← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وقال أنس بن مالك: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١) » . رواه ابن ماجه وأبو داود، وقال: هذا حديث منكر. وقيل: إنما كان النبي ﷺ يضعه؛ لأن فيه: محمد رسول الله ثلاثة أسطر، فإن احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله تعالى واحترز عليه من السقوط أو أدار فص الخاتم إلى باطن كفه- فلا بأس. قال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. وقال عكرمة: اقلبه هكذا في باطن كفك فاقبض عليه، وبه قال إسحاق، ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين. وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال المرداوي ﵀ (٢) : قوله: (ولا يدخل بشيء فيه ذكر الله تعالى) الصحيح من المذهب: كراهة دخوله الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى، إذا لم تكن حاجة. جزم به في [الوجيز] ، و [مجمع البحرين] ، و [الحاوي الكبير] . وقدمه المجد في [شرحه] ، و [ابن تميم] ، و [ابن عبيدان] ، و [النظم] ، و [الفروع] و [الرعايتين] ، وغيرهم. وعنه: لا يكره. قال ابن رجب في [كتاب الخواتم] : والرواية الثانية: لا يكره. وهي اختيار علي بن أبي موسى، والسامري، وصاحب [المغني] . انتهى. قال في [الرعاية] : وقيل: يجوز استصحاب ما فيه ذكر الله تعالى مطلقا، وهو بعيد. انتهى. وقال في [المستوعب] : تركه أولى. قال في النكت: ولعله أقرب. انتهى.

стр. 3782

وقطع ابن عبدوس في [تذكرته] بالتحريم، وما هو ببعيد. قال في [الفروع] : وجزم بعضهم بتحريمه، كمصحف، وفي نسخ: لمصحف. قلت: أما دخول الخلاء بمصحف من غير حاجة فلا شك في تحريمه قطعا، ولا يتوقف في هذا عاقل. تنبيه: حيث دخل الخلاء بخاتم فيه ذكر الله تعالى، جعل فصه في باطن كفه، وإن كان في يساره أداره إلى يمينه، لأجل الاستنجاء. فائدة: لا بأس بحمل الدراهم ونحوها فيه. نص عليهما، وجزم به في [الفروع] وغيره. قال في [الفروع] : ويتوجه في حمل الحرز مثل حمل الدراهم. قال الناظم: بل أولى بالرخصة من حملها. قلت: وظاهر كلام المصنف هنا، وكثير من الأصحاب أن حمل الدراهم في الخلاء كغيرها في الكراهة وعدمها، ثم رأيت ابن رجب في ذكر كتاب الخواتم: أن أحمد نص على كراهة ذلك في رواية إسحاق بن هانئ. فقال في الدرهم: إذا كان فيه (اسم الله) أو مكتوبا عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) يكره أن يدخل اسم الله الخلاء. انتهى. وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ عن جندي قال للصائغ: اعمل لي حياصة من ذهب، أو فضة، واكتب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم) فهل يجوز ذلك ثم لا بد من إعادتها إلى النار لتمام عملها. وهل يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما حياصة الذهب فمحرمة، فإن النبي ﷺ قال: «الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها» .

стр. 3783

وأما حياصة الفضة، ففيها نزاع بين العلماء: وقد أباحها الشافعي وأحمد، في إحدى الروايتين. وأما كتابة القرآن عليها: فيشبه كتابة القرآن على الدرهم والدينار. ولكن يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد الكتابة، وهذا كله مكروه. فإنه يفضي إلى ابتذال القرآن وامتهانه، ووقوعه في المواضع التي ينزه القرآن عنها. فإن الحياصة (١) ، والدرهم والدينار ونحو ذلك. هو في معرض الابتذال، والامتهان. وإن كان من العلماء من رخص في حمل الدراهم المكتوب عليها القرآن، فذلك للحاجة، ولم يرخص في كتابة القرآن عليها. والله أعلم (٢) .

стр. 3784

وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله عن حكم حلية من ذهب مكتوب عليها لفظ الجلالة يلبسها النساء في أعناقهن. فأجاب بما يأتي: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سعادة مدير عام الجمارك ... وفقه الله إلى ما فيه رضاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: إجابة لكتابكم الكريم رقم (٣٠٠٦) في ٢٠\ ٨\ ١٣٩٨ هـ ومرفقه عينة ذهب مكتوب عليها اسم الجلالة وهي مما يعلقه النساء في أعناقهن وردت إليكم عن طريق مؤسسة\....\ جمرك الرياض. وأفيد سعادتكم: أنه سبق أن صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة

стр. 3785

للبحوث العلمية والإفتاء بمناسبة ميدالية مفاتيح قدمت لها بما نصه: (إن كتابة آية أو سورة من القرآن على هذه الحلقة خروج بالقرآن عن المقصد الذي أنزل من أجله من الاهتداء به وتلاوته والعمل بما فيه من أحكام، ومخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسائر السلف الصالح، وفيه تعريض لآيات القرآن للامتهان بحمل الجنب لها وحملها وقت قضاء الحاجة والاستنجاء والجماع ونحو ذلك- وعلى هذا يجب محو ما كتب من القرآن على هذه الحلقة حتى لا يكون لهذه الكتابة أثر؛ صيانة لكتاب الله عن العبث والامتهان واستعماله في غير ما نزل من أجله من المقاصد المشروعة) انتهت الفتوى. وعليه تعلمون حفظكم الله: أن كتابة اسم الجلالة على حلي المرأة فيه تشبه بالكافرات في تعليقهن حليا فيه الصليب ونجمة داود واسم عزير بالإضافة إلى كونه ذريعة إلى اتخاذه حرزا وتميمة يرجى بها دفع الضرر وجلب النفع، وهذا لا يجوز. ومما تقدم يلزم المورد لها ولأمثالها بمحو اسم الجلالة وبعد التأكد من محوه في جميع الكمية المطلوب دخولها لا مانع من السماح لها. وفي حالة عدم محوه فيلزم منعها من الدخول للمملكة؛ حفاظا على عقيدة التوحيد، وسدا لذريعة الشرك، ومنعا للتشبه بالكافرات.. وتجدون برفقه قطعة الحلي المذكورة أعلاه. سائلا المولى جل وعلا أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، وأن يجنبنا جميع سخطه، وأن يثيبكم وجميع العاملين معكم على ما تقومون به في سبيل خدمة عقيدتنا الإسلامية في جميع ثغور المملكة الجوية والبرية

стр. 3786

والبحرية، إنه سميع مجيب.

стр. 3787

رابعا: قد يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذه عوذة للحفظ والنصر. إن تعليق شارات على الجنود أو عدد الحرب من سور القرآن أو آياته، واتخاذ أوسمة مكتوب عليها آية أو آيات من كتاب الله تعالى- قد يكون ذريعة إلى التبرك به، والاعتقاد بأنه سبب النصر والتغلب على الأعداء، وينتهي الأمر فيه إلى اتخاذه عوذة وتميمة يعتقد أنها تحفظه من المكاره، وتقيه شر الهزائم، وتكفل له النصر في ميادين القتال ثم يتوسع في استعمالها لجلب المنافع ودفع المضار. ولا شك أن ذلك مما يتنافى مع مقاصد الشريعة من حفظ العقيدة وسلامتها مما يهدمها أو يضعفها وسد الذرائع من القواعد الإسلامية الكلية اليقينية التي دلت الأدلة من الكتاب والسنة على اعتبارها، وبناء الأحكام عليها. وممن عني بإقامة الأدلة عليها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ فقال: (الوجه الرابع والعشرون) : أن الله سبحانه ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها. والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم. ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم. أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلا؛ كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء

стр. 3788

نفسه فسادا كالقتل والظلم- فإذا ليس من هذا الباب. فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء؛ لكونها في نفسها فسادا، بحيث تكون ضررا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منه فتحرم، فإن كان ذلك الفساد فعل محظور سميت ذريعة. وإلا سميت سببا ومقتضيا، ونحو ذلك من الأسماء المشهورة. ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالبا فإنه يحرمها مطلقا، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي، لكن الطبع متقاض لإفضائها. وأما إن كانت تفضي أحيانا، فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل، وإلا حرمها أيضا. ثم هذه الذرائع منها ما يفضي إلى المكروه بدون قصد فاعلها. ومنها: ما تكون إباحتها مفضية للتوسل بها إلى المحارم، فهذا (القسم الثاني) بجامع الحيل، بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة، وقد لا يقترن، كما أن الحيل قد تكون بالذرائع وقد تكون بأسباب مباحة في الأصل ليست ذرائع، فصارت الأقسام (ثلاثة) . الأول: ما هو ذريعة، وهو مما يحتال به؛ كالجمع بين البيع والسلف، وكاشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن تارة وبأكثر أخرى. وكالاعتياض عن ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نسأ، وكقرض بني آدم. الثاني: ما هو ذريعة لا يحتال بها؛ كسب الأوثان، فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى، وكذلك سب الرجل والد غيره فإنه ذريعة إلى أن يسب والده، وإن كان هذا لا يقصدهما مؤمن. الثالث: ما يحتال به من المباحات في الأصل؛ كبيع النصاب في أثناء

стр. 3789

الحول فرارا من الزكاة، وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة. والغرض من هذا: أن الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم؛ خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع. وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا فيصير ذريعة فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا ويقول القائل: لم أقصد به ذلك. ولئلا يدعو الإنسان فعله مرة إلى أن يقصد مرة أخرى، ولئلا يعتقد أن جنس هذه المعاملة حلال ولا يميز بين القصد وعدمه، ولئلا يفعلها الإنسان مع قصد خفي يخفى من نفسه على نفسه. وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر؛ لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس وبما يخفى على الناس من خفي هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة، فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا، وتلك العلة مقصودة فيه فاستباحه بهذا التأويل- فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربه، وهو إن نجا من الكفر لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة. أما شواهد هذه القاعدة فاكثر من أن تحصر، فنذكر منها ما حضر: فالأول: قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) حرم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة

стр. 3790

إلى سبهم لله ؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبنا لآلهتهم. الثاني: ما روى حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله؛ وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (١) » متفق عليه. ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٢) » ، فقد جعل النبي ﷺ الرجل سابا لاعنا لأبويه إذا سب سبا يجزيه الناس عليه بالسب لهما وإن لم يقصده، وبين هذا والذي قبله فرق؛ لأن سب آباء الناس هنا حرام لكن قد جعله النبي ﷺ من أكبر الكبائر؛ لكونه شتما لوالديه؛ لما فيه من العقوق، وإن كان فيه إثم من جهة إيذاء غيره. الثالث: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس: إن محمدا ﷺ يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن لم يدخل فيه وهذا النفور حرام. الرابع: أن الله سبحانه حرم الخمر؛ لما فيه من الفساد المترتب على زوال العقل، وهذا في الأصل ليس من هذا الباب. ثم إنه حرم قليل الخمر وحرم اقتناءها للتخليل، وجعلها نجسة، لئلا تفضي إباحته مقاربتها بوجه من الوجوه لا لإتلافها على شاربها. ثم إنه قد نهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي لا نعلم

