← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرهن إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابقة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في شعبان عام ١٣٩٥ هـ بالمحضر رقم٩ وتاريخ ١١\٨\١٣٩٥هـ من إدراج اشتراط قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مشتملا على العناصر الآتية: ١ - تعريف الرهن لغة واصطلاحا والمناسبة بين المعنيين. ٢ - حكم الرهن مع الأدلة والمناقشة. ٣ - حكمته. ٤ - الخلاف في اشتراط استدامة قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه مع الأدلة والمناقشة. ٥ - الخلاف في اشتراط استدامة القبض وعدم اشتراطها مع الأدلة والمناقشة. ٦ - ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة.

стр. 2697

٧ - حكم الرهن بعد القبض مع الأدلة والمناقشة. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

стр. 2698

أولا: تعريف الرهن لغة وشرعا والمناسبة بين المعنيين: أ- تعريفه لغة: ١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (الرهن) : (الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهنا ولا يقال: أرهنت، والشيء الراهن الثابت الدائم ورهن لك الشيء أقام، وأرهنته لك أقمته، وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: غاليت فيها وهو من الغلاء خاصة قال: عبدية أرهنت فيها الدنانير : وعبارة أبي عبيد في هذا شاذة، لكن ابن السكيت وغيره قالوا: أرهنت أسلفت وهذا هو الصحيح. قالوا كلهم: أرهنت ولدي إرهانا أخطرتهم، فأما تسميتهم المهزول من الناس والإبل راهنا فهو من الباب؛ لأنهم جعلوه كأنه من هزاله يثبت مكانه لا يتحرك، قال: أما تري جسمي خلا قد رهن ... هزلا وما مجد الرجال في السمن يقال: منه رهن رهونا (١) . ٢ - قال محمد بن يعقوب الفيروزآبادي في مادة (رهن) : الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، والجمع: رهان ورهون ورهن ورهين. رهنه الشيء ورهن عنده وأرهنه جعله رهنا، وارتهن منه: أخذه

стр. 2699

رهنا. ورهنته لساني، ولا تقل أرهنته، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه. والرهان والمراهنة: المخاطرة والمسابقة على الخيل. وقرئ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) (ورهن) وقيل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) أنها بمعنى الفاعل، أي: ثابتة مقيمة، وقيل: بمعنى المفعول، أي: كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله، ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٣) . ٣ - وقال محمد بن مكرم المعروف بابن منظور بعد كلام يتفق مع ما سبق قال: وفي الحديث «كل غلام رهينة بعقيقته (٤) » الرهينة: الرهن والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم ثم استعملا في معنى المرهون قيل: هو رهن بكذا ورهينة بكذا، ومعنى قوله: «رهينة بعقيقته (٥) » : أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. انتهى المقصود. وقال أيضا: قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس عليك.

стр. 2700

ب- تعريفه شرعا: ١ - تعريفه عند الحنفية: هو جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من

стр. 2701

الرهن كالديون. ونوقش: بأنه تعريف للرهن التام واللازم وإلا فعلى انعقاد الرهن لا يلزم الحبس، بل ذلك بالقبض، ورد: بأنه يتحقق بانعقاد الرهن معنى جعل الشيء محبوسا بحق إلا أن للعاقد الرجوع عنه ما لم يقبض المرتهن الرهن فقبل القبض يوجد معنى الحبس لا بلزومه فيصدق هذا التعريف على الرهن قبل تمامه ولزومه. ونوقش أيضا: بأن قوله: (كالدين) إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين؛ لأنه هو الحق الممكن استيفاؤه من الرهن لعدم تعينه. ورد: بأن الظاهر المتبادر من الكاف في قوله: (كالدين) أنه يجوز الرهن بغير الدين أيضا، وأن الكاف ليست للاستقصاء. فإن لم يكن في قوله كالدين إشارة إلى جواز الرهن بغير الدين أيضا فلا أقل من أن لا يكون فيه إشارة إلى انحصار ما يجوز الرهن به في الدين. ٢ - تعريفه عند المالكية: الرهن إعطاء امرئ وثيقة بحق. واعترض عليه بأنه غير مانع لدخول اليمين ليقضيه إلى أجل كذا ودفع الوثيقة المشهودة بالدين ونحو ذلك. وأجيب عن ذلك: بمنع قبول دخول شيء منها تحته؛ لأن لفظة إعطاء تقتضي حقيقة دفع شيء، ولفظ وثيقة يقتضي صحة رجوع ذلك

