← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

القرار رقم (٦١) وتاريخ ١٢\٤\١٣٩٨هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨ هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم (٥٥٥) وتاريخ ١٦\١\١٣٩٨هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالمو) بالسويد الذي يفيد فيه بأن الدول الإسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء؛ نظرا لوضعها الجغرافي، كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقا في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان، وكذلك كيفية ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان. ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك؛ ليزودهم بها (اهـ) . وعرض على المجلس أيضا ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ونقول أخرى عن الفقهاء في الموضوع، وبعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي: أولا: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدا في الصيف ويقصر في الشتاء - وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)

стр. 2592

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١) ولما ثبت عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ «أن رجلا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صل معنا هذين يعني: اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمر فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: "أين السائل عن وقت الصلاة؟ " فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم (٢) » رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان (٣) » أخرجه مسلم في [صحيحه] .

стр. 2593

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولا وفعلا، ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله ﷺ . هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان، فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم، ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعا وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط، وإن كان قصيرا، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضا شديدا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣)

стр. 2594

وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) ثانيا: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفا ولا تطلع فيها الشمس شتاء أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلا - وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض؛ لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من «أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال: (يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة. .) (٢) » إلى آخره. ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع (٣) » .." الحديث. ولما ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق، إلى أن قال:

стр. 2595

وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا، قال: نعم (١) » . . . الحديث. وثبت «أن النبي ﷺ حدث أصحابه عن المسيح الدجال فقالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له (٢) » ، فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوما واحدا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم. فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة. وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب بلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة؛ لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم الصلاة.

стр. 2596

والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة عبد العزيز بن صالح عبد الله خياط ... عبد الله بن حميد ... عبد العزيز بن باز عبد المجيد حسن ... محمد الحركان ... عبد الرزاق عفيفي محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... راشد بن خنين عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان

стр. 2597

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2598

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين. . . أما بعد: فإن الله قد امتن على عباده في كتابه الكريم حيث يقول : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) والمعنى: أن الله سبحانه يذكر عباده بأول خلقهم وبدايته حين ولدوا وهم لا يعلمون شيئا، ولا يدركون بحواسهم لا المرئي ولا المسموع، ولا تعقل قلوبهم شيئا، ثم إنه سبحانه يمن على عباده بهذه الآلات السمع والبصر والفؤاد، التي هي أصول آلات الإدراك، فبالسمع يدرك المسموعات، وبالبصر يدرك المرئيات وبالقلب يعقل ما رأى وما سمع، بل وما لم يسمع مما يحس به، ثم إنه سبحانه لما بين لعباده عظيم منته ونعمته عليهم ختم الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) أي: أن الله سبحانه إنما خلق هذه الآلات لكم لتقوموا بحق الله فيها من الشكر، وهذا كقوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٣) وشكر الله على هذه النعم وغيرها من النعم إنما يكون باستعمالها في طاعته سبحانه، وما يقرب إلى مرضاته، وإن أعظم ما استعملت فيه هذه

стр. 2599

الآلات هو طلب العلم، وقد أشار الله إلى ذلك في الآية الكريمة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) إذن فاستعمال تلك الحواس في طلب العلم الشرعي هو من أعظم الأمور التي بها يكون شكر الله على إنعامه علينا بهذه النعم؛ ذلك أنا لا نستطيع عبادة الله حق العبادة ولا القيام بحقه علينا إلا بالعلم بما أراده منا مما أخبرنا به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ . وقد نوه الله بمكانة هذا العلم الشرعي ومكانة أهله في كثير من آي الكتاب العزيز، حتى إن أول ما أنزل على رسول الله ﷺ هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٢) ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٣) ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٤) ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (٥) ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٦) فأخبر سبحانه عن نفسه بأنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ امتنانا منه على عباده. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: (وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان: ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمها من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٧) ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (٨) ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٩)) اهـ. (١٠) .

стр. 2600

من هنا تبين أن الكتابة من أهم وسائل العلم، تحصيلا، وتعليما، بل الكتابة هي الجامعة لوسائل العلم من كونه ذهنيا ولفظيا ويجمعهما كونه رسميا، أي مكتوبا. وقد نبه رسول الله ﷺ على ذلك فاتخذ للوحي كتبة من الصحابة عرفوا بأنهم كتاب الوحي، وقال مرة: «اكتبوا لأبي شاه، وقال: وقد أشار إلى فيه ﷺ : اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق (١) » . ولم يزل العلماء يكتبون العلم والحديث، ويتدارسونه بينهم، حتى أضحت الكتابة من سيما أهل العلم، وحتى صار ضبط الكتاب عندهم أقوى وأوثق من ضبط الصدر، وهكذا دون العلم بدءا بالقرآن الكريم وسنة المصطفى ﷺ وحتى آخر العلوم تدوينا، فدون الفقه وأصوله والنحو والإعراب واللغة والتأريخ والسير والملاحم، وغيرهم ذلك كثير من العلوم الشرعية أو العلوم المساندة التي يستفيد منها طالب العلم الشرعي، حتى وصل إلينا في هذا العصر ثروة عظيمة من كتب أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في دراسة العلم وتحقيق مسائله. ولما حبا الله هذه البلاد المباركة بجميع من العلماء الأجلاء الأفاضل الذين نحسبهم ولا نزكيهم على الله من خيرة علماء السنة في هذا العصر- قام ولاة الأمر وفقهم الله لرضاه بوضع هيئة لكبار العلماء في هذا البلد يجتمع فيه مجموعة من العلماء الكبار -علماء وديانة- يبحثون فيما يردهم من المسائل، وما يستجد من النوازل، ويتدارسونه من خلال جلساتهم، ويتداولون الرأي فيه؛ ليخرجوا بقرار يرون أنه الحق الموافق لشرع الله .

