← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وافقهما من أهل العلم. واستدلوا بالسنة والمعنى: أما السنة: فقوله ﷺ : «الرهن مركوب ومحلوب» ، قال الشافعي: ومعنى هذا القول: أن من رهن ذات در وظهر لم يمنع من درها وظهرها، وأصل المعرفة في هذا الباب: أن للمرتهن حقا في رقبة الرهن دون غيره، ومما يحدث مما يتميز منه غيره، وكذلك سكنى الدار وزرع الأرضين وغيرها فللراهن أن يستخدم في الرهن عبده، ويركب دوابه، ويؤجرها ويحلب درها ويجز صوفها وتأوي بالليل إلى مرتهنها أو إلى يد الموضوعة على يده. انتهى. وقد قيد الغزالي والشيرازي والنووي كلام الشافعي ﵀: بأن انتفاع الراهن بالرهن مشروط بأن لا يضر على المرتهن في رهنه. انتهى. أما المعنى: فما ذكره الشيرازي بقوله: إنه لم يدخل في العقد ولا يضر بالمعقود له فبقي على ملكه وتصرفه كخدمة الأمة المتزوجة ووطء الأمة المستأجرة. انتهى. القول الثاني: أن الراهن لا ينتفع بالمرهون، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري ومن وافقهما من أهل العلم، قال ابن رشد: وعمدة هذا المذهب إذا انتفع بالرهن كما إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجا من الرهن؛ لأن الرهن يقتضي حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن. ويمكن أن يناقش ذلك أولا: بأنا لا نسلم أن مقتضى الرهن الحبس، وإنما مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة وذلك غير مناف

стр. 2732

للانتفاع به. وثانيا: سلمنا أن مقتضاه الحبس؛ لكن ذلك لا يمنع من أن يكون المستأجر نائبا عنه في إمساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه. ثانيا: انتفاع المرتهن بالرهن: الرهن: إما أن يكون مما لا يحتاج إلى مؤنته كالدور، أو يكون مما يحتاج إلى مؤنته، وإذا كان مما لا يحتاج إلى مؤنته فقد يكون دين الرهن قرضا وقد يكون غير قرض، وإذا كان دين الرهن غير قرض فقد يأذن الراهن للمرتهن وقد لا يأذن وفي كل ذلك قد يكون بعوض، وقد يكون بغير عوض، وإذا كان بعوض فقد يكون فيه محاباة، وقد لا يكون فيه محاباة، وإذا استأجر المرتهن الرهن - مثلا - فهل يؤثر على عقد الرهن أو لا؟ وإذا اشترط الانتفاع عند عقد الرهن فما حكم الشرط؟ وإن كان المرهون مما يحتاج إلى مؤنة فقد ينتفع به بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن أو بغير إذنه، وإذا أذن له فقد يكون الرهن مركوبا ومحلوبا أو غيرهما، وإذا كان غير محلوب ولا مركوب فقد يكون حيوانا أو غير حيوان وإذا كان حيوانا فأنفق عليه بغير نية الرجوع أو بنية الرجوع. وأذن المالك أو لم يأذن أمكنه أن يستأذنه أولا، وإذا انتفع المرتهن فهل يحسب من دينه. هذه المسائل التي سبقت تكلم عليها ابن قدامة ﵀ كلاما مفصلا أحببنا ذكر كلامه بدون تصرف. قال ﵀ على قول الخرقي: (ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فيركب ويحلب بقدر العلف) . قال: الكلام في هذه المسألة في حالين:

стр. 2733

أحدهما: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال، لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها بغير إذنه. فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه يحصل قرضا يجر منفعة وذلك حرام، قال أحمد: أكره قرض الدور وهو الربا المحض، يعني: إذا كانت الدار رهنا في قرض ينتفع بها المرتهن. وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع جاز ذلك، روي ذلك عن الحسن وابن سيرين، وبه قال إسحاق. فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل أن يستأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره؛ لكونه ما انتفع بالقرض، بل بالإجارة. وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض لا يجوز في القرض ويجوز في غيره ومتى استأجرها المرتهن أو استعارها فظاهر كلام أحمد أنها تخرج عن كونها رهنا فمتى انقضت الإجارة أو العارية عاد الرهن بحاله، قال أحمد في رواية الحسن بن ثواب عن أحمد: إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن: اسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي ينتقل فيصير دينا ويتحول عن الرهن، وكذلك إن أكراها للراهن قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها لصاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنا، والأولى: أنها لا تخرج عن الرهن إذا استأجرها المرتهن أو استعارها؛ لأن القبض مستدام ولا تنافي بين العقدين. وكلام أحمد في

стр. 2734

رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه أذن للراهن في سكناها، كما في رواية ابن منصور؛ لأنها خرجت عن يد المرتهن فزال اللزوم لزوال اليد بخلاف ما إذا سكنها المرتهن ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، ومبنى ذلك على العارية فإنها عندنا مضمونة وعنده غير مضمونة. فصل: فإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى الرهن، وعن أحمد: أنه يجوز في المبيع، قال القاضي: معناه: أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا، فيكون بيعا وإجارة فهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطل؛ لجهالة ثمنه، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين وكرهه في الحيوان والثياب وكرهه في القرض، ولنا: أنه شرط في الرهن ما ينافيه فلم يصح كما لو شرط في القرض. فصل: الحال الثاني: ما يحتاج فيه إلى مؤنة فحكم المرتهن في الانتفاع به بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن كالقسم الذي قبله، وإن أذن له في الإنفاق والانتفاع بقدره جاز؛ لأنه نوع معاوضة وأما مع عدم الإذن فإن الرهن ينقسم قسمين: محلوبا ومركوبا وغيرهما، فأما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته، متحريا للعدل في ذلك، نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم وأحمد بن القاسم، واختاره الخرقي وهو قول إسحاق وسواء أنفق مع تعذر النفقة من الراهن؛ لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه، وعن أحمد رواية أخرى: لا يحتسب له بما أنفق وهو

