وعلانية، وإن كان المديون مقرا بالدين لكنه مفلس، فإن لم يكن مقضيا عليه بالإفلاس تجب الزكاة فيه في قولهم جميعا.
وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه؛ لأن الدين على المعسر غير منتفع به فكان ضمارا. والصحيح قولهم؛ لأن المفلس قادر على الكسب والاستقراض مع أن الإفلاس محتمل الزوال ساعة فساعة إذ المال غاد ورائح وإن كان مقضيا عليه بالإفلاس فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا زكاة فيه.
فمحمد مر على أصله؛ لأن التفليس عنده يتحقق وأنه يوجب زيادة عجز؛ لأنه يسد عليه باب التصرف؛ لأن الناس لا يعاملونه، بخلاف الذي لم يقض عليه بالإفلاس، وأبو حنيفة مر على أصله؛ لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في حال الحياة والقضاء به باطل، وأبو يوسف وإن كان يرى التفليس، لكن المفلس قادر في الجملة بواسطة الاكتساب، فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة، فكان أثر التفليس في تأخير المطالبة إلى وقت اليسار، فكان كالدين المؤجل، فتجب الزكاة فيه. ولو دفع إلى إنسان وديعة ثم نسي المودع، فإن كان المدفوع إليه من معارفه فعليه الزكاة فيما مضى إذا تذكر؛ لأن نسيان المعروف نادر، فكان طريق الوصول قائما، وإن كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى، لتعذر الوصول إليه.
ولا زكاة في دين الكتابة والدية على العاقلة؛ لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة؛ لأنه لا يجب للمولى على عبده دين؛ فلهذا لم تصح الكفالة به، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، إذ هو ملك المولى من
стр. 3537
وجه، وملك المكاتب من وجه؛ لأن المكاتب في اكتسابه كالحر، فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقا، بل كان ناقصا، وكذا الدية على العاقلة، ملك ولي القتيل فيها متزلزل، بدليل أنه لو مات واحد من العاقلة سقط ما عليه، فلم يكن ملكا مطلقا، ووجوب الزكاة وظيفة الملك المطلق.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في الدين الذي وجب للإنسان لا بدلا عن شيء رأسا؛ كالميراث الدين، والوصية بالدين، أو وجب بدلا عما ليس بمال أصلا، كالمهر للمرأة على الزوج، وبدل الخلع للزوج على المرأة، والصلح، عن دم العمد: أنه لا تجب الزكاة فيه.
وجملة الكلام في الديون: أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة:
دين قوي، ودين ضعيف، ودين وسط.
كذا قال عامة مشايخنا.
أما القوي: فهو الذي وجب بدلا عن مال التجارة، كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة وعبيد التجارة أو غلة مال التجارة، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما، أدى درهما واحدا، وعند أبي يوسف ومحمد كلما قبض شيئا يؤدي زكاته قل المقبوض أو كثر.
وأما الدين الضعيف: فهو الذي وجب له بدلا عن شيء وجب له بغير صنعه كالميراث، أو بصنعه كالوصية، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن القصاص وبدل الكتابة، ولا زكاة فيه ما
стр. 3538
لم يقبض كله ويحول عليه الحول بعد القبض، وأما الدين الوسط: فما وجب له بدلا عن مال ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة وثمن ثياب البذلة والمهنة، وفيه روايتان عنه، ذكر في الأصل أنه تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض وهو أصح الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية تجب الزكاة فيها قبل القبض، إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلا ما لم تقبض ويحول عليها الحول. وجه قولهما: أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملك صاحب الدين ملكا مطلقا رقبة ويدا لتمكنه من القبض بقبض بدله وهو العين؟ فتجب فيه الزكاة كسائر الأعيان المملوكة ملكا مطلقا، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لأنه ليس في يده حقيقة، فإذا حصل في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض، كما هو مذهبهما في العين فيما زاد على النصاب، بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ليس بملك مطلق، بل هو ملك ناقص على ما بينا. والله أعلم.
ولأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الدين ليس بمال، بل هو فعل واجب، وهو فعل تمليك المال وتسليمه إلى صاحب الدين، والزكاة إنما تجب في المال، فإذا لم
стр. 3539
يكن مالا لا تجب فيه الزكاة، ودليل كون الدين فعلا من وجوه ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في [الخلافيات] كان ينبغي أن لا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول، إلا أن ما وجب له بدلا عن مال التجارة أعطي له حكم المال؟ لأن بدل الشيء قائم مقامه كأنه هو، فصار كأن المبدل قائم في يده وأنه مال التجارة وقد حال عليه الحول في يده.
والثاني: إن كان الدين مالا مملوكا أيضا لكنه مال لا يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال حقيقة، بل هو مال حكمي في الذمة وما في الذمة لا يمكن قبضه فلم يكن مالا مملوكا رقبة ويدا، فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار، فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها، لنقصان الملك بفوات اليد، إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض؛ لكونه بدل مال التجارة، قابل للقبض، والبدل يقام مقام المبدل، والمبدل عين قائمة قابلة للقبض، فكذا ما يقوم مقامه، وهذا المعنى لا يوجد فيما ليس ببدل رأسا، ولا فيما هو بدل عما ليس بمال، وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة أنه لا تجب فيه الزكاة ما لم يقبض قدر النصاب ويحول عليه الحول بعد القبض؛ لأن الثمن بدل مال ليس للتجارة فيقوم مقام المبدل، ولو كان المبدل قائما في يده حقيقة لا تجب الزكاة فيه، فكذا في بدله، بخلاف بدل مال التجارة.
وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه الزكاة على نحو الكلام في المال العين إذا كان زائدا على قدر النصاب وحال عليه الحول: فعند أبي حنيفة لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن
стр. 3540
أربعين درهما فهاهنا أيضا لا يخرج شيئا من زكاة المقبوض ما لم يبلغ المقبوض أربعين درهما، فيخرج من كل أربعين درهما يقبضها درهما، وعندهما يخرج قدر ما قبض قل المقبوض أو كثر، كما في المال العين إذا كان زائدا على النصاب، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وذكر الكرخي أن هذا إذا لم يكن له مال سوى الدين، فأما إذا كان له مال سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة المستفاد، فيضم إلى ما عنده، والله أعلم (١) .
стр. 3541
٢ - النقل عن المالكية:
أ- جاء في [المدونة] تحت عنوان: (زكاة القرض وجميع الدين) :
(قلت) : أرأيت لو أني أقرضت رجلا مائة دينار وقد وجبت علي زكاتها ولم أخرج زكاتها حتى أقرضتها فمكثت عند الذي أقرضتها إياه سنتين ثم ردها ماذا يجب علي من زكاتها.
(فقال) : زكاة عامين وهي الزكاة التي كانت وجبت عليك وزكاة عام بعد ذلك أيضا، وهو قول مالك.
(قلت) : أرأيت دينا لي على رجل، أقرضته مائة دينار فأقام الدين عليه أعواما فاقتضيت منه دينارا واحدا أترى لي أن أزكي هذا الدينار. فقال: لا.
(قلت) : فإن اقتضيت منه عشرين دينارا.
(فقال) : تزكي نصف دينار.
стр. 3542
(قلت) : فإن اقتضيت دينارا بعد العشرين دينارا.