стр. 2702

الشيء لدافعه إذا استوفى ذلك، وذلك لا يصح في الحميل واليمين والأخذ والرد حقيقة، وأما الوثيقة بذكر الحق فهو وإن صح دفعها فلا يلزم ردها بعد استيفاء الحق. وأجيب عن ذلك: بأن لفظة إعطاء يقتضي دفع الشيء إلى آخذه، وإن أراد دفعه حسب المحسوس منع؛ لأنه يصح أن يقول: أعطاه عهد الله. والأصل الحقيقة، وإن أراد الأعم منه، ومن المعنى دخل ما وقع النقص به، وإن سلم كونه حسيا بطل بإخراج رهن الدين، وقوله: لفظة (وثيقة) تقتضي صحة رجوع ذلك الشيء إلى آخذه، المراد به: أنه لا يلزم من نفي لزوم ردها نفي صحته، واللازم عنده إنما هو الصحة. واعترض عليه أيضا: بأنه لا يتناول الرهن بحال؛ لأنه اسم والإعطاء مصدر وهما متباينان، أي: أن الرهن وإن كان في الأصل مصدرا، ولكن الأغلب في عرف الفقهاء إطلاقه على الشيء المرهون، فكان الأولى أن يقول: معطى أو ما أشبهه. وأجيب عن ذلك: بأن الرهن كما يطلق في عرف الفقهاء على الشيء المرهون، فكذلك أيضا يطلق على الرهن الذي هو المصدر، كما إذا قالوا: يصح الرهن ويبطل الرهن، ويصح رهن كذا ولا يصح رهن كذا، فاستعمال الرهن بمعنى: المصدر شائع في عرف الفقهاء؛ فلذلك عرف بالتعريف السابق.

стр. 2703

٣ - تعريفه عند الشافعية: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه. ٤ - تعريفه عند الحنابلة: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه (١) .

стр. 2704

ج - المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وأما المناسبة بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي فهي أن المعنى اللغوي في الثبات والدوام واللزوم والحبس، وهذا موجود في المعنى الاصطلاحي، وذلك أن المرهون محبوس عن التصرف فيه حتى يستوفي المرتهن حقه، والحبس في الثبات واللزوم، ولكن المعنى الشرعي قيد بقيود تجعله أخص من المعنى اللغوي، كما سبق في التعريف الشرعي.

стр. 2705

ثانيا: حكمه: اتفق أهل العلم على مشروعيته في السفر، واختلفوا في مشروعيته في الحضر، فنذكر الخلاف في ذلك مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: أنه مشروع في الحضر كالسفر، وهو مذهب: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:

стр. 2706

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) وجه الدلالة: أن الله تعالى لما ذكر الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال - عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب وجعل لها الرهن، ونص على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت؛ لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك المعنى: كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر؛ كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وأما السنة: فما ثبت في [الصحيحين] وغيرهما عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد (٢) » ، وعن أنس قال: «رهن رسول الله ﷺ درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله (٣) » رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه. وجه الدلالة: أنه ﷺ رهن في الحضر ولم يكتب. وأما المعنى: فإنه عقد وثيقة لجانب الاستيفاء، فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب وهي الكفالة. القول الثاني: أنه لا يصح في الحضر، قال القرطبي: ولم يرد عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، وقال ابن حزم: لا يجوز اشتراط الرهن إلا في البيع إلى أجل مسمى في السفر خاصة وفي السلم إلى أجل مسمى في السفر خاصة أو في القرض إلى أجل مسمى في السفر

стр. 2707

خاصة مع عدم الكاتب في كلا الوجهين. واستدلوا بالكتاب والسنة والاستصحاب: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١) إلى قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) وجه الدلالة: ذكر اشتراط السفر في الرهن في حال عدم وجود كاتب، فدل ذلك بمفهومه أنه لا يشرع في الحضر. ونوقش: بأنه لا مفهوم مخالفة للشرط؛ لأنه منزل على غالب الأحوال، والدليل عليه: أن الرسول ﷺ اشترى في الحضر ورهن ولم يكتب؛ وذلك لأن الكاتب إنما يعدم في السفر غالبا فأما في الحضر فلا يكون ذلك بحال، ومن القواعد المقررة للأخذ بدليل الخطاب أن من شروطه أن لا يجري على الغالب، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٣) الآية. وأما السنة: فما ثبت عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه (٤) » . وجه الدلالة: أن الحديث ليس فيه اشتراط الرهن، وهم لا يمنعون من الرهن بغير أن يشترط في العقد؛ لأنه تطوع من الراهن حينئذ بما لم ينه عنه حينئذ.

стр. 2708

ونوقش: بأنه جاء في حديث أبي رافع في بعثه النبي ﷺ إياه إلى اليهودي يسلفه طعاما لضيف نزل به، فأبى إلا برهن، فرهانه درعه. وأجيب عنه: بأنه خبر انفرد به موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، ضعفه ابن القطان وابن معين والبخاري وابن المديني، وقال أحمد بن حنبل: لا تحل الرواية عنه. وأما الاستصحاب: فهو أن الأصل عدم مشروعيته في الحضر، ولم يرد ما يخرج عن هذا الأصل، فيبقى عدم المشروعية على ما هو عليه. ويمكن أن يناقش: بأن الاستصحاب إنما يعمل به مع عدم الدليل المعارض له، وقد ورد ما يدل على رفعه، وهو ما سبق من الدليل الدال على أنه ﷺ رهن درعه في الحضر من يهودي في طعام أخذه لأهله، وما روى البخاري: أن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (١) » . إذا علم ما سبق من مشروعية الرهن في السفر، فهل ذلك على سبيل الوجوب في السفر والحضر معا أو أنه ليس بواجب فيهما، أو أنه واجب في السفر دون الحضر؟ وفيما يلي ما تيسر من أقوال أهل العلم في ذلك مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: أنه ليس بواجب لا في السفر ولا في الحضر، وممن قال بذلك: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، قال ابن قدامة: والرهن غير واجب لا نعلم فيه مخالفا. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)