стр. 2735

متطوع بها ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لقول النبي ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (١) » ، ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن. ولنا: ما روى البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢) » فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع، فإن قيل: المراد به: أن الراهن ينفق وينتفع قلنا: لا يصح؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد روي في بعض الألفاظ «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب ويركب النفقة (٣) » فجعل المنفق المرتهن فيكون هو المنتفع. والثاني: أن قوله (بنفقته) يشير إلى أن الانتفاع عوض النفقة، وإنما ذلك حق المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة لأحدهما بالآخر، ولأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته؛ لثبوت يده عليه وولايته، وهذا فيمن أنفق محتسبا بالرجوع، فأما إن أنفق متبرعا بغير نية الرجوع لم ينتفع به رواية واحدة. فصل: وأما غير المحلوب والمركوب فيتنوع إلى نوعين: حيوان

стр. 2736

وغيره. أما الحيوان كالعبد والأمة ونحوهما فهل للمرتهن أن ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته؟ ظاهر المذهب: أنه لا يجوز، ذكره الخرقي ونص عليه أحمد في رواية الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يرهن العبد فيستخدمه، فقال: الرهن لا ينتفع منه بشيء إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف. قلت له: فإن كان اللبن والركوب أكثر قال: لا، إلا بقدر، ونقل حنبل عن أحمد: أن له استخدام العبد أيضا، وبه قال أبو ثور إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه، قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة، والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع به، فإن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء منه تركناه في المركوب والمحلوب؛ للأثر، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس. النوع الثاني: غير الحيوان كدار استهدمت فعمرها المرتهن لم يرجع بشيء رواية واحدة وليس له الانتفاع بها بقدر نفقته، فإن عمارتها غير واجبة على الراهن فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، فإن فعل كان متبرعا بخلاف الحيوان فإنه يجب على مالكه الإنفاق عليه؛ لحرمته في نفسه. فصل: فأما الحيوان إذا أنفق عليه متبرعا لم يرجع بشيء؛ لأنه تصدق به فلم يرجع بعوضه كما لو تصدق على مسكين. وإن نوى الرجوع على مالكه وكان ذلك بإذن المالك رجع عليه؛ لأنه ناب عنه في الإنفاق بإذنه فكانت النفقة على المالك، كما لو وكله في ذلك.

стр. 2737

وإن كان بغير إذنه فهل يرجع عليه؟ يخرج على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه؛ لأنه ناب عنه فيما يلزمه. وقال أبو الخطاب: إن قدر على استئذانه فلم يستأذنه فهو متبرع لا يرجع بشيء، وإن عجز عن استئذانه فعلى روايتين، وكذلك الحكم فيما إذا مات العبد المرهون فكفنه. والأول أقيس في المذهب إذ لا يعتبر في قضاء الدين العجز عن استئذان الغريم. فصل: وإذا انتفع المرتهن بالرهن باستخدام أو ركوب أو لبس أو استرضاع أو استغلال أو سكنى أو غيره - حسب من دينه بقدر ذلك. قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك؛ لأن المنافع ملك الراهن، فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن فيتقاص القيمة وقدرها من الدين ويتساقطان.

стр. 2738

ج - نماء الرهن: نماء الرهن بعد ما كان رهنا إما أن يكون متصلا أو منفصلا: فإن كان متصلا كالسمن فإنه يدخل في الرهن بلا خلاف بين العلماء، وإن كان منفصلا فمن أهل العلم من قال: إنه يكون تابعا للرهن، ومنهم من قال: إنه لا يتبعه، ومنهم من فصل. وفيما يلي ذكر المذاهب مع الأدلة والمناقشة: المذهب الأول: أن نماء الرهن المنفصل الحادث بعد ما كان الرهن بيد المرتهن يكون تابعا للرهن، وممن قال بهذا: أبو حنيفة والإمام أحمد ومن وافقهما من أهل العلم، وعمدتهم: أن الفروع تابعة للأصول، فوجب لها حكم الأصل، ولذلك حكم الولد تابع لحكم أمه في التدبير والكتابة. المذهب الثاني: أنه ليس بتابع للرهن، بل هو للراهن، وبهذا قال الإمام

стр. 2739

الشافعي وابن حزم ومن وافقهما من أهل العلم، إلا أن ابن حزم لم يوافق الشافعي على التعميم في المركوب والمحلوب فهو يرى: أن الركوب والحلب لمن ينفق. واستدلوا بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وجاء في معنى هذه الآية قول رسول الله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (٢) » ، وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (٣) » . وجه الدلالة: أن ملك الشيء المرتهن باق لراهنه بيقين وحق الرهن الذي حدث فيه للمرتهن لم ينقل ملك الراهن عن الشيء المرهون فلا يوجب حدوث حكم في منعه ما للمرء أن ينتفع به من ماله بغير نص بذلك. وأما السنة: فقد استدلوا بأدلة: الأول: قوله ﷺ : «الرهن مركوب ومحلوب» رواه الدارقطني والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي بقوله: ومعلوم أنه لم يرد أنه محلوب ومركوب للمرتهن، فدل على أنه أراد به محلوب ومركوب للراهن. ونوقش هذا الدليل من جهتين: من جهة سنده ومن جهة دلالته. أما سنده: فإنه موقوف والموقوف لا تقوم به حجة، وأما دلالته: فليس في

стр. 2740

الحديث ما يدل على الذي يحلب ويركب فهو دائر بين الراهن والمرتهن والعدل الذي يكون بيده الرهن وحمله على واحد منها بدون دليل تحكم. وأجيب عن الأول: بما قاله ابن أبي حاتم قال: قال أبي: (رفعه مرة ثم ترك الرفع) انتهى كلامه. ومن المقرر في علم المصطلح: أن الحديث إذا دار بين الرفع والوقف فالرفع فيه زيادة علم إذا كان الرافع ثقة فيكون الحديث حجة. ورد ذلك: بأن الدارقطني والبيهقي رجحا رواية من وقفه على من رفعه، وهي رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وأما الجواب عن الحديث من جهة دلالته: فيقال: إن الرسول ﷺ علق إباحة الركوب وشرب اللبن على الإنفاق فمن تولى الإنفاق فله الركوب وشرب اللبن، يدل على ذلك ما أخرجه البخاري: أن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (١) » . ورد على ذلك: بأن إباحته للمرتهن على خلاف القياس. وأجاب عن ذلك شيخ الإسلام بقوله: ليس كذلك، فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه ولمالكه فيه حق وللمرتهن فيه حق، وإذا كان بيد المرتهن فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته باطلة، وقد قدمنا: أن اللبن يجري مجرى المنفعة، فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوض عنها نفقته كان في هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين، فإن نفقته واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق، فله أن

