← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك: إن تشبه إنسان بآخر أو جماعة بأخرى في الأزياء والملابس أو في الأفعال والأخلاق أو في الشعار والمعاملة والمظاهر- مما يدل على تأثره بمن تشبه به، وميله إليه؛ لذلك نهى الله تعالى في كتابه عن التشبه بالكافرين وحذر

стр. 3747

النبي ﷺ من مضاهاتهم في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ومراسيمهم؛ خشية أن تنجذب نفسه إليهم وينجرف في تيارهم، وتتلاشى شخصيته فيهم، وذلك هو البلاء المبين. أ- أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قاعدة عامة في التحذير من التشبه بالكافرين واستشهد لها بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي ﵊، وبين وجه دلالة ما ساق من النصوص على ثبوت تلك القاعدة وشمولها فقال ﵀: فصل: في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم لما كان الكلام في المسألة الخاصة قد يكون مندرجا في قاعدة عامة، بدأنا بذكر بعض ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان ذلك عاما في جميع أنواع المخالفات أو خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا. وهنا نكتة -قد نبهت عليها في هذا الكتاب- وهي: أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم قد يكون، لأن نفس قصد موافقتهم أو نفس موافقتهم مصلحة، وكذلك نفس قصد مخالفتهم أو نفس مخالفتهم مصلحة، بمعنى: أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد أو مفسدة، وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة لو تجرد عن الموافقة

стр. 3748

والمخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة " ولهذا نحن ننتفع بنفس متابعتنا لرسول الله ﷺ والسابقين من المهاجرين والأنصار في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا فيها مصلحة؛ لما يورث ذلك من محبتهم، وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وأن ذلك يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى ... إلى غير ذلك من الفوائد. كذلك قد نتضرر بمتابعتنا الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة، لأن ذلك الفعل الذي يوافق العبد فيه أو يخالف متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه، لكن عبر عن ذلك بالموافقة والمخالفة على سبيل الدلالة والتعريف، فتكون موافقتهم دليلا على المفسدة، ومخالفتهم دليلا على المصلحة. واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير من باب قياس الدلالة وعلى الأول من باب قياس العلة، وقد يجتمع الأمران. أعني: الحكمة الناشئة من نفس الفعل الذي وافقناهم أو خالفناهم فيه، ومن نفس مشاركتهم فيه، وهذا هو الغالب على الموافقة والمخالفة المأمور بهما والمنهي عنهما، فلا بد من التفطن لهذا المعنى، فإنه به يعرف معنى نهي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم مطلقا ومقيدا. واعلم أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها إنما يقع بطريق الإجمال والعموم، أو الاستلزام، وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. فنحن نذكر في آيات الكتاب: ما يدل على أصل هذه القاعدة في

стр. 3749

الجملة، ثم نتبع ذلك الأحاديث المفسرة لمعاني ومقاصد الآيات بعدها. الآيات الآمرة بمخالفة أهل الكتاب. قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) أخبر سبحانه: أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدا ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواؤهم: هي ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن

стр. 3750

من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه.

стр. 3751

النهي عن اتباع أهوائهم وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر. وفي هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (١) ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (٢) فالضمير هو في أهوائهم يعود -والله أعلم- إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعض ما أنزل إليه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن: من يهودي أو نصراني أو غيرهما، وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٣) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم، وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٤) فانظر كيف قال في الخبر: " ملتهم "، وقال في النهي: " أهواءهم "؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم

стр. 3752

في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم. ومن هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٣) ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٦) قال غير واحد من السلف: معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة فيقولوا: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٧) وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا.

стр. 3753

حكمة نسخ القبلة مخالفة للكافرين فقد بين الله سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (١) وهم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ قد أخبر «أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (٢) » مع أن قوله: «لا تكن مثل فلان (٣) » ، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، ودل على أنه كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا- كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة. وقال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (٦)

стр. 3754

إلى غير ذلك من الآيات. وما هم عليه من الهدى والعمل هو من سبيل غير المؤمنين، بل من سبيل المفسدين والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم فالنهي ثابت عن جنسه فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي عنه، ومقاربته في مظنة وقوع المنهي عنه. صفات المؤمنين والمنافقين قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢) ومتابعتهم في هديهم هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه، وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه. واعلم أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه- كثير مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤)

стр. 3755

وأمثال ذلك. ومنه ما يدل على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود. ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالة على ذلك، وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا فهذا إنما يدل عليه بعض الآيات دون بعض. ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، إذ كان هذا هو المقصود هنا. وأما تمييز دلالة الوجوب، أو الواجب عن غيرها، وتمييز الواجب عن غيره، فليس هو المقصود هنا. وسنذكر إن شاء الله: أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة، فإنه هو المسألة المقصودة هنا بعينها، وسائر المسائل سواها إنما جلبها إلى هنا تقريرات القاعدة الكلية العظيمة المنفعة وقال في موضع آخر: ما جاء من الأحاديث في التحذير من التشبه بالمغضوب عليهم والضالين: ثم هذا الذي دل عليه الكتاب: من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك، دلت عليه أيضا سنة رسول الله ﷺ وتأويل الآية -على ذلك- أصحابه ﵃. فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لتأخذن كما

стр. 3756

أخذت الأمم من قبلكم: ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم الآية، قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب. قال: فهل الناس إلا هم (٢) » . وعن ابن عباس ﵄، في هذه الآية أنه قال: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه. وأما السنة: فجاءت الأخبار بمشابهتهم في الدنيا، وذم ذلك، والنهي عن ذلك، وكذلك في الدين (٣) ثم ذكر ما يدل على ما ذكره، ورأينا الاقتصار على ما نقلناه؛ لحصول المقصود به.