стр. 2709

إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: قال الشافعي ﵀: فكان بينا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر الله تعالى الرهن إذا كانوا مسافرين ولم يجدوا كاتبا فكان معقولا - والله أعلم - فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطا لمالك الحق بالوثيقة والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر؛ لأنه فرض عليهم أن يكتبوا ولا أن يأخذوا رهنا لقول الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢) فكان معقولا أن الوثيقة في الحق في السفر والإعواز غير محرمة - والله أعلم - في الحضر وغير الإعواز، ولا بأس بالرهن في الحق الحال والدين في الحضر والسفر، وما قلت من هذا مما لا أعلم فيه خلافا. ونوقش: بأن الجملة خبرية ولكنها جارية مجرى الأمر فإن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) أي: فارهنوا واقبضوا؛ لأنه مصدر، أي: مفرده جعل جزاء للشرط بالفاء، فجرى مجرى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤) ، ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٥) وأجيب عن ذلك: بأن الأمر في الآية يراد به الإرشاد لا الإيجاب، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٦)

стр. 2710

وأما السنة: فما سبق من الأدلة الدالة على مشروعية الرهن في الحضر وليس فيها الأمر به فدل على أنه ليس بواجب. وأما المعنى: فإن الرهن وثيقة بالدين فلم يجب كالضمان والكتابة، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة فكذلك بدلها. القول الثاني: وجوب الرهن في السفر، وبه قال ابن حزم ومن وافقه واستدل لذلك بالكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) ويمكن أن يقال: إن وجه الاستدلال من الآية أن جملة ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) خبر معناه: الأمر، كما سبق في مناقشة الاستدلال بالآية للقول الأول، ويناقش الاستدلال بها على الوجوب بما سبق. وأما السنة: فقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط (٤) » . وجه الدلالة: أن اشتراط الرهن في السفر ورد في كتاب الله مأمورا به فوجب الأخذ به ولم يرد اشتراطه في الحضر فكان مردودا. وأجيب بما تقدم من جعل الأمر بالرهن في السفر على الإرشاد وأن

стр. 2711

الأصل في عقود المعاملات الإباحة حتى يرد المنع منها ولم يرد.

стр. 2712

ثالثا: حكمته: من قواعد شريعة الإسلام اليسر والسهولة ورفع المشقة ودفعها وهذا باب واسع في الشريعة، فإن من تدبرها بتوسع ودقة وإنصاف يجد ذلك واضحا في العبادات والمعاملات وبيانه فيما نحن فيه: - أن الشخص تختلف أحواله غنى وفقرا والمال حبيب إلى النفوس، فقد يأتي على الإنسان وقت يكون في أمس الحاجة إلى النقود ليقضي بها حوائجه الضرورية ولا يجد من يتصدق عليه ولا من يقرضه ولا يجد ضمينا ولا كفيلا، فيأتي إلى شخص يطلب منه مالا بثمن في الذمة يتفقان عليه، أو يطلب منه قرضا على أن يجعل عنده مقابل ذلك رهنا يحفظه عنده حتى يرد عليه حقه - فشرع الله الرهن لمصالح الراهن والمرتهن والمجتمع. أما الراهن فيقضي حاجته، وفي ذلك تنفيس لكربته، وإزالة ما في نفسه من الغم، وقد يبيع فيه ويشتري ويكون سببا لغناه. وأما المرتهن فيطمئن على حقه ويحصل له ربح مشروع، وإذا حسنت نيته حصل له الأجر عند الله. وأما المصالح العائدة إلى المجتمع فتوسيع التعامل التجاري وتبادل المحبة والمودة بين الناس، فهو تعاون على البر والتقوى، وفيه تنفيس للكروب، وتقليل للخصومات، وراحة لولاة الأمور من القضاة والأمراء.

стр. 2713

رابعا: الخلاف في أن قبض الرهن شرط في لزومه أو ليس بشرط ، بل يلزم بمجرد العقد مع الأدلة والمناقشة: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من قال: إن قبض الرهن شرط في لزومه. ومنهم من قال: إنه ليس بشرط، بل يلزم بمجرد العقد. وفيما يلي ذكر القولين وما بني عليه كل قول وما أورد على مدارك كل منهما في المناقشة: القول الأول: أن قبض الرهن شرط في لزومه وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه وهو المقدم عند الحنابلة ومذهب الظاهرية، قال المرغيناتي: والقبض شرط اللزوم. وقال الكرخي: قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والحسن: لا يجوز إلا مقبوضا. وقال المزني نقلا عن الشافعي: ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضا من جائز الأمر حين رهن وحين أقبض. . . ولو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه ومنعه. وقال ابن قدامة: ولا يلزم الرهن إلا بالقبض. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وتقرير الاستدلال بالآية من وجهين: الوجه الأول: ما ذكره الشافعي ﵀ بعد الاستدلال بهذه الآية قال: فلما كان معقولا أن الرهن غير مملوك الرقبة للمرتهن ملك البيع، ولا

