← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

فيما قاله المصنف. وتأوله الأكثرون القائلون بالأول على أن المراد أنه أولى من الوكيل لا من الدفع إلى الإمام وتعليله يؤيد هذا التأويل؛ لأن أداءها عنه يحصل بيقين بمجرد الدفع إلى الإمام وإن جار فيها لا إلى الوكيل. أما إذا كان الإمام جائرا فوجهان حكاهما المصنف والأصحاب: أحدهما: الدفع إليه أفضل لما سبق، وأصحهما التفريق بنفسه أفضل ليحصل مقصود الزكاة هكذا صححه الرافعي والمحققون. . . فرع: قال الرافعي حكاية عن الأصحاب: لو طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وجب التسليم إليه بلا خلاف. وأما الأموال الباطنة فقال الماوردي: ليس للولاة نظر في زكاتها، بل أصحاب الأموال أحق بتفرقتها، فإن بذلوها طوعا قبلها الإمام منهم، فإن علم الإمام من رجل أنه لا يؤديها بنفسه فهل له أن يقول: إما أن تفرقها بنفسك وإما أن تدفعها إلي لأفرقها. فيه وجهان يجريان في النذور والكفارات. قلت: أصحهما: له المطالبة، بل الصواب أنه يلزمه المطالبة، كما يلزمه إزالة المنكرات (١) .

стр. 3467

٤ - النقول من كتب الحنابلة أ - قال الخرقي: ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام قهرا. ب - وقال ابن قدامة: مقتضى كلام الخرقي: أن الإنسان متى دفع زكاته طوعا لم تجزئه إلا بنية، سواء دفعها إلى الإمام أو غيره، وإن أخذها الإمام منه قهرا أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر النية في حقه أسقط

стр. 3468

وجوبها عنه كالصغير والمجنون، وقال القاضي: متى أخذها الإمام أجزأت من غير نية، سواء أخذها طوعا أو كرها، وهذا قول للشافعي؛ لأن أخذ الإمام بمنزلة القسم بين الشركاء، فلم يحتج إلى نية، ولأن للإمام ولاية في أخذها، ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقا ولو لم يجزئه لما أخذها أو لأخذها ثانيا وثالثا حتى ينفد ماله؛ لأن أخذها إن كان لإجزائها فلا يحصل الإجزاء بدون النية، وإن كان لوجوبها فالوجوب باق بعد أخذها. واختار أبو الخطاب وابن عقيل: أنها لا تجزئ فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنية رب المال؛ لأن الإمام إما وكيله وإما وكيل الفقراء، أو وكيلهما معا، وأي ذلك كان فلا تجزئ نيته عن نية رب المال، ولأن الزكاة عبادة تجب لها النية فلا تجزئ عمن وجبت عليه بغير نية إن كان من أهل النية كالصلاة، وإنما أخذت منه مع عدم الإجزاء حراسة للعلم الظاهر كالصلاة، يجبر عليها ليأتي بصورتها ولو صلى بغير نية لم تجزئه عند الله تعالى. قال ابن عقيل: ومعنى قول الفقهاء: يجزئ عنه: أي في الظاهر، بمعنى: أنه لا يطالب بأدائها ثانيا كما قلنا في الإسلام، فإن المرتد يطالب بالشهادة، فمتى أتى بها حكم بإسلامه ظاهرا، ومتى لم يكن معتقدا صحة ما يلفظ به لم يصح إسلامه باطنا. قال: وقول أصحابنا لا تقبل توبة الزنديق معناه لا يسقط عنه القتل الذي توجه (١) عليه؛ لعدم علمنا بحقيقة توبته؛ لأن أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه وقد كان دهره يظهر إيمانه ويستر كفره، فأما عند الله فإنها

стр. 3469

تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة وصدق التوبة واعتقاد الحق، ومن نصر قول الخرقي قال: إن للإمام ولاية على الممتنع فقامت نيته مقام نيته كولي اليتيم والمجنون، وفارق الصلاة، فإن النيابة فيها لا تصح فلا بد من نية فاعلها، وقوله: لا يخلو من كونه وكيلا له أو وكيلا للفقراء أولهما. قلنا: بل هو وال على المالك، وأما إلحاق الزكاة بالقسمة فغير صحيح، فإن القسمة ليست عبادة، ولا يعتبر لها نية بخلاف الزكاة. (فصل) يستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، قال الإمام أحمد: أعجب إلي أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز، وقال: الحسن ومكحول وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران: يضعها رب المال في موضعها. وقال الثوري: احلف لهم وأكذبهم ولا تعطهم شيئا إذا لم يضعوها مواضعها. وقال: لا تعطهم، وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها. فمفهومه: أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك. وقال الشعبي وأبو جعفر: إن رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة من أهلها. وقال إبراهيم: ضعوها في مواضعها، فإن أخذها السلطان أجزأك. وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فرأيت أبا وائل وحده، فقال لي: ردها فضعها مواضعها. وقد روي عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى

стр. 3470

السلطان، وأما زكاة الأموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين. فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة؛ وذلك لأن العشر قد ذهب قوم إلى أنه مؤونة الأرض فهو كالخراج يتولاه الأئمة بخلاف سائر الزكاة والذي رأيت في [الجامع] قال: أما صدقة الفطر فيعجبني دفعها إلى السلطان، ثم قال أبو عبد الله: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور، قال: ادفعوها إليهم. وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو قول أصحاب الشافعي، وممن قال يدفعها إلى الإمام: الشعبي ومحمد بن علي وأبو رزين والأوزاعي؛ لأن الإمام أعلم بمصارفها ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا، ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنا؛ لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف وتزول عنه التهمة، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري. وقد روي عن سهيل بن أبي صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى فما تأمرني؟ قال: ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك، ويروى نحوه عن عائشة ﵂. وقال مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد: لا يفرق

стр. 3471

الأموال الظاهرة إلا الإمام؛ لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) ولأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه كولي اليتيم. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه، فأجزأه كما لو دفع الدين إلى غريمه وكزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد نوعي الزكاة فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أن للإمام أخذها ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر لهم بها؛ لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها؛ لأن ذلك مختلف في إجزائه فلا تجوز المقاتلة من أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد فجاز الدفع إليهم بخلاف اليتيم. وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه فلأنه إيصال الحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها، فكان أفضل كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل. فإن قيل: فالكلام في الإمام العادل إذ الخيانة مأمونة في حقه، قلنا: الإمام لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما يفوضه إلى سعاته ولا تؤمن منهم

