له سماع منها، مات سنة ست وتسعين، وله خمسون سنة أو نحوها.
قوله: (كانوا يكرهون التمائم) إلى آخره، مراده بذلك: أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد، وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم، كما بين ذلك الحفاظ كالعراقي وغيره.
وقال الشيخ محمد صديق حسن ﵀ (١) : فصل في شرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلايا ودفعها، ومعنى رفع الشيء: إزالته بعد نزوله، ومعنى دفع الشيء: منعه قبل نزوله.
عن عمران بن حصين ﵁، «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة، (٢) » وفي رواية الحاكم: «دخلت على رسول الله ﷺ وفي عضدي حلقة من صفر،» فالمبهم في هذه الرواية هو: عمران راوي الحديث.
قال: (ما هذه؟) يحتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها أو يكون للإنكار وهو أظهر، قال: من الواهنة: قال أبو السعادات: (الواهنة) : عرق يأخذ بالمنكب وفي اليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء.
قال: (انزعها) نهي عنه؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد، والنزع: هو الجذب بقوة.
«فإنها لا تزيدك إلا وهنا (٣) » ، أخبر أنها لا تنفعك، بل تضرك وتزيدك
стр. 3397
ضعفا، وكذلك كل أمر نهى عنه إنه لا ينفع غالبا وإن نفع بعضه في اعتقاده الكاذب فضرره أكبر من نفعه «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (١) » ؛ لأنه شرك استعان صاحبه بغير الله تعالى، و (الفلاح) : هو الفوز والظفر والسعادة.
وفي هذا شاهد لكلام الصحابة إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر وأنه لم يعذره بالجهالة، وفيه الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك، رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله ﵁ عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة (٢) » ، أي: علقها متعلقا بها في قلبه في طلب خير أو شر وضير.
قال المنذري: خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلال، إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى.
وقال أبو السعادات: التمائم: جمع تميمة وهي خرزة كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام، «فلا أتم الله له (٣) » ، دعاء عليه، «ومن تعلق ودعة (٤) » بفتح الواو وسكون المهملة، قال في [مسند الفردوس] : الودع: شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين، «فلا ودع الله له (٥) » بتخفيف الدال، أي: لا جعله في دعة وسكون.
قال أبو السعادات: هذا دعاء عليه، وروى هذا الحديث أيضا أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وفي رواية لأحمد «من تعلق تميمة فقد أشرك (٦) » ، وهذا أصرح من الأول، ورواه الحاكم أيضا بنحوه ورواته ثقات.
стр. 3398
قال ابن الأثير: إنما جعلها شركا؛ لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه.
قال: ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١)
وفي لفظ: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ﴾ (٢) إلخ.
كان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى، واستدل حذيفة بالآية على أن هذا شرك.
وفيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزل الله تبارك في الشرك الأكبر؛ لشمول الآية له، ولدخوله في مسمى الشرك.
وفي رواية عن حذيفة بلفظ: أنه دخل على مريض فلمس عضده فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهي عليك ما صليت عليك.
وفي إنكار مثل هذا وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.
وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهلة البطلة- فهو شرك، يجب إنكاره وإزالته بالقول وبالفعل وإن لم يأذن فيه صاحبه.
стр. 3399
وفي هذه الآثار عن الصحابة ما يبين كمال علمهم بالتوحيد وبما ينافيه من أنواع الشرك أو ينافي كماله.
وقال في فصل في رد شرك الرقى والتمائم:
عن أبي بشير الأنصاري «أنه كان مع النبي ﵌ في بعض أسفاره، (١) » قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه، «فأرسل رسولا» : هو زيد بن حارثة، رواه الحارث بن أبي أسامة في [مسنده] ، كما قال الحافظ: «أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر (٢) » - بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره وقلدوا به الدواب، اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين- «أو قلادة إلا قطعت (٣) » رواه الشيخان في [الصحيحين] .
والشك فيه من الراوي، هل قال شيخه: قلادة من وتر، أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيد، ويؤيد الأول ما روي عن مالك: أنه سئل عن القلادة، فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر.
ولأبي داود " قلادة " بغير شك.
قال البغوي في [شرح السنة] : تأول مالك أمره ﵇ بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ ويظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي ﵌ عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا.
وقال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي ﵌ بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا، وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
стр. 3400
قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة المتقدم وهي ما علق من القلائد وخشية العين ونحو ذلك. اهـ.
وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (١) » رواه أحمد وأبو داود وفيه قصة.
ولفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود: أن عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﵌ يقول ... إلخ.
فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقى كف عنها.
إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﵌ يقول: «أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (٢) » ، رواه أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي. سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: عن حكم استعمال الأسورة المغناطيسية؟
فأجاب حفظه الله: والذي أرى في هذه المسألة: هو ترك الأسورة المذكورة، وعدم استعمالها؛ سدا لذريعة الشرك، وحسما لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه؛ ثقة به واعتمادا عليه، واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة
стр. 3401
إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم، وعما اشتبه أمره.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (١) » ، وقال ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢) » .
ولا ريب أن تعليق الأسورة المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان، فهو إما من الأمور المحرمة الشركية أو من وسائلها، وأقل ما يقال فيه: أنه من المشتبهات، فالأولى بالمسلم والأحوط له: أن يترفع بنفسه عن ذلك، وأن يكتفي بالعلاج الواضح الإباحة البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه، والسلامة مما يخالف شرعه، إنه على كل شيء قدير، والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا ما تيسر جمعه، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3402
(٤) حكم استعمال المياه النجسة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم استعمال المياه النجسة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
بناء على ما تقرر في الدورة الثانية لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض في النصف الثاني من ربيع الأول سنة ١٣٩٦ هـ من إعداد بحث في [حكم استعمال المياه النجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها]- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على: تمهيد في بيان معنى الاستحالة، وإيضاح هذا المعنى بكلام أهل العلم في حكم استحالة النجس إلى طاهر بالإحراق أو غيره، وهل تطهر الخمر بالاستحالة؟ ثم بيان كلام أهل العلم في حكم استعمال المياه المتنجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها.
وبالله التوفيق.
أولا: التمهيد:
(أ) معنى الاستحالة: لغة: جاء في معنى حال:
стр. 3403
كل شيء تغير عن الاستواء إلى العوج، فقد حال في معنى واستحال وهو مستحيل (١) .
ومعناها اصطلاحا: انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى (٢) .
ب- استحالة النجس إلى حقيقة أخرى بالإحراق أو غيره هل تكسبه الطهارة؟:
اختلف أهل العلم في ذلك:
فذهب قوم إلى القول بالطهارة:
وممن قال بذلك: أبو حنيفة ومحمد وأكثر الحنفية والمالكية، وسواء عندهم ما هو نجس لعينه وما هو نجس لمعنى فيه، ووافقهم الشافعية في النجس لمعنى فيه كجلد الميتة، وأما الحنابلة فمنهم من يقول بالطهارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية.
وفيما يلي ذكر نصوصهم في ذلك وأدلتهم مع المناقشة:
جاء في [البحر الرائق] : من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين ... ومضى إلى أن قال: وإن كان في غيره- أي: الخسر- كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد (٣) وقال أيضا: وضم إلى محمد أبا حنيفة في [المحيط] ، وكثير من المشايخ اختاروا قول محمد، وفي
стр. 3404
[الخلاصة] وعليه الفتوى، وفي [فتح القدير] : أنه المختار (١) .
والمالكية يذهبون إلى أن ما استحال إلى صلاح فهو طاهر، وأن ما استحال إلى فساد كان نجسا، جاء في [الشرح الكبير] و [حاشية الدسوقي] عليه: من الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا لاستحالته إلى الصلاح (٢) .
ثم جاء في موضع آخر: إذا تغير القيء وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة كان نجسا وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغير كان طاهرا (٣) .
واعتبر المالكية كذلك: أن المسك طاهر، ففي [الحطاب] : الحكم بطهارة المسك؛ لأنها استحالة عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات وإلى اسم يختص به، وطهرت بذلك، كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرا، انتهى (٤) .
وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه وما هو نجس لمعنى فيه، فأما الأشياء النجسة لمعنى فيها فإنها طاهرة، قال في [المهذب] : ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان:
стр. 3405
أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، والثاني: الخمر (١)
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة (٢) .
وقال المرداوي: وعنه بل تطهر وهي مخرجة من الخمرة إذا انقلبت بنفسها، خرجها المجد واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، فحيوان متولد من نجاسة كدود الجروح والقروح وصراصير الكنيف طاهر نص عليه (٣) انتهى المقصود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة أو صارت رمادا أو صارت- الميتة والدم والصديد- ترابا كتراب المقبرة فهذا فيه خلاف، وبعد ذكره للخلاف قال: والصواب أن ذلك كله طاهر، إذا لم يبق شيء من النجاسة، لا طعمها ولا لونها ولا ريحها (٤)
وقال ابن حزم: إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (٥) .
وقال أيضا: إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر (٦) .
стр. 3406
واستدل لذلك بالكتاب والسنة والاستقراء والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)
وجه الدلالة: أن هذه الأشياء بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها صارت طيبة فهي طاهرة، وقد يعارض ذلك: بأن القول بأنها طيبة وهو محل النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل الخلاف.
وقد يجاب عن ذلك: بأن العبرة بالواقع لا بالدعوى وواقعها أنها طيبة فيسلم الدليل.
وأما السنة: فما ورد من الأدلة في طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ ونحو ذلك من الأدلة.
وأما الاستقراء: فقد ذكره شيخ الإسلام، فقال بعد كلام سبق: الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا وكذلك بيضها ولبنها والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر وغير ذلك فإنه يزول حكم التنجس ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه، فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق ولا التفات إلى موادها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادا ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا، ففيه خلاف مشهور، وللقول بالتطهير اتجاه
стр. 3407
انتهى المقصود (١) .
وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة.
وأما المعنى: فقد جاء في [فتح القدير] أنه المختار؛ لأن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل؟! فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (٢) ، انتهى المقصود.
القول الثاني: إن استحالة النجس وزوال أعراض النجاسة عنه وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا.
وممن قال بهذا القول: أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية، وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة.
جاء في [فتح القدير] : أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي [التجنيس] اختار قول أبي يوسف كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت ودفع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح، هذا قول أبي يوسف (٣) ، انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهو أحد قولي أصحاب
стр. 3408
مالك (١)
وقال الشيرازي: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ.
والثاني: الخمر.
ثم قال صاحب [المهذب] : وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (٢)
وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب: أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٣) .
وقال المرداوي على قول ابن قدامة: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، قال: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٤)
واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة فتبقى النجاسة من وجه فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٥) .
وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستها- أي: العذرة والسرجين-
стр. 3409
لعينهما (١) .
وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك: بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا وصديدا (٢)
ج- هل تطهر الخمر بالاستحالة؟:
اتفق أهل العلم- فيما نعلم- على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة.
قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر (٣)
وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء في ذلك:
فمنهم من يقول بطهارتها، ومنهم من يقول بنجاستها.
وممن قال بأنها طاهرة: الحنفية والمالكية وابن حزم ومن وافقهم.
جاء في [بداية المبتدي] وشرحها [الهداية] : وإذا تخللت الخمر حلت، سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلها (٤)
وفي [الحطاب] : ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيها؛ كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقي فيه (٥) .
стр. 3410
وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر وخللت فالخل حلال (١) .
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى:
أما السنة: فقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل (٢) » رواه مسلم والأربعة من حديث جابر.
وجه الدلالة: أنه ﷺ عم ولم يخص.
وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس، «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (٣) » أخرجه مسلم، وعن أنس «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا؟ قال: أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا (٤) » .
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث: بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قصدا.
وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا.
وأما الدليل من جهة المعنى:
فقد جاء في [البداية] وشرحها: إنه بالتحليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والأقرياب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل؛ وذلك لما فيه
стр. 3411
من احترام حال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به.
وقد يجاب عن ذلك: بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص، ولا اجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم: «سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (١) » الحديث وقد سبق (٢) .
القول الثاني: أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة.
وممن قال بهذا: الشافعية والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
قد جاء في [المهذب] : وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر (٣) .
وقال ابن قدامة: (وإن خللت لم تطهر) .
وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب (٤) .
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٥) .
واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى.
أما السنة:
فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁، «أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: أهرقها
стр. 3412
فقال: أفلا أخللها؟ قال: لا (١) » .
وجه الدلالة: أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز.
وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان وتقطيع الزقاق، رواه الطبراني في [معجمه] : حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث عن يحيى بن عباد عن أنس عن أبي طلحة قال: «قلت: يا رسول الله، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان (٢) » انتهى.
ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في [مسنده] : حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب عن ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة،» وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع، انتهى بواسطة الزيلعي (٣) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل عليه ذلك، فإن وجد وإلا فالأصل بقاء دلالة الحديث على التحريم (٤) ، كما سبق.
стр. 3413
وأما الأثر: فقول عمر ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل خمر أهل الذمة إذا ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها، انتهى، استدل به شيخ الإسلام، وذكر أنه صحيح (١)
وأما المعنى: فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (٢)
стр. 3414
ثانيا: استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها:
استحالة المياه المتنجسة قد تكون بصب ماء طهور عليها أو نزح بعضه أو زوال التغير بنفسه، وقد تكون برمي تراب ونحوه فيها، وقد تكون بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها، وقد تكون بتبخيره وتقطيره مثلا.
وفيما يلي الكلام على كل نوع:
ا- استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها أو نزح بعضه أو زوال التغير بنفسه:
نذكر فيما يلي طريقة كل مذهب إجمالا ثم نتبعها بالتفصيل نظرا لاختلافهم من حيث الجملة في طريقة التطهير:
فالحنفية: يرون: أن نزح مقدار من ماء البئر المتنجس مطهر لما بقي
стр. 3415
من الماء لكن يختلف مقدار ما ينزح لتحصل به الطهارة للباقي باختلاف نوع النجاسة واختلاف أحوالها.
وأما المالكية: فإذا زال تغيره بمكاثرة ما لمادة فيه أو يإدخال ماء آخر طهر، وإن زال بنفسه ففي [الإرشاد] : الظاهر عوده إلى أصله، وقيل: إن زال بالنقص المجرد فقولان أيضا.
وأما الشافعية: فإنهم يقسمون الماء ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون أكثر من القلتين، والثاني: أن يكون قلتين، والثالث: أن يكون دون القلتين.
فإن كان أكثر من قلتين فإنه يطهر بطرق ثلاثة: إضافة ماء إليه يزول به التغير وهذا متفق عليه، أو بأخذ بعضه حتى يزول التغير بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين وهذا بلا خلاف أيضا، أو بزوال التغير بنفسه، بطلوع الشمس والريح أو بدور الزمان، وهذا هو المذهب.
وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكر إلا بأخذ بعضه فإنه لا يطهر محل اتفاق.
وإن كان دون القلتين وكاثره بماء حتى بلغ قلتين طهر بلا خلاف عندهم.
وأما الحنابلة: فهم كالشافعية في تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، فإن كان أكثر من قلتين وهو غير متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة، وبنزح كثير يزول معه التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، وبزوال التغير بمكثه.
وإن كان قلتين وهو متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان
стр. 3416
متغيرا بها طهر بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغاير أو بتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه.
وإن كان دون القلتين وهو متغير طهر بالمكاثرة بقلتين طاهرتين يزول بهما التغير، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة.
أما طريقتهم تفصيلا فهي ما يلي:
стр. 3417
أ- طريقة الحنفية:
جاء في [بداية المبتدي] وشرحها: وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكذا نزح ما فيها طهارة لها بإجماع السلف، ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص- نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها، يعني: بعد إخراج الفأرة، لحديث أنس ﵁ أنه قال: في الفأرة: إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا، والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها، والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب، فإن ماتت فيها حمامة ونحوها كالدجاجة والسنور: نزح ما بين أربعين دلوا إلى ستين.
وفي [الجامع الصغير] : أربعون أو خمسون، وهو الأظهر لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال في الدجاجة: إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا، وهذا لبيان الإيجاب، والخمسون بطريق الاستحباب، ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها، وقيل: دلو يسع فيها صاع ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز؛
стр. 3418
لحصول المقصود.
وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء؛ لأن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم، فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر لانتشار البلة في أجزاء الماء.
وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وطريقة معرفته: أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلئ أو ترسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص فينزح لكل قدر منها عشر دلاء، وهذان عند أبي يوسف ﵀، وعند محمد ﵀، نزح مئتي دلو إلى ثلثمائة، فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده.
وعند أبي حنيفة ﵀ في [الجامع الصغير] في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر القلة بشيء كما هو دأبه، وقيل: يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، وهذا تشبه بالفقه.
стр. 3419
ب- طريقة المالكية:
قال الشيخ خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فأستحسن
стр. 3420
الطهورية وعدمها أرجح.
وقد شرح الحطاب ذلك فقال: يعني: أن الماء إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره فلا يخلو؛ إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا:
فالأول: طهور باتفاق، قاله في [التوضيح] ، وذلك كالبئر ينزح منها حتى يزول التغير وكالصهريج يتغير بميتة فيترك حتى يكثر ماؤه بمطر ونحوه، وقد جهل أبو محمد بعضهم في قوله في ماجل قليل الماء وقعت فيه فأرة يطيق حتى يكثر ماؤه ثم يشرب، قال: فإن فعل شرب وتجهيله في تأخير طرحه.
الثاني: إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء ولم يذكره المصنف، وسيأتي حكمه، أو من نفسه فلا شيء ومنه ما إذا نزع من الماء الذي لا مادة له بعضه فزال تغيره فذكر المصنف تبعا لابن الحاجب وابن شاس وابن بشير وغيرهم في طهوريته قولين: استحسن بعض الشيوخ القول بالطهورية، ورجح ابن يونس عدم الطهورية فاعترض عليه ابن غازي فيما ذكره عن ابن يونس، وفي [التوضيح] بأنه لم يوجد في كلامه إلا الكلام على حكم زوال النجاسة إذا زال عينها بالماء المضاف وسيأتي.
وذكر ابن مرزوق في شرحه على المختصر نحو ذلك، وقال ما معناه: إن المصنف حمل كلام ابن يونس على نفس ما نحن فيه فهو وهم، وإن أراد أن يقيسه عليه فبعيد، وقد رأيت كلام ابن مرزوق شرح المفصلين الأولين من المختصر، وفيه نحو ما ذكره ابن غازي، وقال ابن غازي: لم يعرفه ذلك الإمام، ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره ممن قبل ابن بشير فقال: وقول ابن بشير في طهورية النجس يزول تغيره بلا نزح قولان
стр. 3421
لا أعرفه، فبقي وجدان القولين معا في المذهب، وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، ولا يلتفت لما حكى أبو زيد القابسي من رد بعضهم على ابن عرفة بقول ابن يونس لا أن الراد مقلد لخليل في نقله، كالشارح نعم أغفل ابن عرفة ما ذكره ابن رشد في رسم القسمة من سماع عيسى، وذكر بعض كلام ابن رشد، ولنأت بأكثر مما يتضح به المقصود.
قال: وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء تموت فيه الدابة، وننشق والماء كثير لم يتغير منه إلا ما كان قريبا منها، فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة هل يتوضأ به ويشرب؟
قال: إذا خرجت الميتة فلينزح منه حتى يذهب دسمها والرائحة واللون إن كان به لون إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب إذا فعل ذلك به.
قال ابن القاسم: الأخير فيه ولم أسمع مالكا رخص فيه قط، ابن رشد قول ابن وهب وهو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه: أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه على ما جاء عنه ﵊ في بئر بضاعة.
وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فمتغير لون الماء وريحه ثم يطيب بعد ذلك: أنه لا بأس به، انتهى، فظهر وجود القولين: أحدهما: قول ابن القاسم فيما نزح بعضه فأحرى إذا لم ينزح منه شيء؛ لأنه لما لم يعتبر ذهاب التغير مع النزح كان عدم اعتباره مع عدم النزح أولى، بناء على أن المعتبر
стр. 3422
مخالطة المغير فيجب بقاء حكمه وإن زال التغير، والثاني: رواية ابن وهب وابن أبي أويس وقد صححه ابن رشد، وهو الذي ارتضاه صاحب الطراز وشيخه أبو بكر الطرطوشي بضم الطاءين وبينهما راء، قال الطراز: ولقد عاينت في صهريج دار الشيخ أبي بكر هرا قد انتفخ وتزلع وتغير منه ريح الماء وطعمه ولونه فنزع الهر وترك الصهريج حتى ينزح فأقام شهرا ثم رفع منه الماء فإذا هو سالم الأوصاف، فشرب ذلك الماء في داره، وفيها ما يزيد على سبعين من أهل العلم وطلبته ولم ينزح منه دلو. انتهى.