стр. 2714

مملوك المنفعة ملك الإجارة، لم يجز أن يكون رهنا إلا بما أجازه الله به من أن يكون مقبوضا، ولما لم يجز فللراهن ما لم يقبضه المرتهن منعه منه، وكذلك لو أذن في قبضه فلم يقبض المرتهن حتى رجع الراهن في الرهن كان له ذلك لما وصفت من أنه لا يكون رهنا إلا بأن يكون مقبوضا. وكذلك كل ما لم يقع إلا بأمرين، فليس يتم بأحدهما دون الآخر، مثل: الهبات التي لا تجوز إلا مقبوضة وما في معناها. الوجه الثاني: ما ذكره الجصاص بقوله: قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) عطف على ما تقدم من قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط من الصفة، فلا يصح إلا عليها، كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة، إذا كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب. ويمكن أن يناقش ما ذكره الإمام الشافعي في بيان الاستدلال بالآية: بأنا وإن سلمنا أنه لا يكون رهنا بالفعل إلا بما ذكر الله من القبض، لكن ليس هذا موضوع النزاع بيننا وبين المستدل، إنما موضوعه: أنه يلزم المدين بمقتضى العقد أن يسلم ما اتفق عليه أن يكون رهنا إلى الدائن ليكون وثيقة بالدين، وهذا هو المفهوم من كون الآية خبرا بمعنى الأمر، إذ

стр. 2715

التقدير: إذا اتفق المستدين مع الدائن على رهن في الدين لزمه أن يقبضه إياه. وقولكم: كل ما لا يقع إلا بأمرين لا يتم بأحدهما صحيح، ولكن عقد البيع لأجل مثلا بشرط الرهن يتضمن أمرين: الأول: إلزام المدين بدفع الرهن، وهذا مبني على الشرط. والثاني: صحة الرهن وهي متوقفة على قبض الدائن، فتبين بهذا أن ليس معنا أمر واحد متوقف وقوعه على أمرين، بل أمران: الأول: ويتعلق بالمدين، وهو إلزامه بالدفع بناء على الشرط. الثاني: الصحة، وهي متوقفة على أمر يتعلق بالدائن وهو القبض. وأما القياس على الهبة ونحوها: فغير صحيح؛ لأن الهبة محض تبرع؛ والرهن حق لازم لا تبرع؛ لكونه تابعا لعقد مفاوضة مشروطا فيه فكان قياسا مع الفارق. ويمكن أن يناقش ما ذكره الجصاص: بتسليم عطف الآية على الأمر باستشهاد شاهدين، ووجوب تنفيذ الرهن على الصفة المذكورة في الآية وهي القبض، لكن هذا يقتضي إلزام المدين بإقباضه للدائن وفاء بالشرط وهذا محل النزاع، ولا يلزم الدائن قبضه بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) ولأنه حق له شرع للإرفاق به فمن حقه أن يتنازل عنه، بل من حقه أن يتنازل عن أصل الدين، لكن إن قبضه صح واستوفى منه وإن لم يقبضه بعد عرضه عليه أو تمكينه منه لم يصح واعتبر متنازلا عن حقه في الإرفاق. وأما المعنى فمن وجهين: الأول: أن الرهن عقد تبرع فيتم بالتبرع؛ كالهبة والصدقة والقبض شرط اللزوم، الثاني: أنه رهن لم يقبض فلا يلزم

стр. 2716

إقباضه كما لو مات الراهن. ويجاب عن الاستدلال بالمعنى: أولا: بمنع كون الرهن تبرعا أو كالتبرع فلا يصح قياسه على عقود التبرع من الهبة ونحوها. وثانيا: بأنه إن كان عدم القبض بالفعل لتفريط من الدائن أو تنازل عن الرهن - بطل، ولم يلزم الراهن بإقباضه سواء كان الدائن حيا أو ميتا، وإن كان بغير تفريط من الدائن وإنما كان لمماطلة المدين مثلا - ألزمه بإقباضه إن كان حيا، وألزم ورثته إن كان ميتا. ثم إن الدليل فيه مصادرة لما فيه من الاستدلال بالدعوى على نفسها. القول الثاني: أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولو لم يقبض المرهون وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد ﵀ في الرهن إذا كان متعينا. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: ما ذكره الباجي بقوله: فلنا من الآية دليلان: أحدهما: أنه قال عز من قائل: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) فأثبتها رهنا قبل القبض. والآخر: قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) أمر؛ لأنه لو كان خبرا لم يصح أن يوجد رهن غير مقبوض. ومن قولهم: إن الراهن لو جن أو أغمي عليه ثم أفاق فسلم فيصح فيثبت أنه أمر. ويمكن أن يجاب عن الوجه الأول: بأن إثباتها رهانا قبل القبض لا يلزم منه أن يكون الرهن لازما بالعقد إذ يمكن أن يضاف إليها هذا الوصف مع

стр. 2717

القول بالصحة. وعن الوجه الثاني: بالتسليم: أن الخبر بمعنى: الأمر، لكن لم يعمل بموجب الأمر الذي هو الوجوب واللزوم في حق نفس الرهن حيث لم يجب الرهن على المديون بالإجماع - فوجب أن يعمل به في شرطه وهو: القبض ونظير ذلك قوله ﵇: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل (١) » . بالنصب. أي: بيعوا، فلم يعمل الأمر في نفس البيع؛ لأن البيع مباح غير واجب فصرف إلى شرطه وهو المماثلة فيما يجري فيه الربا. ونوقش هذا الجواب بأوجه: أحدها: يجوز أن يكون الأمر للإباحة بقرينة الإجماع فينصرف إلى الرهن لا إلى القبض. وأجيب عنه: أن الأمر في الوجوب حقيقة، كما هو معروف والإجماع لا يصلح قرينة للمجاز؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، والإجماع لم يكن حال استعمل هذا اللفظ وإعمال الحقيقة في الرهن غير ممكن فصرف إلى القبض. الثاني: أن القبض إن كان شرطا للجواز واللزوم وسلم ذلك فقد ارتفع النزاع ولا حاجة إلى الدليل. وأجيب عنه: بأن الدليل لإلزام مالك ﵀، حيث لا يجعله شرط اللزوم ولا الجواز، وذلك أن الله تعالى وصف الرهن بالقبض كما وصف التجارة بالتراضي، والتراضي وصف لازم في التجارة فكذا القبض في

стр. 2718

الرهن ولا يقال: هذا استدلال بمفهوم الصفة، وهو ليس بصحيح عند من يقول به؛ إما لأنه مذهب الجمهور من الحنفية ومن وافقهم، وإما لأن عدم الصحة إنما يكون إذا لم تكن الصفة مقصودة، وقد سبق أن الوجوب منصرف إليها. الثالث: أن الآية متروكة الظاهر؛ لأن ظاهرها يدل على أن الرهن إنما يكون في السفر، كما قال به مجاهد والضحاك وداود وقد ترك، ومتروك الظاهر لا يصلح حجة. وأجيب عنه: بعدم التسليم أن متروك الظاهر بدليل ليس بحجة؛ لأن النصوص المؤولة متروكة الظاهر، وهي عامة الدلائل. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) وجه الدلالة: أن هذا عقد مأمور بالوفاء به، والأمر يقتضي الوجوب. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٢) وجه الدلالة: أن هذا عهد أمر بالوفاء به والأمر يقتضي الوجوب. ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بالآيتين: بأنهما من الأدلة العامة في وجوب الوفاء بالعقود والعهود وأدلة اشتراط القبض في اللزوم خاص والأصل يقتضي حمل العام على الخاص واستثنائه منه. ويرد الجواب: بأن أدلة اشتراط القبض في اللزوم لا تصلح لتخصيص

стр. 2719

هذه الأدلة، كما تقدم من المناقشة التي لا ينهض معها الاحتجاج. وأما السنة: فقوله ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم (١) » . وجه الدلالة: أن هذا شرط فيجب الوفاء به. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بما تقدم من الإجابة عن الاستدلال بالآيتين. وأما المعنى: فإنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق ذلك أن عقد البيع للتجارة وعقد الرهن للإرفاق.

стр. 2720

خامسا: الخلاف في اشتراط استدامة القبض ، مع الأدلة والمناقشة: اختلف أهل العلم في اشتراط استدامة القبض: فمنهم من قال: إن استدامة القبض شرط، ومنهم من قال: إنها ليست بشرط. وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة. القول الأول: أن استدامة القبض شرط.

стр. 2721

وممن قال بهذا: أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد وابن حزم ومن وافقهم من أهل العلم، قال السمرقندي: ومنها - أي: شروط جواز الرهن - دوام القبض بما به يكون محوزا في يده. ونقل القرطبي عن أبي حنيفة: أنه إذا رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال ابن حزم: يشترط دوام القبض. وقال القرطبي بعد سياقه لرأي ابن حزم أنه شرط قال: هذا هو المعتمد عندنا. وقال ابن رشد: وعند مالك: أن من شرط صحة الرهن استدامة القبض، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم. وقال ابن قدامة: استدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره زال لزوم الرهن وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض سواء أخرجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أو غير ذلك، فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق. قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهنا. انتهى المقصود. وقال المرداوي على قول ابن قدامة، واستدامته شرط في اللزوم، قال: هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. يعني: حيثما قلنا: لا يلزم إلا بالقبض، وممن قال به من أئمة الدعوة ﵏: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن حسن. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وتقرير الاستدلال بالآية من وجهين:

стр. 2722

الأول: أنه إذا خرج عن يد القابض لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة فلا يصدق عليه حكما. الثاني: أنها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيها شرطا كالابتداء. وأما المعنى: فإن مقصود الرهن هو الاستحقاق وذلك لا يحصل إلا بهذا. القول الثاني: أن استدامة القبض ليست بشرط، وممن قال بهذا: الإمام الشافعي ومن وافقه من أصحابه وغيرهم، وهو رواية عن أحمد في المتعين. قال الربيع بن سليمان نقلا عن الشافعي: إذا قبض الرهن مرة واحدة فقد تم وصار المرتهن أولى به من غرماء الراهن، ولم يكن للراهن إخراجه من الرهن حتى يبرأ مما في الرهن من الحق. . . ومضى إلى أن قال: وسواء إذا قبض المرتهن الرهن مرة ورده، وعنه: أن استدامته في المتعين ليست بشرط، واختاره في [الفائق] . واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: أن الرهن إذا وجد مرة فقد صح ولزم فلا يحل ذلك إعارته وغير ذلك من التصرف فيه. وأما السنة: فقوله ﷺ : «لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢) » أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم. وجه الدلالة: أن الراهن لا يركبها إلا وهي خارجة عن قبض المرتهن. ونوقش: بأن قوله ﷺ : «وعلى الذي يحلب ويركب النفقة (٣) » كلام مبهم

