← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

المناقشة الثالثة: للأستاذ أحمد محمد دانش. قال: هذا الاعتراض لا يقول به إلا من يجهل التأمين جهلا تاما، فالتأمين لا يسمى تأمينا إذا لم يتم بين فردين، والتأمين قائم أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة أو على نظرية التعاون بين أفراد كثيرين، والأصل في التأمين أن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، ولكنه يحفظ بها ماله على نفسه. كل هذه الأسس تتعارض تماما مع الأسس التي يقوم عليها الميسر أو المقامرة ففي الميسر يخلق الإنسان الفرصة التي يتحقق بها المكسب أو الخسارة خلقا، فهو مثلا يقذف بلية أو كرة في صحن دائري مرقم، والرقم الذي تقف عليه الكرة هو الرقم الكاسب وباقي الأرقام تعتبر خاسرة، ويدخل المقامر فيضع بعض ماله على رقم من هذه الأرقام معتمدا على الصدفة أو الحظ، فإن وقفت الكرة على الرقم الذي اختاره، كسب وإلا فهو من الخاسرين، ويأتي بمجموعة من الورق المرقم متحد في الشكل مختلف في اللون والرقم كورق (الكوتشينة) ويقامر ببعض ماله على الورقة التي يسحبها من هذه المجموعة ذات لون معين أو رقم محدد فإن جاء اللون الذي عينه أو الرقم الذي حدده فقد كسب وإلا فهو من الخاسرين، هذا هو أساس المقامرة أن تخلق الصدفة خلقا وأن تعرض نفسك ومالك لحكم هذه الصدفة التي تخلقها، ورائدك أن تخلق ربحا وأنت في الغالب من الخاسرين، والميسر كما ترى فيه منفعة، ولكن فيه إثم وإثمه أكبر من نفعه، وهو رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه والبعد عنه. أما التأمين فعلى العكس من ذلك، إذ إن الضرر الذي نخشاه واقع لا محالة،

стр. 2207

فالمشاهد مثلا أنه ما من سنة مرت بدون خسارة لحقت بعض الناس من حريق منازلهم أو محاصيلهم أو متاجرهم، والذي لا نعلمه؛ لأنه في ضمير الغيب هو من الذي يصيبه الضرر، فإن تركت الأمور تجري في أعنتها بدون أن تعقلها، فإنك سوف لا تبيتن خالي البال، أما إن عقلتها وذلك بتعاونك مع زملائك من أصحاب المنازل والمحاصيل والمتاجر، وسلحت نفسك بعقد التأمين فتوكل على الله فسوف لا يصيبك الضرر حتى ولو حل بالمنزل الذي تملكه أو المتجر الذي تديره، فعقد التأمين لا يمنع ولا يرد القضاء، ولكنه يحقق اللطف وهو الوسيلة التي يتحقق بها الإنسان من استجابة دعائه عندما يدعو: (اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه) والرجل الذي يكسب عيشه بنفسه وكده واجتهاده، يرى أنه لو مات فإنه يترك وراءه ذرية ضعافا، وأن الخير فيما قاله الرسول صلوات الله عليه: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١) » ، والسبيل إلى ذلك هو الادخار عن طريق التأمين؛ لأن الادخار وحده قد لا يكفي إذا كان حبل الأجل قصيرا لتكوين المال اللازم لوقايتهم شر السؤال، وإنما الذي يكفي هو الادخار مع التعاون بين القادرين. وعقد التأمين على الحياة هو العقد الوحيد الذي يجمع بين هاتين الصفتين، وهو ليس قمارا إذا أخذ الورثة المبلغ المؤمن قبل انتهاء المدة وإنما هو تعاون، والشخص لا يقامر بحياته؛ ليأخذ ورثته المبلغ المؤمن، ولكنه في الحقيقة يدخر قرشا قرشا لو امتد به الأجل كما رأينا في المثل الذي ضربناه سابقا. ثم هو يتعاون مع زملائه بمبلغ آخر يكفي إذا ما ضم إلى ما يدفعه الآخرون؛ لتكملة ما تركه الذين سبق إليهم حكم القدر.

стр. 2208

ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بما يأتي: أولا: إن تحريم عقود التأمين مبني على أنها عقود معاوضة تجارية فيها مخاطرة لا على مجرد تسميتها عقود تأمين، ولا على قلة عدد الأطراف المتعاقدين أو كثرتهم، وقيام التأمين أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة والأفراد الكثيرة، وأن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، بل يراعى أن يكون الربح أصالة لشركات التأمين، وقيام التأمين على هذا من التعسف في وضع نظامه، والاحتياط بالشروط للاستئثار باتخاذه طريقا للتجارة والربح دون المؤمن له، وهذا الاحتياط لا يدفع ما في عقود التأمين من المخاطرة والمقامرة، بل جمع إلى ذلك آفة أخلاقية هي الأثرة الممقوتة في المعاوضات المالية. ثانيا: ما ذكر في المناقشة من أن في التأمين تعاونا على بعث الطمأنينة وتحمل الأخطار مردود بأن القصد الأول في عقود التأمين إلى المعاوضة التجارية للكسب، وقد يتم التعاون تبعا، وليس كل عقود المعاوضة تضمنت منفعة أو تعاونا مشروعة، بل قد يكون فيها من الخطر والإثم ما يطغى على ما فيها من التعاون والنفع، كما في عقود التأمين. ثالثا: ما ذكر في المناقشة من أمثلة للقمار إنما هو بيان لأنواع منه، وليس الميسر والقمار قاصرا على ذلك، بل يعم كل ما فيه مخاطرة. رابعا: ما ذكر في المناقشة من الحث على الاحتياط لمن قد يخلفه من بعده من ورثة ضعفاء، والاستدلال على هذا بحديث «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس (١) » فهو مما جاءت به الشريعة، ولا نزاع فيه بين المسلمين، ولكن ينبغي له أن يجتهد لهم في ما ينفعهم به