стр. 3791

بتخمير النبيذ فيها؛ حسما لمادة ذلك. وإن كان في بقاء بعض هذه الأحكام خلاف. وبين ﷺ أنه إنما نهى عن بعض ذلك لئلا يتخذ ذريعة، فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» يعني ﷺ : أن النفوس لا تقف عند الحد المباح في مثل هذا. الخامس: أنه حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها ولو في مصلحة دينية؛ حسما لمادة ما يحاذر من تغيير الطباع وشبه الغير. السادس: أنه «نهى عن بناء المساجد على القبور، (١) » ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها. ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا. وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده، بل قصد خلافه؛ سدا للذريعة. السابع: أنه «نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، (٢) » وكان من حكمة ذلك: أنهما وقت سجود الكفار للشمس، ففي ذلك تشبه بهم، ومشابهة الشيء لغيره ذريعة إلى أن يعطى بعض أحكامه، فقد يفضي ذلك إلى السجود للشمس، أو أخذ بعض أحوال عابديها. الثامن: أنه نهى ﷺ عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، مثل قوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (٣) » ، «إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم (٤) » ، وقوله ﷺ في عاشوراء: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع (٥) » ، وقال في موضع: «لا تشبهوا بالأعاجم» ، وقال فيما رواه الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا (٦) » حتى قال حذيفة بن اليمان: «من تشبه بقوم فهو منهم؛ (٧) » وما ذاك إلا لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر

стр. 3792

يوجب المقاربة ونوعا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب، وذلك يجر إلى فساد عريض. التاسع: أنه ﷺ «نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، (١) » وبينها وبين خالتها، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو رضيت المرأة أن تنكح عليها أختها، كما رضيت بذلك أم حبيبة لما طلبت من النبي ﷺ أن يتزوج أختها درة لم يجز ذلك. وإن زعمتا أنهما لا يتباغضان بذلك، لأن الطباع تتغير فيكون ذريعة إلى فعل المحرم من القطيعة. وكذلك حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن الزيادة على ذلك ذريعة إلى الجور بينهن في القسم وإن زعم أن العلة إفضاء ذلك إلى كثرة المئونة المفضية إلى أكل الحرام من مال اليتامى وغيرهن، وقد بين العلة الأولى بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٢) وهذا نص في اعتبار الذريعة. العاشر: أن الله سبحانه حرم خطبة المعتدة صريحا حتى حرم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس هو إلى المرأة، فإن إباحته الخطبة قد يجر إلى ما هو أكبر من ذلك. الحادي عشر: أن الله سبحانه حرم عقد النكاح في حال العدة وفي حال الإحرام؛ حسما لمادة دواعي النكاح في هاتين الحالتين؛ ولهذا حرم التطيب في هاتين الحالتين. الثاني عشر: أن الله سبحانه اشترط للنكاح شروطا زائدة على حقيقة العقد تقطع عنه شبهة بعض أنواع السفاح به، مثل: اشتراط إعلانه إما

стр. 3793

بالشهادة. أو ترك الكتمان أو بهما. ومثل: اشتراط الولي فيه. ومنع المرأة أن تليه. وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة. وكان أصل ذلك في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١) و ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢) وإنما ذلك لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح وزوال بعض مقاصد النكاح من حجر الفراش. ثم إنه وكد ذلك بأن جعل للنكاح حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكاما من المصاهرة، وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد مقصود الاستمتاع، فعلم أن الشارع جعله سببا وصلة بين الناس بمنزلة الرحم، كما جعل بينهما في قوله تعالى: ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٣) وهذه المقاصد تمنع اشتباهه بالسفاح، وتبين: أن نكاح المحلل بالسفاح أشبه منه بالنكاح حيث كانت هذه الخصائص غير متيقنة فيه.

стр. 3794

الثالث عشر: أن النبي ﷺ «نهى أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، (١) » وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح؛ وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا. ومن العجب أن بعض من أراد أن يحتج للبطلان في مسألة مد عجوة

стр. 3795

قال: إن من جوزها يجوز أن يبيع الرجل ألف دينار ومنديلا بألف وخمسمائة دينار تبر، يقصد بذلك: أن هذا ذريعة إلى الربا وهذه علة صحيحة في مسألة مد عجوة، لكن المحتج بها ممن يجوز أن يقرضه ألفا ويبيعه المنديل بخمسمائة، وهي بعينها الصورة التي نهى عنها رسول الله ﷺ . والعلة المتقدمة بعينها موجودة فيها فكيف ينكر على غيره ما هو مرتكب له؟! . الرابع عشر: إن الآثار المتقدمة في العينة فيها ما يدل على المنع من عودة السلعة إلى البائع وإن لم يتواطآ على الربا، وما ذاك إلا سدا للذريعة. الخامس عشر: أنه تقدم عن النبي ﷺ وأصحابه منع المقرض قبول هدية المقترض، إلا أن يحسبها له أو يكون قد جرى ذلك بينهما قبل القرض؛ وما ذاك إلا لئلا تتخذ ذريعة إلى تأخير الدين، لأجل الهدية فيكون ربا إذا استعاد ماله بعد أن أخذ فضلا. وكذلك ما ذكر من منع الوالي والقاضي قبول الهدية، ومنع الشافع قبول الهدية فإن فتح هذا الباب ذريعة إلى فساد عريض في الولاية الشرعية. السادس عشر: أن السنة مضت بأنه «ليس لقاتل من الميراث شيء، (١) » أما القاتل عمدا كما قال مالك، والقاتل مباشرة كما قاله أبو حنيفة على تفصيل لهما، أو القاتل قتلا مضمونا بقود أو دية أو كفارة، أو القاتل بغير حق أو القاتل مطلقا في هذه الأقوال في مذهب الشافعي وأحمد، وسواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده - فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقا؛ وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل فسدت الذريعة بالمنع بالكلية مع ما فيه من علل أخر.

стр. 3796

السابع عشر: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان؛ لأن الطلاق ذريعة، وأما حيث لا يتهم ففيه خلاف معروف - مأخذ الشارع في ذلك: أن المورث أوجب تعلق حقها بماله فلا يمكن من قطعه أو سد الباب بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين. الثامن عشر: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجمع بالواحد وإن كان قياس القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء. التاسع عشر: أن النبي ﷺ «نهى عن إقامة الحدود بدار الحروب؛» لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اللحاق بالكفار. العشرون: أن النبي ﷺ «نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: إلا أن يكون صوما كان يصومه أحدكم فليصمه (١) » «ونهى عن صوم يوم الشك، (٢) » إما مع كون طلوع الهلال مرجوحا وهو حال الصحو، وإما سواء كان راجحا أو مرجوحا أو مساويا على ما فيه من الخلاف المشهور؛ وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، وكذلك حرم صوم اليوم الذي يلي آخر الصوم وهو يوم العيد، وعلل بأنه يوم فطركم من صومكم، تمييزا لوقت العبادة من غيره؛ لئلا يفضي الصوم المتواصل إلى التساوي، وراعى هذا المقصود في استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور، واستحباب الأكل يوم الفطر قبل الصلاة، وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها وعن غيرها، فكره للإمام أن يتطوع في مكانه، وأن

стр. 3797

يستديم استقبال القبلة، وندب المأموم إلى هذا التبيين، ومن جملة فوائد ذلك: سد الباب الذي قد يفضي إلى الزيادة في الفرائض. الحادي والعشرون: أنه « ﷺ كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله سبحانه،» وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود ونحوه أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد إليه صمدا؛ قطعا لذريعة التشبيه بالسجود لغير الله سبحانه. الثاني والعشرون: أنه سبحانه منع المسلمين من أن يقولوا للنبي ﷺ : راعنا، مع قصدهم الصالح؛ لئلا تتخذه اليهود ذريعة إلى سبه ﷺ ، ولئلا يتشبه بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا. الثالث والعشرون: أنه أوجب الشفعة؛ لما فيه من رفع الشركة؛ وما ذاك إلا لما يفضي إليه من المعاصي المعلقة بالشركة والقسمة؛ سدا لهذه المفسدة بحسب الإمكان. الرابع والعشرون: أن الله سبحانه أمر رسوله ﷺ أن يحكم بالظاهر مع إمكان أن يوحي إليه بالباطن، وأمره أن يسوي الدعاوى بين العدل والفاسق، وألا يقبل شهادة ضنين في قرابة، وإن وثق بتقواه، حتى لم يجز للحاكم أن يحكم بعلمه عند أكثر الفقهاء؛ لينضبط طريق الحكم، فإن التمييز بين الخصوم والشهود يدخل فيه من الجهل والظلم كل ما لا يزول إلا بحسم هذه المادة، وإن أفضت في آحاد الصور إلى الحكم لغير الحق، فإن فساد ذلك قليل إذا لم يتعمد في جنب فساد الحكم بغير طريق مضبوط من قرائن أو فراسة أو صلاح خصم أو غير ذلك، وإن كان قد يقع لهذا صلاح قليل مغمور بفساد كثير.

стр. 3798

الخامس والعشرون: أن الله سبحانه منع رسوله ﷺ لما كان بمكة من الجهر بالقرآن، حيث كان المشركون يسمعونه فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به. السادس والعشرون: أن الله سبحانه أوجب إقامة الحدود؛ سدا للتذرع إلى المعاصي إذا لم يكن عليها زاجر وإن كانت العقوبات من جنس الشر؛ ولهذا لم تشرع الحدود إلا في معصية تتقاضاها الطباع؛ كالزنا والشرب والسرقة والقذف دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك، فإنه اكتفى فيه بالتعزير، ثم إنه أوجب على السلطان إقامة الحدود إذا رفعت إليه الجريمة، وإن تاب العاصي عند ذلك، وإن غلب على ظنه أنه لا يعود إليها؛ لئلا يفضي ترك الحد بهذا السبب إلى تعطيل الحدود، مع العلم بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. السابع والعشرون: أنه ﷺ سن الاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وفي صلاة الخوف وغير ذلك، من كون إمامين في صلاة الخوف أقرب إلى حصول الصلاة الأصلية؛ لما في التفريق من خوف تفريق القلوب وتشتت الهمم، ثم إن محافظة الشارع على قاعدة الاعتصام بالجماعة، وصلاح ذات البين، وزجره عما قد يفضي إلى ضد ذلك في جميع التصرفات- لا يكاد ينضبط، وكل ذلك يشرع لوسائل الألفة وهي من الأفعال وزجر عن ذراع الفرقة وهي من الأفعال أيضا. الثامن والعشرون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة إفراد يوم الجمعة، وجاء عن السلف ما يدل على كراهة صوم أيام أعياد