ولعل المصنف أشار إليهما بالاستحسان، ثم إن كليهما فيما لا مادة له أو لم ينزح منه شيء فماله مادة أو نزح بعضه أولى بالطهورية، وانظر ما الذي أنكره ابن عرفة هل القول بالطهورية، أو القول بعدمها؟ وليس في كلامه ما يدل على ذلك صريحا غير أن المتبادر من كلامه إنما هو إنكار القول بالطهورية، كما يفهم ذلك من كلام ابن ناجي في [شرح المدونة] في الكلام على من توضأ من ماء مات فيه دابة، وكذا ذكر ابن الفاكهاني في [شرح الرسالة] القولين وشبهة من عدم الطهورية، ونصه: وأما إن كان المخالط نجسا فإن غير أحد أوصاف الماء فلا خلاف في نجاسته قليلا كان أو كثيرا ما دام متغيرا، فإن زال تغيره بعد فقولان:
أحدهما: إنه كالبول فلا ينتقل حكمه، وهو المشهور.
والثاني: أنه يرجع إلى أصله من الطهارة أو التطهير، وكذلك إن أزيل بعض الماء وسلمت أوصافه فقولان، انتهى.
تنبيهات:
وبعد أن ذكر حكم الماء المتغير بطاهر قال: الثاني: إن زال تغيره
стр. 3423
بمخالطة ماء مطلق قليل فظاهر كلام المصنف فيه قولان:
وقال البساطي في شرحه: ولو جعل المصنف محل النزاع إذا زال التغير بنفسه سلم من المطالبة بالنقل فيما إذا زال بقليل المطلق.
وقال في [المغني] بعد أن ذكر الخلاف فيما زال تغيره بنفسه: وألحق الشيخ خليل في مختصره به إذا زال التغير بمطلق يسير وهو في عهدته، انتهى.
قلت: وكلام ابن الإمام يقتضي ثبوت الخلاف فيه، فإنه قال: إذا كاثره الطهور حتى غلب عليه وزال به التغير، فالأظهر نفي الخلاف فيه إن انتهى إلى ما لو رفع فيه جملة هذا التغير كان كثيرا، أو ثبوته إن انتهى إلى ما لو وقع فيه كان قليلا.
وقد أطلق بعض من تكلم على هذه المسألة القول بطهوريته عند ذهاب التغير بالتكاثر ولا ينفى؛ لأن هذا الماء لما تغير لنجاسة كان نجسا فطروء ماء عليه كطروئه عليه فيجب لذلك أن يراعى كثرته وقلته، انتهى المقصود (١)
وقال ابن المواق على قول خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فأستحسن الطهورية، وعدمها أرجح (قال ابن عرفة: قول ابن بشير في طهوريته النجس يزول تغيره بلا نزح قولان لا أعرفه.
والذي ينبغي أن تكون به الفتوى، هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن أبي أويس عنه في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فتغير
стр. 3424
لونه وريحه لم يطيب الماء بعد ذلك أنه لا بأس به) . انتهى، فترك نقل هذه الرواية ونقل غيرها قصور (١)
стр. 3425
ج- طريقة الشافعية:
قال الشيرازي: إذا أراد تطهير الماء النجس نظر، فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه، وبأن يضاف إليه ماء آخر، وبأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير وقد زال.
وقال النووي شرحا لذلك: إذا زال تغير الماء النجس وهو أكثر من قلتين نظر؛ إن زال بإضافة ماء آخر إليه طهر بلا خلاف، سواء كان الماء المضاف طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا، وسواء صب الماء عليه أو نبع عليه، وإن زال بنفسه- أي: بأن لم يحدث فيه شيئا، بل زال تغيره بطلوع الشمس أو الريح أو مرور الزمان- طهر أيضا على المذهب، وبه قطع الجمهور.
وحكى المتولي عن أبي سعيد الإصطخري: أنه لا يطهر؛ لأنه شيء نجس فلا يطهر بنفسه، وهذا ليس بشيء؛ لأن سبب النجاسة التغير، فإذا زال طهر لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (١) » ، وإن زال بأخذ بعضه طهر بلا خلاف، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف، ويتصور زوال تغيره بأخذ بعضه بأن يكون كثيرا لا يدخله الريح، فإذا نقص دخلته وقصرته، وكذا الشمس فيطيب (٢) .
стр. 3426
وقال الشيرازي أيضا: وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه، فإن لم يطهر؛ لأنه نقص عن القلتين وفيه نجاسة.
وعلق النووي عليه فقال: هذا الذي قاله متفق عليه.
