها أيضا، وهي: التصرف في تلك الأموال مما يجتمع لها مني ومن غيري، فيتكون لها رأس مال عظيم تستغله فيما ترى من المشروعات التجارية، ومفاجآت العطب قليلة؛ فغرمها نادر لا يؤثر فيها؛ لأن كل امرئ حريص على حياته وماله، محافظ عليهما جهد استطاعته، وكل واحد يعمل لمصلحتها من حيث يعمل لمصلحه نفسه، فكلا الطرفين مستفيد.
ونقول له: ليكن كل ما تقول، فما خرجت عن أنها معاملة فيها غرم أحد الطرفين حتما بلا مقابل، وما كانت العدالة إلا في المعاوضة، وأن يكون من كل طرف عوض يعادل ما استفاده، وأن يكون بين العوضين مناسبة تحقق المعادلة ولو التقريبية حتى تستقيم روح العدالة، فأما وأحد الطرفين غارم حتما بلا غنم، أو غانم حتما بلا غرم فلا عدالة، بل هي المقامرة والميسر، غير أنه لبس ثوبا لماعا، وجاء من قوم أوليناهم ثقتنا العمياء
стр. 2167
وأخذنا منهم كل ما قالوه بالتقليد الأعمى، وما منشأ ذلك إلا أن جماعة منهم بهروا الناس بقوة استخدامهم للمادة واستنباطهم لقوى الطبيعة مما لا نغمطهم حقهم فيه، فكان لمجتمعهم في النفوس عزة الغلبة فأسلم الناس القياد لهم شأن كل غالب مع كل مغلوب، وإلا فمتى وزنت تلك التصرفات بميزان العقل السليم والنقد النزيه وجد ضررها أكبر من نفعها، وهكذا شأن أغلب المضار المنهي عنها لمصلحة المجتمع تجد ضررها أكبر من نفعها، فلا تكاد ترى شيئا تمخض للضرر بدون وجه نفع، وتمخض للنفع بدون وجه ضرر حتى إن الخمر والميسر وهما ما هما في الضرر لم يخلوا عن نفع ما، ولكنه ضئيل إذا قيس بكبير ضررهما، كما قال جل شأنه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) وشأن التشريع الصحيح أن يعتمد على الموازنة بين النفع والضرر، فما غلب نفعه أحله وما غلب ضرره حرمه، والله عليم حكيم (٢) .
стр. 2168
٧ - وقال الشيخ عبد الرحمن تاج بعد عرضه لصورة التأمين: إن عقود التأمين على الصورة التي قدمناها ليس لها مسوغ من الوجهة الشرعية الإسلامية حتى في الحالة التي لا يشترط فيها على الشركة - أي: عقد التأمين على الحياة - دفع فوائد ربوية مع أصل مبلغ التأمين المتفق عليه لصاحب العقد على فرض بقائه حيا إلى نهاية المدة المعينة، فإن العقد ذاته
стр. 2169
فاسد مشتمل على شروط فاسدة وعلى طريقة يستباح بها أكل أموال الناس بالباطل، ومثل ذلك يقال في حكم التأمين على الأموال (١) .
стр. 2170
أدلة المانعين مطلقا:
أ- التأمين: عقد من عقود الغرر، وعقود الغرر ممنوعة .
وقبل ذكر كلام المحدثين في الاستدلال بهذا الدليل ومناقشتهم نذكر معنى الغرر لغة واصطلاحا ، وأقسامه، وبيان ما يكون من أقسامه سببا في تحريم العقد وما لا يكون:
معنى الغرر: لغة واصطلاحا:
لما ذكر أحمد بن فارس بن زكريا: أن الغرر له أصول ثلاثة صحيحة وذكر منها: النقصان، قال: ومن الباب: بيع الغرر، وهو الخطر الذي لا يدري أيكون أم لا؟ كبيع العبد الآبق والطائر في الهواء فهذا ناقص لا يتم البيع فيه أبدا (١) .
ونقل ابن منظور عن أبي زيد: والغرر الخطر، «ونهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٢) » ، وهو مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء، والتغرير حمل النفس على الغرر، وقد غرر بنفسه تغريرا وتغرة كما يقال: حلل تحليلا وتحلة وعلل تعليلا وتعلة، وقيل: بيع الغرر المنهي عنه ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. يقال: إياك وبيع الغرر، قال: بيع الغرر أن يكون على غير عهدة ولا ثقة، قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع
стр. 2171
المجهولة التي لا يحيط كنهها المتبايعان حتى تكون معلومة، وفي حديث مطرف إن لي نفسا واحدة وإني أكره أن أغرر بها، أي: أحملها على غير ثقة، قال: وبه سمي الشيطان غرورا؛ لأنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسؤه كفانا الله فتنته، وفي حديث الدعاء وتعاطي ما نهيت عنه تغريرا، أي: مخاطرة وغفلة عن عاقبة أمره، وفي الحديث: لأن أغتر بهذه الآية، يريد قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) المعنى: أن أخاطر بتركي مقتضى الأمر بالأولى أحب إلي من أن أخاطر بالدخول تحت الآية الأخرى (٣) .