(فقال) : تزكي من الدينار ربع عشره.
(قلت) : فإن كان قد أتلف العشرين كلها ثم اقتضى دينارا بعد ما أتلفها.
(فقال) : نعم، يزكيه وإن كان أتلف العشرين؛ لأنه لما اقتضى العشرين صار مالا تجب فيه الزكاة فما اقتضى بعد هذا فهو مضاف إلى العشرين، وإن كانت العشرون قد تلفت.
(قلت) : ولم لا يزكي إذا اقتضى ما دون العشرين.
(فقال) : لأنا لا ندري لعله لا يقتضي غير هذا الدينار، والزكاة لا تكون في أقل من عشرين دينارا.
(قلت) : أليس يرجع هذا الدينار إليه على ملكه الأول وقد حال عليه الحول فلم لا يزكيه.
(فقال) : لأن الرجل لو كانت عنده مائة دينار فمضى لها حول لم يفرط في زكاتها حتى ضاعت كلها إلا تسعة عشر دينارا لم يكن عليه فيها زكاة؛ لأنها قد رجع إلى ما لا زكاة فيه، فكذلك هذا الدين حين اقتضى منه دينارا؛ قلنا له: لا زكاة عليك حتى تقبض ما تجب فيه الزكاة؛ لأنا لا ندري لعلك لا تقتضي غيره فتزكي عن مال لا تجب فيه الزكاة، وإن اقتضى ما تجب فيه الزكاة زكاه ثم يزكي ما اقتضى من الدين من قليل أو كثير.
(قلت) : أرأيت إن كانت عنده عشرون دينارا أو له مائة دينار دين على الناس أيزكي العشرين إن كان الدين قد حال عليه الحول ولم يحل على العشرين الحول؟ فقال: لا.
стр. 3543
(قلت) : فإن اقتضى من الدين أقل من عشرين دينارا أيزكيه مكانه؟
قال: لا.
(قلت) : لم؟
(قال) : لأن العشرين التي عنده ليست من الدين وهي فائدة لم يحل عليها الحول.
(قلت) : فإن حال الحول على العشرين التي عنده وقد كان اقتضى من الدين أقل من عشرين دينارا.
(فقال) : يزكي العشرين الدينار الآن وما اقتضى من الدين جميعا.
(قلت) : فإن كان عنده العشرون ولم يقتض من الدين شيئا حتى حال الحول على العشرين ثم اقتضى من الدين دينارا واحدا أيزكي الدينار الذي اقتضى؟ فقال: نعم.
(قلت) : فإن تلفت العشرون بعد الحول فاقتضى بعدها دينارا أيزكيه؟
قال: نعم.
(قلت) : وما الفرق بين ما اقتضى من الدين وبين الفائدة، جعلت ما اقتضى من الدين تجب فيه الزكاة يزكي كل ما اقتضى بعد ذلك، وإن كان الذي اقتضى أولا قد تلف، وجعلته في الفائدة إن تلفت قبل أن يحول عليها الحول ثم اقتضى من الدين شيئا لم يزكه إلا أن يكون قد اقتضى من الدين ما تجب فيه الزكاة.
(فقال) : لأن الفائدة ليست من الدين إنما تحسب الفائدة عليه من يوم ملكها وما اقتضى من الدين يحسب عليه من يوم ملكه، وقد كان ملكه لهذا الدين قبل سنة فهذا فرق ما بينهما.
стр. 3544
(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
(قال) ابن القاسم: ولو أن رجلا كانت له مائة دينار فأقامت في يديه ستة أشهر ثم أخذ منها خمسين دينارا فابتاع بها سلعة فباعها بثمن إلى أجل- فإن بقيت الخمسون حتى يحول عليها الحول زكاها، ثم ما اقتضى بعد ذلك من ثمن تلك السلعة من قليل أو كثير زكاه، وإن كانت الخمسون قد تلفت قبل أن يحول عليها الحول وتجب فيها الزكاة فلا زكاة عليه فيما اقتضى حتى يبلغ ما اقتضى عشرين دينارا، فإن بقيت الخمسون في يديه حتى يزكيها ثم أنفقها بعد ذلك فأقام دهرا ثم اقتضى من الدين دينارا فصاعدا فإنه يزكيه؛ لأن هذا الدينار من أصل مال قد وجبت فيه الزكاة وهي الخمسون التي حال عليها فزكاها فالدين على أصل تلك الخمسين؟ لأنه حين وجبت الزكاة في الخمسين صار أصل الدين وأصل الخمسين واحدا في وجوب الزكاة، ويفترقان في أحوالهما، فإنما مثل ذلك مثل الرجل يبيع السلعة بمائة دينار ولا مال له غيرها فتقيم سنة في يدي المشتري ثم يقتضي منها عشرين دينارا فيخرج منها نصف دينار ثم يستهلكها ثم يقتضي بعد ذلك من ذلك الدين شيئا- فما اقتضى من قليل أو كثير فعليه فيه الزكاة؛ لأن أصله كان واحدا.
(قال) : وكل مال كان أصله واحدا أقرضت بعضه أو ابتعت ببعضه سلعة فبعتها بدين وتبقي بعض المال عندك وفيما أبقيت ما تجب فيه الزكاة فلم تتلفه حتى زكيته فهو والمال الذي أقرضت أو ابتعت به سلعة فبعت السلعة بدين فهو أصل واحد يعمل فيه كما يعمل فيه لو ابتيع به كله، فإذا اقتضى مما ابتيع به كله عشرين دينارا وجب فيه نصف دينار وما
стр. 3545
اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير ففيه الزكاة، وإن كان قد استهلك العشرين التي اقتضى.
قال: وهو قول مالك.
(قال) ابن القاسم: وكل مال كان أصله واحدا فأسلفت بعضه أو ابتعت ببعضه سلعة وأبقيت منه في يديك مالا تجب الزكاة فيه فحال عليه الحول وهو في يديك ثم أتلفته- فإنه يضاف ما اقتضيت إلى ما كان في يديك مما لا زكاة فيه، فإذا تم ما اقتضيت إلى ما كان في يديك مما أنفقت بعد الحول- فإنه إذا تم عشرين دينارا فعليك فيه الزكاة، ثم ما اقتضيت بعد ذلك من قليل أو كثير فعليك فيه الزكاة.
(قال) : وكل مال كان أصله واحدا فابتعت ببعضه أو أسلفت بعضه وأبقيت في يديك ما لا تجب فيه الزكاة ثم استهلكته قبل أن يحول عليه الحول- فإنه لا يضاف شيء من مالك كان خارجا من دينك إلى شيء منه، وما اقتضيت منه قبل أن يحول عليه الحول فاستهلكته قبل أن يحول عليه الحول- فهو كذلك أيضا لا يضاف إلى ما بقي لك من دينك، ولكن ما حال عليه الحول في يديك مما تجب فيه الزكاة أو لا زكاة فيه فإنه يضاف إلى دينك، فإن كان الذي في يديك مما تجب فيه الزكاة فإنك تزكي ما اقتضيت من قليل أو كثير من دينك وإن كنت قد استهلكته، وإن كان مما لا تجب فيه الزكاة مما حال عليه الحول فاستهلكته بعد الحول- فإنك لا تزكي ما اقتضيت حتى يتم ما اقتضيت، وما استهلكت بعد الحول عشرين دينارا فتخرج زكاتها، ثم ما اقتضيت بعد ذلك من قليل أو كثير فعليك فيه الزكاة.
