← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

تعيينهم في نحو الزكاة على أن لهذه مصرفا عينه الشارع بخلاف الوقف، ولو فقدت أقاربه أو كانوا كلهم أغنياء صرف الريع لمصالح المسلمين، كما نص عليه البويطي في الأولى، أو إلى الفقراء والمساكين على ما قاله سليم الرازي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم، أو قال: ليصرف من غلته لفلان كذا وسكت عن باقيها فكذلك، وصرح في الأنوار بعدم اختصاصه بفقراء بلد الوقف بخلاف الزكاة. أما الإمام إذا وقف منقطع الآخر فيصرف للمصالح لا لأقاربه، كما أفاده الزركشي وهو ظاهر (ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على من سيولد لي) أو على مسجد سيبنى ثم على الفقراء مثلا (فالمذهب بطلانه) لتعذر الصرف إليه حالا ومن بعده فرعه. والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: الصحة، وصححه المصنف في [تصحيح التنبيه] ولو لم يذكر بعد الأول مصرفا بطل قطعا؛ لأنه منقطع الأول والآخر، ولو قال: وقفت على أولادي ومن سيولد لي على ما أفصله، ففصله على الموجودين وجعل نصيب من مات منهم بلا عقب لمن سيولد له صح، ولا يؤثر فيه قوله: وقفت على أولادي ومن سيولد لي؛ لأن التفصيل بعده بيان له (أو) كان الوقف (منقطع الوسط) بالتحريك كوقفته على أولادي ثم) على (رجل) مبهم، وبه يعلم أنه لا يضر تردد في صفة أو شرط أو مصرف دلت قرينة قبله أو بعده على تعينه، إذ لا يتحقق الانقطاع إلا مع الإبهام من كل وجه، (ثم الفقراء، فالمذهب صحته) ؛ لوجود المصرف حالا ومالا، ومصرفه عند الانقطاع كمصرف منقطع الآخر، لكن محله إن عرف أمد انقطاعه، فإن لم يعرف كرجل صرف بعد

стр. 2662

موت الأول لمن بعد المتوسط كالفقراء، كما أفاده ابن المقري، وإطلاق الشارح ككثير محمول على ذلك (ولو اقتصر على) قوله: (وقفت) كذا ولم يذكر مصرفا أو ذكر مصرفا متعذرا كوقفت كذا على جماعة (فالأظهر بطلانه) وإن قال لله؛ لأن الوقف يقتضي تمليك المنافع، فإذا لم يعين متملكا بطل كالبيع، ولأن جهالة المصرف كعلى من شئت ولم يعينه عند الوقف أو من شاء الله يبطله فعدمه بالأولى، وإنما صح أوصيت بثلثي ولم يذكر مصرفا حيث يصرف للمساكين؛ لأن الغالب الوصايا لهم، فحمل الإطلاق عليه، ولأنها أوسع لصحتها بالمجهول والنجس، وما بحثه الأذرعي من أنه لو نوى المصرف وأعترف به صح، مردود. كما قاله الغزي بأنه لو قال: طالق ونوى زوجته لم يصح، لأن النية إنما تؤثر مع لفظ يحتملها، ولا لفظ هنا يدل على المصرف أصلا، ويؤخذ منه أنه لو قال في جماعة أو واحد: نويت معينا لا يصح، قيل: وهو متجه. ١٣ - قال النووي والمحلى (١) : (ولو قال: وقفت على أولادي أو على زيد ثم نسله ولم يزد فالأظهر: صحة الوقف) ويسمى: منقطع الآخر، والثاني: بطلانه لانقطاعه، والثالث: إن كان الموقوف حيوانا صح الوقف؟ إذ مصير الحيوان إلى الهلاك فقد يهلك قبل الموقوف عليه بخلاف العقار (فإذا انقرض المذكور) بناء على الصحة (فالأظهر: أنه يبقى وقفا) والثاني: يعود ملكا للواقف أو ورثته إن مات، (و) الأظهر على الأول (أن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور) لما فيه من صلة

стр. 2663

الرحم ويختص بفقراء قرابة الرحم فيقدم ابن البنت على ابن العم، والثاني: مصرفه للمساكين، والثالث: المصالح العامة مصارف خمس الخمس (ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على من سيولد لي) ثم الفقراء (فالمذهب بطلانه) لانقطاع أوله، والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: الصحة، ويصرف في الصورة المذكورة في الحال إلى أقرب الناس إلى الواقف على ما تقدم بيانه، وقيل: إلى المذكورين بعد الأول. ومن صوره وقفت على ولدي، ثم على الفقراء، ولا ولد له فيصرف على القول بالصحة في الحال إلى الفقراء، وذكر الأول لغو، (أو) كان الوقف (منقطع الوسط، كوقفت على أولادي، ثم رجل، ثم الفقراء، فالمذهب صحته) وقيل: لا يصح بناء على عدم الصحة في منقطع الآخر، وعلى الصحة يصرف بعد الأول فيه مصرف منقطع الآخر على الخلاف المتقدم فيه (ولو اقتصر على وقفت) كذا (فالأظهر بطلانه) لعدم ذكر مصرفه، والثاني: يصح، ويصرف مصرف منقطع الآخر على الخلاف المتقدم فيه. ١٤ - وقال قليوبي على قول النووي: (أقرب الناس) قال (١) : (قوله: أقرب الناس ... إلخ) إلا إن كان الواقف الإمام فيصرف لمصالح المسلمين وجوبا إن كانت أهم وإلا خير بينهما ومثل ذلك وقف جهلت أربابه. ١٥ - وقال أيضا على قول المحلى: (فيقدم) قال (٢) : (قوله: فيقدم)

стр. 2664

أي: وجوبا ولا يفضل ذكر على أنثى، ويستوي خال وعمة لاستوائهما قربا. ١٦ - وقال قليوبي أيضا (١) : (قوله: والثاني مصرفه المساكين.. إلخ) حمل على ما إذا فقد الأقارب أو كانوا كلهم أغنياء. ١٧ - وقال أيضا (٢) : (قوله: المصالح العامة) حمل على كونه الأهم، أو فقد من قبله ولا يختص بفقراء بلد الواقف أو الوقف بخلاف الزكاة. (فرع) لو قال الواقف: يصرف من ريعه لفلان كذا وسكت عن باقيه فحكم ذلك الباقي ما ذكر، قال عميرة (٣) : (قول الشارح: المساكين) هل المراد مساكين بلد الواقف أو الوقف؛ الظاهر: الثاني نظرا إلى اعتبارهم في الزكاة فقراء بلد المال. تنبيه: منقطع الأول فيه تعليق ضمني، كما أن منقطع الآخر فيه تأقيت ضمني. ١٨ - وقال الرملي على قول النووي: (ولو وقف على شخصين) كهذين (ثم الفقراء) مثلا (فمات أحدهما، فالأصح المنصوص: أن نصيبه يصرف إلى الآخر) ؛ لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعا ولم يوجدوا إذا امتنع الصرف إليهم، فالصرف لمن ذكره الواقف أولى، والثاني: يصرف إلى الفقراء كما يصرف إليهم إذا ماتا، ومحل الخلاف ما لم يفصل وإلا بأن قال: وقفت على كل منهما نصف هذا، فهما وقفان كما

