قبضه، فإن هذا القول باطل، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء، فهذا ممتنع في الشريعة، ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال، ثم إذا نقص النصاب. وقيل: إن الزكاة تجب في عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل يمتنع إتيان الشريعة به.
وأقرب الأقوال: قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه، وهذا وجه، وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما قيل به في مذهب أحمد. والله أعلم (١) .
ي- قال ابن مفلح: ويعتبر تمام ملك النصاب في الجملة (و) فلا زكاة في دين الكتابة (و) لعدم استقرارها، ولهذا لا يصح ضمانها، وفيه رواية، فدل على الخلاف هنا، ولا في دين مؤجل، أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد قبضه، ومغصوب، ومسروق، ومعرف، وضال رجع، وما دفنه ونسيه، وموروث، أو غيره وجهله، أو جهل عند من هو، وفي رواية صححها صاحب التلخيص وغيره، ورجحها بعضهم، واختارها ابن شهاب وشيخنا (وهـ) . وفي رواية: تجب، اختاره الأكثر، وذكر صاحب [الهداية] و [المحرر] : ظاهر المذهب (وم ش) وجزم به جماعة في المؤجل (م ٥) (وهـ) (٢) لصحة الحوالة به والإبراء، فيزكي ذلك إذا قبضه لما مضى من السنين، خلافا لرواية عن مالك.
стр. 3572
وقال أبو الفرج: إذا قلنا: تجب في الدين وقبضه، فهل يزكيه لما مضى؟ على روايتين، ويتوجه ذلك في بقية الصور، وقيد في [المستوعب] المجحود ظاهرا وباطنا.
وقال أبو المعالي: ظاهرا.
وقال غيرهما: ظاهرا أو باطنا أو فيهما، وإن كان به بينة فوجهان (م ٦) .
وقيل: تجب في مدفون بداره، ودين على معسر ومماطل، والروايتان في وديعة جحدها المودع، وجزم في [الكافي] بوجوبها في وديعة جهل عند من هي (م ٧) ولا يخرج المودع إلا بإذن (١) ربها، نص عليه وقيد الحنفية المدفون بمغارة (٢) ، وعكسه المدفون في البيت، وفي المدفون في كرم أو أرض اختلاف المشايخ.
وتجب عندهم في دين على معسر، أو جاحد عليه بينة، أو علم به القاضي، وعلى مقر مفلس عند أبي حنيفة؛ لأن التفليس لا يصح عنده، وعند محمد: لا تجب لتحقق الإفلاس بالتفليس عنده، وقاله أبو يوسف، وقال في حكم الزكاة كقول أبي حنيفة، رعاية للفقراء.
ولو وجبت في نصاب، بعضه دين على معسر أو غصب أو ضال، ففي وجوب إخراج زكاة ما بيده قبل قبض الدين والغصب وجهان (م ٨ و ٩) فإن قلنا: لا، وكان الدين على مليء، فوجهان.
стр. 3573
ومتى قبض شيئا من الدين أخرج زكاته ولو لم يبلغ نصابا، نص عليه (وش) خلافا للقاضي وابن عقيل ومالك، وخلافا لأبي حنيفة إن كان الدين بدلا عن مال غير زكوي ولم يقبض منه أربعين درهما أو أربعة دنانير، ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة، لنقصه بيده كتلفه، وإن غصب رب المال بأسر أو حبس ومنع من التصرف في ماله لم تسقط زكاته في الأصح؛ لنفوذ تصرفه ولو حمل إلى دار الحرب؛ لأن عصمته بالإسلام؛ لقوله ﵊: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (١) » ، وعند أبي حنيفة تسقط؛ لأن العاصم دار الإسلام فلا يضمن بإتلاف ويملك باستيلاء، ومن دينه حال على مليء باذل زكاه على الأصح، وفاقا، إذا قبضه، وعنه: أو قبله (٢) (وم ش) ويزكيه لما مضى، قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة (و) أم لا (م) ، وعنه: لسنة واحدة، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء، ولم يوجد فيما مضى، ويجزئه إخراج الزكاة قبل قبضه (م) لزكاة (٣) سنين، ولو منع التعجيل لأكثر من سنة لقيام الوجوب، وإنما لم تجب رخصة.
ولو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة زكى النقد لتمام حوله والمؤجل إذا قبضه.
وإذا ملك الملتقط اللقطة (٤) استقبل بها (حولا) وزكى، نص عليه؛ لأنه لا شيء في ذمته.
стр. 3574
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه مدين بها، فإن ملك ما يقابل قدر عوضها زكى (١) .
وقيل: لا (وم) لعدم استقرار ملكه، وإذا ملكها الملتقط وزكى فلا زكاة إذا على ربها على الأصح، وهل يزكيها ربها حول التعريف كبعده (٢) إذا لم يملكها الملتقط؟ فيه الروايتان في المال الضال، فإن لم يملك اللقطة وقلنا يتصدق بها، لم يضمن حتى يختار ربها الضمان، فيثبت حينئذ في ذمته كدين مجدد، وإن أخرج الملتقط زكاتها عليه منها ثم أخذها ربها رجع عليه بما أخرج.
وقيل: لا، إن قلنا: لا تلزم ربها زكاتها. قال بعضهم: لوجوبها على الملتقط إذا.
ويستقبل (٣) بالصداق وعوض الخلع والأجرة بالعقد حولا، عينا كان ذلك أو دينا مستقرا أو لا، نص عليه (وش) وكذلك مالك في غير نقد، للعموم، ولأنه ظاهر إجماع الصحابة، وعنه: حتى يقبض ذلك (وهـ) ، وعنه: لا زكاة في صداق قبل الدخول حتى يقبض فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الدخول.
قال صاحب [المحرر] بالإجماع، مع احتمال الانفساخ، وعنه: تملك قبل الدخول نصف الصداق، وكذا في الخلاف: في اعتبار القبض في كل دين لا في مقابلة مال أو مال غير زكوي عند الكل كموصى به
стр. 3575
وموروث وثمن مسكن، وعنه: لا حول لأجرة، اختاره شيخنا (خ) وقيدها بعضهم بأجرة العقار (خ) نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة، وعنه: ومستفاد.
وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة، فعلى الأول لا يلزمه الإخراج قبل القبض، وإن كان دينا من بهيمة الأنعام فلا زكاة (و) لاشتراط السوم فيها، بخلاف سائر الديون، فإن عينت زكيت كغيرها، وكذا الدية الواجبة لا تزكى (و) لأنها لم تتعين مالا زكويا؛ لأن الإبل في الدية فيها أصل أو أحدها، وتجب في قرض ودين وعروض تجارة (و) وكذا في مبيع قبل القبض، خلافا لرواية عن أبي حنيفة، جزم به صاحب [المحرر] وغيره، فيزكيه المشتري، ولو أزال ملكه عنه أو زال أو انفسخ العقد بتلف مطعوم قبل قبضه.
ويزكي المبيع بشرط الخيار أو في خيار المجلس من حكم له بملكه ولو فسخ العقد، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا، وثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما ولو انفسخ العقد (١) ، جزم بذلك كله جماعة؛ لأن الطارئ لا يضعف ملكا تاما، كمال الابن معرض لرجوع أبيه وتملكه، وفي [الرعاية] : إنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض، وعنه: أو مميز لم يقبض، قال: وفيما (صح) تصرف ربه (فيه) قبل قبضه أو ضمنه بتلفه، وفي ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا والمبيع في
стр. 3576
مدة الخيار قبل القبض، روايتان، وللبائع إخراج زكاة مبيع فيه خيار منه، فيبطل البيع في قدره، وفي بقيته روايتا تفريق الصفقة، وفي أيهما يقبل قوله في قيمة المخرج؟ وجهان.