стр. 3546
(قلت) : ما قول مالك في الدين يقيم على الرجل أعواما لكم يزكيه صاحبه إذا قبضه؟ فقال: لعام واحد.
(قلت) : وإن كان الدين مما يقدر على أخذه فتركه، أو كان مفلسا لا يقدر على أخذه منه فأخذه بعد أعوام أهذا عند مالك سواء؟
(قال) : نعم، عليه زكاة عام واحد إذا أخذه، وهذا كله عند مالك سواء.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت له دنانير على الناس فحال عليها الحول فأراد أن يؤدي زكاتها من ماله قبل أن يقبضها؟
(قال) : لا يقدم زكاتها قبل أن يقبضها.
(قال) : وقد قال لي مالك في رجل اشترى سلعة للتجارة فحال عليها الحول قبل أن يبيعها فأراد أن يقدم زكاتها.
(قال) : فقال مالك: لا يفعل ذلك.
(فقال) : فقلت له: إن أراد أن يتطوع بذلك.
(قال) : يتطوع في غير هذا ويدع زكاته حتى يبيع عرضه والدين عندي مثل هذا.
(قال) ابن القاسم: وإن قدم زكاته لم تجزئه، قال: فرأيت الدين مثل هذا.
(قال) أشهب عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر: أن عبد الله بن دينار حدثه عن عبد الله بن عمر: أنه قال: ليس في الدين زكاة حتى يقبض، فإذا قبض فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
(قال) أشهب: قال: وأخبرني ابن أبي الزناد وسليمان بن بلال
стр. 3547
والزنجي مسلم بن خالد: أن عمرا مولى المطلب حدثهم أنه سأل سعيد بن المسيب عن زكاة الدين، فقال: ليس في الدين زكاة حتى يقبض فإذا قبض فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
(قال) ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب عن مالك عن يزيد بن خصيفة: أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة؟ فقال: لا.
(قال) ابن وهب عن نافع وابن شهاب: أنه بلغه عنهما مثل قول سليمان.
(قال) ابن وهب عن يزيد بن عياض عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب مثله.
(قال) ابن وهب عن عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح: أنه كان يقول: ليس في الدين زكاة وإن كان في ملاء حتى يقبضه صاحبه.
(قال) سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس في الدين إذا لم يأخذه صاحبه زمانا ثم أخذه أن يزكيه إلا مرة واحدة.
(قال) ابن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن مثله.
(قال) أشهب: قال مالك: والدليل على أن الدين يغيب أعواما ثم يقضيه صاحبه فلا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة: العروض تكون عند الرجل للتجارة فتقيم أعواما ثم يبيعها فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة، فكذلك الدين، وذلك أنه ليس عليه أن يخرج زكاة ذلك الدين أو
стр. 3548
العروض من مال سواء لا تخرج زكاة من شيء عن شيء غيره (١)
ب- قال ابن رشد الجد تحت عنوان: (في زكاة الديون) :
الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام:
دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة.
فأما الدين من الفائدة: فإنه ينقسم على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع وما أشبه ذلك- فهذا لا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبض ويحول الحول عليه من بعد القبض ولا دين على صاحبه يسقط عنه الزكاة فيه، وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة لم يوجب ذلك عليه فيه الزكاة.
والثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفوائد- فهذا لا زكاة فيه حتى يقبض ويحول الحول عليه بعد القبض، وسواء كان باعه بالنقد أو بالتأخير.
وقال ابن الماجشون والمغيرة: إن كان باعه بثمن إلى أجل فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه، فإن ترك قبضه فرارا من الزكاة تخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يزكيه لما مضى من الأعوام.
والثاني: أنه يبقى على حكمه فلا يزكيه حتى يحول عليه الحول من بعد قبضه أو حتى يقبضه إن كان باعه بثمن إلى أجل على الاختلاف الذي
стр. 3549
ذكرناه في ذلك.
والثالث: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية- فهذا إن كان باعه بالنقد لم تجب عليه فيه زكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض، وإن كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه، وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة زكاه لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في وجه من وجوه هذا القسم.
الرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة- فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني.
وإن كان قبضه بعد استيفاء العمل مثل أن يؤجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارا فيقبضها معجلة ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يزكي إذا حال الحول ما يجب له من الإجارة وذلك عشرون دينارا؛ لأنه قد بقيت في يده منذ قبضها حولا كاملا، ثم يزكي كل ما مضى له من المدة شيء له بال ما يجب له من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين لانقطاع الثلاثة الأعوام، وهذا يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم، وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة، في مسألة هبة الدين هو عليه بعد حلول الحول عليه.
والثاني: أنه يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار وهو نص ما قاله ابن المواز على قياس القول الأول.
والثالث: أنه لا زكاة عليه في شيء من السنين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر زكى عشرين؛ لأن ما ينوى بها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا بعد شيء فوجب استئناف حول آخر بها منذ
стр. 3550
سقوط الدين عنها.
وأما الدين من الغصب ففيه في المذهب قولان: أحدهما: وهو المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القراض. والثاني: أنه يستقبل حولا مستأنفا من يوم يقبضه كدين الفائدة، وقد قيل: إنه يزكيه للأعوام الماضية، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله في مال قبضه بعض الولاة ظلما ثم عقب بعد ذلك بكتاب آخر أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة؛ لأنه كان ضمارا.
وأما دين القرض فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
واختلف هل يقومه المدير أم لا؟
فقيل: إنه يقومه وهو ظاهر ما في [المدونة] .
وقيل: إنه لا يقومه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف فيمن له مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر؛ لأن المدير إذا أقرض من المال الذي يدير قرضا فقد أخرجه بذلك عن الإدارة.
وأما دين التجارة فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة، يقومه المدير ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام كما يقوم المدير عروض التجارة، ولا يزكيها غير المدير حتى يبيع فيزكيها زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، وإذا قبض من الدين أقل من نصاب أو باع من العروض بعد أن حال عليه الحول بأقل من نصاب- فلا زكاة عليه حتى يقبض تمام النصاب، أو يبيع بتمامه، فإذا كمل عنده تمام
стр. 3551
النصاب زكى جميعه، كان ما قبض أولا قائما بيده، أو كان قد أنفقه.
واختلف إن كان تلف من غير سببه:
وقال محمد بن المواز: لا ضمان عليه فيه؛ لأنه بمنزلة مال تلف بعد حلول الحول عليه من غير تفريط، فعلى قياس قول مالك في هذه المسألة التي نظرها بها يسقط عنه زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب، وعلى قول محمد بن الجهم فيها يزكي الباقي إذا قبضه، وإن كان أقل من نصاب، وهو الأظهر؛ لأن المساكين نزلوا معه بمنزلة الشركاء فكانت المصيبة فيما تلف منه ومنهم، وكان ما بقي بينه وبينهم قل أو كثر.
وقال ابن القاسم وأشهب: يزكي الجميع، وهذا الاختلاف إنما يكون إذا تلف بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه الزكاة لضمنه، وأما إن تلف بفور قبضه فلا اختلاف في أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب.