стр. 2665

ذكره السبكي، فلا يكون نصيب الميت منهما للآخر، بل الأقرب انتقاله للفقراء إن قال: ثم على الفقراء، فإن قال: ثم من بعدهما على الفقراء فالأقرب انتقاله للأقرب إلى الواقف، ولو وقف عليهما وسكت عمن يصرف له بعدهما فهل نصيبه للآخر منهما أو لأقرباء الواقف؟ وجهان: أوجههما كما أفاده الشيخ: الأول، وصححه الأذرعي، ولو رد أحدهما أو بان ميتا فالقياس على الأصح صرفه للآخر، ولو وقف على زيد ثم عمرو ثم بكر ثم الفقراء، فمات عمرو قبل زيد، ثم مات زيد، قال الماوردي والروياني: لا شيء لبكر، وينتقل الوقف من زيد إلى الفقراء؛ لأنه رتبه بعد عمرو، وعمرو بموته أولا لم يستحق شيئا، فلم يجز أن يتملك بكر عنه شيئا، وقال القاضي في فتاويه: الأظهر: أن يصرف إلى بكر؛ لأن استحقاق الفقراء مشروط بانقراضه، كما لو وقف على ولده ثم ولد ولده ثم الفقراء، فمات ولد الولد ثم الولد، يرجع للفقراء، ويوافقه فتوى البغوي في مسألة حاصلها: أنه إذا مات واحد من ذرية الواقف في وقف الترتيب قبل استحقاقه للوقف لحجبه بمن فوقه يشارك ولده من بعده عند استحقاقه. قال الزركشي: وهذا هو الأقرب. ولو وقف على أولاده فإذا انقرض أولادهم فعلى الفقراء، فالأوجه - كما صححه الشيخ أبو حامد - أنه منقطع الوسط؛ لأن أولاد الأولاد لم يشرط لهم شيئا وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم، واختار ابن أبي عصرون دخولهم وجعل ذكرهم قرينة على استحقاقهم، واختاره الأذرعي.

стр. 2666

١٩ - قال النووي والمحلى (١) : (ولو وقف على شخصين) معينين (ثم الفقراء فمات أحدهما فالأصح المنصوص: أن نصيبه يصرف إلى الآخر) لأنه أقرب إلى غرض الواقف، والثاني: يصرف إلى الفقراء كنصيبهما إذا ماتا، قال في المحرر: كالشرح والقياس أن يجعل الوقف في نصيبه منقطع الوسط، قال في الروضة: معناه يكون مصرفه مصرف منقطع الوسط لا أنه يجيء خلاف في صحة الوقف. انتهى، ويوافق البحث حكاية وجه بعده بالصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف. ٢٠ - قال قليوبي (٢) : (قوله: على شخصين) أي: ولم يفصل وإلا كأن قال: لهذا نصفه ولذاك نصفه فهما وقفان، ثم إن كان قال: ثم الفقراء، صرف نصيب الميت لهم، وإن كان قال: ثم من بعدهما للفقراء كان للآخر. ٢١ - وقال النووي والمحلى (٣) (ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته لم يبع بحال) لإمكان الصلاة فيه في الحال. ٢٢ - قال قليوبي: قوله: ولو انهدم مسجد، أي: وتعذرت الصلاة فيه لخراب ما حوله مثلا. ٢٣ - وقال قليوبي أيضا: (قوله: وتعذرت إعادته) أي: بنقضه، ثم إن رجي عوده حفظ نقضه وجوبا، ولو بنقله إلى محل آخر إن خيف عليه لو بقي، وللحاكم هدمه ونقل نقضه إلى محل أمين إن خيف على أخذه لو لم

стр. 2667

يهدم، فإن لم يرج عوده بني به مسجد آخر، لا نحو مدرسة، وكونه بقربه أولى فإن تعذر المسجد بني به غيره، وأما غلته التي ليست لأرباب الوظائف وحصره وقناديله فكنقضه، وإلا فهي لأربابها، وإن تعذرت لعدم تقصيرهم كمدرس لم تحضر طلبته. ٢٤ - ومن هامش كتاب [طبقات الشافعية الكبرى] ، قوله (١) : قال الأزهري في كتابه [الزاهر في شرح غريب ألفاظ المختصر] ، في أواخر باب قسم الصدقات ما نصه: ومما يدل على تقديم الأقارب أيضا أن الأصحاب قالوا: إذا صححنا الوقف المنقطع الآخر وانقرض الموقوف عليه فالأظهر: أنه يبقى وقفا، وفي مصرفه أوجه: أصحها: إلى أقرب الناس إلى الواقف، والثاني: إلى المساكين، والثالث: إلى المصارف العامة، مصارف خمس الخمس، والرابع: إلى مستحقي الزكاة. قالوا: وإن قلنا بالثاني، وهو الصرف إلى المساكين، ففي تقديم جيران الواقف وجهان: أصحهما: المنع، قالوا: لأنا لو قدمنا بالجوار لقدمنا بالقرابة بطريق أولى، فهذا يرشد إلى أن تقديم القرابة على الجوار أمر مفروغ منه. بخلاف إمام لم يحضر من يصلي معه فلا يستحق إلا إن صلى في البقعة وحده؛ لأن عليه فعل الصلاة فيه وكونه إماما، فإذا تعذر أحدهما بقي الآخر، وهذا في مسجد تمكن فيه تلك الوظائف، وإلا كمسجد محاه

стр. 2668

البحر مثلا وصار داخل اللجة فينبغي نقل وظائفه، أي: مع بقائها مع أربابها لما ينقل إليه نقضه. تنبيه: علم مما ذكر أنه يقدم حفظ غلته لرجاء عوده، فإن تعذر صرفت إلى أقرب المساجد إن احتيج إليها، وإلا صرفت لأقرب الناس إلى الواقف إن وجدوا وإلا فللفقراء، وعلى ذلك يحمل ما في كلامهم من التناقض. تنبيه: لو زاد ريع ما وقف على المسجد لمصالحه أو مطلقا ادخر لعمارته، وله شراء شيء به مما فيه زيادة غلته، ولو زاد ريع ما وقف لعمارته لم يشتر منه شيء، ويقدم عمارة عقاره على عمارته وعلى المستحقين، وإن لم يشترطه الواقف كذا في العباب. ويجب على ناظر الوقف ادخار شيء مما زاد من غلته لعمارته وشراء عقار بباقيه، وأفتى بعض المتأخرين بجواز الاتجار فيه إن كان من وقف مسجد وإلا فلا. مما تقدم من النقول يتلخص ما يأتي: ١ - قيل: يشترط في صحة الوقف اتصاله ودوامه، لأن المقصود منه اتصال الثواب على الدوام، وعليه يكون الوقف المنقطع الابتداء أو الوسط أو الآخر باطلا، فيرجع إلى الواقف إن كان حيا وإلى ورثته إن كان قد مات، وقيل: لا يشترط ذلك، فيصح الوقف المنقطع بجميع أنواعه، واختلف في مرجعه حين الانقطاع. أما منقطع الآخر فقيل: يعود بعد انقراض الموقوف عليهم إلى الواقف إن كان حيا، لا فلورثته، وقيل: لأهم أبواب الخيرات وأعمها، وقيل: للمساكين، وقيل: لمستحقي الزكاة، وقيل: لأقرب الناس إلى الواقف رحما لا إرثا ولا عصوبة؛ لأن صلتهم أعظم جهات البر ثوابا، للآثار

стр. 2669

الواردة في ذلك؛ فيقدم وجوبا ابن بنت على عم، وتستوي الخالة والعم، ويستوي الذكر والأنثى، وهل يختص به فقراؤهم؟ قال النووي: وهو الأظهر؛ لأنهم موضع الصدقات، وأولى بالمعروف والإحسان أو يشترك معهم الأغنياء؛ لأنه عاد إليهم وقفا، والوقف يصلح أن يكون على الأغنياء كما يصلح أن يكون على الفقراء. وإن كان منقطع الابتداء، كوقفت كذا على رجل، أو من سيولد لي، ثم على الفقراء صرف إلى من بعد المجهول؛ لأنه لا يمكن اعتبار انقراضه، فسقط حكمه، أما إن أمكن اعتبار انقراضه، مثل: وقفت على عبدي، ثم الفقراء ففي مصرفه خلاف، قيل: يصرف إلى من بعده حيث لم يصح الوقف عليه فكان لغوا، وقيل: يرجع إلى الواقف إن كان حيا وإلا فلورثته إلى أن ينقرض الموقوف عليه؛ لأنه لم يوجد شرط انتقاله إلى من بعده، وقيل: يرجع إلى أقارب الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه؛ لأنه قد زال ملك الواقف عنه بالوقف، ولم يوجد شرط انتقاله إلى من بعده، فكان أقرباء الواقف أحق به؛ لما ورد في ذلك من الآثار، وهل يختص به فقراؤهم أو يشترك معهم الأغنياء؟ فيه الخلاف السابق، وقيل: يصرف في المصالح العامة حتى ينقرض الموقوف عليه، وإن كان منقطع الوسط ففي مصرفه زمن الانقطاع على تقدير صحته الخلاف السابق. ٢ - يشترط في الوقف بيان المصرف؛ لأنه تمليك المنافع فأشبه البيع والهبة، وقيل: لا يشترط بيانه، لأنه تبرع وإحسان، فأشبه الصدقة والهدي والضحية والوصية، وعلى الأول يكون الوقف باطلا إن لم يبين المصرف ويعود إلى الواقف أو ورثته، وعلى الثاني يكون في مصرفه الخلاف السابق

стр. 2670

في الوقف المنقطع الآخر، وقيل: يصرفه ناظر الوقف فيما يراه من وجوه البر. ٣ - من وقف على رجلين مثلا وعينهما ثم على المساكين فمات أحدهما ففي مرجع نصيبه وجهان: أصحهما: أنه يصرف إلى الباقي منهما، حيث لم يوجد شرط نقله إلى المساكين، والثاني: أنه يصرف للمساكين. والقياس أنه لا يصرف للباقي منهما ولا للمساكين، بل حكمه حكم الوقف المنقطع الوسط، وقد تقدم بيانه، هذا ما لم يفصل، بأن يقول: وقفت على كل منهما، وإلا انتقل نصيب من مات للفقراء؛ لأن الوقف على كل مستقل، أو يقول: ثم من بعدهما إلى الفقراء، وإلا عاد نصيب من مات للباقي منهما، فإن لم يذكر مصرفا بعد من عينهما أو عينهم، فهل نصيب من مات منهم لمن بقي أو حكمه حكم نصيبهما إذا ماتا؟ فيه وجهان: أوجههما الأول. ٤ - من وقف على بطون فرد البطن الثاني فعلى تقدير صحة الرد يكون منقطع الوسط، وقد تقدم بيان لخلاف في مصرفه، وقيل: ينتقل إلى البطن الثالث؛ لأن المراد في حكم المعدوم. ٥ - من قال: تصدقت بداري -مثلا- صدقة محرمة ليصرف من غلتها كل شهر إلى فلان كذا، ففي صحة هذا الوقف وجهان، وعلى تقدير الصحة ففي مصرف الفاضل أوجه: الأول: أن يصرف لأقرب الناس إلى الواقف؛ لما تقدم، الثاني: يصرف للمساكين، الثالث: يكون ملكا للواقف. ٦ - إذا زاد ريع ما وقف على المسجد لمصالحه أو مطلقا وجب على

стр. 2671

ناظر الوقف ادخار ما زاد من الغلة ليعمر بها، وله شراء شيء بما زاد مما فيه زيادة غلته، وله الاتجار فيه لمصلحة المسجد، ولو زاد ريع ما وقف لعمارته لم يشتر منه شيء، وقدمت عمارة عقاره على عمارته وعلى المستحقين، وإن لم يشترط ذلك الواقف. ٧ - إذا انهدم مسجد أو تداعى وأمكن إعادته أو إصلاحه بنقضه في الحال وجب ذلك، وإلا وجب حفظ نقضه إن رجي عوده بعد، فإن تعذر عوده بني أو رمم به مسجد آخر، والأولى أن يكون قريبا منه قدر الإمكان، وإن تعذر ذلك جعل في مرفق آخر كمدرسة أو مساكن لطلبة العلم. وكذا الحكم في حصره وقناديله وغلته التي ليست لأرباب الوظائف فيه. أما ما كان من الغلة لأرباب وظائفه فهو لهم، كمدرس لم تحضر طلبته، ونقلوا في مسجد آخر مثلا في مثل وظائفهم، ولا يستحق الإمام ما جعل له من الغلة إلا إذا صلى في بقعة المسجد ولو منفردا إن أمكن، وإلا نقل أيضا في مثل عمله إلى مسجد آخر. والله الموفق.

стр. 2672

د- مذهب الحنابلة: ١ - قال ابن قدامة (١) : إذا ثبت هذا- أي: صحة المنقطع الانتهاء- فإنه ينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف، وبه قال الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: أنه ينصرف إلى المساكين، واختاره القاضي، والشريف أبو جعفر؛ لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف انصرفت

стр. 2673

إليهم، كما لو نذر صدقة مطلقة، وعن أحمد رواية ثالثة: أنه يجعل في بيت مال المسلمين؛ لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له. وقال أبو يوسف: يرجع إلى الواقف وإلى ورثته، إلا أن يقول: صدقة موقوفة، ينفق منها على فلان وعلى فلان، فإذا انقرض المسمى كانت للفقراء والمساكين؛ لأنه جعلها صدقة على مسمى، فلا تكون على غيره، ويفارق ما إذا قال: ينفق منها على فلان وفلان، فإنه جعل الصدقة مطلقة. ولنا: أنه أزال ملكه لله تعالى، فلم يجز أن يرجع إليه كما لو أعتق عبدا. والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف: أنهم أولى الناس بصدقته، بدليل قول النبي ﷺ : «صدقتك على غير رحمك صدقة، وصدقتك على رحمك صدقة وصلة» ، وقال: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١) » ، ولأن فيه إغناءهم وصلة أرحامهم؛ لأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات، كذلك صدقته المنقولة. إذا ثبت هذا فإنه في ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد: يكون للفقراء منهم والأغنياء؛ لأن الوقف لا يختص الفقراء، ولو وقف على أولاده تناول الفقراء والأغنياء، كذا هاهنا. وفيه وجه آخر: أنه يختص الفقراء منهم؛ لأنهم أهل الصدقات دون الأغنياء، ولأننا خصصناهم بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة، وأولى الناس بالصدقة الفقراء دون الأغنياء. واختلفت الرواية في من يستحق الوقف من أقرباء الواقف، ففي إحدى الروايتين: يرجع إلى الورثة منهم؛ لأنهم الذين صرف الله تعالى إليهم ماله بعد موته واستغنائه عنه، فكذلك يصرف إليهم من صدقته ما لم يذكر له

стр. 2674

مصرفا. ولأن النبي ﷺ قال: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١) » . فعلى هذا يكون بينهم على حسب ميراثهم، ويكون وقفا عليهم، نص عليه أحمد، وذكره القاضي؛ لأن الوقف يقتضي التأبيد وإنما صرفناه إلى هؤلاء؛ لأنهم أحق الناس بصدقته، فصرف إليهم مع بقائه صدقة. ويحتمل كلام الخرقي أنه يصرف إليهم على سبيل الإرث، ويبطل الوقف فيه. فعلى هذا يكون كقول أبي يوسف. والرواية الثانية: يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف، دون بقية الورثة من أصحاب الفروض، ودون البعيد من العصبات، فيقدم الأقرب فالأقرب على حسب استحقاقهم لولاء الموالي، لأنهم خصوا بالعقل عنه، وبميراث مواليه، فخصوا بهذا أيضا، وهذا لا يقوى عندي، فإن استحقاقهم لهذا دون غيرهم من الناس لا يكون إلا بدليل من نص أو إجماع أو قياس، ولا نعلم فيه نصا، ولا إجماعا، ولا يصح قياسه على ميراث ولاء الموالي؛ لأن غلته لا تتحقق هاهنا. وأقرب الأقوال فيه: صرفه إلى المساكين؛ لأنهم مصارف مال الله تعالى وحقوقه، فإن كان في أقارب الواقف مساكين كانوا أولى به، لا على سبيل الوجوب، كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم، ولأننا إذا صرفناه إلى أقاربه على سبيل التعيين، فهي أيضا جهة منقطعة، فلا يتحقق اتصاله إلا بصرفه إلى المساكين. وقال الشافعي: يكون وقفا على أقرب الناس إلى الواقف، الذكر والأنثى فيه سواء.

стр. 2675

٢ - وقال ابن قدامة أيضا (١) : فصل: فإن لم يكن للواقف أقارب، أو كان له أقارب فانقرضوا صرف إلى الفقراء والمساكين وقفا عليهم؛ لأن القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام، وإنما قدمنا الأقارب على المساكين لكونهم أولى، فإذا لم يكونوا فالمساكين أهل لذلك، فصرف إليهم إلا على قول من قال: إنه يصرف إلى ورثة الواقف ملكا لهم فإنه يصرف عند عدمهم إلى بيت المال؛ لأنه بطل الوقف فيه بانقطاعه، وصار ميراثا لا وارث له، فكان بيت المال به أولى. ٣ - وقال أيضا (٢) : فصل: فإن قال: وقفت هذا، وسكت، أو قال: صدقة موقوفة، ولم يذكر سبيله، فلا نص فيه. وقال ابن حامد: يصح الوقف. قال القاضي: هو قياس قول أحمد، فإنه قال في النذر المطلق: ينعقد موجبا لكفارة يمين. وهذا قول مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فوجب أن يصح مطلقه؛ كالأضحية والوصية، ولو قال: وصيت بثلث مالي صح، وإذا صح صرف إلى مصارف الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليه. ٤ - وقال أيضا (٣) : وإن وقف على من يجوز الوقف عليه، ثم على من لا يجوز الوقف عليه، مثل: أن يقف على أولاده ثم على البيع، صح الوقف أيضا، ويرجع بعد انقراض من جاز الوقف عليه إلى من يصرف إليه

стр. 2676

الوقف المنقطع؛ لأن ذكره لمن لا يجوز الوقف عليه وعدمه واحد، ويحتمل أن لا يصح الوقف؛ لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز فأشبه تفريق الصفقة. ٥ - وقال أيضا (١) : فصل: وإن كان الوقف منقطع الابتداء، مثل أن يقفه على من لا يجوز الوقف عليه كنفسه، أو أم ولده، أو عبده، أو كنيسة، أو مجهول، فإن لم يذكر له مآلا يجوز الوقف عليه فالوقف باطل، وكذلك إن جعل مآله مما لا يجوز الوقف عليه؛ لأنه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل، كما لو وقف ما لا يجوز وقفه، وإن جعل له مآلا يجوز الوقف عليه، مثل: أن يقفه على عبده، ثم على المساكين ففي صحته وجهان، بناء على تفريق الصفقة، وللشافعي فيه قولان، كالوجهين، فإذا قلنا: يصح، وهو قول القاضي، وكان من لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه؛ كالميت والمجهول والكنائس- صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه؛ لأننا لما صححنا الوقف مع ذكر ما لا يجوز الوقف عليه فقد ألغيناه؛ فإنه يتعذر التصحيح مع اعتباره. وإن كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه، كأم ولده، وعبد معين، ففيه وجهان: أحدهما: أنه ينصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه، كالتي قبلها، ذكره أبو الخطاب. والثاني: أنه ينصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع، إلى أن

стр. 2677

ينقرض من لا يجوز الوقف عليه، فإذا انقرض صرف إلى من يجوز. وهذا الوجه الذي ذكره القاضي، وابن عقيل؛ لأن الواقف إنما جعله وقفا على من يجوز بشرط انقراض هذا، فلا يثبت بدونه، وفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه، فإنه تعذر اعتباره، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. اهـ. ٦ - وقال (١) أيضا: فصل: وإن كان الوقف صحيح الطرفين، منقطع الوسط، مثل: أن يقف على ولده ثم على عبيده ثم على المساكين خرج في صحة الوقف وجهان، كمنقطع الانتهاء، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه، فإن لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة، وإن أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على وجهين، كما تقدم، وإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط، كرجل وقف على عبيده، ثم على أولاده، ثم على الكنيسة خرج في صحته أيضا وجهان، ومصرفه بعد من يجوز إلى مصرف الوقف المنقطع. اهـ. ٧ - وذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين (٢) قوله: وأما الوقف الذي لم يذكر له مصرف إذا انقرض الموقوف عليهم فمشهور المذهب أنه يكون لورثة الواقف وقفا عليهم نسبا بقدر إرثهم، ويقع الحجب بينهم، فللبنت مع الابن الثلث والباقي له، وإن كان الوارث أخا شقيقا وأخا لأب انفرد به الشقيق.

стр. 2678

وقال ابن أبي موسى: يكون ملكا للورثة، قال الشيخ تقي الدين: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد، وقال الشافعي: يكون وقفا على أقرب الناس للواقف، الذكر والأنثى فيه سواء، واختار الموفق: أنه يصرف إلى المساكين، وهو رواية عن أحمد، فإن كان في أقارب الواقف فقراء فهم أحق به من غيرهم لا على سبيل الوجوب. اهـ. ٨ - قال ابن قدامة (١) : فصل: ولا يشترط القبول إلا أن يكون على آدمي معين، ففيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك، فإن لم يقبله أو رده بطل في حقه دون من بعده، وكان كما لو وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز، يصرف في الحال إلى من بعده، وفيه وجه آخر: أنه إن كان من لا يجوز يعرف انقراضه، كرجل معين، صرف إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض، ثم يصرف إلى من بعده، وإن وقف على جهة تنقطع، ولم يذكر له مآلا، وكذا على من يجوز ثم على من لا يجوز، أو قال: وقفت، وسكت، انصرف بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف وقفا عليهم في إحدى الروايتين، والأخرى إلى أقرب عصبته، وهل يختص به فقراؤهم؟ على وجهين: وقال القاضي في موضع: يكون وقفا على المساكين. وإن قال: وقفته سنة لم يصح. ويحتمل أن يصح، ويصرف بعدها مصرف المنقطع. ٩ - وفي حاشية المقنع (٢) قوله: (وكان كما لو وقف على من لا

стр. 2679

يجوز. . .) إلخ هذا الوقف المنقطع الابتداء، وهو صحيح على الصحيح من المذهب؛ لأن الواقف قصد صيرورة الوقف إليه في الجملة، ولا حالة يمكن انتظارها، فوجب الصرف إليه لئلا يفوت غرض الواقف، ولئلا تبطل فائدة الصحة. ١٠ - وفيها أيضا (١) قوله: (وإن وقف على جهة تنقطع) وجملة ذلك ... وإن كان غير معلوم الانتهاء، وهي مسألة الكتاب، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين ولا لجهة غير منقطعة، فالمذهب: الصحة، وبه قال مالك، وأبو يوسف، والشافعي في أحد قولين؛ لأنه معلوم المصرف فصح، كما لو صرح بمصرفه؛ إذ المطلق يحمل على العرف، كنقد البلد، وحينئذ يصرف إلى ورثة الواقف وقفا عليهم، وهذا المذهب؛ لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس به؛ لقوله ﵊: «صدقتك على غير ذي رحمك صدقة، وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة» ، ولقوله ﵊: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (٢) » ، ولأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل، فعليها يقسم على قدر إرثهم، جزم به في [الفروع] وغيره، قال القاضي: فللبنت مع الابن الثلث، وله الباقي، وللأخ من الأم مع الأخ للأب السدس، وله ما بقي، وإن كان أخ وجد قاسمه، وإن كان أخ وعم انفرد به الأخ، وإن كان عم وابن عم انفرد به العم.

стр. 2680

وقال الحارثي: وهذا تخصيص بمن يرث من الأقارب في حال دون حال، وتفضيل لبعض على بعض، ولو وقف على أقاربه لما قالوا فيه بهذا. التخصيص والتفضيل، وكذا لو وقف على أولاده أو أولاد زيد لا يفضل فيه الذكر على الأنثى، وقد قالوا هنا: إنما ينتقل إلى الأقارب وقفا. انتهى. فظاهر كلامه أنه مال إلى عدم المفاضلة وما هو ببعيد، قاله صاحب [الإنصاف] ، قال في [الفائق] : وعنه في أقاربه ذكرهم وأنثاهم بالسوية، ويختص به الوارث. انتهى. ١١ - ومنها أيضا (١) قوله: (وكذا إذا وقف على من يجوز) الوقف عليه كأولاده (ثم على من لا يجوز، أو وقفه وسكت) فإنه يصرف إلى ورثة الواقف نسبا حين الانقراض. ١٢ - وفيها أيضا (٢) فائدتان: إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها في حياة الواقف، بأن وقف على أولاده، أو أولاد زيد فقط فانقرضوا في حياته رجع الوقف إلى الواقف وقفا عليه، ولو وقف على أولاده وأنسالهم، على أنه من توفي منهم من غير ولد رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه، فتوفي أحد أولاد الواقف من غير ولد، والأب الواقف حي فهل يعود نصيبه إليه؛ لكونه أقرب الناس إليه أم لا؟ تخرج على ما قبلها. والتي قبلها هي ما ذكرها بقوله: قوله: (وكذا إذا وقف على من يجوز الوقف عليه كأولاده، ثم على من لا يجوز، أو وقفه وسكت؛ فإنه يصرف إلى ورثة الواقف نسبا حين

стр. 2681

الانقراض) . ١٣ - ومنها أيضا (١) : الثانية: للوقف صفات: إحداهما: متصل الابتداء والوسط والانتهاء. الثانية: منقطع الابتداء متصل الانتهاء. الثالثة: متصل الابتداء منقطع الانتهاء، عكس الذي قبله. الرابعة: متصل الابتداء والانتهاء منقطع الوسط. الخامسة: عكس الذي قبله: منقطع الطرفين صحيح الوسط، وأمثلتها واضحة، وكلها صحيحة على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. السادسة: منقطع الأول والوسط والآخر، مثل: أن يقف على من لا يصح الوقف عليه ويسكت، أو يذكر ما لا يصح الوقف عليه أيضا، فهذا باطل بلا نزاع بين الأصحاب، فالصفة الأولى: هي الأصل في كلام المصنف وغيره، والصفة الثانية: تؤخذ من كلام المصنف حيث قال: وكان كما لو وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز. والصفة الثالثة: تؤخذ من كلامه أيضا حيث قال: وإن وقف على جهة تنقطع ولم يذكر له مآلا، أو على من يجوز ثم على من لا يجوز، والرابعة والخامسة لم يذكرهما المصنف، لكن الحكم واحد. ١٤ - ومنها أيضا (٢) : قوله: (والأخرى إلى أقرب عصبته) أي: لأنهم أقاربه وأولى الناس ببره؛ لقوله ﵊: «ابدأ بمن تعول،

стр. 2682

أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك (١) » رواه النسائي، فعلى الروايتين يكون وقفا على الصحيح من المذهب؛ لأن الملك زال بالوقف فلا يعود ملكا، نص عليه، وعنه يكون ملكا، قال في [الفائق] : وقيل: يكون ملكا، اختاره الخرقي، قال في [المغني] : ويحتمله كلام الخرقي، قال في [الفائق] : وقال ابن أبي موسى: إن رجع إلى الورثة كان ملكا بخلاف العصبة، قال الشيخ تقي الدين: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد، قال في الشرح: وقال شيخنا: ولا يقوى عندي رجوعه إليهم، فإن استحقاقهم لهذا دون غيرهم من الناس لا يكون إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا نعلم فيه نصا ولا إجماعا. ولا يصح قياسه على ميراث، ولا الوالي؛ لأن علته لا تحقق هاهنا، وأقرب الأقوال فيه صرفه إلى المساكين، وهو رواية ثالثة عن أحمد، واختارها جماعة من الأصحاب؛ لأنهم مصارف مال الله تعالى وحقوقه، فإن كان في أقارب الواقف مساكين كانوا أولى به لا على سبيل الوجوب، كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم، فإن لم يكن للواقف أقارب، أو كان له أقارب فانقرضوا صرف إلى الفقراء والمساكين وقفا عليهم؛ لأن القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام، وهذا الصحيح من المذهب. اهـ. ١٥ - وقال في المقنع (٢) : وإذا وقف على ثلاثة ثم على المساكين فمن مات منهم رجع نصيبه إلى الآخرين.