وقال ابن الأثير: الغرر ماله ظاهر تؤثره، وباطن تكرهه، فظاهره يغر المشتري، وباطنه مجهول (٤) .
وأما كلام الفقهاء: فقد قال السمرقندي في أثناء الكلام على أنواع البيوع الفاسدة قال: ومنها: أن يكون في المبيع وفي ثمنه غرر، مثل: بيع السمك في الماء وهو لا يقدر على تسلميه بدون الاصطياد والحيلة، وبيع الطير في الهواء، أو بيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه إليه؛ لأنه باع ما ليس بمملوك له للحال، وفي ثبوته غرر وخطر (٥) .
стр. 2172
وأما المذهب المالكي: فإن القرافي ﵀ ذكر بحثا في الفرق بين الجهالة والغرر من حيث الحقيقة والأثر، نصه ما يلي:
اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين، فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا؟ كالطير في الهواء والسمك في الماء، وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا لكن لا يدرى أي شيء هو.
فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق لا جهالة فيه وهو غرر؛ لأنه لا يدري هل يحصل أم لا، والجهالة بدون الغرر كشراء حجر يراه لا يدري أزجاج هو أم ياقوت مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي الجهالة به.
وأما اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق.
ثم الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء في الوجود كالآبق قبل الإباق، والحصول إن علم الوجود كالطير في الهواء، وفي الجنس كالسلعة لم يسمها، وفي النوع كعبد لم يسمه، وفي المقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة، وفي التعيين كثوب من ثوبين مختلفين، وفي البقاء كالثمار قبل بدو صلاحها فهذه سبعة موارد للغرر والجهالة، ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا، كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعا، كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو الثاني؛ فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق
стр. 2173
بالقليل، وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة. اهـ (١) .
وقال محمد بن علي بن حسين: بعد ذكره للأقسام السبعة المتقدمة، وبقي الجهل بالأجل إن كان هناك أجل، والجهل بالصفة فهذه تسعة موارد للغرر من جهة الجهالة (٢) .
وقال القرافي: الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر، وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات.
وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه ﵇ عن بيع الغرر، وعن بيع المجهول، واختلف العلماء بعد ذلك: فمنهم من عممه في التصرفات - وهو الشافعي - فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح وغير ذلك. ومنهم من فصل - وهو مالك - بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة، وهو باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال، وما يقصد به تحصيلها، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما لا يقصد لذلك، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان، وواسطة، فالطرفان: أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيه ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، كما تقدم إن الجهالات ثلاثة أقسام، فكذلك الغرر والمشقة. وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة والهبة والإبراء، فإن هذه التصرفات لا يقصد بها تنمية المال، بل
стр. 2174
إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه فإنه لم يبذل شيئا بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق، بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر؛ لكثرة وقوعه قطعا، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به، ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئا، وهذا فقه جميل، ثم إن الأحاديث لم يرد فيها ما يعم هذه الأقسام حتى نقول يلزم منه مخالفة منصوص صاحب الشرع، بل إنما وردت في البيع ونحوه، وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح. . . إلخ (١) .
وقال محمد بن علي بن حسين مبينا أقسام الجهالة والغرر ما نصه:
وذلك أن الغرر والجهالة كما يؤخذ مما مر ثلاثة أقسام، وقسم أبو الوليد الغرر إلى ثلاثة أقسام: كثير وقليل ومتوسط، وجعل الكثير عبارة عن القسمين الأولين في هذا التقسيم فقال في بداية المجتهد: الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر؛ لترددها بين الغرر الكثير والقليل. اهـ (٢) .
وأما المذهب الشافعي: فقد قال النووي: وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع؛ ولهذا قدمه مسلم، ويدخل في مسائل
стр. 2175
كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهما، وبيع ثوب من أثواب وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيع باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر بيعا إذا دعت إليه الحاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار؛ ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة ونحو ذلك شهرا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده ما ذكرناه، وهو: أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده، كبيع الغائبة مبني على هذه القاعدة، فبعضهم يرى: أن الغرر حقير، فيجعله كالمعدوم فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع،