فكما تعلمون معجزات الأنبياء السابقين كانت جميعها معجزات محدودة بالزمان والمكان ... ، فمثلا ليس بيننا من شهد سيدنا موسى وهو يلقي العصا فتتحول إلى حية ... ، ليس بيننا من شهد سيدنا عيسى يحيى الموتى ... ، لقد شهد هذه المعجزات فقط الناس الذين تواجدوا في مكان معين ... في زمان معين ... أما المعجزة الختامية التي جاء بها خاتم النبيين ... ، فسترون الآن أنها معجزة مستمرة لا يحدها مكان أو زمان ... وكما يشهدها الآن جيلنا فقد شهدتها الأجيال السابقة، وسوف تشهدها الأجيال القادمة حتى يوم القيامة..
ما هي معجزة محمد؟ يخبرنا القرآن الكريم في (سورة العنكبوت) الآية (٤٩ و٥٠) أن معجزة محمد هي القرآن ذاته ... ، وقد اتضح بالفعل أن القرآن الكريم معجزة دائمة مستمرة، واتضح أنه كلما اكتشف العلم حقائق جديدة عن عالمنا هذا فإننا نجد أن الاكتشافات الجديدة قديمة قدم القرآن الكريم، وهذا ما شهدته الأجيال السابقة ... ، فعلى سبيل المثال عندما اكتشف أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، وجد علماء القرآن أن هذه الحقيقة مذكورة في القرآن الكريم (سورة النمل) ، آية (٨٨) ... وعندما اكتشف أن الشمس مصدر للضوء وأن القمر مجرد عاكس للضوء.. اكتشفت الأجيال السابقة أن هذا الاكتشاف الجديد ليس جديدا بالمرة، وأن القرآن قد بين هذه الحقيقة في (سورة يونس) ، الآية (٥) .
هذا الإعجاز العلمي الذي شهدته الأجيال السابقة في القرآن الكريم يستغرق الساعات الطوال لسرده كاملا ... ولكن الغرض من هذه المحاضرة هو دراسة نوع جديد من الإعجاز المادي الملموس الذي يشاء
стр. 3817
الله أن يشهده جيلنا نحن.. في هذا الزمن المادي ... فنحن الآن وفي الدقائق القادمة سوف نشهد معجزة محمد بطريقة مادية ملموسة تماما، كما شهد فرعون والسحرة وبنو إسرائيل معجزات موسى ... ، وكما شهد الحواريون معجزات عيسى..، وهكذا سوف يتبين لنا استمرارية ودوام وخلود المعجزة الختامية لخاتم النبيين عليهم جميعا صلوات الله وسلامه ...
стр. 3818
إن مفتاح هذه المعجزة الختامية يوجد في الآية الأولى من القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) فإنك إذا عددت حروف هذه الآية لوجدتها (١٩) ... هذه كما ترون حقيقة مادية ملمومسة لا يستطيع أحد أن يجادلك فيها ... وقد اكتشف أن كل كلمة في هذه الآية تتكرر في القرآن الكريم كله عددا من المرات، هو دائما من أضعاف الرقم (١٩) ... ، فنحن نجد أن كلمة اسم تتكرر في المصحف الشريف بالضبط (١٩) مرة ... وكلمة الله تتكرر (٢٦٩٨) مرة. . . ١٩ × ١٤٢. . .، وكلمة الرحمن تتكرر (٥٧) مرة ... ثلاثة أضعاف الرقم (١٩) ، وكلمة الرحيم تتكرر في القرآن (١١٤) مرة ... ستة أضعاف الرقم (١٩) ... ، وقبل أن نسأل أنفسنا: (ما معنى هذه الظاهرة التي لا نجدها في أي كتاب آخر في أي مكان في العالم؟) قبل أن نبحث هذا السؤال أود التنبيه أولا إلى أن الشيطان قد يتدخل في هذه اللحظة ويهمس في قلبك قائلا: (ما يدريك أن هذه الأرقام صحيحة؟ ما يدريك أن هذا الشخص لم يضع هذه الأرقام من نفسه؟) ..، ولكي نطرد الشيطان من أول المحاضرة وبطريقة نهائية ... أود أن أذكركم أن
стр. 3819
هذه الأرقام جميعا مسجلة في كتب كثيرة.. وقد سجلت حتى من قبل أن نولد ... فقد قام كثير من الناس بعد كلمات وحروف القرآن الكريم خلال القرون الأربعة عشر الماضية.. وسجلوا أرقامهم في كتب كثيرة ... ومن أمثلة هذه الكتب، كتاب أحمله معي في كل مكان واسمه [المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم] من وضع محمد فؤاد عبد الباقي وتنشره دار الشعب بالقاهرة ... ، هذا الكتاب يبين عدد كل كلمة من كلمات القرآن الكريم.