стр. 2209

في حياته وبعد مماته من طريق مشروعة، وليس منها التأمين المعروف، وطرق الكسب الحلال كثيرة متنوعة لا يحتاج الإنسان معها إلى الارتكاس في عقود التأمين. المناقشة الرابعة: للشيخ الحجوي: قال: وأما من زعم من علماء الوقت أن ضمان المال (السكرتاه) من الميسر والقمار المحرم بنص القرآن فهو خروج عن محل الاستنباط المعقول فإن في المعنى المراد من لفظ الميسر اختلافا بين أهل العلم حتى قال ابن العربي في [الأحكام] ، في سورة البقرة: ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله تعالى، فما حرم الله فعله وجهلناه حمدنا الله تعالى عليه وشكرناه. اهـ (عدد ٦٣ ج١) (١) ، وإذا كان ابن العربي يجهله ولم يحقق ما هو، كان مجملا والمجمل لا تقوم به حجة كما هو مقرر في الأصول. كيف نلحق الضمان بأمر مجهول وهو الميسر، وقد حكى ابن الجصاص وغيره أقوالا في [تفسيره] فسقط الاستدلال بآية الميسر، ولم يقم له بها حجة لا لإجمالها على أن القمار أو الخطار أو الميسر الذي هو محرم بإجماع ولا يختلف فيه اثنان هو أن ينزل هذا مائة وهذا مائة ويلعبان لعبا فمن غلب أخذ جميع المائتين كما عند الزرقاء في [شرح الموطأ] ، عدد [٣٢٦ ج ٢] ، ومثله للحافظ في [فتح الباري] ، فانظره، ومن ذلك خطار أبي بكر مع أبي بن خلف، لما نزل قوله تعالى: ﴿الم﴾ (٢) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٣) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (٤)

стр. 2210

وكان ذلك قبل تحريمه، انظر [الكشاف] ، وحديثه في الترمذي حسن صحيح غريب بألفاظ مختلفة، وما أبعد هذه الصورة من صورة الضمان بعد السماء من الأرض والفروق بينهما أظهر من أن تبين فكيف تقاس إحداهما على الأخرى. انتهى (١) ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة: بأنه ليس كل اختلاف في تفسير آية أو حديث يقتضي الإجمال في ذلك فقد يكون اختلاف تنوع أو اختلافا في التعبير، وما ذكر في تفسير الآية من الأقوال بعضه من الاختلاف في التعبير، وبعضه من اختلاف التنوع فلا يوجب إجمالا في الآية، وعلى هذا يكون الاستدلال بالآية قائما. ومعنى جهل ابن العربي للميسر عدم معرفته باللعب به عمليا؛ لقوله: (ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله) لا عدم معرفته بتفسيره وبيان معناه لغة وشرعا. د- قالوا: التأمين يتضمن ربا النساء والفضل وكل منهما ممنوع. وبيانه: أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد له ثلاث حالات- إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المستأمن أو يكون مساويا له، وفي كل ذلك يكون دفع الشركة لصاحب الحق واقعا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية عند العقد، فهو ربا فضل من جهة ما إذا دفعت الشركة للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها، ونسيئة بالنظر إلى أن وقت الدفع مؤجل، فهو في الحقيقة بيع دراهم بدراهم مثلا إلى أجل فتبين أن في حالة التساوي

стр. 2211

يكون فيه ربا النساء وفي حالة الزيادة يكون فيه ربا الفضل والنساء، وكل منهما محرم بانفراده فكيف إذا اجتمعا؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى شركات التأمين تستثمر احتياطي أموالها بطريق الربا، وأن المستأمن في التأمين على الحياة إذا بقي حيا بعد انقضاء المدة المحددة بالعقد يسترد الأقساط التي دفعها مع فائدة التأمين، وهذا محرم شرعا (١) وأجاب الأستاذ الزرقاء عن ذلك قائلا: إننا إنما نتكلم في التأمين من حيث هو نظام قانوني ولا نتكلم فيما تقوم به الشركات من أعمال وعقود أخرى مشروعة أو ممنوعة كما أن أخذ المستأمن في التأمين على الحياة فائدة ربوية علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حيا بعد المدة في العقد ليس من ضرورة التأمين على الحياة ولوازمه من حيث كونه نظاما تأمينيا، بل هذا شرط يشرط في العقد يمكن الحكم عليه وحده دون الحكم على نظام التأمين في ذاته، وهنا يجب الانتباه إلى نقطة عظيمة الأهمية في هذا البحث وهي أننا إذا وجدنا أن قواعد الشريعة ونصوصها لا تقتضي منع التأمين فإنما نحكم بصحته من حيث كونه نظاما يؤدي بمقتضى فكرته الأصلية وطريقته الفنية إلى مصلحة مشروعة ولا نحكم شرعا بصحة كل شرط يشرطه العاقدان فيه ربا، ولو سوغه القانون. وحكمنا بالمشروعية على النظام في ذاته ليس معناه إقرار جميع الأساليب التعاملية والاقتصادية التي تلجأ إليها شركات التأمين، ولا إقرار