стр. 2601

وقد كانت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، هي المكلفة بإعداد البحوث العلمية الخاصة بالمسائل التي ستدرس في كل جلسة، وقد قامت بواجبها، فجمعت على مر السنين بحوثا متنوعة في العقيدة والفقه والنوازل، قيدت فيها كلام كثير من أهل العلم المعتبرين في فنونهم، وجمعتها على أحسن نظام، فتكون لديها عبر السنين مجموعة من البحوث النافعة المفيدة. وقد رأينا أن من المصلحة نشر هذه البحوث، والحال أنها كما سبق بحوث مفيدة مليئة بالعلم الشرعي، فتوجهت النية لطبعها، وها نحن الآن نضع بين يدي طلاب العلم الجزءين: الخامس والسادس من أبحاث هيئة كبار العلماء. نسأل الله الكريم أن ينفع بها قارئها وكاتبها ودارسها، وأن يجزي من ساهم في إعدادها وطبعها ونشرها خير الجزاء. كما أسأله : أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا يوم لقاه، وأن يبلغنا به عنده الرضوان، إنه سبحانه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين. مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 2602

(١) بحث في حكم اقتطاع جزء من المقبرة لمصلحة عامة كتوسعة طريق ونحوه هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2603

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بحث في حكم اقتطاع جزء من المقبرة لمصلحة عامة كتوسعة طريق ونحوه إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد تقرر لدى أهل العلم النهي عن نبش قبر المسلم الذي لا يعلم أنه بلي وصار رميما إلا لحاجة، واستندوا في ذلك إلى أمرين: أحدهما: أن الميت إذا وضع في قبره فقد تبوأه وسبق إليه، فهو حبس عليه ليس لأحد التعرض له ولا التصرف فيه. قال في [المنتهى] وشرحه: (ولا يباح نبش قبر مسلم مع بقاء رمته إلا لضرورة، كأنه دفن في ملك غيره بلا إذنه أو كفن بغصب، أو بلغ مال غيره بلا إذنه، ويبقى كالذهب ونحوه وطلبه ربه وتعذر غرمه. اهـ) . وقال في [الإقناع] وشرحه: (ولا ينبش قبر ميت باق لميت آخر، أي: يحرم ذلك؛ لما فيه من هتك حرمته) .

стр. 2604

وقال النووي في [المجموع] : (وأما نبش القبر فلا يجوز لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز للأسباب الشرعية كنحو ما سبق. ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم أو غيره. اهـ) . وقال السرخسي في [المبسوط] : (وإن دفن قبل الصلاة عليه صلي على القبر، وأنه لا يخرج من القبر؛ لأنه قد سلم إلى الله تعالى وخرج من أيديهم، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «القبر أول منازل الآخرة (١) » اهـ) . وجاء في [شرح أقرب المسالك] للشيخ أحمد الدردير ما نصه: (والقبر حبس على الميت لا ينبش، أي: يحرم نبشه مادام الميت فيه إلا لضرورة شرعية. اهـ) . وجاء في [التاج والإكليل على مختصر خليل] للمواق ما نصه: (سئل الإمام مالك بن أنس عن الرجل يشتري الدار فيجد فيها قبرا قد كان البائع دفنه. أجاب بقوله: أرى أن يرد المبيع؛ لأن موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به كأنه حبس، وأفتى بعض شيوخ ابن عرفة كما في المصدر المذكور بعض أهل الخير بنى دارا له فوجد في بقعة منها عظام آدمي أفتاه بأن موضع تلك العظام حبس لا ينتفع به ولا بهواه فتركه برحة. اهـ) . الثاني: ما يؤدي إليه النبش من كسر عظام الميت وقد جاء النهي عن ذلك من حديث: «كسر عظم الميت ككسره حيا (٢) » ، وهو حديث ثابت جاء مرفوعا وموقوفا.

стр. 2605

أما الرواية المرفوعة فهي عند عبد الرزاق في [مصنفه] ، وأبي داود وابن ماجه في [سننهما] وابن حبان في [صحيحه] بأسانيدهم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حيا (١) » ، وقد ترجم له عبد الرزاق بقوله: (باب كسر عظم الميت) ، ثم أورد الحديث بإسناده. وترجم له أبو داود بقوله: (باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان) ، ثم أورد الحديث بإسناده. وترجم له ابن ماجه بقوله: (باب في النهي عن كسر عظام الميت) ، ثم أورد الحديث بإسناده. وترجم له الحافظ الهيثمي في [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان] بقوله: (باب فيمن آذى ميتا) وساق الحديث بإسناده. وقد استدل الإمام البغوي بهذه الرواية المرفوعة إلى رسول الله ﷺ على تحريم نبش قبر المسلم لغير حاجة، فقال في [شرح السنة] : ولا يجوز نبش قبور المسلمين لغير حاجة، روت عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حيا (٢) » اهـ. وأما الرواية الموقوفة فذكرها الإمام مالك في [الموطأ] في (ما جاء في الاختفاء) بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (كسر عظم المسلم ميتا ككسره وهو حي) تعني: في الإثم. وذكرها الإمام الشافعي في [الأم] في باب (ما يكون بعد الدفن) عن الإمام مالك: أنه بلغه أن عائشة ﵂ قالت: (كسر عظم المسلم ميتا ككسره وهو حي) . أما إذا كان ثم غرض شرعي لنبش الميت من قبره فقد أجاز ذلك بعض أهل العلم، واستدلوا على جوازه: بوقائع عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ تقضي بجواز إخراج الميت من قبره لمصلحة ومن ذلك تحويل قبر