стр. 2723

ليس في نفس اللفظ منه بيان من يركب ويحلب من الراهن والمرتهن والعدل الموضوع على يده الرهن، فصرفه إلى الراهن يحتاج إلى دليل. وأجيب عن ذلك: بأنه ورد ما يدل على أن المقصود به: الراهن، وهو قوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه (١) » رواه الإمام الشافعي في [الأم] مرسلا ثم وصله عن الثقة عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال الحافظ ابن حجر في [البلوغ] : رواه الدارقطني والحاكم ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. وأما المعنى: فقياسه على البيع والهبة، فكما يكون البيع مضمونا من البائع، فإذا قبضه المشتري مرة صار في ضمانه، فإن رده إلى البائع بإجارة أو وديعة فهو من مال المبتاع ولا ينفسخ ضمانه بما ذكر، فكذلك الرهن، وكما تكون الهبات وما في معناها غير تامة فإذا قبضها الموهوب له مرة ثم أعارها إلى الواهب أو أكراها منه أو من غيره لم يخرجها عن الهبة. وقد يناقش قياسه على البيع: بأنه قياس مع الفارق فإن عقد البيع المستوفي للأمور المشروعة لتحقيقه وانتفاء موانعه ينفك الملك من البائع إلى المشتري نقلا مطلقا، فتكون ذمة البائع مفرغة من تملك هذا البيع وتكون ذمة المشتري مشغولة بتملكه، فإذا أعاده إلى البائع أو غيره بعارية أو إجارة ونحو ذلك فهذه الإعارة عقد جديد لا صلة له بالعقد الأول، وهذا بخلاف الرهن، فإن ملكية الراهن لم تزل عنه، وإنما انتقل إلى المرتهن على جهة الرقابة؛ لأجل حفظ حقه، فإذا رجع إليه اختيارا من المرتهن فقد رجع إلى من يملكه.

стр. 2724

وأما قياسه على الهبة: فهو قياس مع الفارق، وبيانه أن القبض في ابتدائها بتثبيت الملك فإذا ثبت استغنى عن القبض ثانيا، والرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم تحصل وثيقة.

стр. 2725

سادسا: ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة: المرهون إما أن يكون مما لا يمكن نقله أو لا، فالأول: كالدور والأرضين اتفق الفقهاء على أن قبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه. وإن كان مما يمكن نقله فإما أن يكون مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مزروعا أو لا. فالأول: قد اتفق الفقهاء على أن قبضه بكيله في المكيل إذا رهن كيلا، ووزنه إذا رهن وزنا، وعده إذا رهن عدا، وذرعه إذا رهن ذرعا، والثاني: كصبرة من طعام بيعت جزافا ونحوها من المنقولات، فهل قبضه لا يتم إلا بثقله أو أن التخلية تكون قبضا؟ قولان: القول الأول: أنه لا يتم قبض إلا بالفعل، وممن قال بهذا أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة، وبه قال ابن حزم، قال الزيلعي عن أبي يوسف: إن القبض في المنقول لا يثبت إلا بالنقل، وقال الخرقي: فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه له إياه من راهنه منقولا، وقال ابن

стр. 2726

حزم: وصفة القبض في الرهن وغيره هو: أن يطلق يده عليه فإن كان مما ينقل نقله إلى نفسه. . . إلخ. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: ما ذكره صاحب [مجمع الأنهر] : أنه أمر بالرهن؛ لأن المصدر متى قرن بإلغاء محل الجزاء يراد به الأمر كما وقع في كثير من القرآن. والأصل أن المنصوص يراعى وجوده على أكمل الجهات. وناقش ذلك: بأن المنصوص إنما يراعى وجوده على أكمل الجهات إذا نص عليه بالاستقلال، وأما ما ذكر تبعا للمنصوص فلا يجب أن يراعى وجوده كما ذكر، فإن التراضي في البيع منصوص عليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢) فلو صح ما قال المعترض لبطل بيع المكره ولم يفسد وليس كذلك. وأجاب عن ذلك: بعدم تسليم هذه الملازمة، بل الملازم من صحة ما قال المعترض هو ثبوت صحة البيع بالرضا في الجملة على قياس التخلية في الرهن؛ فإنها قبض في الجملة كما في البيع. وأما السنة: فمن ذلك ما ثبت في [الصحيحين] عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (٣) » . وأما المعنى: فما ذكره أبو يوسف من الحنفية من أن قبض الرهن

стр. 2727

موجب للضمان ابتداء إذ لم يكن الرهن مضمونا على أحد قبل ذلك فلا يثبت إلا بالقبض حقيقة كالغصب. وناقشه الزيلعي من الحنفية بأن هذا القياس باطل؛ لأن قبض الرهن مشروع فأشبه البيع، والغصب ليس بمشروع فلا حاجة لثبوته بدون قبض حقيقة وهو النقل. القول الثاني: أن تخلية الراهن بين الرهن وبين المرتهن برفع الموانع والتمكين من القبض - قبض حكمي، وبهذا قال جمهور الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالمعنى: أولا: قال الزيلعي: إن التخلية عبارة عن رفع الموانع من القبض وهو فعل المسلم دون المتسلم والقبض فعل المتسلم وإنما يكتفى فيه بالتخلية؛ لأنه في غاية ما يقدر عليه، والقبض فعل غيره فلا يكلف به. ثانيا: قال صاحب [مجمع الأنهر] : إن التخلية في البيع قبض فكذلك في الرهن. وأجاب ابن الهمام عن ذلك بما نقله عن بعض الحنفية بأنه منقوض بصورة الصرف، فإنه لا بد فيها من القبض بالبراجم ولا يكتفى بالتخلية مع جريان الدليل. ورد على ذلك: بأن لزوم النقض بالصرف إنما يثبت بالنص وهو قوله ﷺ : يدا بيد كما هو مقرر في موضعه، والقياس يترك بالنص على ما عرف بخلاف ما نحن فيه، فإنه لم يرد فيه نص يقتضي حقيقة القبض وعدم كفاية التخلية، فعملنا بموجب القياس.

