الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ ذلك، ومن طريق سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر مولى فورثه.
وقال أيضا على قوله: فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) نسخت. هكذا وقع في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فإذا مات ورثه الآخر فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢) يقول: إلا أن توصوا لأوليائكم الذين عاقدتم.
ومن طريق قتادة: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك وترثني وأرثك فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ بالميراث فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣) ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمد.
ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين. الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت ﴿وَلِكُلٍّ﴾ (٤) وهي آية الباب فصاروا جميعا يرثون وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس ثم نسخ ذلك آية الأحزاب، وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل بقية الآثار، وقد تعرض له ابن عباس في حديثه أيضا لكن لم يذكر الناسخ الثاني ولا بد منه. والله أعلم.
وقال أيضا على قوله: ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) من
стр. 2242
النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له: كذا وقع فيه وسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد ولفظه، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) من النصر إلخ، فقوله من النصر يتعلق بآتوهم لا بعقدت ولا بأيمانكم وهو وجه الكلام. انتهى المقصود (٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما (المؤاخاة) فإن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة، كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، حتى أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣) فصاروا يتوارثون بالقرابة، وفي ذلك أنزل الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) وهذا هو المحالفة.
واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين:
أحدهما: أن ذلك منسوخ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، ولما ثبت في [صحيح مسلم] عنه أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة (٥) » .
والثاني: أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى (٦) .
стр. 2243
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل:
فقال الأستاذ طه السنوسي:
ولاء الموالاة في التشريع الإسلامي هو عبارة عن رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما وهو (مولى الموالاة) عن الآخر وهو (المعقول عنه) إذا جنى أن يدفع الدية في مقابل ميراثه منه إذا توفي غير مخلف وارثا قط. وقد اختلف في صحة هذا العقد ونفاذه من حيث كونه سببا من أسباب الميراث ويمكن إجمال وجهات النظر في هذا الصدد في رأيين، قال: أولهما بصحته وجوازه واعتباره سببا للإرث، وقال: ثانيهما ببطلانه ورفضه سببا له.
الرأي القائل بالرفض والبطلان: قال بهذا الرأي جمهور الفقهاء، ومنهم الشافعي ومالك وأحمد وأسانيده تتلخص في أربعة:
أولها: ورد نص صريح في القرآن المصدر الأول للتشريع الإسلامي هو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١) بمقتضاه يكون ذو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة ذلك العقد الذي عرف في الجاهلية.
وثانيها: ورود نص ثابت في الحديث المصدر الثاني للتشريع، بمقتضاه «الولاء لمن أعتق (٢) » وهو يحصر الولاء في نوع واحد هو ولاء العتاقة، وعلى ذلك يعتبر باطلا كل ولاء سواه.
وثالثها: أن عقد الموالاة فيه في الواقع وصية بجميع المال، والوصية بجميع المال ممن لا وارث له غير جائزة عند الشافعي؛ لأن وارث من لا وارث له هو جماعة المسلمين ولا يستطيع المورث أن يبطل حق هذه
стр. 2244
الجماعة، تفريعا على عدم إبطال حق ورثته في حالة ما إذا كان له ورثة بالوصية بجميع ماله.
ورابعها: قول الشافعي: إن الملك بطريق الوراثة لا يثبت ابتداء، وإنما يثبت على سبيل الخلافة، وأن أسباب الإرث معلومة شرعا لكن عقد الموالاة ليس منها.
الرأي القائل بالجواز والصحة:
وقد قال به عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃، وقال به كذلك أبو حنيفة وأصحابه، وهو الرأي الصحيح، والراجح والذي أميل إليه، وأسانيده تتلخص في خمسة:
أولها: وجود هذا الولاء باعتباره سببا للإرث في الجاهلية، وإقرار الإسلام له حين جاء، وذلك بنص صريح في المصدر الأول للتشريع هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) ومقتضاها أنه يجب أن تعطوا حلفاءكم الذين تعاقدتم وإياهم على النصرة والميراث - نصيبهم منه؛ لأن ذلك المقتضي للعقد، ولا يرد على ذلك بوجود نص صريح آخر في المصدر نفسه بمقتضاه يكون ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة؛ لأن هذا النص الأخير ليس نصا على الأولوية في الميراث، ثم إنه لا يتعارض مع النص الأول، وذلك لأن حق الإرث المقرر لمولى الموالاة لا يثبت له إلا عند عدم وجود (أولي الأرحام) فمرتبته في الإرث متأخرة عن مرتبة
стр. 2245
هؤلاء، بل وعن مرتبة مولى العتاقة وعصبته، وما دام ليس بين النصوص التشريعية من تعارض ما فالواجب إعمال كل فيما يخصه.
وثانيها: أن الحديث القائل بأن «الولاء لمن أعتق (١) » ليس الحصر فيه حقيقيا، بل إضافيا، أي: أن الولاء لمن أعتق لا لغيره ممن كان أجنبيا لقصة بريرة وفيه: «الولاء لمن أعتق (٢) » ولهذا لا يكون هذا الحديث نافيا استحقاق الإرث بسبب ولاء الموالاة، جاء في حديث تميم الداري ﵁، أنه سأل الرسول ﷺ بقوله: «إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي ويواليني فقال الرسول: هو أخوك ومولاك فأنت أحق به محياه ومماته» والمقصود محياه تحمل عقل الجريمة عنه، ومماته في الإرث منه.
وثالثها: أن ولاء الموالاة متصل بالوصية بجميع المال وهي صحيحة ممن لا وارث له؛ لأن من لا وارث له يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين، ومن حيث إن الموصى له هو أحد هؤلاء المسلمين يشركهم في دين الله، ومن حيث إنه قد ترجح بإيجاب الموصى له فمن أجل ذلك هو أولى من هذا البيت، وكذلك الأمر بالنسبة لمن عاقده مولى الموالاة عقد الموالاة. [٤٣\ المبسوط]
ورابعها: أنه فيما يتعلق بخلافة الوارث الموروث في ماله، الظاهر أن الإنسان في شأن هذه الخلافة إنما يؤثر قرابته على الأجانب، ومن أجل ذلك اقتضت حكمة التشريع الحنيف أن يقدم الأقرب على الأبعد فيها؛ لأن الموروث نفسه يفعل ذلك ويريده في أغلب الأحوال.