وقول ابن المواز أظهر؛ لأن ما دون النصاب لا زكاة عليه فيه فوجب أن لا يضمنه في البعد كما لا يضمنه في القرب.
ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب من أنه يضمن ما تلف بغير سببه في البعد مراعاة على قول من يوجب الزكاة في الدين، وإن لم يقبض فهو استحسان، فإذا تخلل الاقتضاء فوائد وكان كلما اقتضى من الدين شيئا أنفقه، وكلما حال الحول على فائدة أفادها أنفقها.
فمذهب أشهب في ذلك: أن يضيف كل ما اقتضى من الدين وكل ما حل من الفوائد إلى ما كان اقتضى قبله من الدين وأنفقه وإلى ما كان حل عليه الحول من الفوائد قبله فأنفقه.
стр. 3552
وأما ابن القاسم فمذهبه: أن يضيف الدين إلى ما أنفقه من الدين وإلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها، ولا يضيف الفائدة التي حال الحول عليها إلى ما أنفقه من الدين بعد اقتضائه ولا إلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها.
مثال ذلك: أن يقتضي من دين له خمسة دنانير فينفقها وله فائدة لم يحل عليها الحول وهي عشرة دنانير فينفقها بعد حلول الحول عليها ثم يقبض من دينه عشرة فإنه يزكيها مع العشرة الفوائد التي أنفقها ولا يزكي الخمسة الأولى التي اقتضى من الدين حتى يقتضي خمسة أجزاء، وبالله التوفيق (١) .
ج- وقال ابن رشد الحفيد: وأما المال الذي هو في الذمة - أعني: في ذمة الغير وليس هو بيد المالك- وهو الدين فإنهم اختلفوا فيه أيضا:
فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال الليث، أو هو قياس قوله.
وقوم قالوا: إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين.
وقال مالك: يزكيه لحول واحد وإن أقام عند المديان سنين إذا كان أصله عن عوض.
وأما إذا كان عن غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول.
стр. 3553
وفي المذهب تفصيل في ذلك (١) .
د- جاء في [أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك] و [الشرح الصغير، له: (ويزكي الدين) بعد قبضه- كما يأتي- السنة) فقط وإن أقام عند المدين أعواما، وتعتبر السنة (من يوم ملك أصله) بهبة ونحوها، أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه (أو) من يوم (زكاه) إن استمر عنده عاما. ومحل تزكيته لسنة فقط إذا لم يؤخره فرارا من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى عند ابن القاسم.
ولزكاته لسنة شروط أربعة:
أولها: أن يكون أصله عينا بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل، وإليه أشار بقوله: (إن كان) الدين الذي هو على المدين (عينا، كائنة (من قرض أو) ثمن (عروض تجارة) لمحتكر، أي: سببه أحد هذين الأمرين، لا إن كان الدين عرضا فلا يزكى إلا على ما سيأتي في المدير.
الشرط الثاني: أن يقبض من المدين، وإليه أشار بقوله (وقبض) لا إن لم يقبض فلا يزكى، اللهم إلا أن يكون أصله ثمن عرض تجارة لمدير فلا يزكى بتمام شروطه الآتية في المدير.
الشرط الثالث: أن يقبض (عينا) ذهبا أو فضة لا إن قبضه عرضا، فلا زكاة حتى يبيعه على ما سيأتي من احتكار أو إدارة، إذا كان القابض له رب الدين، بل (ولو) كان القابض له (موهوبا له) من رب الدين (أو
стр. 3554
أحال) ربه به من له عليه دين على المدين، فإن ربه المحيل يزكيه من غيره بمجرد قبول الحوالة، ولا يتوقف على قبضه من المحال عليه؛ ولذا عبرنا بالفعل المعطوف على كان المحذوفة بعد لو، والمعنى وقبضه عينا، ولو أحال به فإن الحوالة تعد قبضا، بخلاف ما ولو وهبه فلا بد من زكاته على ربه الواهب من قبض الموهوب له بالفعل، خلافا لما يوهمه قول الشيخ: ولو بهبة أو إحالة، فقولنا: ولو أحال، في قوة ولو إحالة أي: ولو كان القبض إحالة فيزكيه المحيل. وأما المحال فيزكيه أيضا منه لكن بعد قبضه، وأما المحال عليه فيزكيه أيضا من غيره بشرط أن يكون عنده ولو من العروض ما يفي بدينه.
الشرط الرابع: أن يقبض نصابا كاملا ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة ثم عشرة فيزكيه عند قبض ما به التمام، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب، وإليه أشار بقوله (وكمل) المقبوض (نصابا، بنفسه ولو على مرات بل (وإن) كمل (بفائدة) عنده (ثم حولها) كما لو قبض عشرة وعنده عشرة حال عليها الحول، فيزكي العشرين (أو كمل) المقبوض نصابا (بمعدن) ؛ لأن المعدن لا يشترط فيه الحول على ما سيأتي:
(و) ولو اقتضى من دينه دون نصاب، ثم اقتضى ما يتم به النصاب في مرة أو مرات كان (حول المتم) بفتح التاء اسم مفعول وهو: ما قبض أولا (من) وقت (التمام) فإذا قبض خمسة فخمسة فعشرة، فحول الجميع وقت قبض العشرة فيزكي العشرين حينئذ (ثم زكى المقبوض) بعد ذلك (ولو قل) كدرهم حال قبضه ويكون كل اقتضاء بعد التمام على
стр. 3555
حوله لا يضم لما قبله ولا بعده ولو نقص النصاب بعد تمامه لاستقرار حوله بالتمام (١) .
стр. 3556
٣ - النقل عن الشافعية
:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة: (باب زكاة الدين) :
(قال الشافعي) رحمه الله تعالى: وإذا كان الدين لرجل غائبا عنه فهو كما تكون التجارة له غائبة عنه، والوديعة، وفي كل زكاة.
(قال) : وإذا سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحول لم يجز أن يجعل زكاة ماله إلا في حول؛ لأن المال لا يعدو أن يكون فيه زكاة، ولا يكون إلا كما سن رسول الله ﷺ ، أو لا يكون فيه زكاة، فيكون كالمال المستفاد.
(قال الشافعي) : وإذا كان لرجل على رجل دين فحال عليه حول، ورب المال يقدر على أخذه منه بحضور رب الدين وملائه وأنه لا يجحده ولا يضطره إلى عدوى- فعليه أن يأخذ منه أو زكاته كما يكون ذلك عليه في الوديعة هكذا، وإن كان رب المال غائبا، أو حاضرا لا يقدر على أخذه منه إلا بخوف أو بفلس له إن استعدى عليه، وكان الذي عليه الدين غائبا، حسب ما احتبس عنده حتى يمكنه أن يقبضه، وإذا قبضه أدى زكاته لما مر عليه من السنين لا يسعه غير ذلك. وهكذا الماشية تكون للرجل غائبة لا يقدر عليها بنفسه ولا يقدر له عليها، وهكذا الوديعة، والمال يدفنه فينسى موضعه لا يختلف في شيء.