стр. 3757

ب- قال الشاطبي ﵀: المسألة الحادية عشرة: فإن الحديث الصحيح قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر،

стр. 3758

وذراعا بذراع، حتى دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال: فمن، زيادة إلى حديث الترمذي الغريب، فدل ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في أعيان أفعالهم. وفي الصحيح عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم النبي ﷺ : الله أكبر كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم (٢) » ، وصار حديث الفرق بهذا التفسير صادقا على أمثال البدع التي تقدمت لليهود والنصارى، وأن هذه الأمة تبتدع في دين الله مثل تلك البدع، وتزيد عليها بدعة لم تتقدمها واحدة من الطائفتين، ولكن هذه البدعة الزائدة إنما تعرف بعد معرفة البدع الأخر، وقد مر أن ذلك لا يعرف أو لا يسوغ التعريف به، وإن عرف فكذلك لا تتعين البدعة الزائدة، والله أعلم. وفي الحديث أيضا عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بمأخذ الأمم والقرون قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع فقال رجل: يا رسول الله، كما فعلت فارس والروم. قال ﷺ : وهل الناس إلا أولئك (٣) » وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب مثل، فقوله: «حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها (٤) » يدل على أنها تأخذ

стр. 3759

بمثل ما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم (١) » . . . الحديث، فإنه قال فيه: «حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم (٢) » . والذي يدل على الثاني قوله: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵇: «هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلها (٣) » . . . الحديث. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه. والله أعلم (٤) ج- قال محمد رشيد ﵀: لبس القلنسوة المعروفة بالبرنيطة - أو التشبه بالنصارى: يسافر في كل سنة عدد عظيم من أمراء المصريين وحكامهم، ووجهائهم إلى أوربا فيلبسون فيها لبوس الإفرنج ويتزيون بزيهم لا يدعون منه شيئا على أن زي هؤلاء في الأغلب هو الزي الإفرنجي لا فرق إلا فيما يوضع على الرأس، فأكثر المصريين يتبعون حكامهم بلبس الطربوش الذي أخذه الترك عن الروم، وهم في أوربا يلبسون البرنيطة، لا فرق في ذلك بين الأمير والمأمور إلا أفرادا يعدهم الجمهور شذاذا، ويلومون بعضهم على محافظتهم على لبس الطربوش هناك، ويظن أكثر المسلمين أن لبس

стр. 3760

البرنيطة مخل بالدين الإسلامي، حتى إن [جريدة الحاضرة] تجرأت منذ عامين على التعريض بعزيز مصر لما بلغها من لبسه البرنيطة في أوربا وقالت: إن هذا ممنوع في الإسلام، وأجبناها يومئذ في [المنار] . ونرى الناس يلهجون في هذه الأيام بخبر فتوى من بعض العلماء بعدم إخلال لبس البرنيطة بالدين الإسلامي، قالوا: إن رجلا من مسلمي الترانسفال سأل العالم عن ذلك، وقال له: إن المسلمين في تلك البلاد مضطهدون ومهضومو الحقوق؛ لأنهم مسلمون، وأنه لا طريق إلى معاملة حكامهم وجيرانهم لهم بالمساواة إلا مساواتهم لهم في زيهم، ولا يتم ذلك إلا بلبس البرنيطة. فأجابه العالم: بأن اللبس من أمور العادات لا من أمور الدين، وأن ما قاله بعض الفقهاء من كراهة التشبه بالكافر في عاداته قد قيدوه بقصد التعظيم لدينه لا بقصد المصلحة، وأهل الترانسفال على ما يقول السائل لا يقصدون إلى ذلك، بل تحملوا كثيرا من الأذى في تركه، والضرورات تبيح المحظورات، فأمر الكراهة أهون. هذا ما سمعناه في المسألة، وقال: إن بعض المتفقهة استكبروا الأمر وعدوه من المشكلات الدينية، وطفقوا يتهامسون ويتباحثون فيه وما ذاك إلا من قلة الفقه ومن عدم النظر في السنة وفي تاريخ الأمة، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، أن النبي ﵌ لبس الجبة الرومية، وهي من لبوس النصارى، ولبس الطيالسة الكسروية، وهي من لبوس مجوس الفرس، وكذلك الصحابة عليهم الرضوان لبسوا في كل بلاد فتحوها من لبوس أهلها، حتى قلنسوة النصارى بغير نكير، إلا ما كتبه عمر إلى عتبة بن غرقد لما خشي

