الذي يقوم فيه وله دين من عروض أو غير ذلك على الناس لا يرجوه.
(فقال) : إذا كان لا يرجوه لم يقومه وإنما يقوم ما يرتجيه من ذلك.
(قال) مالك: ويقوم الرجل الحائط إذا اشتراه للتجارة إذا كان ممن يدير ماله.
(قال) ابن القاسم: ولا يقوم الثمر؛ لأن الثمر فيه زكاة فلا يقومه مع ما يقوم من ماله.
(قال) سحنون: ولأنه غلة بمنزلة خراج الدار وكسب العبد وإن اشترى رقابها للتجارة، وبمنزلة غلة الغنم ما يكون من صوفها ولبنها وسمنها وإن كان رقابها للتجارة أو للقنية.
(قلت) : أرأيت رجلا كان يدير ماله للتجارة ولا ينض له شيء فاشترى بجميع ما عنده حنطة، فلما جاء شهره الذي يقوم فيه كان جميع ماله الذي يتجر فيه حنطة، فقال: أنا أؤدي إلى المساكين ربع عشر هذه الحنطة كيلا ولا أقوم.
(فقال) لي مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة ولا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض، فهذا لا يقوم، ولا شيء عليه، ولا زكاة ولا تقويم حتى ينض له بعض ماله.
(قال) : وقال مالك: من باع بالعرض والعين فذلك الذي يقوم.
(قال) سحنون: وكذلك روى ابن وهب عن مالك في الذي لا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض.
(قلت) : أرأيت إن كان يدير ماله للتجارة فحالت عليه أحوال لا ينض له منه شيئا ثم إنه باع منها بدرهم واحد ناض.
стр. 3502
(فقال) : إذا نض مما في يديه من العروض بعد الحول وإن كان درهما واحدا، فقد وجبت فيه الزكاة ويقوم العرض مكانه حين نض هذا الدرهم فيزكيه كله، ويستقبل الزكاة من ذي قبل.
(قلت) : فإن أتت السنة من ذي قبل وليس عنده من الناض شيء، وماله كله في العرض وقد كان في وسط السنة وفي أولها وفي آخرها قد كان ينض له، إلا أنه لما حال الحول ذلك اليوم لم يكن عنده من الناض شيء فكان جميع ما في يديه عرضا.
(قال) : يقوم ويزكي؛ لأن هذا قد كان يبيع في سنته بالعين والعرض.
(قلت) : فإن هو باع من ذي قبل بالعرض ولم ينض له شيء حتى أتى الحول وجميع ما عنده عرض أيقوم. فقال: لا يقوم؛ لأن هذا لم ينض له شيء في سنته هذه، وإنما كان رجل يبيع العرض بالعرض فلا تقويم عليه، ولا زكاة حتى ينض له مما في يديه شيء من يوم زكى إلى أن يحول الحول من ذي قبل.
(قلت) : فإن باع بعد الحول فنض له وإن درهم واحد زكاه؟ قال: نعم. (قلت) : ويكون هذا اليوم الذي زكى فيه وقته، ويستقبل حولا من ذي قبل ويلغي الوقت الأول.
(فقال) : نعم؛ لأن مالكا قال لي: لا يقوم على من يبيع العرض بالعرض ولا ينض له شيء.
(قال) ابن وهب عن الليث بن سعد وعمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه حماس: أنه كان يبيع الجلود
стр. 3503
والقرون، فإذا فرغ منها اشترى مثلها، فلا يجتمع عنده أبدا ما تجب فيه الزكاة، فمر به عمر بن الخطاب وعليه جلود يحملها للبيع، فقال له: زك مالك يا حماس، فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة، فقال: قوم مالك، فقوم ما عنده ثم أدى زكاته.
قال سحنون: قال عمرو بن الحارث وقال يحيى بن سعيد: إنما هذا الذي يدير ماله، فلو أنه كان لا يقوم ماله لم يزك أبدا، وأما الذي تكسد سلعته فلا زكاة عليه.
قال سحنون: يعني حتى يبيع، وقال: قال ذلك مالك بن أنس ﵄ (١) .
ب - قال ابن رشد - الجد - تحت ترجمة: (في افتراق حكم الأموال في الزكاة) : والأموال في الزكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم الأغلب فيه إنما يراد لطلب الفضل والنماء فيه لا للاقتناء، وهو العين من المذهب والورق وأتبارهما والمواشي وآنية الذهب والفضة وكل ما لا يجوز اتخاذه منها، فهذا تجب فيه الزكاة، اشتراه أو ورثه أو تصدق به عليه، نوى به التجارة أو القنية أو ما نوى به. وقسم ثان الأغلب منه إنما يراد للاقتناء لا لطلب الفضل والنماء، وهي العروض كلها، الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي تجب في رقابه الزكاة، فهذا يفرق فيه بين الشراء والفائدة، فما أفاده من ذلك بهبة أو ميراث، أو بما أشبه ذلك من وجوه الفوائد فلا زكاة عليه فيه، نوى به التجارة أو القنية حتى يبيعه
стр. 3504
ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وما اشترى من ذلك فهو على ما نوى فيه، إن أراد به القنية فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل به حولا من يوم باعه، وإن أراد به التجارة كان للتجارة وزكاه عن سنة التجارة. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية هل يرجع إلى حكمها بالنية أم لا؟ فقال ابن القاسم: يرجع إلى القنية ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وقبض ثمنه إن باعه، ورواه عن مالك. وقال أشهب: لا يرجع إلى القنية بالنية وهو على ما اشتراه عليه من نية التجارة، فإن باعه زكاه ساعة باعه وقبض ثمنه إن كان الحول قد حال على أصل الثمن، ورواه عن مالك. ولم يختلفا أنه إذا اشتراه للقنية أو أفاده بميراث أو غيره ثم نوى به التجارة، أنه لا ينتقل إليها بالنية واختلفا أيضا إذا اشتراه للوجهين جميعا، فغلب ابن القاسم القنية على أصله فيما اشتراه للتجارة أنه يرجع إلى القنية بالنية؛ لأنها الأصل، وغلب أشهب التجارة على أصله أن القنية والتجارة أصلان لا يرجع أحدهما إلى صاحبه بالنية، فلما اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطا كالبينتين إذا أثبتت إحداهما الحكم ونفته الأخرى، وكقول مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق أنه متمتع. وقسم ثالث يراد للوجهين جميعا، للاقتناء وطلب النماء، وهو حلي الذهب والفضة، فهذا لا يفرق فيه بين الفائدة والشراء، وهو في الوجهين معا على ما نوى، إن أراد به التجارة زكاه، وإن أراد به الاقتناء ليلبسه أهله وجواريه، أو هي إن كانت امرأة فلا زكاة عليها فيه.