стр. 2728

سابعا: حكم الرهن بعد القبض: للمرهون أحكام بعد قبضه تتعلق بمؤنته والانتفاع به ونمائه والتصرف فيه واستيفاء الحق منه وضمانه إذا هلك بنفسه. وفيما يلي ذكر ما تيسر من الكلام على ذلك: أ - مؤنة الرهن: اختلف أهل العلم فيمن تكون عليه مؤنة الرهن هل تكون على الراهن أو على المرتهن؟ ! وفيما يلي ذكر الخلاف مع الأدلة والمناقشة: المذهب الأول: أن مؤنة الرهن من طعام وكسوة ومسكن وحافظ وحرز ومخزن وغير ذلك على الراهن، وبهذا قال مالك والشافعي والإمام أحمد والعنبري وإسحاق ومن وافقهم من أهل العلم. واستدلوا بالسنة والمعنى: أما السنة: فقوله ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (١) » . وجه الدلالة: ما ذكره عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي بعد كلامه على أن النفقة على الراهن، وذكره لهذا الحديث قال: وهذا - أي: الإنفاق - من غرمه؛ لأنه ملكه فكانت عليه نفقته كالذي في يده، ويلزمه كفنه إن مات، كما يلزمه في الذي في يده.

стр. 2729

وأما المعنى: فما ذكره الشيرازي بقوله: إن الرقبة والمنفعة على ملكه فكانت النفقة عليه. المذهب الثاني: أن أجرة بيت حفظه وحافظه على المرتهن، وأجرة راعيه ونفقة الرهن والخراج على الراهن، وهذا هو المقدم عند الحنفية. قال الزيلعي: والأصل فيه أن ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن بنفسه وتبقيته فهو على الراهن سواء كان في الرهن فضل أو لم يكن؛ لأن العين باقية على ملكه وكذا منافعه مملوكة فيكون إصلاحه ومؤنته عليه، كما أن عليه مؤنة ملكه كما في الوديعة، وذلك مثل النفقة من مأكله ومشربه وأجرة الراعي مثله؛ لأنه علف البهائم، ومن هذا الجنس، كسوة الرقيق، وأجرة ظئر ولد الراهن، وكري النهر، وسقي البستان، وتلقيح نخيله وجذاذه، والقيام بمصالحه، وكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن أو لرد جزء منه كمداواة الجرح فهو على المرتهن مثل أجرة الحافظ؛ لأن الإمساك حق له والحفظ واجب عليه، فتكون مؤنته عليه، وكذلك أجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن. انتهى.

стр. 2730

ب - الانتفاع بالمرهون: هل ينتفع الراهن بالمرهون أو لا، وكذلك المرتهن؟ وفيما يلي كلام أهل العلم في انتفاع الراهن أو لا، ثم كلامهم في انتفاع المرتهن مع الأدلة والمناقشة: أولا: انتفاع الراهن بالمرهون: اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه ينتفع به، وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم ومن

стр. 2731

وافقهما من أهل العلم. واستدلوا بالسنة والمعنى: أما السنة: فقوله ﷺ : «الرهن مركوب ومحلوب» ، قال الشافعي: ومعنى هذا القول: أن من رهن ذات در وظهر لم يمنع من درها وظهرها، وأصل المعرفة في هذا الباب: أن للمرتهن حقا في رقبة الرهن دون غيره، ومما يحدث مما يتميز منه غيره، وكذلك سكنى الدار وزرع الأرضين وغيرها فللراهن أن يستخدم في الرهن عبده، ويركب دوابه، ويؤجرها ويحلب درها ويجز صوفها وتأوي بالليل إلى مرتهنها أو إلى يد الموضوعة على يده. انتهى. وقد قيد الغزالي والشيرازي والنووي كلام الشافعي ﵀: بأن انتفاع الراهن بالرهن مشروط بأن لا يضر على المرتهن في رهنه. انتهى. أما المعنى: فما ذكره الشيرازي بقوله: إنه لم يدخل في العقد ولا يضر بالمعقود له فبقي على ملكه وتصرفه كخدمة الأمة المتزوجة ووطء الأمة المستأجرة. انتهى. القول الثاني: أن الراهن لا ينتفع بالمرهون، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري ومن وافقهما من أهل العلم، قال ابن رشد: وعمدة هذا المذهب إذا انتفع بالرهن كما إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجا من الرهن؛ لأن الرهن يقتضي حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن. ويمكن أن يناقش ذلك أولا: بأنا لا نسلم أن مقتضى الرهن الحبس، وإنما مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة وذلك غير مناف