стр. 2741

يرجع ببدله، والمنفعة تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تذهب على صاحبها وتذهب باطلا. وقد تنازع الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كالدين: فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه: له أن يرجع به عليه، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: ليس له ذلك. وإذا أنفق نفقة تجب عليه مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده: فبعض أصحاب أحمد قال: لا يرجع، وفرقوا بين النفقة والدين والمحققون من أصحابه سووا بينهما، وقالوا: الجميع واجب، ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليست دينا، والقرآن يدل على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب وكذلك قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا، ونفقة الحيوان واجبة على ربه، والمرتهن والمستأجر له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده فإذا قدر أن الراهن قال: لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها؛ لحفظ المرهون والمستأجر، وإذا كان المنفق قد رضي بأن يعتاض بمنفعة الرهن

стр. 2742

التي لا يطالبه بنظير النفقة (١) كان قد أحسن إلى صاحبه فهذا خير محض مع الراهن، وكذلك لو قدر أن المؤتمن على حيوان الغير كالمودع والشريك والوكيل أنفق من مال نفسه واعتاض بمنفعة المال؛ لأن هذا إحسان إلى صاحبه إذا لم ينفق عليه صاحبه. الدليل الثاني: حديث: «لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه (٢) » أخرجه ابن حبان في [صحيحه] والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه (٣) » ، وأخرجه ابن ماجه من طريق إسحاق ابن راشد عن الزهري، وأخرجه الحاكم من طرق عن الزهري عن سعيد مرسلا، ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك، وابن أبي شيبة عن وكيع وعبد الرزاق عن الثوري - كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك ولفظه: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (٤) » . قال الشافعي: " غنمه ": زيادته، و " غرمه ": هلاكه. وصحح أبو داود والبزار والدارقطني وابن القطان إرساله، وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله. ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: بأن قوله: «له غنمه وعليه غرمه (٥) » مدرجة من كلام سعيد بن المسيب. قال ابن عبد البر: هذه اللفظة اختلف الرواة في رفعها ووقفها فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن

стр. 2743

أبي ذئب، ووقفها غيرهم، وروى ابن وهب هذا الحديث فجوده، وقال: إن هذه اللفظة من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن ممن رهنه (١) » قلت للزهري: أرأيت قول النبي ﷺ : «لا يغلق الرهن (٢) » أهو الرجل يقول إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم، قال: معمر ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن، له غنمه وعليه غرمه. وأجيب عن ذلك: بأنه رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ، حدثني محمد بن إبراهيم حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي وغيره من أهل الثقة حدثني نصر بن عاصم الأنطاكي، نا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه (٣) » ، قال ابن حزم: هذا سند حسن. وأجيب عن ذلك: بأنه أخرجه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي عن شبابة به وصححها عبد الحق، وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن عدي، وظهر أن قوله في رواية ابن حزم: نصر بن عاصم. تصحيف وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم وسقط عبد الله وحرف الأصم بعاصم. وأما المعنى: فإن النماء زائد على ما رضيه رهنا، فوجب أن لا يكون للمرتهن إلا بشرط زائد. المذهب الثالث: ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته

стр. 2744

فإنه داخل في الرهن كولد الجارية مع الجارية، وأما ما لم يكن على خلقته وصورته فإنه لا يدخل في الرهن ما كان متولدا عنه كثمر النخل، أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام، وبهذا القول قال مالك ومن وافقه من أهل العلم. وعمدة هذا المذهب: أن الولد حكمه حكم أمه في البيع، أي: هو تابع له، وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة المفرقة في ذلك، وذلك أن الثمر لا يتبع بيع الأصل إلا بشرط وولد الجارية يتبع بغير شرط.

стр. 2745

د - التصرف في الرهن قبل حلول أجل الدين: التصرف إما أن يكون من الراهن أو من المرتهن بإذن كل منهما لصاحبه أولا: فإذا تصرف كل منهم بإذن الآخر صح التصرف؛ لأنه أسقط حقه، وهذا لا خلاف فيه، أما تصرف الراهن، فقد قال فيه ابن قدامة: إذا تصرف الراهن في الرهن بغير رضا المرتهن بغير العتق؛ كالبيع والهبة والوقف والرهن ونحوه - فتصرفه باطل؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية، فلم يصح بغير إذن المرتهن؛ كفسخ الرهن، وفي الوقف وجه آخر أنه يصح؛ لأنه يلزم لحق الله أشبه العتق، والصحيح الأول؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير فلم يصح كالهبة، فإن أذن فيه صح وبطل الرهن إلا أن يأذن في البيع ففيه تفصيل، انتهى المقصود. وقال الغزالي: هو ممنوع من كل تصرف قولي يزيل الملك، كالبيع والهبة، أو يزاحم حقه كالرهن من غيره، أو ينقص كالتزويج أو يقلل الرغبة كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين، وبهذا قال الشيرازي

стр. 2746

والنووي، وأما تصرف المرتهن بالرهن بغير إذن الراهن فهو غير صحيح، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه تصرف في ملك غيره.

