← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

المجهولة التي لا يحيط كنهها المتبايعان حتى تكون معلومة، وفي حديث مطرف إن لي نفسا واحدة وإني أكره أن أغرر بها، أي: أحملها على غير ثقة، قال: وبه سمي الشيطان غرورا؛ لأنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسؤه كفانا الله فتنته، وفي حديث الدعاء وتعاطي ما نهيت عنه تغريرا، أي: مخاطرة وغفلة عن عاقبة أمره، وفي الحديث: لأن أغتر بهذه الآية، يريد قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) المعنى: أن أخاطر بتركي مقتضى الأمر بالأولى أحب إلي من أن أخاطر بالدخول تحت الآية الأخرى (٣) . وقال ابن الأثير: الغرر ماله ظاهر تؤثره، وباطن تكرهه، فظاهره يغر المشتري، وباطنه مجهول (٤) . وأما كلام الفقهاء: فقد قال السمرقندي في أثناء الكلام على أنواع البيوع الفاسدة قال: ومنها: أن يكون في المبيع وفي ثمنه غرر، مثل: بيع السمك في الماء وهو لا يقدر على تسلميه بدون الاصطياد والحيلة، وبيع الطير في الهواء، أو بيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه إليه؛ لأنه باع ما ليس بمملوك له للحال، وفي ثبوته غرر وخطر (٥) .

стр. 2172

وأما المذهب المالكي: فإن القرافي ﵀ ذكر بحثا في الفرق بين الجهالة والغرر من حيث الحقيقة والأثر، نصه ما يلي: اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين، فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا؟ كالطير في الهواء والسمك في الماء، وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا لكن لا يدرى أي شيء هو. فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق لا جهالة فيه وهو غرر؛ لأنه لا يدري هل يحصل أم لا، والجهالة بدون الغرر كشراء حجر يراه لا يدري أزجاج هو أم ياقوت مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي الجهالة به. وأما اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق. ثم الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء في الوجود كالآبق قبل الإباق، والحصول إن علم الوجود كالطير في الهواء، وفي الجنس كالسلعة لم يسمها، وفي النوع كعبد لم يسمه، وفي المقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة، وفي التعيين كثوب من ثوبين مختلفين، وفي البقاء كالثمار قبل بدو صلاحها فهذه سبعة موارد للغرر والجهالة، ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا، كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعا، كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو الثاني؛ فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق

стр. 2173

بالقليل، وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة. اهـ (١) . وقال محمد بن علي بن حسين: بعد ذكره للأقسام السبعة المتقدمة، وبقي الجهل بالأجل إن كان هناك أجل، والجهل بالصفة فهذه تسعة موارد للغرر من جهة الجهالة (٢) . وقال القرافي: الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر، وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات. وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه ﵇ عن بيع الغرر، وعن بيع المجهول، واختلف العلماء بعد ذلك: فمنهم من عممه في التصرفات - وهو الشافعي - فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح وغير ذلك. ومنهم من فصل - وهو مالك - بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة، وهو باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال، وما يقصد به تحصيلها، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما لا يقصد لذلك، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان، وواسطة، فالطرفان: أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيه ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، كما تقدم إن الجهالات ثلاثة أقسام، فكذلك الغرر والمشقة. وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة والهبة والإبراء، فإن هذه التصرفات لا يقصد بها تنمية المال، بل

стр. 2174

إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه فإنه لم يبذل شيئا بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق، بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر؛ لكثرة وقوعه قطعا، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به، ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئا، وهذا فقه جميل، ثم إن الأحاديث لم يرد فيها ما يعم هذه الأقسام حتى نقول يلزم منه مخالفة منصوص صاحب الشرع، بل إنما وردت في البيع ونحوه، وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح. . . إلخ (١) . وقال محمد بن علي بن حسين مبينا أقسام الجهالة والغرر ما نصه: وذلك أن الغرر والجهالة كما يؤخذ مما مر ثلاثة أقسام، وقسم أبو الوليد الغرر إلى ثلاثة أقسام: كثير وقليل ومتوسط، وجعل الكثير عبارة عن القسمين الأولين في هذا التقسيم فقال في بداية المجتهد: الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر؛ لترددها بين الغرر الكثير والقليل. اهـ (٢) . وأما المذهب الشافعي: فقد قال النووي: وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع؛ ولهذا قدمه مسلم، ويدخل في مسائل

стр. 2175

كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهما، وبيع ثوب من أثواب وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيع باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر بيعا إذا دعت إليه الحاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار؛ ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة ونحو ذلك شهرا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده ما ذكرناه، وهو: أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده، كبيع الغائبة مبني على هذه القاعدة، فبعضهم يرى: أن الغرر حقير، فيجعله كالمعدوم فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع،

стр. 2176

والله أعلم (١) . قال الخطابي على هذا الحديث: قال الشيخ: أصل الغرر: هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غره، أي: على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ومعجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء أو طيرا في الهواء أو لؤلؤة في البحر أو عبدا آبقا أو جملا شاردا أو ثوبا في جراب، لم يره ولم ينشره أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمر شجرة لم تثمر، ونحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا يدرى هل تكون أم لا؟ فإن البيع مفسوخ فيها. وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع؛ تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها، وأبواب الغرر كثيرة، وجماعها: ما دخل في المقصود منه الجهل (٢) . وأما الغرر عند الحنابلة: فقد قال موسى الحجاوي: الخامس - أي: شروط البيع - أن يكون مقدورا على تسليمه، فلا يصح بيع آبق علم مكانه أو جهل ولو لقادر على تحصيله، وكذا جمل شارد، وفرس غائر، ونحوهما، ولا نحل ولا طير في الهواء، يألف الطير الرجوع أو لا، ولا سمك في لجة ماء (٣) .

стр. 2177

وأما كلام بعض الفقهاء المعاصرين: فقال الصديق محمد الأمين الضرير: عقد التأمين من العقود الاحتمالية عند جمهرة رجال القانون؛ لأن المستأمن من لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطا واحدا ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمن به، وقد لا تقع الكارثة مطلقا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا ماديا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي أو يأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وإن كان يستطيع إلى حد كبير التأمين في مثل هذه الأحوال لدفع مبالغ أكثر مما كانت تتوقع، والعقد الاحتمالي هو عقد الغرر، وقد ورد في الحديث الصحيح النهي عن بيع الغرر، وقاس الفقهاء عقود المعاوضات المالية على البيع. وعقد التأمين من عقود المعاوضات المالية فيؤثر فيه الغرر كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات.