وقال الشيرازي أيضا: وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة، وإن لم يبلغ قلتين طهر كالأرض النجسة طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، ومن أصحابنا من قال: لا يطهر؛ لأنه دون القلتين وفيه نجاسة، والأول: أصح؛ لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، وههنا ورد الماء عليها فلم ينجس إذ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء.
وعلق النووي على ذلك فقال: أما المسألة الأولى: وهي إذا كاثره فبلغ قلتين فيصير طاهرا مطهرا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا؛ لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (١) » . . . .
وأما المسألة الثانية: وهي إذا كوثر بالماء ولم يبلغ قلتين فهل يطهر، فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف.
وذكر دليلهما وهما مشهوران، لكن الأصح عند المصنف وسائر العراقيين: أنه يطهر، وبه قطع منهم شيخهم أبو حامد، وهو قول ابن سريج، والصحيح عند الخراسانيين: لا يطهر، وبه قطع منه القاضي حسين.
وقال إمام الحرمين: وإن صح عند ابن سريج قوله بالطهارة فهو من هفواته، إذ لا معنى لغسل الماء من غير أن يبلغ قلتين، قال: فلا يتمارى
стр. 3427
في فساده، وكذا صحح البغوي والرافعي عن الطهارة، وهو الأصح (١) .
стр. 3428
د- طريقة الحنابلة:
قال عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة:
في تطهير الماء النجس: هو ثلاثة أقسام:
القسم الأولى: أحدها: ما دون القلتين فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين: إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه فيزول بها تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث ولا تنجس إلا بالتغير؛ ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها ما لم يتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به.
القسم الثاني: أن يكون وفق القلتين: فلا يخلو من أن يكون غير متغير بالنجاسة فيطهر بالمكاثرة المذكورة لا غير، الثاني: أن يكون متغيرا فيطهر بأحد أمرين: بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير، وبتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه.
القسم الثالث: الزائد عن القلتين فله حالان:
أحدهما: أن يكون نجسا بغير التغير فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة.
الثاني: أن يكون متغيرا بالنجاسة فتطهيره بأحد أمور ثلاثة: المكاثرة، أو زوال تغيره بمكثه، وأن ينزح منه ما يزول به التغير، ويبقى بعد ذلك
стр. 3429
قلتان فصاعدا، فإنه إن بقي ما دون القلتين قبل زوال تغيره لم يبق التغير علة تنجيسه؛ لأنه تنجس بدونه، فلا يزول التنجيس بزواله؛ ولذلك طهر الكثير بالنزح وطول المكث ولم يطهر القليل، فإن الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا انقلبت خلا والقليل علة تنجيسه الملاقاة لا التغير فلم يؤثر زوال التنجيس، انتهى.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام في قاعدة التطهير للمياه وعدم الفرق بين المياه والمائع. والجواب على شبهة من فرق بينهما - قال:
إذا عرف أصل هذه المسألة فالحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالخمر لما كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة فإذا زالت بفعل الله تعالى طهرت بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل خمر من أهل الذمة إذا لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها؛ وذلك لأن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة.
وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها خمرا فهو لا يريد تخليلها، وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة.
стр. 3430
وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها؛ لأن إفسادها ليس بمحرم كما لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ جلود الميتة، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها. والماء لنجاسته سببان: (أحدهما) : متفق عليه، والآخر مختلف فيه، فالمتفق عليه: التغير بالنجاسة، فمتى كان الموجب لنجاسته التغير فزال التغير كان طاهرا كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا (والثاني) : القلة، فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه نجاسة ففي نجاسته قولان للعلماء: فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه: أنه ينجس ما دون القلتين، وأحمد في الرواية المشهورة عنه: يستثني البول والعذرة المائية، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه، ومذهب أبي حنيفة: ينجس ما وصلت إليه الحركة، ومذهب أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة: أنه لا ينجس ولو لم يبلغ قلتين.
واختار هذا القول بعض الشافعية كالروياني.
وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب الشافعي، كما نصر الأول طائفة كثيرة من أصحاب أحمد، لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا: إن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولم يحدوا ذلك بقلتين.
وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول: فهؤلاء لا ينجسون شيئا إلا بالتغير، ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك كما قاله الزهري وغيره، فهؤلاء لا ينجسون شيئا من المائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري في
стр. 3431
[صحيحه] ، لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء. وكذلك في المائعات إذا سويت به.