стр. 2747

هـ - استيفاء المرتهن حقه من الرهن: الرهن وثيقة لحق المرتهن بمقتضاه يطمئن المرتهن على رجوع حقه إليه، وقد سبق الكلام على اشتراط استدامة القبض هل هو شرط في لزومه أو ليس بشرط؟ ولكن خلافهم هناك لا أثر له بالنسبة لكون المرتهن يبيع الرهن بعد تمام الأجل ويستوفي حقه. وفيما يلي تفصيل كلام أهل العلم في ذلك مع بيان أدلتهم: قال السمرقندي: فعندنا ملك العين في حق الحبس حتى يكون المرتهن أحق بإمساكه إلى وقت إيفاء الدين، وإذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء، فيستوفي منه دينه، فما فضل يكون لسائر الغرماء والورثة. وقال ابن رشد: أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه، فإن لم يأت به عند الأجل كان له أن يرفعه إلى السلطان فيبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع، وكذلك إن كان غائبا. وقال الشافعي: المرتهن أحق ببيع المرهون وأخذ حقه من ثمنه، والحبس ليس بلازم. وقال النووي: المرتهن مستحق لليد بعد لزوم الرهن ولا تزال يده إلا للانتفاع. وقال أيضا: المرتهن يستحق بيع المرهون عند الحاجة ويتقدم بثمنه على سائر الغرماء. وذكر أيضا أن الراهن إذا أصر على عدم البيع باعه الحاكم. وقال الخرقي: والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء حتى يستوفي حقه حيا كان الراهن أو ميتا.

стр. 2748

ويدل لذلك الكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) استدل بهذا الحنفية والمالكية والحنابلة، وتقرير الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله تعالى أخبر بكون الرهن مقبوضا، وإخباره لا يحتمل الخلل فاقتضى أن يكون المرهون مقبوضا مادام مرهونا. الثاني: أن الرهن في اللغة عبارة عن الحبس، قال الله : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢) أي: حبيس، فيقتضي أن يكون المرهون محبوسا مادام مرهونا، ولو لم يثبت ملك الحبس لم يكن محبوسا على الدوام فلم يكن مرهونا. الثالث: أن الله تعالى لما سمى العين التي ورد العقد عليها رهنا وأنه نهى عن الحبس لغة - كان ما دل عليه اللفظ لغة حكما لا شرعا؛ لأن للأسماء الشرعية دلالات على أحكامها؛ كلفظ الطلاق والعتاق والحوالة والكفالة ونحوها. وأما السنة: فقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه (٣) » الحديث. وجه الدلالة: أن قوله: " لا يغلق " معناه: لا يملك بالدين، كذا قال أهل اللغة: غلق الرهن، أي: ملك بالدين، وهذا كان حكما جاهليا فرده رسول الله ﷺ . وأما المعنى: فإن الرهن شرع وثيقة بالدين، فيلزم أن يكون حكمه ما

стр. 2749

يقع به التوثيق للدين كالكفالة، وإنما يحصل التوثيق إذا كان يملك حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات.

стр. 2750

و - ضمان الرهن إذا هلك بنفسه: إذا هلك الرهن بنفسه بيد المرتهن فعليه الضمان عند قوم وعدمه عند آخرين، والتفرقة بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. وفيما يلي تفصيل الكلام على ذلك مع الأدلة والمناقشة: المذهب الأول: أن الرهن إذا هلك بنفسه فلا يضمنه المرتهن . وبهذا قال الشافعي والإمام أحمد ومن وافقهما من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى: أما السنة: فحديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه (١) » . وجه الدلالة: أن المراد بقوله: «له غنمه» أي: له غلته وخراجه " وعليه غرمه " أي: فكاكه ومصيبته منه، فقد جعل النبي ﷺ غرم الرهن على الراهن، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة؛ لأن عليه قضاء دين المرتهن، فإذا هلك مضمونا كان غرمه على المرتهن وسقط حقه لا على الراهن، وهذا خلاف النص. نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأمور: الأول: أنه أخرجه أبو داود في [المراسيل] ، وقال: قوله: «له غنمه وعليه غرمه» من كلام سعيد نقله عنه الزهري، وقد سبق الكلام في ذلك. الثاني: يحتمل أن يكون معنى قوله ﵇: «لا يغلق الرهن (٢) » أي:

стр. 2751

لا يهلك، إذ الغلق يستعمل في الهلاك، كذا قال بعض أهل اللغة وعلى هذا كان الحديث حجة على أهل هذا القول؛ لأنه يذهب بالدين، فلا يكون هالكا معنى. الثالث: وقيل: معناه: أي: لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين، وهذا كان حكما جاهليا جاء الإسلام فأبطله. وأما المعنى: فإن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين، ولو سقط الدين بهلاك المرهون لكان توهينا لا توثيقا؛ لأنه يقع تعريض الحق للتلف على تقدير هلاك الرهن فكان توهينا للحق لا توثيقا له. ونوقش: بالتسليم بأن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين، لكن معنى التوثيق في الرهن هو التوصل إليه في أقرب الأوقات؛ لأنه كان للمرتهن ولاية مطالبة الراهن بقضاء الدين من مطلق ماله وبعد الرهن حدثت له ولاية المطالبة بالقضاء ومن ماله المعين وهو الرهن بواسطة البيع فازداد طريق الوصول إلى حقه فحصل معنى التوثيق.

стр. 2752

المذهب الثاني: أن الرهن إذا هلك بنفسه فهو من ضمان المرتهن . والذين قالوا بهذا القول انقسموا إلى قسمين: القسم الأول: ومنهم أبو حنيفة: أنه مضمون بالأقل من قيمته وقيمة الدين. والقسم الثاني: أنه مضمون بقيمته قلت أو كثرت، وممن قال به: علي ابن أبي طالب وعطاء وإسحاق. أما القسم الأول: فمعناه: أن الرهن لو هلك وقيمته مثل دينه صار مستوفيا دينه، وإن كانت أكثر من دينه فالفضل أمانة، وإن كانت أقل صار