стр. 3557
(قال الشافعي) : وإن كان المال الغائب عنه في تجارة يقدر وكيل له على قبضه حيث هو، قوم حيث هو، وأديت زكاته ولا يسعه إلا ذلك، وهكذا المال المدفون والدين، وكلما قلت لا يسعه إلا تأدية زكاته بحوله وإمكانه له، فإن هلك قبل أن يصل إليه وبعد الحول وقد أمكنه فزكاته عليه دين، وهكذا كل مال له يعرف موضعه ولا يدفع عنه، فكلما قلت له: يزكيه فلا يلزمه زكاته قبل قبضه حتى يقبضه فهلك المال قبل أن يمكنه قبضه فلا ضمان عليه فيما مضى من زكاته؛ لأن العين التي فيها الزكاة هلكت قبل أن يمكنه أن يؤديها.
(قال الشافعي) : فإن غصب مالا فأقام في يدي الغاصب زمانا لا يقدر عليه ثم أخذه أو غرق له مال فأقام في البحر زمانا ثم قدر عليه أو دفن مالا فضل موضعه فلم يدر أين هو ثم قدر عليه- فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين: أن لا يكون عليه فيه زكاة لما مضى ولا إذا قبضه حتى يحول عليه حول من يوم قبضه؛ لأنه كان مغلوبا عليه بلا طاعة منه كطاعته في السلف والتجارة والدين، أو يكون فيه الزكاة إن سلم؛ لأن ملكه لم يزل عنه لما مضى عليه من السنين.
(قال الربيع) : القول الآخر أصح القولين عندي؛ لأن من غصب ماله أو غرق لم يزل ملكه عنه، وهو قول الشافعي.
(قال الشافعي) : وهكذا لو كان له على رجل مال أصله مضمون أو أمانة فجحده إياه ولا بينة له عليه أوله بينة غائبة لم يقدر على أخذه منه بأي وجه ما كان الأخذ.
(قال الربيع) : إذا أخذه زكاه لما مضى عليه من السنين، وهو معنى
стр. 3558
قول الشافعي.
(قال الشافعي) : فإن هلك منه مال فالتقطه منه رجل أو لم يدر التقط أو لم يلتقط- فقد يجوز أن يكون مثل هذا، ويجوز أن لا يكون عليه فيه زكاة بحال؛ لأن الملتقط يملكه بعد سنة على أن يؤديه إليه إن جاءه، ويخالف الباب قبله بهذا المعنى.
(قال الشافعي) : وكل ما أقبض من الدين الذي قلت عليه فيه زكاة زكاه إذا كان في مثله زكاة لما مضى، ثم كلما قبض منه شيئا فكذلك.
(قال الشافعي) : وإذا عرف الرجل اللقطة سنة ثم ملكها فحال عليها أحوال ولم يزكها ثم جاء صاحبها فلا زكاة على الذي وجدها وليس هذا كصداق المرأة؛ لأن هذا لم يكن لها مالكا قط حتى جاء صاحبها، وإن أدى عنها زكاة منها ضمنها لصاحبها.
(قال الشافعي) : والقول في أن لا زكاة على صاحبها الذي اعترفها، أو أن عليها الزكاة في مقامها في يدي غيره كما وصفت أن تسقط الزكاة في مقامها في يدي الملتقط بعد السنة؛ لأنه أبيح له أكلها بلا رضا من الملتقط، أو يكون عليه فيها الزكاة؛ لأنها ماله، وكل ما قبض من الدين الذي قلت عليه فيه زكاة زكاه إذا كان في مثله زكاة لما مضى فكلما قبض منه شيئا فكذلك، وإن قبض منه ما لا زكاة في مثله فكان له مال أضافه إليه، وإلا حسبه فإذا قبض ما تجب فيه الزكاة معه أدى زكاته لما مضى عليه من السنين (١) .
стр. 3559
ب- قال الشيرازي: (وإن كان له دين نظرت، فإن كان دينا غير لازم كمال الكتابة لم يلزمه زكاته؛ لأن ملكه غير تام عليه، فإن العبد يقدر أن يسقطه، وإن كان لازما نظرت، فإن كان على مقر مليء لزمه زكاته؛ لأنه مقدور على قبضه فهو كالوديعة، وإن كان على مليء جاحد، أو مقر معسر فهو كالمال المغصوب، وفيه قولان، وقد بيناه في زكاة الماشية، وإن كان له دين مؤجل، ففيه وجهان. قال أبو إسحاق: هو كالدين الحال على فقير أو مليء جاحد، فيكون على قولين. وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب فيه الزكاة، فإذا قبضه استقبل به الحول؛ لأنه لا يستحقه، ولو حلف أنه لا يستحقه كان بارا، والأول أصح؛ لأنه لو لم يستحقه لم ينفذ فيه إبراؤه، وإن كان له مال غائب، فإن كان مقدورا على قبضه وجبت فيه الزكاة إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه، وإن لم يقدر عليه فهو كالمغصوب) .
ج- وقال النووي في شرح ذلك: قال أصحابنا: الدين ثلاثة أقسام: (أحدها) : غير لازم كمال الكتابة، فلا زكاة فيه بلا خلاف؛ لما ذكره المصنف.
(الثاني) : أن يكون لازما وهو ماشية بأن كان له في ذمة إنسان أربعون شاة سلما أو قرضا، فلا زكاة فيها أيضا بلا خلاف؛ لأن شرط زكاة الماشية السوم. ولا توصف التي في الذمة بأنها سائمة.
(الثالث) : أن يكون دراهم أو دنانير أو عرض تجارة، وهو مستقر، ففيه قولان مشهوران: (القديم) لا تجب الزكاة في الدين بحال؛ لأنه غير معين. (والجديد) الصحيح باتفاق الأصحاب وجوب الزكاة في الدين
стр. 3560
على الجملة.
وتفصيله: أنه إن تعذر استيفاؤه لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته، فهو كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه طرق تقدمت في باب زكاة الماشية، والصحيح وجوبها، وقيل: تجب في الممطول والدين على مليء غائب بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما سواهما. وبهذا الطريق قطع صاحب [الحاوي] وغيره، وليس كذلك، بل المذهب طرد الخلاف.
فإن قلنا بالصحيح: وهو الوجوب لم يجب الإخراج قبل حصوله بلا خلاف، ولكن (١) في يده أخرج عن المدة الماضية، هذا معنى الخلاف.
وأما إذا لم يتعذر استيفاؤه بأن كان على مليء باذل أو جاحد عليه بينة أو كان القاضي يعلمه، وقلنا: القاضي يقضي بعلمه؛ فإن كان حالا وجبت الزكاة بلا شك ووجب إخراجها في الحال، وإن كان مؤجلا فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليليهما:
(أصحهما) : عند المصنف والأصحاب: أنه على القولين في المغصوب: (أصحهما) : تجب الزكاة.
(الثاني) : لا تجب، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي.
والطريق الثاني: طريقة ابن أبي هريرة: لا زكاة فيه قولا واحدا، كالمال الغائب الذي يسهل إحضاره.
فإن قلنا بوجوب الزكاة، فهل يجب إخراجها في الحال؟
стр. 3561
فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون: (أصحهما) : لا يجب، وبه قطع الجمهور كالمغصوب.
قال إمام الحرمين: ولأن الخمسة نقدا تساوي ستة مؤجلة، ويستحيل أن يسلم أربعة نقدا تساوي خمسة مؤجلة، فوجب تأخير الإخراج إلى القبض، قال: ولا شك أنه لو أراد أن يبرئ فقيرا عن دين له عليه، ليوقعه عن الزكاة لم يقع عنها؛ لأن شرط أداء الزكاة أن يتضمن تمليكا محققا. والله تعالى أعلم.