стр. 2212

جميع ما يتعارف بعض الناس في بعض الدول أو الأماكن من التأمين فيه، بل إن نظام التأمين في ذاته إذا كان صحيحا شرعا فإن كل شرط يشرطه في عقده بعد ذلك، وكل أسلوب تتعامل به شركات التأمين هو أمر منفصل عن الحكم بصحة النظام في ذاته وخاضع لمقاييس الشريعة في الشروط العقدية والمحل العقدي، فقد يحكم على عقد التأمين بعدم صحة شرط غير مقبول شرعا ورد فيه كما أباحت الشريعة البيع والإجارة وسائر العقود المشروعة في ذاتها، وفي الوقت نفسه يمنع فيها بعض شروط يشرطها العاقدان منافية لقواعد الشريعة، وقد تبطل الشروط هذه العقود، وليس معنى ذلك أن العقد في ذاته غير مشروع، ففي بعض الدول اليوم تقوم شركات التأمين على تأمين الأشخاص المرشحين للانتخابات العامة من فشلهم في تلك الانتخابات للكراسي النيابية أو البلدية ونحوها، وقواعد الشريعة تأبى مثل هذا الموضوع وليس من ضرورة قبول نظام التأمين شرعا قبول مثل هذه الحالات (١) وجواب آخر: على أي أساس يبنى هذا الاعتراض؟ الواقع من الأمر أن قسط التأمين على الحياة يتكون من جزأين: أ- جزء يغطي الضرر المادي الذي يقع على الورثة عند وفاة عائلهم وهذا الجزء أو هذا النوع من التغطية صورة طبق الأصل لما سبق شرحه من أنواع التأمين الأخرى- أي: أنه للتعاون بين الأعضاء وهو مباح كما سبق لنا القول.

стр. 2213

٢ - والجزء الثاني يدخر ويتجمع باستمرار مدة العقد لكي يسلم للعضو إذا كان على قيد الحياة في آخر مدة التعاقد، فإذا لم يستمر هذا الجزء، وهو ممكن طبعا ورأينا حبسه في الخزائن حتى يحين موعد تسليمه، فإن عملية التأمين تصبح عملية ادخار محض مضافا إليها عملية تعاون، وأعتقد أنه لا اعتراض مطلقا لأحد على ذلك؛ لأنه ليس هناك استثمار أو فائدة أو ربا أو شبه الربا، وبذلك يكون العقد على هذه الصورة مباحا وحلالا. انتهى المقصود (١) . ويمكن أن يناقش جواب الأستاذ مصطفى الزرقاء بما يأتي: أولا- أنه تسليم بتحريم عقود التأمين التي اشترط فيها الربا. ثانيا- أنه على تقدير الدخول على إسقاط شرط نسبة ربوية على مبلغ التأمين لا يمكن التخلص مما في التأمين من ربا النساء في أي حال، ولا من ربا الفضل عند تفاوت العوضين؛ لأن تأجيل مبلغ التأمين أو عوض الخطر أصيل في التعاقد، وتماثل العوضين مشكوك فيه للجهالة بما يؤول إليه الأمر في المستقبل، والشك في التماثل كتحقق التفاضل، فيتبين أنه لا يتأتى التخلص من الربا في عقود التأمين إلا بالقضاء على التأمين المعروف واجتثاثه من أصوله. ويمكن أن يناقش الجواب الآخر: بأن تكون قسط التأمين من جزأين جزء يغطي الضرر والآخر يدخر لا أثر له في الحكم بحل أو بحرمة، فإن الحكم بذلك مبني على ما في عقود التأمين من ربا الفضل والنساء، لا على

стр. 2214

تجزئة المبلغ وتوزيعه إلى جهات نفع أو ضر، فمآلها وتوظيفها بعد استحقاقها أو الحصول عليها له حكم آخر.

стр. 2215

هـ- قالوا: التأمين من قبيل الرهان، والرهان ممنوع شرعا إلا في صور معينة مستثناة ليس منها عقد التأمين . وفيما يلي بيان معنى الرهان، ودليل حكمه شرعا، ثم كلام بعض العلماء على الأدلة، ثم بيان وجه كون التأمين رهانا مع مناقشة ذلك. أما معنى الرهان: فقال فيه ابن منظور نقلا عن ابن الأعرابي: والرهان والمراهنة: المخاطرة، وقد راهنه، وهم يتراهنون وأرهنوا بينهم خطرا بدلوا منه ما يرضى به القوم بالغا ما بلغ فيكون لهم سبقا، وراهنت فلانا على كذا مراهنة: خاطرته. وأما دليل حكم الرهان من الشرع: ففي [المسند] لأحمد من حديث أنس ﵁ أنه قيل له: «أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ أو كان رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، والله لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له يقال له: سبحة، فسبق الناس، فبش لذلك وأعجبه (١) » . وقد راهن الصديق ﵁ المشركين، وعلم بذلك رسول الله ﷺ وأذن له، فروى الترمذي في [جامعه] في حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿الم﴾ (٢) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٣) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٤)

стр. 2216

قال: «كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁ فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أما إنهم سيغلبون. فذكروه لهم، فقالوا: اجعلوا بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "ألا جعلت إلى دون العشر"- قال سعيد: والبضع: ما دون العشر- قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله: قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر (٦) » . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي [جامعه] أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي، قال: «لما نزلت: إلى قوله: وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قوله تعالى: وكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم بزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع

стр. 2217

سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، قال: وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع؟ - وهو ثلاث سنين إلى تسع سنين- فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين؛ لأنه قال: قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير، (٢) » قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي [الجامع] أيضا من حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر في مناحبته: " ألا أخفضت ". وفي لفظ: " ألا احتطت، فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع (٣) » رواه من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. قال ابن القيم: وقوله في الحديث (مناحبته) فالمناحبة: المخاطرة، وهي المراهنة من النحب، وهو النذر، وكلاهما مناحب، هذا بالعقد، وهذا بالنذر، وقوله: "ألا أخفضت "؟ يجوز أن يكون من الخفض وهو الدعة، والمعنى: هلا نفست المدة فكنت في خفض من أمرك ودعة، ويجوز أن يكون من الخفض الذي هو من الانخفاض أي: هلا استنزلتم إلى أكثر مما اتفقتم عليه. وقوله في اللفظ الآخر: "هلا احتطت " هو من الاحتياط أي: هلا أخذت بالأحوط، وجعلت الأجل أقصى ما ينتهي إليه البضع، فإن النص لا يتعداه. وقوله: (وذلك قبل تحريم الرهان) من كلام بعض الرواة، ليس من كلام أبي بكر ولا النبي ﷺ .