стр. 3472

الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شيء منها وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومواساته. وقولهم: إن أخذ الإمام يبرئه ظاهرا وباطنا، قلنا: يبطل هذا بدفعها إلى غير العادل، فإنه يبرئه أيضا، وقد سلموا أنه ليس بأفضل ثم إن البراءة الظاهرة تكفي، وقولهم: إنه تزول به التهمة، قلنا: متى أظهرها زالت التهمة، سواء أخرجها بنفسه أو دفعها للإمام، ولا يختلف المذهب إن دفعها إلى الإمام، سواء كان عادلا أو غير عادل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها، سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف، أو صرفها في مصارفها، أو لم يصرفها لما ذكرنا عن الصحابة ﵃، ولأن الإمام نائب عنهم شرعا فبرئ بدفعها إليه كولي اليتيم إذا قبضها له، ولا يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه. (فصل) إذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة أجزأت عن صاحبها، وحكى ابن المنذر عن أحمد والشافعي وأبي ثور في الخوارج: أنه يجزئ، وكذلك كل من أخذها من السلاطين أجزأت عن صاحبها، سواء عدل فيها أو جار وسواء أخذها قهرا أو دفعها إليه اختيارا، قال أبو صالح: سألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابرا وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة: فقلت: هذا السلطان يصنع ما ترون أفأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم. وقال إبراهيم: يجزئ عنك ما أخذ منك العشارون، وعن سلمة بن الأكوع أنه دفع صدقته إلى نجدة، وعن ابن عمر أنه سئل عن مصدق ابن الزبير ومصدق نجدة فقال: إلى أيهما دفعت أجزأ عنك،

стр. 3473

وبهذا قال أصحاب الرأي فيما غلبوا عليه، وقالوا: إذا مر على الخوارج فعشروه لا يجزئ عن زكاته، وقال أبو عبيد في الخوارج يأخذون الزكاة: على من أخذوا منه الإعادة؛ لأنهم ليسوا بأئمة، فأشبهوا قطاع الطريق. ولنا قول الصحابة من غير خلاف في عصرهم علمناه، فيكون إجماعا، ولأنه دفعها إلى أهل الولاية فأشبه دفعها إلى أهل البغي (١) . ج - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك فإنه يسقط ذلك عن صاحبه. إذا كان الإمام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء، فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها. فإن أكره على دفعها إلى الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء. وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه (٢) . د - قال ابن قدامة: ويستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه. هـ - وقال المرداوي على ذلك: سواء كانت زكاة مال أو فطرة، نص عليه، قال بعض الأصحاب منهم ابن حمدان - يشترط أمانته قال في

стр. 3474

الفروع: وهو مراد غيره، أي: من حيث الجملة. انتهى. وقال ابن قدامة: (وله دفعها إلى الساعي وإلى الإمام أيضا) . ز - وقال المرداوي على ذلك: وهذا المذهب في ذلك كله مطلقا، وعليه أكثر الأصحاب، وهو من المفردات. قال ناظمها: زكاته يخرج في الأيام ... بنفسه أولى من الإمام وقيل: يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها وفاقا للأئمة الثلاثة. وعنه يستحب أن يدفع إليه العشر، ويتولى هو تفريق الباقي. وقال أبو الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل. واختاره ابن أبي موسى؛ للخروج من الخلاف وزوال التهمة. وعنه: دفع الفطرة إليه أفضل: نقله المروذي، كما تقدم في آخر باب الفطرة. وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام ولا يجزئ دونه. فوائد: الأولى: يجوز دفع زكاته إلى الإمام الفاسق، على الصحيح من المذهب، وقال القاضي في [الأحكام السلطانية] : يحرم عليه دفعها إن وضعها في غير أهلها، ويجب كتمها إذن عنه، واختاره في [الحاوي] . قلت: وهو الصواب. ويأتي في باب قتال أهل البغي: أنه يجزئ دفع الزكاة إلى الخوارج والبغاة، نص عليه في الخوارج. الثانية: يجوز للإمام طلب الزكاة من المال الظاهر والباطن على

стр. 3475

الصحيح من المذهب إن وضعها في أهلها. وقال القاضي في [الأحكام السلطانية] : لا نظر له في زكاة المال الباطن إلا أن يبذل له، وقال ابن تميم فيها: تجب فيه الزكاة. قال القاضي: إذا مر المضارب أو المؤذن له بالمال على عاشر المسلمين أخذ منه الزكاة، قال: وقيل: لا تؤخذ منه حتى يحضر المالك. الثالثة: لو طلبها الإمام لم يجب دفعها إليه، وليس له أن يقاتله على ذلك إذا لم يمنع إخراجها بالكلية نص عليه، وجزم به ابن شهاب وغيره وقدمه في [الفروع] و [مختصر ابن تميم] وهو من المفردات. وقيل: يجب عليه دفعها إذا طلبها إليه ولا يقاتل لأجله؛ لأنه مختلف فيه جزم به المجد في شرحه. قال في [الفروع] : وصححه غير واحد في الخلاف. قلت: صححه في [الرعايتين] ، و [الحاويين] . وقيل: لا يجب دفع الباطنة بطلبه، قال ابن تميم وجها واحدا. وقال الشيخ تقي الدين: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه هنا، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله: لم يجوزه (١) . ح - قال ابن مفلح: يجوز لمن وجبت عليه الزكاة تفرقتها بنفسه (وش) ؛ لقول الله تعالى:

стр. 3476

﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ (١) الآية، وكالدين، ولأن القابض رشيد قبض ما يستحقه والإمام وكيله ونائبه فجاز الدفع إليه كالموكل، ويحمل ما خالف ذلك على الجواز، أو أن الإمام أخذها أو على من لا يعرف مصارفها أو على من تركها جحودا أو بخلا، وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام، ولا يجزئ دونه (وهـ م) وزاد: وزكاة المال الباطن. قال أبو حنيفة: وأموال التجار التي تسافر بها كالظاهرة، فيأخذ العاشر زكاتها إن بلغت نصابا للحاجة إلى حمايتها من قطاع الطريق، إلا أن يكون مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة فلا تعشر؛ لأن قطاع الطريق لا يقصدونه غالبا إلا اليسير منه للأكل، وعند أبي يوسف ومحمد: يعشر أيضا. وله دفع الزكاة إلى إمام فاسق (وهـ) قال أحمد - رحمه الله تعالى -: الصحابة ﵃ يأمرون بدفعها وقد علموا فيما ينفقونها. وفي [الأحكام السلطانية] : يحرم إن وضعها في غير أهلها، ويجب كتمها عنه إذن (وم ش) وتجزئ مطلقا (م ش) : لما رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك. ولأحمد عن أنس مرفوعا: «إذا أديتها إلى رسولي فقد برأت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها على من بدلها (٢) » ، وللإمام طلب الزكاة من

стр. 3477

المال الظاهر والباطن إن وضعها في أهلها (و) ، ولو من بلد غلب عليه الخوارج فلم يؤد أهله الزكاة ثم غلب عليهم الإمام (هـ) ؛ لأنهم وقت الوجوب ليسوا تحت حمايته وفي الأحكام السلطانية لا نظر له في زكاة الباطن إلا أن تبذل وذكر ابن تميم فيما تجب فيها الزكاة: قال القاضي: إذا مر المضارب أو المأذون له بالمال على عاشر المسلمين أخذ منه الزكاة، قال: وقيل: لا تؤخذ منه حتى يحضر المالك، وإذا طلب الزكاة لم يجب دفعها إليه. وليس له أن يقاتل على ذلك إذا لم يمنع إخراجها بالكلية نص عليه وجزم به ابن شهاب وغيره. قال في [الخلاف] : نص عليه في رواية أحمد بن سعيد في صدقة الماشية والعين: إذا أبى الناس أن يعطوها الإمام قاتلهم عليها إلا أن يقولوا: نحن نخرجها وقيل: ويجب دفعها إليه إذا طالبها (و) ولا يقاتل لأجله؛ لأنه مختلف فيه، جزم به في [منتهى الغاية] وجمع به بين الأدلة وصححه غير واحد. قال في [الخلاف] : لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد كالحكم بشفعة الجوار على من لا يراها، وقيل: لا يجب دفع الباطن بطلبه، وقال بعضهم: وجها واحدا، وذكر شيخنا: أن من أداها لم تجز مقاتلته، للخلاف في إجزائها، ثم ذكر نص أحمد فيمن قال: أنا أؤديها ولا أعطيها للإمام، لم يكن له قتاله، ثم قال: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوزه. ويستحب تفرقة زكاته بنفسه، قال بعضهم: مع أمانته، وهو مراد