стр. 2178

وقد قسم الفقهاء الغرر بالنسبة لتأثيره في عقود المعاوضات المالية ثلاثة أقسام: ١ - غرر كثير، وهذا يؤثر في عقود المعاوضات فيفسدها إجماعا، كبيع الطير في الهواء إلا ما دعت الضرورة إليه عادة. ٢ - غرر يسير، وهذا لا تأثير له إجماعا، كقطن الجبة وأساس الدار. ٣ - غرر متوسط، وهذا مختلف فيه، فبعض الفقهاء يلحقه باليسير،

стр. 2179

وبعضهم يلحقه بالكثير. والغرر في التأمين ليس يسيرا قطعا؛ فهو إما من الغرر الكثير أو المتوسط، وأرجح أنه من الغرر الكثير؛ لأن من أركان عقد التأمين التي لا يوجد بدونها (الخطر) ، والخطر هو حادثة محتملة لا تتوقف على إرادة أحد الطرفين، والتأمين لا يجوز إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، فالغرر عنصر ملازم لعقد التأمين، ومن الخصائص التي يتميز بها. وهذا يجعله من الغرر المنهي عنه. يقول الباجي في [المنتقى] : نهيه ﷺ عن بيع الغرر يقتضي فساده، ومعنى بيع الغرر والله أعلم: ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه. وهذا الضابط ينطبق على عقد التأمين، وقد أورد الباجي في أثناء كلامه عن بيع الغرر مسألة توافق صورة من صور التأمين على الحياة تعرف في اصطلاح علماء القانون: (بالتأمين لحال البقاء براتب عمري وهو: أن يتعهد المؤمن بدفع إيراد لمدى الحياة نظير مبلغ متجمد يدفعه له المستأمن) . يقول الباجي: (ومن دفع إلى رجل داره على أن ينفق عليه حياته) ، روى ابن المواز عن أشهب: لا أحب ذلك ولا أفسخه إن وقع. وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ. وقال ابن القاسم: عن مالك: لا يجوز إذا قال: على أن ينفق عليه حياته، قال الصديق محمد الضرير: فهذه الصورة من صور التأمين غير جائزة عند هؤلاء الفقهاء؛ لما فيها من غرر، ويفسخ العقد إن وقع إلا عند

стр. 2180

أشهب فإنه لا يفسخ العقد مع منعه له ابتداء (١) . وقد أجاب الأستاذ مصطفى الزرقاء عن كون عقد التأمين فيه غرر بقوله: إن الغرر في اللغة العربية هو: الخطر، والمراد به في هذا المقام الشرعي أن يكون أصل البيع الذي شرع طريقا لمعاوضة محدودة النتائج والبدلين، قائما على مخاطرة أشبه بالقمار والرهان بحيث تكون نتائجه ليست معاوضة محققة للطرفين، بل ربحا لواحد وخسارة لآخر بحسب المصادفة. وبالنظر فيما نهى عنه النبي ﷺ من البيوع تطبيقا لما نهى من الغرر يتضح لنا المقصود من الغرر في الحديث النبوي. فقد نهى النبي ﵇ تطبيقا لذلك عن بيع المضامين، وهي: ما سوف ينتج من أصلاب فحول الإبل الأصيلة من أولاد. ونهى عن بيع الملاقيح، وهي ما ستنتجه إناث الإبل الأصيلة من نتاج. ونهى أيضا عن ضربة القانص، وهي: بيع ما ستخرجه شبكة الصياد البحري من السمك، أو ما يقع في شبك الصياد البري من حيوان أو طير ... ونهى أيضا عن بيع ضربة الغائص، وهي: ما سيخرجه الغواص من لؤلؤ في غوصته المقبلة، ونهى أيضا عن بيع الثمار على الأشجار في بداية انعقادها قبل أن يبدو صلاحها وتأمن العاهة، وقال للسائل عنها: «أرأيت لو منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه (٢) » . تلك المناهي النبوية تطبيق للنهي عن الغرر، وهي كما يرى من طبيعة

стр. 2181

واحدة تدل على نوع المقصود، وقد قرر الفقهاء بناء على هذا النظر: عدم انعقاد بيع الأشياء غير مقدورة التسليم، أي: التي لا يستطيع البائع فيها التنفيذ العيني بتسليم المبيع ذاته، ولو كانت معيبة بذاتها لا جهالة فيها عند العقد، كبيع طير في الهواء أو سمكة في الماء لا يمكن أخذها إلا بصيد؛ لأن صيدها غير موثوق بإمكانه فيكون ذلك غررا، وإذا نظرنا أيضا إلى أن عنصر المغامرة والاحتمال والمخاطرة في حدوده الطبيعية قلما تخلو منه أعمال الإنسان وتصرفاته المشروعة باتفاق المذاهب. فالتجارة والزراعة والكفالة وسائر الأعمال والتصرفات التي يبتغى من ورائها مكاسب حيوية هي معرضة للأخطار، وفاعلها مقدم على قدر من الغرر، والمغامرة لا تخلو منه طبيعة الأشياء، إذا نظر ذلك وتأملنا في أنواع التصرفات التي خصها النبي ﷺ بالنهي تطبيقا للنهي عن الغرر، ومنها ما قد علل النبي ﵇ نفسه نهيه عنه بالغرر- أدركنا أن الغرر المنهي عنه هو نوع فاحش متجاوز لحدود الطبيعة، بحيث يجعل العقد كالقمار المحض، اعتمادا على الحظ المجرد في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل، فلا يصلح أن يكون أساسا يعتمد عليه في تصرفات اقتصادية، كما في الأمثلة المتقدمة؛ لأنها ترتكز على أسس موهومة. فإذا طبقنا هذا المقياس على نظام التأمين وعقده وجدنا الفرق كبيرا، فعقد التأمين فيه معاوضة محققة النتيجة فور عقده حتى إني لأنتقد على القانونيين عده من العقود الاحتمالية دون تحفظ، فالتأمين فيه عنصر احتمالي بالنسبة إلى المؤمن فقط حيث يؤدي التعويض إلى المستأمن إن وقع الخطر المؤمن عنه، فإن لم يقع لا يؤدي شيئا على أن هذا الاحتمال

стр. 2182

أيضا إنما هو بالنسبة إلى كل عقد تأمين على حدة، لا بالنسبة إلى مجموع العقود التي يجريها المؤمن، ولا بالنسبة إلى نظام التأمين في ذاته؛ لأن النظام وكذا مجموع العقود يرتكزان على أساس إحصائي ينفي عنصر الاحتمال حتى بالنسبة للمؤمن عادة. أما بالنسبة إلى المستأمن فإن الاحتمال فيه معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة الحقيقية في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه، وهذا الأمان حاصل للمستأمن بمجرد العقد دون توقف على الخطر المؤمن منه بعد ذلك؛ لأنه بهذا الأمان الذي حصل عليه واطمأن إليه لم يبق بالنسبة إليه فرق بين وقوع الخطر وعدمه فإنه إن لم يقع الخطر ظلت أمواله وحقوقه ومصالحه سليمة، وإن وقع الخطر عليها أحياها التعويض، فوقوع الخطر وعدمه بالنسبة إليه سيان بعد عقد التأمين، وهذا ثمرة الأمان والاطمئنان الذي منحه إياها المؤمن نتيجة للعقد في مقابل القسط، وهنا المعاوضة الحقيقية على أن عنصر الاحتمال قد قبله الفقهاء في الكفالة ولو عظم، فقد نصوا على أن الإنسان لو قال لآخر: تعامل مع فلان وما يثبت لك عليه من حقوق فأنا كفيل به صحت الكفالة هكذا رغم الاحتمال في وجود الدين في المستقبل وجهالة مقداره. وصرحوا بصحة تعليقها على الخطر المحض في الشرط الملائم، كما لو قال الشخص لدائن: إن أفلس مدينك فلان أو مات في هذا الشهر مثلا أو إن سافر فأنا كفيله- فإن الكفالة تنعقد صحيحة، ويلتزم بموجبها إن وقع الشرط. فعلى فرض وجود غرر في عقد التأمين ليس هو من الغرر الممنوع