стр. 2218

وقال ابن القيم أيضا: وقد اختلف أهل العلم في إحكام هدا الحديث ونسخه على قولين: فادعت طائفة نسخه بنهي النبي ﷺ عن الغرر والقمار، قالوا: ففي الحديث دلالة على ذلك، وهو قوله: وذلك قبل تحريم الرهان قالوا: ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «" لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل (١) » . والسبق: بفتح السين والباء، وهو الخطر الذي وقع عليه الرهان، وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك والشافعي وأحمد. وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ، وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها. قالوا: والرهان لم يحرم جملة، فإن النبي ﷺ راهن في تسبيق الخيل، كما تقدم، وإنما الرهان المحرم الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين. وأما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، كما راهن عليه الصديق فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النصال وسباق الخيل والإبل أدنى من هذا في الدين وأقوى؛ لأن الدين قام بالحجة والبرهان وبالسيف، والقصد الأول إقامته بالحجة، والسيف منفذ. قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل؛ لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد، فجواز ذلك في المسابقة والمباردة إلى العلم والحجة الذي به تفتح القلوب ويعز الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى، وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل فكيف يلحق به أكله بالحق، قالوا:

стр. 2219

والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام ولا أقر رسول الله ﷺ على قمار فضلا عن أن يأذن فيه وهذا تقرير قول الفريقين (١) . وقال ابن العربي في أثناء الكلام على فقه حديث مراهنة أبي بكر للمشركين قال: إن الله حرم أكل المال بالباطل ومنه المناحبة على رهن، وقد كان ذلك يجري في صدر الإسلام كما كان يجري سائر الأحكام قبل بيان وجود الحلال والحرام حتى أنزل الله الآيات وفصل ذلك كله تفصيلا ولم يبق من ذلك شيء يستعمل إلا في سباق الخيل ونحوه تحريضا على الجهاد وتحضيضا به على التأهب للأعداء والاستعداد المبين في بحث الجهاد (٢) . وأما بيان كون التأمين رهانا فإن كلا من التأمين والرهان معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع، وقد أجاب الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك فقال: والجواب على هذه الشبهة قد أصبح واضحا من الجواب عن الشبهة السابقة- يشير بذلك- إلى الجواب عن قياس التأمين على القمار، فالمراهن معتمد على المصادفات والحظوظ كالمقامر وقد يضيع في التلهي به أوقاته ويقتل فعاليته ونشاطه كالمقامر. وأبرز المفارقات بين التأمين والرهان: أن الرهان ليس فيه أية صلة بترميم أضرار الأخطار العارضة على النشاط الاقتصادي المنتج من ميدان الحياة الإنسانية لا بطريق التعاون على تفتيت تلك الأضرار وتشتيتها ولا

стр. 2220

بطريق تحمل فردي غير تعاوني، ولا يعطي أحدا من المتراهنين أي أمان أو طمأنينة، كما هو الأثر المباشر في عقد التأمين، وفي هذا ما يكفي لهدم هذه الشبهة (١) . ونوقش هذا الجواب: بأنه قد أصبح واضحا أيضا من الجواب عن مناقشة الاستدلال على تحريم التأمين بقياسه على القمار، وأيضا فالمتعاقدان في التأمين يعتمدان على المصادفات والحظوظ، وغاية ما يحتاط به من إحصاء وتنسيق ومقاصة ونحوها أن يخفف قدر الخطر شيئا ما، لكن لا يزال الخطر فاحشا بالنسبة للمتعاقدين، فإن شركات التأمين وإن احتاطت بعملياتها الفنية للكسب فالخطر لا يزال يساورها بشدة بالنسبة لكل مستأمن وحده، بل لا يزال يساورها بالنسبة لمجموع المستأمنين وإن كان أقل من سابقه، فلم يخرج التأمين بذلك عن شبهه الوثيق بالقمار، ثم ليس كل ما كان نافعا ومساعدا على ترميم الأخطار ودفع الأضرار يكون جائزا حتى يغلب نفعه ضره، وخيره شره، وهيهات أن يتحقق ذلك في التأمين.

стр. 2221

وقالوا: التأمين من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل المال الباطل ممنوع . وفيما يلي دليل حكم أكل المال بالباطل، وبيان معناه ووجه اشتمال عقد التأمين على أكل أموال الناس بالباطل. أما دليل الحكم: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١)

стр. 2222

الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وأما معناه: فقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أكل مال الغير بالباطل واختلفوا في تفسيره، ففسره أحمد بن فارس بذهاب الشيء (٢) ، وذكر معنى ذلك الفيروزآبادي (٣) . وقال ابن جرير في تفسير آية النساء: لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها، ورجح هذا القول (٤) . وقال أبو حيان في تفسير آية البقرة: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ (٥) قال الزجاج: بالظلم، وقال غيره: بالجهة التي لا تكون مشروعة فيدخل في ذلك الغصب والنهب والقمار وحلوان الكاهن والخيانة والرشا وما يأخذه المنجمون وكل ما لم يأذن في أخذه الشرع (٦) وقال في تفسير آية النساء: والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا وأثمان البياعات الفاسدة. وقد اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ (٧) فقال ابن عباس والحسن: هو أن يأكله بغير عوض، وعلى هذا التفسير