والمسألة لا تخلو من فرضين:
الأول: أن يكون أحد من قرابته وفي هذه الحالة يوجد النظر من الشرع
стр. 2246
له ويقع الاستغناء عن نظره لنفسه.
والثاني: أن لا يكون أحد من قرابته، وهنا تقع الحاجة إلى نظره لنفسه فإذا نظر إليها وعقد عقد الموالاة مع شخص ما، اعتبر ذلك منه تصرفا صحيحا في خالص حقه على سبيل النظر منه لنفسه.
وخامسها: أن عدم الدليل المقول به في شأن إثبات بين الوارث والموروث بطريق العقد عن قصد فيه نظر؛ لأن إثبات هذه الخلافة بالعقد قصدا مشروع بالاتفاق وذلك في عقد النكاح، إذ المعروف أن الزوجة التي أساسها العقد وتوافق الإرادتين هي سبب للميراث، ومن أجل هذا ينتفي القول بعدم الدليل في إثبات الخلافة عن طريق عقد الموالاة (١) .
وقال أيضا: يعرف التأمين بوجه عام: بأنه عملية يحصل بها أحد الطرفين وهو المستأمن أو المؤمن له على تعهد لمصلحته أو لمصلحة غيره في نظر مقابل مال، ويتعهد فيها الطرف الآخر وهو المؤمن بدفع عوض مالي في حالة تحقق خطر معين، أي: بتحميله تبعية مجموعة من المخاطر.
ولعقد التأمين أركان أربعة:
أولها: الخطر، ويشترط فيه أن يكون حادثا احتماليا مستقبلا، وليس إراديا محضا.
وثانيها: المقابل المالي الذي يحصل عليه المؤمن من المستأمن؛ ليتحمل الأول تبعة الخطر المؤمن منه، وهنا يبدو أن عقد التأمين معاوضة تنشئ التزامات متقابلة في ذمة الطرفين.
стр. 2247
وثالثها: العوض المالي الذي يلتزم المؤمن دفعه عند تحققه.
ورابعها: المصلحة في التأمين أو المصلحة القابلة للتأمين ... وقد أسلفت التكييف القانوني لعقد الموالاة في التشريع الإسلامي.
ومنه يتضح أن أركانه تتفق إلى حد كبير وأركان عقد التأمين في صورة التأمين على المسئولية في التشريع الحديث، فهو أولا عقد بين طرفين: أولهما: (مولى الموالاة) يقابل المؤمن وهو شركة التأمين.
وثانيهما: (المعقول عنه) وهو المستأمن أو المؤمن له وهو يتضمن ثانيا عنصر (العوض المالي) الذي يلتزم المؤمن (وهو مولى الموالاة) دفعه عند تحقق الخطر المؤمن منه، وهو يتمثل في الدية أو التعويض عن الجريمة التي ينتج عنها الضرر للغير المستحق له كما هو الحال في المسئولية الناشئة عن الأضرار الناشئة من ارتكاب جريمة تترتب عليها الغرامة المالية، وهو يتضمن ثالثا (عنصر المقابل المالي) الذي يحصل عليه (مولى الموالاة المؤمن) مقابل تحمله تبعة الخطر وهو يتمثل في (مال الشركة المورثة) إذا توفي عنه (المعقول عنه المستأمن) غير مخلف وارثا مطلقا باستثناء الحالة التي يوجد فيها مع مولى الموالاة أحد من الزوجين، فيكون ما يتبقى من مال التركة بعد فرض هذا الزوج حقا مستحقا لهذا المولى المؤمن، أما شرط المصلحة في التأمين فمفهوم كما سلف أنه من مستلزمات صورة التأمين على المسئولية، وهي الصورة التي ينطبق عقد ولاء الموالاة عليها (١) . . انتهى المقصود من كلام السنوسي.
стр. 2248
وقد اعترض على هذا القياس بما يأتي:
أولا: نلاحظ على تشبيهه ولاء الموالاة بعقود التأمين التي تعقد بين المستأمن بأن هناك عنصرا معنويا يقوم عليه ولاء الموالاة وهو مفقود في عقد التأمين، ولهذا العنصر المعنوي من عظيم الأهمية ما يجعل ولاء الموالاة غير عقد التأمين، أن الولاء في الإسلام- من حيث هو- صلة ولحمة كصلة القرابة ولحمتها ومولى القوم منهم، وكبار أئمة الإسلام الذين يتصلون ببعض القبائل بصلة الولاء يفتخرون بهذه الصلة حتى بعد زوالها؛ لأنهم يعتبرونها قرابة كقرابة الدم ولحمة كلحمة الرحم وهذا المعنى الأدبي موجود في ولاء الموالاة؛ لأنه ولاء على كل حال، والولاء نصرة وفيه كل ما في معاني التبني والإخاء والقرابة، والرجلان اللذان يتعاقدان عقد الموالاة يترابطان برباط القرابة والتناصر الأدبي حتى يكون ذلك هو الأصل في هذا التعاقد، ثم تكون نتائجه المالية من ثمرات ذلك.