стр. 2732

للانتفاع به. وثانيا: سلمنا أن مقتضاه الحبس؛ لكن ذلك لا يمنع من أن يكون المستأجر نائبا عنه في إمساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه. ثانيا: انتفاع المرتهن بالرهن: الرهن: إما أن يكون مما لا يحتاج إلى مؤنته كالدور، أو يكون مما يحتاج إلى مؤنته، وإذا كان مما لا يحتاج إلى مؤنته فقد يكون دين الرهن قرضا وقد يكون غير قرض، وإذا كان دين الرهن غير قرض فقد يأذن الراهن للمرتهن وقد لا يأذن وفي كل ذلك قد يكون بعوض، وقد يكون بغير عوض، وإذا كان بعوض فقد يكون فيه محاباة، وقد لا يكون فيه محاباة، وإذا استأجر المرتهن الرهن - مثلا - فهل يؤثر على عقد الرهن أو لا؟ وإذا اشترط الانتفاع عند عقد الرهن فما حكم الشرط؟ وإن كان المرهون مما يحتاج إلى مؤنة فقد ينتفع به بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن أو بغير إذنه، وإذا أذن له فقد يكون الرهن مركوبا ومحلوبا أو غيرهما، وإذا كان غير محلوب ولا مركوب فقد يكون حيوانا أو غير حيوان وإذا كان حيوانا فأنفق عليه بغير نية الرجوع أو بنية الرجوع. وأذن المالك أو لم يأذن أمكنه أن يستأذنه أولا، وإذا انتفع المرتهن فهل يحسب من دينه. هذه المسائل التي سبقت تكلم عليها ابن قدامة ﵀ كلاما مفصلا أحببنا ذكر كلامه بدون تصرف. قال ﵀ على قول الخرقي: (ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فيركب ويحلب بقدر العلف) . قال: الكلام في هذه المسألة في حالين:

стр. 2733

أحدهما: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال، لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها بغير إذنه. فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه يحصل قرضا يجر منفعة وذلك حرام، قال أحمد: أكره قرض الدور وهو الربا المحض، يعني: إذا كانت الدار رهنا في قرض ينتفع بها المرتهن. وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع جاز ذلك، روي ذلك عن الحسن وابن سيرين، وبه قال إسحاق. فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل أن يستأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره؛ لكونه ما انتفع بالقرض، بل بالإجارة. وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض لا يجوز في القرض ويجوز في غيره ومتى استأجرها المرتهن أو استعارها فظاهر كلام أحمد أنها تخرج عن كونها رهنا فمتى انقضت الإجارة أو العارية عاد الرهن بحاله، قال أحمد في رواية الحسن بن ثواب عن أحمد: إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن: اسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي ينتقل فيصير دينا ويتحول عن الرهن، وكذلك إن أكراها للراهن قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها لصاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنا، والأولى: أنها لا تخرج عن الرهن إذا استأجرها المرتهن أو استعارها؛ لأن القبض مستدام ولا تنافي بين العقدين. وكلام أحمد في

стр. 2734

رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه أذن للراهن في سكناها، كما في رواية ابن منصور؛ لأنها خرجت عن يد المرتهن فزال اللزوم لزوال اليد بخلاف ما إذا سكنها المرتهن ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، ومبنى ذلك على العارية فإنها عندنا مضمونة وعنده غير مضمونة. فصل: فإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى الرهن، وعن أحمد: أنه يجوز في المبيع، قال القاضي: معناه: أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا، فيكون بيعا وإجارة فهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطل؛ لجهالة ثمنه، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين وكرهه في الحيوان والثياب وكرهه في القرض، ولنا: أنه شرط في الرهن ما ينافيه فلم يصح كما لو شرط في القرض. فصل: الحال الثاني: ما يحتاج فيه إلى مؤنة فحكم المرتهن في الانتفاع به بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن كالقسم الذي قبله، وإن أذن له في الإنفاق والانتفاع بقدره جاز؛ لأنه نوع معاوضة وأما مع عدم الإذن فإن الرهن ينقسم قسمين: محلوبا ومركوبا وغيرهما، فأما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته، متحريا للعدل في ذلك، نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم وأحمد بن القاسم، واختاره الخرقي وهو قول إسحاق وسواء أنفق مع تعذر النفقة من الراهن؛ لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه، وعن أحمد رواية أخرى: لا يحتسب له بما أنفق وهو

стр. 2735

متطوع بها ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لقول النبي ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (١) » ، ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن. ولنا: ما روى البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢) » فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع، فإن قيل: المراد به: أن الراهن ينفق وينتفع قلنا: لا يصح؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد روي في بعض الألفاظ «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب ويركب النفقة (٣) » فجعل المنفق المرتهن فيكون هو المنتفع. والثاني: أن قوله (بنفقته) يشير إلى أن الانتفاع عوض النفقة، وإنما ذلك حق المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة لأحدهما بالآخر، ولأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته؛ لثبوت يده عليه وولايته، وهذا فيمن أنفق محتسبا بالرجوع، فأما إن أنفق متبرعا بغير نية الرجوع لم ينتفع به رواية واحدة. فصل: وأما غير المحلوب والمركوب فيتنوع إلى نوعين: حيوان
следующие страницы →