стр. 3478

غيره، أي: من حيث الجملة، نص عليه، وقال أيضا: أحب إلي أن يقسمها هو. وقيل: دفعها إلى إمام عادل أفضل للخروج من الخلاف، وزوال التهمة، واختاره ابن أبي موسى وأبو الخطاب (وش) وقاله (هـ م) حيث جاز الدفع بنفسه، وعنه: دفع الظاهر أفضل، وعنه: يختص بالعشر، وعنه: بصدقة الفطر، ونقله المروذي، ويجوز الدفع إلى الخوارج والبغاة، نص عليه في الخوارج: إذا غلبوا على بلد وأخذوا منه العشر وقع موقعه. وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل وقال في موضع آخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما، وظاهر كلامه في موضع من [الأحكام السلطانية] : لا يجزئ الدفع إليهم اختيارا، وعنه: التوقف فيما أخذه الخوارج من الزكاة، وقال القاضي: وقد قيل: تجوز الصلاة خلف الأئمة الفساق، ولا يجوز دفع عشر وصدقة إليهم ولا إقامة حد. وعن أحمد نحوه. والظاهر: أن المراد بجواز الدفع الإجزاء؛ لأنه لا يجوز (١) الدفع إليهم في المنصوص، وإن أجزأ في المنصوص، وهل للإمام طلب النذر والكفارة؟ على وجهين: (م ٦) أحدهما: له ذلك، نص عليه في كفارة الظهار، وقال الحنفية: إذا أخذ الخوارج زكاة السائمة، فقيل: تجزئ؛ لأن الإمام لم يحمهم، والجباية بالحماية، وقيل: لا؛ لأن مصرفها

стр. 3479

للفقراء ولا يصرفونها إليهم، ولهم قول ثالث: إن نوى التصدق عليهم أجزأ، وكذلك الدفع إلى كل جائر (١) ؛ لأنهم - بما عليهم من التبعات - فقراء (٢) . وقد بسط القرضاوي الكلام على هذه المسألة في كتابه [فقه الزكاة] ، فمن أراد المزيد من الكلام فعليه الرجوع إلى الكتاب المذكور.

стр. 3480

ثانيا: النظر في زكاة عروض التجارة: جمهور أهل العلم يرى: أنها واجبة؛ لثبوت الأدلة. والذين قالوا بوجوبها، منهم من أوجبها في كل حول، ومنهم من فرق بين المال الذي يدار والذي لا يدار، فأوجبها في كل حول في الأول، وأوجبها في حول واحد بعد البيع. وفيما يلي ما تيسر من نصوص فقهاء الإسلام وأدلتهم وما تيسر من مناقشة بعضهم لبعض. ومن أهل العلم من لا يرى وجوب الزكاة فيها أصلا؛ لعدم الدليل. ١ - النقل عن الحنفية: أ - قال الكاساني: وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم، أو عشرين مثقالا من ذهب، فتجب فيها الزكاة، وهذا قول عامة العلماء. وقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها أصلا. وقال مالك: إذا نضت زكاها لحول واحد.

стр. 3481

وجه قول أصحاب الظواهر: أن وجوب الزكاة إنما عرف بالنص، والنص ورد بوجوبها في الدراهم، والدنانير، والسوائم، فلو وجبت بالقياس عليها والقياس ليس بحجة خصوصا في باب المقادير. (ولنا) ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع» ، وروي عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «في البر صدقة» ، وقال ﷺ : «هاتوا ربع عشر أموالكم (١) » . فإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم؛ لأنه قال في آخره: «من كل أربعين درهما درهم (٢) » . فالجواب: أن أول الحديث عام وخصوص آخره لا يوجب سلب عموم أوله، أو نحمل قوله: من كل أربعين درهم على القيمة، أي: من كل أربعين درهما من قيمتها درهم. وقال ﷺ : «وأدوا زكاة أموالكم (٣) » من غير فصل بين مال ومال، إلا ما خص بدليل، ولأن مال التجارة مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية، فيكون مال الزكاة كالسوائم، وقد خرج الجواب عن قولهم: إن وجوب الزكاة عرف بالنص؛ لأنا قد روينا بالنص في الباب على أن أصل الوجوب عرف بالعقل، وهو شكر لنعمة الله، وشكر نعمة القدرة في إعانة العاجز، إلا أن مقدار الواجب عرف بالسنة، وما ذكره مالك غير سديد؛ لأنه وجد سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول؛ فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه، كالسوائم والدراهم والدنانير، وسواء كان مال التجارة عروضا، أو عقارا، أو شيئا مما يكال أو يوزن؛

стр. 3482

لأن الوجوب في أموال التجار تعلق بالمعنى، وهو المالية والقيمة، وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد، وكذا يضم بعضها أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب؛ لما قلنا. وإذا كان تقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة، وهو أن تبلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة، فلا بد من التقويم حتى يعرف مقدار النصاب، ثم بماذا تقوم؟ ذكر القدوري في شرحه [مختصر الكرخي] : أن يقوم بأوفى القيمتين من الدراهم والدنانير، حتى أنها إذا بلغت بالتقويم بالدراهم نصابا، ولم تبلغ بالدنانير قومت بما تبلغ به النصاب. وكذا روي عن أبي حنيفة في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء. وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشتراها به، فإن اشتراها بالدراهم قومها بالدراهم، وإن اشتراها بالدنانير قومها بالدنانير، وإن اشتراها بغيرهما من العروض أو لم يكن اشتراها بأن كان وهب له فقبله ينوي به التجارة قومها بالنقد الغالب في ذلك الموضع وعند محمد يقومها بالنقد الغالب على كل حال. وذكر في كتاب الزكاة: أنه يقومها يوم حال الحول إن شاء بالدراهم، وإن شاء بالدنانير. وجه قول محمد: أن التقويم في حق الله تعالى يعتبر بالتقويم في حق العباد، ثم إذا وقعت الحاجة إلى تقويم شيء من حقوق العباد، كالمغصوب، والمستهلك، يقوم بالنقد الغالب في البلدة، كذا هذا. وجه قول أبي يوسف: أن المشترى بدل، وحكم البدل يعتبر بأصله،