أما عقود التأمين فلا حظ فيها لهذا العنصر المعنوي، وإنما هي تعاقد بين مصالح مالية محضة، للمخاطرة دخل كبير فيها، وما ينتظره المتعاقد عقد الولاء من معونة صاحبه له في الحياة وأعبائها الأدبية والمادية لا ينتظره المتعاقدان عقد تأمين إلا فيما نص عليه العقد من نتائج مالية محدودة لا مطمع في غيرها؛ لأنها في سبيل غير سبيل عقد الموالاة (١)
وأجاب الأستاذ الزرقاء عن ذلك: بأن الشبه الذي رأيناه بين عقد الموالاة وعقد التأمين ليس هو بين الموالاة والتأمين على الحياة، وإنما هو
стр. 2249
بين الموالاة والتأمين من المسئولية كما أوضحناه وأوضحه الأستاذ طه السنوسي الذي نقلنا أيضا رأيه وبحثه بمقتضى عقد الموالاة يتحمل المولى المسئولية المدنية، أي: الضمان المالي الذي يترتب على المولى نتيجة لجناية الخطأ الصادرة منه، وذلك بسبب العقد (عقد الموالاة) رغم أن المولى المتعاقد لم يجن شيئا، وفي مقابل هذا التحمل (الاحتمالي غير المحقق) يستفيد الموالي الإرث من المولى إن مات عن غير وارث (وهو أيضا عوض احتمالي غير محقق) فكذلك التأمين من المسئولية- وهو من أهم فروع نظام التأمين- كالتأمين من المسئولية في حوادث السيارة مثلا حيث يكون المالك والسائق مسئولين ماليا بما تلحقه السيارة بالغير من أضرار في حوادثها التي هي من جنايات الخطأ، ذلك أن الحوادث التي تقع من السيارة مثلا لا يقتصر ضررها على السيارة نفسها، بل قد تصيب الغير بأضرار بالغة في النفس والمال تترتب عليها التزامات مالية بالدية أو بالتعويض هي التي تسمى: المسئولية، فالتأمين من حوادث السيارة قد يكون لما يصيبها هي من ضرر فتلتزم شركة التأمين بإصلاحه، وقد يكون لما يترتب على صاحبها من مسئولية مالية تجاه الغير إن ألحقت ضررا بالغير وهذا من قبيل ما يسمى: التأمين من المسئولية. وهو كما يرى محكم الشبه بنظام الموالاة الذي استدللنا به، حيث يتحمل فيه الموالي عن المولى ما يلحق ذلك المولى من ضمان مالي نتيجة لما يقع منه من جنايات الخطأ في مقابل أن الموالي يرثه إذا مات من غير وارث، فأي صلة أقوى من هذه الصلة، وهذا الشبه المحكم بين الموضوعين.
والتأمين من المسئولية لا ينحصر في حوادث السيارات كما هو معلوم،
стр. 2250
بل هو فرع واسع جدا في نظام التأمين يمكن أن يجري فيه التأمين على جميع أنواع المسئوليات المدنية سوى مسئولية الشخص عن فعله العمد. . (١)
ثانيا: اعترض بأن قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة قياس مع الفارق المؤثر، وبيانه من وجوه.
الأول: روى مسلم في [صحيحه] عن عمران بن حصين ﵁ قال: «كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسر المسلمون رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق فقال: يا محمد، فأتاه فقال: "ما شأنك "؟ فقال: بم أخذتني وأخذت سابلة الحجاج، فقال إعظاما لذلك: " أخذت بجريرة حلفائك ثقيف " ثم انصرف فناداه: يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رقيقا فرجع إليه فقال: "ما شأنك؟ " فقال: إني مسلم، قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح (٢) » الحديث.
فهل المستأمن حينما يتعاقد مع شركات التأمين يكون عضوا فيما ستفيد من فوائدها ويتحمل خسارتها ويؤخذ بجريرتها كما أخذ رسول الله ﷺ بجريرة حلفائه، الواقع أن هذا غير صحيح.
الوجه الثاني: أن شركة التأمين ضامنة ومتحملة لمسئولية المستأمن عند وقوعه في الخطأ، والمستأمن ليس عليه سوى دفع القسط مهما عظم الخطر على شركات التأمين، وهذا بخلاف عقد الموالاة في الإسلام فكل
стр. 2251
منهما يعقل عن الآخر ويرثه.
والوجه الثالث: أن الهدف الأساسي والغاية القصوى من ولاء الموالاة هو النصرة، ومن التأمين الكسب المادي المحض لقاء أخطار قد تقع وقد لا تقع.
стр. 2252
ب - قياس عقد التأمين على الوعد الملزم عند المالكية:
فيما يلي كلام العلماء السابقين في الوعد، هل يجب الوفاء به أولا؟ ثم ما تيسر من كلام علماء العصر في هذا الدليل مع المناقشة:
قال أحمد بن علي الرازي في كلامه على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) قال أبو بكر: يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة أو أوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به، إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم الله فاعل ذلك وهذا فيما لم يكن معصية. . . . وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو مباح فإن الأولى الوفاء مع الإمكان، فأما قول القائل: إني سأفعل كذا، فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله، وأن يكون في عقد ضميره. الوفاء به ولا جائز له أن يعدو في ضميره أن لا يفي به؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه، وإن كان في عقد ضميره الوفاء به ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا، فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف فيه (٣) .
стр. 2253
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال ابن العربي: فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا فهذا لازم إجماعا من الفقهاء، وإن كان وعدا مجردا، فقيل: يلزم بمطلقه، وتعلقوا بسبب الآية فإنه روي أنهم كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله هذه الآية وهو حديث لا بأس به، وقد روى مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل، والصحيح عندي: أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر.
قلت: قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له أن لا يفعل، فما أرى ذلك يلزمه، وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت له من أن يؤدي إليكم فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم أنا أفعل ثم يبدو له فلا أرى عليه ذلك. قلت: أي: لا يقضي عليه بذلك، فأما في مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره، فقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) وقد تقدم بيانه.
وقال القرطبي أيضا: الرابعة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان
стр. 2254
عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبا وأما في المستقبل فيكون خلفا وكلاهما مذموم وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) أي: لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون، فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول (٢) .
وقال القرطبي أيضا: وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزمه منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية؛ لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. انتهى المقصود (٣)
وقال القرافي: الفرق الرابع عشر والمئتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥) والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزمه أن يكون كذبا محرما، وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا. وقال ﵇: «من علامة المنافق ثلاث: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف (٦) » ، فذكره في سياق الذم دليل على التحريم، ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وأي المؤمن واجب» أي: وعده واجب الوفاء به. وفي [الموطأ] «قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب
стр. 2255
لامرأتي؟ فقال ﵇: لا خير في الكذب (١) » ، فقال: يا رسول الله، أفأعدها وأقوله لها؟ فقال ﵇: «لا جناح عليك (٢) » ، فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل، فإن رضى النساء إنما يحصل به، ونفى الجناح على الوعد، وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا؛ لجعله قسيم الكذب.
وثانيهما: أن إخلاف الوعد لا حرج فيه، ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه.
وفي أبي داود قال ﵇: «إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه (٣) » .
فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح، والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأول.
واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك عدم التأثيم فمن الفقهاء من قال: الكذب يختص بالماضي والحاضر، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله تعالى.
ومنهم من يقول: لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة؛ لأنه لم يقع بعد ما يقتضي أحدهما. وحيث قلنا: الصدق: القول المطابق، والكذب: القول
стр. 2256
الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل، وذلك مختص بالحال والماضي، وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها، ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان: الحيوان الناطق أو نحوه، إما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقول، وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا؛ لأنه قابل للحياة والنطق، وهذا التعليل يؤيد القول الأول.