стр. 3761

على قومه الترف والسرف وفساد البأس والمنعة، فقد كتب إليه يأمره بالبروز إلى الشمس وبالخشونة وبترك زي الأعاجم، وهو أمر للمصلحة لا للتشريع كيف وعمر يعلم أن الشارع قد لبس لبوس الأعاجم. وقد لبس المسلمون بأمر المنصور قلانس كقلانس الكفار، ولم ينكر ذلك أحد إلا ما كان من هزل بعض الشعراء، ولكن المسلمين وجموا واستنكروا تغيير السلطان محمود العثماني زي قومه بزي الإفرنج؛ لما كانوا عليه من الجمود على العادات، ولكن عقلاء الترك الآن يعدون ذلك أصلا من أصول الإصلاح، لا لأن تغيير الزي كبير النفع؛ ولكن لما فيه من زلزال ذلك الجمود الذي كان مانعا من اقتباس الدولة كثيرا من النظام النافع في الجند والإدارة والسياسة عن أوربا التي سبقت وبرزت فيه، وقد رأينا أثر سبقها وجمودنا باستيلائها على معظم بلاد المسلمين، نعم، إنني لا أنكر أن اختيار التشبه بالأجنبي هو أثر الضعف القاضي باحتذاء المغلوب مثال الغالب في زيه وعادته، وأنه ينبغي للأمة أن تحافظ على عادتها أشد المحافظة ما لم تكن ضارة، وإذا أرادت استبدال عادة بأخرى فليكن ذلك بحسب المصلحة، لا تقليدا محضا للأجنبي، ولا أنكر أن المصريين الذين يلبسون البرنيطة في أوربا ملومون، وأن سبب لبسهم إياها ضعف العزيمة ولكنني لا أقول إنهم قد عصوا الله تعالى واستحقوا عقوبته بذلك. ولو كان أمر اللبس من أمور الدين لوجب أن نتبع فيه الشارع، وقد كان يلبس الإزار والرداء ولم يلبس السراويل قط، بل لم يلبس هذه الجبة والفرجية ذات الأكمام الواسعة والأذيال الطويلة التي جمد عليها علماء المسلمين لهذا العهد، ولكنه نهى عنها، ولبس الجبة الرومية الضيقة الأكمام، فكان يتعذر

стр. 3762

الوضوء بها، حتى كان يخرج يده من أسفلها عند الوضوء ليغسلهما. وقد كنت كتبت في موضوع اللباس والتشبه فيه بالأجانب عشرات من الصحائف في كتاب [الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية] ذكرت فيه حكم الملابس في الدين وفي المنفعة وفي الذوق وفي عرف الصوفية وفي السياسة، وذكرنا حكم التقليد فيها وقد جاء في أول الفصل المعقود للبحث في (كيفية اللبوس والتقليد فيه) ما نصه: قد علم مما تقدم: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وبعض أصحابه عليهم الرضوان- قد لبسوا القباء والفروج والطيالسة الكسروية، واستعملوا المياثر، وكل ذلك من لبوس الفرس، وأنهم لبسوا أيضا البرانس والجبب الرومية وهي من لبوس النصارى، والجبة الرومية لم يتقدم لها ذكر. وقد ثبت في [الصحيحين] أن «النبي ﷺ لبسها فكان يخرج يديه من أسفلها عند إرادة غسلهما في الوضوء؛ (١) » لضيق أكمامهما الذي لا يمكن معه التشمير، ولبسوا أيضا البرود والحبر المخططة والمعلمة، وهي من لبوس اليمن، وتلك الثياب كانت كغيرها تجلب إليهم من العراق والشام ومصر واليمن، لا أنهم كانوا يحتذون مثال هذه الشعوب في صنع لبوسها إذ لم يكونوا أصحاب صنائع، وفي ذلك دليل على أن الشرع ينيط أمر اللباس من حيث كيفية الأثواب وتفاصيلها باختيار اللابس، ولا يحظر على شعب وقبيل استعمال جديلة شعب آخر؛ لأنها أمور عادية لا تتعلق بحقوق الله تعالى ولا بحقوق الخلق لذاتها، نعم، كان أكثر ما يلبس النبي ﷺ وأصحابه الرداء والإزار تبعا لعادة قومه لا لوحي نزل بأولوية ذلك وأفضليته شرعا على أنه مناسب لحالة القطر الحجازي الحار، وإذ لم يرد في الشرع

стр. 3763

تفضيل كيفية مخصوصة وشكل معين في الملابس؛ لأن الشرع نزل فيما هو أهم من ذلك- فينبغي أن يناط ذلك بالرأي الصحيح، وهو إنما يرجح ما يوافق حالة المكان والزمان) انتهى المراد منه وبعد هذا تفصيل في تفضيل بعض الملابس على بعض لاختلاف الزمان والمكان. وقد حكم الفقهاء العادة في أمر الملابس حتى في الشرع، فاستحبوا ما كرهته السنة لمعنى يقتضي الكراهة مع بقاء ذلك المعنى، وحجتهم: أنه صار عادة، فقد ورد في الحديث النهي عن إطالة الثياب ووعيد الذي يجر ثوبه خيلاء، واتفق الفقهاء على أن إطالة الأذيال أو الأكمام للخيلاء حرام، ولغير الخيلاء مكروه شرعا، ثم إنك ترى مثل الشيخ الحفني يقول في تفسير الحديث من حاشيته على [الجامع الصغير] : إن كراهة زيادة طول الثوب عن الكعبين لغير المختال مخصوصة بمن لم يصر ذلك عادة لهم كأهل مصر. وقال النووي في [شرح مسلم] نقلا عن القاضي عياض وأقره: وبالجملة: يكره كل ما زاد على الحاجة والمعتاد في اللباس من الطول والسعة، والله أعلم. وذكر الشمس الرملي في [شرح المنهاج] : أن إفراط توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف وتضييع للمال، ثم قال: نعم، ما صار شعارا للعلماء يندب لهم لبسه، ليعرفوا بذلك فيسألوا وليطاعوا فيما عنه زجروا، فأنت ترى أنهم جعلوا المحظور بنص الشارع مندوبا شرعا، وقد رأيت ضعف شبهتهم فإننا إذا سلمنا لهم بأنه ينبغي أن يكون للعلماء زي خاص نقول: إنه ينبغي أن يكون ذلك الزي مما لم ينه عنه الشارع نهيا صريحا، ولئن صح ما يقولون من تحكيم العادة بالشرع من غير ضرورة ولا