стр. 2683

قال في الحاشية (١) قوله: (وإن وقف على ثلاثة. .) إلخ أي: كزيد وعمرو وبكر، وهذا المذهب وعليه الأصحاب، لأنه الموقوف عليه أولا، وعوده إلى المساكين مشروط بانقراضهم، إذ استحقاق المساكين مرتب بثم، ولو وقف على ثلاثة ولم يذكر له مآلا، فمن مات منهم فحكم نصيبه حكم المنقطع، كما لو ماتوا جميعا. قاله الحارثي، قال: وعلى ما في الكتاب -أي: المقنع- يصرف إلى من بقي، وقطع به في القواعد، قال في [المبدع] : وهو أظهر، قال في [التنقيح] : وهو أقوى، وجزم به في [المنتهى] ، وإن قال: وقفته على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على الفقراء، فالصحيح من المذهب: أن هذا ترتيب جملة على مثلها لا يستحق البطن الثاني شيئا قبل انقراض الأول، وقيل: ترتيب أفراد، فيستحق الولد نصيب أبيه بعد موته، فهو من ترتيب الأفراد بين كل شخص وأبيه، اختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب [الفائق] . قال الشيخ تقي الدين: فعلى هذا الأظهر استحقاق الولد، وإن لم يستحق أبوه شيئا، وقال أيضا - في من وقف على ولديه نصفين ثم أولادهما وأولاد أولادهما، وعقبهما بعدهما بطنا بعد بطن -: أنه ينتقل نصيب كل واحد إلى ولده، ثم ولد ولده، وقال: من ظن أن الوقف كالإرث، فإن لم يكن أبوه أخذ شيئا لم يأخذ هو، فلم يقله أحد من الأئمة، ولم يدر ما يقول؛ ولهذا لو انتفت الشروط في الطبقة الأولى أو بعضهم لم تحرم الثانية مع وجود الشروط فيهم إجماعا ولا فرق. اهـ.

стр. 2684

١٦ - قال ابن قدامة (١) : فصل: وما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه جاز أن يجعل في مسجد آخر، أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم، وكذلك إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه. قال أحمد في مسجد بني فبقي من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه - قال: يعان به في مسجد آخر، أو كما قال. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد (٢) إذا فضل منه الشيء أو الخشبة، قال: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت تصدق بها، وقال في موضع آخر: قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة. وروى الخلال بإسناده عن علقمة، عن أمه، أن شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة ﵂ فقال: (يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها، فنحفر لها آبارا فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب) قالت عائشة: (بئس ما صنعت، ولم تصب، إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب، ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين) فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة، وهذه قصة مثلها ينتشر، ولم ينكر فكان إجماعا؛ ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف، فصرف إلى المساكين، كالوقف المنقطع. ١٧ - وقال ابن قدامة أيضا (٣) : وما فضل من حصره وزيته جاز صرفه

стр. 2685

إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين. قال في الحاشية (١) : قوله: (وما فضل من حصره. .إلخ) وعبارة الوجيز (وما فضل عن حاجته) وهي أولى، جاز صرفه إلى مسجد آخر، وقال أحمد ﵀: لأنه انتفاع في جنس ما وقف له والصدقة به على فقراء المسلمين، ونص عليه، وهذا المذهب، وعنه: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، وقال: يجوز أيضا صرفه في سائر المصالح. ١٨ - وقال ابن قدامة (٢) : وإن عين رجلا أن يحج فأبى أن يحج بطل التعيين، ويحج عنه بأقل ما يمكن إنسان ثقة سواه ويصرف الباقي إلى الورثة. ١٩ - قال في [الإقناع] وشرحه (٣) : (وما فضل عن حاجة المسجد من حصره وزيته ومغله وأنقاضه وآلته وثمنها) إذا بيعت (جاز صرفه إلى مسجد آخر محتاج) إليه؛ لأنه صرف في نوع المعين (و) جازت (الصدقة بها) أي: بالمذكورات (على فقراء المسلمين) ؛ لأنه في معنى المنقطع، قال الحارثي: وإنما لم يرصد؛ لما فيه من التعطل فيخالف المقصود، ولو توقعت الحاجة في زمن آخر ولا ريع يسد مسدها لم يصرف في غيرها؛ لأن الأصل الصرف في الجهة المعينة، وإنما سومح بغيرها حيث لا حاجة، حذرا من التعطل، وخص أبو الخطاب والمجد الفقراء بفقراء جيرانه لاختصاصهم بمزيد ملازمته، والعناية بمصلحته. قال الحارثي: والأول

стр. 2686

أشبه (قال الشيخ) يجوز صرف الفاضل في مثله (وفي سائر المصالح و) في (بناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته وفضل غلة موقوف على معين استحقاقه مقدر) من الوقف (يتعين إرصاده. ذكره) القاضي محمد (أبو الحسين واقتصر عليه الحارثي) قال: وأما فضل غلة الموقوف على معين أو معينين، أو طائفة معينة فتعين إرصاده. ذكره القاضي أبو الحسين في فضل غلة الموقوف على نفقة إنسان، وإنما يتأتى إذا كان الصرف مقدرا، أما عند عدم التقدير فلا فضل إذ الغلة مستغرقة. اهـ. وقال في [المنتهى] وشرحه (١) : (وفضل غلة موقوف على معين) كزيد أو ولده (استحقاقه مقدر) بأن قال: يعطى من ريعه كل شهر عشرة دراهم مثلا وريعه أكثر (يتعين إرصاده) أي: الفضل؛ لأنه ربما احتيج إليه بعد. اهـ. ٢٠ - وسئل شيخ الإسلام ﵀ السؤال (٢) : رجل وقف وقفا على مسجد، وأكفان الموتى، وشرط فيه الأرشد فالأرشد من ورثته، ثم للحاكم، وشرط لإمام المسجد ستة دراهم، والمؤذن والقيم بالتربة ستة دراهم، وشرط لهما دارين لسكناهما، ثم إن ريع الوقف زاد خمسة أمثاله، بحيث لا يحتاج الأكفان إلى زيادة، فجعل لهما الحاكم كل شهر ثلاثين درهما، ثم اطلع بعد ذلك على شرط الواقف فتوقف أن يصرف عليهم ما زاد على شرط الواقف، فهل يجوز له ذلك؟ وهل يجوز لهما تناوله؟

стр. 2687

فأجاب: نعم، يجوز أن يعطى الإمام والمؤذن من مثل هذا الوقف الفائض رزق مثلهما، وإن كان زائدا على ثلثين، بل إذا كانا فقيرين، وليس لما زاد مصرف معروف جاز أن يصرف إليهما منه تمام كفايتهما. وذلك لوجهين: أحدهما: أن تقدير الواقف دراهم مقدرة في وقف مقدار ريع قد يراد به النسبة، مثل أن يشرط له عشرة، والمغل مائة، ويراد به العشر، فإن كان هناك قرينة تدل على إرادة هذا عمل به. ومن المعلوم في العرف أن الوقف إذا كان مغله مائة درهم، وشرط له ستة، ثم صار خمسمائة، فإن العادة في مثل هذا أن يشرط له أضعاف ذلك، مثل خمسة أمثاله، ولم تجر عادة من شرط ستة من مائة أن يشترط ستة من خمسمائة، فجعل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم. الثاني: أن الواقف لو لم يشترط هذا فزائد الوقف يصرف في المصالح التي هي نظير مصالحه، وما يشبهها، مثل صرفه في مساجد أخر، وفي فقراء الجيران، ونحو ذلك؛ لأن الأمر دائر بين أن يصرف في مثل ذلك، أو يرصد لما يحدث من عمارة، ونحوه، ورصده دائما مع زيادة الريع لا فائدة فيه، بل فيه مضرة، وهو حبسه لمن يتولى عليهم من الظالمين المباشرين والمتولين الذين يأخذونه بغير حق. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه حض الناس على مكاتب يجمعون له، ففضلت فضلة؛ فأمر بصرفها في المكاتبين والسبب فيه: أنه إذا تعذر المعين، صار الصرف إلى نوعه؛ ولهذا كان الصحيح في الوقف هو هذا القول، وأن يتصدق بما فضل من كسوته، كما كان عمر بن الخطاب