стр. 3505
واختلف فيما يتخذ منه للكراء هل يخرج بذلك عن حكم الاقتناء وتجب فيه الزكاة أم لا؟ على قولين: وقال أيضا تحت ترجمته: (في افتراق حكم التجارة في الزكاة) : والتاجر ينقسم إلى قسمين: مدير، وغير مدير. فالمدير: هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجى قبضها فيزكي ذلك مع ما عنده من الناض، وأما غير المدير: وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده أحوالا (١) . ج- قال ابن رشد- الحفيد -: والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على مذهبهم هو النصاب في العين، إذ كانت هذه هي قيم المتلفات ورؤوس الأموال، وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال: إذا باع العروض زكاه لسنة واحدة كالحال في الدين، وذلك عنده في التاجر الذي تنضبط له أوقات شراء عروضه. وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ولا يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض ثم يضم إلى ذلك ما بيده
стр. 3506
من العين، وما له من الدين الذي يرتجى قبضه إن لم يكن عليه دين مثله، وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا أدى زكاته، وسواء نض له في عامه شيء من العين أو لم ينض، بلغ نصابا أو لم يبلغ نصابا، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: إذا لم يكن له ناض وكان يتجر بالعروض لم يكن عليه في العروض شيء، فمنهم من لم يشترط وجود الناض عنده، ومنهم من شرطه، والذي شرطه منهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك. وقال المزني: زكاة العروض تكون من أعيانها لا من أثمانها. وقال الجمهور- الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم-: المدير وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضا للتجارة فحال عليه الحول قومه وزكاه.
وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته. وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا؛ لأن الحول إنما يشترط في عين المال لا في نوعه.
وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير، وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه.
стр. 3507
ومالك ﵀ يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها (١) . د- جاء في [أقرب المسالك على مذهب الإمام مالك] و [الشرح الصغير] ، له: (وإنما يزكي عرض تجارة) لا قنية، فلا زكاة فيه إلا إذا باعه بعين أو ماشية، فيستقبل بثمنه حولا من قبضه، كما تقدم في الفائدة.
وقوله: (عرض) أي: عوض، فيشمل قيمة عروض المدير وثمن عروض المحتكر حيث باعها بشروط خمسة:
أشار لأولها بقوله: (إن كان لا زكاة في عينه) كالثياب والرقيق، وأما ما في عينه زكاة كنصاب ماشية أو حلي أو حرث فلا يقوم على مدير، ولا يزكي ثمنه محتكر، بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه، إلا إذا قرب الحول وباعه فرارا من الزكاة فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم.
ولثانيها بقوله: (وملك) العرض (بشراء) لا إن ورثه، أو وهب له، أو أخذه في خلع أو أخذته صداقا ونحو ذلك من الفوائد. وقولنا (بشراء) أحسن من قوله (بمعاوضة) ؛ لأنه يشمل الصداق والخلع فيحتاج إلى تقييده بقولنا: مالية؛ لإخراجهما. وشمل هذا الشرط والذي قبله الحب المشترى للتجارة، فإنه لا زكاة في عينه. وعلم بذلك أن المراد بالعرض ما يشمل المثليات.
ولثالثها بقوله: (بنية تجر) أي: إن ملك بشراء مع نية تجر مجردة حال الشراء (أو مع نية غلته) بأن ينوي عند شرائه للتجارة أن يكريه إلى أن
стр. 3508
يجد ربحا، (أو مع) نية (قنية) بأن ينوي عند الشراء ركوبه أو سكناه أو حملا عليه إلى أن يجد فيه ربحا فيبيعه (لا) إن ملكه (بلا نية) أصلا (أو نية قنية) فقط، (أو) نية (غلة) فقط، (أو هما) ، أي: بنية القنية والغلة معا، فلا زكاة.
ولرابعها بقوله: (وكان ثمنه) الذي اشترى به ذلك العرض (عينا أو عرضا كذلك) أي: ملك بشراء، سواء كان عرض تجارة أو قنية، كمن عنده عرض مقتنى اشتراه بعين، ثم باعه بعرض نوى به التجارة، فيزكي ثمنه إذا باعه لحوله من وقت اشترائه. بخلاف ما لو كان عنده عرض ملك بلا عوض كهبة وميراث فيستقبل بالثمن.
ولخامسها بقوله: (وبيع منه) أي: من العرض وأولى بيعه كله (بعين) نصابا فأكثر في المحتكر أو أقل. (ولو درهما في المدير) . فإن توفرت هذه الشروط زكى (كالدين) أي: كزكاة الدين المتقدمة، أي: لسنة من أصله إن قبض ثمنه عينا نصابا فأكثر كمل بنفسه، ولو قبضه في مرات أو مع فائدة تم حولها، أو معدن. وهذا (إن رصد) ربه (به) أي: بالعرض المذكور (الأسواق) أي: ارتفاع الأثمان، وهو المسمى بالمحتكر، فقوله: (كالدين) خاص بالمحتكر، والشروط الخمسة المتقدمة عامة فيه وفي المدير، فكأنه قال: إن توفرت الشروط زكاه كزكاة الدين إن كان محتكرا شأنه يرصد الأسواق. (وإلا) يرصد الأسواق بأن كان مديرا وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره؛ كأرباب الحوانيت والطوافين بالسلع (زكى عينه) التي عنده (ودينه) أي: عدده (النقد) الذي أصله عرض (الحال)
стр. 3509
أي: الذي حل أجله أو كان حالا أصالة (المرجو) خلاصه ولو لم يقبضه بالفعل، وما تقدم في زكاة الدين- من أنه إنما يزكى بعد قبضه مع بقية الشروط- ففي غير المدير أو في المدير إذا كان أصله قرضا، كما تقدمت الإشارة إليه، وكما سيأتي قريبا إن شاء الله. (وإلا) يكن نقدا حالا- بأن كان عرضا أو مؤجلا- مرجوا فيهما، فالنفي راجع لقوله النقد الحال فقط بدليل ما بعده. ومرادنا بالعرض: ما يشمل طعام السلم (قومه) على نفسه قيمة عدل (كل عام) وزكى القيمة؛ لأن الموضوع أنه مرجو فهو في المدير في قوة المقبوض (كسلعه) أي: المدير، أي: كما يقوم كل عام سلعه التي للتجارة (ولو بارت) سنين إذ بوارها بضم الباء، أي: كسادها لا ينقلها لاحتكار ولا قنية، وأما البوار بفتح الباء، فمعناه: الهلاك (١) . (لا إن لم يرجه) بأن كان على معدم أو ظالم لا تأخذه الأحكام فلا يقومه فإن قبضه زكاه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة (أو كان) أي: ولا إن كان دينه الذي على المدين (قرضا) أي: كان أصله سلفا - ولو مرجوا- فلا يقومه على نفسه ليزكيه لعدم النماء فيه فهو خارج عن حكم التجارة (فإن قبضه زكاه لعام) واحد. وإن أقام عند المدين سنين إلا أن يؤخره فرارا من الزكاة فلكل عام مضى. (وحوله) أي: والمدير الذي يقوم فيه سلعه لزكاتها مع عينه ودينه الحال المرجو (حول أصله) أي: المال الذي اشترى به السلع؛ فيكون
стр. 3510
ابتداء الحول من يوم ملك الأصل أو زكاه. ولو تأخرت الإدارة عنه، كما لو ملك نصابا أو زكاه في المحرم ثم أداوه في رجب، أي: شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب فحوله إلى محرم، وقيل: حوله وسط بين حول الأصل ووقت الإدارة كربيع الثاني. (ولا تقوم الأواني) التي توضع فيها سلع التجارة كالزلع، (والآلات) ؟ كالمنوال والمنشار والقدوم والمحراث (وبهيمة العمل) من حمل وحرث وغيرهما؛ لبقاء عينها فأشبهت القنية.