وقال ابن حامد: إذا دلس البائع العيب فرد عليه فزكاته عليه، فأما مبيع غير متعين ولا متميز فيزكيه البائع، وكل دين سقط قبل قبضه لم يتعوض عنه سقطت زكاته (و) وقيل: هل يزكيه من سقط عنه؟ يخرج على روايتين، وإن أسقطه زكاه (١) نص عليه (م) لأنه أتلف ما فيه الزكاة، فقيرا كان المدين أو غنيا، وعنه: يزكيه المدين المبرأ؛ لأنه [ملك] ، ما عليه، وحملها صاحب [المحرر] على أن بيد المدين نصابا منع الدين زكاته (وم) وإلا فلا شيء عليه.
وقيل: لا زكاة عليها (خ) (٢) وإن أخذ ربه [به] ، عوضا أو أحال أو احتال- زاد بعضهم: وقلنا الحوالة وفاء- زكاه كعين وهبها، وعنه: زكاة التعويض على المدين، وقيل في ذلك وفي الإبراء: يزكيه ربه إن قدر وإلا المدين، والصداق كالدين.
стр. 3577
(و) وقيل: سقوطه كله؛ لانفساخ النكاح من جهتها، كإسقاطها، وإن زكت صداقها كله ثم تنصف بطلاقها (١) رجع فيما بقي بكل حقه. وقيل: إن كان مثريا (٢) ، (٣) وإلا فبقيمة حقه.
وقيل: يرجع ونصف ما بقي ونصف بدل ما أخرجت.
وقيل: يخير بين ذلك ونصف قيمة ما أصدقها يوم العقد أو مثله، ولا تجزئها زكاتها منه بعد طلاقه؛ لأنه مشترك، وقيل: بلى: عن حقها وتغرم له نصف (٤) ما أخرجت، ومتى لم تزكه رجع بنصفه كاملا وتزكيه هي، فإن تعذر فيتوجه: لا يلزم الزوج، وفيها- في [الرعاية]- بلى، ويرجع عليها إن تعلقت بالعين، وقيل: أو بالذمة، ويزكي المرهون على الأصح (و) ويخرجها الراهن منه بلا إذن إن عدم، كجناية رهن على دينه.
وقيل: منه مطلقا، وقيل: إن تعلقت بالعين.
وقيل: يزكي راهن موسر. وإن أيسر معسر جعل بدله رهنا.
وقيل: لا، وفي مال مفلس محجور عليه روايتا مدين، عند أبي المعالي والأزجي، وعند القاضي والشيخ كمغصوب.
وقيل: يزكي سائمة؛ لنمائها بلا تصرف، قال أبو المعالي: إن عين حاكم لكل غريم شيئا فلا زكاة، لضعف ملكه إذا، وإن حجر عليه بعد
стр. 3578
وجوبها لم تسقط.
وقيل: بلى إن كان قبل تمكنه من الإخراج، وهل له إخراجها منه؟ فيه وجهان، ولا يقبل إقراره بها، جزم به بعضهم، وعنه: يقبل، كما لو صدقه الغريم، فأما قبل الحجر فإن الدين وإن لم يكن من جنس المال يمنع وجوب الزكاة في قدره في الأموال الباطنة (وم) قال أبو الفرج: وهي الذهب والفضة، وقال غيره: وقيمة عروض التجارة، وفي المعدن وجهان، وعنه: لا يمنع الدين الزكاة (وش) وعنه: يمنعها الدين الحال خاصة، جزم به في [الإرشاد] وغيره، ويمنعها في الأموال الظاهرة، كماشية وحب وثمرة أيضا، نص عليه، واختاره أبو بكر والقاضي وأصحابه، والحلواني وابن الجوزي وغيرهم.
قال ابن أبي موسى: هذا الصحيح من مذهب أحمد، وعنه: لا يمنع (وم ش) وعنه: يمنع ما استدانه للنفقة على ذلك أو كان من ثمنه، وعنه: خلا الماشية، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب ابن عباس، لتأثير ثقل المؤنة في المعشرات وعند (هـ) كل دين مطالب به يمنع إلا في المعشرات؛ لأن الواجب فيها ليس بزكاة عنده، ومتى أبرأ المدين أو قضى مال مستحدث ابتدأ حولا؛ لأن ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول (١) ، وقطعه، وعنه: يزكيه (وم) فيبني إن كان في أثناء الحول. وبعده يزكيه في الحال. ولا يمنع الدين خمس الركاز (٢) ، ويمنع أرش
стр. 3579
جناية عند التجارة زكاة قيمته؛ لأنه وجب جبرا لا مواساة، بخلاف الزكاة، وجعله بعضهم كالدين، ومن له عرض قنية يباع لو أفلس يفي بدينه. فعنه: يجعل في مقابلة ما معه ويزكي (١) ما معه من المال الزكوي (وم) جمعا بين الحقين، وهو أحظ، وعنه: يجعل في مقابلة ما معه ولا يزكيه (وهـ) لئلا تحتمل المواساة ولأن عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيهما، فكذا فيما يمنعها، وكذا الخلاف فيمن بيده ألف دينا- والمراد على مليء وجزم به بعضهم- وعليه مثلها، يزكي ما معه على الأولى (وم) لا الثانية فإن كان العرض للتجارة فنص في رواية أبي الحارث والمروذي: يزكي ما معه بخلاف ما لو كان للقنية، وحمله القاضي على أن الذي عنده للقنية فوق حاجته (٢) ، وقيل: إن كان فيما معه من المال الزكوي جنس الدين جعل في مقابلته، وحكى رواية: وإلا اعتبر الأحظ (وقيل: يعتبر) الأحظ للفقراء مطلقا، فمن له مائتا درهم وعشرة دنانير قيمتها مائتا درهم، جعل الدنانير قبالة دينه وزكى ما معه، ومن له أربعون شاة وعشرة أبعرة، ودينه قيمة أحدهما جعل قبالة الغنم وزكى بشاتين.
ونقد البلد أحظ للفقراء، وفوق نفعه زيادة المالية، ودين المضمون عنه يمنع الزكاة بقدره في ماله، دون الضامن، خلافا لما ذكره أبو المعالي، كنصاب غصب من غاصبه وأتلف فإن المنع يختص بالثاني
стр. 3580
مع أن للمالك طلب كل منهما (و) ولو استأجر لرعي غنمه بشاة موصوفة صح، وهي كالدين في منعها للزكاة، وحيث منع دين الآدمي، فعنه: دين الله من كفارة ونذر مطلق ودين الحج ونحوه كذلك، صححه صاحب [المحرر] و [الرعاية] (وم) وجزم به ابن البنا في خلافه في الكفارة والخراج، وقال: نص عليه، وهو الذي احتج له القاضي في الكفارة. وعنه: لا يمنع، وفي [المحرر] : الخراج من دين الله، وقدم أحمد الخراج على الزكاة، ويأتي في اجتماع العشر والخراج في أرض العنوة، وعند (هـ) ، لا يمنع إلا دين زكاة وخراج؛ لأن لهما مطالبا بهما، وأجاب القاضي بأن الكفارة عندنا على الفور، فإن منعها (١) وعلم الإمام بذلك طالبه بإخراجها كالزكاة، نص عليه في رواية إبراهيم بن هانئ: يجبر المظاهر (٢) على الكفارة، على أن هذا لا يؤثر في الحج، كذا الكفارة، ولأن الإمام لا يطالب بزكاة مال باطن، والدين يمنع منه، ويأتي في من منع الزكاة.