стр. 3764

حاجة، ليكونن وزر هذا الزي المنهي عنه في السنة على من اخترعه لهؤلاء العلماء من سلفهم الذين كانوا خيرا منهم باعترافهم، ولا أعرف المخترع الأول لزي علماء مصر، وهو أبعد الأزياء عن أدب السنة وعن الذوق وعن المصلحة من حيث السعة والطول، ولكنني أعلم أن أول من اتخذ لأهل العلم زيا مخصوصا فقلدوه فيه بالتدريج هو القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (رح) ، وما أظن أنه كان من السعة والطول بالقدر الذي نشاهد، ولا براءة من هذا إلا بجعل ابتداء العادة كاستمرارها، ولقد بلغ من سلطان العادة على علمائنا أنهم صاروا ينكرون على من يخالفهم من أبناء صنفهم في الأردان المكبرة والأذيال المجررة، فلا عجب إذا حملت العادة بعضهم على إنكار لبس قلنسوة النصارى، ولو لضرورة دفع مفسدة أو جلب مصلحة، مع العلم بأن الصحابة والتابعين لبسوا في صدر الإسلام البرانس، وهي من قلانس النصارى، كما في [البخاري وشرحه] . أما حجة هؤلاء وأمثالهم التي تروج عند العامة فهي: أن ذلك تشبه بالنصارى الذين يجب علينا مخالفتهم و....، وهذا الكلام غير صحيح على إطلاقه، وإنما هو مقيد بالمخالفة في الأمور الدينية التي لا يوجد في ديننا ما يؤيدها كالأناشيد في الجنائز وحمل المباخر ونحوها أمام النعش واتخاذ قبور الأولياء والصالحين مساجد وغير ذلك مما تشبهنا بهم فيه، بل جعلناه من شعائر ديننا مع النهي عنه في الأحاديث الصحيحة، وأما الأمور الدنيوية كالأكل والزي فليس مما تجب فيه المخالفة، بل تقارب الناس في العادات يؤلف بينهم ويزيل التنافر الذي يعمي كل فريق عن فضائل الآخر- وإذا زال التنافر ظهر الحق على الباطل، وقد علمت أن النبي وأصحابه

стр. 3765

لبسوا زي المشركين والمجوس، بله النصارى الذين نطق القرآن الحكيم بأنهم أقرب مودة لنا، وأكثر ما قاله الفقهاء في هذا: أنه يكره أن يأتي المسلم أمرا بقصد التشبه بالأجنبي عن دينه، بل يأتيه أو يتركه للفائدة والمصلحة أو عدمهما، ولا أرى من مصلحة المصريين أن يلبسوا قلنسوة الإفرنج (البرنيطة) ؛ لأن هذا من مضعفات الرجاء باستقلالهم. وأما أهل الترانسفال وأهل الرجاء الصالح فلا رجاء في استقلالهم؛ لقلتهم وغلبة الإفرنج عليهم في كل شيء على أنه ينبغي لهم المحافظة على كل ما لا تضرهم المحافظة عليه من عاداتهم التي لا تخالف الشرع. أما اتقاء الضرر فواجب شرعا إن كان محققا، ومندوب إن كان مظنونا، هذه هي القاعدة الشرعية، ولكن أكثر الناس عبيد العادات إلا الذين انسخلوا من التقليد الأعمى، وقد فصلنا القول في مضار تقليد الأجانب في الأثاث والماعون والزينة في كتاب [الحكمة الشرعية] ونقلنا عنه نبذة في [منار السنة الأولى] ، فلتراجع (١) .

стр. 3766

د- قال الشيخ حمود التويجري ﵀: فصل: وقد كان هدي رسول الله ﷺ مخالفا لهدي المشركين، كما في [مستدرك الحاكم] من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهديهم» يعني: المشركين. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الحافظ الذهبي في [تلخيصه] . وقد رواه الشافعي في [مسنده] من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا،

стр. 3767

ولفظه: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك» ، وقد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه كان يأمر بمخالفة أعداء الله تعالى وينهى عن التشبه بهم. فمن ذلك ما في الصحيحين، و [مسند الإمام أحمد] و [جامع الترمذي] و [سنن النسائي] عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب (١) » . ومنها: ما في [صحيح مسلم] عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (٢) » . ومنها: ما في [الصحيحين] و [المسند] و [السنن] عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (٣) » هذا لفظهم سوى الترمذي، ولفظ الترمذي: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود (٤) » ثم قال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ الإمام أحمد: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى (٥) » ، وأخرجه ابن حبان في [صحيحه] بهذا اللفظ، وفي رواية للنسائي: «أن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوا عليهم فاصبغوا (٦) » . ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار، حمروا وصفروا، وخالفوا أهل الكتاب فقلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يتزرون، فقال: تسرولوا واتزروا، وخالفوا أهل الكتاب (٧) » . ومنها: ما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم (٨) » قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في [تلخيصه] ، وقد رواه