(وإن اجتمع) لشخص (احتكار) في عرض (وإدارة) في آخر (وتساويا أو احتكر الأكثر) وأدار في الأقل (فكل) من العرضين (على حكمه) في الزكاة (وإلا) بأن أدار أكثر سلعه واحتكر الأقل (فالجميع للإدارة) وبطل حكم الاحتكار.
стр. 3511
٣ - النقل عن الشافعية:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة (باب زكاة التجارة) : (أخبرنا) الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس: أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب ﵁ وعلى عنقي آدمة أحملها، فقال عمر: (ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟) فقلت: يا أمير المؤمنين، مالي غير هذه التي على ظهري واهبة في القرظ، فقال: (ذاك مال فضع) فوضعتها
стр. 3512
بين يديه، فحسبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة. (أخبرنا) الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان قال حدثنا ابن عجلان عن أبي الزناد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه مثله، أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن رزيق (١) بن حكيم: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: (أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئا) . (قال الشافعي) : ويعد له حتى يحول عليه الحول فيأخذ، ولا يأخذ منهم حتى يعلموا أن الحول قد حال على ما يأخذ منه. (قال الشافعي) : ونوافقه في قوله: فإن نقصت ثلث دينار فدعها. ونخالفه في أنها إذا نقصت عن عشرين دينارا أقل من حبة لم نأخذ منها شيئا؛ لأن الصدقة إذا كانت محدودة بأن لا يؤخذ إلا من عشرين دينارا، فالعلم يحيط أنها لا يؤخذ من أقل من عشرين دينارا بشيء ما كان الشيء. (قال الشافعي) : وبهذا كله نأخذ، وهو قول أكثر من حفظت عنه وذكر لي عنه من أهل العلم بالبلدان.
стр. 3513
(قال الشافعي) : والعروض التي لم تشتر للتجارة من الأموال ليس فيها زكاة بأنفسها، فمن كانت له دور أو حمامات لغلة أو غيرها أو ثياب كثرت أو قلت، أو رقيق كثر أو قل فلا زكاة فيها، وكذلك لا زكاة في غلاتها حتى يحول عليها الحول في يدي مالكها، وكذلك كتابة المكاتب وغيره لا زكاة فيها إلا بالحول له، وكذلك كل مال ما كان ليس بماشية ولا حرث ولا ذهب ولا فضة يحتاج إليه، أو يستغني عنه، أو يستغل ما له غلة منه، أو يدخره ولا يريد بشيء منه التجارة فلا زكاة عليه في شيء منه بقيمة، ولا في غلته ولا في ثمنه لو باعه إلا أن يبيعه أو يستغله ذهبا أو ورقا، فإذا حال على ما نض بيده من ثمنه حول زكاه، وكذلك غلته إذا كانت مما يزكى من سائمة إبل أو بقر أو غنم أو ذهب أو فضة، فإن أكرى شيئا منه بحنطة أو زرع مما فيه زكاة فلا زكاة عليه فيه، حال عليه الحول أو لم يحل؛ لأنه لم يزرعه فتجب عليه فيه الزكاة، وإنما أمر الله أن يؤتى حقه يوم حصاده، وهذا دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع.
(قال الربيع) : قال أبو يعقوب: وزكاة الزرع على بائعه؟ لأنه لا يجوز بيع الزرع في قول من يجيز بيع الزرع إلا بعد أن يبيض.
(قال أبو محمد الربيع) : وجواب الشافعي فيه على قول من يجيز بيعه، فأما هو فكان لا يرى بيعه في سنبله إلا أن يثبت فيه خبر عن النبي ﷺ فيتبع.
(قال الشافعي) : ولا اختلاف بين أحد علمته أن من أدى عشر أرضه ثم حبس طعامها أحوالا لم يكن عليه فيه زكاة.
стр. 3514
(قال الشافعي) : ومن ملك شيئا من هذه العروض بميراث أو هبة أو وصية أو أي وجوه الملك ملكها به إلا الشراء، أو كان متربصا يريد به البيع، فحالت عليه أحوال فلا زكاة عليه فيه؛ لأنه ليس بمشترى للتجارة.
(قال الشافعي) : ومن اشترى من العروض شيئا مما وصفت أو غيره مما لا تجب فيه الزكاة بعينه بذهب أو ورق أو عرض، أو بأي وجوه الشراء الصحيح كان أحصى يوم ملكه ملكا صحيحا، فإذا حال عليه الحول من يوم ملكه وهو عرض في يده للتجارة فعليه أن يقومه بالأغلب من نقد بلده، دنانير كانت أو دراهم، ثم يخرج زكاته من المال الذي قومه به.
(قال الشافعي) : وهكذا إن باع عرضا منه بعرض اشتراه للتجارة قوم العرض الثاني بحوله يوم ملك العرض الأول للتجارة، ثم أخرج الزكاة من قيمته، وسواء غبن فيما اشتراه منه أو غبن عامة إلا أن يغبن بالمحاباة وجاهلا به؛ لأنه بعينه لا اختلاف فيما تجب عليه الزكاة منه. (قال الشافعي) : وإذا اشترى العرض بنقد تجب فيه الزكاة أو عرض تجب في قيمته الزكاة حسب ما أقام المال في يده ويوم اشترى العرض، كأن المال أو العرض الذي اشترى به العرض للتجارة أقام في يده ستة أشهر، ثم اشترى به عرضا للتجارة فأقام في يده ستة أشهر فقد حال الحول على المالين معا، الذي كان أحدهما مقام الآخر، وكانت الزكاة واجبة فيهما معا، فيقوم العرض الذي في يده فيخرج منه زكاته.
(قال الشافعي) : فإن كان في يده عرض لم يشتره، أو عرض اشتراه
стр. 3515
لغير تجارة ثم اشترى به عرضا للتجارة لم يحسب ما أقام العرض الذي اشترى به العرض الآخر، وحسب من يوم اشترى العرض الآخر، فإذا حال الحول من يوم اشتراه زكاه؛ لأن العرض الأول ليس مما تجب فيه الزكاة بحال.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا للتجارة بدنانير أو بدراهم أو شيء تجب فيه الصدقة من الماشية، وكان أفاد ما اشترى به ذلك العرض من يومه لم يقوم العرض حتى يحول الحول يوم أفاد ثمن العرض ثم يزكيه بعد الحول.