وإن نذر الصدقة بمعين (٣) قال: لله علي أن أتصدق بهذا، أو هو صدقة، فحال الحول، فلا زكاة لزوال ملكه أو نقصه، وعند ابن حامد: تجب، فقال في قوله: إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة فشفي ثم حال الحول قبل الصدقة وجبت الزكاة، وفي [الرعاية] : إن نذر التضحية بنصاب معين- وقيل: أو قال: جعلته ضحايا- فلا زكاة
стр. 3581
ويحتمل وجوبها إذا تم حوله قبلها، وإن قال: لله علي الصدقة بهذا النصاب إذا حال الحول، فقيل: لا زكاة. وقيل: بلى، فتجزئه الزكاة منه في الأصح، ويبرأ بقدرها من الزكاة والنذر إن نواهما معا، لكون الزكاة صدقة، وكذا لو نذر الصدقة ببعض النصاب، هل يخرجها أو يدخل النذر في الزكاة وينويهما؟ وذكر ابن تميم إذا نذر الصدقة بنصاب إذا حال الحول، فقيل: لا زكاة.
وقيل: بلى، فيجزئ إخراجها منه، ويبرأ بقدرها من الزكاة والنذر، ويحتمل أن لا يجزئ إخراجها منه، وإن نذر الصدقة ببعض النصاب وجبت الزكاة ووجب إخراجهما معا.
وقيل: يدخل النذر في الزكاة وينويهما معا.
ولا زكاة في الفيء والخمس وكذا الغنيمة المملوكة إذا كانت أجناسا؛ لأن للإمام أن يقسم بينهم قسمة تحكيم، فيعطي كل واحد منهم من أي الأصناف شاء، فما تم ملكه على معين بخلاف الميراث، وإن كانت صنفا فكذلك عند أبي بكر والقاضي، والأشهر ينعقد الحول عليها إن بلغت حصة كل واحد نصابا، وإلا ابتنى على الخلطة، ولا يخرج قبل القبض، كالدين، ولا زكاة في وقف على غير معين أو على المساجد والمدارس والربط ونحوها (هـ م) (١) ، قال أحمد في أرض موقوفة على المساكين: لا عشر؛ لأنها كلها تصير إليهم، وسبق في الفصل الثاني خلاف الحنفية في العشر، ولم يصرحوا في الوقف على فقهاء مدرسة أو
стр. 3582
نحوها، ويتوجه الخلاف، وإن وقف سائمة أو أسامها الموقوف عليه على معينين كأقاربه ففيها الزكاة، نص عليه.
وقيل: لا؛ لنقص ملكه، وكما لو قلنا: الملك لله، ولا يخرج منها لمنع نقل الملك في الوقف، وإن وقف أرضا أو شجرا عليه وجبت في الغلة، نص عليه، لجواز بيعها.
وقيل: تجب مع غنى الموقوف عليه، جزم به أبو الفرج والحلواني وابنه صاحب [التبصرة] ، ولعله ظاهر ما نقله ابن سعيد وغيره، ومن وصى بدراهم في وجوه البر، أو ليشتري بها ما يوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع المال فيما وصى، ولا زكاة فيهما، ويضمن إن خسر، نقل ذلك الجماعة، وقيل: ربحه إرث، ويأتي كلام صاحب [الموجز] وشيخنا في آخر الشركة، والمال الموصى به يزكيه من حال الحول على ملكه، وإن وصى بنفع نصاب سائمة زكاها مالك الأصل، ويحتمل: لا زكاة إن وصى به أبدا، ولا زكاة في حصة المضارب، ولا ينعقد الحول قبل استقراره، نص عليه.
واختاره: أبو بكر والقاضي والشيخ وغيره، وذكره في الوسيلة ظاهر المذهب، لعدم الملك أو لضعفه؛ لأنه وقاية رأس المال، واختار أبو الخطاب وغيره- وقدمه في [المستوعب] وغيره- تجب الزكاة وينعقد حوله بملكه بظهور الربح (وهـ ش) أو بغيره، على خلاف يأتي، كمغصوب ودين على مفلس، وأولى ليده وتنميته، فعلى هذا يعتبر بلوغ حصته نصابا، ودونه ينبني على الخلطة، ومذهب (م) يزكيها.
وإن قلت بحول المالك، ولا يلزمه عندنا إخراجها قبل القبض
стр. 3583
كالدين، ولا يجوز له إخراجها من مال المضاربة بلا إذن، نص عليه؛ لأنه وقاية.
وقيل: يجوز لدخولهما على حكم الإسلام، صححه صاحب المستوعب والمحرر.
وقيل: يزكيها رب المال (هـ) (١) بحول أصله؛ لأنه نماؤه، والعامل لا يملكه على هذا.
وأوجب أبو حنيفة فيمن اشترى بألف المضاربة عبدين فصار يساوي كل منهما ألفا زكاة قيمتهما على المالك، لشغل رأس ماله كلا منهما، كشغل الدين ذمة الضامن والمضمون، فلم يفضل ما يملكه المضارب، ولهذا لو أعتق المالك أحدهما عتق كله، واستوفى رأس ماله، وعندنا أن ذلك ممنوع، والحكم كعبد واحد مطلقا (وش) ويزكي رب المال حصته - نص عليه (و) كالأصل؛ لأنه يملكه بظهوره، زاد بعضهم: في أظهر الروايتين، وهو سهو- قبل قبضها، وفيه احتمال، ويحتمل سقوطها قبله لتزلزله، وإذا أداها من غيره فرأس المال باق، وإن أدى منه حسب من المال والربح، ذكره القاضي وتبعه صاحب [المستوعب] و [المحرر] وغيرهما.
وفي [المغني] : تحتسب من الربح ورأس المال باق؛ لأنه وقاية ولا يقال مؤنة (٢) كسائر المؤن؛ لأنه يلزم أن يحسب عليهما.
стр. 3584
وفي [الكافي] : هي من رأس المال، ونص عليه أحمد؛ لأنه واجب عليه كدينه، وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال إلا بإذنه، نص عليه، ومن شرط منهما زكاة حصته على الآخر جاز؛ لأنه شرط لنفسه نصف الربح وثمن عشره.
ولا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح؛ لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح، قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (١) ، وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا، كذا قال.
قال الشيخ في [فتاويه] : ويصح شرطها في المساقاة على العامل؛ لأنه جزء من النماء المشترك، فمعناه القدر المسمى [لك] مما يفضل عنها، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنا لا نعلم هل يوجد من الثمرة ما فيه العشر أولا؟ فيصير نصيبه مجهولا، ولأنه يفضي (٢) إلى أن يصح له القليل إذا كثرت الثمرة، والكثير إذا قلت، ولا نظير له (٣) .
ك- جاء في [الإنصاف] : قوله: (ومن كان له دين على مليء- من صداق أو غيره- زكاه إذا قبضه) .
هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وعنه: لا تجب فيه الزكاة، فلا يزكيه إذا قبضه. وعنه: يزكيه إذا قبضه أو قبل قبضه. قال في [الفائق] :
стр. 3585
وعنه يلزمه في الحال. وهو المختار.