ومنهم من يقول: الكل يدخله الكذب، وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف، فعلى هذا لا فرق بين الكذب والوعد، والأول هو الذي ظهر لي؛ لعدم تعيين المطابقة وعدمها اللذين هما ضابطا الصدق والكذب، وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق، فلا يوصف بواحد منهما ويختص بالماضي والحاضر- وبعد إيراده اعتراضا وإجابته عنه قال: واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك: إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت: نعم، ثم بدا لك لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد؛ لأجله لزمك، لإبطالك مغرما بالتأخير.
قال سحنون: الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به واخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأن أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق، وقال أصبغ: يقضي عليك به تزوج الموعود أم لا. وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا، لزمك، تسبب في ذلك أم لا. والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول: أسلفني كذا، فتقول:
стр. 2257
نعم. بذلك قضى عمر بن عبد العزيز ﵀.
وإن وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك؛ لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له: أؤخرك، أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك، وحينئذ تقول: مرجع الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به وبعضها عدم الوفاء به أنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم، كما قال مالك وابن القاسم وسحنون أو وعده مقرونا بذكر السبب، كما قال أصبغ؛ لتأكد العزم على الدفع حينئذ، ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية: إنها نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا وما جاهدوا، وفعلنا أنواعا من الخيرات وما فعلوها، ولا شك أن هذا محرم؛ لأنه كذب، ولأنه تسميع بطاعة الله، وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا، وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه: أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال: سجيته تقتضي البخل والمنع فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا.
واعلم أنه لا بد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب بطل؛ لقوله ﵇ للسائل لما قال له: أأكذب لامرأتي؟ قال: لا خير في الكذب، وأباح له الوعد، وهو ظاهر في أنه ليس بكذب ولا يدخله الكذب، ولأن الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية وليس كذلك، وإن قلنا: إن الكذب لا يدخله ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلا بد من الجمع بينهما وما ذكرته أقرب
стр. 2258
الطرق في ذلك (١) .
وقال ابن حجر: قوله: (باب من أمر بإنجاز الوعد) وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه، قاله الكرماني، وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء. اهـ.
ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله، وقرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على [الأذكار] للنووي، ولم يذكر جوابا عن الآية يعني: قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) وحديث آية المنافق، قال: والدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد، وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي: يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك (٣) .
وقال محمد بن مفلح: ولا يلزم الوفاء بالوعد، نص عليه (وهـ ش) ؛ لأنه يحرم بلا استثناء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٤) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥)
стр. 2259
ولأنه في معنى الهبة قبل القبض. وذكر شيخنا وجها: يلزم، واختاره، ويتوجه أنه رواية من تأجيل العارية والصلح عن عوض المتلف بمؤجل. ولما قيل للإمام أحمد: بم يعرف الكذابون؟ قال: بخلف المواعيد، وهذا متجه، وقاله من الفقهاء ابن شبرمة، وقال ابن العربي المالكي: أجل من قاله عمر بن عبد العزيز؛ لقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) ولخبر: «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف (٢) » . وحملا على وعد واجب. وبإسناد حسن «العدة عطية» ، وبإسناد ضعيف «العدة دين» ، وذكر أبو مسعود الدمشقي والبرقاني أن مسلما روى «ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه (٣) » ، ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بإسناد حسن «ثم لا يفي له (٤) » ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور. وفيه: والسعيد من وعظ بغيره. وفيه عبيد بن ميمون المدني روى عنه غير واحد، ووثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: مجهول، وعن ابن مسعود مرفوعا: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده ثم تخلفه» رواه الترمذي وغيره.
قال ابن الجوزي: فائدة الاستثناء خروجه من الكذب إذا لم يفعل، كقوله: ستجدني - إن شاء الله صابرا، وذكر القاضي في مسألة الفرار من الزكاة لما قيل له: إن أصحاب الجنة عوقبوا على ترك الاستثناء في القسم، قال: لا؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد عليهما. ومذهب (م) يلزم
стр. 2260
لسبب، كمن قال لغيره: تزوج وأعطيك كذا، واحلف لا تشتمني ولك كذا وإلا لم يلزم، وقد روى أبو داود والترمذي عن أبي النعمان عن أبي وقاص - ولا يعرفان- عن زيد بن أرقم مرفوعا: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه (١) » ، وتقدم آخر كتاب العهد وأنه غير الوعد، ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفظ والرعاية والوصية وغير ذلك، وفي سيد الاستغفار: «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت (٢) » .
قال ابن الجوزي: قال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به الذي يحسن فعله، والوعد من العهد، وقال في وأوفوا بالعهد: عام فيما بينه وبين ربه وبين الناس، ثم قال الزجاج: كل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو من العهد (٣) .
وقال ابن حزم: مسألة، ومن وعد آخر بأن يعطيه مالا معينا أو غير معين أو بأنه يعينه في عمل ما حلف له على ذلك أو لم يحلف لم يلزمه الوفاء به ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله بذلك في نفقته أو لم يدخله كمن قال: تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا وكذا أو نحو هذا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان، وقال مالك: لا يلزمه شيء من ذلك إلا أن يدخله بموعد ذلك في كلفة فيلزمه ويقضي عليه، وقال ابن شبرمة: الوعد كله لازم ويقضي به على الواعد ويجبر.
стр. 2261
فأما تقسيم مالك فلا وجه له، ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس.
فإن قالوا: قد أضر به إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة. قلنا: فهبكم إنه كما تقولون، من أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا؟ ما علمنا هذا في دين الله تعالى إلا حيث جاء به النص فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
وأما من ذهب إلى قول ابن شبرمة فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) والخبر الصحيح من طريق عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر (٢) » (٣) .
والآخر الثابت من طريق أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من علامة النفاق ثلاثة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (٤) » (٥) .
فهذان أثران في غاية الصحة، وآثار أخر لا تصح، أحدها من طريق الليث عن ابن عجلان أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر «قالت لي أمي: هاه تعال أعطك، فقال لها رسول
стр. 2262
الله ﷺ ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمرا، فقال لها ﵇: أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة (١) » هذا لا شيء لأنه عمن لم يسم.