стр. 3799

الكفار وإن كان الصوم نفسه عملا صالحا؛ لئلا يكون ذريعة إلى مشابهة الكفار وتعظيم الشيء تعظيما غير مشروع. التاسع والعشرون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها؛ لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم. الثلاثون: أن النبي ﷺ أمر الذي أرسل معه بهديه إذا عطب شيء منه دون المحل أن ينحره ويصبغ نعله الذي قلده بدمه، ويخلي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته. قالوا: وسبب ذلك: أنه إذا جاز له أن يأكل أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعته نفسه إلى أن يقصر في علفها وحفظها مما يؤذيها؛ لحصول غرضه بعطبها دون المحل، كحصوله ببلوغها المحل من الأكل والإهداء، فإذا أيس من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى إبلاغها المحل، وأحسم لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف سد الذرائع. والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه أو منصوص عليه أو مأثور عن الصدر الأول شائع عنهم، إذ الفروع المختلف فيها يحتج لها بهذه الأصول: لا يحتج بها، ولم يذكر الحيل التي يقصد بها الحرام كاحتيال اليهود، ولا ما كان وسيلة إلى مفسدة ليست هي فعلا محرما، وإن أفضت إليه كما فعل من استشهد للذرائع، فإن هذا يوجب أن يدخل عامة المحرمات في الذرائع، وهذا وإن كان صحيحا من وجه فليس هو المقصود هنا. ثم هذه الأحكام في بعضها حكم أخر غير ما ذكرناه من الذرائع، وإنما

стр. 3800

قصدنا: أن الذرائع مما اعتبرها الشارع إما مفردة أو مع غيرها، فإذا كان الشيء الذي قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم، إما بأن يقصد به المحرم، أو بأن لا يقصد به يحرمه الشارع بحسب الإمكان ما لم يعارض ذلك مصلحة توجب حله أو وجوبه فنفس التذرع إلى المحرمات بالاحتيال أولى أن يكون حراما، وأولى بإبطال ما يمكن إبطاله منه إذا عرف قصد فاعله، وأولى بأن لا يعان صاحبه عليه، وهذا بين لمن تأمله. والله الهادي إلى سواء الصراط.

стр. 3801

وقد اتبع ابن القيم شيخه ابن تيمية رحمهما الله في إثبات قاعدة سد الذرائع بأدلة الاستقراء من الكتاب والسنة فقال ﵀: فصل (١) : في سد الذرائع: لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها. فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها. ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود. لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به. وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك

стр. 3802

الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه - لعد متناقضا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه. وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء. ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره، ليزول الالتباس فيه، فنقول: الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان: أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها؛ كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها. والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب. فيتخذ وسيلة إلى المحرم، إما بقصده أو بغير قصد منه. فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك. والثاني: كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلي بين يدي القبر لله. ونحو ذلك.

стр. 3803

ثم هذا القسم من الذرائع نوعان: أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته. والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته. فهاهنا أربعة أقسام: الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم. ومثال الثالث: الصلاة في أوقات النهي، ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم. وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها. وأمثال ذلك. ومثال الرابع: النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها (١) ويعاملها. وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة. بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟

стр. 3804

فنقول: الدلالة على المنع من وجوه: الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين- مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم-؛ لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى. وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه، بل كالتصريح على المنع من الجائز، لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز. الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٢) فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه؛ لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن. الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٣) الآية. أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة؛ لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة. ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة، لندورها

стр. 3805

وقلة الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة (١) . الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (٢) نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير- لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب يقصدون فاعلا من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها؛ سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ ؛ تشبها بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (٣) ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤) فأمر تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفرا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى. الوجه السادس: أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإفضاء، واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة. الوجه السابع: أنه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة، لئلا يتخذ

стр. 3806

ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها. والوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (١) » متفق عليه. ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٢) » فجعل رسول الله ﷺ الرجل سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده. الوجه التاسع: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين- مع كونه مصلحة- لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.

стр. 3807

الوجه العاشر: أن الله تعالى حرم الخمر؛ لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرم القطرة الواحدة منها، وحرم إمساكها للتخليل ونجسها؛ لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب، ثم بالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به؛ حسما لمادة قربان المسكر، وقد صرح ﷺ بالعلة في تحريم القليل فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» .