تنبيه: قوله: (على مليء) من شرطه أن يكون باذلا.
فائدة: الحوالة به والإبراء منه كالقبض. على الصحيح من المذهب. وقيل: إن جعلا وفاء فكالقبض، وإلا فلا.
قوله: (زكاه إذا قبضه لما مضى) .
يعني: من الأحوال. وهذا المذهب، سواء قصد ببقائه الفرار من الزكاة أو لا. وجزم به في [المغني] ، و [الشرح] ، و [الوجيز] وغيرهم. وقدمه في [الفروع] وغيره. وعليه الأصحاب. وعنه يزكيه لسنة واحدة، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء. ولم يوجد فيما مضى.
فوائد:
إحداها: يجزئه إخراج زكاته قبل قبضه لزكاة سنين، ولو منع التعجيل لأكثر من سنة؛ لقيام الوجوب، وإنما لم يجب الأداء رخصة.
الثانية: لو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة، زكى النقد لتمام حوله، وزكى المؤجل إذا قبضه.
الثالثة: حول الصداق من حين العقد. على الصحيح من المذهب، عينا كان أو دينا، مستقرا كان أو لا، نص عليه. وكذا عوض الخلع والأجرة. وعنه: ابتداء حوله من حين القبض لا قبله.
وعنه: لا زكاة في الصداق قبل الدخول حتى يقبض. فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الحول.
قال المجد: بالإجماع مع احتمال الانفساخ. وعنه: تملك قبل الدخول نصف الصداق.
стр. 3586
وكذا الحكم خلافا ومذهبا في اعتبار القبض في كل دين، إذا كان في غير مقابلة مال، أو مال زكوي عند الكل، كموصى به وموروث وثمن مسكن.
وعنه: لا حول لأجرة، فيزكيه في الحال كالمعدن.
اختاره الشيخ تقي الدين، وهو من المفردات. وقيدها بعض الأصحاب بأجرة العقار. وهو من المفردات أيضا، نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة له.
وعنه أيضا: لا حول لمستفاد. وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة، فعلى الأول لا يلزمه الإخراج قبل القبض.
الرابعة: لو كان عليه دين من بهيمة الأنعام فلا زكاة لاشتراط السوم فيها، فإن عينت زكيت لغيرها. وكذا الدية الواجبة، لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها لم تتعين مالا زكويا؛ لأن الإبل في الذمة فيها أصل أو أحدها.
تنبيه: شمل قول المصنف: (من صداق أو غيره) القرض ودين عروض التجارة، وكذا المبيع قبل القبض. جزم به المجد وغيره، فيزكيه المشتري، ولو زال ملكه عنه، أو زال، أو انفسخ العقد بتلف مطعوم قبل قبضه. ويزكي المبيع بشرط الخيار، أو في خيار المجلس من حكم له بملكه. ولو فسخ العقد. ويزكي أيضا دين السلم إن كان للتجارة، ولم يكن أثمانا.
ويزكي أيضا ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهم، ولو انفسخ العقد. قال في [الفروع] : جزم بذلك جماعة. وقال في [الرعاية] :
стр. 3587
وإنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض. وعنه: أو مميز لم يقبض. ثم قال: قلت: وفيما صح تصرف ربه فيه قبل قبضه، أو ضمنه بتلفه. وفي ثمن المبيع، ورأس مال المسلم قبل قبض عوضهما، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا، وفي المبيع في مدة الخيار قبل القبض، روايتان.
وللبائع إخراج زكاة مبيع فيه خيار منه؛ فيبطل البيع في قدره، وفي قيمته روايتا تفريق الصفقة، وفي أيهما تقبل.
قوله: (وفي قيمة المخرج وجهان) .
وأطلقهما في [الفروع] ، وابن تميم.
قلت: الصواب قول المخرج.
فأما مبيع غير متعين ولا متميز فيزكيه البائع.
الخامسة: كل دين سقط قبل قبضه، ولم يتعوض عنه، تسقط زكاته، على الصحيح من المذهب. وقيل: هل يزكيه من سقط عنه؟ يخرج على روايتين. وإن أسقطه ربه زكاه. نص عليه. وهو الصحيح من المذهب، كالإبراء من الصداق ونحوه.
وقيل: يزكيه المبرأ من الدين؛ لأنه ملك عليه. وقيل: لا زكاة عليهما. وهو احتمال في الكافي وهو من المفردات.
وإن أخذ ربه عوضا، أو أحال أو احتال- زاد بعضهم وقلنا: الحوالة وفاء- زكاه. على الصحيح من المذهب كعين وهبها. وعنه زكاة التعويض على الدين.
وقيل في ذلك وفي الإبراء: يزكيه ربه إن قدر وإلا المدين.
стр. 3588
السادسة: الصداق في هذه الأحكام كالدين فيما تقدم. على الصحيح من المذهب.
وقيل: سقوطه كله لانفساخ النكاح من جهتها كإسقاطها. وإن زكت صداقها.
قال الزركشي: وقيل: لا ينعقد الحول؛ لأن الملك فيه غير تام.
وقيل: محل الخلاف فيما قبل الدخول.
هذا إذا كان في الذمة. أما إن كان معينا فإن الحول ينعقد من حين الملك. نص عليه. انتهى. وإن زكت صداقها كله، ثم تنصف بطلاق، رجع فيما بقي بكل حقه. على الصحيح من المذهب.
وقيل: إن كان مثليا وإلا فقيمة حقه.
وقيل: يرجع بنصف ما بقي، ونصف بدل ما أخرجت.
وقيل: يخير بين ذلك ونصف قيمة ما أصدقها يوم العقد أو مثله. ولا تجزيها زكاتها منه بعد طلاقه؛ لأنه مشترك.
وقيل: بلى عن حقها، وتغرم له نصف ما أخرجت، ومتى لم تزكه رجع بنصفه كاملا، وتزكيه هي. فإن تعذر، فقال في [الفروع] : يتوجه، لا يلزم الزوج. وقال في [الرعاية] : يلزمه، ويرجع عليها إن تعلقت بالعين. وقيل: أو بالذمة.
فائدة: لو وهبت المرأة صداقها لزوجها، لم تسقط عنها الزكاة. على الصحيح من المذهب. قاله القاضي وغيره. وعنه: تجب على الزوج. وفي [الكافي] احتمال بعدم الوجوب عليها.
قوله: (وفي الدين على غير المليء، والمؤجل، والمجحود
стр. 3589
والمغصوب، والضائع، روايتان) .
وكذا لو كان على مماطل، أو كان المال مسروقا، أو موروثا، أو غيره، جهله، أو جهل عند من هو، وأطلقهما في [الفروع] ، و [الشرح] ، و [الرعايتين] ، و [الحاويين] و [المستوعب] ، و [المذهب الأحمد] ، و [لمحرر] .
إحداهما: كالدين على المليء، فتجب الزكاة في ذلك كله إذا قبضه. وهو الصحيح من المذهب. قال في [الفروع] : اختاره الأكثر. وذكره أبو الخطاب، والمجد ظاهر المذهب. وصححه ابن عقيل، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد في [شرحه] ، وصاحب [الخلاصة] ، و [تصحيح المحرر] . ونصرها أبو المعالي.
وقال: اختارها الخرقي وأبو بكر. وجزم به في [الإيضاح] و [الوجيز] .