стр. 2606

طلحة بن عبيد الله، وقضية معاوية لما أجرى العين التي مرت بقبور شهداء أحد، وقضية تحويل جابر قبر أبيه عبد الله. ففي [مصنف عبد الرزاق] ، و [مصنف ابن أبي شيبة] ، و [طبقات ابن سعد] ، وفي [الاستيعاب] لابن عبد البر: أن بعض أهل طلحة بن عبيد الله رآه في المنام يقول: ألا تريحونني من هذا الماء، فإني قد غرقت ثلاث مرات يقولها، فنبشوه من قبره أخضر كأنه السلق، فنزفوا عنه الماء، ثم استخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا دارا من دور أبي بكرة فدفنوه فيها. وفي [مسند الإمام أحمد] ﵀ قال: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا الأسود بن قيس عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله قال: «خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي وعادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة؛ لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي: ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما، فدفناهما حيث قتلا، فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبد الله، والله لقد أثار أباك عمال معاوية، فبدأ فخرج طائفة منه فأثبته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل فواريته (١) » . . . إلى آخر الحديث، ورجاله رجال الصحيح إلا نبيحا العنزي وهو ثقة، كما في [وفاء الوفا بأخبار دار

стр. 2607

المصطفى] . وقال ابن إسحاق في [المغازي] : حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قال: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما يعني- عمرا وعبد الله - وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس. قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] : له شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر. اهـ. ويعني ابن حجر ﵀ بالشاهد: ما رواه ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين فأخرجناهم بعد أربعين سنة لينة أجسادهم تتثنى أطرافهم. اهـ. وقال عبد الرزاق في [مصنفه] في كتاب الجنائز وفي كتاب الجهاد: عن ابن عيينة عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لما أراد معاوية أن يجري الكظامة (١) قال: من كان له قتيل فليأت قتيله، يعني: قتلى أحد، قال: فأخرجهم رطابا يتثنون. قال: فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانفطرت دما، قال أبو سعيد: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا. اهـ. وعند ابن الجوزي في [صفوة الصفوة] عن جابر قال: لما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد كتبوا إليه أنا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء، فكتب: انبشوهم، قال: فرأيتهم يحملون كأنهم قوم نيام، وأصابت

стр. 2608

المسحاة رجل حمزة فانبعثت دما. وعنه قال: لما كتب معاوية إلى عامله بالمدينة أن يجري عينا إلى أحد، فكتب إليه عامله: إنها لا تجري إلا على قبور الشهداء، قال: فكتب إليه: أن أنفذها، قال الراوي عن جابر: فسمعت جابر بن عبد الله يقول: فرأيتهم يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوم حتى أصابت المسحاة قدم حمزة فانبعثت دما. وفي] موطأ الإمام مالك [، ﵁ في (الدفن في قبر واحد من ضرورة) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه: أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة، قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة في قطعه وحصل معناه من وجوه صحاح. وقال ابن سعد في [طبقاته] (١) : أخبرنا الوليد بن مسلم قال: حدثني الأوزاعي عن الزهري عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ لما خرج لدفن شهداء أحد قال: زملوهم بجراحهم، فإني أنا الشهيد عليهم، ما من مسلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما، اللون لون الزعفران والريح ريح المسك، قال جابر: وكفن أبي في نمرة واحدة، وكان يقول ﷺ : أي هؤلاء كان أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى الرجل، قال:

стр. 2609

"قدموه في اللحد قبل صاحبه " قالوا: وكان عبد الله بن عمرو بن حرام أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور السلمي، فصلى عليه رسول الله ﷺ قبل الهزيمة، وقال رسول الله ﷺ : ادفنوا عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد؛ لما كان بينهما من الصفاء، وقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد، قال: وكان عبد الله بن عمرو رجلا أحمر، أصلع، ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح رجلا طويلا مفرقا، فدفنا في قبر واحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فدخله السيل فحفر عنهما وعليهما نمرتان، وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه، فيده على جرحه فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم، فردت يده إلى مكانها فسكن الدم، قال جابر: فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: فرأيت أكفانه؟ قال: إنما كفن في نمرة، خمر بها وجهه وجعل على رجليه الحرمل، فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيب بمسك فأبى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: لا تحدثوا فيهم شيئا، وحول من ذلك المكان إلى مكان آخر، وذلك أن القناة كانت تمر عليهما وأخرجوا رطبا يتثنون» . اهـ. وفي [صحيح البخاري] في (باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟) بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن علي دينا فاقض واستوص بأخواتك خيرا. فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر

стр. 2610

في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. وذكره أبو داود في [سننه] في (باب تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث) ، والنسائي في [المجتبى] في (باب إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه) ، وابن سعد في [طبقاته] ، وأورده المجد ابن تيمية في [المنتقى] في (باب ما جاء في الميت ينقل أو ينبش لغرض صحيح) .