стр. 3483

فإذا كان مشترى بأحد النقدين. فتقويمه بما هو أصله أولى. وجه رواية كتاب الزكاة: أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية، والنقدان في ذلك سيان، فكان الخيار إلى صاحب المال يقومه بأيهما شاء. ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة وهي ما إذا بلغت مائتين، الخيار إلى صاحب المال، إن شاء أدى أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون، فكذا هذا. وجه قول أبي حنيفة: أن الدراهم والدنانير وإن كانا في الثمنية والتقويم بهما سواء، لكنا رجحنا أحدهما بمرجح، وهو النظر للفقراء، والأخذ بالاحتياط أولى. ألا ترى أنه لو كان بالتقويم بأحدهما يتم النصاب والآخر لا، فإنه يقوم بما يتم به النصاب؛ نظرا للفقراء واحتياطا، كذا هذا. ومشايخنا حلوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع في حق الفقراء بالتقويم بأيهما كان، جمعا بين الروايتين، وكيفما كان ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم أو الدنانير، وهي التي يكون الغالب فيها الذهب والفضة. وعلى هذا إذا كان مع عروض التجارة ذهب وفضة، فإنه يضمهما إلى العروض، ويقومه جملة؛ لأن معنى التجارة يشمل الكل. لكن عند أبي حنيفة يضم باعتبار القيمة، إن شاء قوم العروض وضمها إلى الذهب والفضة، وإن شاء قوم الذهب والفضة وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة، وعندهما يضم باعتبار الإجزاء فتقوم العروض، فيضم قيمتها إلى ما عنده من الذهب والفضة، فإن بلغت الجملة نصابا تجب الزكاة وإلا فلا، ولا يقوم الذهب والفضة

стр. 3484

عندهما أصلا في باب الزكاة على ما مر. (فصل) : وأما صفة هذا النصاب فهي: أن يكون معدا للتجارة، وهو أن يمسكها للتجارة، وذلك بنية التجارة مقارنة لعمل التجارة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، بخلاف الذهب والفضة فإنه لا يحتاج فيهما إلى نية التجارة؛ لأنها معدة للتجارة بأصل الخلقة فلا حاجة إلى إعداد العبد، ويوجد الإعداد منه دلالة على ما مر (١) . ب - قال الكاساني في الكلام على الشرائط التي ترجع إلى المال: ومنها: كون المال ناميا؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي، ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معدا للاستنماء بالتجارة أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح، فيقام السبب مقام المسبب، وتعلق الحكم به، كالسفر مع المشقة، والنكاح مع الوطء، والنوم مع الحدث، ونحو ذلك. وإن شئت قلت: ومنها: كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق الغنا ومعنى النعمة، وهو: التنعم، وبه يحصل الأداء عن طيب النفس، إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيا عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء وقوام البدن، فكان شكره شكر نعمة البدن ولا يحصل الأداء عن طيب نفس فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛

стр. 3485

لقوله ﷺ : «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم (١) » فلا تقع زكاة، إذ حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يعرف الفضل عن الحاجة؛ فيقام دليل الفضل عن الحاجة مقامه، وهو الإعداد للإسامة والتجارة، وهذا قول عامة العلماء. وقال مالك: هذا ليس بشرط لوجوب الزكاة، وتجب الزكاة في كل مال، سواء كان ناميا فاضلا عن الحاجة الأصلية أو لا؛ كثياب البذلة والمهنة والعلوفة والحمولة والعمولة من المواشي وعبيد الخدمة والمسكن والمراكب وكسوة الأهل وطعامهم، وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ أو فرش ومتاع لم ينو به التجارة ونحو ذلك. واحتج بعمومات الزكاة من غير فصل بين مال ومال، نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) وقوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣) ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥) وغير ذلك؛ ولأنها وجبت شكرا لنعمة المال، ومعنى النعمة في هذه الأموال أتم وأقرب؛ لأنها متعلق البقاء فكانت أدعى إلى الشكر. ولنا: أن معنى النماء والفضل عن الحاجة الأصلية لا بد منه لوجوب الزكاة؛ لما ذكرنا من الدلائل، ولا يتحقق ذلك في هذه الأموال، وبه تبين أن المراد من العمومات الأموال النامية الفاضلة عن الحوائج الأصلية. وقد خرج الجواب عن قوله: إنها نعمة؛ لما ذكرنا أن معنى

стр. 3486

النعمة فيها يرجع إلى البدن؛ لأنها تدفع الحاجة الضرورية وهي حاجة دفع الهلاك عن البدن؛ فكانت تابعة لنعمة البدن، فكان شكرها شكر نعمة البدن، وهي العبادات البدنية من الصلاة والصوم وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) دليلنا؛ لأن الزكاة عبارة عن النماء، وذلك من المال النامي على التفسير الذي ذكرناه، وهو أن يكون معدا للاستنماء، وذلك بالإعداد للإسامة في المواشي والتجارة في أموال التجارة، إلا أن الإعداد للتجارة في الأثمان المطلقة من الذهب والفضة ثابت بأصل الخلقة؛ لأنها لا تصلح للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الأصلية، فلا حاجة إلى الإعداد من العبد للتجارة بالنية، إذ النية للتعيين وهي متعينة للتجارة بأصل الخلقة، فلا حاجة إلى التعيين بالنية، فتجب الزكاة فيها، نوى التجارة، أو لم ينو أصلا، أو نوى النفقة. وأما فيما سوى الأثمان من العروض فإنما يكون الإعداد فيها للتجارة بالنية؛ لأنها كما تصلح للتجارة تصلح للانتفاع بأعيانها، بل المقصود الأصلي منها ذلك، فلا بد من التعيين للتجارة وذلك بالنية، وكذا في المواشي لا بد فيها من نية الإسامة؛ لأنها كما تصلح للدر والنسل تصلح للحمل والركوب واللحم فلا بد من النية، ثم نية التجارة الإسامة لا تعتبر ما لم تتصل بفعل التجارة والإسامة؛ لأن مجرد النية لا عبرة به في الأحكام؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يفعلوا (٢) » ثم نية التجارة قد تكون صريحا وقد تكون دلالة. أما الصريح فهو أن ينوي عند عقد التجارة أن يكون المملوك به للتجارة، بأن اشترى سلعة ونوى أن تكون للتجارة عند الشراء فتصير

стр. 3487

للتجارة، سواء كان الثمن الذي اشتراها به من الأثمان المطلقة، أو من عروض التجارة، أو مال البذلة والمهنة، أو أجر داره بعرض بنية التجارة فيصير ذلك مال التجارة، لوجود صريح نية التجارة مقارنا لعقد التجارة. أما الشراء فلا شك أنه تجارة وكذلك الإجارة؛ لأنها معاوضة المال بالمال وهو نفس التجارة؛ ولهذا ملك المأذون بالتجارة الإجارة، والنية المقارنة للفعل معتبرة. ولو اشترى عينا من الأعيان ونوى أن تكون للبذلة والمهنة دون التجارة لا تكون للتجارة، سواء كان الثمن من مال التجارة أو من غير مال التجارة؛ لأن الشراء بمال التجارة إن كان دلالة التجارة فقد وجد صريح نية الابتذال، ولا تعتبر الدلالة مع الصريح بخلافها. ولو ملك عروضا بغير عقد أصلا، بأن ورثها ونوى التجارة لم تكن للتجارة؛ لأن النية تجردت عن العمل أصلا؛ فضلا عن عمل التجارة؛ لأن الموروث يدخل في ملكه من غير صنعه. ولو ملكها بعقد ليس مبادلة أصلا، كالهبة والوصية والصدقة، أو بعقد هو مبادلة مال بغير مال؛ كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العبد وبدل العتق، ونوى التجارة، يكون للتجارة عند أبي يوسف، وعند محمد لا يكون للتجارة، كذا ذكر الكرخي، وذكر القاضي الشهيد الاختلاف على القلب، فقال في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف: لا يكون للتجارة، وفي قول محمد: يكون للتجارة. وجه قول من قال: إنه لا يكون للتجارة: أن النية لم تقارن عملا هو تجارة، وهي مبادلة المال بالمال، فكان الحاصل مجرد النية؛ فلا تعتبر. ووجه القول الآخر: أن التجارة عقد اكتساب المال، وما لا يدخل في