وجزم به جماعة في المؤجل؛ وفاقا للأئمة الثلاثة لصحة الحوالة به والإبراء. وشمله كلام الخرقي. وقطع به في [التلخيص] ، و [المغني] ، و [الشرح] .
والرواية الثانية: لا زكاة فيه بحال. صححها في [التلخيص] وغيره. وجزم به في العمدة في غير المؤجل ورجحها بعضهم، واختارها ابن شهاب والشيخ تقي الدين. وقدمه [ابن تميم] و [الفائق] .
وقيل: تجب في المدفون في داره، وفي الدين على المعسر والمماطل. وجزم في [الكافي] بوجوبها في وديعة، جهل عند من هي.
وعليه: ما لا يؤمل رجوعه؛ كالمسروق المغصوب والمجحود لا
стр. 3590
زكاة فيه. وما يؤمل رجوعه كالدين على المفلس أو الغائب المنقطع خبره فيه الزكاة. قال الشيخ تقي الدين: هذه أقرب.
وعنه: إن كان الذي عليه الدين يؤدي زكاته، فلا زكاة على ربه، وإلا فعليه الزكاة. نص عليه في المجحود. ذكرهما الزركشي وغيره.
فعلى المذهب: يزكي ذلك كله إذا قبضه لما مضى من السنين. على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وجزموا به.
وقال أبو الفرج في [المبهج] : إذا قلنا تجب في الدين وقبضه، فهل يزكيه لما مضى أم لا؛ على روايتين. قال في [الفروع] : ويتوجه ذلك في بقية الصور.
تنبيه: قوله: (المجحود) يعني: سواء كان مجحودا باطنا أو ظاهرا أو ظاهرا وباطنا. هذا المذهب. وعليه الأكثر. وقيده في [المستوعب] بالمجحود ظاهرا وباطنا. وقال أبو المعالي: ظاهرا.
فوائد:
منها: لو كان بالمجحود بينة، وقلنا: لا تجب في المجحود. ففيه هنا وجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] . وقال: ذكرهما القاضي) .
أحدهما: تجب. وهو الصحيح. جزم به المجد في [شرحه] . وقدمه في [الفائق] و [الرعايتين] و [الحاويين] .
الثاني: لا تجب.
ومنها: لو وجبت في نصاب بعضه دين على معسر، أو غصب أو ضال ونحوه، ففي وجوب إخراج زكاة ما بيده قبل قبض الدين والغصب
стр. 3591
والضال وجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] .
أحدهما: يجب إخراج زكاة ما بيده. وهو المذهب قدمه في [الرعايتين] و [الحاويين] . وهو ظاهر ما قدمه المجد في شرحه. فلو كانت إبلا خمسا وعشرين، منها خمس مغصوبة أو ضالة، أخرج أربعة أخماس بنت مخاض.
والثاني: لا يجب حتى يقبض ذلك. فعلى هذا الوجه لو كان الدين على مليء، فوجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] و [الرعايتين] و [الحاويين] .
قلت: الصواب وجوب الإخراج.
ومنها: لو قبض شيئا من الدين، أخرج زكاته ولو لم يبلغ نصابا. على الصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور. وقال: يخرج زكاته بالحساب ولو أنه درهم. وعليه أكثر الأصحاب. وقدمه في [الفروع] والمجد في شرحه. و [الفائق] وغيرهم. وقال القاضي في [المجرد] وابن عقيل في [الفصول] : لا يلزمه ما لم يكن المقبوض نصابا، أو يصير ما بيده ما يتمم به نصابا.
ومنها: يرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة لنقصه بيده كتلفه.
ومنها: لو غصب رب المال بأسر أو حبس، ومنع من التصرف في ماله، لم تسقط زكاته. على الصحيح من المذهب؛ لنفوذ تصرفه فيه. وقيل: تسقط.
قوله: (وقال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها) .
стр. 3592
اللقطة قبل أن يعلم ربها حكمها حكم المال الضائع. على ما تقدم خلافا ومذهبا. وعند الخرقي: أن الزكاة تجب فيها إذا وجدها ربها لحول التعريف. وذكر المصنف الخرقي تأكيدا لوجوب الزكاة فيما ذكره.
فوائد:
إذا ملك الملتقط اللقطة بعد الحول، استقبل بها حولا وزكاها. على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به الخرقي وغيره. وقدمه في [الفروع] وغيره.
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه مدين بها. وحكي عن القاضي لا زكاة فيها؛ نظرا إلى أنه ملكها مضمونة عليه بمثلها، أو قيمتها. فهي دين عليه في الحقيقة. انتهى. ولذلك قال ابن عقيل: لكن نظر إلى عدم استقرار الملك فيها. انتهى.
فعلى القول الثاني: لو ملك قدر ما يقابل قدر عوضها زكى. على الصحيح.
وقيل: لا؛ لعدم استقرار ملكه لها. وتقدم كلام ابن عقيل.
وإذا ملكها الملتقط وزكاها فلا زكاة إذن على ربها. على الصحيح من المذهب. وعنه، بلى. وهل يزكيها ربها حول التعريف أو بعده، إذا لم يملكها الملتقط؟ فيه الروايتان في المال الضال.
وإن لم يملك اللقطة - وقلنا: له أن يتصدق بها - لم يضمن حتى يختار ربها الضمان، فتثبت حينئذ في ذمته، كدين تجدد. فإن أخرج الملتقط زكاتها عليه منها، ثم أخذها ربها، رجع عليه بما أخرج على الصحيح من
стр. 3593
المذهب. وقال القاضي: لا يرجع عليه، إن قلنا: لا يلزم ربها زكاتها. قال في [الرعاية] : لوجوبها على الملتقط إذن (١) .
стр. 3594
رابعا: الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة ؟
الديون التي على الإنسان قد تكون لآدمي، وقد تكون لله تعالى، وقد يكون الدين حالا أو مؤجلا.
وفيما يلي نصوص فقهاء الإسلام تبين أقوالهم وأدلتهم مع المناقشة:
١ - النقل عن الحنفية:
أ- قال الكاساني: ومنها: أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا، فإن كان فإنه يمنع وجوب الزكاة بقدره، حالا كان أو مؤجلا. وعند الشافعي: هذا ليس بشرط، والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان، احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير فصل، ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب، وشرطه أن يكون معدا للتجارة أو للإسامة وقد وجد.
أما الملك فظاهر؛ لأن المديون مالك لماله؛ لأن دين الحر الصحيح يجب في ذمته ولا يتعلق بماله، ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء. وأما الإعداد للتجارة أو الإسامة؛ فلأن الدين لا ينافي ذلك، والدليل عليه أنه لا يمنع وجوب العشر.
(ولنا) : ما روي عن عثمان ﵁ أنه خطب في شهر رمضان وقال في خطبته: ألا إن شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه
стр. 3595
دين فليحسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله. وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعا منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين.
وبه تبين أن مال المديون خارج عن عمومات الزكاة، ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة؛ لأنه لا يتحقق به الغنى، «ولا صدقة إلا عن ظهر غنى (١) » على لسان رسول الله ﷺ .
وقد خرج الجواب عن قوله: إنه وجد سبب الوجوب وشرطه؛ لأن صفة الغنى مع ذلك شرط ولا يتحقق مع الدين مع ما (٢) أن ملكه في النصاب ناقص، بدليل أن لصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذه من غير قضاء ولا رضاء.