стр. 2753

مستوفيا بقدره ورجع المرتهن بالفضل. واستدل الأحناف لمذهبهم بالسنة والإجماع والأثر والمعنى: أما السنة: فإنهم استدلوا بدليلين: الأول: «قوله ﵊ للمرتهن بعدما نفق الفرس الرهن عنده: " ذهب حقك» ، وهذا نص في الدلالة على المطلوب. ونوقش: بأنه أخرجه أبو داود في [المراسيل] من طريق عطاء: «أن رجلا رهن رجلا فرسا فنفق في يده، فقال النبي ﷺ للمرتهن: " ذهب حقك» وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا مرسلا، وفي الاحتجاج بالمرسل خلاف. ونوقش أيضا: بأن المراد به ذهاب الحق في الحبس. وأجيب عنه: بمنع ذلك؛ لأنه لا يتصور حبسه فلا يحتاج فيه إلى البيان؛ لأنه ﵊ بعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق، ولأن الرهن ذكر معرفا بالإضافة فيعود إلى المذكور. الثاني: قوله ﷺ : «إذا عمي الرهن فهو بما فيه» . وهذا نص أيضا في محل الخلاف. ونوقش: بأن الدارقطني رواه عن أنس، وقال: لا يثبت ومن بينه وبين شيخنا ضعفاء. وأخرجه من وجه آخر وقال: إنه باطل. وأجيب عنه: بأنه أخرجه أبو داود في [المراسيل] عن عطاء عن النبي ﷺ مثله ورجاله ثقات، قاله ابن حجر، وأخرجه أيضا عن طاوس مرفوعا نحوه. ونوقش أيضا: بما أخرجه أبو داود في [المراسيل] عن أبي الزناد وقال:

стр. 2754

إن ناسا يوهمون في قول النبي ﷺ : «الرهن بما فيه» إذا كان هلك، وإنما قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء: إذا هلك وعميت قيمته. وأخرجه الطحاوي عن أبي الزناد نحوه، وأسند ذلك إلى الفقهاء السبعة وغيرهم أنهم قالوا: الرهن بما فيه، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي ﷺ قال: «الرهن بما فيه» . وأما الإجماع: فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على أن الرهن مضمون مع اختلافهم في كيفية الضمان على ثلاثة أقوال: فإحداث قول رابع خروج عن الإجماع فلا يجوز. ويمكن أن يناقش: بالمطالبة بثبوت الإجماع. قال ابن حجر: لم أجد ذلك. وأما الأثر: فما أخرجه البيهقي عن عمر في الرجل يرتهن الرهن فيضيع قال: (إن كان أقل مما فيه رد عليه تمام حقه، وإن كان أكثر فهو أمين) وأخرجه ابن أبي شيبة والطحاوي نحوه. وأما المعنى فمن وجوه: أحدها: أن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء وهو ملك اليد والحبس؛ لأن لفظه ينبئ عن الحبس، والأحكام الشرعية تثبت على وفق معانيها اللغوية. الثاني: أن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء وهو أن يكون موصلا إليه، ويثبت ذلك بملك اليد والحبس؛ ليقع الأمن من الجحود مخافة جحود المرتهن الرهن، وليكون عاجزا عن الانتفاع فيتسارع إلى قضاء الدين أو الضجرة، فإذا ثبت هذا المعنى ثبت الاستيفاء من وجه وقد تقرر بالهلاك

стр. 2755

فلو استوفى الدين بعده يؤدي إلى الربا؛ لأنه يكون استيفاء ثانيا ولا يلزم ذلك حال قيام الرهن؛ لأن الاستيفاء الأول ينقضي بالرد على الراهن فلا يتكرر. ونوقش هذان الدليلان: بأن المرتهن إنما صار مستوفيا بملك اليد لا بملك الرقبة، وقد بقي حقه في ملك الرقبة فكان له أن يستوفيه ليأخذ حقه كاملا وصار مستوفيا بالمالية دون العين فيكون له الاستيفاء ثانيا ليأخذ حقه في العين كاملا. وأجيب عن ذلك: بأنه لا وجه إلى استيفاء الباقي، وهو ملك الرقبة بدون ملك اليد أو ملك العين بدون ملك المالية، إذ لا يتصور ذلك فيسقط للضرورة كما إذا استوفى زيوفا مكان الجياد، فإن حقه في الجودة يبطل؛ لعدم استيفاء الجودة وحدها بدون العين، فإذا لم يملك العين بقي ملك الراهن أمانة في يده فتكون نفقته حيا وكفنه ميتا عليه؛ لأنهما مؤونة الملك، ولو اشتراه المرتهن لا ينوب قبض الرهن عن قبض الشراء؛ لأن عينه أمانة، فلا ينوب قبضه عن قبض المضمون. وأما القسم الثاني، فمعناه: أن الرهن إن كانت قيمته أقل من الدين رجع المرتهن إلى الراهن فيأخذ منه ما بقي من دينه، وإن كانت قيمة الرهن تساوي الدين لم يرجع المرتهن على الراهن بشيء، وإن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين فإن الزائد يسلمه المرتهن إلى الراهن. واستدل لهذا بالسنة والأثر والمعنى: أما السنة: فقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه (١) » . وجه الدلالة أن معنى قوله: «له غنمه» أي: ما زاد من قيمة الرهن على قيمة

стр. 2756

الدين، «وعليه غرمه» أي: ما نقص من قيمة الدين عن قيمة الرهن. وأجيب عنها بجوابين: الأول: وقد سبق: أنها مدرجة من كلام سعيد بن المسيب. الثاني: أن المقصود بالغنم: الغلة والخراج، والمراد بالغرم: الفكاك والمصيبة. وأما الأثر: فما روي عن علي ﵁: أنهما يترادان الفضل، أخرجه عبد الرزاق في [المصنف] ، وابن أبي شيبة في [المصنف] من طريق الحكم، وفسر التراد هنا بأنه يكون من الجانبين، فيرجع واحد منهما على صاحبه بالفضل عند الهلاك. ونوقش بأمرين: الأول: أن المقصود بالتراد حالة البيع فإنه روي عنه أنه قال: المرتهن أمين في الفضل. الثاني: ما أخرجه البيهقي من رواية خلاس عن علي: (إذا كان في الرهن فضل فإن أصابته جائحة فالرهن بما فيه، وإن لم تصبه جائحة فإنه يرد الفضل) . ونوقش هذان الأمران: بأننا لا نسلم أنه في حالة البيع ولا أنه في حالة السلامة؛ لما أخرجه البيهقي من رواية الحارث عن علي ﵁ إذا كان الرهن أفضل من القرض، والقرض أفضل من الرهن - فإنهما يترادان الفضل. وأما المعنى: فإن الزيادة على الدين مرهونة بكونها محبوسة به، فتكون مضمونة كما في قدر الدين.