فنقول: إذا وقع في المائع القليل نجاسة فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن متغيرا، وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين وصار الجميع كثيرا فوق القلتين ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد:
(أحدهما) : وهو مذهب الشافعي في الماء: أن الجميع طاهر.
(والوجه الثاني) : أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا والمكاثرة المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس، ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا، وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا، وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة وكان الجميع كثيرا فوق القلتين كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل.
وفي ذلك الوجهان المتقدمان، وهذا القول الذي ذكرناه في المائعات كالماء هو الأظهر في الدلالة، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجس الأشربة والأطعمة؛ ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل، كما جاء في الحديث، ولم يأمر مالك بإراقته من الأطعمة والأشربة واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك؛ وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم، فإن في نجاستها من المشقة والحرج ما لا يخفى على الناس، وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، فإذا لم ينجسوا الماء الكثير للحرج فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة والحرج في ذلك أشق؟ !
стр. 3432
ولعل المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة.
(فإن قيل) : الماء يدفع النجاسة عن غيره فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات.
(قيل) : الجواب من وجوه:
(أحدها) : أن الماء إنما دفعها عن غيره؛ لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة، وأما إذا سقطت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه، لا لكونه أزالها عن نفسه؛ ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة: إن المائعات كالماء في الإزالة، وهي كالماء في التنجيس، فإذا كانت كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زال معها أن يزيلها إذا كانت فيه.
ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل وتلك نجسة قبل طهارة المحل.
وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل هي طاهرة أو مطهرة أو نجسة.
وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال: الماء ينجس بوقوعها فيه وإن كان يزيلها عن غيره، كما ذكرناه.
فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة، كما دل عليه قول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (١) » ، وقوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢) » ، فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره، علم أنه لا ينجس بالملاقاة، إذ لو نجس بها لكان إذا صب على النجاسة ينجس بملاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت وإن استحالت زالت، فدل ذلك
стр. 3433
على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس وإن لم تكن قد زالت عن المحل فإن من قال: إنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره فقد خالف المشاهدة. وهذا المعنى يوجد في سائر الأشربة من المائعات وغيرها.
الوجه الثاني: أن يقال: غاية هذا أنه يقتضي أن يمكن إزالة النجاسة بالمائع، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وأحمد جعله لازما لمن قال: إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة؛ وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره، كما ذكروه في الماء فيلزم جواز إزالة النجاسات بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول.
وهذا هو القياس، فنقول به على هذا التقدير، وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره؛ لكون الإحالة أقوى من الإزالة، فيلزم من قال: إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات كالماء، فإذا كان الصحيح في الماء: أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا، وإما مع الكثرة، فكذلك الصواب في المائعات.
وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين، وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات: الماء وغير الماء.
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية - تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة
стр. 3434
وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس، ومن كان فقيها خبيرا بمأخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى تبين له ذلك، ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك، كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث.
كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة فنفدت أزوادهم، فاستأذنوه في نحر ظهورهم، فأذن لهم، ثم أتى عمر ﵁ فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقي الظهر، ففعل ذلك.
فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب، لا لأن الإبل محرمة؛ فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن، وعلف دواب الإنس والجن، ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها، بل لحرمتها، فالقول في المائعات كالقول في الجامدات.
(الوجه الثالث) : أن يقال: إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات، فإذا كان الماء لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى.
(الوجه الرابع) : أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا
стр. 3435
لون ولا ريح فلا نسلم بأن يقال بنجاسته أصلا، كما في الخمر المنقلبة أو أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة.
فإن الجمهور على أن المستحيل من النجاسات طاهر، كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي.
(الوجه الخامس) : إن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص بالماء، بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره.
فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض؟ على قولين:
أحدهما: تطهر: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل.
فإنه قد ثبت عن ابن عمر أنه قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد النبي ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك، وفي [السنن] أنه قال: «إذا أتى أحدكم المسجد لينظر في نعليه، فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور (١) » .
وكان الصحابة - كعلي بن أبي طالب ﵁ وغيره - يخوضون في الوحل ثم يدخلون فيصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم. وأوكد من هذا «قوله ﷺ في ذيول النساء إذا أصابت أرضا طاهرة بعد أرض خبيثة: " فتلك بتلك "، وقال: " يطهره ما بعده (٢) » .
وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص عليه أحمد