والآن دعني أكرر هذه الملاحظات.. هذه الحقائق المادية الملموسة:
الآية الأولى في القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) تتكون من (١٩) حرف، هذه حقيقة مادية ملموسة لا تقبل الشك أو الجدال ... ويحسن بي أن أتوقف هنا قليلا لدراسة الرقم (١٩) .. فهذا رقم خاص يتميز بخاصيتين هامتين: أولهما: أن الرقم (١٩) يحتوي على البداية والنهاية. الرقم (١) الذي هو بداية النظام الحسابي ... ، والرقم (٩) الذي نهاية النظام الحسابي ... ، والخاصية الثانية هي أن الرقم (١٩) لا يقبل القسمة بينما نجد أن الرقم (١٨) قابل للقسمة على (٢، ٣، ٦، ٩) ... وبينما نجد الرقم (٢٠) قابل للقسمة على (٢، ٤، ٥، ١٠) نجد أن الرقم (١٩) لا يقبل القسمة في الآية الأولى من القرآن، حيث تتركب من (١٩) حرفا، وكل كلمة في هذه الآية تتكرر أضعاف الرقم (١٩) ... فكلمة اسم تتكرر في القرآن الكريم كله بالضبط (١٩) ... مرة.
وفي الوقت المناسب قبل انتهاء هذه المحاضرة سوف أشرح لماذا
стр. 3820
استعمل كلمة (اسم) وليس (بسم) .. وسترون أن كلمة بسم لها جانب إعجازي خاص بها ... وكلمة الله تتكرر في المصحف الشريف كله (٢٦٩٨) مرة، (١٤٢) ضعف الرقم (١٩) ... ، وكلمة الرحمة تتكرر (٥٧) مرة.. ٣ أضعاف الرقم (١٩) .. وكلمة الرحيم تتكرر (١١٤) مرة ستة أضعاف الرقم (١٩) ... ، وكما ترون فإننا هنا نتحدث عن حقائق مادية لا تقبل الجدال ...
الحقيقة المادية الأولى: هي أن الآية القرآنية الأولى تتركب من (١٩) حرفا..، ولا يستطيع أحد أن يجادلك في صحة هذه الحقيقة.. والحقيقة المادية الثانية: هي أن كل كلمة من كلمات هذه الآية تتكرر في القرآن كله عددا من المرات هو دائما من مكررات الرقم (١٩) ... ، ماذا تعني هذه الحقائق؟ هذه الملاحظات التي تتميز بأنها عادية واقعية وليست تفسيرا أو تخمينا أو اجتهادا ... ماذا تعني هذه الملاحظات؟ إن هناك ثلاثة احتمالات فقط تشرح لنا معنى هذه الحقائق القرآنية:
الاحتمال الأول: هو أن هذه الحقائق حدثت عن طريق الصدفة ... عن طريق المصادفة البحتة ... ، ونستطيع بسهولة أن نرفض هذا الاحتمال..؛ لأن المصادفة تحدث مرة واحدة أو ربما مرتين ... ، ولكنها تحدث ثلاثة مرات ... أو أربع مرات كما نرى هنا ... فأنت إذا أمسكت بأي كتاب عادي ... وقمت بعد الحروف في جملته الأولى.. فإن احتمال أن كلمة واحدة من كلمات هذه الجملة تتكرر في الكتاب كله عددا من المرات له علاقة بعدد حروف الجملة ... هذا الاحتمال جائز ... ممكن عن طريق الصدفة أن يحدث ذلك ... أما أن تكون
стр. 3821
كلمتان اثنتان من كلمات هذه الجملة تتكرران في الكتاب كله عددا من المرات هو من مضاعفات عدد حروف الجملة ... فهذا احتمال ضعيف جدا ... ونستطيع جميعا أن نتفق على أن احتمال تكرار ثلاث كلمات من كلمات الجملة الأولى في الكتاب كله بطريقة لها علاقة بعدد حروف الجملة.. هذا الاحتمال من قبيل المستحيل.. عن طريق المصادفة ... ونحن هنا نرى أن كل كلمة في الآية القرآنية الأولى عدد مكرراتها في القرآن كله له علاقة مباشرة بعدد حروف الآية ... الرقم (١٩) ...
الاحتمال الثاني: هو أن سيدنا محمد هو الذي صمم القرآن وكتبه بهذه الطريقة الحسابية الخاصة ... ، وهذا طبعا ما يعتقده غير المسلمين..، إذ أنهم إذا علموا أو آمنوا بأن القرآن هو رسالة خالقهم إليهم جميعا لأصبحوا مسلمين..، وما يقوله هذا الاحتمال هو أن رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم علوم الحساب المتقدم.. هذا الرجل الأمي الذي عاش في القرن السابع الميلادي قال لنفسه في يوم من الأيام: (إنني سأكتب كتابا كبيرا تتركب الجملة الأولى فيه من (١٩) حرفا.. وتتكرر كل كلمة من كلمات هذه الجملة في الكتاب كله عددا من المرات يكون من أضعاف الرقم (١٩) ... ) ثم مضى هذا الرجل الأمي يكتب هذا الكتاب.. متبعا هذا التصميم.. على مدى (٢٣) سنة. ويتبين لنا في الحال استحالة هذا الاحتمال وحماقته، ولو أصر المكابرون.. والكفار المعاندون.. على أن هذا الاحتمال ممكن.. وأن محمدا هو كاتب القرآن.. وأنه كتب القرآن بهذا التصميم الحسابي النادر الذي لم نره في أي كتاب آخر في التاريخ.. فإنه يمكننا سؤالهم: إذا كان سيدنا محمد رجلا دجالا..، وإذا كان هو
стр. 3822
الذي كتب القرآن الكريم بهذا التصميم.. فلماذا لم يفتخر بين صحابته؟.. لماذا لم يجن ثمار جهوده أو يخبر أبناء جيله عن هذا المجهود العبقري الجبار؟ إن هذه الحقائق جميعها لم تكن معروفة قبل شهر يونيه.. حزيران.. (١٩٧٥ م) الموافق لجمادى الثانية عام (١٣٩٥ هـ) .. إن جيلنا هذا هو الذي أراد الله أن يطلعه على هذه الحقائق الإعجازية.. كجزء من معجزة محمد الخالدة المستمرة..
стр. 3823
الاحتمال الوحيد الذي يتبقى من دراسة هذه الظواهر القرآنية الإعجازية هو: أن الخالق القادر على كل شيء: الله هو كاتب القرآن الكريم، وليست هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تتبين لنا من دراسة هذه الملاحظات المادية الملموسة ... حقيقة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من قول البشر.. وأنه حقا وصدقا رسالة الخالق إلى الناس كافة..، بل إن هناك حقيقة أخرى يجب أن نتذكرها وهي: أن القرآن الكريم وصل إلينا سالما محفوظا من أي تحريف أو تحوير أو زيادة أو نقصان.. فأنت عندما تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) كلمة الله هنا معدودة ومحسوبة ومصممة ... إنها واحدة من الـ (٢٦٩٨) كلمات الله الموجودة في القرآن الكريم ... وعندما تستمر قائلا: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) كلمة الله هنا أيضا محسوبة وموضوعة في مكانها بإحكام الخلاق العليم .. إنها أيضا واحدة من (٢٦٩٨) لفظ الله ... إذ إنه في خلال الأربعة عشر قرنا الماضية.. لو حدث أي تلاعب في كلمة واحدة مثل اسم ... أو الله ... أو الرحمة ... أو الرحيم بزيادة أو نقصان أو تحريف ... لأصبح عدد مكررات هذه الكلمات في
стр. 3824
القرآن الكريم لا يقبل القسمة على (١٩) .. وتختفي بذلك هذه الظواهر القرآنية الحسابية الإعجازية..