وآخر من طريق ابن وهب أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «وأي المؤمن حق واجب (٢) » هشام بن سعد ضعيف، وهو مرسل.
ومن طريق ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق، أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة» . وهذا مرسل وإسماعيل بن عياش ضعيف.
ومن طريق ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال لصبي: تعال، هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة (٣) » ابن شهاب كان- إذ مات أبو هريرة - ابن أقل من تسع سنين لم يسمع منه كلمة، وأبو حنيفة ومالك يرون المرسل كالمسند، ويحتجون بما ذكرنا، فيلزمهم أن يقضوا بإنجاز الوعد على الواعد ولابد، وإلا فهم متناقضون فلو صحت هذه الآثار لقلنا بها.
وأما الحديثان اللذان صدرنا بهما فصحيحان إلا أنه لا حجة فيهما علينا؛ لأنهما ليسا على ظاهرهما؛ لأن من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا، بل قد يكون مطيعا مؤدي فرض، فإن ذلك كذلك فلا يكون
стр. 2263
فرضا من إنجاز الوعد والعهد إلا على من وعد بواجب عليه، كإنصاف من دين أو أداء حق فقط، وأيضا فإن من وعد وحلف واستثنى فقد سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد أقسم عليه وبين وعد لم يقسم عليه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (١) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فصح تحريم الوعد بغير استثناء، فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد أحدا على معصية، فإن استثنى فقال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله تعالى أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله فلا يكون مخلفا لوعده إن لم يفعل؛ لأنه إنما وعده أن يفعل إن شاء الله تعالى، وقد علمنا أن الله تعالى لو شاء لأنفذه فإن لم ينفذه فلم يشأ الله تعالى كونه.
وقول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) على هذا أيضا مما يلزمهم كالذي وصف الله تعالى عنه إذ يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٥) ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (٦) فصح ما قلنا؛ لأن الصدقة واجبة، والكون من الصالحين واجب، فالوعد والعهد بذلك فرضان فرض إنجازهما، وبالله التوفيق،
стр. 2264
وأيضا هذا نذر من هذا الذي عاهد الله تعالى على ذلك، والنذر فرض (١) .
وأما كلام علماء العصر في هذا الدليل فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء:
وأما قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية فخلاصتها: أن الشخص إذا ما وعد غيره عدة بقرض أو يتحمل وضيعة عنه- أي: خسارة- أو إعارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل، فهل يصبح بالوعد ملزما ويقضي عليه بموجبه إن لم يف له، أو لا يكون ملزما؟
اختلف فقهاء المالكية في ذلك على أربعة آراء: قد فصلها الحطاب في رسالته في الالتزامات، ونقلها عنه الشيخ محمد عليش في فتاواه المسماة [فتح العلي المالك] ج ٢، ص ٢٢٥ في بحث مسائل الالتزام فمنهم من يقول: يقضي بالعدة مطلقا أي أنها ملزمة له، ومنهم من يقول: لا يقضي بها مطلقا أي: أنها غير ملزمة، ومنهم من يقول: إن العدة تلزم الواعد فيقضي بها إذا ذكر لها سبب، وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب، كما لو قال لآخر: إني أعيرك بقري ومحراثي لحراثة أرضك، أو أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، أو قال الطالب لغيره: أريد أن أسافر، أو أن أقضي ديني فأسلفني مبلغ كذا، فوعده بذلك، ثم بدا له فرجع عن وعده قبل أن يباشر الموعود السبب الذي ذكر من سفر، أو وفاء دين، أو حراثة أرض. . . إلخ- فإن الواعد ملزم ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع.
ومنهم من يقول: لا يلزم بوعده إلا إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد أي: إذا باشر السبب، كما إذا وعده بأن يسلفه ثمن شيء يريد شراءه
стр. 2265
فاشتراه فعلا، ومبلغ المهر في الزواج فتزوج ونحو ذلك، وهذا هو الراجح في المذهب من بين هذه الآراء الأربعة.
أما عند الحنفية فإن المواعيد ملزمة إلا في حالات ضيقة إذا صدرت بطريق التعاون، فإذا نظرنا إلى مذهب المالكية الأوسع في هذه القضية فإننا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعا لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمستأمنين، ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر الذي هو معرض له، أي: أن يعوض عليه الخسائر، فقد نص المالكية أصحاب الرأي الرابع، وهو الرأي الأضيق على أنه لو قال شخص لآخر: بع كرمك الآن وإن لحقتك من هذا البيع وضيعة- أي: خسارة- فأنا أرضيك فباعه بالوضيعة، كان على القائل أن يرضيه بما يشبه ثمن ذلك الشيء المبيع والوضيعة فيه- أي: أن يتحمل عنه مقدار الخسارة- وهو قول ابن وهب، قال أصبغ: وقول ابن وهب هذا هو أحب إلي. قال ابن رشد: لأنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال (فتاوى عليش من المحل الآنف الذكر) .
ولا يخفى أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين: أنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير الالتزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية على سبيل المثال لا على سبيل الحصر (١)
стр. 2266
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور:
الأول: أن عقد التأمين من عقود المعاوضات، والوعد الملزم من عقود التبرعات، فلا يصح أن يقاس معاوضة على عقد تبرع؛ لاختلافهما في التقعيد.
الثاني: أن العوض في الوعد الملزم معلوم عند الطرفين ابتداء، وأما ما تدفعه الشركة فهو مجهول لا يعلم لكل واحد من الطرفين إلا بعد وقوع الخطر، فلا يصح قياس مجهول على معلوم.
الثالث: الوعد الملزم لا يجب الوفاء به إلا إذا تسبب الموعود بالدخول في الأمر الموعود من أجله، وأما في التأمين فإن المستأمن لا يستحق شيئا إذا دخل بنفسه فأتلف المؤمن عليه قصدا ويستحق ما سوى هذه الصورة من صور التأمين، فالصورتان مختلفتان في تحقيق المناط فلا يصح القياس، وبيان ذلك أنه في الوعد الملزم إذا تحقق الحكم الوضعي تحقق بعده الحكم التكليفي، وفي التأمين إذا انتفى الحكم الوضعي- وهو: تسبب المستأمن- استحق المبلغ، وإذا ثبت الحكم الوضعي- وهو التسبب من المستأمن- انتفى الاستحقاق.