стр. 2757

ونوقش: بأن يد المرتهن يد استيفاء فلا توجب الضمان إلا بقدر المستوفى، كما في حقيقة الاستيفاء بأن أوفاه دراهم في كيس أكثر من حقه يكون مضمونا عليه بقدر الدين، والفضل أمانة، والزيادة مرهونة ضرورة امتناع حبس الأصل بدونها، ولا ضرورة في حق الضمان.

стр. 2758

المذهب الثالث: التفرقة بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه: فإن كان مما يغاب عليه من العروض فهو ضامن، وإن كان مما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار فليس بضامن، وممن قال بهذا مالك والأوزاعي وعثمان البتي، بل يضمن على كل حال قامت البينة أو لم تقم، وبقول مالك قال ابن القاسم، وبقول عثمان والأوزاعي قال أشهب، ومستند هذا المذهب الاستحسان، ومعناه: أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه. ونوقش: بأن الاستحسان الذي يذهب إليه مالك استحسان بغير دليل فلا حجة فيه. وأجيب عنه: بأن معنى الاستحسان عند مالك: هو جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بلا دليل. هذا ما تيسر، وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2759

المراجع في المذهب الحنفي: المصادر: [تحفة الفقهاء] ٣\ ٥٦، و [بدائع الصنائع] ٦\ ١٤٥ - ٣٧٠، و [كنز الدقائق] وشرحه [تبيين الحقائق] ٦\ ٦٣ - ٦٨، [وفتح القدير] ٨\ ١٩٤ - ٢٠٢، و [حاشية ابن عابدين] ٥\ ٣١٨ - ٣٢٥، و [ملتقى الأبحر] وشرحه [مجمع الأنهر] ٢\ ٥٨٦ - ٥٩١، و [الدراية] ٢\ ٢٥٧، ٢٥٨، و [نصب الراية] ٤\ ٣١٩، و [شرح معاني الآثار] ٤\ ٩٨. وفي المذهب المالكي: [المنتقى] ٥\ ٢٥٣ - ٢٥٥، و [بداية المجتهد] ٢\ ٢٢٨ - ٢٣٠، و [شرح الرسالة] ٢\ ٢٠٥ - ٢١٠. وفي المذهب الشافعي: [مختصر المزني على هامش الأم] ٣\ ١٢٦ - ١٢٨، و [المهذب] ١\٣١٠ - ٣١٦، و [الوجيز] ١\ ١٨ - ١٠١، و [روضة الطالبين] ٤\ ٧٤ - ١١١. وفي المذهب الحنبلي: [الشرح الكبير] ٤\ ٤٠٩ وما بعدها، و [المغني] ، ٤\ ٤٩٠، ٤٩٤، ٤٩٩، ٥٠٣، ٥١٣، و [المقنع] وحاشيته ٢\ ١٠٤ - ١٠٦، و [عمدة الفقه] وشرحها ٢٤٧ - ٢٥٠، و [المجد] ١\ ٣٣٦، و [التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح] و [القياس في الشرع الإسلامي] ٣٣، وكتاب الرهن من [المحلى] ٨\ ٨٧ وما بعدها.

стр. 2760

(٤) إيجاد مواقف للسيارات تحت المساجد هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2761

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إيجاد مواقف للسيارات تحت المساجد إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة بالطائف في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوع إيجاد مواقف للسيارات تحت المساجد والجوامع عند إنشائها داخل مدينة الرياض في جدول أعمال الهيئة للدورة المتقرر انعقادها في النصف الأول من شهر ربيع الثاني لعام ١٣٩٦ هـ وإعداد بحث في حكم ذلك - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا يشتمل على بعض أقوال أهل العلم في سطوح المواضع المنهي عن الصلاة فيها، وعن حكم جعل أسفل المسجد سقاية أو حوانيت أو بيوت أو نحو ذلك، مع إثارة بعض الاعتراضات التي يمكن أن يعترض بها على ذلك ومناقشتها. والله الموفق.

стр. 2762

بناء المساجد على قوائم يكون ما بينها مرفق يرتفق به - كمواقف للسيارات مثلا - قد يفضي ذلك إلى محاذير شرعية، فقد يكون لهذا المرفق حكم الطريق باعتبار أن السيارات تستطرقه داخلة وخارجة، وكذا المارة من أصحابها وغيرهم، فإنهم سيرتفقون به في الاستطراق وغيره من أنواع الارتفاق. وقد وردت أحاديث تدل على النهي عن الصلاة في مجموعة أماكن منها الطريق، فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي أعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله (١) » رواه عبد بن حميد في [مسنده] ، وابن ماجه والترمذي، وقال: إن إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله قال: وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، والعمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه (٢) . ونظرا إلى أن الأحكام الخاصة بالمسجد قد تشمل هواءه وقراره فقد تكلم بعض أهل العلم في حكم الصلاة في سطوح الأماكن المنهي عن الصلاة فيها ومن ذلك الطريق، وفيما يلي بعض من أقوالهم: قال أبو الفرج بن قدامة ﵀ بعد كلامه على حكم الصلاة في