هل للرقم (١٩) أي ذكر أو دلالة خاصة في القرآن الكريم نفسه؟ أي نعم. إننا نجد هذا الرقم في (سورة المدثر) آية رقم (٣٠) .. ونجد أن هذا الرقم قد ذكر بخصوص أولئك الذين يزعمون أن القرآن الكريم من قول البشر.. (آيات من سورة المدثر) . هكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة تقول: بأن أي شخص يقرر أن القرآن من قول البشر، هذا الشخص سيعاقب.. وسيكون عقابه تحت إشراف (١٩) .. والتفسير القديم لهذا الرقم (١٩) هو أنهم حفظة جهنم..!! إلا أننا في ضوء المعلومات الجديدة التي نراها هنا لا بد من الوصول إلى تفسير جديد.. هذا التفسير الجديد لهذه الآية الكريمة ... الآية ٣٠ من سورة المدثر هو أن الـ (١٩) هي حروف البسملة ... الآية الأولى في كتاب الله العظيم ... ويؤيد هذا التفسير ما نكتشفه من مراجعة ترتيب نزول القرآن الكريم ... فنحن جميعا نعلم أن سيدنا جبريل عندما جاء بالوحي لأول مرة.. فإنه أحضر لخاتم النبيين محمد ﵊.. أحضر الآيات الأولى من سورة العلق.. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) وهذه السورة -على فكرة- هي رقم (١٩) من نهاية القرآن وتتركب من (١٩) آية، وفي المرة الثانية أحضر الروح الأمين الآيات القليلة الأولى من (سورة القلم) .. ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢) وفي الزيارة الثالثة ... جاء الوحي بـ (سورة المزمل) .. الآيات القليلة الأولى ... ، وفي المرة الرابعة أحضر جبريل ﵇ الآيات الأولى من (سورة المدثر) .. حتى قوله تعالى:
стр. 3825
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) لقد جاء الوحي الأمين بالتسعة عشر حرفا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) بإجماع العلماء.. جاء سيدنا جبريل في المرة الخامسة بـ (سورة الفاتحة) ... التي تبدأ بالتسعة عشر حرفا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) وبإجماع العلماء كانت الفاتحة هي أول سورة كاملة يأتي بها سيدنا جبريل ... بالإضافة إلى هذه الحقائق من ترتيب النزول التي تدل على أن الرقم (١٩) في (سورة المدثر) يرمز إلى التسعة عشر حرفا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤) فإن الآية التالية لآية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٥) تعلمنا أسباب اختيار الرقم (١٩) بكل وضوح ... إذ تقول الآية (٣١) من (سورة المدثر) : ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ (٦) تعني: أن الأسباب التي من أجلها اخترنا الرقم (١٩) هي خمسة أسباب:
السبب الأول: ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧) أي: إزعاجا لهم.. ولا شك أن هذه الحقائق الإعجازية الكامنة في التسعة عشر حرف ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٨) سوف تزعج الكفار أيما إزعاج.
السبب الثاني: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٩) فهناك المسيحيون الطيبون واليهود الطيبون كما يخبرنا القرآن الكريم في الآية (١١٣) من (سورة آل عمران) ، وأهل الكتاب هؤلاء يرون أن القرآن الكريم كتاب عظيم لا غبار عليه، ولكنهم ليسوا متأكدين أنه كتاب من عند الله، فهذه الحقائق الكامنة في التسعة عشر سوف تساعدهم ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١٠) ليتأكدوا أن القرآن العظيم هو بالفعل رسالة الله إليهم ... مصدقا لما بين يديهم ومهيمنا عليه ...
стр. 3826
السبب الثالث: كما توضح الآية (٣١) من (سورة المدثر) : ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (١) فنحن نؤمن وقبل أن تتبين لنا هذه الحقائق الإعجازية: أن القرآن هو رسالة الله للناس كافة ... ولكن إيماننا لا شك يزداد ويقوى بظهور هذه المعجزات العظيمة.
السبب الرابع: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) بمحو أي آثار للشك أو الريبة فيما يتعلق بكون القرآن الكريم تنزيل من الرحمن الرحيم.
السبب الخامس: والأخير؛ لكشف المنافقين والكافرين وإظهار حقيقتهم المتعصبة العمياء.
وأخيرا فإن الآية (٣١) من (سورة المدثر) تقول لنا في نهايتها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣) إذن فالرقم (١٩) ليس عدد حراس جهنم.. ويجدر بنا أن نتقبل تفسيرا جديدا لهذا الرقم في ضوء هذه الحقائق الجديدة التي تتكشف لنا في القرآن العظيم.
стр. 3827
وبالرغم من أن هذه الحقائق الإعجازية تكفي لإثبات أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من قول البشر.. فقد شاء الله أن يكون الدليل المدعم لرسالته دامغا بما لا يدع إلا للمكابرين ... إذ يتضح لنا أن هذه الحقائق ليست إلا جزءا ضئيلا من الإعجاز الحسابي المادي المرتبط بالآية القرآنية الأولى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)
فالقرآن الكريم يتميز بخاصية هامة لا نجدها في أي كتاب آخر ... هذه الخاصية هي وجود الحروف الغامضة أو الحروف النورانية المعروفة أيضا باسم فواتح السور ... نجد أن بالضبط نصف الحروف الأبجدية ...