стр. 3488

ملكه إلا بقبوله فهو حاصل بكسبه، فكانت نيته مقارنة لفعله، فأشبه قرانها بالشراء والإجارة. والقول الأول: أصح؛ لأن التجارة كسب المال ببذل ما هو مال، والقبول اكتساب المال بغير بدل أصلا، فلم تكن من باب التجارة، فلم تكن النية مقارنة عمل التجارة. ولو استقرض عروضا ونوى أن تكون للتجارة اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يصير للتجارة؛ لأن القرض ينقلب معاوضة المال بالمال في العاقبة، وإليه أشار في [الجامع] : أن من كان له مائتا درهم لا مال له غيرها، فاستقرض قبل حولان الحول بيوم من رجل خمسة [أقفزة لغير التجارة] ، ولم تستهلك الأقفزة حتى حال الحول - لا زكاة عليه في المائتين، ويصرف الدين إلى مال الزكاة دون الجنس الذي ليس بمال الزكاة. فقوله: (استقرض لغير التجارة) دليل: أنه لو استقرض للتجارة يصير للتجارة. وقال بعضهم: لا يصير للتجارة وإن نوى؛ لأن القرض إعارة، وهو تبرع لا تجارة، فلم توجد نية التجارة مقارنة للتجارة؛ فلا تعتبر. ولو اشترى عروضا للبذلة والمهنة، ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك، لا تصير للتجارة ما لم يبعها، فيكون بدلها للتجارة. فرق بين هذا وبين ما إذا كان له مال التجارة، فنوى أن يكون للبذلة، حيث يخرج من أن يكون للتجارة وإن لم يستعمله؛ لأن النية لا تعتبر ما لم تتصل بالفعل، وهو ليس بفاعل فعل التجارة، فقد عزبت النية عن فعل التجارة، فلا تعتبر للحال، بخلاف ما إذا نوى الابتذال؛ لأنه نوى

стр. 3489

ترك التجارة، وهو تارك لها في الحال، فاقترنت النية بعمل هو ترك التجارة؛ فاعتبرت ونظير الفصلين: السفر مع الإقامة، وهو أن المقيم إذا نوى السفر لا يصير مسافرا ما لم يخرج عن عمران المصر، والمسافر إذا نوى الإقامة في مكان صالح للإقامة يصير مقيما للحال. ونظيرهما من غير هذا الجنس: الكافر إذا نوى أن يسلم بعد شهر لا يصير مسلما للحال، والمسلم إذا قصد أن يكفر بعد سنين - والعياذ بالله - فهو كافر للحال. ولو أنه اشترى بهذه العروض التي اشتراها للابتذال بعد ذلك عروضا أخر تصير بدلها للتجارة بتلك النية السابقة، وكذلك في الفصول التي ذكرنا أنه نوى للتجارة في الوصية والقرض ومبادلة مال بما ليس بمال إذا اشترى بتلك العروض عروضا أخر صارت للتجارة؛ لأن النية قد وجدت حقيقة إلا أنها لم تعمل للحال؛ لأنها لم تصادف عمل التجارة، فإذا وجدت التجارة بعد ذلك عملت النية السابقة عملها، فيصير المال للتجارة؛ لوجود نية التجارة مع التجارة، وأما الدلالة فيه أن يشتري عينا من الأعيان بعرض التجارة، أو يؤاجر داره التي للتجارة بعرض من العروض، فيصير للتجارة وإن لم ينو التجارة صريحا؛ لأنه لما اشترى بمال التجارة فالظاهر أنه نوى به التجارة. وأما الشراء بغير مال التجارة فلا يشكل. وأما إجارة الدار فلأن بدل منافع عين معدة للتجارة كبدل عين معدة للتجارة في أنه للتجارة، كذا ذكر في كتاب الزكاة من الأصل، وذكر في الجامع ما يدل على أنه لا يكون للتجارة إلا بالنية صريحا فإنه قال: وإن

стр. 3490

كانت الأجرة جارية تساوي ألف درهم، وكانت عند المستأجر للتجارة، فأجر المؤجر داره بها، وهو يريد التجارة شرط النية عند الإجارة لتصير الجارية للتجارة، ولم يذكر أن الدار للتجارة أو لغير التجارة، فهذا يدل على أن النية شرط ليصير بدل منافع الدار المستأجرة للتجارة. وإن كانت الدار معدة للتجارة فكان في المسألة روايتان، ومشايخ بلخ كانوا يصححون رواية الجامع، ويقولون: إن العين إن كانت للتجارة لكن قد يقصد ببدل منافعها المنفعة فيؤاجر الدابة لينفق عليها والدار للعمارة فلا تصير للتجارة مع التردد إلا بالنية. وأما إذا اشترى عروضا بالدراهم أو الدنانير أو بما يكال أو يوزن موصوفا في الذمة فإنها لا تكون للتجارة ما لم ينو التجارة عند الشراء، وإن كانت الدراهم والدنانير أثمانا، والموصوف في الذمة من المكيل والموزون أثمان عند الناس؛ ولأنها كما جعلت ثمنا لمال التجارة، جعلت ثمنا لشراء ما يحتاج إليه للابتذال والقوت، فلا يتعين الشراء به للتجارة مع الاحتمال. وعلى هذا لو اشترى المضارب بمال المضاربة عبيدا ثم اشترى لهم كسوة وطعاما للنفقة كان الكل للتجارة وتجب الزكاة في الكل؛ لأن نفقة عبيد المضاربة من مال المضاربة، فطلق تصرفه ينصرف إلى ما يملك دون ما لا يملك حتى لا يصير خائنا وعاصيا عملا بدينه وعقله، إن نص على النفقة. وبمثله المالك إذا اشترى عبيدا للتجارة، ثم اشترى لهم ثيابا للكسوة وطعاما للنفقة فإنه لا يكون للتجارة؛ لأن المالك كما يملك الشراء

стр. 3491

للتجارة يملك الشراء للنفقة والبذلة، وله أن ينفق من مال التجارة وغير مال التجارة، فلا يتعين للتجارة إلا بدليل زائد. وأما الأجراء الذين يعملون للناس نحو الصباغين والقصارين والدباغين إذا اشتروا الصبغ والصابون والدهن ونحو ذلك مما يحتاج إليه في عملهم ونووا عند الشراء أن ذلك للاستعمال في عملهم، هل يصير ذلك مال التجارة؟ روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران ليصبغ ثياب الناس فعليه فيه الزكاة. والحاصل: أن هذا على وجهين: إن كان شيئا يبقى أثره في المعمول فيه، كالصبغ والزعفران والشحم الذي يدبغ به الجلد، فإنه يكون مال التجارة؛ لأن الأجر يكون مقابلة ذلك الأثر، وذلك الأثر مال قائم، فإنه من أجزاء الصبغ والشحم، لكنه لطيف فيكون هذا تجارة. وإن كان شيئا لا يبقى أثره في المعمول فيه مثل: الصابون والأشنان والقلي والكبريت فلا يكون مال التجارة؛ لأن عينها تتلف ولم ينتقل أثرها إلى الثوب المغسول حتى يكون له حصة من العوض، بل البياض أصلي للثوب يظهر عند زوال الدرن، فما يأخذ من العوض يكون بدل عمله لا بدل هذه الآلات فلم يكن مال التجارة. وأما آلات الصناع وظروف أمتعة التجارة لا تكون مال التجارة؛ لأنها لا تباع مع الأمتعة عادة. وقالوا في نخاس الدواب: إذا اشترى المقاود والجلال والبراذع: إنه إن كان يباع مع الدواب عادة يكون للتجارة؛ لأنها معدة لها، وإن كان لا