(قال الشافعي) : ولو أقام هذا العرض في يده ستة أشهر، ثم باعه بدراهم أو دنانير فأقامت في يده ستة أشهر زكاه، وكانت كدنانير أو دراهم أقامت في يده ستة أشهر؛ لأنه لا يجب في العرض زكاة إلا بشرائه على نية التجارة؛ فكان حكمه حكم الذهب والورق التي حال عليها الحول في يده.
(قال الشافعي) : ولو كانت في يده مائتا درهم ستة أشهر، ثم اشترى بها عرضا فأقام في يده حتى يحول عليه حول من يوم ملك المائتي درهم التي حولها فيه لتجارة عرضا، أو باعه بعرض لتجارة فحال عليه الحول من يوم ملك المائتي درهم، أو من يوم زكى المائتي درهم قومه بدراهم ثم زكاه لا يقومه بدنانير إذا اشتراه بدراهم، وإن كانت الدنانير الأغلب من نقد البلد، وإنما يقومه بالأغلب إذا اشتراه بعرض للتجارة.
(قال الشافعي) : ولو اشتراه بدراهم ثم باعه بدنانير قبل أن يحول الحول عليه من يوم ملك الدراهم التي صرفها فيه، أو من يوم زكاه فعليه
стр. 3516
الزكاة من يوم ملك الدراهم التي اشتراه بها إذا كانت مما تجب فيه الزكاة، وذلك أن الزكاة تجوز في العرض بعينه فبأي شيء بيع العرض ففيه الزكاة، وقوم الدنانير التي باعه بها دراهم ثم أخذ زكاة الدراهم، ألا ترى أنه يباع بعرض فيقوم فتؤخذ منه الزكاة ويبقى عرضا فيقوم فتؤخذ منه الزكاة، فإذا بيع بدنانير زكيت الدنانير بقيمة الدراهم.
(قال الربيع) : وفيه قول آخر: أن البائع إذا اشترى السلعة بدراهم فباعها بدنانير، فالبيع جائز ولا يقومها بدراهم ولا يخرج لها زكاة من قبل أن في الدنانير بأعيانها زكاة، فقد تحولت الدراهم دنانير فلا زكاة فيها.
وأصل قول الشافعي: أنه لو باع بدراهم قد حال عليها الحول إلا يوم بدنانير لم يكن عليه في الدنانير زكاة حتى يبتدئ لها حولا كاملا، كما لو باع بقرا أو غنما بإبل قد حال الحول على ما باع إلا يوم استقبل حولا بما اشترى إذا كانت سائمة.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا لا ينوي بشرائه التجارة فحال عليه الحول أو لم يحل ثم نوى به التجارة لم يكن عليه فيه زكاة بحال حتى يبيعه ويحول على ثمنه الحول؛ لأنه إذا اشتراه لا يريد به التجارة كان كما ملك بغير شراء لا زكاة فيه.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا يريد به التجارة فلم يحل عليه حول من يوم اشتراه حتى نوى به أن يقتنيه ولا يتخذه لتجارة، لم يكن عليه فيه زكاة كان أحب إلي لو زكاه، وإنما يبين أن عليه زكاته إذا اشتراه يريد به التجارة، ولم تنصرف نيته عن إرادة التجارة به، فأما إذا انصرفت نيته عن إرادة التجارة فلا أعلمه أن عليه فيه زكاة.
стр. 3517
وهذا مخالف لماشية سائمة أراد علفها فلا ينصرف عن السائمة حتى يعلفها. فأما نية القنية والتجارة فسواء، لا فرق بينهما إلا بنية المالك.
(قال الشافعي) : ولو كان لا يملك إلا أقل من مائتي درهم أو عشرين مثقالا، فاشترى بها عرضا للتجارة، فباع العرض بعدما حال عليه الحول أو عنده أو قبله بما تجب فيه الزكاة - زكى العرض من يوم ملك العرض لا يوم ملك الدراهم؛ لأنه لم يكن في الدراهم زكاة لو حال عليها الحول وهي بحالها.
(قال الشافعي) : ولو كانت الدنانير أو الدراهم التي لا يملك غيرها التي اشترى بها العرض أقامت في يده أشهرا لم يحسب مقامها في يده؛ لأنها كانت في يده لا تجب فيها الزكاة، وحسب للعرض حول من يوم ملكه، وإنما صدقنا العرض من يوم ملكه أن الزكاة وجبت فيه بنفسه بنية شرائه للتجارة إذا حال الحول من يوم ملكه، وهو مما تجب فيه الزكاة؛ لأني كما وصفت من أن الزكاة صارت فيه نفسه ولا أنظر فيه إلى قيمته في أول السنة ولا في وسطها؛ لأنه إنما تجب فيه الزكاة إذا كانت قيمته يوم تحل الزكاة مما تجب فيه الزكاة، وهو في هذا يخالف الذهب والفضة. ألا ترى أنه لو اشترى عرضا بعشرين دينارا وكانت قيمته يوم يحول الحول أقل من عشرين سقطت فيه الزكاة؛ لأن هذا بين أن الزكاة تحولت فيه وفي ثمنه إذا بيع لا فيما اشترى به.
(قال الشافعي) : وسواء فيما اشتراه لتجارة كل ما عدا الأعيان التي فيها الزكاة بأنفسها من رقيق وغيرهم؛ فلو اشترى رقيقا لتجارة فجاء عليهم الفطر وهم عنده - زكى عنهم زكاة الفطر إذا كانوا مسلمين وزكاة
стр. 3518
التجارة بحولهم، وإن كانوا مشركين زكى عنهم التجارة وليست عليه فيهم زكاة الفطر.
(قال) : وليس في شيء اشتري لتجارة زكاة الفطر غير الرقيق المسلمين، وزكاته غير زكاة التجارة. ألا ترى أن زكاة الفطر على عدد الأحرار الذين ليسوا بمال، وإنما هي طهور لمن لزمه اسم الإيمان.
(قال الشافعي) : ولو اشترى دراهم بدنانير أو بعرض أو دنانير بدراهم أو بعرض يريد بها التجارة فلا زكاة فيما اشترى منها إلا بعدما يحول عليه الحول من يوم ملكه، كأنه ملك مائة دينار أحد عشر شهرا ثم اشترى بها مائة دينار أو ألف درهم. فلا زكاة في الدنانير الآخرة ولا الدراهم، حتى يحول عليها الحول من يوم ملكها؛ لأن الزكاة فيها بأنفسها.
(قال الشافعي) : وهكذا إذا اشترى سائمة من إبل أو بقر أو غنم بدنانير أو دراهم أو غنم أو إبل أو بقر، فلا زكاة فيما اشترى منها حتى يحول عليها الحول في يده من يوم ملكه، اشتراه بمثله أو غيره مما فيه الزكاة. ولا زكاة فيما أقام في يده ما اشتراه ما شاء أن يقيم؛ لأن الزكاة فيه بنفسه لا بنية للتجارة ولا غيرها.