стр. 3828
أربعة عشر حرفا في تركيب أربع عشرة فاتحة من فواتح السور هي ق ون وص وطه ويس وحم والم والر وطسم وعسق والمر والمص وكهيعص ... وهذه الفواتح نحوها في (٢٩) سورة ... (١٤) حرف يتركب منهم (١٤) فاتحة تتواجد في بداية (٢٩) سورة ... فإذا جمعنا (١٤ + ١٤ + ٢٩) نجد المجموعة (٥٧) ثلاثة أضعاف الرقم (١٩) ، وسوف نجد الآن أن الرقم (١٩) هو القاسم المشترك الأعظم بين جميع فواتح السور بدون استثناء، وهنا أجد الفرصة المناسبة للحديث عن كلمة بسم وكلمة اسم فنحن إذا نظرنا إلى الآية القرآنية الأولى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) نجدها تتكون من حروف نورانية.. وهي الحروف التي تشترك في تركيب فواتح السور ... ماعدا الحرف (باء) فإنه ليس من الحروف النورانية، كما أننا نعلم أن كلمة (بسم) هي عبارة عن حرف الجر (باء) زائد كلمة (اسم) ... ولولا أن الحرفين (باء) و (ألف) قد دمجا في حرف واحد لأصبح عدد حروف الآية (٢٠) ليس (١٩) . ولاختل كل هذا النظام ...
ولما كان الحرف (ألف) هو الحرف الرسمي؛ لكونه من الحروف النورانية.. رغم عدم كتابته.. ولما كان حرف الباء ضروريا من أجل المعنى كان من اللازم النظر إلى مكررات كلمة (اسم) حيث نجدها بالضبط (١٩) وأيضا كلمة بسم حيث نجد عدد مكرراتها في المصحف الشريف (٣) ... ونجد أن حاصل ضرب (١٩ × ٣) يساوي عدد الحروف النورانية مضافا إلى عدد الفواتح التي تدخل هذه الحروف في
стр. 3829
تركيبها مضافا إلى عدد السور ذات الفواتح (١٤+ ١٤+ ٢٩= ١٩ ×٣= ٥٧) وهكذا نجد الربط الكامل التام بين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) والحروف النورانية، فواتح السور ...
فلننظر الآن إلى أحد هذه الفواتح.. ولنبدأ بالحرف (ق) إننا نجد هذا الحرف كفاتحة في (سورة ق) وفي (سورة الشورى) ... وإذا عددت مكررات الحرف ق في (سورة ق) لوجدتها ٥٧ (١٩× ٣) ... ثم إذا عددت مكررات الحرف ق في السورة الوحيدة الأخرى التي تحتوي على هذا الحرف كفاتحة وهي (سورة الشورى) ... لوجدت أن هذه السورة رغم أنها أطول من سورة ق مرتين ونصف فإنها تحتوي على نفس العدد من الحرف ق ٥٧ (١٩ × ٣) ...
وإذا جمعنا عدد مكررات الحرف ق في هاتين السورتين (٥٧+ ٥٧) فإن النتيجة تساوي عدد سور القرآن الكريم ١١٤ (١٩ × ٦) إذا كان الحرف (ق) يرمز إلى القرآن المجيد فإن هذه الظاهرة المادية الملموسة تقول لنا بوضوح: إن الـ (١١٤) سورة هي القرآن ... كل القرآن.. ولا شيء غير القرآن، من الذي صمم القرآن بهذه الطريقة؟
من الذي يمكن أن تتوفر لديه القدرة على معرفة توزيع الحروف الأبجدية في القرآن الكريم ومعرفة أن هناك سورتين فقط تحتويان على هذا العدد المتساوي، الذي يساوي مجموعه في السورتين بالضبط عدد سور القرآن؟ من الذي يمكنه أن يعرف ذلك حتى قبل اكتمال نزول القرآن؟ لا شك أن الإجابة واضحة ... فالله وحده هو الذي علم ويعلم توزيع الحروف الأبجدية في رسالته وهو سبحانه الذي وضع هذه الحروف في
стр. 3830
أوائل بعض السور كرموز لهذه المعرفة التي لا يستطيعها أي مخلوق ... وهو سبحانه الذي حفظ أسرار هذه الحروف لمدة أربعة عشر قرنا كمظهر من مظاهر استمرارية المعجزة القرآنية وخلودها ... إذ يشاء الخالق أن يكون جيلنا هو الجيل الذي يطلع على أسرار هذه الحروف ... شاء سبحانه أن يكون هذا الزمان المادي هو الوقت الذي تنكشف فيه الدلائل المادية الملموسة الكامنة في هذه الحروف ...