стр. 2763

الأماكن المنهي عن الصلاة فيها، ومنها: قارعة الطريق- قال: فأما أسطحة هذه المواضع فقال القاضي وابن عقيل: حكمها حكم السفل؛ لأن الهواء تابع للقرار، ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث. والصحيح إن شاء الله: قصر النهي على ما تناوله النص، وأن الحكم لا يعدى إلى غيره. اهـ (١) . وقال أبو محمد بن قدامة ﵀: وإن صلى على سطح الحش أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها، فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلى فيها؛ لأن الهواء تابع للقرار فثبت فيه حكمه؛ ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث، ولو خرج المعتكف إلى سطح المسجد كان له ذلك؛ لأن حكمه حكم المسجد، والصحيح إن شاء الله: قصر النهي على ما تناوله النص، وأن لا يعدى إلى غيره؛ لأن الحكم إن كان تعبديا فالقياس فيه ممتنع، وإن علل فإنما يعلل؛ لكونه للنجاسة ولا تخيل هذا في سطحها، فأما إن بنى على الطريق ساباطا أو أخرج عليه خروجا فعلى قول القاضي حكمه حكم الطريق لما ذكره فيما تقدم. وعلى قولنا: إن كان الساباط مباحا له، مثل: أن يكون في درب غير نافذ بإذن أهله أو مستحقا له أو حدث الطريق بعده فلا بأس بالصلاة عليه ... إلى أن قال: فإن كان المسجد سابقا وجعل تحته طريق أو عطن أو غيرهما من مواضع النهي أو كان في غير مقبرة فحدثت المقبرة حوله لم تمتنع الصلاة فيه بغير خلاف؛ لأنه لم يتبع ما حدث بعده، والله أعلم. اهـ (٢) .

стр. 2764

وقال الرحيباني بعد ذكره النهي عن الصلاة في مجموعة مواضع منها قارعة الطريق: وأسطحة ما مر من هذه المواضع التي لا تصح الصلاة فيها كهي؛ لأن الهواء تابع للقرار لمنع الجنب من اللبث بسطح المسجد، وحنث من حلف لا يدخل دارا بدخول سطحها، فلا تصح الصلاة بساباط حدث على طريق لتبعية الهواء للقرار بخلاف طريق أو غيره من مواضع النهي حدث تحت مسجد بعد بنائه، فتصح الصلاة في ذلك المسجد؛ لأنه لم يتبع ما حدث بعده. اهـ (١) . وقال المرداوي على قول الخرقي: وقال بعض أصحابنا: حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك. ما نصه: يعني: كالمقبرة ونحوها، وهذا هو المذهب، قال الشارح: أكثر أصحابنا على هذا. قال في [الفروع] : اختاره الأكثر. قال الزركشي: وألحق عامة الأصحاب بهذه المواضع المجزرة ومحجة الطريق، وجزم به في [الوجيز والإفادات والمنور والمنتخب] ، وقدمه في [الفروع والنظم والفائق] ، وهو من المفردات. وعنه تصح الصلاة في هذه الأمكنة، وإن لم يصححها في غيرها ويحتمله كلام الخرقي واختاره المصنف، وعنه تصح في أسطحتها وإن لم يصححها في داخلها، واختاره المصنف والشارح- إلى أن قال-: وعنه: لا تصح الصلاة على أسطحتها، وكرهها في رواية عبد الله وجعفر، على نهر وساباط، وقال القاضي فيما تجري فيه سفينة كالطريق، وعلله بأن الهواء تابع للقرار، واختار أبو المعالي وغيره الصحة كالسفينة. اهـ (٢) .

стр. 2765

وقد يمنع من أجازه جعل ما تحت المسجد مرفقا يرتفق به كون المسجد وقفا مؤبدا.

стр. 2766

ولأهل العلم في حكم ذلك كلام يحسن إيراد ما يتيسر منه: ١ - قال ابن الهمام: قوله: ومن جعل مسجدا تحته سرداب وهو بيت يتخذ تحت الأرض لتبريد الماء وغيره أو فوقه بيت ليس للمسجد واحد منهما، فليس بمسجد، وله بيعه، ويورث عنه إذا مات، ولو عزل بابه إلى الطريق لبقاء حق العبد متعلقا به، والمسجد خالص لله سبحانه ليس لأحد فيه حق، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (١) إلى أن قال: بخلاف مما إذا كان السرداب أو العلو موقوفا لصاحب المسجد فإنه يجوز، إذ لا ملك فيه لأحد، بل هو من تتميم مصالح المسجد فهو كسرداب مسجد بيت القدس هذا هو ظاهر المذهب. وروي عن أبي حنيفة أنه إذا جعل السفل مسجدا دون العلو جاز؛ لأنه يتأبد بخلاف العلو، وهذا تعليل للحكم بوجود الشرط فإن التأبيد شرط وهو مع المقتضى. وعن محمد عكسه، وعن أبي يوسف أنه جوز ذلك في الأولين لما دخل بغداد ورأى ضيق الأماكن وكذا عن محمد لما دخل الرين، وهذا تعليل صحيح؛ لأنه تعليل بالضرورة. - إلى أن قال-: وفي كتاب الكراهية من [الخلاصة] عن الفقيه أبي جعفر عن هشام عن محمد، أنه يجوز أن يجعل شيء من الطريق مسجدا أو يجعل شيء من المسجد طريقا للعامة. اهـ. يعني: إذا احتاجوا إلى ذلك، ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجدا وكذا على القلب -إلى أن قال-: إلا أن قوله: وعلى القلب يقتضي جعل المسجد رحبة وفيه نظر. وقد ذكر المصنف في علامة النون من كتاب [التنجيس] : قيم المسجد إذا أراد أن

стр. 2767

يبني حوانيت في المسجد أو في فنائه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه إذا جعل المسجد سكنا تسقط حرمة المسجد، وأما الفناء فلأنه تبع للمسجد. اهـ (١) ٢ - وقال في [المدونة] : قال: وسألنا مالكا عن المسجد يبنيه الرجل ويبني فوقه بيتا يرتفق به قال: ما يعجبني ذلك. قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى وقد كان يبيت فوق ظهر المسجد مسجد النبي ﷺ فلا تقربه فيه امرأة، وهذا إذا بنى فوقه صار مسكنا يجامع فيه ويأكل فيه -إلى أن قال-: قلت لابن القاسم: أرأيت ما كان من المساجد بناها رجل للناس على ظهر بيته أو بناها وبنى تحتها بنيانا هل يورث ذلك؟ قال: أما البنيان على ظهر المسجد فقد أخبرتك أن مالكا كره ذلك، وأما ما كان تحت المسجد من البنيان فإنه لا يكرهه، والمسجد عند مالك لا يورث إذا كان قد أباحه صاحبه للناس، ويورث البنيان الذي بني تحت المسجد. اهـ (٢) ٣ - وقال الزركشي الشافعي: كره مالك أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله. قلت: وفي فتاوى البغوي ما يقتضي منع الجنب فيه؛ لأنه جعل ذلك هواء المسجد، وهواء المسجد حكمه المسجد. اهـ (٣) ٤ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على حكم إبدال المسجد بغيره للمصلحة ما نصه: وقال القاضي أبو يعلى: وقال في