стр. 2183

شرعا، بل من النوع المقبول، فإن قيل: إن الأمان ليس مالا يقابل بعوض، قلنا: إن الأمان أعظم ثمرات الحياة، وهو الذي امتن الله به على قريش بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (١) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) وإن الإنسان يسعى ويكد ويكدح ويبذل أغلى الأثمان من ماله وراحته في سبيل الحصول على الأمان والاطمئنان لنفسه ولأسرته ولحقوقهم ولمستقبلهم، فأي دليل في الشرع يثبت أنه لا يجوز الحصول عليه لقاء مقابل؛ هذا تحكم في شرع الله. وإننا نجد في بعض العقود القديمة المتفق بين جميع المذاهب الفقهية على شرعيتها ما يشهد لجواز بذل المال بطريق التعاقد بغية الاطمئنان والأمان على الأموال ذلك هو عقد الاستئجار على الحراسة (٣) . وأجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال: ولقد قرر المانعون لعقد التأمين غير التعاوني أن فيه غررا، فمحل العقد فيه غير ثابت، وغير محقق الوجود، فيكون كبيع ما تخرجه شبكة الصائد، وكبيع ما يكون في بطن الحيوان، ووجه المشابهة: أن المبيع في هذه الصور غير معلوم محله وغير مؤكد الوجود، بل الوجود فيه احتمالي، وكذلك التأمين غير التعاوني محل العقد غير ثابت، فما هو محل العقد؟ أهو المدفوع من المستأمن، أم المدفوع من الشركة المؤمنة، أم هما معا باعتبار أن ذلك العقد من الصرف، ولا يكون مخرجا إلا على ذلك النحو، ولا شك أن ما يدفعه المستأمن غير

стр. 2184

متعين فقد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وقد يكون كل ما نص عليه في الاتفاق وما تدفعه الشركة قد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا، وفي الكثير لا تدفع شيئا، بل ترد ما أخذت مضافا إليه بعض ما كسبت فهل يكون كل ذلك خاليا من الغرر. ويقرر الأستاذ: أن التفاوت في المبادلات لا يمنع الصحة، ونقول: إنه لا تفاوت هنا فقط، إنما هو الاحتمال وعدم التعيين، والاختلاف في قيم الأبدال في المعاوضات العادية لا احتمال فيها، وحيث كان الاحتمال فهو الغرر والقمار فليس ثمة بدل يتعين قليلا أو كثيرا؛ ولذلك قرر فقهاء القانون المدني أن عقد التأمين عقد محله احتمالي، ولا مانع عندهم من جوازه، ولكن الأستاذ الجليل مصطفى الزرقاء يقول: لا غرر مطلقا، بل لا احتمال في محل العقد، فإن كل العقد هو الأمان (١) .

стр. 2185

ب- عقود التأمين فيها جهالة توجب التحريم . وقبل ذكر كلام المحدثين في الاستدلال بذلك والمناقشة نذكر كلام الفقهاء في المصادر التي رجع إليها المانعون في استدلالهم على تحريم التأمين. لقد وردت أدلة في حكم بيع المجهول نذكر منها ما فيه كفاية، ثم نذكر كلام الفقهاء في حكم بيع المجهول. أما الأدلة فمنها: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبستين، وعن بيعتين،

стр. 2186

نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذاك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض (١) » الحديث، هذه رواية البخاري ومسلم إلا أن اللفظ للبخاري. قال ابن الأثير: الملامسة والمنابذة قد مر تفسيرهما في الحديث ونزيدها هنا بيانا. قال: هو: أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المبيع من وراء ثوب ولا ينظر إليه ثم يقع البيع عليه، وهذا هو بيع الغرر والمجهول. وأما المنابذة فهي: أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا نبذت إلي الثوب ونبذته إليك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع. وقال الفقهاء نحو ذلك في الملامسة والمنابذة، وهذا لفظهم. قالوا: الملامسة: أن يقول: مهما لمست ثوبي فهو مبيع منك، وهو باطل؛ لأنه تعليق وعدول عن الصيغة الشرعية، وقيل معناه: أن يجعل اللمس بالليل في ظلمة قاطعا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم وهو غير نافذ، قالوا: والمنابذة في معنى الملامسة، وقيل: معناه: أن يتنابذ السلع، وتكون معاطاة فلا ينعقد بها البيع عند الشافعي ﵀ (٢) ومنها: ما رواه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع حبل الحبلة (٣) » وكان بيعا يبتاعه أهل

стр. 2187

الجاهلية، وكان الرجل يبتاع لحم الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها هذه رواية [الموطأ] ، وفي رواية البخاري ومسلم قال: «كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (١) » ، وفي أخرى للبخاري نحوه وقال: ثم تنتج التي في بطنها، وفي أخرى له قال: «كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة، فنهى النبي ﷺ عنه (٢) » ، ثم فسره نافع: أن تنتج الناقة ما في بطنها. قال ابن الأثير: حبل الحبلة: مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل، وإنما أدخلت عليه التاء للأشعار بمعنى الأنوثة فيه، وذلك أن معناه: أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن يكون أنثى، وإنما نهى عنه؛ لأنه غرر، والحبل الأول: يراد به ما في بطن النوق، والثاني: حبل الذي في بطن النوق (٣) وأما معنى المجهول في اللغة والاصطلاح: فقال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (جهل) الجيم والهاء واللام أصلان: أحدهما خلاف العلم ... فالأول الجهل نقيض العلم، ويقال للمفازة التي لا علم بها: مجهل (٤) وقال الفيروزآبادي: (جهله) كسمعه، جهلا وجهالة ضد علمه (٥) وقال أيضا: والجهل نقيض العلم، جهله يجهله جهلا وجهالة وجهل

стр. 2188

عليه أظهر الجهل كتجاهل وهو جاهل.. والجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم هذا هو الأصل، وقد جعل بعض المتكلمين الجهل معنى مقتضيا للأفعال الخارجة عن النظام كما جعل العلم معنى مقتضيا للأفعال الجارية على النظام. الثاني: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه. الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن ترك الصلاة عمدا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) سورة البقرة، الآية ٦٧، فجعل فعل الهزو جهلا (٢) وقال ابن منظور في مادة (جهل) : الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلان جهلا وجهالة، وجهل عليه وتجاهل أظهر الجهل، عن سيبويه. والمعروف في كلام العرب جهلت الشيء إذا لم تعرفه (٣) انتهى المقصود. وأما كلام الفقهاء: فقد ذكر السمرقندي من البيوع الفاسدة هذا النوع فقال: منها: أن يكون المبيع مجهولا أو الثمن مجهولا جهالة توجب المنازعة؛ لأنها مانعة عن التسليم والتسلم وبدونهما يكون البيع فاسدا؛ لأنه لا يفيد مقصوده، بيانه إذا اشترى شاة من قطيع أو اشترى أحد الأشياء