стр. 3492

يباع ولكن تمسك وتحفظ بها الدواب فهي من آلات الصناع فلا يكون مال التجارة إذا لم ينو التجارة عند شرائها. وقال أصحابنا في عبد التجارة قتله عبد خطأ فدفع به: إن الثاني للتجارة، لأنه عوض مال التجارة، وكذا إذا فدى بالدية من العروض والحيوان. وأما إذا قتله عمدا فصالح المولى من الدية على العبد القاتل أو على شيء من العروض لا يكون مال التجارة، لأنه عوض القصاص لا عوض العبد المقتول، والقصاص ليس بمال. والله أعلم (١) .

стр. 3493

٢ - النقل عن المالكية: أ- جاء في [المدونة] تحت ترجمة: (في زكاة تجار المسلمين) : (قلت) : أكان مالك يرى أن يؤخذ من تجارة المسلمين إذا تجروا الزكاة؟ فقال: نعم. (قلت) : أفي بلادهم أم إذا خرجوا من بلادهم؟ (فقال) : في بلادهم عنده وغير بلادهم سواء، من كان عنده مال تجب فيه الزكاة زكاه. (قلت) : فيسألهم إذا أخذ منهم الزكاة هذا الذي يأخذ عما في بيوتهم من ناضهم فيأخذ زكاته مما في أيديهم. (فقال) : ما سمعت من مالك في هذا شيئا، وأرى إن كان الوالي عدلا أن يسألهم عن ذلك، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق. (قلت) : أفيسأل عن زكاة أموالهم الناض إذا لم يتجروا؟ (فقال) : نعم، إذا كان عدلا وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق، كان يقول للرجل إذا

стр. 3494

أعطاه عطاءه: هل عندك من مال قد وجبت عليك فيه الزكاة. فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، أسلم إليه عطاءه. ولا أرى أن يبعث في ذلك أحدا، وإنما ذلك إلى أمانة الناس، إلا أن يعلم أحد أن لا يؤدي فتؤخذ منه. ألا ترى أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم. (قلت) : ما قول مالك أين ينصب هؤلاء الذين يأخذون العشور من أهل الذمة والزكاة من تجار المسلمين. (فقال) : لم أسمع منه فيه شيئا، ولكني رأيته فيما يتكلم به أنه لا يعجبه أن ينصب لهذه المكوس أحد. (قال) ابن القاسم: وأخبرني يعقوب بن عبد الرحمن من بني القارة حليف لبني زهرة عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل المدينة أن يضع المكس، فإنه ليس المكس ولكنه البخس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (١) ومن أتاك بصدقته فاقبلها منه، ومن لم يأتك بها فالله حسيبه والسلام. (قلت) : أليس إنما تؤخذ من تجار المسلمين في قول مالك الزكاة في كل سنة مرة، وإن تجروا من بلد إلى بلد وهم خلاف أهل الذمة في هذا. (فقال) نعم. (قال) : ومن تجر ومن لم يتجر فإنما عليه الزكاة في كل سنة مرة. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا خرج من مصر بتجارة إلى المدينة أيقوم عليه ما في يديه فتؤخذ منه الزكاة. (فقال) : لا يقوم عليه، ولكن إذا باع أدى الزكاة.

стр. 3495

(قال) : ولا يقوم على أحد المسلمين. (قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم. (قلت) : وأهل الذمة لا يقوم عليهم أيضا، فإذا باعوا أخذ منهم العشر. فقال: نعم. (قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا من المسلمين قدم بتجارة، فقال: هذا الذي معي مضاربة أو بضاعة أو علي دين أو لم يحل على ما عندي الحول أيصدق ولا يحلف في قول مالك؟ قال: نعم، يصدق ولا يحلف (١) . وجاء في [المدونة] تحت عنوان: (زكاة السلع) : (قال) : وقال مالك: إذا كان الرجل إنما يشتري النوع الواحد من التجارة أو الأنواع وليس ممن يدير ماله في التجارة، فاشترى سلعة أو سلعا كثيرة يريد بيعها فبارت عليه ومضى الحول فلا زكاة عليه فيها، وإن مضى لذلك أحوال حتى يبيع، فإذا باع زكى زكاة واحدة. وإنما مثل هذا مثل الرجل يشتري الحنطة في زمان الحصاد فيريد البيع في غير زمان الحصاد ليربح فتبور عليه فيحبسها فلا زكاة عليه فيها. (وقال) علي بن زياد: قال مالك: الأمر عندنا في الرجل يكون له عند الناس من الدين ما تجب فيه الزكاة فيغيب عنه سنين ثم يقبضه، أنه ليس عليه فيه إذا قبضه إلا زكاة واحدة. (قال) : والدليل على ذلك أنه ليس على الرجل في الدين يغيب عنه سنين ثم يقبضه أنه ليس عليه إلا زكاة واحدة، وفي العروض يبتاعها

стр. 3496

للتجارة فيمسكها سنين ثم يبيعها أنه ليس عليه إلا زكاة واحدة، أنه لو وجب على رب الدين أن يخرج زكاته قبل أن يقبضه لم يجب عليه أن يخرج في صدقة ذلك الدين إلا دينا يقطع به لمن يلي ذلك على الغرماء يتبعهم به، إن قبض كان له وإن تلف كان منه؛ من أجل أن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه ولا على رب العرض أن يخرج في صدقته إلا عرضا؛ لأن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه، (وإنما قال) رسول الله ﷺ : «الزكاة في العين والحرث والماشية» ، فليس في العروض شيء حتى تصير عينا. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت عنده دابة للتجارة فاستهلكها رجل فضمن قيمتها فأخذ منه رب الدابة سلعة بقيمتها التي وجبت له، أيكون عليه في قيمة هذه السلعة التي للتجارة الزكاة؟ (فقال) : إن كان نوى بالسلعة التي أخذ التجارة زكى ثمنها ساعة بيعها إن كان الحول قد حال على أصل هذا المال من يوم زكى أصل هذا المال وهو ثمن الدابة المستهلكة، وإن كان حين أخذ السلعة بقيمة الدابة المستهلكة لم ينو بها التجارة ونوى بها القنية فلا شيء عليه فيها. (قال) : وإن باعها حتى يحول الحول على ثمنها من يوم باعها، وإن كان أخذ في قيمة الدابة المستهلكة دنانير أو دراهم وقد حال الحول على الأصل، زكى الدنانير والدراهم ساعة يقبضها، وإن لم يكن حال الحول ثم اشترى بتلك الدنانير والدراهم سلعة، فإن نوى بها التجارة فهي للتجارة، وإن نوى بها حين اشتراها القنية فهي على القنية لا زكاة عليه في ثمنها إذا باعها حتى يحول على ثمنها الحول.