стр. 3768

الطبراني في [الكبير] ، ولفظه: «وصلوا في نعالكم، ولا تشبهوا باليهود» . وما رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار، ولا تلبسها (١) » ، وفي [الصحيحين] عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: (إياكم والتنعم وزي أهل الشرك) ، ورواه الإمام أحمد في [مسنده] بإسناد صحيح، ولفظه: (ذروا التنعم وزي العجم) ، ورواه أيضا في [كتاب الزهد] بإسناد صحيح ولفظه: (إياكم وزي الأعاجم ونعيمها) . قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: النهي عن التشبه بالعجم للتحريم، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع، وقال أيضا: إذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا ودخل في ذلك ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم. فصل: وقد ورد التغليظ في التشبه بأعداء الله تعالى، كما في [المسند] و [سنن أبي داود] وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » صححه ابن حبان. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: إسناده جيد. وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن. قال شيخ الإسلام: وقد احتج الإمام أحمد

стр. 3769

وغيره بهذا الحديث، قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١) وقال الشيخ أيضا في موضوع آخر: قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » يوجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقا. انتهى. وفي [جامع الترمذي] عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى (٣) » . قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا (٤) » هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى (٥) .

стр. 3770

ثالثا: امتهان آيات القرآن بحمل الجنب للشعار الذي كتب فيه وقضاء الحاجة به في حمام أو غيره وطرحه مع غيره من العدد في المخازن ورميه حين بلاه. أ- قال المنذري ﵀ في [مختصر سنن أبي داود] ﵀: قال أبو داود في [سننه] ﵀ (١) ، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء (١٨:١٦) عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (٢) » . وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: «أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه (٣) » .

стр. 3771

والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام. وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. هذا آخر كلامه. وهمام هذا: هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي والعوذي مولاهم البصري، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قوي في الحديث، وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثبت في كل المشايخ، وقال ابن عدي الجرجائي: وهمام أشهر وأصدق من أن يذكر له حديث منكر، أوله (١) حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدم أيضا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم. هذا آخر كلامه. وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي. وتفرده به لا يوهن الحديث. وإنما يكون غريبا، كما قال الترمذي. والله أعلم. قال ابن القيم ﵀: ١٨ - وقال في آخر باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء، بعد قول الحافظ زكي الدين. وإنما يكون غريبا كما قال الترمذي، والله أعلم. قلت: هذا الحديث رواه همام، وهو ثقة، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس. قال الدارقطني في [كتاب العلل] : رواه سعيد بن عامر وهدية بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ ، وخالفهم

стр. 3772

عمرو بن عاصم، فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس «أنه كان إذا دخل الخلاء (١) » موقوفا، ولم يتابع عليه. ورواه يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام، ورواه عبد الله بن الحرث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن «أنس: أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي ﷺ وقال: لا ألبسه أبدا (٢) » . وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج، انتهى كلام الدارقطني. وحديث يحيى بن المتوكل الذي أشار إليه رواه البيهقي من حديث يحيى بن المتوكل عن ابن جريج، ثم قال: هذا شاهد ضعيف. وإنما ضعفه؛ لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وضعفه الجماعة كلهم. وأما حديث يحيى بن الضريس، فيحيى هذا ثقة، فينظر الإسناد إليه. وهمام -وإن كان ثقة صدوقا احتج به الشيخان في [الصحيح]- فإن يحيى بن سعيد كان لا يحدث عنه ولا يرضى حفظه، قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في حجاج -يعني: ابن أرطاة - وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال يزيد بن زريع -وسئل عن همام -: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئا. وقال عفان: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتاب، وكان يكره ذلك، قال: ثم رجع بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان، كنا نخطئ كثيرا فنستغفر الله . ولا ريب أنه

стр. 3773

ثقة صدوق، ولكنه قد خولف في هذا الحديث، ولعله مما حدث به من حفظه فغلط فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني. وكذلك ذكر البيهقي: أن المشهور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ : «اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه (١) » . وعلى هذا فالحديث شاذ أو منكر، كما قال أبو داود، وغريب كما قال الترمذي. فإن قيل: فغاية ما ذكر في تعليله تفرد همام به. وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن هماما لم ينفرد به، كما تقدم. الثاني: أن هماما ثقة، وتفرد الثقة لا يوجب نكارة الحديث. فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، وتفرد مالك بحديث دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر. فهذا غايته أن يكون غريبا، كما قال الترمذي، وأما أن يكون منكرا أو شاذا فلا. قيل: التفرد نوعان: تفرد لم يخالف فيه من تفرد به، كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك. وتفرد خولف فيه المنفرد، كتفرد همام بهذا المتن على هذا الإسناد، فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: «إن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق (٢) » - الحديث، فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وتفرد همام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله. وأما متابعة يحيى بن المتوكل فضعيفة، وحديث ابن الضريس ينظر في حاله ومن أخرجه.