وعند الشافعي: له ذلك في الجنس وخلاف الجنس وذا آية عدم الملك، كما في الوديعة والمغصوب. فلأن يكون دليل نقصان الملك أولى.
وأما العشر: فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر فيمنع على هذا الرواية، وأما على ظاهر الرواية؛ فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فلا يعتبر فيه غنى المالك، ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا حتى يجب في الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب، بخلاف الزكاة، فإنه لا بد فيها من غنى المالك، والغنى لا
стр. 3596
يجامع الدين، وعلى هذا يخرج مهر المرأة، فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا معجلا كان أو مؤجلا؛ لأنها إذا طالبته يؤاخذ به.
وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل لا يمنع؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجل فيطالب به عادة فيمنع.
وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه يمنع، وإن لم يكن على عزم القضاء لا يمنع؛ لأنه لا يعده دينا، وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام.
وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري في الإجارة الطويلة التي تعارفها أهل بخارى أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر؛ لأنه ملكه قبل الفسخ وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ. وقال بعض مشايخنا: إنه يجب على المستأجر أيضا؛ لأنه يعد ذلك مالا موضوعا عند الآجر.
وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل سمرقند وهو بيع الوفاء: إن الزكاة على البائع في ثمنه إن بقي حولا؛ لأنه ملكه.
وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يلزم المشتري أيضا؛ لأنه يعده مالا موضوعا عند البائع فيؤاخذ بما عنده.
وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع: إنه إن كان في الحول يمنع؛ لأن المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب، فأما إذا استحق بعد الحول لا يسقط الزكاة؛ لأنه دين حادث؛ لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق وإن كان الضمان سببا حتى اعتبر من جميع المال، وإذا اقتصر وجوب الدين لم يمنع وجوب الزكاة قبله.
стр. 3597
وأما نفقة الزوجات فما لم يصر دينا إما بفرض القاضي أو بالتراضي لا يمنع؛ لأنها تجب شيئا فشيئا؛ فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي، وتمنع إذا فرضت بقضاء القاضي أو بالتراضي لصيرورته دينا.
وكذا نفقة المحارم تمنع إذا فرضها القاضي في مدة قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير دينا، فأما إذا كانت المدة طويلة فلا تصير دينا، بل تسقط؛ لأنها صلة محضة، بخلاف نفقة الزوجات.
إلا أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة المحارم أيضا لكن الضرورة ترتفع بأدنى المدة.
وقال بعض مشايخنا: إن نفقة المحارم تصير دينا أيضا بالتراضي في المدة اليسيرة.
وقالوا: دين الخراج يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه مطالب به. وكذا إذا صار العشر دينا في ذمته بأن أتلف الطعام العشري صاحبه.
فأما وجوب العشر فلا يمنع؛ لأنه متعلق بالطعام يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه، والطعام ليس مال التجارة حتى يصير مستحقا بالدين.
وأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من العين إلى الذمة - فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد، سواء كان في الأموال الظاهرة أو الباطنة.
وقال زفر: لا يمنع كلاهما.
وقال أبو يوسف: وجوب الزكاة في النصاب يمنع، فأما دين الزكاة فلا يمنع.
هكذا ذكر الكرخي قول زفر ولم يفصل بين الأموال الظاهرة والباطنة.
стр. 3598
وذكر القاضي في شرحه [مختصر الطحاوي] : أن هذا مذهبه في الأموال الباطنة من الذهب والفضة، وأموال التجارة.
ووجه هذا القول ظاهر؛ لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها، فلم يكن لزكاتها مطالب من جهة العباد، سواء كانت في العين أو في الذمة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كديون الله تعالى من الكفارات والنذور وغيرها، بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأن الإمام يطالب بزكاتها.
وأما وجه قوله الآخر فهو: أن الزكاة قربة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كدين النذور والكفارات.
ولأبي يوسف: الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها هو: أن دين الزكاة في الذمة لا يتعلق بالنصاب، فلا يمنع الوجوب؛ كدين الكفارات والنذور.
وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب، إذ الواجب جزء من النصاب، واستحقاق جزء من النصاب يوجب النصاب؛ إذ المستحق كالمصروف. وحكي أنه قيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؟ فقال: ما حجتي على من يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! والأمر على ما قاله أبو يوسف؛ لأنه إذا كان له مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة، يؤدي إيجاب الزكاة في المال أكثر منه بأضعافه وأنه قبيح.
ولأبي حنيفة ومحمد: أن كل ذلك دين مطالب به من جهة العباد.
أما زكاة السوائم فلأنها يطالب بها من جهة السلطان عينا كان أو دينا؛ ولهذا يستحلف إذا أنكر الحول، أو أنكر كونه للتجارة أو ما أشبه ذلك،
стр. 3599
فصار بمنزلة ديون العباد. وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضا تقديرا؛ لأن حق الأخذ للسلطان.
وكان يأخذها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ إلى زمن عثمان ﵁. فلما كثرت الأموال في زمانه وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام. ألا ترى أنه قال: من كان عليه دين فليؤده وليترك ما بقي من ماله.
فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها، لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك؛ لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة ﵃.
وبيان ذلك: أنه إذا كان لرجل مائتا درهم أو عشرون مثقال ذهب فلم يؤد زكاته سنتين يزكي السنة الأولى وليس عليه للسنة الثانية شيء عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: يؤدي زكاة سنتين، وكذا هذا في مال التجارة، وكذا في السوائم إذا كان له خمس من الإبل السائمة مضى عليها سنتان ولم يؤد زكاتها - أنه يؤدي زكاة السنة الأولى، وذلك شاة، ولا شيء عليه للسنة الثانية.
ولو كانت عشرا وحال عليها حولان، يجب للسنة الأولى شاتان، وللثانية شاة.
стр. 3600
ولو كانت الإبل خمسا وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض، وللسنة الثانية أربع شياه، ولو كان له ثلاثون من البقر السوائم يجب للسنة الأولى تبيع أو تبيعة، ولا شيء للسنة الثانية.
وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة، وللثانية تبيع أو تبيعة وإن كان له أربعون من الغنم عليه للسنة الأولى شاة، ولا شيء للسنة الثانية. وإن كانت مائة وإحدى وعشرين عليه للسنة الأولى شاتان، وللسنة الثانية شاة.
ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول، هل ينقطع حكم الحول؟ قال أبو يوسف: لا ينقطع، حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول.
وقال زفر: ينقطع الحول بلحوق الدين. والمسألة مبنية على نقصان النصاب في خلال الحول؛ لأن بالدين ينعدم كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ فتنعدم صفة الغنى في المالك، فكان نظير نقصان النصاب في أثناء الحول.
وعندنا نقصان النصاب في خلال الحول: لا يقطع الحول، وعند زفر: يقطع على ما نذكر، فهذا مثله. وأما الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات كالنذور والكفارات وصدقة الفطر ووجوب الحج ونحوها لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن أثرها في حق أحكام الآخرة وهو الثواب بالأداء والإثم بالترك فأما لا أثر له في أحكام الدنيا، ألا ترى أنه لا يجبر ولا يحبس فلا يظهر في حق حكم من أحكام الدنيا فكانت ملحقة بالعدم في حق أحكام الدنيا.