стр. 2611

ذكر بعض من أقوال أهل العلم في حكم تحويل الميت من قبره إلى آخر لغرض صحيح: ذكر أبو يعلى في [الأحكام السلطانية] عن الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الميت يخرج من قبره إلى غيره (إن كان من شيء يؤذيه، قد حول طلحة) وفي رواية المروذي في قوم دفنوا في بساتين، ومواضع ردية فقال: قد نبش معاذ امرأته، وكانت قد كفنت في خلقان، فكفنها ولم ير بأسا أن يحولها. وجاء في الجزء الرابع والعشرين (ص ٣٠٣) من [فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] : لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة، مثل: أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره، كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك. وقال الحطاب في [مواهب الجليل على مختصر خليل] ، على قول خليل: (والقبر حبس، لا يمشى عليه، ولا ينبش إلا أن يشح رب كفن غصبه) . قال الحطاب: وكذلك إذا احتيج للمقبرة لمصالح المسلمين كما فعل سيدنا معاوية ﵁ في شهداء أحد، عن جابر رضي الله عنه

стр. 2612

وذكر الأثر، وقال المواق في كتابه [التاج والإكليل على مختصر خليل] : انظر في حديث لمالك عن أبي الرجال من التمهيد أنه يجوز النبش لعذر وأن جابر بن عبد الله ﵄ أخرج أباه من قبره ودفنه بغير ذلك الموضع وكذلك فعل معاوية بمحضر الصحابة ولم ينكروه عليه. اهـ. . ثم نقل المواق عن ابن عرفة أن معاوية ﵁ إنما فعل ذلك لمصلحة عامة حاجية، كبيع الحبس لتوسيع جامع الخطبة. اهـ. وقال الباجي في [المنتقى على الموطأ]- في معرض كلامه على رواية مالك: حفر السيل قبر عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح: ولا بأس بحفر القبر وإخراج الميت منه، إن كان ذلك لوجه مصلحة، ولم يكن في ذلك إضرار، وليس من هذا الباب نبش القبور، فإن ذلك لوجه الضرر أو لغير منفعة. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في [الفتح] : في حديث جابر دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين ذلك جابر بقوله: فلم تطب نفسي، وذكر الحافظ أن ترجمة البخاري لأحاديث جابر التي ذكرها بقوله: (باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟) إشارة منه إلى الرد على من منع إخراج الميت من قبره مطلقا، أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة. اهـ.

стр. 2613

وقال العيني في [عمدة القاري] على ترجمة البخاري المشار إليها: وفي الحديث الثاني والثالث- يعني: الروايتين اللتين ذكرهما عن جابر - إخراجه أيضا لعلة، وهي: تطييب قلب جابر. ثم قرر العيني: أن الإخراج لذلك إخراج لمصلحة الحي. وقال صاحب [عون المعبود] في شرحه لحديث جابر عند أبي داود: فيه دلالة على جواز الإخراج لأمر متعلق بالحي؛ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين ذلك جابر بقوله: (فكان في نفسي من ذلك حاجة) . وقال البغوي في [شرح السنة] بعد تحريمه نبش قبور المسلمين لغير حاجة قال: فإن وقعت الحاجة فقد روي عن جابر قال: دفن مع أبي رجل وكان في نفسي من ذلك حاجة فأخرجته بعد ستة أشهر. وقال في موضع آخر: ويكره نقل الميت من بلد إلى بلد آخر وأن ينقل عن مكانه بعدما دفن لغير حاجة ثم أورد قصة تحويل جابر أباه من قبره إلى مكان آخر دليلا على جواز التحويل إذا كان ثم حاجة. ومما تقدم يتضح: أن القائلين بالمنع من نبش قبور الموتى قد عللوا ذلك: بأن قبر الميت حبس عليه ومنزل له وأن في نبشه إهانة وامتهانا له واعتداء عليه وعلى حقه، إذ يبعد نبشه قبل بلاه دون كسر عظم أو أكثر من عظامه، وقد ورد النهي عن كسر عظم الميت، وإنه ككسر عظمه حيا، كما يظهر تقدم من أهم مبررات القول ينبش قبر الميت لحاجة تتلخص فيما تعود مصلحته على الميت، كما هو الحال في تحويل قبر طلحة ونبش معاذ زوجته من قبرها، أو على الحي، كتحويل جابر لأبيه من قبره إلى مكان

стр. 2614

آخر، أو على المصلحة العامة، كنبش قبور شهداء أحد ممن مر بهم مجرى العين التي أمر بها معاوية. وبعد فيبقى النظر فيما يأتي: ١ - هل أمر معاوية- على فرض ثبوته- بإجراء العين على قبور شهداء أحد وتنفيذ ذلك بمحضر من الصحابة يصلح أن يكون سندا في جواز نبش القبور للمصلحة العامة مع قول أبي سعيد في رواية عبد الرزاق حينما أصابت المسحاة رجل رجل من الشهداء: لا ينكر بعد هذا منكرا أبدا. ومع ما تشعر به كتابة عامل معاوية إليه من أنه لا يتمكن من إجراء العين إلا على قبور الشهداء من أن المعهود لدى أصحاب رسول الله ﷺ استنكار نبش القبور. ٢ - هل تحويل جابر لوالده عن قبره إلى مكان آخر؛ ليطيب خاطره يصلح أن يكون مستندا في نقل الميت من قبره لمصلحة الحي، لا سيما أن فعله معارض بأن والده دفن مع عمرو بن الجموح في قبر واحد بأمر رسول الله ﷺ على مرأى منه؟ ٣ - هل من المتعين توسعة شارع الملك فيصل بنبش جزء من هذه المقبرة أم يمكن الاستغناء عن التوسعة بأمر آخر؟ ٤ - النظر في تطبيق ما صح لدى أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء من ذلك على مسألتنا هذه. وقبل أن تختم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثها هذا توصي بتزويد كل عضو من أعضاء هيئة كبار العلماء بما يأتي: ١) صورة من فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ الصادرة

стр. 2615

عنه بتاريخ ١٠\ ٢\ ١٣٧٦ هـ. ٢) صورة من فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عدد (١٠٢٢\ ط) في ١٠\ ٥\ ١٣٨٨ هـ، بخصوص: منع وزارة المواصلات من أن تمر خط المدينة تبوك بمقبرتين من مقابر تلك الجهات. ٣) صورة فتوى من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ بعدد (٢٨٨١\ ١) في ٢٠\٩\ ١٣٨٨ هـ، بخصوص: القبور التي تعرض لها مشروع الري والصرف في الأحساء. ٤) صورة من قرار اللجنة التي كلفت من قبل سمو نائب وزير الداخلية للكشف على الجزء الذي يستفتى في اقتطاعه من المقبرة الواقعة شرق شارع الملك فيصل؛ توسعة للشارع المذكور. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 2616