стр. 3808

الوجه الحادي عشر: أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين؛ سدا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع. الوجه الثاني عشر: أن الله تعالى أمر بغض البصر -وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله- سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور. الوجه الثالث عشر: أن النبي ﷺ «نهى عن بناء المساجد على القبور، (١) » ولعن من فعل ذلك، ونهى «عن تجصيص القبور وتشريفها، واتخاذها مساجد وعن الصلاة إليها وعندها، (٢) » وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا. وعن شد الرحال إليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها. وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده، بل قصد خلافه؛ سدا للذريعة. الوجه الرابع عشر: أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وكان من حكمة ذلك: أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت؛ سدا للذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد، مح بعد هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟! الوجه الخامس عشر: أنه ﷺ نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة؛ كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (٣) » ، وقوله: «إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم (٤) » ، وقوله في عاشوراء: «خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله ويوما بعده» ، وقوله: «لا تشبهوا

стр. 3809

بالأعاجم» ، وروى الترمذي عنه: «ليس منا من تشبه بغيرنا (١) » ، وروى الإمام أحمد عنه: «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » ، وسر ذلك: أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل. الوجه السادس عشر: أنه ﷺ «حرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، (٣) » وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة، كما علل به النبي ﷺ . الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه: أنه ذريعة إلى كثرة المؤونة المفضية إلى أكل الحرام. وعلى التقديرين فهو من باب سد الذرائع، وأباح الأربع -وإن كان لا يؤمن الجور في اجتماعهن- لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن، فكانت مصلحة الإباحة أرجح من مفسدة الجور المتوقعة. الوجه الثامن عشر: أن الله تعالى حرم خطبة المعتدة صريحا. حتى حرم ذلك في عدة الوفاء وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة، فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها. الوجه التاسع عشر: أن الله تعالى حرم عقد النكاح في حال العدة، وفي الإحرام، وإن تأخر الوطء إلى وقت الحل؛ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء ولا ينتقض هذا بالصيام، فإن زمنه قريب جدا، فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم إلى الليل. الوجه العشرون: أن الشارع حرم الطيب على المحرم؛ لكونه من

стр. 3810

أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سد الذريعة. هذا فقد استمر ﵀ في ذكر أدلة المنع حتى أوصلها تسعة وتسعين دليلا..) ثم قال: باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه: أمر، ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (١) اهـ. هذا ما تيسر إعداده، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3811

(٣) بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 3812

بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء المعجزة القرآنية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد: ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض يوم السبت الموافق ١\ ٢ إلى يوم ٧ منه ١٣٩٩ هـ اطلع المجلس على المعاملة المتعلقة بما سماه الأستاذ رشاد خليفة: المعجزة القرآنية، وعلى ما جاء فيها من أن كتابة المصحف بالرسم الإملائي ينافيها، واقترح إعداد بحث في الموضوع، فأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي: أولا: بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة، والمعجزة القرآنية المذهلة ومناقشتها. ثانيا: هل ما يقال من أنها معجزة قرآنية صحيح أو لا؟ وهل تمتنع كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء، محافظة عليها أو لا..؟ وفيما يلي تفصيل ذلك بحول الله وقوته:

стр. 3813

تمهيد: لقد عني الدكتور رشاد خليفة بإثبات إعجاز القرآن وحفظه من طريق سوى الطرق التي عهدها المسلمون من قبل، واهتم بإثبات استمرار ذلك ما دامت الحياة الدنيا؛ ليشاهد الناس جيلا بعد جيل كتاب الله معجزة خالدة لنبينا محمد ﷺ ، وآية بينة تدل على رسالته وصدقه فيما يوحى إليه من ربه سبحانه، وعلى بقاء ذلك محفوظا من التبديل، والتحريف، والزيادة والنقصان مدى الدهر، وتقوم به الحجة عليهم إلى جانب ما قامت به الحجة على من سبقهم من إخوانهم المسلمين الأولين من وجوه إعجاز القرآن وغيره، وهذا مما يدل -في ظاهره- على غيرته على دينه، وحرصه على مصلحة الأمة، فلفت نظر المسلمين إلى نواحي إعجاز أخرى لم يكن لهم ولا لمن سبقهم بها عهد ولا علم، فألقى محاضرة بين فيها ما اكتشفه من وجوه إعجاز القرآن وحفظه، ثم نشرت (جريدة اليوم السعودية) له مقالا في عددها رقم (٢٣٩٩) الصادر في ١٢\ ١٠\ ١٣٨٩ هـ زاد به الموضوع شرحا وإيضاحا؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانا إلى إيمانهم، ويقينا إلى يقينهم بأن محمدا رسول الله حقا، وأن ما أوحي إليه إنما هو من عند الله، وأنه محفوظ من التغيير والتبديل والزيادة والنقص وأنه قد وصلنا كما نزل، ولتقوم به الحجة على الذين كفروا، تباعا أكثر فأكثر ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فجزاه الله عن اجتهاده خير الجزاء، وهدانا وإياه إلى الطريق المستقيم.