стр. 2189

الأربعة بكذا على أنه بالخيار بين أن يأخذ واحدا منها ويرد الباقي أو اشترى أحد الأشياء الثلاثة أو أحد الشيئين ولم يذكر فيه الخيار، فأما إذا ذكر الثلاثة أو الاثنين وشرط الخيار لنفسه بين أن يأخذ واحدا ويرد الباقي فهذا جائز استحسانا اعتبارا بشرط الخيار ثلاثة أيام. وهل يشترط فيه ذكر مدة خيار الشرط، اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يشترط، وكذا إذا باع العبد بمائة شاة من هذا القطيع ونحوه لا يجوز لجهالة الثمن. فأما الجهالة التي لا تفضي إلى المنازعة فلا تمنع الجواز، فإنه إذا باع قفيزا من صبرة معينة بدراهم أو باع هذا العدل من الثياب بكذا ولا يعرف عددها، أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعرف عددها أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعرف عدد القفزان جاز لما ذكرنا، وعلى هذا: إذا اشترى شيئا لم يره بأن اشترى فرسا مجللا أو جارية منتقبة أو كرى حنطة في هذا البيت أو عبدا تركيا في هذا البيت فإنه يجوز إذا وجد كذلك وللمشتري الخيار، وعند الشافعي فاسد، ولو باع هذا العبد بقيمته فهو فاسد؛ لأن القيمة تعرف بالحزر والظن، وكذا لو اشترى عدل زطي أو جراب هروي بقيمته؛ لما قلنا، ولو اشترى بحكم البائع أو المشتري أو بحكم فلان فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول، وكذلك لو اشترى شيئا بألف درهم إلا دينارا أو بمائة دينار إلا درهما؛ لأن معناه: إلا قدر قيمة الدينار، وهذه جهالة مفضية إلى المنازعة. ولو باع وقال: هو بالنسيئة كذا وبالنقد كذا فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول، وكذا لو قال: بعت إلى أجل كذا أو كذا فهو فاسد؛ لأن الأجل

стр. 2190

مجهول، ولو باع إلى الحصاد والدياس أو إلى رجوع الحاج وقدومهم فالبيع فاسد؛ لما ذكرنا، ولو باع عدل زطي برأس مال أو برقمه ولا يعلم المشتري رقمه ولا رأس ماله فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول ... (١) وقال القرافي: الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة، بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد: أما ما تفسده الجهالة فهو البياعات، كما تقدم، وكثير من الإجارات، ومن الإجارات قسم لا يجوز تعيين الزمان فيه، بل يترك مجهولا، وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها لا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا فتفسد؛ لأن ذلك يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم، بل مصلحته ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا، وكذلك الجعالة لا يجوز أن يكون العمل فيها محدودا معلوما؛ لأن ذلك يوجب الغرر في العمل، بأن لا يجبر الآبق في ذلك الوقت، ولا بذلك السفر المعلوم، بل نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها، والجهالة في هذين القسمين شرط إن كانت في غيرهما مانعا. وهاهنا قاعدة شرعية تعرف بجمع الفرق، وهي أن يكون المعنى المناسب يناسب الإثبات والنفي أو يناسب الضدين ويترتبان عليه في الشريعة وهو قليل في الفقه فإن الوصف إذا ناسب حكما نافى ضده، أما اقتضاؤه لهما فبعيد، كما تقدم بيانه في الجعالات والإجارات، ومن ذلك أيضا الحجر يقتضي رد التصرفات، وإطلاق التصرفات في حالة الحياة؛

стр. 2191

صونا لمال المحجور عليه على مصالحه، وتنفذ وصاياه؛ صونا لماله على مصالحه؛ لأنا لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث ولم ينتفع به المحجور عليه فصار المال على المصالح يقتضي تنفيذ التصرفات ورد التصرفات وكذلك القرابة توجب البر بدفع المال وتوجب المنع من دفع المال إذا كان زكاة فيحرموا إياها وتعطى لغيرهم بسبب القرابة، وكذلك أقرباء رسول الله ﷺ يجب برهم بسد خلاتهم بالمال، ويحرم دفع المال إليهم إذا كان زكاة فصار قربهم من رسول الله ﷺ يوجب في دفع المال ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين؛ وكذلك كل معنى يوجب مصلحة أو يفسده، ويوجب نقيضها في محل آخر وباعتبار نسبة أخرى فإنه يوجب الضدين وهو ضابط جميع الفرق، وسمي بذلك؛ لأنه يجمع المفرقات وهي الأضداد فكذلك الجهالة توجب الإخلال بمصالح العقود في البياعات وأكثر أنواع الإجارات فكانت مانعة، ووجودها يوجب تحصيل مصلحة عقد الجعالة حتى يبقى المجعول له على طلبه فيجبر الآبق فلا يذهب عمله المتقدم مجانا، فإنا إذا قيدنا عليه العمل وقدرناه معلوما فإذا فعل ذلك العمل المعلوم ولم يجد الآبق ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد (١) وقال الغزالي في كلامه على شروط البيع: قال: (الخامس: العلم) وليكن المبيع معلوم العين والقدر والصفة. أما العين: فالجهل به مبطل، ونعني به أنه لو قال: بعت منك عبدا من

стр. 2192

العبيد أو شاة من القطيع بطل. ولو قال: بعت صاعا من هذه الصبرة- وكانت معلومة الصيعان- صح ونزل على الإشاعة، وإن كانت مجهولة الصيعان لم يصح على اختيار القفال؛ لتعذر الإشاعة، ووجود الإبهام، وإبهام ممر الأرض المبيعة؛ كإبهام نفس المبيع، وبيع بيت من دار دون حق الممر جائز على الأصح. أما القدر: فالجهل به فيما في الذمة ثمنا أو مثمنا مبطل، كقوله: بعت بزنة هذه الصنجة، ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم صح. وإن كانت مجهولة الصيعان؛ لأن تفصيل الثمن معلوم وإن لم يعلم جملته والغرر ينتفي به فإن كان معينا فالوزن غير مشروط، بل يكفي عيان صبرة الحنطة والدراهم فإن كان تحتها دكة تمنع تخمين القدر فيخرج على قولي بيع الغائب لاستواء الغرر، وقطع بعض المحققين بالبطلان لعسر إثبات الخيار مع جريان الرؤية. أما الصفة: ففي اشتراط معرفتها بالعيان قولان اختار المزني الاشتراط وأبطل البيع ما لم يره، ولعله أصح القولين. (١) وقال ابن قدامة في التمثيل لمفهوم الشرط السادس من شروط البيع (الجهالة) قال: ولا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأر، والنوى في التمر، ولا الصوف على الظهر، وعنه يجوز بشرط جزه في الحال، ولا يجوز بيع الملامسة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على