стр. 2223

قال ابن عباس: هي منسوخة؛ إذ يجوز أكل المال بغير عوض إذا كان هبة أو صدقة أو تمليكا أو إرثا أو نحو ذلك مما أباحت الشريعة أخذه بغير عوض، وقال السدي: هو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم وغير ذلك مما لم يبح الله تعالى أكل المال به، وعلى هذا تكون الآية محكمة، وهو قول ابن مسعود والجمهور، وقال بعضهم: الآية مجملة؛ لأن معنى قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ (١) بطريق غير مشروع، ولما لم تكن هذه الطريق المشروعة مذكورة هنا على التفصيل صارت الآية مجملة (٢) ويمكن أن يقال في وجه اشتمال عقد التأمين على أكل أموال الناس بالباطل: أن ما يدفعه المستأمن مبلغ محدود وقد يأخذ أقل منه أو أكثر أو مثله أو لا يأخذ شيئا، ففي حالة ما إذا لم يأخذ المستأمن شيئا، أو أخذ أقل مما دفع فبأي حق تستحق الشركة ما أخذته بدون مقابل شرعي، وبأي وجه يستحق ورثة المستأمن أو المستفيد مبلغ التأمين إذا توفي قبل أن يدفع كامل الأقساط. وقد يستدل لدخول أخذه على ما وصف في عموم أكل المال بالباطل ما ثبت في [صحيح مسلم] وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ (٣) » . كما يدل لدخوله في عموم الآية ما تقدم من أدلة التحريم.

стр. 2224

الرأي الثاني: الجواز مطلقا: نذكر فيما يلي كلام طائفة ممن قالوا بالجواز مطلقا أو نسب إليهم القول بذلك، ثم نتبعه بأدلتهم مع المناقشة. أولا- ما نقل عن بعضهم من القول بالجواز: ١ - سئل الشيخ محمد عبده عن رجل يريد أن يتعاقد مع جماعة على أن يدفع لهم مالا من ماله الخاص على أقساط متساوية؛ ليعملوا فيه بالتجارة، واشترط معهم أنه إذا قام بما ذكره، وانتهى الاتفاق بانتهاء الأقساط المعينة، وكانوا قد عملوا في ذلك المال، وكان حيا فيأخذ ما يكون له من المال مع ما يخصه من الأرباح، وإذا مات في أثناء تلك المدة فيكون لورثته أو لمن يكون له حق الولاية في ماله أن يأخذ المبلغ، تعلق مورثهم مع الأرباح فهل مثل هذا التعاقد الذي يكون- مفيدا لأربابه بما ينتجه لهم من الربح جائزا شرعا؟ الجواب: إنه لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل وهؤلاء الجماعة على الصفة المذكورة كان ذلك جائزا شرعا، ويجوز لذلك الرجل بعد انتهاء الأقساط والعمل في المال وحصول الربح أن يأخذ لو كان حيا ما يكون له من المال مع ما خصه من الربح، وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته من ورثته، أو من له ولاية التصرف في ماله بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال مع ما أنتجه من الربح (١) لقد نقلت اللجنة هذه الفتوى وجوابها نظرا إلى أن شركات التأمين تحتج

стр. 2225

بها على الجواز، وبمطالعتها يتبين أنها ليست في موضوع التأمين. ٢ - وقال الحجوي: كأنها- يريد عقود التأمين- عندي جمعية اكتتابية خيرية لإعانة المنكوبين بنظام والتزام تأخذ من مائة ألف رجل شيئا قليلا ما تعوض به نكبة رجل مثلا واستنباطها من قاعدة القليل في الكثير كثير لذلك يبقى لها ما يقوم بأجرة قيامها على ذلك وربما ربحت أرباحا عظيمة إذا قلت نكبات المضمونين فيها (١) .

стр. 2226

٣- وقال عبد الرحمن عيسى: يجوز شرعا التأمين لدى شركات التأمين ضد أخطار الملكية وضد أخطار المسئولية المدنية، وكذلك التأمين على الحياة وضد سائر الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة، ويجوز في غير الصناعات والمهن الخطرة إذا كان تأمينا مختلطا (١)

стр. 2227

٤ - وقال محمد يوسف موسى: إن التأمين بكل أنواعه ضرب من ضروب التعاون التي تفيد المجتمع، والتأمين على الحياة يفيد المؤمن كما يفيد الشركة التي تقوم بالتأمين أيضا، وأرى شرعا أنه لا بأس إذا خلا من الربا بمعنى أن المؤمن عليه إذا عاش المدة المنصوص عليها في عقد التأمين استرد ما دفعه فقط دون زيادة، أما إذا لم يعش المدة المذكورة حق لورثته أن يأخذوا قيمة التأمين- أي: التعويض- وهذا حلال شرعا (١) .

стр. 2228

٥ - وقال مصطفى الزرقاء: الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلا من العقود، بل للناس أن يبتكروا أنواعا جديدة

стр. 2229

تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفي الشرائط العامة المشار إليها (١) وقال أيضا: لا يوجد مانع من قواعد الشريعة الإسلامية يمنع جواز نظام التأمين في ذاته وبهذا يثبت حله شرعا (٢) ٦ - وقال عبد الوهاب خلاف: بجواز عقد التأمين على الحياة، وأنه عقد مضاربة، وسيأتي توجيهه لهذا الدليل وبيان رأيه في كون عقد التأمين صار عقد مضاربة (٣) ٧ - ومن القائلين بالجواز الأستاذ طه السنوسي، وسيأتي رأيه مفصلا ضمن استدلاله بولاء الموالاة على جواز عقد التأمين.