стр. 2267
ج- قياس عقد التأمين على عقد المضاربة:
نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام العلماء السابقين فيها، ثم نتبع ذلك بكلام العلماء المعاصرين.
أما كلام العلماء السابقين فقد قالوا في تعريف المضاربة: أن يدفع مالا إلى غيره؛ ليتجر فيه، ويكون الربح بينهما على ما شرطا، فيكون الربح لرب المال بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله، وللمضارب باعتبار عمله الذي هو
стр. 2268
سبب وجود الربح. وأما بيان أنواعها وشروطها وأحكامها:
فقال السمرقندي: ثم هي نوعان: مطلقة، وخاصة. أما المطلقة: فأن يدفع المال إلى رجل ويقول: دفعت هذا المال إليك مضاربة على أن الربح بيننا نصفان (١) .
وقال أيضا: ومن شروط صحتها: أن يكون الربح جزءا مشاعا في الجملة. . . . ومنها: إعلام قدر الربح؛ لأن الربح هو المقصود، فجهالته توجب فساد العقد، فكل شرط يؤدي إلى جهالة الربح يفسد المضاربة (٢) .
وقال أيضا: المضاربة تشتمل على أحكام مختلفة، إذا دفع المال إلى المضارب فهو أمانة في يده في حكم الوديعة؛ لأنه قبضه بأمر المالك لا على طريق البدل والوثيقة. فإذا اشترى به فهو وكالة؛ لأنه تصرف في مال الغير بإذنه، فإذا ربح صار شركة؛ لأنه ملك جزءا من المال بشرط العمل والباقي نماء مال المالك فهو له فكان مشتركا بينهما، فإذا فسدت المضاربة بوجه من الوجوه صارت إجارة؛ لأن الواجب فيها أجر المثل، وذلك يجب في الإجارات، فإن خالف المضارب صار غاصبا، والمال مضمون عليه؛ لأنه تعدى في ملك غيره (٣) .
وجاء في [مدونة الإمام مالك] ﵀: قلت: أرأيت المقارضة على النصف أو الخمس أو السدس أو أقل من ذلك أو أكثر؟ قال: فلا بأس بذلك عند مالك. . . قلت: أرأيت إن دفعت إلى أجل مالا قراضا ولم أسم له ثلثا
стр. 2269
ولا ربعا ولا نصفا ولا أكثر من أن قلت له: خذ هذا المال قراضا فعمل فربح وتصادق رب المال والعامل على ذلك، قال: يرد إلى قراض مثله (١) .
وقال ابن جزي: وإنما يجوز بستة شروط. . . . الثاني: أن يكون الجزء مسمى كالنصف، ولا يجوز أن يكون مجهولا. . . . السادس: أن لا يشترط أحدهما لنفسه شيئا ينفرد به من الربح، ويجوز أن يشترط العامل الربح كله، خلافا للشافعي (٢) .
وقال أيضا: فروع سبعة، الفرع الأول: إذا وقع القراض فاسدا فسخ، فإن فات بالعمل أعطى العمل قراض المثل عند أشهب، وقيل: أجرة المثل مطلقا وفاقا لهما، وقال ابن القاسم: أجرة المثل إلا في أربعة مواضع وهي: قرض بعرض، أو لأجل، أو لضمان، أو بحظ مجهول. . . الفرع الثالث: لا يفسخ القراض بموت أحد المتقارضين، ولورثة العامل القيام به إن كانوا أمناء أو يأتون بأمين. . . . إلخ (٣) .
وقال النووي: الركن الثالث: الربح وله أربعة شروط. . . . الشرط الثالث: أن يكون معلوما، فلو قال: قارضتك على أن لك في الربح شركا أو شركة أو نصيبا فسد. . . . الشرط الرابع: أن يكون العلم به من حيث الجزئية لا من حيث التقدير، فلو قال: لك من الربح أو لي منه درهم أو مائة والباقي بيننا نصفين فسد القراض (٤) . . . .
стр. 2270
وقال أيضا: إذا فسد القراض بتخلف بعض الشروط فله ثلاثة أحكام:
أحدها: تنفذ تصرفاته، كنفوذها في القراض الصحيح؛ لوجود الإذن كالوكالة الفاسدة. الثاني: سلامة الربح بكماله للمالك. الثالث: استحقاق العامل أجرة مثل عمله، سواء كان في المال ربح أم لا، وهذه الأحكام مطردة في صور الفساد (١) .
وقال ابن قدامة: والشرط في المضاربة على ضربين: صحيح، مثل: أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع معين أو بلد معين أو لا يعامل إلا شخصا معينا، وفاسد وهو على ضربين:
أحدهما: أن يضاربه ولا يذكر الربح أو يشترط جزءا من الربح لأحدهما ولأجنبي، والباقي بينهما، أو يقول: خذه مضاربة والربح كله لك أو كله لي وما أشبه هذا مما يعود بجهالة الربح فإن المضاربة تفسد والربح كله لرب المال وللمضارب الأجر.
والثاني: أن يشترط عليه ضمان المال من الوديعة. . . . . . فهل يبطل العقد بهذا؟ على روايتين (٢) .
وقال الشيخ مرعي بن يوسف: والمضارب أمين بالقبض، وكيل بالتصرف، شريك بالربح، أجير بالفساد، غاصب بالتعدي، مقترض باشتراط كل الربح له، مستبضع باشتراط كل الربح لرب المال (٣) .
стр. 2271
وأما كلام العلماء المعاصرين:
فقال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير بعد ذكره لفتوى الشيخ محمد عبده: ثم جاء بعد الشيخ محمد عبده الأستاذ عبد الوهاب خلاف، وقال: بجواز عقد التأمين على الحياة، وأنه عقد مضاربة؛ لأن عقد المضاربة في الشريعة هو: عقد شركة في الربح بمال من طرف وعمل من طرف آخر، وفي التأمين المال من جانب المشتركين الذين يدفعون الأقساط والعمل من جانب الشركة التي تستغل هذه الأموال، والربح للمشتركين وللشركة حسب التعاقد، وقد أورد الأستاذ خلاف نفسه على هذا القياس اعتراضا هو أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعا بالنسبة، وفي التأمين يشترط للمشترك قدر معين في الربح= ٣% أو ٤% فالمضاربة غير صحيحة.