стр. 2193

أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، ولا بيع المنابذة وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا ... (١) إلخ ما ذكره من الأمثلة. وقد أجاب الأستاذ الزرقاء عن هذا الدليل فقال: إن فقهاء الحنفية كانوا في قضية الجهالات التي تصاحب العقود عباقرة في تحليلهم الدقيق لطبيعة الجهالة وتمييزهم في آثارها بحسب أنواعها، فهم لا يحكمون ببطلان العقد وإفساده متى داخلته الجهالة مطلقا دون تمييز كما يفعل سواهم، بل يميزون بين جهالة تؤدي إلى مشكلة تمنع تنفيذ العقد، وجهالة لا تأثير لها في التنفيذ، فالنوع الأول: وهو الجهالة التي تمنع التنفيذ هو الذي يمنع صحة العقود، كما لو قال شخص لآخر: (بعتك شيئا وأجرتك شيئا بكذا) ولم يعين الشيء أو عينه ولكن لم يعين الثمن أو الأجرة وقبل الآخر العقد بهذه الجهالة، وكذا لو باع شاة من قطيع تتفاوت آحاده فهذا كله وأمثاله لا يصح؛ لأن هذه الجهالة تتساوى معها حجج الفريقين ويقع القاضي في مشكلة منها تمنع التنفيذ؟ لأن البائع والمؤجر يريدان تسليم الأدنى وأخذ الأعلى بحجة عدم التعيين، والمشتري والمستأجر يريدان أخذ الأعلى وإعطاء الأدنى بحجة عدم التعيين ذاتها أيضا، فالجهالة حجة متساوية للطرفين فتمنع التنفيذ، فتمنع صحة العقد. أما الجهالة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة فلا تؤثر في العقد مهما عظمت كما لو صالح شخص آخر على جميع الحقوق التي له عليه كافة ولا يعرفان

стр. 2194

مقدارها وأنواعها لقاء بدل معين فإن الصلح يصح وتسقط الحقوق؛ ذلك لأن الجهالة فيها غير مانعة؛ لأن الحقوق في سقوطها لا تحتاج إلى تنفيذ بخلاف بدل الصلح؛ لأنه يحتاج إلى تنفيذ فيجب معلوميته، وبخلاف ما لو صالحه على بعض حقوقه دون بيان هذا البعض فإن الصلح لا يصح؛ لأن الحقوق غير المصالح عنها باقية تحتاج إلى تنفيذ فيجب معرفتها. هذه نظرية الحنفية في قضية الجهالة المصاحبة تكوين العقد، وعليها بنوا صحة الوكالة العامة خلافا للشافعية، كما بنوا صحة الكفالة بما سيثبت من الحقوق كما سبقت الإشارة إليه، وينطبق هذا المبدأ على أقساط التأمين على الحياة نجد أن الجهالة فيها هي من النوع غير المانع كما هو واضح؛ لأن مبلغ كل قسط عند حلول ميعاده هو مبلغ معلوم، أما كمية الأقساط فهي التي فيها الجهالة، وهي لا تمنع التنفيذ ما دام المؤمن قد تعهد بأن يدفع التعويض المتفق على دفعه عند وفاة المؤمن له إلى أسرته مثلا في أي وقت حصلت الوفاة ضمن المدة المحددة بالعقد، ومهما بلغ عدد الأقساط قلة أو كثرة، وذلك نظير ما قال الحنفية من صحة بيع محتويات صندوق مغلق دون معرفة أنواعها وكمياتها، فإنهم يرون أن هذه الجهالة رغم فحشها لا تمنع تنفيذ العقد وفقا لما اتفق عليه الطرفان؛ لأن البائع التزم بإرادته التنازل عن هذا المبيع مهما بلغ لقاء الثمن المعين، والمشتري قد قبله مهما بلغ أيضا، فكل منهما يمكن إلزامه بإرادته الواضحة (١)

стр. 2195

ج: قالوا: عقود التأمين من القمار، والقمار ممنوع، فتكون عقود التأمين ممنوعة: وقبل ذكر كلام المحدثين في هذا الدليل نذكر ما يستدل به من القرآن على تحريم القمار وبيان معناه، وأنه من الميسر الذي دلت النصوص على تحريمه. أما ما يستدل به على تحريم القمار، فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وأما معناه وبيان أنه من الميسر الذي دلت النصوص على تحريمه: فقال ابن منظور في مادة (قمر) : وقامر الرجل مقامرة وقمارا راهنه وهو التفاخر، والقمار والمقامرة وتقامروا: لعبوا القمار. وقميرك: الذي يقامرك، عن ابن جني، وجمعه أقمار عنه أيضا، وهو شاذ كنصير وأنصار، وقد قمره يقمره قمرا، وفي حديث أبي هريرة من قال: تعال أقامرك، فليتصدق بقدر ما أراد أن يجعله خطرا في القمار. الجوهري: قمرت الرجل أقمره بالكسر إذا لاعبته فيه فغلبته وقامرته فقمرته أقمره بالضم قمرا إذا فاخرته فيه فغلبته، وتقمر الرجل غلب من يقامره (٣) . وقال ابن جرير: وأما الميسر فإنها المفعل من قول القائل: يسر لي هذا

стр. 2196

الأمر إذا وجب لي فهو ييسر لي يسرا وميسرا، والياسر: الواجب بقداح أوجبت ذلك أو مباحة أو غير ذلك ثم قيل للمقامر، ياسر ويسر، كما قال الشاعر: فبت كأنني يسر غبين ... بعدما اختلج القداحا وكما قال النابغة: أو ياسر ذهب القداح بعرفي ... أسف بآكله الصديق مخلع يعني بالياسر: المقامر، وقيل للمقامر: ميسر، وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك ثم ساق ﵀ جملة من الآثار عن مجاهد ومحمد بن سيرين وغيرهما: أن القمار من الميسر (١) وقال القرطبي: الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ (٢) والميسر: قمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاووس وعلي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أيضا: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق على ما يأتي. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه، قال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم، وكل ما قومر

стр. 2197

به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء (١) وقال ابن كثير: وقال موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: الميسر هو القمار، وقال الضحاك: عن ابن عباس قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة، وقال مالك: عن داود بن الحصين إنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر العرب في الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢) وفيما يلي كلام المحدثين في الاستدلال على تحريم التأمين؛ لكونه قمارا: قال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في رسالته (السوكرتاه) : عقد التأمين عقد فاسد شرعا؛ وذلك لأنه معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار معنى، ص ٢٤. ويقول الشيخ أحمد إبراهيم في التأمين على الحياة: أما إذا مات المؤمن له قبل إيفاء جميع الأقساط وقد يموت بعد دفع قسط واحد فقط، وقد يكون الباقي مبلغا عظيما جدا؛ لأن مبلغ التأمين على الحياة موكول تقديره إلى طرفي العقد على ما هو معلوم فإذا أدت الشركة المبلغ المتفق عليه كاملا لورثته أو لمن جعل له المؤمن ولاية قبض ما التزمت به الشركة بعد موته ففي مقابل أي شيء دفعت الشركة هذا المبلغ؟ أليس هذا مخاطرة

стр. 2198

ومقامرة، وإذا لم يكن هذا من صميم المقامرة ففي أي شيء تكون المقامرة إذن، على أن المقامرة حاصلة أيضا من ناحية أخرى فإن المؤمن له بعد أن يوفي جميع ما التزمه من الأقساط يكون له كذا، وإن مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته كذا أليس هذا قمارا ومخاطرة حيث لا علم له ولا للشركة بما سيكون من الأمر على التعيين؟! (١) . المناقشات لهذا الدليل: المناقشة الأولى: لمصطفى الزرقاء: قال: إن القمار لعب بالحظوظ ومقتلة للأخلاق العملية والفعالية الإنسانية، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه حبالة من حبائل الشيطان ووسيلة من وسائله يوقع بها بين الناس- وهم المقامرون لاعبو الميسر- العداوة والبغضاء ويلهيهم بها عن ذكر الله وعن الصلاة، فأين القمار الذي هو من أعظم الآفات الخلقية والأدواء الاجتماعية وشلل للقدرة المنتجة في الإنسان في كل نواحي النتاج العلمي والاقتصادي- أين هذا من نظام يقوم على أساس ترميم الكوارث الواقعة على الإنسان في نفسه أو ماله في مجال نشاطه العملي وذلك بطريق التعاون على تجزئة الكوارث وتفتيتها ثم توزيعها وتشتيتها. ثم إن عقد التأمين يعطي المستأمن طمأنينة وأمانا من نتائج الأخطار الجائحة التي لولا التأمين من نتائجها إذا وقعت فإنها قد تذهب بكل ثروته أو قدرته فتكون حالقة ماحقة. فأين هذا الأمان والاطمئنان لأحد المقامرين