وأما المال الغائب فإن لم يكن مقدورا عليه؛ لانقطاع خبره فهو كالمغصوب، هكذا قال المصنف والجمهور، وقيل: تجب الزكاة قطعا؛ لأن تصرفه فيه نافذ، بخلاف المغصوب، ولا خلاف أنه لا يجب الإخراج عنه قبل عوده وقبضه، وإن كان مقدورا على قبضه وجبت الزكاة منه بلا خلاف، ووجب إخراجها في الحال بلا خلاف، ويخرجها في بلد المال، فإن أخرجها في غيره ففيه خلاف نقل الزكاة، هذا إذا كان المال مستقرا، فإن كان سائرا غير مستقر لم يجب إخراج زكاته قبل أن يصل إليه، فإذا وصل أخرج عن الماضي بلا خلاف، هذا هو الصواب في مسألة الغائب، وما وجدته خلافه في بعض الكتب فنزله عليه، ومما يظن مخالفا قول المصنف: (فإن كان مقدورا على قبضه وجبت فيه الزكاة، إلا إنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه) ، هكذا قاله ابن الصباغ، وكلامهما محمول على ما ذكرنا إذا كان سائرا غير مستقر، هكذا صرح به أبو المكارم في العدة وغيره، وجزم الشيخ أبو حامد بأنه يخرجها في الحال، هو محمول على ما إذا كان المال مستقرا في بلد. والله تعالى أعلم.
стр. 3562
قال أصحابنا: كل دين وجب إخراج زكاته قبل قبضه، وجب ضمه إلى ما معه من جنسه لإكمال النصاب، ويلزمه إخراج زكاتهما في الحال، وكل دين لا يجب إخراج زكاته قبل قبضه ويجب بعد قبضه.
فإن كان معه من جنسه ما لا يبلغ وحده نصابا، ويبلغ بالدين نصابا، فوجهان مشهوران: (أحدهما) وبه قطع صاحب البيان: لا يلزمه زكاة ما معه في الحال، فإذا قبض الدين لزمه زكاتهما عن الماضي (وأصحهما) عند الرافعي وغيره: يجب إخراج قسط ما معه. قالوا: وهما مبنيان على أن التمكن شرط في الوجوب أو في الضمان، إن قلنا بالأول لا يلزمه لاحتمال أن لا يحصل الدين، وإن قلنا بالثاني لزمه. والله تعالى أعلم.
وكل دين لا زكاة فيه في الحال ولا بعد عوده عن الماضي، بل يستأنف له الحول إذا قبض، فهذا لا يتم به نصاب ما معه، وإذا قبضه لا يزكيهما عن الماضي بلا خلاف، بل يستأنف لهما الحول. والله تعالى أعلم.
أما إذا كان له مائة درهم حاضرة ومائة غائبة فإن كانت الغائبة مقدورا عليها لزمه زكاة الحاضرة في الحال في موضعها والغائبة في موضعها، وإن لم يكن مقدورا عليه فإن قلنا: لا زكاة فيه إذا عاد فلا زكاة في الحاضر؛ لنقصه عن النصاب، وإن قلنا: تجب زكاته فهل يلزمه زكاة الحاضر في الحال؛ فيه الوجهان السابقان في الدين بناء على أن التمكن شرط في الوجوب أم الضمان، فإن لم نوجبها في الحال أوجبناها فيه، وفي الغائب إن عاد وإلا فلا (١) .
стр. 3563
٤ - النقل عن الحنابلة
:
أ- قال الخرقي: (وإذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه ويؤدي لما مضى) .
ب - وقال ابن قدامة: وجملة ذلك: أن الدين على ضربين:
أحدهما: دين على معترف به باذل له فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، روي ذلك عن علي ﵁، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال عثمان وابن عمر وجابر ﵃، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه إخراج زكاته كالوديعة.
وقال عكرمة: ليس في الدين زكاة، وروي ذلك عن عائشة وابن عمر ﵃؛ لأنه غير نام فلم تجب زكاته كعروض القنية. وروي عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وأبي الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
ولنا: أنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كما لو كان على معسر، ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
وأما الوديعة فهي بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظه ويده كيده، وإنما يزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به
стр. 3564
فلزمته زكاته كسائر أمواله.
الضرب الثاني: أن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل به، فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين:
إحداهما: لا تجب، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به أشبه مال المكاتب.
والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري، وأبي عبيد؛ لما روي عن علي ﵁ في الدين المظنون، قال: إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى.
وروي نحوه عن ابن عباس، رواهما أبو عبيد. ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على المليء.
وللشافعي قولان: كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والأوزاعي ومالك: يزكيه إذا قبضه لعام واحد.
ولنا: أن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد؛ فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها، كسائر الأموال، ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن أو فيهما.
(فصل) وظاهر كلام أحمد: أنه لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن البراءة تصح من المؤجل، ولولا أنه مملوك لم تصح البراءة منه، لكن يكون في حكم الدين على المعسر؛ لأنه لا يمكن قبضه في الحال (١) .
ج- قال الخرقي: (وإذا غصب مالا، زكاه إذا قبضه لما مضى في
стр. 3565
إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، والرواية الأخرى قال: ليس هو كالدين الذي متى قبضه زكاه، وأحب إلي أن يزكيه) .
د- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: قوله: (إذا غصب مالا) أي: إذا غصب الرجل مالا، فالمفعول الأول المرفوع مستتر في الفعل، والمال هو المفعول الثاني، فلذلك نصبه، وفي بعض النسخ: (وإذا غصب ماله) وكلاهما صحيح، والحكم في المغصوب والمسروق والمجحود والضال واحد، وفي جميعه روايتان:
إحداهما: لا زكاة فيه، نقلها الأثرم والميموني. ومتى عاد صار كالمستفاد يستقبل به حولا، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في قديم قوليه؛ لأنه مال خرج عن يده وتصرفه، وصار ممنوعا منه، فلم يلزمه زكاته، كمال المكاتب.
والثانية: عليه زكاته؛ لأن ملكه عليه تام، فلزمته زكاته، كما لو نسي عند من أودعه، أو كما لو أسر، أو حبس، وحيل بينه وبين ماله، وعلى كلتا الروايتين لا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه.
وقال مالك: إذا قبضه زكاه لحول واحد؛ لأنه كان في ابتداء الحول في يده، ثم حصل بعد ذلك في يده، فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد. وليس هذا بصحيح؛ لأن المانع من وجوب الزكاة إذا وجد في بعض الحول، يمنع كنقص النصاب.
هـ- قال الخرقي: (واللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط استقبل بها حولا ثم زكاها، فإن جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها) .
стр. 3566
ووقال ابن قدامة في شرح ذلك: ظاهر المذهب: أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف، واختار أبو الخطاب أنه لا يملكها حتى يختار. وهو مذهب الشافعي - يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى- ومتى ملكها استأنف حولا، فإذا مضى وجبت عليه زكاتها. وحكى القاضي في موضع، أنه إذا ملكها وجب عليه مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن مثلية.