(٢) غلة الأوقاف المنقطعة جهاتها أو الفائض من غلاتها على مصارفها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2617

غلة الأوقاف المنقطعة جهاتها أو الفائض من غلاتها على مصارفها إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما تقرر من بحث مسألة غلة الأوقاف المنقطعة جهاتها أو الفائض من غلالها على مصارفها في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء، وبناء على المادة (٧) من لائحة سير العمل لدى الهيئة- فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يشتمل على بيان مصرف غلة الوقف المنقطع حقيقة أو حكما، ومصرف الفائض من ريع الأوقاف. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2618

أ- مذهب الحنفية: ١ - قال إبراهيم الحلبي وعبد الرحمن بن شيخ محمد بن سليمان، المعروف بداماه (١) : (وشرط لتمامه) أي: لتمام الوقف بعدما لزم بأحد الأمور المذكورة عنده (ذكر مصرف مؤبد) مثل أن يقول: علي كذا وكذا،

стр. 2619

ثم على فقراء المسلمين، (وعند أبي يوسف يصح بدونه) أي بدون ذكر مصرف مؤبد؛ لأن الوقف إزالة الملك لله تعالى، وذا يقضي التأبيد، ولمحمد أن الوقف تصدق بالمنفعة، وذا يحتمل أن يكون مؤقتا ومؤبدا، فلا بد من التنصيص (وإذا انقطع) المصرف (صرف إلى الفقراء) ولا يعود إلى ملكه إن كان حيا، وإلى ورثته إن كان ميتا، فعلم من هذا أن التأبيد شرط البتة إلا عند أبي يوسف لا يشترط ذكره، وعند محمد يشترط، لكن صاحب الهداية نقله بصيغة التمريض، فقال: قيل: التأبيد شرط بالإجماع إلا عند أبي يوسف، فإنه لا يشترط ذكر التأبيد. وفي [البحر] : والحاصل: أن عند أبي يوسف في التأبيد روايتين: في رواية: لا بد منه، وذكره ليس بشرط، وفي رواية: ليس بشرط ويفرع على روايتين ما لو وقف على إنسان بعينه، أو عليه وعلى أولاده، أو على قرابته وهم يحصون، أو على أمهات أولاده فمات الموقوف عليه، فعلى الأول: يعود إلى ورثة الواقف، وعليه الفتوى، كما في [الفتح] وغيره، وعلى الثاني: يصرف إلى الفقراء وإن لم يسمهم، وهذا الصحيح عنده. واختلفوا في حد ما لا يحصى: روي عن محمد عشرة، وعن أبي يوسف مائة، وهو المأخوذ عند البعض، وقيل: أربعون، وقيل: ثمانون. والفتوى: أنه يفوض إلى رأي الحاكم. ٢ - قال إبراهيم الحلبي ومحمد علاء الدين الحصكفي (١) : (و) اعلم أنه (شرط لتمامه ذكر مصرف مؤبد) عندهما (وعند أبي يوسف يصح

стр. 2620

بدونه، وإذا ا! نقطع صرف إلى الفقراء) وهذا بيان لشرائطه الخاصة فجعلاه كالصدقة، وجعله أبو يوسف كالإعتاق، واختلف الترجيح. والإفتاء والأخذ بقول أبي يوسف أحوط وأسهل، كما في [المنح عن البحر] ، وبه يفتى، كما في [الدرر] ، وصدر الشريعة، وفي [فتح القدير] : أنه أوجه عند المحققين، والخلاف في ذكر التأبيد، وأما في نفس التأبيد فشرط بالإجماع حتى لو وقته بشهر مثلا بطل بالاتفاق، كما في [الدرر] ، و [الغرر] ، و [التنوير] ، وغيرها، وعليه فلو وقف على رجل بعينه جاز، وعاد بعد موته لورثة الواقف، وعليه الفتوى، وقيل: للفقراء، وهي رواية البرامكة، فليحفظ. ٣ - قال عمر حلمي أفندي (١) : المسألة (٧٨) : لا يشترط ذكر الموقوف عليه ولا تعيينه، فلو وقف شيئا ولم يبين الموقوف عليه يصح وقفه وتصرف غلته إلى الفقراء. المسألة (٨٠) : لا يشترط وجود الموقوف عليه حال الوقف، مثلا: لو وقف داره وشرط غلتها على ما سيحدث له من الأولاد صح وقفه، ويستحق غلته بالشرط المذكور أولاده الذين يولدون له بعد الوقف، وكذا لو هيأ موضعا ليبني فيه مكانا خيريا، كمعبد، ومكتب، وقبل أن يبني المكان الخيري في موضعه وقف بعض أملاكه وشرط غلتها للمكان المذكور- يصح وقفه، وتعود غلته إلى المكان المذكور حينما يبنى بعد. وتصرف غلة الوقف للفقراء إلى أن يولد للواقف أولاد في الصورة