стр. 2199

في ألعاب القمار التي هي بذاتها الكارثة الحالقة فهل يسوغ تشبيه الشيء بضده وإلحاقه بنقيضه؟ ومن جهة ثالثة عقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة فائدة محققة للطرفين، ففيها من حيث النتائج النهائية ربح اكتسابي للمؤمن وفيها أمان للمستأمن من قبل تحقق الخطر وتعويضه بعد تحقيقه فأين هذه المعاوضة في القمار، وما هي الفائدة التي عادت على الخاسر فيه من ربح الفائز؟ فالقمار ليس عامل التحريم الشرعي فيه عاملا اقتصاديا فقط حتى يوازن المانعون بينه وبين التأمين من حيث العوض المالي والعنصر الاحتمالي فقط، وإنما العامل في تحريم القمار شرعا هو عامل خلقي واجتماعي في الدرجة الأولى كما أشار إليه القرآن نفسه (١) وأجاب الأستاذ أبو زهرة على مناقشة الأستاذ مصطفى الزرقاء: لقد أثار بعض العلماء شبهة في عقد التأمين غير التعاوني، وهو: أن فيه قمارا وكسبا بالباطل، فالشخص قد يدفع عشرين فيكسب مائة، وقد يدفع مائة ويسترد مائة، وأن الشركة قد تخسر مائتين وقد تكسب من مستأمن واحد ألفا، وأن ما يأخذه المستأمن أو ورثته أخذ بغير حق ولا شيء في عقد التأمين يعد محقق الأخذ والعطاء، وأنه بهذا إن لم يكن مقامرا ففيه معنى القمار أو شبهته، ولكن الأستاذ مصطفى ينفي هذا التشابه نفيا باتا؛ لأن القمار لعب وهذا جد، ولأن القمار يؤدي إلى البغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة،

стр. 2200

وهذا ليس فيه شيء من ذلك، ويرده بأن هذا عقد فيه التزامات متبادلة وليس القمار فيه هذا المعنى. وبالحق إن الذين شبهوه بالقمار قد لاحظوا عنصر المخاطرة وعدم التناسق بين المكسب والخسارة وعدم التقابل العادل في حال الكسب، وادعاء أن القمار دائما لعب غريب؛ لأن العرب كانوا يستقسمون بالأزلام فيحكمونها في القسمة ويعتبرون القسمة بها عادلة، وقد نهى الله عنها في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١) واعتبر ذلك في المحرمات مع الخمر إذ قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) وهذا بلا ريب من أنواع القمار فليس كل قمار لعبا. وأما الفرق الثاني: وهو: أن عقود التأمين ليس فيها صد عن ذكر الله وعن الصلاة، وليس فيها إيغار للحقد والحسد والبغضاء، فنقول: إن هذه حكم وأوصاف مناسبة، وليست علة يسير معها الحكم طردا أو عكسا، بحيث يكون التحريم إن وجدت، ويكون الحل إن لم تكن، ومن الذين يشربون الخمر من تبدو مودتهم وعطفهم فهل يمنع التحريم بالنسبة لهم. وأن كون عقد التأمين عقد معاوضة لا يمنع منه معنى القمار، بل إننا نقول: إنه غير متعين أن يكون عقد معاوضة؛ لأن البدلين غير ثابتين، ولا يوجد محل عقد متعين يكون أحد البدلين، بل هو غير متعين، وأي

стр. 2201

معاوضة بين من يدفع عشرين: فيأخذ مائتين، ثم أليس هذا ربا، هذا ما نراه فيما قرره الأستاذ مزيلا للشبهة، بل نرى أن مع القمار ربا مؤكدا في حال ما إذا مات المستأمن قبل المدة؛ لأنه يدفع نقدا قليلا ويأخذ بدله نقدا كثيرا، وهذا بلا ريب ربا أو معاملة لم يحلها أحد من الأئمة. اهـ (١) وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك فقال: كرر الأستاذ أبو زهرة ما يقال من أن التأمين على الحياة ينطوي على عملية قمار، وأوضح ذلك بأن العقود تقوم عادة على المساواة بين ما يؤخذ وما يعطى. أما في التأمين على الحياة فإن التعويض الذي يؤخذ من شركة التأمين حال الوفاة يكون أعظم كثيرا من مجموع الأقساط المدفوعة، فهذا التفاوت في العوضين يجعل التأمين على الحياة من قبيل القمار. وجوابنا على ذلك: أقول: إن المساواة في الأبدال ليست واجبة فقها إلا في حالتين. الحالة الأولى: ضمان المتلفات فهذه يجب فيها التعادل المطلق بقدر الإمكان ففي الأموال المثلية يضمن الشيء بمثله؛ لأن المثل يخلف الأصل صورة ومعنى، وفي القيميات يضمن الشيء بقيمته وهي سعره الذي يساويه في السوق بين الناس؛ لأن القيمة عند عدم المثل تعتبر خلفا للأصل معنى، وإن لم تخلفه صورة، كما هو معروف في علم أصول الفقه. الحالة الثانية: عقود المعاوضات في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها كالقرض والصرف.

стр. 2202

وفقهاؤنا يقسمون الأشياء التي يتناولها الضمان إلى نوعين: أشياء مضمونة بذواتها كالمتلفات وهذه يجب فيها التساوي فيضمن الشيء منها بمثله أو قيمته، وأشياء مضمونة بغيرها كالمبيع في عقد البيع فالمبيع مضمون على المشتري بالثمن لا بالقيمة، والثمن هو العوض المتفق عليه بالتراضي في عقد البيع سواء أكان قليلا أم كثيرا، فللإنسان أن يبيع الشيء النفيس الثمين بالثمن البخس وبالعكس؛ لأن الأساس في التقويم هنا إنما هو الإرادة، هذا مع ملاحظة أن البيع لا ينطوي على أية فكرة تعاونية، بل هو معاوضة تجارية بحتة، ومع ذلك جاز فيه شرعا هذا التفاوت بين العوضين في القيمة ما دام الأساس في التقويم فيه إنما هو الإرادة. فعقد التأمين على الحياة كذلك أساس الالتزام فيه بتقدير التعويض إنما هو الإرادة، وليس كضمان المتلفات، فلا يجب فيه التعادل ولا سيما أنه عقد من نوع جديد قائم على أساس ونظام تسايرت واندمجت فيه فكرتا المعاونة والمعاوضة، فهو أولى من البيع بقبول التفاوت وعدم التساوي فيه بين ما يؤخذ وما يعطى فأين هذا من القمار (١) قد يقال: إن تعليق الأستاذ مصطفى الزرقاء على كلام الأستاذ أبي زهرة ﵀ يحمل رده في طيه، فإنه ذكر لوجوب المساواة بين البدلين في المعاوضات حالتين، وذكر أن الثانية منهما عقود المعاوضات الربوية إذا قوبلت بجنسها، ومن المعروف أن العوضين في عقود التأمين- حسب واقعه- من الأموال الربوية فوجب أن يتساويا عند وحدة الجنس، وأن