стр. 3774

فإن قيل: هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة، كلها قد رويت عنه في قصة الخاتم، فروى شعيب بن أبي حمزة وعبد الرحمن بن خلاد بن مسافر عن الزهري، كرواية زياد بن سعد هذه: «أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق، (١) » ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس، «كان خاتم النبي ﷺ من ورق فصه حبشي، (٢) » ورواه سليمان بن بلال وطلحة بن يحيى ويحيى بن نصر بن حاجب عن يونس عن الزهري، وقالوا: إن النبي ﷺ لبس خاتما من فضة في يمينه، فيه فص حبشي، جعله في باطن كفه، ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا، ورواه همام عن ابن جريج عن الزهري، كما ذكره الترمذي وصححه. وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري فالظاهر أنه حدث بها في أوقات، فما الموجب لتغليط همام وحده؟ قيل: هذه الروايات كلها تدل على غلط همام، فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها، فلو لم يكن مخالفا لرواية من ذكر فما وجه غرابته؟ ولعل الترمذي موافق للجماعة، فإنه صححه من جهة السند، لثقة الرواة، واستغربه لهذه العلة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيحه في [سننه] ، فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه معلول. والله أعلم. ب- قال أبو عيسى الترمذي ﵀: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا سعيد بن عامر والحجاج بن منهال قالا: حدثنا همام عن ابن جريج عن

стр. 3775

الزهري عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه (١) » . هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال صاحب [تحفة الأحوذي] ﵀: قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخوله (نزع) أي: أخرج من إصبعه (خاتمه) قال القاري في [المرقاة] : لأن نقشه محمد رسول الله ﷺ ، وفيه دليل على تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله والقرآن، كذا قاله الطيبي، قال الأبهري: ويعم الرسل، وقال ابن حجر: استفيد منه أنه يندب لمريد التبرز أن ينحي كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو نبي أو ملك، فإن خالف كره. انتهى. وهذا هو الموافق لمذهبنا. انتهى كلام القاري. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) قال الحافظ في [التلخيص] : حديث أنه ﷺ «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، (٢) » أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث الزهري عن أنس به. قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ. وقال أبو داود: منكر، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه، وصححه الترمذي. وقال النووي: هذا مردود عليه، قال في الخلاصة: وقال المنذري: الصواب عندي تصحيحه، فإن رواته ثقات أثبات. وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر الاقتراح وعلته أنه من رواية همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل: لم يسمعه عن الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مع ذلك مرفوعا يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل، وأخرجهما الحاكم والدارقطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات

стр. 3776

عن همام موقوفا على أنس، وأخرج له البيهقي شاهدا وأشار إلى ضعفه ورجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضا ولفظه: «أن رسول الله ﷺ لبس خاتما نقشه محمد رسول الله فكان إذا دخل الخلاء وضعه، (١) » وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني في الأحاديث الضعيفة، وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك. انتهى كلام الحافظ.

стр. 3777

ج- وقال الحطاب ﵀: يكره أن يدخل بيت الخلاء بخاتم فيه اسم الله تعالى أو يصر الدراهم في خرقة منجوسة والخلاف في هذا كله. انتهى. وقال في [الطراز] لما تكلم على آداب الاستنجاء: وجوز مالك أن يدخل الخلاء ومعه الدينار والدرهم وإن كان مكتوبا عليه اسم الله تعالى، وقال عنه ابن القاسم في العتبية، إنه يستخف في الخاتم الاستنجاء به، قال: ولو نزعه كان أحب إلي وفيه سعة ولم يكن من مضى يتحفظون من هذا. قال ابن القاسم: وأنا أستنجي به وفيه ذكر الله تعالى، قال ابن حبيب: أكره له ذلك وليحوله في يمينه وهذا حسن، وقد كره مالك أن يعامل أهل الذمة بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله تعالى، وفي الترمذي عن أنس «أنه ﵊ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١) » . انتهى. ونقله في [الذخيرة] وفي [رسم الشريكين] من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة، وسألت مالكا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله تعالى يلبس في الشمال وهل يستنجي به؟ قال مالك: أرجو أن يكون خفيفا. قال ابن رشد: قوله: أرجو أن يكون خفيفا يدل على أنه ضده مكروه وأن نزعه أحسن وكذلك فيما يأتي في رسم مساجد القبائل من هذا السماع وفي رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب ومثله لابن حبيب في

стр. 3778

الواضحة، ووجه الكراهية فيه بين؛ لأن ما كتب فيه اسم الله تعالى من الحروز يجعل له خرقة، وقد قال مالك رحمه الله تعالى في كتاب التجارة إلى أرض الحرب: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله تعالى فيعطاها نجسا وأعظم ذلك إعظاما شديدا وكرهه، وقال ابن القاسم في رسم مساجد القبائل: وأن أستنتجي بخاتمي وفيه ذكر الله تعالى. ليس بحسن من فعله ويحتمل أن يكون إنما فعله؛ لأنه عض بأصبعه فيشق عليه تحويله إلى اليد الأخرى كلما دخل الخلاء واحتاج إلى الاستنجاء فيكون إنما تسامح فيه لهذا المعنى وهو أشبه بورعه وفضله. انتهى. والذي في رسم مساجد القبائل قيل له: استنجي به وفيه ذكر الله تعالى؟ فقال: إن ذلك عندي خفيف ولو نزعه لكان أحسن، وفي هذا سعة وما كان من مضى يتحفظ في مثل هذا ولا يسأل عنه، قال ابن القاسم: وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله تعالى. قال ابن رشد: قد مضى الكلام عليه في [رسم الشريكين] ، وقال في أواخر رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب: سئل مالك عن الخاتم فيه ذكر الله تعالى منقوش من الاستنجاء، فقال: إن نزعه فحسن، وما سمعت أحدا انتزع خاتمه عند الاستنجاء فقيل له: فإن استنجى وهو في يديه فلا بأس، قال ابن رشد: قد مضى الكلام عليه في رسم الشريكين وفي آخر سماع سحنون من كتاب الصلاة. د- قال الشيرازي في [المهذب] ﵀ (١) : إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء عليه ذكر الله تعالى، فالمستحب أن