стр. 3497

(قلت) : وهذا قول مالك. (فقال) : قول مالك في البيع مثل هذا، ورأيت أنا هذه المسألة في الاستهلاك مثل قول مالك في البيع. (قلت) : فلو أن رجلا كانت عنده سلعة للتجارة فباعها بعدما حال عليها الحول بمائة دينار. (فقال) : إذا قبض المائة زكاها مكانه. (قلت) : فإن أخذ بالمائة قبل قبضها ثوبا قيمته عشرة دنانير، (فقال) لا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه. (قلت) : فإن باع الثوب بعشرة دنانير. قال: لا شيء عليه فيها وقد سقطت الزكاة عنه، إلا أن يكون له مال قد جرت فيه الزكاة إذا أضافه كان فيهما الزكاة. (قلت) : فإن باعها بعشرين دينارا. فقال: يزكي، يخرج ربع عشرها نصف دينار. (قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم. (قلت) : أرأيت عبدا اشتراه رجل للتجارة فكاتبه فمكث عنده سنين يؤدي فاقتضى منه مالا ثم عجز فرجع رقيقا فباعه مكانه، أيؤدي من ثمنه زكاة التجارة أم هو لما رجع إليه رقيقا صار فائدة. (فقال) : إذا عجز ورجع رقيقا رجع على الأصل فكان للتجارة ولا تنقض الكتابة ما كان ابتاعه له؟ لأن ملكه لم يزل عليه، وإنما مثل ذلك عندي مثل ما لو أنه باع عبدا له من رجل فأفلس المشتري فأخذ عبده، أو أخذ عبدا من غريمه في دينه فإنه يرجع على الأصل ويكون للتجارة كما

стр. 3498

كان. (قال) : وكذلك لو أن رجلا اشترى دارا للتجارة فأجرها سنين ثم باعها بعد ذلك فإنها ترجع إلى الأصل ويزكيها على التجارة ساعة يبيع. (قلت) : أرأيت الرجل يتكارى الأرض للتجارة ويشتري الحنطة فيزرعها يريد بذلك التجارة. (قال) : قال مالك في هذا: إذا اكترى الرجل الأرض واشترى حنطة فزرعها يريد بذلك التجارة فإذا حصد زرعه أخرج منه العشر إن كان مما يجب فيه العشر، أو نصف العشر إن كان مما يجب فيه نصف العشر. (فإن مكثت) الحنطة عنده بعدما حصده وأخرج منه زكاة حصاده حولا ثم باعه فعليه الزكاة يوم باعه، وإن كان باعه قبل الحول فلا زكاة عليه فيه حتى يحول الحول عليه من يوم أدى زكاة حصاده. (قال) : وإن كان تكارى الأرض وزرعها بطعامه فحصده وأدى زكاته حين حصده ورفع طعامه فأكل منه وفضلت منه فضلة فباعها كانت فائدة ويستقبل بها حولا من يوم قبض الثمن في يديه. (قال) : وإن كانت الأرض له فزرعها للتجارة فإنه إذا رفع زرعه وحصده زكاه مكانه ولم يكن عليه إذا باع في ثمنه زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم قبض ثمنه. (قلت) : أرأيت من اكترى أرضا للتجارة فاشترى حنطة وهو ممن يدير التجارة فزرع الأرض أيكون عليه عشر ما أخرجت الأرض؟ فقال: نعم. (قلت) : فإن هو أخرج عشر ما أخرجت الأرض فحال عليه الحول

стр. 3499

أيزكي زكاة التجارة وهو ممن لا يدير ماله في التجارة؟ (فقال) : لا، حتى يبيع الحنطة بعد الحول فإذا باع زكى الثمن مكانه. (قلت) : فمن أين تحتسب السنة، أمن يوم اشترى الحنطة للتجارة واكترى الأرض، أو من يوم أدى زكاة الزرع؟ (فقال) : من يوم أدى زكاة الزرع. (قلت) : فإن هو باع الحنطة من قبل أن يحول عليها الحول من يوم أدى زكاة عشر ما أخرجت الأرض. (فقال) : ينتظر به حتى تأتي السنة من يوم أخرج العشر. (قلت) : فإن كان هذا يدير ماله في التجارة. (فقال) : إذا رفع زرعه زكى العشر ويستقبل من يوم زكى الزرع سنة كاملة، فإذا جاءت السنة فإن كان له مال سوى هذا الناض ناض في سنته هذه زكى هذه الحنطة وإن لم يبعها، وهذا مخالف للذي لا يدير ماله؟ لأن الذي يدير ماله هذه الحنطة في يده للتجارة وعنده مال ناض غير هذه الحنطة، فلما حال الحول على هذه الحنطة لم يكن له بد من أن يقوم هذه الحنطة. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا اشترى عروضا للتجارة فبدا له فجعل ذلك لجمال بيته واقتناه أتسقط عنه زكاة التجارة؟ . فقال: نعم. (قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: نعم. قال ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: إن بار عليه العرض ولم يخلص إليه ماله فليس عليه صدقة حتى يخلص إليه، وإنما فيه إذا خلص العرض والدين صار عينا ناضا صدقة واحدة.

стр. 3500

(وقال) عطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد مثل قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١) . وجاء في [المدونة] تحت عنوان: (في زكاة الذي يدير ماله) : (قال) : وقال مالك: إن كان رجل يدير ماله في التجارة، فكلما باع اشترى، مثل الحناطين والبزازين والزياتين ومثل التجار الذين يجهزون الأمتعة وغيرها إلى البلدان. (قال) : فليجعلوا لزكاتهم من السنة شهرا، فإذا جاء ذلك الشهر قوموا ما عندهم مما هو للتجارة وما في أيديهم من الناض فزكوا ذلك كله. (قال) : فقلت لمالك: فإن كان له دين على الناس؟ (قال) : يزكيه مع ما يزكي من تجارته يوم يزكي تجارته إن كان دينا يرتجى اقتضاؤه. (قال) : فقلت له: فإن جاءه عام آخر ولم يقتضه. (فقال) : يزكي أيضا. ومعنى قوله في ذلك: أن العروض والدين سواء؛ لأن العروض لو بارت عليه وهو ممن يقوم - يريد: يدير التجارة - زكى العرض السنة الثانية، فالدين والعرض في هذا سواء؛ فلو لم يكن على الدين شيء في السنة الثانية لم يكن على العرض في السنة الثانية شيء؛ لأنه لا زكاة في عرض على من لا يدير التجارة حتى يبيع، ولا في دين حتى يقبض، فلما كان الذي يدير التجارات الذي لا يشتري إلا باع يزكي عروضه التي عنده، فكذلك يزكي دينه الذي يرتجي قضاءه. (قال) : وقال: مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة فجاء يومه