стр. 2621

الأولى، وإلى أن يبنى المكان المذكور في الصورة الثانية.. وهذا الوقف الذي لا يوجد فيه المشروط له ابتداء يقال له ولأمثاله: منقطع الأول. المسألة (٨١) : الوقف الذي يوجد فيه المشروط له ابتداء ثم ينقطع وينقرض يقال له: منقطع الآخر.. مثلا: شرط غلة وقفه لذريته فتصرف بعده ذريته بغلة الوقف مدة ثم انقرضت ولم تعقب أولادا فذلك الوقف يقال له: منقطع الآخر. المسألة (٨٢) : الوقف الذي يوجد فيه المشروط له ابتداء ثم ينقطع ثم يظهر يقال له: منقطع الوسط.. مثلا: شرط الواقف غلة وقفه لذكور ذريته فتصرفوا بعده بغلة الوقف ثم ماتوا ولم يعقبوا غير الإناث فانقطع المشروط له، ثم بعد مدة تولد من الإناث أولاد ذكور، فيطلق على الوقف منقطع الوسط. وغلة الوقف المنقطع بجميع أنواعه تصرف إلى المشروط لهم حين وجودهم وإلى الفقراء حين فقدهم وانقطاعهم. المسألة (١٧٢) : وقف قديم لم يعلم في جهة صرف غلته شرط واقف ولا تعامل قديم فتصرف الغلة برأي الحاكم إلى الفقراء والمحتاجين (١) . ٤ - وقال ابن عابدين (٢) : قال في [الخانية] : ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد وليس له ولد يصح، فإذا أدركت الغلة تقسم على الفقراء، وإن حدث له ولد بعد القسمة تصرف الغلة التي توجد

стр. 2622

بعد ذلك إلى هذا الولد؛ لأن قوله: صدقة موقوفة، وقف على الفقراء، وذكر الولد الحادث للاستثناء، كأنه قال: إلا إن حدث لي ولد فغلتها له ما بقي. اهـ. ومنه ما في [الخانية] : وقف على ولديه ثم على أولادهما أبدا ما تناسلوا. قال ابن الفضل: إذا مات أحدهما عن ولد يصرف نصف الغلة إلى الباقي والنصف إلى الفقراء، فإذا مات الآخر يصرف الجميع إلى أولاد الواقف؛ لأن مراعاة شرط الواقف لازم، والواقف إنما جعل أولاد الأولاد بعد انقراض البطن الأول، فإذا مات أحدهما يصرف النصف إلى الفقراء. اهـ. تنبيه: علم من هذا أن منقطع الأول ومنقطع الوسط يصرف إلى الفقراء، ووقع في الخيرية خلافه؛ حيث قال في تعليل جواب ما نصه: للانقطاع الذي صرحوا به بأنه يصرف إلى الأقرب للواقف؛ لأنه أقرب لفرضه على الأصح. اهـ. وهذا سبق قلم فإن ما ذكره مذهب الشافعي، فقد قال نفسه في محل آخر من الخيرية: والمنقطع الوسط فيه خلاف، قيل: يصرف إلى المساكين، وهو المشهور عندنا، والمتظافر على ألسنة علمائنا، ثم قال بعد أسطر في جواب سؤال آخر: وفي منقطع الوسط الأصح صرفه إلى الفقراء، وأما مذهب الشافعي: فالمشهور أنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف. اهـ. ٥ - وقال الكاساني في معرض ذكره شروط صحة الوقف (١) : ومنها:

стр. 2623

أن يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدا عند أبي حنيفة ومحمد، فإن لم يذكر ذلك لم يصح عندهما، وعند أبي يوسف ذكر هذا ليس بشرط، بل يصح وإن سمى جهة تنقطع، ويكون بعدها للفقراء وإن لم يسمهم. وجه قول أبي يوسف: أنه ثبت الوقف عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، ولم يثبت عنهم هذا الشرط ذكرا وتسمية، ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء وإن لم يسمهم، وهو الظاهر من حاله، فكان تسمية هذا الشرط ثابتا دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصا. اهـ. ٦ - وقال ابن نجيم في [الأشباه والنظائر] : لا يشترط لصحة الوقف على شيء وجود ذلك الشيء وقته، فلو وقف على أولاد زيد ولا ولد له صح وتصرف الغلة إلى الفقراء إلى أن يوجد له ولد. اهـ. ٧ - وقال ابن أبي بكر الطرابلسي الحنفي (١) : ولو جعل أرضه صدقة موقوفة لله أبدا على زيد وعمرو ولدي بكر ومن مات منهما عن ولد انتقل نصيبه إليه، وإن مات من غير وارث كان نصيبه مردودا إلى الباقي منهما جاز الوقف، فلو مات أحدهما ولم يترك سوى أخيه لا يرد إليه نصيبه، بل يكون للمساكين؛ لموته عن وارث. ولو لم يكن أحدهما ممن يرث الآخر ومات أحدهما عن غير وارث انتقل نصيبه إلى الآخر. اهـ.

стр. 2624

٨ - وقال هلال الرأي (١) : قلت: أرأيت رجلا قال: أرضي صدقة موقوفة لله تعالى أبدا على عبد الله وزيد؟ قال: فالغلة بينهما نصفان، قلت:

стр. 2625

أرأيت إن مات أحدهما؟ قال: فللباقي منهما نصف الغلة، وما بقي فللفقراء والمساكين، قلت: وكذلك لو سمى جماعة فمات بعضهم، قال: نعم، قلت: أرأيت إذا قال: أرضي صدقة موقوفة، لعبد الله من غلاتها مائة درهم، ولعمرو مائتان فزادت الغلة؟ قال: يعطى كل واحد منهما ما سمي له، وما فضل بعد ذلك فهو للفقراء والمساكين، قلت: ولم قلت ذلك؟ قال: لأنه لما قال: صدقة موقوفة، لعبد الله من غلاتها مائة درهم في كل سنة، ولزيد مائتان، قائمة لهما ما سمي لهما خاصة، وليس لهما مما بقي شيء، ولا يشبه هذا الباب الأول إذا قال: صدقة موقوفة لزيد وعمرو ولزيد مائة درهم وعمرو مائتا درهم، هذا يكون ما بقي من الغلة بينهما؛ لأنه قال في أول كلامه: صدقة موقوفة لعبد الله وزيد، فجعل الغلة لهما جميعا، ثم قال: لزيد منها كذا ولعبد الله منها كذا، فما بقي بعد ذلك يكون نصفين؛ لقوله في أول كلامه: صدقة موقوفة لعبد الله وزيد، وأما إذا قال: صدقة موقوفة لعبد الله منها مائة درهم ولزيد منها مائتا درهم فلم يجعلها لهما جميعا ثم يفصل ما لكل واحد منهما فلذلك كان ما بقي للفقراء. وأما في الباب الأول فقد جعلها لهما جميعا في أول الكلام ثم فصل ما لكل واحد منهما فصار ما بقي منها بينهما نصفين. ألا ترى أن رجلا لو قال: قد أوصيت بثلث مالي لعبد الله وزيد، لعبد الله منه مائة درهم ولزيد مائتا درهم، وكان الثلث خمسمائة أعطينا زيدا مائتين وأعطينا عبد الله مائة وما بقي بينهما نصفان، وهذا قول أصحابنا في الوصية، والوقف على قياسه. ولو قال: أوصيت لزيد بمائة درهم من ثلث مالي ولعمرو بمائتي

стр. 2626

درهم، فكان الثلث خمسمائة درهم أعطيت كل واحد منهما ما سمي له وما بقي بعد ذلك من الثلث فهو للورثة، وكذلك الوقف وهما سواء، وإنما يختلف الوصية الوقف في باب واحد، كل ما كان في الثلث لا وجه له فمرجعه إلى الورثة، وكل ما كان لا وجه له في الوقف فمرجعه إلى الفقراء والمساكين؛ لقوله في أول كلامه: صدقة موقوفة. اهـ. ٩ - وقال في موضع آخر (١) : أرأيت إذا قال: أرضي صدقة موقوفة، لعبد الله منها كذا ولزيد كذا ولعمرو كذا، حتى سمى جماعة كثيرة، فقصرت الغلة عن هذه الأرزاق؟ قال: تقسط الغلة بينهم على ذلك، قلت: أرأيت إن زادت الغلة على ذلك؟ قال: تكون الزيادة للفقراء، ثم قال بعد ذلك (٢) : قلت: أرأيت إذا قال: أرضي صدقة موقوفة فما أخرج الله من غلاتها أعطي منه ما كان فقيرا من قرابتي في كل سنة ما يكفيه في طعامه وشرابه وكسوته بالمعروف فقصرت الغلة لفقراء القرابة كيف تقسم بينهم؟ قال: يضرب لكل واحد منهم ما سمي له من غلات هذه الصدقة، ويقسط بينهم على ذلك. قلت: أرأيت إن كان في غلاتها فضل عما سمي لهم؟ قال: يكون ذلك الفضل للفقراء والمساكين. قلت: ولم قلت ذلك؟ قال: لأنه لم يجعل للقرابة من الغلة إلا النفقات، فما فضل عنهم كان ذلك الفضل للفقراء. اهـ. وقال الخصاف (٣) : (باب) الرجل يجعل أرضه وقفا على رجل بعينه

стр. 2627

وعلى ولده وولد ولده، ثم على المساكين من بعدهم، أو يقفها على قوم بأعيانهم ويجعل آخرها للمساكين وما يدخل في ذلك. قلت: أرأيت رجلا جعل أرضه صدقة موقوفة لله أبدا على فلان وفلان وفلانة وفلانة أبدا ما عاشوا، فمن مات منهم وله ولد لصلبه فنصيبه بينهم على قدر مواريثهم عنه، ومن مات منهم ولا ولد له لصلبه فإن كان له ولد ولد، أو ولد ولد ولد، أو نسل كان له نصيبه ثم من بعدهم على المساكين، قال: هذا وقف جائز على ما شرطه الواقف، قلت: فإن مات واحد منهم ولم يترك ولدا لصلبه كان نصيبه لولد ولده وولد ولد ولده ومن سفل منهم، قال: تقسم الغلة بين أولئك الذين سماهم في كتاب وقفه على عددهم، فما أصاب الميت قسم بين جميع ولد ولده من سفل منهم، ومن كان فوق ذلك على عددهم، قلت: وكذلك إن كان قال: وعلى أن من مات من أولادهم ونسلهم كان نصيبه من غلة هذه الصدقة وسبيله سبيل ما اشترطه في ولده لصلبه وولد ولده وأولادهم على ما سمى ووصف في هذا الكتاب، قال: نعم، قلت: وكذلك إن قال: وكل من مات من أهل هذه الصدقة وترك وارثا من ولد أو ولد ولد أو إخوة أو أخوات كان نصيبه من غلة هذه الصدقة لمن كان يرثه من هؤلاء على قدر مواريثهم عنه، وقال أيضا: ومن مات منهم ولم يترك وارثا من ولد ولا ولد ولد ولا إخوة ولا أخوات ولا غيرهم كان نصيبه من ذلك لفقراء قرابته- يعني: الواقف- وللمساكين أبدا. قال: الوقف جائز على ما سمى وشرط من ذلك. قلت: فإن مات بعضهم وترك ابنة وإخوة وأخوات، قال: يكون نصيبه من غلة هذه الصدقة، لابنته النصف من ذلك، وما بقي فهو لإخوته وأخواته على قدر