стр. 3814

وقد رأينا أن نثبت في إعداد هذا البحث نص محاضرته، وأن نشير إلى رقم (جريدة اليوم) وتاريخ صدورها لمن أراد أن يطلع على نص ما نشرت له، ثم نعلق على كل منهما بما يتيسر: ليعود القارئ بما وجده في التعليق إلى ما أثبت في أصل بيان الإعجاز من قريب. ومن بعد هذا ختمنا البحث بكلمة تحذيرية أعدها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عرف فيها المدعو الدكتور رشاد خليفة، وأورد بعض ما عرف عنه من بدع وأباطيل وناقشها ورد عليها، وأوضح سماحته مكانة السنة المطهرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ Islamic Productions International. inc. ٥٩٣٧ EAST PIMA STREET - TUCSON، ARIZONA ٨٥٧١١ U.S.A. ROFTT ORGANIZATION SERVIG THE NEEDS OF ALL MUSLIMS IN THE ENGLIH SPEAKING WOLD معجزة محمد الخالدة THE PERPETUAL MIRICAL OF MUHAMMAD Written and narrated By Rashad Khalifa تقديم الدكتور رشاد خليفة NOW YOU CAN PHYSICALLY WITNEES THE MIRAGE OF MUHAMMAD ١٣٦٩ - ١٩٧٦ ١٩٧٦ - ١٣٦٩

стр. 3815

بسم الله الرحمن الرحيم. يعلمنا خالقنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة من (سورة الإسراء) : أن القرآن الكريم كتاب معجز لا يستطيع الإتيان بمثله إنس ولا جان ... ، وفي الدقائق الستين القادمة فإنك سترى وتلمس أدلة مادية ملموسة على أن هذه الآية حقيقة واقعة ... في الدقائق الـ ٦٠ القادمة سترى وتسمع وتلمس أدلة دامغة لا تقبل الشك أو الجدال على أن القرآن الكريم هو رسالة الله إلى البشرية كافة ... وأنه قد وصلنا سالما من أي تحريف أو تحوير أو زيادة أو نقصان. كما تعلمون جميعا فإن جميع الرسل الذين جاءوا برسالة الله ، جاءوا أيضا مؤيدين بمعجزات ... ، ظواهر غير طبيعية تثبت للناس أن هؤلاء الرسل قد بعثوا فعلا من قبل الخالق العظيم ... ، فسيدنا موسى ﵇ عندما ذهب إلى فرعون أيده الله بمعجزات مثل تحول العصا إلى حية ... ، كما أيد الله رسوله عيسى ﵇ بمعجزات مثل: إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين بإذن الله ... ولما كان سيدنا محمد ﷺ هو خاتم النبيين.. فإنه من الطبيعي أن تكون معجزته هي خاتمة المعجزات..، وأن تكون معجزة خالدة مستمرة، لكي يشهدها كل جيل من أجيال البشر منذ بعثته ﵇ وحتى يوم القيامة ... وهذه المحاضرة سوف تبرهن لنا أن هذه فعلا هي الحقيقة ... أن معجزة المصطفى ﷺ فعلا معجزة أبدية مستمرة فأنتم ستشهدون الآن معجزة محمد الخالدة ... ، بما لا يدع مجالا للشك ... وهذه حقيقة تختلف عن طبيعة المعجزات السابقة لجميع الرسل والأنبياء السابقين ...

стр. 3816

فكما تعلمون معجزات الأنبياء السابقين كانت جميعها معجزات محدودة بالزمان والمكان ... ، فمثلا ليس بيننا من شهد سيدنا موسى وهو يلقي العصا فتتحول إلى حية ... ، ليس بيننا من شهد سيدنا عيسى يحيى الموتى ... ، لقد شهد هذه المعجزات فقط الناس الذين تواجدوا في مكان معين ... في زمان معين ... أما المعجزة الختامية التي جاء بها خاتم النبيين ... ، فسترون الآن أنها معجزة مستمرة لا يحدها مكان أو زمان ... وكما يشهدها الآن جيلنا فقد شهدتها الأجيال السابقة، وسوف تشهدها الأجيال القادمة حتى يوم القيامة.. ما هي معجزة محمد؟ يخبرنا القرآن الكريم في (سورة العنكبوت) الآية (٤٩ و٥٠) أن معجزة محمد هي القرآن ذاته ... ، وقد اتضح بالفعل أن القرآن الكريم معجزة دائمة مستمرة، واتضح أنه كلما اكتشف العلم حقائق جديدة عن عالمنا هذا فإننا نجد أن الاكتشافات الجديدة قديمة قدم القرآن الكريم، وهذا ما شهدته الأجيال السابقة ... ، فعلى سبيل المثال عندما اكتشف أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، وجد علماء القرآن أن هذه الحقيقة مذكورة في القرآن الكريم (سورة النمل) ، آية (٨٨) ... وعندما اكتشف أن الشمس مصدر للضوء وأن القمر مجرد عاكس للضوء.. اكتشفت الأجيال السابقة أن هذا الاكتشاف الجديد ليس جديدا بالمرة، وأن القرآن قد بين هذه الحقيقة في (سورة يونس) ، الآية (٥) . هذا الإعجاز العلمي الذي شهدته الأجيال السابقة في القرآن الكريم يستغرق الساعات الطوال لسرده كاملا ... ولكن الغرض من هذه المحاضرة هو دراسة نوع جديد من الإعجاز المادي الملموس الذي يشاء

стр. 3817

الله أن يشهده جيلنا نحن.. في هذا الزمن المادي ... فنحن الآن وفي الدقائق القادمة سوف نشهد معجزة محمد بطريقة مادية ملموسة تماما، كما شهد فرعون والسحرة وبنو إسرائيل معجزات موسى ... ، وكما شهد الحواريون معجزات عيسى..، وهكذا سوف يتبين لنا استمرارية ودوام وخلود المعجزة الختامية لخاتم النبيين عليهم جميعا صلوات الله وسلامه ...