وأجاب عنه: أولا: بما جاء في تفسير آيات الربا في سورة البقرة للشيخ محمد عبده وهو: لا يدخل في الربا المحرم بالنص الذي لا شك في تحريمه من يعطي آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظا معينا؛ لأن مخالفة أقوال الفقهاء في اشتراط أن يكون نسبيا لاقتضاء المصلحة ذلك لا شيء فيه وهذه المعاملة نافعة لرب المال والعامل معا.
ثانيا: بأن اشتراط أن يكون الربح نصيبا لا قدرا معينا خالف فيه بعض المجتهدين من الفقهاء، وليس حكما مجمعا عليه (١) .
مناقشة هذا الدليل:
قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: ولا يجوز أن يكون العقد المذكور-
стр. 2272
أي: عقد التأمين- عقد مضاربة كما فهمه بعض العصريين؛ لأن عقد المضاربة يلزم أن يكون المال من جانب المالك والعمل من المضارب والربح على ما اشترطاه والعقد المذكور ليس كذلك؛ لأن أهل القومبانية- الشركة- يأخذون المال على أن يكون لهم يعملون فيه لأنفسهم فيكون عقدا فاسدا شرعا؛ لأنه معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع، فهو قمار معنى (١) .
وقال الأستاذ محمد كامل البناء: إن هناك فرقا واضحا يتعذر معه قياس عقد التأمين على المضاربة، وهو أن رب المال يتحمل الخسارة وحده وليس الأمر كذلك في التأمين، كما أنه لو مات رب المال في المضاربة فليس لورثته إلا ما دفعه مورثهم لا يزيد شيئا، أما في التأمين فإنه لو مات المؤمن استحق صاحب منفعة التأمين مبلغا ضخما، وهذه مخاطرة ينهى عنها الشارع؛ لأن ذلك لا ضابط له إلا الحظوظ والمصادفات (٢) .
وقال الأستاذ الدكتور مصطفى زيد: الواقع أن عقد التأمين كان يمكن أن يكون من عقود المضاربة لولا أمران:
أولهما: أن طبيعة المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح أو الخسارة، وليس في طبيعة عقد التأمين أي تعرض للخسارة.
والثاني: أن من شروط المضاربة أن يكون الربح نسبيا غير محدد (٣) .
وقال الصديق محمد الأمين الضرير: والذي أراه أنه ليست هناك صورة
стр. 2273
من صور عقد التأمين يمكن قياسها على عقد المضاربة، حتى لو تجاوزنا عن كون الربح في المضاربة يشترط فيه أن يكون قدرا شائعا بالنسبة، وذلك للأسباب الآتية:
١ - المبلغ الذي يدفعه رب المال للعامل في المضاربة يظل ملكا لصاحبه ولا يدخل في ملك العامل، وذلك بخلاف التأمين فإن القسط يدخل في ملك الشركة تتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
٢ - في حالة موت رب المال في عقد المضاربة يستحق ورثته المال الذي دفعه مع ربحه إن كان، أما في عقد التأمين على الحياة فإن الورثة يستحقون عند موت المؤمن له المبلغ الذي اتفق عليه من الشركة بالغا ما بلغ، فلو أن شخصا أمن على حياته بمبلغ ألف جنيه ثم مات بعد أن دفع مبلغ مائة جنيه فقط للشركة فإن ورثته يستحقون الألف كاملة، فكيف يقاس هذا العقد على عقد المضاربة، ولا يصح أن يقال: إن الشركة تتبرع بالزائد على ما دفعه المؤمن له؛ لأن من خصائص عقد التأمين أنه عقد معاوضة وهو عقد ملزم للطرفين، فالشركة ملزمة بدفع المبلغ المتفق عليه إذا وفى المؤمن له بالتزامه في دفع الأقساط.
٣ - في حال موت صاحب المال في عقد المضاربة يكون المبلغ الذي في يد الضارب- العامل- في ضمن تركة المتوفى يجري فيه ما يجري في سائر أموال التركة، أما في عقد التأمين فإن المال المستحق لا يذهب للورثة مطلقا، وذلك في حالة ما إذا عين المؤمن له مستفيدا- وهذا من حقه- فإن جميع المال يذهب لهذا المستفيد، ولو لم يكن للمتوفى مال غيره ولا حق
стр. 2274
لورثته في الاعتراض (١) .
د- قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب:
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ذلك ونتبعه ببيان فقهاء العصر، ووجه الاستدلال لهذا القياس على الجواز، مع المناقشة:
أما كلام الفقهاء السابقين:
فقال السرخسي: باب ضمان ما يبايع به الرجل، قال ﵀: وإذا قال الرجل لرجل: بايع فلانا فما بايعته به من شيء فهو علي، فهو جائز على ما قال؛ لأنه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب المال على الأصيل، وقد بينا أن ذلك صحيح، والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة؛ لكونها مبنية على التوسع، ولأن جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود، وإنما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التي تؤثر في العقود وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن توجه المطالبة على الكفيل بعد المبايعة، وعند ذلك ما بايعه به معلوم، ويستوي إن وقت لذلك وقتا أو لم يوقت إلا أن في الموقت يراعى وجود المبايعة في ذلك الوقت حتى إذا قال: ما بايعته به اليوم فباعه غدا لا يجب على الكفيل شيء من ذلك؛ لأن هذا التقييد مفيد في حق الكفيل، ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم فذلك كله على الكفيل؛ لأن حرف (ما) يوجب العموم، وإذا لم يوقت فذلك على جميع العمر، وإذا بايعته مرة بعد مرة فذلك كله على الكفيل، ولا يخرج نفسه من الكفالة لوجود الحرف الموجب للتعميم في كلامه، ويستوي إن بايعه بالنقود أو
стр. 2275
بغير النقود؛ لأنه قال: ما بايعته به من شيء وهو يجمع كل ذلك. انتهى المقصود (١) .
وقال ابن جزي: ويجوز ضمان المال المعلوم اتفاقا، والمجهول خلافا للشافعي، ويجوز الضمان بعد وجوب الحق اتفاقا، وقبل وجوبه خلافا لشريح القاضي وسحنون والشافعي (٢) .