стр. 3779

ينحيه؛ لما روى أنس ﵁: أن النبي ﷺ «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، (١) » وإنما وضعه؛ لأنه كان عليه محمد رسول الله. وقال النووي ﵀: (الشرح) حديث أنس هذا مشهور، رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم في كتاب الطهارة، والترمذي في اللباس، والنسائي في الزينة، وضعفه أبو داود والنسائي والبيهقي، قال أبو داود: وهو منكر، وإنما يعرف عن أنس أن النبي ﷺ «اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه (٢) » . وقال النسائي: هذا الحديث غير محفوظ، وخالفهم الترمذي فقال: حديث حسن صحيح غريب. وقوله: وإنما وضعه -إلى آخره- هو من كلام المصنف لا من الحديث ولكنه صحيح، ففي [الصحيحين] ، «أن نقش خاتمه ﷺ كان محمد رسول الله،» ويقال: خاتم، وخاتم بكسر التاء وفتحها وخاتام وخيتام أربع لغات، والخلاء: بالمد وهو الموضع الخالي، وقوله: كان إذا دخل الخلاء، أي: أراد الدخول. أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا على استحباب تنحية ما فيه ذكر الله تعالى عند إرادة دخول الخلاء ولا تجب التنحية، وممن صرح بأنه مستحب المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب في تعليقه، والمحاملي في كتبه الثلاثة، وابن الصباغ، والشيخ نصر المقدسي في كتبه الثلاثة: [الانتخاب] و [التهذيب] و [الكافي] ، وآخرون. قال المتولي والرافعي وغيرهما: لا فرق في هذا بين أن يكون المكتوب عليه درهما أو دينارا أو خاتما أو غير ذلك، وكذا إذا كان معه عوذة، وهي الحروز المعروفة- استحب أن ينحيه صرح به المتولي وآخرون، وألحق الغزالي في [الإحياء] و [الوسيط] بذكر الله تعالى اسم رسول الله ﷺ .

стр. 3780

وقال إمام الحرمين: لا يستصحب شيئا عليه اسم معظم ولم يتعرض الجمهور لغير ذكر الله تعالى، وفي اختصاص هذا الأدب بالبنيان وجهان، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه: يختص، وقطع الجمهور بأنه يشترك في البنيان والصحراء، وهو ظاهر كلام المصنف وصرح به المحاملي وغيره وإذا كان معه خاتم فقد قلنا: ينزعه قبل الدخول فلو لم ينزعه سهوا أو عمدا ودخل فقيل: يضم عليه كفه لئلا يظهر. قال ابن المنذر: إن لم ينزعه جعل فصه مما يلي بطن كفه، وحكى ابن المنذر عن جماعة من التابعين: ابن المسيب والحسن وابن سيرين، الترخيص في استصحابه. والله أعلم. وقال أحمد بن إبراهيم الدمشقي الشهير بابن النحاس: فصل في بعض ما يشاهد في المساجد من البدع: قال: ومنها: كتابة القرآن في جدران المسجد، ومذهبنا أنه مكروه؛ لأنه تعريض له لوقوع الغبار عليه وقد صرح الحليمي في منهاجه أن من تعظيم الله تعالى وتعظيم رسوله ﷺ أن ننفض الغبار عن المصحف وكتب السنن وألا يوضع عليها شيء من متاع البيت، وكذلك يكره كتابته في جدار غير المسجد، فإن كان في جدار يصعد فوقه إلى غرفة ونحوها كانت الكراهة أشد وربما حرم. والله أعلم (١) . هـ - قال ابن قدامة ﵀ (٢) : إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله تعالى استحب وضعه.

стр. 3781

وقال أنس بن مالك: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١) » . رواه ابن ماجه وأبو داود، وقال: هذا حديث منكر. وقيل: إنما كان النبي ﷺ يضعه؛ لأن فيه: محمد رسول الله ثلاثة أسطر، فإن احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله تعالى واحترز عليه من السقوط أو أدار فص الخاتم إلى باطن كفه- فلا بأس. قال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. وقال عكرمة: اقلبه هكذا في باطن كفك فاقبض عليه، وبه قال إسحاق، ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين. وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال المرداوي ﵀ (٢) : قوله: (ولا يدخل بشيء فيه ذكر الله تعالى) الصحيح من المذهب: كراهة دخوله الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى، إذا لم تكن حاجة. جزم به في [الوجيز] ، و [مجمع البحرين] ، و [الحاوي الكبير] . وقدمه المجد في [شرحه] ، و [ابن تميم] ، و [ابن عبيدان] ، و [النظم] ، و [الفروع] و [الرعايتين] ، وغيرهم. وعنه: لا يكره. قال ابن رجب في [كتاب الخواتم] : والرواية الثانية: لا يكره. وهي اختيار علي بن أبي موسى، والسامري، وصاحب [المغني] . انتهى. قال في [الرعاية] : وقيل: يجوز استصحاب ما فيه ذكر الله تعالى مطلقا، وهو بعيد. انتهى. وقال في [المستوعب] : تركه أولى. قال في النكت: ولعله أقرب. انتهى.