стр. 3818

إن مفتاح هذه المعجزة الختامية يوجد في الآية الأولى من القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) فإنك إذا عددت حروف هذه الآية لوجدتها (١٩) ... هذه كما ترون حقيقة مادية ملمومسة لا يستطيع أحد أن يجادلك فيها ... وقد اكتشف أن كل كلمة في هذه الآية تتكرر في القرآن الكريم كله عددا من المرات، هو دائما من أضعاف الرقم (١٩) ... ، فنحن نجد أن كلمة اسم تتكرر في المصحف الشريف بالضبط (١٩) مرة ... وكلمة الله تتكرر (٢٦٩٨) مرة. . . ١٩ × ١٤٢. . .، وكلمة الرحمن تتكرر (٥٧) مرة ... ثلاثة أضعاف الرقم (١٩) ، وكلمة الرحيم تتكرر في القرآن (١١٤) مرة ... ستة أضعاف الرقم (١٩) ... ، وقبل أن نسأل أنفسنا: (ما معنى هذه الظاهرة التي لا نجدها في أي كتاب آخر في أي مكان في العالم؟) قبل أن نبحث هذا السؤال أود التنبيه أولا إلى أن الشيطان قد يتدخل في هذه اللحظة ويهمس في قلبك قائلا: (ما يدريك أن هذه الأرقام صحيحة؟ ما يدريك أن هذا الشخص لم يضع هذه الأرقام من نفسه؟) ..، ولكي نطرد الشيطان من أول المحاضرة وبطريقة نهائية ... أود أن أذكركم أن

стр. 3819

هذه الأرقام جميعا مسجلة في كتب كثيرة.. وقد سجلت حتى من قبل أن نولد ... فقد قام كثير من الناس بعد كلمات وحروف القرآن الكريم خلال القرون الأربعة عشر الماضية.. وسجلوا أرقامهم في كتب كثيرة ... ومن أمثلة هذه الكتب، كتاب أحمله معي في كل مكان واسمه [المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم] من وضع محمد فؤاد عبد الباقي وتنشره دار الشعب بالقاهرة ... ، هذا الكتاب يبين عدد كل كلمة من كلمات القرآن الكريم. والآن دعني أكرر هذه الملاحظات.. هذه الحقائق المادية الملموسة: الآية الأولى في القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) تتكون من (١٩) حرف، هذه حقيقة مادية ملموسة لا تقبل الشك أو الجدال ... ويحسن بي أن أتوقف هنا قليلا لدراسة الرقم (١٩) .. فهذا رقم خاص يتميز بخاصيتين هامتين: أولهما: أن الرقم (١٩) يحتوي على البداية والنهاية. الرقم (١) الذي هو بداية النظام الحسابي ... ، والرقم (٩) الذي نهاية النظام الحسابي ... ، والخاصية الثانية هي أن الرقم (١٩) لا يقبل القسمة بينما نجد أن الرقم (١٨) قابل للقسمة على (٢، ٣، ٦، ٩) ... وبينما نجد الرقم (٢٠) قابل للقسمة على (٢، ٤، ٥، ١٠) نجد أن الرقم (١٩) لا يقبل القسمة في الآية الأولى من القرآن، حيث تتركب من (١٩) حرفا، وكل كلمة في هذه الآية تتكرر أضعاف الرقم (١٩) ... فكلمة اسم تتكرر في القرآن الكريم كله بالضبط (١٩) ... مرة. وفي الوقت المناسب قبل انتهاء هذه المحاضرة سوف أشرح لماذا

стр. 3820

استعمل كلمة (اسم) وليس (بسم) .. وسترون أن كلمة بسم لها جانب إعجازي خاص بها ... وكلمة الله تتكرر في المصحف الشريف كله (٢٦٩٨) مرة، (١٤٢) ضعف الرقم (١٩) ... ، وكلمة الرحمة تتكرر (٥٧) مرة.. ٣ أضعاف الرقم (١٩) .. وكلمة الرحيم تتكرر (١١٤) مرة ستة أضعاف الرقم (١٩) ... ، وكما ترون فإننا هنا نتحدث عن حقائق مادية لا تقبل الجدال ... الحقيقة المادية الأولى: هي أن الآية القرآنية الأولى تتركب من (١٩) حرفا..، ولا يستطيع أحد أن يجادلك في صحة هذه الحقيقة.. والحقيقة المادية الثانية: هي أن كل كلمة من كلمات هذه الآية تتكرر في القرآن كله عددا من المرات هو دائما من مكررات الرقم (١٩) ... ، ماذا تعني هذه الحقائق؟ هذه الملاحظات التي تتميز بأنها عادية واقعية وليست تفسيرا أو تخمينا أو اجتهادا ... ماذا تعني هذه الملاحظات؟ إن هناك ثلاثة احتمالات فقط تشرح لنا معنى هذه الحقائق القرآنية: الاحتمال الأول: هو أن هذه الحقائق حدثت عن طريق الصدفة ... عن طريق المصادفة البحتة ... ، ونستطيع بسهولة أن نرفض هذا الاحتمال..؛ لأن المصادفة تحدث مرة واحدة أو ربما مرتين ... ، ولكنها تحدث ثلاثة مرات ... أو أربع مرات كما نرى هنا ... فأنت إذا أمسكت بأي كتاب عادي ... وقمت بعد الحروف في جملته الأولى.. فإن احتمال أن كلمة واحدة من كلمات هذه الجملة تتكرر في الكتاب كله عددا من المرات له علاقة بعدد حروف الجملة ... هذا الاحتمال جائز ... ممكن عن طريق الصدفة أن يحدث ذلك ... أما أن تكون
следующие страницы →