стр. 2628

مواريثهم منه. قلت: فإن مات بعضهم، ولم يترك وارثا من ولد ولا ولد ولد ولا إخوة ولا أخوات، وترك عصبة يرثونه، ما حال نصيبه؟ قال: يرجع ذلك إلى المساكين، ولا يكون ذلك لفقراء قرابته. قلت: ولم كان هذا هكذا؟ قال: من قبل أنه شرط أن يرد نصيب من مات منهم ولم يدع وارثا من ولد، ولا ولد ولد، ولا إخوة، ولا أخوات، ولا غيرهم، إلى فقراء قرابته والمساكين، فلما مات هذا وترك عصبة لم يكن لفقراء قرابته والمساكين من نصيبه شيء؛ لأن نصيبه إنما يكون لفقراء قرابته إذا لم يدع وارثا من ولد، ولا ولد ولد، ولا إخوة، ولا أخوات، ولا غيرهم، وقد وجدنا هذا الميت ترك وارثا وهو عصبة؛ فلذلك لم يكن لفقراء قرابته شيء من نصيبه. قلت: فلم جعلت ذلك للمساكين؟ قال: من قبل أن أصل الوقف إنما يطلب به ما عند الله تعالى، وأصله للمساكين، فإن كان الواقف شرط أن يقدم من قد سماه في أول الوقف قد قال: هذا ما تصدق به فلان بن فلان تصدق بجميع ضيعته الكذا صدقة موقوفة لله أبدا، فهذا إنما هو للمساكين، ولكن اشتراطه أن تجري الغلة على فلان وفلان وفلانة وفلانة على ما سمى بعد هؤلاء، ثم جعل آخر ذلك للمساكين، فقد جعل أول الوقف وآخره للمساكين، وكلما بطل منهم واحد رجع نصيبه من ذلك إلى المساكين، ألا ترى أن رجلا لو قال: قد جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على فلان بن فلان وفلان بن فلان ومن بعدهما على المساكين، فمن مات منهما ولم يترك ولدا كان نصيبه من ذلك للباقي منهما، فمات أحدهما وترك ولدا، قال: يرجع نصيبه إلى المساكين ولا

стр. 2629

يكون ذلك للباقي منهما من قبل أن الواقف إنما اشترط أن يرجع نصيب الذي يموت منهما إلى الباقي إذا لم يترك الميت وارثا فهذا قد ترك وارثا وهو ولده، قلت: فلم لا تجعل نصيب الميت منهما لولده؟ قال: من قبل أن الواقف لم يجعل ذلك لولد الميت، إنما قال: من مات منهما ولم يترك وارثا كان ذلك للباقي منهما فلهذه العلة لم يكن للباقي ولا لولد الميت من ذلك شيء. اهـ. ١٠ - قال عمر حلمي أفندي (١) : الفصل الرابع: في جواز صرف مال وقف على وقف آخر أو عدم جوازه. المسألة (٣٤٣) : لا يجوز صرف غلة وقف مشروطة لجهة على نفقات وقف آخر مشروط لجهة أخرى وإن كان الواقف واحدا، فلو فعل المتولي ذلك يضمن ما صرفه. مثلا: بنى مكتبين ووقفهما، ووقف لكل واحد منهما عقارا على حدته، فلا تصرف غلة عقار أحدهما على حاجات الآخر. المسألة (٣٤٤) : وقفان اتحد واقفهما وجهاتهما، طرأ على غلة أحدهما ضعف جاز أن يصرف على حاجته من فضل غلة الوقف الآخر. مثلا: وقف عقارا شرط غلته على تعمير مكتب بناه ووقفه ووقف عقارا آخر شرط غلته لوظائف معلمي مكتبه، ثم بعد زمان طرأ على غلة العقار المشروطة لوظائف المعلمين ضعف فصارت لا تقوم بكفايتها، فيجوز أن يصرف على الوظائف من فضلة غلة العقار المشروطة لنفقات التعمير.

стр. 2630

المسألة (٣٤٥) : يجوز صرف واردات وقف خرب واستغني عنه على وقف آخر برأي الحاكم على حاجات أقرب وقف إليه من نوعه قليل الدخل. مثلا: بنى في محلة مكتبا ووقفه وقفا لازما، ثم بمرور الأيام خرب المكتب كله واستغنى عنه أهل المحلة لتشتتهم فتصرف وارداته برأي الحاكم على حاجات أقرب مكتب إليه موقوف قليل الواردات، ولا يجوز صرف واردات الوقف المستغنى عنه على وقف ليس من نوعه. مثلا: لا تصرف واردات مستشفى وقف وخرب واستغني عنه على مكتب، ولا واردات مكتب خرب واستغني عنه على مستشفى. المسألة (٣٤٧) : قرية تفرق أهلها وتشتت شملهم فبقي مسجدها معطلا مستغنى عنه، وفي قربها قرية ليس فيها مسجد، فلأهل القرية الثانية أن ينقضوا ذلك المسجد وينقلوا أنقاضه ويعمروها معبدا في قريتهم، وتصرف واردات المسجد المنهدم برأي الحاكم على حاجات المسجد الثاني، وليس لورثة واقف المسجد المنهدم أن يطلبوا وارداته لأنفسهم ويمنعوا صرفها على المسجد الجديد. وكذا لو وقف مبلغا من النقود على حاجات مسجد وقفه في قرية، ثم تشتت شمل أهل القرية، وخرب المسجد وتعطل، فأراد متوليه أن يصرف ربح النقود برأي الحاكم على حاجات مسجد آخر قليل الواردات في أقرب قرية من موضع المسجد المذكور، فليمس للورثة أن يمنعوه عن ذلك ويجعلوا النقود ميراثا بينهم لخراب المسجد الموقوفة عليه واستغنائه عنها. المسألة (٣٦٩) : فضلة الوقف المشروطة لبعض الأشخاص يدخر منها نقود احتياطية لتعمير الوقف. مثلا: وقف فيه مصارف معينة شرطت
следующие страницы →