стр. 2688

يتصدق كل عام بكسوة الكعبة يقسمها بين الحجاج. وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن صرف الفاضل إلى إمامه ومؤذنه مع الاستحقاق أولى من الصرف إلى غيرهما، وتقدير الواقف لا يمنع استحقاق الزيادة بسبب آخر كما لا يمنع استحقاق غير مسجده. وإذا كان كذلك وقدر الأكفان التي هي المصروفة ببعض الريع صرف ما يفضل إلى الإمام والمؤذن ما ذكر. اهـ. ٢١ - وقال أيضا (١) : وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره أو مصلحة المسلمين من أهل ناحيته، ولم يحبس المال بلا فائدة. وقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم كسوة الكعبة بين الحجيج، ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ونحوها، وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقا. ٢٢ - وسئل عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغني عنه (٢) . فأجاب: يصرف في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر؛ لأن الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب ولم ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر، فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه، ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف، وقد روى أحمد عن علي ﵁ أنه

стр. 2689

حض الناس على إعطاء مكاتب ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين. ٢٣ - وقال أيضا (١) جوابا عن وقف على تكفين الموتى يفيض كل سنة على الشرط، هل يتصدق به؟ وهل يعطى منه أقارب الواقف الفقراء؟ قال: إذا فاض الوقف عن الأكفان صرف الفاضل في مصالح المسلمين، وإذا كان أقاربه محاويج فهم أحق من غيرهم. ٢٤ - وقال أيضا (٢) : وأما ما فضل من الريع عن المصارف المشروطة ومصارف المساجد فيصرف في جنس ذلك، مثل عمارة مسجد آخر، ومصالحها، أو إلى جنس المصالح، ولا يحبس المال أبدا لغير علة محدودة، لا سيما في مساجد قد علم أن ريعها يفضل عن كفايتها دائما، فإن حبس مثل هذا المال من الفساد ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣)) . ٢٥ - وقال أيضا (٤) : وأما الفاضل عن مصلحة المسجد فيجوز صرفه في مسجد آخر، وفي المستحقين للصدقة من أقارب الواقف وجيران المسجد. ٢٦ - قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (٥) : وأجاب الشيخ عبد الله أبابطين الذي وقف على عمارة مواعين سبل، وذكر أن المواعين ما تحتمل غلة ذلك الوقف، فالذي أرى أن يصرف فيما يناسب ذلك، مثل: أن

стр. 2690

يشترى به قدر ونحوه من نظيره من الوجه المذكور، فإن كان ذلك وصية لا وقفا فيعمر منها الماعون وما فضل للورثة. اهـ. مما تقدم من النقول يتلخص ما يأتي: ١ - اختلف في الوقف المنقطع ابتداؤه أو وسطه أو نهايته. فقيل: لا يصح، لأن القصد بالوقف التأبيد ودوام الإحسان والثواب، وعليه يرجع إلى الواقف أو ورثته ملكا، وقيل: يصح المنقطع بأنواعه الثلاثة، وعليه فمنقطع الانتهاء يصرف بعد انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف وقفا عليهم أو ملكا لهم؛ لأنهم أولى الناس بإحسانه وصلته للآثار الواردة في ذلك، وهل يرجع إلى أقرب عصبته، لأنهم خصوا بالعقل عنه وبميراث مواليه أو إلى ورثته، لأنهم أحق بماله بعد وفاته فكانوا أحق بصلاته في حياته، خلاف، وهل يختص به فقراؤهم؛ لأنهم مصارف الإحسان والتبرعات، أو يشترك معهم أغنياؤهم لصلاحية الوقف عليهم كالفقراء، خلاف، وهل يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم أو تقسم غلته بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، خلاف. وفي رواية ثانية عن الإمام أحمد أنه يرجع بعد انقراض الموقوف عليهم للمساكين؛ لأنهم مصرف الصدقات، وحقوق الله تعالى التي لم يعين لها مصرف. وفي رواية ثالثة عنه: أنه يوضع في بيت المال؛ لأنه لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له، واختار ابن قدامة صرفه للمساكين، فإن كان في أقارب الواقف فقراء فهم أولى به لا على سبيل الوجوب، ولا يرجع هذا الوقف بحال إلى الواقف، لأنه أزاله عن ملكه لله تعالى كالإعتاق. وأما منقطع الابتداء فإن لم يذكر له مآلا، أو ذكر مآلا لا يجوز الوقف

стр. 2691

عليه كان باطلا، وإن ذكر مآلا لا يجوز الوقف عليه ففي صحته وجهان، بناء على تفريق الصفقة، وعلى تقدير صحته يصرف إلى من بعد الانقطاع إن كان الموقوف عليه مما لا يمكن اعتبار انقراضه، كالميت والمجهول والكنائس؛ لأن الموقوف عليه لغو؛ لتعذر التصحيح مع اعتباره، وإن كان الموقوف عليه يمكن اعتبار انقراضه كعبده ففي مصرفه وجهان: الأول: يصرف إلى من بعده في الحال. الثاني: يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع الآخر إلى أن ينقرض من وقف عليه وقفا غير جائز ثم ينتقل لمن بعده؛ لأن شرط الانتقال -وهو الانقراض- لم يوجد. وإن كان منقطع الوسط ففي صحة الوقف وجهان، كمنقطع الانتهاء، وعلى تقدير الصحة فإن لم يمكن اعتبار انقراض الوسط الموقوف عليه كالمجهول ألغي وانتقل إلى ما بعده، وإن أمكن اعتبار إلغائه، كالوقف على معين ثم أم ولده ثم المساكين ففيه الوجهان السابقان في منقطع الابتداء. ٢ - إذا قال: وقفت، وسكت فلم يبين مصرفا فلا نص فيه، وقياس قول أحمد: أنه يصح قياسا على الصدقة والهدي والضحية والوصية، والنذر، ولأنه أزاله الواقف عن ملكه لله تعالى على وجه القربة فوجب أن يصح، وعليه فمصرفه مصرف الوقف المنقطع الآخر بعد انقراض الموقوف عليهم، ومشهور المذهب: أنه يكون لورثة الواقف وقفا عليهم تصرف غلته إليهم نسبا بقدر إرثهم، ويقع فيها الحجب كالإرث. ومال الحارثي إلى عدم المفاضلة، وقيل: يرجع إلى الورثة ملكا، قال الشيخ تقي الدين: وهذا أصح وأشبه بقول أحمد، واختار الموفق صرفه إلى