وقال النووي: ويشترط في المضمون كونه ثابتا، وصحح القديم ضمان ما سيجب، والمذهب صحة ضمان الدرك بعد قبض الثمن، وهو أن يضمن للمشترى الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا لنقص الصنجة، وكونه لازما، لا كنجوم كتابة، ويصح ضمانه الثمن في مدة الخيار في الأصح وضمان الجعل كالرهن به، وكونه معلوما في الجديد، والإبراء من المجهول باطل في الجديد إلا من إبل الدية ويصح ضمانها في الأصح، ولو قال: ضمنت مالك على زيد من درهم إلى عشرة فالأصح صحته، وأنه يكون ضامنا لعشرة، قلت: الأصح لتسعة، والله أعلم.
وقال ابن قدامة: ولا كون الحق معلوما ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب، فلو قال: ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح (٣) .
قال في الحاشية: قوله: (ولا كون الحق معلوما) يعني: إذا كان مآله إلى العلم (ولا واجبا إذا كان مآله الوجوب) فلو قال: ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح، هذا المذهب، وبه قال أبو حنيفة، ومالك وقال
стр. 2276
الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١) وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وعموم قوله ﵊: «الزعيم غارم (٢) » ، ومن ضمان ما لم يجب ضمان السوق، وهو: أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقتضيه من عين مضمونة، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، وقال: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد، قال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام، واختار صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وقال: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم إذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين في أموالهم جاز حاشية [المقنع] ، (٢\١١٣) وما بعدها. .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في توجيه الاستدلال والمناقشة فقالوا: الضامن يجب عليه أداء ما ضمنه مع أنه مجهول من حيث المبدأ، فكذلك
стр. 2277
التأمين يجب على المؤمن أن يدفع للمستأمن قيمة ما ضمنه بعد وقوع الخطر، وإن كان مجهولا من حيث المبدأ.
والجواب عن هذا: يمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وما لم يجب، ومنه ضمان السوق؛ لأنه قياس مع الفارق وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الضمان من عقود التبرعات فاغتفرت فيه الجهالة من باب دفع المشقة واليسر على الناس، وأما عقد التأمين فهو من عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة.
الوجه الثاني: أن الضمان يتكون من أربعة أركان: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، ومضمون، وفي التأمين: ثلاثة أركان: ضامن وهو الشركة، ومضمون له، وهو: المستأمن، ومضمون، وهو: ما تدفعه الشركة عند وقوع الخطر، وأما المضمون عنه فمفقود هنا فلا يصح أن يقاس عليه لفقد ركن من أركانه فالصورتان مختلفتان.
الوجه الثالث: صورة الضمان تختلف عن صورة التأمين من وجه آخر وهو: أن الضامن في الشريعة فرع والمضمون عنه أصل، والتأمين اعتبر فيه الضامن أصلا، ومن شرط القياس الاتفاق في الصورة.
الوجه الرابع: أن الضامن إذا دفع إلى المضمون له فإنه يرجع إلى المضمون عنه، ويأخذ منه ما دفعه فلا ضرر عليه، أما الشركة فإذا وقع الضرر فإنها تدفع ما وجب عليها ولا ترجع إلى أحد، فتقرر الضرر عليها، فلا يصح أن يقاس ما فيه ضرر على ما لا ضرر فيه.
стр. 2278
هـ- قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق:
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ضمان خطر الطريق وأسباب الضمان ثم ما تيسر من كلام فقهاء هذا العصر.
أما كلام الفقهاء السابقين:
فقال ابن عابدين في أثناء كلامه على السوكرة: فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين، قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن، ضمن، وعلله الشارح هناك بأول ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا. اهـ.
بخلاف الأولى فإنه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن، وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرر في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البر اجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به يضمن إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. اهـ.
قلت: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغار عالما بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم إذ لا شك أن رب البر لو كان عالما بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة؛ لما في [القاموس] غره غرا وغرورا فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو. اهـ.
ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا، وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعا
стр. 2279
في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل. اهـ (١) .
وقال أبو محمد البغدادي: إذا غرقت السفينة فلو من ريح أصابها أو موج أو جبل صدمها من غير مد الملاح وفعله لا يضمن بالاتفاق، وإن كان بفعله يضمن سواء خالف بأن جاوز العادة أو لم يخالف؛ لأنه أجير مشترك ولو دخلها الماء فأفسد المتاع فلو بفعله ومده يضمن بالاتفاق، ولو بلا فعله إن لم يمكن التحرز عنه لا يضمن إجماعا، وإن كان بسبب يمكن التحرز عنه لا يضمن عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن، وهذا كله لو لم يكن رب المتاع أو وكيله في السفينة فلو كان لا يضمن في جميع ما مر إذا لم يخالف بأن لم يجاوز المعتاد؛ لأن محل العدل غير مسلم إليه، كذا في الفتاوى الصغرى، ومشى عليه صاحب الفصولين، وكذا إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه فإنه لا يضمن، ذكره في البزازية وفيها نقلا عن المنتقى لو كانت السفن كثيرة وصاحب المتاع أو الوكيل في إحداها فلا ضمان على الملاح فيما ذهب من السفينة التي فيها صاحب المتاع أو وكيله وضمن فيما سوى ذلك. وعن أبي يوسف: إذا كانت السفن تنزل معا وتسير فلا ضمان على الملاح فيما هلك فإنهن كسفينة واحدة وإن تقدم بعضها بعضا، فكون أحدهما في إحداهن ككون أحدهما في كلهن. وعن أبي يوسف أيضا في سفينتين أحدهما في إحداهن لا ضمان على الملاح، وكذا لو غير مقرونتين ويسيران معا ويحبسان معا (٢) انتهى المقصود.
стр. 2280
وقال القرافي: الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه أسباب الضمان ثلاثة، فمتى وجد واحد منها وجب الضمان، ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان.
أحدها: التفويت مباشرة؛ كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك.
وثانيها: التسبب للإتلاف؛ كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه، ووضع السموم في الأطعمة، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر، ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف.
وثالثها: وضع اليد غير المؤتمنة، فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية قبل القبض، فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه؛ لأن يده غير مؤتمنة ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ونحوها، ويخرج بهذا القيد يد المودع وعامل القراض ويد المساقي ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون (١)
وقال أيضا: الفرق الخامس والمئتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن. قال مالك: إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء أن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة؛ لأنهم صانوا بالمطروح مالهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر، وهو سبب سلامة