(قال الشافعي) : وإذا اشترى السائمة لتجارة زكاها زكاة السائمة لا زكاة التجارة، وإذا ملك السائمة بميراث أو هبة أو غيره زكاها بحولها زكاة السائمة، وهذا خلاف التجارات.
(قال الشافعي) : وإذا اشترى نخلا وأرضا للتجارة زكاها زكاة النخل والزرع، وإذا اشترى أرضا فيها غراس غير نخل أو كرم أو زرع غير حنطة (قال أبو يعقوب والربيع) : وغير ما فيها الركاز لتجارة زكاها زكاة
стр. 3519
التجارة؛ لأن هذا مما ليس فيه بنفسه زكاة وإنما يزكى زكاة التجارة.
(قال الشافعي) : ومن قال: لا زكاة في الحلي ولا في الماشية غير السائمة، فإذا اشترى واحدا من هذين للتجارة ففيه الزكاة، كما يكون في العروض التي تشترى للتجارة (١) .
ب - قال الشيرازي: تجب الزكاة في عروض التجارة لما روى أبو ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته (٢) » ، ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية.
ج - وقال النووي على ذلك: هذا الحديث رواه الدارقطني في [سننه] والحاكم أبو عبد الله في [المستدرك] والبيهقي بأسانيدهم، ذكره الحاكم بإسنادين، ثم قال: هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم.
(قوله) : «وفي البز صدقته» هو بفتح الباء وبالزاي، هكذا رواه جميع الرواة، وصرح بالزاي الدارقطني والبيهقي، ونصوص الشافعي ﵁ القديمة والجديدة متظاهرة على وجوب زكاة التجارة.
قال أصحابنا: (قال الشافعي ﵁ في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة:
فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة، وهذا أحب إلينا) . هذا نصه.
стр. 3520
فقال القاضي أبو الطيب وآخرون: هذا ترديد قول، فمنهم من قال في القديم: قولان في وجوبها، ومنهم من لم يثبت هذا القديم، واتفق القاضي أبو الطيب وكل من حكى هذا القديم على أنه الصحيح في القديم أنها تجب، كما نص عليه في الجديد، والمشهور للأصحاب الاتفاق على أن مذهب الشافعي (رض) وجوبها، وليس في هذا المنقول عن القديم إثبات قول بعدم وجوبها، وإنما أخبر عن اختلاف الناس، وبين أن مذهبه الوجوب بقوله: وهذا أحب إلي، والصواب الجزم بالوجوب، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين.
قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال: رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وطاوس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، والنخعي ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان وأصحابه، وأحمد وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد.
وحكى أصحابنا عن داود وغيره من أهل الظاهر أنهم قالوا: لا تجب. وقال ربيعة ومالك: لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير، فإذا نضت لزمه زكاة عام واحد.
واحتجوا: بالحديث الصحيح: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة (١) » وهو في [الصحيحين] ، وقد سبق بيانه، وبما جاء عن ابن
стр. 3521
عباس أنه قال: لا زكاة في العروض.
واحتج أصحابنا بحديث أبي ذر المذكور، وهو صحيح كما سبق، وعن سمرة قال: (أما بعد: «فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع (١) » رواه أبو داود في أول كتاب الزكاة، وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم، ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده.
وعن حماس - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم وآخره سين مهملة - وكان يبيع الأدم قال: (قال لي عمر بن الخطاب: يا حماس، أد زكاة مالك، فقلت: ما لي مال، إنما أبيع الأدم، قال: قومه، ثم أد زكاته، ففعلت) رواه الشافعي وسعيد بن منصور الحافظ في [مسنده] والبيهقي.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح.
وأما الجواب عن حديث: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة (٢) » : فهو محمول على ما ليس للتجارة، ومعناه: لا زكاة في عينه بخلاف الأنعام، وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث، وأما قول ابن عباس فهو ضعيف الإسناد ضعفه الشافعي ﵁ والبيهقي وغيرهما، قال البيهقي: ولو صح لكان محمولا على عرض ليس للتجارة ليجمع بينه وبين الأحاديث والآثار السالفة، ولما روى ابن المنذر عنه من وجوب زكاة التجارة كما سبق (٣)
стр. 3522
د - قال الشيرازي: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: (أحدهما) : أن يملكه بعقد فيه عوض كالبيع والإجارة والنكاح والخلع. (والثاني) : أن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة، وأما إذا ملكه بإرث أو وصية أو هبة من غير شرط الثواب فلا تصير للتجارة بالنية، وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة.
وقال الكرابيسي من أصحابنا: إذا ملك عرضا ثم نوى أنه للتجارة صار للتجارة، كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية والمذهب الأول؛ لأنه ما لم يكن للزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى إسامتها، ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة؛ لأن القنية هي الإمساك بنية القنية، وقد وجد الإمساك والنية، والتجارة هي التصرف بنية التجارة، وقد وجدت النية ولم يوجد التصرف فلم يصر للتجارة.
هـ- قال النووي: (الشرح) قوله: من أصله، احتراز من حلي الذهب والفضة إذا قلنا: لا زكاة فيه، فنوى استعماله في حرام أو نوى كنزه واقتناه فإنه يجب فيه الزكاة كما سبق؛ لأن أصله الزكاة.
قال أصحابنا: مال التجارة هو كل ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة. وتفصيل هذه القيود: أن مجرد نية التجارة يصير به المال للتجارة. فلو كان له عرض قنية ملكه بشراء أو غيره فجعله للتجارة لم يصر للتجارة، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وقال الكرابيسي: يصير للتجارة، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر المصنف دليل الوجهين.
стр. 3523
أما إذا اقترنت نية التجارة بالشراء، فإن المشترى يصير للتجارة ويدخل في الحول بنفس الشراء، سواء اشتراه بعرض أو نقد أو دين حال أو مؤجل، وإذا صار للتجارة استمر حكمها، ولا يحتاج في كل معاملة إلى نية أخرى بلا خلاف، بل النية مستصحبة كافية، وفي معنى الشراء ما لو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عوض بنية التجارة فإنه يصير للتجارة بلا خلاف، سواء كان الدين قرضا أو ثمن مبيع أو ضمان متلف، وهكذا الاتهاب بشرط الثواب إذا نوى به التجارة صار للتجارة. صرح به البغوي وغيره.
وأما الهبة بلا ثواب والاحتطاب والاحتشاش والاصطياد فليست من أسباب التجارة ولا أثر لاقتران النية بها، ولا يصير العرض للتجارة بلا خلاف، لفوات الشرط، وهو المعاوضة، وهكذا الرد بالعيب والاسترداد. فلو باع عرض قنية بعرض قنية ثم وجد بما أخذه عيبا فرده واسترد الأول على قصد التجارة، أو وجد صاحبه بما أخذ عيبا فرده فقصد المردود عليلا بأخذه للتجارة- لم يصر للتجارة.