стр. 2230

ثانيا- أدلة من أجازوا التأمين مطلقا مع المناقشة: وأمام كل دليل استدل به الفقهاء المعاصرون على الجواز نذكر كلام العلماء السابقين في المصادر التي اعتمد عليها الفقهاء المعاصرون في استدلالهم على الجواز. أ- قياس عقد التأمين على ولاء الموالاة: فيما يلي كلام المفسرين وغيرهم على آية ولاء الموالاة، ثم كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل. قال أبو جعفر النحاس: باب ذكر الآية السابقة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) فمن أصح ما روي في

стр. 2231

هذه الآية إسنادا وأجله قائلا ما حدثناه أحمد بن شعيب قال: أخبرني هارون بن عبد الله قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثني إدريس بن يزيد، قال: حدثنا طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «في قوله تعالى: فإنه كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحم، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم حتى نزلت الآية: قال: نسختها قال: من النصر والنصح والرفادة يوصى له وهو لا يرث، (٤) » قال أبو عبد الرحمن: إسناده صحيح. قال أبو جعفر: فحمل هذا الحديث وأدخل في المسند على أن الآية ناسخة، وليس الأمر عندي كذلك، والذي يجب أن يحمل عليه الحديث أن يكون ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٥) ناسخا لما كانوا يفعلونه، وأن يكون ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) غير ناسخ ولا منسوخ، ولكن فسره ابن عباس وسنبين العلة في ذلك عند آخر هذا الباب، ولكن ممن قال: إن الآية منسوخة سعيد بن المسيب كما حدثنا جعفر بن مجاشع قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق قال: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مروان بن أبي الهذيل: أنه سمع الزهري يقول: أخبرني سعيد في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧) قال: الحلفاء في الجاهلية، والذين كانوا يتبنون فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٨) فنزع الله ميراثهم وأثبت لهم الوصية. وقال الشعبي: كانوا يتوارثون حتى أزيل ذلك، وممن قال: إنها منسوخة: الحسن، وقتادة، كما قرأ علي عبد الله بن أحمد بن عبد السلام

стр. 2232

عن أبي الأزهر قال: حدثنا روح عن أشعب عن الحسن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) قال: كان الرجل يعاقد الرجل على أنهما إذا مات أحدهما ورثه الآخر فنسختها آية المواريث، وقال قتادة: كان يقول: ترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك فنسختها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال الضحاك: كانوا يتحالفون فيتعاقدون على النصرة والوراثة، فإذا مات أحدهم قبل صاحبه كان له مثل نصيب أبيه فنسخ ذلك بالمواريث، ومثل هذا أيضا مروي عن ابن عباس مشروحا، كما حدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٣) كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه الآخر، فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٤) قال: هو أن يوصي له بوصية فهي جائزة من ثلث مال الميت فذلك المعروف، وممن قال: إنها محكمة مجاهد وسعيد بن جبير، كما قرأ علي إبراهيم بن موسى الحوريني عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع بن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٥) قال: من العقل والمشورة والرفادة، وقال سعيد بن جبير: فآتوهم نصيبهم من العون والنصرة.

стр. 2233

قال أبو جعفر: وهذا أولى مما قيل في الآية إنها محكمة لعلتين: إحداهما: أنه إنما يجعل النسخ على ما لا يصح المعنى إلا به وما كان منافيا، فأما ما صح معناه وهو متلو فبعيد من الناسخ والمنسوخ. والعلة الأخرى: الحديث عن النبي ﷺ الصحيح الإسناد، كما حدثنا أحمد بن شعيب قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا إسحاق الأزرق عن زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن إبراهيم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة (١) » . فبين بهذا الحديث أن الحلف غير منسوخ، وبين الحديث الأول وقول مجاهد وسعيد بن جبير أنه في النصر والنصيحة والعون والرفد، ويكون ما في الحديث الأول من قول ابن عباس نسختها يعني ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ (٢) ؛ لأن الناس يتوارثون في الجاهلية بالتبني وتوارثوا في الإسلام بالإخاء ثم نسخ هذا كله فرائض الله بالمواريث (٣) وقال الجصاص: باب ولاء الموالاة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) وروى طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٥) قال: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى الله بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٦) نسخت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٧)

стр. 2234

قال: من النصر والرفادة، ويوصي له، وقد ذهب الميراث، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢) يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، فذلك المعروف. وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٣) قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية، فيموت فيرثه، فعاقد أبو بكر رجلا فمات فورثه، وقال سعيد بن المسيب: هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثونهم، فأنزل الله فيهم أن يجعل لهم من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة. قال أبو بكر: قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكما ثابتا في الإسلام، وهو الميراث بالمعاقدة والموالاة، ثم قال قائلون: إنه منسوخ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٤) وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه. واختلف الفقهاء في ميراث موالي الموالاة: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل

стр. 2235

ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له. وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين، وقال يحيى بن سعيد: إذا جاء من أرض العدو فأسلم على يده فإن ولاءه لمن والاه، ومن أسلم من أهل الذمة على يدي رجل من المسلمين، فولاؤه للمسلمين عامة، وقال الليث بن سعد: من أسلم على يدي رجل فقد والاه وميراثه للذي أسلم على يده إذا لم يدع وارثا غيره. وقال أبو بكر: الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه أصحابنا؛ لأنه كان حكما ثابتا في أول الإسلام وحكم الله به في نص التنزيل، ثم قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (١) فجعل ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي، فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية إذ كانت إنما نقلت ما كان لهم إلى ذوي الأرحام إذا وجدوا، فإذا لم يوجدوا فليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام، وقد ورد الأثر عن النبي ﷺ بثبوت هذا الحكم وبقائه عند عدم ذوي الأرحام وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار الدمشقي قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر (٢) قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب «عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم؟