стр. 3782

وقطع ابن عبدوس في [تذكرته] بالتحريم، وما هو ببعيد. قال في [الفروع] : وجزم بعضهم بتحريمه، كمصحف، وفي نسخ: لمصحف. قلت: أما دخول الخلاء بمصحف من غير حاجة فلا شك في تحريمه قطعا، ولا يتوقف في هذا عاقل. تنبيه: حيث دخل الخلاء بخاتم فيه ذكر الله تعالى، جعل فصه في باطن كفه، وإن كان في يساره أداره إلى يمينه، لأجل الاستنجاء. فائدة: لا بأس بحمل الدراهم ونحوها فيه. نص عليهما، وجزم به في [الفروع] وغيره. قال في [الفروع] : ويتوجه في حمل الحرز مثل حمل الدراهم. قال الناظم: بل أولى بالرخصة من حملها. قلت: وظاهر كلام المصنف هنا، وكثير من الأصحاب أن حمل الدراهم في الخلاء كغيرها في الكراهة وعدمها، ثم رأيت ابن رجب في ذكر كتاب الخواتم: أن أحمد نص على كراهة ذلك في رواية إسحاق بن هانئ. فقال في الدرهم: إذا كان فيه (اسم الله) أو مكتوبا عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) يكره أن يدخل اسم الله الخلاء. انتهى. وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ عن جندي قال للصائغ: اعمل لي حياصة من ذهب، أو فضة، واكتب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم) فهل يجوز ذلك ثم لا بد من إعادتها إلى النار لتمام عملها. وهل يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما حياصة الذهب فمحرمة، فإن النبي ﷺ قال: «الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها» .

стр. 3783

وأما حياصة الفضة، ففيها نزاع بين العلماء: وقد أباحها الشافعي وأحمد، في إحدى الروايتين. وأما كتابة القرآن عليها: فيشبه كتابة القرآن على الدرهم والدينار. ولكن يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد الكتابة، وهذا كله مكروه. فإنه يفضي إلى ابتذال القرآن وامتهانه، ووقوعه في المواضع التي ينزه القرآن عنها. فإن الحياصة (١) ، والدرهم والدينار ونحو ذلك. هو في معرض الابتذال، والامتهان. وإن كان من العلماء من رخص في حمل الدراهم المكتوب عليها القرآن، فذلك للحاجة، ولم يرخص في كتابة القرآن عليها. والله أعلم (٢) .

стр. 3784

وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله عن حكم حلية من ذهب مكتوب عليها لفظ الجلالة يلبسها النساء في أعناقهن. فأجاب بما يأتي: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سعادة مدير عام الجمارك ... وفقه الله إلى ما فيه رضاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: إجابة لكتابكم الكريم رقم (٣٠٠٦) في ٢٠\ ٨\ ١٣٩٨ هـ ومرفقه عينة ذهب مكتوب عليها اسم الجلالة وهي مما يعلقه النساء في أعناقهن وردت إليكم عن طريق مؤسسة\....\ جمرك الرياض. وأفيد سعادتكم: أنه سبق أن صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة

стр. 3785

للبحوث العلمية والإفتاء بمناسبة ميدالية مفاتيح قدمت لها بما نصه: (إن كتابة آية أو سورة من القرآن على هذه الحلقة خروج بالقرآن عن المقصد الذي أنزل من أجله من الاهتداء به وتلاوته والعمل بما فيه من أحكام، ومخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسائر السلف الصالح، وفيه تعريض لآيات القرآن للامتهان بحمل الجنب لها وحملها وقت قضاء الحاجة والاستنجاء والجماع ونحو ذلك- وعلى هذا يجب محو ما كتب من القرآن على هذه الحلقة حتى لا يكون لهذه الكتابة أثر؛ صيانة لكتاب الله عن العبث والامتهان واستعماله في غير ما نزل من أجله من المقاصد المشروعة) انتهت الفتوى. وعليه تعلمون حفظكم الله: أن كتابة اسم الجلالة على حلي المرأة فيه تشبه بالكافرات في تعليقهن حليا فيه الصليب ونجمة داود واسم عزير بالإضافة إلى كونه ذريعة إلى اتخاذه حرزا وتميمة يرجى بها دفع الضرر وجلب النفع، وهذا لا يجوز. ومما تقدم يلزم المورد لها ولأمثالها بمحو اسم الجلالة وبعد التأكد من محوه في جميع الكمية المطلوب دخولها لا مانع من السماح لها. وفي حالة عدم محوه فيلزم منعها من الدخول للمملكة؛ حفاظا على عقيدة التوحيد، وسدا لذريعة الشرك، ومنعا للتشبه بالكافرات.. وتجدون برفقه قطعة الحلي المذكورة أعلاه. سائلا المولى جل وعلا أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، وأن يجنبنا جميع سخطه، وأن يثيبكم وجميع العاملين معكم على ما تقومون به في سبيل خدمة عقيدتنا الإسلامية في جميع ثغور المملكة الجوية والبرية
следующие страницы →