ولو كان عنده ثوب قنية فاشترى به عبدا للتجارة ثم رد عليه الثوب بالعيب انقطع حول التجارة ولا يكون الثوب للتجارة، بخلاف ما لو كان الثوب للتجارة أيضا فإنه يبقى حكم التجارة فيه، كما لو باع عرض التجارة واشترى بثمنه عرضا آخر، وكذا لو تبايع التاجران ثم تعاملا - يستمر حكم التجارة في المالين.
ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبد للقنية، فرد عليه الثوب بالعيب لم يعد إلى حكم التجارة؛ لأن قصد القنية حول التجارة، وليس الرد
стр. 3524
والاسترداد من التجارة، كما لو قصد القنية بمال التجارة الذي عنده فإنه يصير قنية بالاتفاق. فلو نوى بعد ذلك جعله للتجارة لا يؤثر حتى تقترن النية بتجارة جديدة. ولو خالع وقصد بعرض الخلع التجارة في حال المخالعة، أو زوج أمته أو تزوجت الحرة ونويا حال العقد التجارة في الصد اق، فطريقان:
(أصحهما) : - وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين - يكون مال تجارة، وينعقد الحول من حينئذ؛ لأنها معاوضة ثبتت فيها الشفعة كالبيع.
(والثاني) : وهو مشهور في طريقة الخراسانيين، وذكر بعض العراقيين، فيه وجهان: (أصحهما) : هذا، (والثاني) : لا يكون للتجارة؟ لأنهما ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة، وطرد الخراسانيون الوجهين في المال المصالح به عن الدم، والذي أجر به نفسه أو ماله إذا نوى بهما التجارة، وفيما إذا كان يصرفه في المنافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤجرها للتجارة، فالمذهب في الجميع مصيره للتجارة. هذا كله فيما يصير به العرض للتجارة، ثم إذا صار للتجارة ونوى به القنية صار للقنية وانقطع حكم التجارة بلا خلاف؟ لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى (١) .
стр. 3525
٤ - النقل عن الحنابلة:
أ - قال الخرقي: (والعروض إذا كانت لتجارة قومها إذا حال عليها
стр. 3526
الحول وزكاها) .
ب- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: العروض: جمع عرض، وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال. فمن ملك عرضا للتجارة فحال عليه حول، وهو نصاب قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته. ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول.
وقد دل عليه قول رسول الله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (١) » .
إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول.
وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي.
وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد، إلا أن يكون مدبرا؛ لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه، فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عينا. ولنا: أنه مال تجب الزكاة فيه في الحول الأول لم ينقص عن النصاب، ولم تتبدل صفته فوجبت زكاته في الحول الثاني، كما لو نص في أوله. ولا نسلم أنه إذا لم يكن في أوله عينا لا تجب الزكاة فيه، وإذا اشترى عرضا للتجارة تعرض للقنية جرى في حول الزكاة من حين اشتراه. (فصل) : ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: أحدهما: أن يملكه بفعله؛ كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات؛ لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة
стр. 3527
بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم، ولا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض. ذكر ذلك أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأنه ملكه بفعله أشبه الموروث. والثاني: أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة، فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وإن نواه بعد ذلك، وإن ملكه بإرث، وقصد أنه للتجارة لم يصر للتجارة؛ لأن الأصل القنية، والتجارة عارض، فلم يصر إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر، لم يثبت له حكم بدون الفعل. وعن أحمد رواية أخرى أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية؛ لقول سمرة: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع (١) » ، فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله، ولا أن يكون في مقابلة عوض، بل متى نوى به التجارة صار للتجارة (٢) وقال ابن قدامة: تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس.
وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي.
стр. 3528
وحكي عن مالك وداود: أنه لا زكاة فيها؛ لأن النبي ﷺ قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (١) » .
ولنا: ما روى أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله ﷺ «يأمرنا أن نخرج مما نعده للبيع (٢) » ، وروى الدارقطني عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته (٣) » قال: بالزاي، ولا خلاف أنها لا تجب في عينه، وثبت أنها في قيمته.
وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: (أمرني عمر، فقال: أد زكاة مالك. فقلت: مالي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قومها ثم أد زكاتها) رواه الإمام أحمد وأبو عبيد.
وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا. وخبرهم المراد به: زكاة العين لا زكاة القيمة، بدليل ما ذكرنا، على أن خبرهم عام وخبرنا خاص فيجب تقديمه (٤) . ج - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو
стр. 3529
عبيد. وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود، عن سمرة قال: (كان النبي ﷺ «يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (١) » وروي عن حماس قال: (مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك، فقلت: ما لي إلا جعاب وأدم، فقال: قومها ثم أد زكاتها) ، واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع.
وأما مالك، فمذهبه: أن التجار على قسمين: متربص ومدير. فالمتربص: وهو الذي يشتري السلع ينتظر بها الأسواق، فربما أقامت السلع عنده سنين- فهذا عنده لا زكاة عليه، إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد.
وحجته: أن الزكاة شرعت في الأموال النامية، فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن شرائها فيتضرر. فإذا زكيت عند البيع، فإن كانت ربحت فالربح كان كامنا فيها. فيخرج زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب، ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل.
وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول، فلا يستقر بيده سلعة، فهذا يزكي في السنة الجميع، يجعل لنفسه شهرا معلوما يحسب ما بيده من السلع والعين، والدين الذي على المليء الثقة، ويزكي الجميع. هذا إذا كان ينض في يده في أثناء السنة، ولو درهم، فإن لم يكن يبيع بعين أصلا، فلا زكاة عليه عنده (٢)
стр. 3530
د - قال ابن مفلح: وهي واجبة، واحتج الأصحاب ﵏ بما روي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني حبيب بن سليمان ابن سمرة عن أبيه سليمان بن سمرة قال: (أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان «يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع (١) » رواه أبو داود.
وروي أيضا بهذا السند نحو ستة أخبار، منها: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) . ومنها: (من كتم غالا فإنه مثله) وهذا الإسناد لا ينهض مثله لشغل الذمة؛ لعدم شهرة رجاله ومعرفة عدالتهم، وحبيب تفرد عنه جعفر ووثقه ابن حبان. وقال ابن حزم: جعفر وحبيب مجهولان. وقال الحافظ عبد الحق: حبيب ضعيف وليس جعفر ممن يعتمد عليه. وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله (٢) وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم. وأفرد الحافظ عبد الغني المقدسي بقوله: إسناده مقارب عن أبي ذر مرفوعا: «وفي البز صدقة» رواه أحمد، ورواه الحاكم عن طريقين، وصحح إسنادهما، وأنه على شرطهما، ورواه الدارقطني وعنده قاله بالزاي.