стр. 2236

على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته (١) » ، فقوله: "هو أولى الناس بمماته "، يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٢) يعني: ورثة، وقد روي نحو قول أصحابنا في ذلك عن عمر وابن مسعود والحسن وإبراهيم، وروى معمر عن الزهري أنه سئل عن رجل أسلم فوالى رجلا هل بذلك بأس؟ قال: لا بأس به، قد أجاز ذلك عمر بن الخطاب، وروى قتادة عن سعيد بن المسيب قال: من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره وحل لهم ميراثه، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: إذا أسلم الكافر على يدي رجل مسلم بأرض العدو أو بأرض المسلمين فميراثه للذي أسلم على يديه، وقد روى أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: «كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، وقال: " لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم (٣) » . وقد حوى هذا الخبر معنيين: أحدهما: جواز الموالاة؛ لأنه قال: "إلا بإذنهم" فأجاز الموالاة بإذنهم. والثاني: أن له أن يتحول بولاية إلى غيره إلا أنه كره إلا بإذن الأولين، ولا يجوز أن يكون مراده ﵇ في ذلك إلا في ولاء الموالاة؛ لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه وقال ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب (٤) » . فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة

стр. 2237

عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة (١) » . قال: فهذا يوجب بطلان حلف الإسلام ومنع التوارث به. قيل له: يحتمل أن يريد به نفي الحلف في الإسلام على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية؛ وذلك لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول: هدمي هدمك، ودمي دمك وترثني وأرثك، وكان في هذا الحلف أشياء قد حظرها الإسلام وهو أنه كان يشرط أن يحامي عليه ويبذل دمه دونه ويهدم ما يهدمه فينصره على الحق والباطل، وقد أبطلت الشريعة هذا الحلف وأوجبت معونة المظلوم على الظالم حتى ينتصف منه، وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا غيرها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (٢) فأمر الله تعالى بالعدل والقسط في الأجانب والأقارب، وأمر بالتسوية بين الجميع في حكم الله تعالى فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من معونة القريب والحليف على غيره ظالما كان أو مظلوما وكذلك قال النبي ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما، قال: أن ترده عن الظلم، فذلك معونة منك له (٣) » ، وكان في حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى النبي ﷺ بقوله: «لا حلف في

стр. 2238

الإسلام (١) » التحالف على النصرة والمحاماة من غير نظر في دين أو حكم، وأمر باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على نفسه، ونفى أيضا أن يكون الحليف أولى بالميراث من الأقارب فهذا معنى قوله ﷺ : «لا حلف في الإسلام (٢) » . وأما قوله: «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة (٣) » ، فإنه يحتمل أن الإسلام قد زاد شدة وتغليظا في المنع منه وإبطاله فكأنه قال: إذا لم يجز الحلف في الإسلام مع ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم فحلف الجاهلية أبعد من ذلك. انتهى المقصود (٤) . وقال أبو بكر ابن العربي: المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) اختلف الناس فيه وابن عباس، فتارة قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٦) يعني: تؤتوهم من الوصية جميلا وإحسانا في الثلث المأذون فيه، وتارة قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة حالف النبي ﷺ بينهم فكان الأنصاري يرث المهاجري، والمهاجري يرث الأنصاري فنزلت هذه الآية، ثم انقطع ذلك فلا تواخي بين أحد اليوم. وقال ابن المسيب: نزلت في الذين كانوا يتبنون الأبناء فرد الله الميراث إلى ذوي الأرحام والعصبة وجعل لهم نصيبا في الوصية.

стр. 2239

وقد أحكم ذلك ابن عباس في الصحيح بيانا بما رواه عن رسول الله ﷺ برهانا، قال البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الصحيح، «قال: ورثة، والذين عقدت أيمانكم فكان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى بها النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت نسخت. ثم قال: من النصرة والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له، (٤) » وهذه غاية ليس لها مطلب (٥) . وقال القرطبي بعد ذكره لرواية البخاري عن ابن عباس المتقدمة قال: قال أبو الحسن بن بطال: وقع في جميع النسخ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٦) قال: نسختها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧) والصواب أن الآية الناسخة ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٨) والمنسوخة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٩) وكذا رواه الطبري في روايته. وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١٠) قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١١) وروي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري وهو الذي انتبه أبو عبيد في كتاب [الناسخ والمنسوخ] ، له. وفيها قول آخر: رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعل لهم

стр. 2240

نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة. وقالت طائفة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) محكم وليس بمنسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، ذكره الطبري عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) من النصرة والنصيحة والرفادة، ويوصي لهم، وقد ذهب الميراث، وهو قول مجاهد والسدي. قلت: واختاره النحاس، ورواه سعيد بن جبير، ولا يصح النسخ فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير (٣) . وقال أيضا: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) يعني: بالحلف، عن قتادة، وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك. فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ (٥) . وقال ابن حجر على قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة. وهكذا حملها ابن عباس على من آخى النبي ﷺ بينهم، وحملها غيرهم على أعم من ذلك، فأسند الطبري عنه قال: كان الرجل يحالف

стр. 2241

الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ ذلك، ومن طريق سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر مولى فورثه. وقال أيضا على قوله: فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) نسخت. هكذا وقع في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فإذا مات ورثه الآخر فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢) يقول: إلا أن توصوا لأوليائكم الذين عاقدتم. ومن طريق قتادة: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك وترثني وأرثك فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ بالميراث فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣) ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمد. ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين. الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت ﴿وَلِكُلٍّ﴾ (٤) وهي آية الباب فصاروا جميعا يرثون وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس ثم نسخ ذلك آية الأحزاب، وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل بقية الآثار، وقد تعرض له ابن عباس في حديثه أيضا لكن لم يذكر الناسخ الثاني ولا بد منه. والله أعلم. وقال أيضا على قوله: ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) من

стр. 2242

النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له: كذا وقع فيه وسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد ولفظه، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) من النصر إلخ، فقوله من النصر يتعلق بآتوهم لا بعقدت ولا بأيمانكم وهو وجه الكلام. انتهى المقصود (٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما (المؤاخاة) فإن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة، كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، حتى أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣) فصاروا يتوارثون بالقرابة، وفي ذلك أنزل الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) وهذا هو المحالفة. واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين: أحدهما: أن ذلك منسوخ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، ولما ثبت في [صحيح مسلم] عنه أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة (٥) » . والثاني: أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى (٦) .