وهذا مذهب الشافعي، ويذكر في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومقتضى هذا أن لا تجب عليه زكاتها؛ لأنه دين فمنع الزكاة كسائر الديون.
وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا تجب الزكاة فيها لمعنى آخر، وهو أن ملكه غير مستقر عليها، ولصاحبها أخذها منه متى وجدها.
والمذهب ما ذكره الخرقي، وما ذكره القاضي يفضي إلى ثبوت معاوضة في حق من لا ولاية عليه بغير فعله ولا اختياره، ويقتضي ذلك أن يمنع الدين الذي عليه الميراث والوصية كسائر الديون والأمر بخلافه.
وما ذكره ابن عقيل يبطل بما وهبه الأب لولده وبنصف الصداق فإن لهما استرجاعه، ولا يمنع وجوب الزكاة.
فأما ربها إذا جاء فأخذها، فذكر الخرقي أنه يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها، وهو حول التعريف، وقد ذكرنا في الضال روايتين، وهذا من جملته.
وعلى مقتضى قول الخرقي: أن الملتقط لو لم يملكها مثل من لم يعرفها، فإنه لا زكاة على ملتقطها، وإذا جاء ربها زكاها للزمان كله
стр. 3567
وإنما تجب عليه زكاتها إذا كانت ماشية بشرط كونها سائمة عند الملتقط، فإن علفها فلا زكاة عليه على ما ذكرنا في المغصوب.
ز- قال الخرقي: (والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى) .
ح- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: وجملة ذلك: أن الصداق في الذمة دين للمرأة، حكمه حكم الديون على ما مضى، إن كان على مليء به فالزكاة واجبة فيه، إذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على معسر أو جاحد فعلى الروايتين.
واختار الخرقي وجوب الزكاة فيه، ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده؛ لأنه دين في الذمة، فهو كثمن مبيعها، فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول، وأخذت النصف فعليها زكاة ما قبضته دون ما لم تقبضه؛ لأنه دين لم تتعوض عنه، ولم تقبضه، فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحد، وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه لانفساخ النكاح بأمر من جهتها، فليس عليها زكاته؛ لما ذكرنا، وكذلك القول في كل دين يسقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه، أو يئس صاحبه من استيفائه.
والمال الضال إذا يئس منه فلا زكاة على صاحبه؛ فإن الزكاة مواساة فلا تلزم المواساة إلا مما حصل له.
وإن كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثم سقط نصفه وقبضت النصف، فعليها زكاة النصف المقبوض؛ لأن الزكاة وجبت فيه ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به؛ فاختص السقوط به. وإن مضى عليه حول قبل قبضه ثم قبضته كله زكته لذلك الحول.
стр. 3568
وإن مضت عليه أحوال قبل قبضه، ثم قبضته زكته لما مضى كله ما لم ينقص عن النصاب. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليها الزكاة ما لم تقبضه؛ لأنه بدل عما ليس بمال فلا تجب الزكاة فيه قبل قبضه، كدين الكتابة.
ولنا: أنه دين يستحق قبضه، ويجبر المدين على أدائه، فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع. يفارق دين الكتابة، فإنه لا يستحق قبضه، وللمكاتب الامتناع من أدائه ولا يصح قياسهم عليه، فإنه عوض عن مال.
(فصل) : فإن قبضت صداقها قبل الدخول، ومضى عليه حول فزكته، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع فيها بنصفه وكانت الزكاة من النصف الباقي لها. وقال الشافعي في أحد أقواله: يرجع الزوج بنصف الموجود ونصف قيمة المخرج؛ لأنه لو تلف الكل رجع عليها بنصف قيمته، فكذلك إذا تلف البعض.
ولنا: قول الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١) ولأنه يمكنه الرجوع في العين فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم يتلف منه شيء، ويخرج على هذا ما لو تلف كله، فإنه ما أمكنه الرجوع في العين، وإن طلقها بعد الحول وقبل الإخراج، لم يكن له الإخراج من النصاب؛ لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة لم تتعلق به على وجه الشركة، لكن تخرج الزكاة من غيره أو يقتسمانه (٢) ، ثم تخرج الزكاة من حصتها، فإن طلقها قبل الحول ملك النصف مشاعا، وكان حكم ذلك كما لو باع نصفه قبل الحول مشاعا، وقد بينا حكمه.
стр. 3569
(فصل) : فإن كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول، ففيه روايتان:
إحداهما: عليها الزكاة؛ لأنها تصرفت فيه، فأشبه ما لو قبضته.
والرواية الثانية: زكاته على الزوج؛ لأنه ملك ما ملك عليه، فكأنه لم يزل ملكه عنه، والأول أصح، وما ذكرنا لهذه الرواية لا يصح؛ لأن الزوج لم يملك شيئا وإنما سقط الدين عنه. ثم لو ملك في الحال لم يقتض هذا وجوب زكاة ما مضى. ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما لما ذكرنا في الزوج، والمرأة لم تقبض الدين؛ فلم تلزمها زكاته، كما لو سقط بغير إسقاطها وهذا إذا كان الدين مما تجب فيه الزكاة إذا قبضه، فأما إن كان مما لا زكاة فيه، فلا زكاة عليها بحال.
وكل دين على إنسان أبرأه صاحبه منه بعد مضي الحول عليه فحكمه حكم الصداق فيما ذكرنا.
قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها وقد مضى له عشر سنين، فإن زكاته على المرأة؛ لأن المال كان لها. وإذا وهب رجل لرجل مالا فحال الحول، ثم ارتجعه الواهب فليس له أن يرتجعه، فإن ارتجعه فالزكاة على الذي كان عنده.
وقال في رجل باع شريكه نصيبه من داره فلم يعطه شيئا، فلما كان بعد سنة قال: ليس عندي دراهم فأقلني فأقاله.
قال: عليه أن يزكي؛ لأنه قد ملكه حولا (١) .
стр. 3570
ط- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا بد في الزكاة من الملك. واختلفوا في اليد، فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تجب في كل دين وكل عين، وإن لم تكن تحت يد صاحبها، كالمغصوب والضال، والدين المجحود، وعلى معسر أو مماطل، وأنه يجب تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه، كالدين على الموسر. وهذا أحد قولي الشافعي، وهو أقواهما (١) .
وسئل ﵀: عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار، أو يدفع إليها الصداق بعد مدة من السنين، فهل تجب زكاة السنين الماضية؟ أم إلى أن يحول الحول من حين قبضت الصداق؟ فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة فيها للعلماء أقوال:
قيل: يجب تزكية السنين الماضية، سواء كان الزوج موسرا أو معسرا. كأحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد، وقد نصره طائفة من أصحابهما.
وقيل: يجب مع يساره وتمكنها من قبضها، دون ما إذا لم يمكن تمكينه من القبض. كالقول الآخر في مذهبهما.
وقيل: تجب لسنة واحدة. كقول مالك، وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا تجب بحال. كقول أبي حنيفة، وقول في مذهب أحمد.
وأضعف الأقوال: من يوجبها للسنين الماضية، حتى مع العجز عن
стр. 3571
قبضه، فإن هذا القول باطل، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء، فهذا ممتنع في الشريعة، ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال، ثم إذا نقص النصاب. وقيل: إن الزكاة تجب في عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل يمتنع إتيان الشريعة به.