стр. 2692

المساكين، وهو رواية عن أحمد، فإن كان في أقارب الواقف فقراء فهم أحق به لا على سبيل الوجوب. ٣ - لا يشترط لصحة الوقف قبول الموقوف عليه إلا إن كان آدميا معينا ففيه وجهان: أحدهما: لا يشترط فيصرف إليه، والثاني: يشترط فإن قبل صرف إليه، وإن لم يقبل أو رد بطل في حقه دون من بعده وصرف إلى من بعده في الحال، أو يصرف مصرف الوقف المنقطع الابتداء أو الوسط. ٤ - إذا قال: وقفت داري سنة مثلا لم يصح؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد، ويحتمل أن يصح ويصرف بعدها مصرف المنقطع. ٥ - إن وقف على زيد وعمرو وبكر مثلا، ثم على المساكين، فمات أحدهم عاد نصيبه إلى الآخرين؛ لأن مصرفه إليهم أولا، وصرفه للمساكين مرتب بثم، فلا ينقل إليهم منه شيء إلا بعد انقراضهم، ولو عين الموقوف عليهم ولم يذكر مآلا فمصرفه مصرف المنقطع الآخر، وقيل: يرجع لمن بقي منهم، قال في المبدع: وهو أظهر، قال في التنقيح: وهو أقوى. ٦ - لو قال: وقفت على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على الفقراء. فهل هو ترتيب جملة أو ترتيب إفراد؟ الصحيح من المذهب، الأول، واختار الثاني ابن تيمية، وصاحب الفائق، وعلى الأول: لا يستحق البطن الثاني شيئا إلا بعد انقراض البطن الأول كله، وعلى الثاني: يستحق الولد نصيب أبيه بعد موته، بل يستحق ذلك ولو حرم منه أبوه، وكذلك الحكم لو وقف على أولاده بطنا بعد بطن. ٧ - ما فضل عن حاجة المسجد من حصره ونقضه وآلته وزيته وخشبه

стр. 2693

وعن ثمنها إن بيعت جاز صرفه إلى مسجد آخر دون التصدق به على الفقراء أو إنفاقه في المصالح العامة، واختاره الشيخ تقي الدين؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وقف عليه، وقيل: يجوز ذلك، ويجوز التصدق به، وصرفه في المصالح العامة، وهل يؤثر بذلك جيرانه الفقراء لمزيد اختصاصهم به أو يعم؟ خلاف. واستدل لذلك: بأن عمر كان يقسم كسوة الكعبة كل عام بين الحجاج، وبأن عليا حض الناس على جمع مال إعانة لمكاتب ففضلت فضلة فأمر بصرفها في المكاتبين، وكل هذا ما لم تتوقع حاجة المسجد إلى الفاضل من وقفه، وإلا رصد له؛ لأن الأصل الصرف في الجهة المعينة. وأما فضل غلة موقوف على معين، أو معينين مع تقدير استحقاق المعين، مثل أن يقال: يعطى من ريعه كل شهر عشرة دراهم مثلا، فيتعين إرصاد الفضل؛ لأنه ربما احتيج إليه بعد، وإن كان الاستحقاق غير معين فلا فضل؛ لأن الغلة مستغرقة. ٨ - إذا عين الواقف لكل من إمام المسجد ومؤذنه والقيم عليه مقدارا من غلة الوقف فزادت الغلة أضعافا مضاعفة جاز أن يعطى كل من أولئك زيادة على ما عين بقدر نسبة الزيادة في الريع؛ لجواز أن يكون الواقف أراد بما عينه لكل منهم نسبة من الريع وقت الوقف، وجاز أن يعطى كل منهم قدر كفايته من فائض الريع الذي لا تتوقع الحاجة إليه بعد لإفراد الزيادة؛ لأن فائض الوقف يصرف في جنس ما وقف عليه، أو يتصدق به على الفقراء، وصرفه في ذلك خير من حبسه وتعطيله. وجملة القول: أن ما حكم فيه من الأوقاف بالبطلان لفقد شرط من

стр. 2694

شروطها عاد للواقف إن كان حيا، ولورثته إن كان ميتا، وما خرج منها مخرج العمرى من أجل صيغته، كما في بعض النقول عن المالكية فيما سبق فمرجعه بعد انتهاء أمد العمرى إلى المعمر، أو ورثته إن كان ميتا عند مالك ﵁، وما حكم بصحته من الأوقاف فمرجع غلته زمن الانقطاع، أو بعد الانقراض، ومرجع فاضل غلته من المسائل الاجتهادية التي للنظر فيها مجال؛ لعدم ورود نص صريح فيها عن المعصوم ﷺ ؛ فلذا اختلف الفقهاء في مرجع ذلك، ولكل وجهته. والله الموفق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2695

(٣) الرهن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2696

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرهن إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابقة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في شعبان عام ١٣٩٥ هـ بالمحضر رقم٩ وتاريخ ١١\٨\١٣٩٥هـ من إدراج اشتراط قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مشتملا على العناصر الآتية: ١ - تعريف الرهن لغة واصطلاحا والمناسبة بين المعنيين. ٢ - حكم الرهن مع الأدلة والمناقشة. ٣ - حكمته. ٤ - الخلاف في اشتراط استدامة قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه مع الأدلة والمناقشة. ٥ - الخلاف في اشتراط استدامة القبض وعدم اشتراطها مع الأدلة والمناقشة. ٦ - ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة.

стр. 2697

٧ - حكم الرهن بعد القبض مع الأدلة والمناقشة. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

стр. 2698

أولا: تعريف الرهن لغة وشرعا والمناسبة بين المعنيين: أ- تعريفه لغة: ١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (الرهن) : (الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهنا ولا يقال: أرهنت، والشيء الراهن الثابت الدائم ورهن لك الشيء أقام، وأرهنته لك أقمته، وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: غاليت فيها وهو من الغلاء خاصة قال: عبدية أرهنت فيها الدنانير : وعبارة أبي عبيد في هذا شاذة، لكن ابن السكيت وغيره قالوا: أرهنت أسلفت وهذا هو الصحيح. قالوا كلهم: أرهنت ولدي إرهانا أخطرتهم، فأما تسميتهم المهزول من الناس والإبل راهنا فهو من الباب؛ لأنهم جعلوه كأنه من هزاله يثبت مكانه لا يتحرك، قال: أما تري جسمي خلا قد رهن ... هزلا وما مجد الرجال في السمن يقال: منه رهن رهونا (١) . ٢ - قال محمد بن يعقوب الفيروزآبادي في مادة (رهن) : الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، والجمع: رهان ورهون ورهن ورهين. رهنه الشيء ورهن عنده وأرهنه جعله رهنا، وارتهن منه: أخذه

стр. 2699

رهنا. ورهنته لساني، ولا تقل أرهنته، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه. والرهان والمراهنة: المخاطرة والمسابقة على الخيل. وقرئ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) (ورهن) وقيل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) أنها بمعنى الفاعل، أي: ثابتة مقيمة، وقيل: بمعنى المفعول، أي: كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله، ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٣) . ٣ - وقال محمد بن مكرم المعروف بابن منظور بعد كلام يتفق مع ما سبق قال: وفي الحديث «كل غلام رهينة بعقيقته (٤) » الرهينة: الرهن والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم ثم استعملا في معنى المرهون قيل: هو رهن بكذا ورهينة بكذا، ومعنى قوله: «رهينة بعقيقته (٥) » : أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. انتهى المقصود. وقال أيضا: قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس عليك.

стр. 2700

ب- تعريفه شرعا: ١ - تعريفه عند الحنفية: هو جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من
следующие страницы →