стр. 2768

رواية صالح: يحول المسجد خوفا من لصوص، وإذا كان موضعه قذرا، وبالثاني قال القاضي أبو يعلى، وقال في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم من ذلك؟ ينظر إلى قول أكثرهم ولا بأس به. قال: فظاهر هذا أنه أجاز أن يجعل سفل المسجد حوانيت وسقاية. قال: ويجب أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود بالمسجد. قال: وكان شيخنا أبو عبد الله -هو: ابن حامد - يمنع من ذلك ويتأول المسألة على أنهم اختلفوا في ذلك عند ابتداء بناء المسجد قبل وقفه ... إلى أن قال: وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه، فإن نصه صريح في أن المسجد إذا أرادوا رفعه من الأرض، وأن يجعل تحته سقاية وحوانيت، وأن بعضهم امتنع من ذلك، وقد أجاب: بأنه ينظر إلى قول أكثرهم. ولو كان هذا عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع في بنيه إذا كان جائزا، ولم ينظر في ذلك إلى قول أكثرهم ... إلى أن قال: ولأن قوله: أرادوا رفعه من الأرض، وأن يجعل تحته سقاية: بين في أنه ملصق بالأرض، فأرادوا رفعه وجعل سقاية تحته، وأحمد اعتبر اختيار الأكثر من المصلين في المسجد، لأن الواجب ترجيح أصلح الأمرين، وما اختاره أكثرهم كان أنفع للأكثرين؛ فيكون أرجح. وأيضا فلفظ المسألة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز قال: قال في رواية سليمان بن الأشعث: إذا بنى رجل مسجدا فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه بناء أجود من الأول فأبى عليه الباني الأول، فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم: إذا أحبوا هدمه وبناءه، وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ويعمل في أسفله سقاية فمنعهم من ذلك مشائخ ضعفاء وقالوا: لا

стр. 2769

نقدر أن نصعد؛ فإنه يرفع ويجعل سقاية، ولا أعلم بذلك بأسا، وينظر إلى قول أكثرهم، فقد نص على هذا، وتبديل بنائه بأجود، وان كره الواقف الأولى، وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته، وإن منعه مشائخ ضعفاء، إذا اختار ذلك الجيران، واعتبر أكثرهم. اهـ[مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] ، (٣١\ ٢١٧- ٢٢٠) . (١) . وقد يمنع من جواز إقامة مواقف للسيارات تحت المساجد ما يترتب على ذلك من رفع المسجد بضع درجات توجب المشقة على المسنين والضعفاء، وقد تصل المشقة إلى اضطرار ترك الصلاة في المسجد للعجز عن الصعود إليه. وفيما مر ذكره من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية إجابة على ذلك حيث إن المعتبر في ذلك رجحان المصلحة فإذا كانت المصلحة في رفع المسجد بحيث يكون أسفله مرفقا يرتفق به المسلمون أرجح من المصلحة في منع ذلك؛ ليتمكن كبار السن والضعفاء من الصلاة في المسجد صار الأمر حيث تكون المصلحة راجحة. كما أنه يمكن أن يقال: بأن بضع درجات لا توجب مشقة في الغالب إلا لمن هو في نفس الأمر مريض أو عاجز، ومتى كان كذلك فإن خروجه من بيته إلى المسجد قد يوجد له نفس المشقة فيعذر بها، وعلى فرض أن مشقة الطلوع إلى المسجد تزيد على مشقة الخروج إليه من بيته فإن المصلحة العامة التي ستحصل من ذلك راجحة على المصلحة الفردية التي ينالها العاجز عن الصعود بضع درجات في حال تركها. ذلك أن إيجاد مرفق عام يرتفق به المسلمون يعتبر

стр. 2770

مصلحة كبرى تهدف الشريعة الإسلامية إلى تحصيلها وتكميلها، فضلا عما في ارتفاع مبنى المسجد عن الشوارع من أسباب نظافته وبعده عن الغبار والأتربة وما يتطاير في الشوارع من النفايات. ويمكن أن يقال: بأن جعل المسجد فوق موقف للسيارات ينشأ عنه مزيد ضجة وضوضاء وإزعاج للمصلين بأبواق السيارات مع تعريض المسجد لأخطار صدم قوائمه مما يكون سببا في انهيار المسجد أو تصدعه فضلا عما في ذلك من انتهاك لحرمة المسجد حينما يكون قراره محلا للابتذال والمهانة وفحش القول بحكم اعتباره موقفا للسيارات الغالب على أهلها الابتذال في الأقوال والأعمال. وقد يجاب عن ذلك: بأن الصخب والضوضاء والانزعاج بأبواق السيارات حاصل ولو لم يكن أسفل المسجد موقفا للسيارات؛ لأن المسجد الصالح لإقامته فوق موقف للسيارات يفترض فيه أن يكون على شوارع عامة، وما كان على شارع عام فله نصيبه الوافر من الضوضاء والصخب والانزعاج. والقول باحتمال تصدع قوائمه من صدم السيارات لها يواجه بضرورة تحصين هذه القوائم، وضمان صد هذا الاحتمال بإحكام البناء وإيجاد عوامل الصد والوقاية. وأما القول: بأن قراره سيكون محلا للابتذال والمهانة وفحش القول والعمل كالطرق العامة والميادين. فحصول شيء من ذلك لا يعتبر مانعا على القول: بأن ما تحت المسجد مما ليس مسجدا كسقاية وحوانيت ونحوها كمواقف السيارات- ليس له حكم المسجد.
следующие страницы →