стр. 3601
ثم إذا كان على الرجل دين وله مال الزكاة وغيره من عبيد الخدمة وثياب البذلة ودور السكنى فإن الدين يصرف إلى مال الزكاة عندنا سواء كان من جنس الدين أو لا، ولا يصرف إلى غير مال الزكاة وإن كان من جنس الدين.
وقال زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن لم يكن مال الزكاة، حتى إنه لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه وله مائتا درهم وخادم فدين المهر يصرف إلى المائتين دون الخادم عندنا، وعنده يصرف إلى الخادم.
وجه قول زفر: أن قضاء الدين من الجنس أيسر؛ فكان الصرف إليه أولى.
ولنا: أن عين مال الزكاة مستحق كسائر الحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها، فكان الصرف إليه أيسر وأنظر بأرباب الأموال، لهذا لا يصرف إلى ثياب بدنه وقوته وقوت عياله، وإن كان من جنس الدين لما قلنا.
وذكر محمد في الأصل: أرأيت لو تصدق عليه لم يكن موضعا للصدقة.
ومعنى هذا الكلام: أن مال الزكاة مشغول بحاجة الدين؛ فكان ملحقا بالعدم، وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة، فكان فقيرا، ولا زكاة على الفقير.
ولو كان في يده من أموال الزكاة أنواع مختلفة من الدراهم والدنانير وأموال التجارة والسوائم، فإنه يصرف الدين إلى الدراهم والدنانير وأموال التجارة دون السوائم؛ لأن زكاة هذه الجملة يؤديها أرباب الأموال، وزكاة السوائم يأخذها الإمام، وربما يقصرون في الصرف إلى الفقراء ظنا بما
стр. 3602
لهم، فكان صرف الدين إلى الأموال الباطنة ليأخذ السلطان زكاة السوائم نظرا للفقراء، وهذا أيضا عندنا.
وعلى قول زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن كان من السوائم، حتى إن من تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة بغير أعيانها وله أموال التجارة وإبل سائمة - فإن عنده يصرف المهر إلى الإبل، وعندنا يصرف إلى مال التجارة لما مر.
وذكر الشيخ الإمام السرخسي: أن هذا إذا حضر المصدق، فإن لم يحضر فالخيار لصاحب المال، إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما سواء لا يختلف، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم؛ فلهذا إذا حضر صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة.
فأما إذا لم يكن له مال الزكاة سوى السوائم فإن الدين يصرف إليها ولا يصرف إلى أموال البذلة لما ذكرنا.
ثم ينظر إن كان له أنواع مختلفة من السوائم، فإن الدين يصرف إلى أقلها زكاة حتى يجب الأكثر نظرا للفقراء، بأن كان له خمس من الإبل وثلاثون من البقر وأربعون شاة، فإن الدين يصرف إلى الإبل أو الغنم دون البقر حتى يجب التبيع؛ لأنه أكثر قيمة من الشاة. وهذا إذا صرف الدين إلى الإبل والغنم بحيث لا يفضل شيء منه، فأما إذا استغرق أحدهما وفضل منه شيء وإن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء - فإنه
стр. 3603
يصرف إلى البقر؛ لأنه إذا فضل شيء منه يصرف إلى الغنم فانتقص النصاب بسبب الدين فامتنع وجوب شاتين.
ولو صرف إلى البقر وامتنع وجوب التبيع تجب الشاتان؛ لأنه لو صرف الدين إلى الغنم يبقى نصاب الإبل السائمة كاملا، والتبيع أقل قيمة من شاتين، ولو لم يكن له إلا الإبل والغنم.
ذكر في [الجامع] : أن لصاحب المال أن يصرف الدين إلى أيهما شاء، لاستوائهما في قدر الواجب، وهو الشاة.
وذكر في نوادر الزكاة أن للمصدق أن يأخذ الزكاة من الإبل دون الغنم؛ لأن الشاة الواجبة في الإبل ليست من نفس النصاب؛ فلا ينتقص النصاب بأخذها. ولو صرف الدين إلى الإبل يأخذ الشاة من الأربعين فينتقص النصاب فكان هذا أنفع للفقراء.
ولو كان له خمس وعشرون من الإبل وثلاثون بقرا وأربعون شاة، فإن كان الدين لا يفضل عن الغنم يصرف إلى الشاة؛ لأنه أقل زكاة، فإن فضل منه ينظر إن كان بنت مخاض وسط أقل قيمة من الشاة وتبيع وسط يصرف إلى الإبل، وإن كان أكثر قيمة منها يصرف إلى الغنم والبقر؛ لأن هذا أنفع للفقراء، فالمدار على هذا الحرف.
فأما إذا لم يكن له مال للزكاة فإنه يصرف الدين إلى عروض البذلة والمهنة أولا ثم إلى العقار؛ لأن الملك مما يستحدث في العروض ساعة فساعة، فأما العقار فمما لا يستحدث فيه الملك غالبا؛ فكان فيه مراعاة
стр. 3604
النظر لهما جميعا. والله أعلم (١) .
ب- قال الزيلعي: وأما كونه فارغا عن الدين وعن حاجته الأصلية؛ كدور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنازل وآلات المحترفين وكتب الفسقة لأهلها، فلأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم؛ ولهذا يجوز التيمم مع الماء المستحق بالعطش.
وقال الشافعي في الجديد: الدين لا يمنع وجوب الزكاة للعمومات، والحجة عليه ما رويناه، وهو قول عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر، وكفى بهم قدوة، وكان عثمان ﵁ يقول: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تخلص أمواله فيؤدي منها الزكاة) بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا، ولأن الزكاة تجب على الغني لإغناء الفقير، ولا يتحقق الغنى بالمال المستقرض ما لم يقضه، ولأن ملكه ناقص حيث كان للغريم أن يأخذه إذا ظفر بجنس حقه، فصار كمال المكاتب، ولا يلزم على هذا الموهوب له حيث تجب عليه الزكاة وإن كان للواهب أن يرجع فيه؛ لأنه ليس له أن يأخذه إلا بقضاء القاضي أو برضا الموهوب له، فلا يصح رجوعه بدونهما.
وفيما قال الشافعي: يلزم تزكية مال واحد في سنة واحدة مرارا بأن كان لرجل عبد يساوي ألفا فباعه من آخر بدين ثم باعه الآخر كذلك حتى تداولته عشرة أنفس مثلا فحال عليه الحول، يجب على كل واحد منهم زكاة ألف، والمال في الحقيقة واحد حتى لو فسخت البياعات بعيب
стр. 3605
رجع إلى الأول فلم يبق لهم شيء. ولا فرق في الدين بين المؤجل والحال.
والمراد بالدين: دين له مطالب من جهة العباد حتى لا يمنع دين النذر والكفارة، ودين الزكاة مانع حال بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص به النصاب، وكذا بعد الاستهلاك، خلافا لزفر ﵀ فيهما، ولأبي يوسف في الثاني؛ لأنه مطالب به من جهة الإمام في الأموال الظاهرة، ومن جهة نوابه في الباطنة؛ لأن الملاك نوابه، فإن الإمام كان يأخذها إلى زمن عثمان ﵁، وهو فوضها إلى أربابها في الأموال الباطنة، قطعا لطمع الظلمة فيها، فكان ذلك توكيلا منه لأربابها.
وقيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؛ فقال: ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! ومراده إذا كان لرجل مائتا درهم وحال عليها ثمانون حولا.