وأقرب الأقوال: قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه، وهذا وجه، وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما قيل به في مذهب أحمد. والله أعلم (١) .
ي- قال ابن مفلح: ويعتبر تمام ملك النصاب في الجملة (و) فلا زكاة في دين الكتابة (و) لعدم استقرارها، ولهذا لا يصح ضمانها، وفيه رواية، فدل على الخلاف هنا، ولا في دين مؤجل، أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد قبضه، ومغصوب، ومسروق، ومعرف، وضال رجع، وما دفنه ونسيه، وموروث، أو غيره وجهله، أو جهل عند من هو، وفي رواية صححها صاحب التلخيص وغيره، ورجحها بعضهم، واختارها ابن شهاب وشيخنا (وهـ) . وفي رواية: تجب، اختاره الأكثر، وذكر صاحب [الهداية] و [المحرر] : ظاهر المذهب (وم ش) وجزم به جماعة في المؤجل (م ٥) (وهـ) (٢) لصحة الحوالة به والإبراء، فيزكي ذلك إذا قبضه لما مضى من السنين، خلافا لرواية عن مالك.
стр. 3572
وقال أبو الفرج: إذا قلنا: تجب في الدين وقبضه، فهل يزكيه لما مضى؟ على روايتين، ويتوجه ذلك في بقية الصور، وقيد في [المستوعب] المجحود ظاهرا وباطنا.
وقال أبو المعالي: ظاهرا.
وقال غيرهما: ظاهرا أو باطنا أو فيهما، وإن كان به بينة فوجهان (م ٦) .
وقيل: تجب في مدفون بداره، ودين على معسر ومماطل، والروايتان في وديعة جحدها المودع، وجزم في [الكافي] بوجوبها في وديعة جهل عند من هي (م ٧) ولا يخرج المودع إلا بإذن (١) ربها، نص عليه وقيد الحنفية المدفون بمغارة (٢) ، وعكسه المدفون في البيت، وفي المدفون في كرم أو أرض اختلاف المشايخ.
وتجب عندهم في دين على معسر، أو جاحد عليه بينة، أو علم به القاضي، وعلى مقر مفلس عند أبي حنيفة؛ لأن التفليس لا يصح عنده، وعند محمد: لا تجب لتحقق الإفلاس بالتفليس عنده، وقاله أبو يوسف، وقال في حكم الزكاة كقول أبي حنيفة، رعاية للفقراء.
ولو وجبت في نصاب، بعضه دين على معسر أو غصب أو ضال، ففي وجوب إخراج زكاة ما بيده قبل قبض الدين والغصب وجهان (م ٨ و ٩) فإن قلنا: لا، وكان الدين على مليء، فوجهان.
стр. 3573
ومتى قبض شيئا من الدين أخرج زكاته ولو لم يبلغ نصابا، نص عليه (وش) خلافا للقاضي وابن عقيل ومالك، وخلافا لأبي حنيفة إن كان الدين بدلا عن مال غير زكوي ولم يقبض منه أربعين درهما أو أربعة دنانير، ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة، لنقصه بيده كتلفه، وإن غصب رب المال بأسر أو حبس ومنع من التصرف في ماله لم تسقط زكاته في الأصح؛ لنفوذ تصرفه ولو حمل إلى دار الحرب؛ لأن عصمته بالإسلام؛ لقوله ﵊: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (١) » ، وعند أبي حنيفة تسقط؛ لأن العاصم دار الإسلام فلا يضمن بإتلاف ويملك باستيلاء، ومن دينه حال على مليء باذل زكاه على الأصح، وفاقا، إذا قبضه، وعنه: أو قبله (٢) (وم ش) ويزكيه لما مضى، قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة (و) أم لا (م) ، وعنه: لسنة واحدة، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء، ولم يوجد فيما مضى، ويجزئه إخراج الزكاة قبل قبضه (م) لزكاة (٣) سنين، ولو منع التعجيل لأكثر من سنة لقيام الوجوب، وإنما لم تجب رخصة.
ولو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة زكى النقد لتمام حوله والمؤجل إذا قبضه.
وإذا ملك الملتقط اللقطة (٤) استقبل بها (حولا) وزكى، نص عليه؛ لأنه لا شيء في ذمته.
стр. 3574
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه مدين بها، فإن ملك ما يقابل قدر عوضها زكى (١) .
وقيل: لا (وم) لعدم استقرار ملكه، وإذا ملكها الملتقط وزكى فلا زكاة إذا على ربها على الأصح، وهل يزكيها ربها حول التعريف كبعده (٢) إذا لم يملكها الملتقط؟ فيه الروايتان في المال الضال، فإن لم يملك اللقطة وقلنا يتصدق بها، لم يضمن حتى يختار ربها الضمان، فيثبت حينئذ في ذمته كدين مجدد، وإن أخرج الملتقط زكاتها عليه منها ثم أخذها ربها رجع عليه بما أخرج.
وقيل: لا، إن قلنا: لا تلزم ربها زكاتها. قال بعضهم: لوجوبها على الملتقط إذا.
ويستقبل (٣) بالصداق وعوض الخلع والأجرة بالعقد حولا، عينا كان ذلك أو دينا مستقرا أو لا، نص عليه (وش) وكذلك مالك في غير نقد، للعموم، ولأنه ظاهر إجماع الصحابة، وعنه: حتى يقبض ذلك (وهـ) ، وعنه: لا زكاة في صداق قبل الدخول حتى يقبض فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الدخول.
قال صاحب [المحرر] بالإجماع، مع احتمال الانفساخ، وعنه: تملك قبل الدخول نصف الصداق، وكذا في الخلاف: في اعتبار القبض في كل دين لا في مقابلة مال أو مال غير زكوي عند الكل كموصى به
стр. 3575
وموروث وثمن مسكن، وعنه: لا حول لأجرة، اختاره شيخنا (خ) وقيدها بعضهم بأجرة العقار (خ) نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة، وعنه: ومستفاد.
وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة، فعلى الأول لا يلزمه الإخراج قبل القبض، وإن كان دينا من بهيمة الأنعام فلا زكاة (و) لاشتراط السوم فيها، بخلاف سائر الديون، فإن عينت زكيت كغيرها، وكذا الدية الواجبة لا تزكى (و) لأنها لم تتعين مالا زكويا؛ لأن الإبل في الدية فيها أصل أو أحدها، وتجب في قرض ودين وعروض تجارة (و) وكذا في مبيع قبل القبض، خلافا لرواية عن أبي حنيفة، جزم به صاحب [المحرر] وغيره، فيزكيه المشتري، ولو أزال ملكه عنه أو زال أو انفسخ العقد بتلف مطعوم قبل قبضه.
ويزكي المبيع بشرط الخيار أو في خيار المجلس من حكم له بملكه ولو فسخ العقد، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا، وثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما ولو انفسخ العقد (١) ، جزم بذلك كله جماعة؛ لأن الطارئ لا يضعف ملكا تاما، كمال الابن معرض لرجوع أبيه وتملكه، وفي [الرعاية] : إنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض، وعنه: أو مميز لم يقبض، قال: وفيما (صح) تصرف ربه (فيه) قبل قبضه أو ضمنه بتلفه، وفي ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا والمبيع في