стр. 3501

الذي يقوم فيه وله دين من عروض أو غير ذلك على الناس لا يرجوه. (فقال) : إذا كان لا يرجوه لم يقومه وإنما يقوم ما يرتجيه من ذلك. (قال) مالك: ويقوم الرجل الحائط إذا اشتراه للتجارة إذا كان ممن يدير ماله. (قال) ابن القاسم: ولا يقوم الثمر؛ لأن الثمر فيه زكاة فلا يقومه مع ما يقوم من ماله. (قال) سحنون: ولأنه غلة بمنزلة خراج الدار وكسب العبد وإن اشترى رقابها للتجارة، وبمنزلة غلة الغنم ما يكون من صوفها ولبنها وسمنها وإن كان رقابها للتجارة أو للقنية. (قلت) : أرأيت رجلا كان يدير ماله للتجارة ولا ينض له شيء فاشترى بجميع ما عنده حنطة، فلما جاء شهره الذي يقوم فيه كان جميع ماله الذي يتجر فيه حنطة، فقال: أنا أؤدي إلى المساكين ربع عشر هذه الحنطة كيلا ولا أقوم. (فقال) لي مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة ولا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض، فهذا لا يقوم، ولا شيء عليه، ولا زكاة ولا تقويم حتى ينض له بعض ماله. (قال) : وقال مالك: من باع بالعرض والعين فذلك الذي يقوم. (قال) سحنون: وكذلك روى ابن وهب عن مالك في الذي لا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض. (قلت) : أرأيت إن كان يدير ماله للتجارة فحالت عليه أحوال لا ينض له منه شيئا ثم إنه باع منها بدرهم واحد ناض.

стр. 3502

(فقال) : إذا نض مما في يديه من العروض بعد الحول وإن كان درهما واحدا، فقد وجبت فيه الزكاة ويقوم العرض مكانه حين نض هذا الدرهم فيزكيه كله، ويستقبل الزكاة من ذي قبل. (قلت) : فإن أتت السنة من ذي قبل وليس عنده من الناض شيء، وماله كله في العرض وقد كان في وسط السنة وفي أولها وفي آخرها قد كان ينض له، إلا أنه لما حال الحول ذلك اليوم لم يكن عنده من الناض شيء فكان جميع ما في يديه عرضا. (قال) : يقوم ويزكي؛ لأن هذا قد كان يبيع في سنته بالعين والعرض. (قلت) : فإن هو باع من ذي قبل بالعرض ولم ينض له شيء حتى أتى الحول وجميع ما عنده عرض أيقوم. فقال: لا يقوم؛ لأن هذا لم ينض له شيء في سنته هذه، وإنما كان رجل يبيع العرض بالعرض فلا تقويم عليه، ولا زكاة حتى ينض له مما في يديه شيء من يوم زكى إلى أن يحول الحول من ذي قبل. (قلت) : فإن باع بعد الحول فنض له وإن درهم واحد زكاه؟ قال: نعم. (قلت) : ويكون هذا اليوم الذي زكى فيه وقته، ويستقبل حولا من ذي قبل ويلغي الوقت الأول. (فقال) : نعم؛ لأن مالكا قال لي: لا يقوم على من يبيع العرض بالعرض ولا ينض له شيء. (قال) ابن وهب عن الليث بن سعد وعمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه حماس: أنه كان يبيع الجلود

стр. 3503

والقرون، فإذا فرغ منها اشترى مثلها، فلا يجتمع عنده أبدا ما تجب فيه الزكاة، فمر به عمر بن الخطاب وعليه جلود يحملها للبيع، فقال له: زك مالك يا حماس، فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة، فقال: قوم مالك، فقوم ما عنده ثم أدى زكاته. قال سحنون: قال عمرو بن الحارث وقال يحيى بن سعيد: إنما هذا الذي يدير ماله، فلو أنه كان لا يقوم ماله لم يزك أبدا، وأما الذي تكسد سلعته فلا زكاة عليه. قال سحنون: يعني حتى يبيع، وقال: قال ذلك مالك بن أنس ﵄ (١) . ب - قال ابن رشد - الجد - تحت ترجمة: (في افتراق حكم الأموال في الزكاة) : والأموال في الزكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم الأغلب فيه إنما يراد لطلب الفضل والنماء فيه لا للاقتناء، وهو العين من المذهب والورق وأتبارهما والمواشي وآنية الذهب والفضة وكل ما لا يجوز اتخاذه منها، فهذا تجب فيه الزكاة، اشتراه أو ورثه أو تصدق به عليه، نوى به التجارة أو القنية أو ما نوى به. وقسم ثان الأغلب منه إنما يراد للاقتناء لا لطلب الفضل والنماء، وهي العروض كلها، الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي تجب في رقابه الزكاة، فهذا يفرق فيه بين الشراء والفائدة، فما أفاده من ذلك بهبة أو ميراث، أو بما أشبه ذلك من وجوه الفوائد فلا زكاة عليه فيه، نوى به التجارة أو القنية حتى يبيعه

стр. 3504

ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وما اشترى من ذلك فهو على ما نوى فيه، إن أراد به القنية فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل به حولا من يوم باعه، وإن أراد به التجارة كان للتجارة وزكاه عن سنة التجارة. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية هل يرجع إلى حكمها بالنية أم لا؟ فقال ابن القاسم: يرجع إلى القنية ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وقبض ثمنه إن باعه، ورواه عن مالك. وقال أشهب: لا يرجع إلى القنية بالنية وهو على ما اشتراه عليه من نية التجارة، فإن باعه زكاه ساعة باعه وقبض ثمنه إن كان الحول قد حال على أصل الثمن، ورواه عن مالك. ولم يختلفا أنه إذا اشتراه للقنية أو أفاده بميراث أو غيره ثم نوى به التجارة، أنه لا ينتقل إليها بالنية واختلفا أيضا إذا اشتراه للوجهين جميعا، فغلب ابن القاسم القنية على أصله فيما اشتراه للتجارة أنه يرجع إلى القنية بالنية؛ لأنها الأصل، وغلب أشهب التجارة على أصله أن القنية والتجارة أصلان لا يرجع أحدهما إلى صاحبه بالنية، فلما اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطا كالبينتين إذا أثبتت إحداهما الحكم ونفته الأخرى، وكقول مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق أنه متمتع. وقسم ثالث يراد للوجهين جميعا، للاقتناء وطلب النماء، وهو حلي الذهب والفضة، فهذا لا يفرق فيه بين الفائدة والشراء، وهو في الوجهين معا على ما نوى، إن أراد به التجارة زكاه، وإن أراد به الاقتناء ليلبسه أهله وجواريه، أو هي إن كانت امرأة فلا زكاة عليها فيه.

стр. 3505

واختلف فيما يتخذ منه للكراء هل يخرج بذلك عن حكم الاقتناء وتجب فيه الزكاة أم لا؟ على قولين: وقال أيضا تحت ترجمته: (في افتراق حكم التجارة في الزكاة) : والتاجر ينقسم إلى قسمين: مدير، وغير مدير. فالمدير: هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجى قبضها فيزكي ذلك مع ما عنده من الناض، وأما غير المدير: وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده أحوالا (١) . ج- قال ابن رشد- الحفيد -: والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على مذهبهم هو النصاب في العين، إذ كانت هذه هي قيم المتلفات ورؤوس الأموال، وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال: إذا باع العروض زكاه لسنة واحدة كالحال في الدين، وذلك عنده في التاجر الذي تنضبط له أوقات شراء عروضه. وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ولا يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض ثم يضم إلى ذلك ما بيده
следующие страницы →