وذكر بعضهم: أن جميع الرواة رووه بالزاي، وفي صحة هذا الخبر نظر، ويدل على ضعفهما أن أحمد إنما احتج بقول عمر ﵁
стр. 3531
لحماس: أد زكاة مالك، فقال: ما لي إلا جعاب وأدم. قال: قومها ثم أد زكاتها. رواه أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه.
ورواه (سعيد، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني أبو عمرو ابن حماس أن أباه أخبره) .
ورواه أبو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما وهو مشهور.
وسأل الميموني أبا عبد الله عن قول ابن عباس في الذي يحول عنده المتاع للتجارة، قال: يزكيه بالثمن الذي اشتراه فقلت: ما أحسنه! فقال: أحسن منه حديث: (قومه) ، وروى ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد الله عن نافع (١) عن ابن عمر قال: يعمل في العروض زكاة إلا عرضا (٢) في تجارة.
ورواه سعيد بمعناه في طريق آخر، وهذا صحيح عن ابن عمر، وأما (أبو عمرو) (٣) عن أبيه، فحماس لا تعرف عدالته، واحتج صاحب [المحرر] بأنه إجماع متقدم، واعتمد على قول ابن المنذر، وإنما قال: أجمع عامة أهل العلم على أن في العروض التي تراد للتجارة الزكاة. وذكر الشافعي في القديم: أن الناس اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم:
стр. 3532
لا زكاة، وقال بعضهم: تجب. قال: وهو أحب إلينا، ومن أصحابه (١) من أثبت له قولا في القديم لا تجب، وحكى أحمد هذا عن مالك وهو قول داود، واحتج بظواهر العفو عن صدقة الخيل والرقيق والحمر، ولأن الأصل عدم الوجوب.
ويتوجه هنا ما سبق في زكاة العسل، وقد يتوجه تخريج من نية الأضحية مع الشراء لا تصير أضحية فلم تؤثر النية مع الفعل في نقل حكم الأصل.
وفرق القاضي من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن أن ينوي بها أضحية بعد حصول الملك فهذا لم يصح مع الملك، وهنا لا تصح نية التجارة بعد حصول الملك، فلهذا صح أن ينوي مع الملك.
والثاني: أن الشراء يملك به، ونية الأضحية سبب يزيل الملك فلم يقع الملك، وسبب زواله بمعنى واحد، والزكاة لا تزيل الملك ولا هي سبب في إزالته والشراء يملك به؛ فلهذا صح أن ينوى بها الزكاة حين الشراء، كذا قال وفيهما نظر (٢) وقال ابن مفلح: ومن طولب بالزكاة فادعى أداءها أو بقاء الحول أو نقص النصاب أو زوال ملكه أو تجدده قريبا أو أن ما بيده لغيره، أو أنه
стр. 3533
منفرد أو مختلط أو نحو ذلك - قبل قوله (و) بلا يمين، نص عليه، قاله بعضهم، وظاهر كلامه لا يشرع. نقل حنبل: لا يسأل المتصدق عن شيء ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعا.
قال في [عيون المسائل] : ظاهر قوله: (لا يستحلف الناس على صدقاتهم) لا يجب ولا يستحب؛ لأنها عبادة مؤتمن عليها، كالصلاة والكفارة بخلاف الوصية للفقراء بمال، ويأتي ما يتعلق بهذا في آخر باب الدعاوى.
وقال ابن حامد: يستحلف في الزكاة في ذلك كله ويتوجه احتمال إن اتهم (وم) .
وفي [الأحكام السلطانية] : إن رأى العامل أن يستحلفه فعل، وإن نكل لم يقض عليه بنكوله، وقيل: بلى، وكذلك الحكم في من مر بعاشر وادعى أنه عشره آخر.
قال أحمد ﵀: إذا أخذ منه المصدق كتب له براءة، فإذا جاء آخر أخرج إليه براءته.
قال القاضي: وإنما قال ذلك لنفي التهمة عنه. وهل يلزمه الكتابة؟ يأتي فيمن سأل الحاكم أن يكتب له ما ثبت عنده، وإن ادعى التلف بجائحة فسبق في زكاة الثمر، وإن أقر بقدر زكاته ولم يذكر قدر ماله صدق، والمراد وفي اليمين الخلاف (١)
стр. 3534
ثالثا الديون التي للإنسان على غيره هل تجب فيها الزكاة ؟
قد يكون الدين على مليء، وقد يكون على معسر ومن في حكمه، وقد يكون لازما أو غير لازم، وإذا كان لازما فقد يكون ماشية أو دراهم ودنانير وعروض تجارة. . . إلى غير ذلك من التفاصيل التي يكشفها ما يأتي من النصوص عن فقهاء الإسلام، مع ذكر مستندهم وما ذكروه من المناقشات:
١ - النقل عن الحنفية:
قال الكاساني في الكلام على الشرائط التي ترجع إلى المال:
ومنها: الملك المطلق، وهو: أن يكون مملوكا له رقبة ويدا، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: اليد ليست بشرط.
وهو قول الشافعي، فلا تجب الزكاة في المال الضمار عندنا خلافا لهما، وتفسير مال الضمار: هو كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام الأصل الملك، كالعبد الآبق، والضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم صار له بينة بأن أقر عند الناس، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه، فإن كان مدفونا في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع، وفي المدفون في الكرم والدار الكبيرة اختلاف المشايخ احتجا بعمومات الزكاة من غير فصل، ولأن وجوب الزكاة يعتمد الملك دون اليد بدليل ابن السبيل، فإنه تجب الزكاة في ماله، وإن كانت يده فائتة لقيام ملكه، وتجب الزكاة في الدين
стр. 3535
مع عدم القبض، وتجب في المدفون في البيت، فثبت أن الزكاة وظيفة الملك، والملك موجود، فتجب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لعجزه عن الأداء لبعد يده عنه، وهذا لا ينفي الوجوب كما في ابن السبيل.
ولنا ما روي عن علي ﵁ موقوفا عليه، ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «لا زكاة في مال الضمار» ، وهو المال الذي لا ينتفع به مع قيام الملك - مأخوذ من البعير الضامر الذي لا ينتفع به لشدة هزاله مع كونه حيا- وهذه الأموال غير منتفع بها في حق المالك لعدم وصول يده إليها؛ فكانت ضمارا، ولأن المال إذا لم يكن مقدور الانتفاع به في حق المالك لا يكون المالك به غنيا، ولا زكاة على غير الغني بالحديث الذي روينا، ومال ابن السبيل مقدور الانتفاع به في حقه بيد نائبه، وكذا المدفون في البيت؛ لأنه يمكنه الوصول إليه بالنبش، بخلاف المفازة؛ لأن نبش كل الصحراء غير مقدور له، وكذا الدين المقر به إذا كان المقر مليا فهو ممكن الوصول إليه، وأما الدين المجحود فإن لم يكن له بينة فهو على الاختلاف، وإن كان له بينة اختلف المشايخ فيه.