стр. 2203

تكون المعاوضة يدا بيد، ولم يتحقق ذلك في عقود التأمين، بل تفاوت العوضان، وعجل أحدهما وأخر الآخر فلزم أن تكون عقود التأمين ربوية مع ما فيها من الخطر والمقامرة. ويمكن أن يجاب عن شبهة وجود الربا في عمليات التأمين: بأن عمليات التأمين ليست نقودا بنقود، وإنما هي بيع وشراء، فالمؤمن له يشتري الأمان من المؤمن بما يدفعه له من أقساط، والمؤمن يعطيه الأمان فإذا وقع ما يخل بالأمان اتجه الضمان على ذلك فدفع المؤمن للمؤمن له ما يقابل ما ضمنه له من أمان عجز عن تحقيقه له. ونوقش ذلك: بأن المعاوضة في التأمين تقع بين ما يدفعه المؤمن له من الأقساط مقدما ومبلغ التأمين الذي تعهد المؤمن بدفعه للمؤمن له أو عنه أو للمستفيد، ثم نشأ عن ذلك ما سمي أمانا، وليس فيه بيع ولا شراء لأمان. المناقشة الثانية: للصديق محمد الأمين الضرير: قال: والواقع أنه ليس من اليسير اعتبار التأمين من القمار فإن القمار في الأصل هو الرهان على اللعب بشيء من الآلات المعدة له، ومنه الميسر الذي حرمه الله في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) يقول أبو حيان في [تفسيره] : الميسر: قمار أهل الجاهلية، فقد كان عرب الجاهلية يطلقون لفظة الميسر غالبا على المقامرة بالأقداح لاقتسام الجزور، فكلمة القمار في الأصل أعم من كلمة الميسر، ولكن الفقهاء أطلقوا الميسر على جميع

стр. 2204

ضروب القمار. وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر- وهو ما يأخذه الغالب في النضال والرهان ونحوهما- فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وذكر صاحب [البحر الزخار] ضابطا للقمار عند كلامه على السبق هو: أن يكون كل من المتسابقين غانما أو غارما نحو- إن سبقتني فلك عشرة وإلا فهي لي عليك-. والقانون يحرم المقامرة في حين أنه يجيز عقد التأمين ولا يعتبره من القمار. ويفرق شراح القانون بين التأمين والمقامرة بأن التأمين يقوم على التعاون بين المستأمنين، ذلك التعاون الذي يؤدي إلى توزيع بين أكبر عدد ممكن من الأفراد بدلا من أن يقع عبء الكارثة على فرد واحد. ويؤدي أيضا إلى كفالة الأمان للمستأمن والمؤمن معا، فالمستأمن واثق من الحصول على ما التزم المؤمن بأدائه، والمؤمن واثق أيضا من وفاء ما التزم به؛ لأن التعويض سيدفع من الرصيد المشترك الذي تعاون المستأمنون على جمعه لا من مال المؤمن الخاص، وهذا الأمان هو الغاية الأساسية التي يسعى إليها كل مستأمن. فالشخص الذي يؤمن على حياته أو يؤمن على ماله ضد الحريق مثلا إنما يفعل ذلك بغرض التحصين عن خطر محتمل لا يقوى على تحمله وحده، وهذه المعاني غير موجودة في المقامرة، فإن المقامر لا يتحصن من خطر، وإنما يوقع نفسه في الخطر، وهو عرضة لأن يفقد ماله جريا وراء ربح غير محقق بطبيعته موكول للحظ.

стр. 2205

وعلى هذا فلست أرى ما يبرر قياس التأمين على المقامرة قياسا صحيحا، فالتأمين جد والمقامرة لعب، والتأمين يعتمد على أسس علمية، والمقامرة تعتمد على الحظ، وفي التأمين ابتعاد عن المخاطر وكفالة للأمان واحتياط للمستقبل، وفي المقامرة خلق للمخاطر وابتعاد عن الأمان وتعرض لمتاعب المستقبل فكيف يستويان؟ (١) ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بما يأتي: أولا: ما ذكره من أن الميسر أخص من القمار، وأن الفقهاء هم الذين أطلقوا الميسر على جميع ضروب القمار مردود بما تقدم من المنقول عن الصحابة والتابعين من أن كل قمار ميسر، وأن الميسر القمار كله ... إلخ. ثانيا: ما ذكره من أن القانون يحرم المقامرة في حين أنه يجيز عقد التأمين ولا يعتبره قمارا، وأن شراح القانون يفرقون بين التأمين والمقامرة ... إلخ- مردود بأن رجال القانون والتأمين ليسوا مرجعا في بيان الأحكام الشرعية، ومجرد تسميتهم التأمين تعاونا لا يكسبه معنى التعاون شرعا، بل يرجع في ذلك إلى واقع نظام التأمين وعقوده وتلحق بقاعدتها، ونظيرها عند فقهاء الشريعة اسما وحكما، وبالرجوع إلى واقعه يتبين أنها من العقود المالية التجارية. ثالثا: ما ذكره من الفروق بين القمار والتأمين تقدم جوابه في كلام الأستاذ أبي زهرة.

стр. 2206

المناقشة الثالثة: للأستاذ أحمد محمد دانش. قال: هذا الاعتراض لا يقول به إلا من يجهل التأمين جهلا تاما، فالتأمين لا يسمى تأمينا إذا لم يتم بين فردين، والتأمين قائم أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة أو على نظرية التعاون بين أفراد كثيرين، والأصل في التأمين أن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، ولكنه يحفظ بها ماله على نفسه. كل هذه الأسس تتعارض تماما مع الأسس التي يقوم عليها الميسر أو المقامرة ففي الميسر يخلق الإنسان الفرصة التي يتحقق بها المكسب أو الخسارة خلقا، فهو مثلا يقذف بلية أو كرة في صحن دائري مرقم، والرقم الذي تقف عليه الكرة هو الرقم الكاسب وباقي الأرقام تعتبر خاسرة، ويدخل المقامر فيضع بعض ماله على رقم من هذه الأرقام معتمدا على الصدفة أو الحظ، فإن وقفت الكرة على الرقم الذي اختاره، كسب وإلا فهو من الخاسرين، ويأتي بمجموعة من الورق المرقم متحد في الشكل مختلف في اللون والرقم كورق (الكوتشينة) ويقامر ببعض ماله على الورقة التي يسحبها من هذه المجموعة ذات لون معين أو رقم محدد فإن جاء اللون الذي عينه أو الرقم الذي حدده فقد كسب وإلا فهو من الخاسرين، هذا هو أساس المقامرة أن تخلق الصدفة خلقا وأن تعرض نفسك ومالك لحكم هذه الصدفة التي تخلقها، ورائدك أن تخلق ربحا وأنت في الغالب من الخاسرين، والميسر كما ترى فيه منفعة، ولكن فيه إثم وإثمه أكبر من نفعه، وهو رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه والبعد عنه. أما التأمين فعلى العكس من ذلك، إذ إن الضرر الذي نخشاه واقع لا محالة،