ولو طرأ الدين في خلال الحول يمنع وجوب الزكاة عند محمد، كهلاك النصاب كله، وعند أبي يوسف لا يمنع، كنقصان النصاب في أثناء الحول، ثم لا فرق بين أن يكون الدين بطريق الكفالة والأصالة حتى لا تجب عليهما الزكاة، بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب، حيث تجب على الغاصب في ماله دون غاصب الغاصب، والفرق أن الأصيل والكفيل كل واحد منهما مطالب به؛ أما الغاصبان فكل واحد منهما غير مطالب به، بل أحدهما.
وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصابا بالفراغة عن الدين، وإن كان له نصب يصرف الدين إلى أيسرها قضاء.
стр. 3606
مثاله: إذا كان له دراهم ودنانير وعروض التجارة وسوائم من الإبل ومن البقر والغنم وعليه دين، فإن كان يستغرق الجميع فلا زكاة عليه، وإن لم يستغرق صرف إلى الدراهم والدنانير أولا، إذ القضاء منهما أيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى بيعهما، ولأنه لا تتعلق المصلحة بعينهما، ولأنهما لقضاء الحوائج وقضاء الدين منها، ولأن للقاضي أن يقضي الدين منهما جبرا، وكذا للغريم أن يأخذ منهما إذا ظفر بهما وهما من جنس حقه، فإن فضل عنهما الدين أو لم يكن له منهما شيء، صرف إلى العروض؛ لأنهما عرضة للبيع، بخلاف السوائم؛ لأنها للنسل والدر والقنية، فإن لم يكن له عروض أو فضل الدين عنها صرف إلى السوائم، فإن كانت السوائم أجناسا صرف إلى أقلها زكاة نظرا للفقراء، وإن كان له أربعون شاة وخمس من الإبل يخير لاستوائهما في الواجب، وقيل: يصرف إلى الغنم لتجب الزكاة في الإبل في العام القابل (١) .
стр. 3607
٢ - النقل عن المالكية:
أ- جاء في [المدونة] تحت عنوان (زكاة المديان) : (قلت) : أرأيت الرجل تكون له الدنانير فيحول عليها الحول وهي عشرون دينارا، وعليه دين وله عروض، أين يجعل دينه؟
(فقال) : في عروضه، فإن كانت وفاء دينه زكى هذه العشرين الناضة التي حال عليها الحول عنده.
(قلت) : أرأيت إن كانت عروضه ثياب جسده وثوبي جمعته وسلاحه
стр. 3608
وخاتمه وسرجه وخادما تخدمه ودارا يسكنها.
(فقال) : أما خادمه وداره وسلاحه وسرجه وخاتمه فهي عروض يكون الدين فيها، فإن كان فيها وفاء الدين زكى العشرين التي عنده، قال: وهو قول مالك وأصل هذا لما جعلنا من قول مالك أنه ما كان للسلطان أن يبيعه في دينه فإنه يجعل دينه في ذلك، ثم يزكي ما كان عنده بعد ذلك من ناض، وإذا كان على الرجل الدين، فإن السلطان يبيع داره وعروضه كلها، ما كان من خادم أو سلاح أو غير ذلك، إلا ما كان من ثياب جسده مما لا بد له منه، ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام. (قلت) : أرأيت ثوبي جمعته أيبيع عليه السلطان ذلك في دينه؟
(فقال) : إن كانا ليس لهما تلك القيمة فلا يبيعهما، وإن كان لهما قيمة باعهما.
(قلت) : أتحفظ هذا عن مالك؟ فقال: لا، ولكن هذا رأيي.
(قلت) : أرأيت من له مال ناض وعليه من الدين مثل هذا المال الناض الذي عنده وله مدبرون قيمتهم أو قيمة خدمتهم مثل الدين الذي عليه؟
(فقال) : يجعل الدين الذي عليه في قيمة المدبرين.
(قلت) : قيمة رقابهم أم قيمة خدمتهم.
(فقال) : قيمة رقابهم ويزكي الدنانير الناضة التي عنده.
(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي.
(قلت) : فإن كانت له دنانير ناضة وعليه من الدين مثل الدنانير وله مكاتبون، فقال: ينظر إلى قيمة الكتابة.
стр. 3609
(قلت) : وكيف ينظر إلى قيمة الكتابة؟
(فقال) : يقال: ما قيمة ما على هذا المكاتب من هذه النجوم على محلها بالعاجل من العروض ثم يقال: ما قيمة هذه العروض بالنقد؛ لأن ما على المكاتب لا يصلح أن يباع إلا بالعرض، إذا كان دنانير أو دراهم فينظر إلى قيمة المكاتب الآن بعد التقويم، فيجعل دينه فيه؛ لأنه مال له لو شاء أن يتعجله تعجله، وذلك أنه لو شاء أن يبيع ما على المكاتب بما وصفت لك فعل، فإذا جعل دينه في قيمة ما على المكاتب زكى ما في يديه من الناض إن كانت قيمة ما على المكاتب مثل الدين الذي عليه. (قال) : وكانت الدنانير التي في يديه هذه الناضة تجب فيها الزكاة، فإن كانت قيمة ما على المكاتب أقل مما عليه من الدين جعل فضل دينه فيما في يديه من الناض، ثم ينظر إلى ما بقي بعد ذلك، فإن كان ذلك مما تجب فيه الزكاة زكاه، وإن كان مما لا تجب فيه الزكاة لم يكن عليه فيها شيء.
(قلت) : وهذا قول مالك في هذه المسألة في المكاتب.
(فقال) : لم أسمع منه هذا كله، ولكن قال مالك: لو أن رجلا كانت له مائة دينار في يديه، وعليه دين مائة دينار، وله مائة دينار دينا، رأيت أن يزكي المائة الناضة التي في يديه، ورأيت ما عليه من الدين في الدين الذي له إن كان دينا يرتجيه وهو على مليء.
(قلت) : فإن لم يكن يرتجيه؟
(قال) : لا يزكيه فمسألة المكاتب عندي على مثل هذا؛ لأن كتابة المكاتب في قول مالك لو أراد أن يبيع ذلك بعرض مخالف لما عليه كان
стр. 3610
ذلك له وهو مال للسيد كأنه عرض في يديه لو شاء أن يبيعه باعه. (قلت) : أرأيت إن كان عليه دين وله عبيد قد أبقوا وفي يديه مال ناض، أيقوم العبيد الأباق فيجعل الدين فيهم؟ قال: لا.
(قلت) : لم؟ قال: لأن الأباق لا يصلح بيعهم ولا يكون دينه فيهم. (قلت) : أتحفظ هذا عن مالك؟ قال: لا، ولكن هذا رأيي.
(قلت) : فما فرق ما بين الماشية والثمار والحبوب والدنانير في الزكاة؟
(فقال) : لأن السنة إنما جاءت في الضمار، وهو المال المحبوس في العين، وأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز كانوا يبعثون الخراص في وقت الثمار فيخرصون على الناس لإحصاء الزكاة، ولما للناس في ذلك من تعجيل منافعهم بثمارهم الأكل والبيع وغير ذلك، ولا يؤمرون فيه بقضاء ما عليهم من دين ليحصل أموالهم، وكذلك السعاة يبعثونهم فيأخذون من الناس مما وجدوا في أيديهم ولا يسألونهم عن شيء من الدين، وقد قال أبو الزناد: كان من أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهي إلى قولهم، منهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل، وربما اختلفوا في الشيء فأخذ يقول أكثرهم أنهم كانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه، لا ينظر إلى غير ذلك.