стр. 2243

وأما كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل: فقال الأستاذ طه السنوسي: ولاء الموالاة في التشريع الإسلامي هو عبارة عن رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما وهو (مولى الموالاة) عن الآخر وهو (المعقول عنه) إذا جنى أن يدفع الدية في مقابل ميراثه منه إذا توفي غير مخلف وارثا قط. وقد اختلف في صحة هذا العقد ونفاذه من حيث كونه سببا من أسباب الميراث ويمكن إجمال وجهات النظر في هذا الصدد في رأيين، قال: أولهما بصحته وجوازه واعتباره سببا للإرث، وقال: ثانيهما ببطلانه ورفضه سببا له. الرأي القائل بالرفض والبطلان: قال بهذا الرأي جمهور الفقهاء، ومنهم الشافعي ومالك وأحمد وأسانيده تتلخص في أربعة: أولها: ورد نص صريح في القرآن المصدر الأول للتشريع الإسلامي هو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١) بمقتضاه يكون ذو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة ذلك العقد الذي عرف في الجاهلية. وثانيها: ورود نص ثابت في الحديث المصدر الثاني للتشريع، بمقتضاه «الولاء لمن أعتق (٢) » وهو يحصر الولاء في نوع واحد هو ولاء العتاقة، وعلى ذلك يعتبر باطلا كل ولاء سواه. وثالثها: أن عقد الموالاة فيه في الواقع وصية بجميع المال، والوصية بجميع المال ممن لا وارث له غير جائزة عند الشافعي؛ لأن وارث من لا وارث له هو جماعة المسلمين ولا يستطيع المورث أن يبطل حق هذه

стр. 2244

الجماعة، تفريعا على عدم إبطال حق ورثته في حالة ما إذا كان له ورثة بالوصية بجميع ماله. ورابعها: قول الشافعي: إن الملك بطريق الوراثة لا يثبت ابتداء، وإنما يثبت على سبيل الخلافة، وأن أسباب الإرث معلومة شرعا لكن عقد الموالاة ليس منها. الرأي القائل بالجواز والصحة: وقد قال به عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃، وقال به كذلك أبو حنيفة وأصحابه، وهو الرأي الصحيح، والراجح والذي أميل إليه، وأسانيده تتلخص في خمسة: أولها: وجود هذا الولاء باعتباره سببا للإرث في الجاهلية، وإقرار الإسلام له حين جاء، وذلك بنص صريح في المصدر الأول للتشريع هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) ومقتضاها أنه يجب أن تعطوا حلفاءكم الذين تعاقدتم وإياهم على النصرة والميراث - نصيبهم منه؛ لأن ذلك المقتضي للعقد، ولا يرد على ذلك بوجود نص صريح آخر في المصدر نفسه بمقتضاه يكون ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة؛ لأن هذا النص الأخير ليس نصا على الأولوية في الميراث، ثم إنه لا يتعارض مع النص الأول، وذلك لأن حق الإرث المقرر لمولى الموالاة لا يثبت له إلا عند عدم وجود (أولي الأرحام) فمرتبته في الإرث متأخرة عن مرتبة

стр. 2245

هؤلاء، بل وعن مرتبة مولى العتاقة وعصبته، وما دام ليس بين النصوص التشريعية من تعارض ما فالواجب إعمال كل فيما يخصه. وثانيها: أن الحديث القائل بأن «الولاء لمن أعتق (١) » ليس الحصر فيه حقيقيا، بل إضافيا، أي: أن الولاء لمن أعتق لا لغيره ممن كان أجنبيا لقصة بريرة وفيه: «الولاء لمن أعتق (٢) » ولهذا لا يكون هذا الحديث نافيا استحقاق الإرث بسبب ولاء الموالاة، جاء في حديث تميم الداري ﵁، أنه سأل الرسول ﷺ بقوله: «إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي ويواليني فقال الرسول: هو أخوك ومولاك فأنت أحق به محياه ومماته» والمقصود محياه تحمل عقل الجريمة عنه، ومماته في الإرث منه. وثالثها: أن ولاء الموالاة متصل بالوصية بجميع المال وهي صحيحة ممن لا وارث له؛ لأن من لا وارث له يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين، ومن حيث إن الموصى له هو أحد هؤلاء المسلمين يشركهم في دين الله، ومن حيث إنه قد ترجح بإيجاب الموصى له فمن أجل ذلك هو أولى من هذا البيت، وكذلك الأمر بالنسبة لمن عاقده مولى الموالاة عقد الموالاة. [٤٣\ المبسوط] ورابعها: أنه فيما يتعلق بخلافة الوارث الموروث في ماله، الظاهر أن الإنسان في شأن هذه الخلافة إنما يؤثر قرابته على الأجانب، ومن أجل ذلك اقتضت حكمة التشريع الحنيف أن يقدم الأقرب على الأبعد فيها؛ لأن الموروث نفسه يفعل ذلك ويريده في أغلب الأحوال. والمسألة لا تخلو من فرضين: الأول: أن يكون أحد من قرابته وفي هذه الحالة يوجد النظر من الشرع
следующие страницы →