стр. 2207

فالمشاهد مثلا أنه ما من سنة مرت بدون خسارة لحقت بعض الناس من حريق منازلهم أو محاصيلهم أو متاجرهم، والذي لا نعلمه؛ لأنه في ضمير الغيب هو من الذي يصيبه الضرر، فإن تركت الأمور تجري في أعنتها بدون أن تعقلها، فإنك سوف لا تبيتن خالي البال، أما إن عقلتها وذلك بتعاونك مع زملائك من أصحاب المنازل والمحاصيل والمتاجر، وسلحت نفسك بعقد التأمين فتوكل على الله فسوف لا يصيبك الضرر حتى ولو حل بالمنزل الذي تملكه أو المتجر الذي تديره، فعقد التأمين لا يمنع ولا يرد القضاء، ولكنه يحقق اللطف وهو الوسيلة التي يتحقق بها الإنسان من استجابة دعائه عندما يدعو: (اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه) والرجل الذي يكسب عيشه بنفسه وكده واجتهاده، يرى أنه لو مات فإنه يترك وراءه ذرية ضعافا، وأن الخير فيما قاله الرسول صلوات الله عليه: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١) » ، والسبيل إلى ذلك هو الادخار عن طريق التأمين؛ لأن الادخار وحده قد لا يكفي إذا كان حبل الأجل قصيرا لتكوين المال اللازم لوقايتهم شر السؤال، وإنما الذي يكفي هو الادخار مع التعاون بين القادرين. وعقد التأمين على الحياة هو العقد الوحيد الذي يجمع بين هاتين الصفتين، وهو ليس قمارا إذا أخذ الورثة المبلغ المؤمن قبل انتهاء المدة وإنما هو تعاون، والشخص لا يقامر بحياته؛ ليأخذ ورثته المبلغ المؤمن، ولكنه في الحقيقة يدخر قرشا قرشا لو امتد به الأجل كما رأينا في المثل الذي ضربناه سابقا. ثم هو يتعاون مع زملائه بمبلغ آخر يكفي إذا ما ضم إلى ما يدفعه الآخرون؛ لتكملة ما تركه الذين سبق إليهم حكم القدر.

стр. 2208

ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بما يأتي: أولا: إن تحريم عقود التأمين مبني على أنها عقود معاوضة تجارية فيها مخاطرة لا على مجرد تسميتها عقود تأمين، ولا على قلة عدد الأطراف المتعاقدين أو كثرتهم، وقيام التأمين أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة والأفراد الكثيرة، وأن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، بل يراعى أن يكون الربح أصالة لشركات التأمين، وقيام التأمين على هذا من التعسف في وضع نظامه، والاحتياط بالشروط للاستئثار باتخاذه طريقا للتجارة والربح دون المؤمن له، وهذا الاحتياط لا يدفع ما في عقود التأمين من المخاطرة والمقامرة، بل جمع إلى ذلك آفة أخلاقية هي الأثرة الممقوتة في المعاوضات المالية. ثانيا: ما ذكر في المناقشة من أن في التأمين تعاونا على بعث الطمأنينة وتحمل الأخطار مردود بأن القصد الأول في عقود التأمين إلى المعاوضة التجارية للكسب، وقد يتم التعاون تبعا، وليس كل عقود المعاوضة تضمنت منفعة أو تعاونا مشروعة، بل قد يكون فيها من الخطر والإثم ما يطغى على ما فيها من التعاون والنفع، كما في عقود التأمين. ثالثا: ما ذكر في المناقشة من أمثلة للقمار إنما هو بيان لأنواع منه، وليس الميسر والقمار قاصرا على ذلك، بل يعم كل ما فيه مخاطرة. رابعا: ما ذكر في المناقشة من الحث على الاحتياط لمن قد يخلفه من بعده من ورثة ضعفاء، والاستدلال على هذا بحديث «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس (١) » فهو مما جاءت به الشريعة، ولا نزاع فيه بين المسلمين، ولكن ينبغي له أن يجتهد لهم في ما ينفعهم به

стр. 2209

في حياته وبعد مماته من طريق مشروعة، وليس منها التأمين المعروف، وطرق الكسب الحلال كثيرة متنوعة لا يحتاج الإنسان معها إلى الارتكاس في عقود التأمين. المناقشة الرابعة: للشيخ الحجوي: قال: وأما من زعم من علماء الوقت أن ضمان المال (السكرتاه) من الميسر والقمار المحرم بنص القرآن فهو خروج عن محل الاستنباط المعقول فإن في المعنى المراد من لفظ الميسر اختلافا بين أهل العلم حتى قال ابن العربي في [الأحكام] ، في سورة البقرة: ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله تعالى، فما حرم الله فعله وجهلناه حمدنا الله تعالى عليه وشكرناه. اهـ (عدد ٦٣ ج١) (١) ، وإذا كان ابن العربي يجهله ولم يحقق ما هو، كان مجملا والمجمل لا تقوم به حجة كما هو مقرر في الأصول. كيف نلحق الضمان بأمر مجهول وهو الميسر، وقد حكى ابن الجصاص وغيره أقوالا في [تفسيره] فسقط الاستدلال بآية الميسر، ولم يقم له بها حجة لا لإجمالها على أن القمار أو الخطار أو الميسر الذي هو محرم بإجماع ولا يختلف فيه اثنان هو أن ينزل هذا مائة وهذا مائة ويلعبان لعبا فمن غلب أخذ جميع المائتين كما عند الزرقاء في [شرح الموطأ] ، عدد [٣٢٦ ج ٢] ، ومثله للحافظ في [فتح الباري] ، فانظره، ومن ذلك خطار أبي بكر مع أبي بن خلف، لما نزل قوله تعالى: ﴿الم﴾ (٢) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٣) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (٤)

стр. 2210

وكان ذلك قبل تحريمه، انظر [الكشاف] ، وحديثه في الترمذي حسن صحيح غريب بألفاظ مختلفة، وما أبعد هذه الصورة من صورة الضمان بعد السماء من الأرض والفروق بينهما أظهر من أن تبين فكيف تقاس إحداهما على الأخرى. انتهى (١) ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة: بأنه ليس كل اختلاف في تفسير آية أو حديث يقتضي الإجمال في ذلك فقد يكون اختلاف تنوع أو اختلافا في التعبير، وما ذكر في تفسير الآية من الأقوال بعضه من الاختلاف في التعبير، وبعضه من اختلاف التنوع فلا يوجب إجمالا في الآية، وعلى هذا يكون الاستدلال بالآية قائما. ومعنى جهل ابن العربي للميسر عدم معرفته باللعب به عمليا؛ لقوله: (ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله) لا عدم معرفته بتفسيره وبيان معناه لغة وشرعا. د- قالوا: التأمين يتضمن ربا النساء والفضل وكل منهما ممنوع. وبيانه: أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد له ثلاث حالات- إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المستأمن أو يكون مساويا له، وفي كل ذلك يكون دفع الشركة لصاحب الحق واقعا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية عند العقد، فهو ربا فضل من جهة ما إذا دفعت الشركة للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها، ونسيئة بالنظر إلى أن وقت الدفع مؤجل، فهو في الحقيقة بيع دراهم بدراهم مثلا إلى أجل فتبين أن في حالة التساوي
следующие страницы →