قال بعضهم: تجب الزكاة فيه؟ لأنه يمكن الوصول إليه بالبينة، فإذا لم يقم البينة فقد ضيع القدرة فلم يعذر.
وقال بعضهم: لا تجب؛ لأن الشاهد قد يفسق إلا إذا كان القاضي عالما بالدين؛ لأنه يقضي بعلمه فكان مقدور الانتفاع به، وإن كان المديون يقر في السر ويجحد في العلانية فلا زكاة فيه، كذا روي عن أبي يوسف؛ لأنه لا ينتفع بإقراره في السر، فكان بمنزلة الجاحد سرا
стр. 3536
وعلانية، وإن كان المديون مقرا بالدين لكنه مفلس، فإن لم يكن مقضيا عليه بالإفلاس تجب الزكاة فيه في قولهم جميعا.
وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه؛ لأن الدين على المعسر غير منتفع به فكان ضمارا. والصحيح قولهم؛ لأن المفلس قادر على الكسب والاستقراض مع أن الإفلاس محتمل الزوال ساعة فساعة إذ المال غاد ورائح وإن كان مقضيا عليه بالإفلاس فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا زكاة فيه.
فمحمد مر على أصله؛ لأن التفليس عنده يتحقق وأنه يوجب زيادة عجز؛ لأنه يسد عليه باب التصرف؛ لأن الناس لا يعاملونه، بخلاف الذي لم يقض عليه بالإفلاس، وأبو حنيفة مر على أصله؛ لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في حال الحياة والقضاء به باطل، وأبو يوسف وإن كان يرى التفليس، لكن المفلس قادر في الجملة بواسطة الاكتساب، فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة، فكان أثر التفليس في تأخير المطالبة إلى وقت اليسار، فكان كالدين المؤجل، فتجب الزكاة فيه. ولو دفع إلى إنسان وديعة ثم نسي المودع، فإن كان المدفوع إليه من معارفه فعليه الزكاة فيما مضى إذا تذكر؛ لأن نسيان المعروف نادر، فكان طريق الوصول قائما، وإن كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى، لتعذر الوصول إليه.
ولا زكاة في دين الكتابة والدية على العاقلة؛ لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة؛ لأنه لا يجب للمولى على عبده دين؛ فلهذا لم تصح الكفالة به، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، إذ هو ملك المولى من
стр. 3537
وجه، وملك المكاتب من وجه؛ لأن المكاتب في اكتسابه كالحر، فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقا، بل كان ناقصا، وكذا الدية على العاقلة، ملك ولي القتيل فيها متزلزل، بدليل أنه لو مات واحد من العاقلة سقط ما عليه، فلم يكن ملكا مطلقا، ووجوب الزكاة وظيفة الملك المطلق.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في الدين الذي وجب للإنسان لا بدلا عن شيء رأسا؛ كالميراث الدين، والوصية بالدين، أو وجب بدلا عما ليس بمال أصلا، كالمهر للمرأة على الزوج، وبدل الخلع للزوج على المرأة، والصلح، عن دم العمد: أنه لا تجب الزكاة فيه.
وجملة الكلام في الديون: أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة:
دين قوي، ودين ضعيف، ودين وسط.
كذا قال عامة مشايخنا.
أما القوي: فهو الذي وجب بدلا عن مال التجارة، كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة وعبيد التجارة أو غلة مال التجارة، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما، أدى درهما واحدا، وعند أبي يوسف ومحمد كلما قبض شيئا يؤدي زكاته قل المقبوض أو كثر.
وأما الدين الضعيف: فهو الذي وجب له بدلا عن شيء وجب له بغير صنعه كالميراث، أو بصنعه كالوصية، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن القصاص وبدل الكتابة، ولا زكاة فيه ما
стр. 3538
لم يقبض كله ويحول عليه الحول بعد القبض، وأما الدين الوسط: فما وجب له بدلا عن مال ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة وثمن ثياب البذلة والمهنة، وفيه روايتان عنه، ذكر في الأصل أنه تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض وهو أصح الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية تجب الزكاة فيها قبل القبض، إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلا ما لم تقبض ويحول عليها الحول. وجه قولهما: أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملك صاحب الدين ملكا مطلقا رقبة ويدا لتمكنه من القبض بقبض بدله وهو العين؟ فتجب فيه الزكاة كسائر الأعيان المملوكة ملكا مطلقا، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لأنه ليس في يده حقيقة، فإذا حصل في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض، كما هو مذهبهما في العين فيما زاد على النصاب، بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ليس بملك مطلق، بل هو ملك ناقص على ما بينا. والله أعلم.
ولأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الدين ليس بمال، بل هو فعل واجب، وهو فعل تمليك المال وتسليمه إلى صاحب الدين، والزكاة إنما تجب في المال، فإذا لم
стр. 3539
يكن مالا لا تجب فيه الزكاة، ودليل كون الدين فعلا من وجوه ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في [الخلافيات] كان ينبغي أن لا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول، إلا أن ما وجب له بدلا عن مال التجارة أعطي له حكم المال؟ لأن بدل الشيء قائم مقامه كأنه هو، فصار كأن المبدل قائم في يده وأنه مال التجارة وقد حال عليه الحول في يده.
والثاني: إن كان الدين مالا مملوكا أيضا لكنه مال لا يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال حقيقة، بل هو مال حكمي في الذمة وما في الذمة لا يمكن قبضه فلم يكن مالا مملوكا رقبة ويدا، فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار، فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها، لنقصان الملك بفوات اليد، إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض؛ لكونه بدل مال التجارة، قابل للقبض، والبدل يقام مقام المبدل، والمبدل عين قائمة قابلة للقبض، فكذا ما يقوم مقامه، وهذا المعنى لا يوجد فيما ليس ببدل رأسا، ولا فيما هو بدل عما ليس بمال، وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة أنه لا تجب فيه الزكاة ما لم يقبض قدر النصاب ويحول عليه الحول بعد القبض؛ لأن الثمن بدل مال ليس للتجارة فيقوم مقام المبدل، ولو كان المبدل قائما في يده حقيقة لا تجب الزكاة فيه، فكذا في بدله، بخلاف بدل مال التجارة.
وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه الزكاة على نحو الكلام في المال العين إذا كان زائدا على قدر النصاب وحال عليه الحول: فعند أبي حنيفة لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن
стр. 3540
أربعين درهما فهاهنا أيضا لا يخرج شيئا من زكاة المقبوض ما لم يبلغ المقبوض أربعين درهما، فيخرج من كل أربعين درهما يقبضها درهما، وعندهما يخرج قدر ما قبض قل المقبوض أو كثر، كما في المال العين إذا كان زائدا على النصاب، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وذكر الكرخي أن هذا إذا لم يكن له مال سوى الدين، فأما إذا كان له مال سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة المستفاد، فيضم إلى ما عنده، والله أعلم (١) .