ولكي ندرك مدى الإحكام في التوزيع الحسابي لحروف القرآن دعنا ندرس آية قصيرة من آيات (سورة ق) -على سبيل المثال- وهي الآية رقم (١٣) ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ (١) هذه آية قصيرة نقرأها ونمر بها عادة مر الكرام، ولكنها تحتوي معجزة قرآنية بينة، فإخوان لوط هؤلاء مذكورون في القرآن الكريم (١٢) مرة: في (سورة الأعراف) آية رقم (٨٠) ... في (سورة هود) الآيات (٧٠ و ٧٤ و ٨٩) ... في (سورة الحج) الآية رقم (٤٣) ... في (سورة الشعراء) آية (١٦٠) .. في (سورة النحل) آية (٥٤ و ٥٦) .. في (سورة العنكبوت) الآية (٢٨) ... في (سورة ص) آية رقم (١٣) ... في (سورة ق) الآية رقم (١٣) ... وفي (سورة القمر) آية رقم (٣٣) .. ونجد أن هؤلاء الناس الذين كذبوا لوطا يسمون في القرآن دائما: قوم لوط، هذا هو الاستثناء الوحيد، نراهم يسمون: (قوم لوط ... قوم لوط ... قوم لوط) ... ما عدا في (سورة ق) فإنهم يسمون: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ (٢) وتستيطعون طبعا أن تتخيلوا ما يحدث لعدد مكررات الحرف (ق) في (سورة ق) لو أن التعبير قوم لوط استعمل بدلا من (إخوان لوط) ... طبعا سيزداد عدد الحرف (ق) ويصبح
стр. 3831
(٥٨) بدلا من (٥٧) .. والرقم (٥٨) ليس من مكررات الرقم (١٩) .. لا يقبل القسمة على (١٩) ... كما أن هذا العدد (٥٨) لن يساوي عدد الحرف (ق) في السورة الوحيدة الأخرى التي تفتتح بالحرف (ق) وهي (سورة الشورى) وبالإضافة إلى ذلك فإن مجموع الحرف (ق) في السورتين يصبح (١١٥) وليس (١١٤) عدد سورة+ القرآن الكريم ...
وهكذا ترون بالدليل المادي الملموس أن تحريف كلمة واحدة يؤدي إلى اختلال واختفاء هذا النظام الحسابي المعجز الذي نراه في القرآن الكريم، والذي يكمن في الآية القرآنية الأولى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) وفي الحروف النورانية فواتح السور ... وترون بالدليل المادي الذي لا يقبل الشك أو الجدال أن أثناء الـ (١٤٠٠) سنة الماضية.. لو حدث تحريف أو تحوير أو ضياع أو إضافة لكلمة واحدة ... كلمة واحدة تحتوي الحرف (ق) مثل (ق) .. (يقول) . (قال) ... (قوم) ... تحريف كلمة واحدة مثل هذه في (سورة ق) أو في (سورة الشورى) يؤدي إلى اختلال هذا الميزان الإلهي الحساس ...
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) صدق الله العظيم.
وهكذا ترون أن هناك حقيقتان واضحتان لا بد أن نذكرهما جيدا، وتظهران لنا من هذه الحقائق التي نلاحظها في القرآن:
أولا: أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من قول البشر.
ثانيا: أن القرآن الكريم قد حفظ بقدرة الله وضمانه من أي تحريف أو
стр. 3832
تحوير أو ضياع أو إضافة؛ ليكون رسالة الخالق إلى الناس كافة.
أيها الإخوة والأخوات ... هذه العلاقة الوثيقة المباشرة التي بين الحرف (ق) والرقم (١٩) ، عدد حروف ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) تجدونها شاملة لجميع الحروف النورانية ... فواتح السور ... بدون استثناء..
إذا ننتقل الآن إلى الحرف (ن) نجد أن هذا الحرف تفتح به سورة واحدة في القرآن الكريم (سورة القلم) ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢) وإذا عددت مكررات الحرف (ن) في هذه السورة لوجدت العدد ١٣٣= (١٩ × ٧) ....
كذلك الحرف ص ... ، نحن نجد هذا الحرف كفاتحة في (سورة الأعراف) ﴿المص﴾ (٣) وفي (سورة مريم) ﴿كهيعص﴾ (٤) وفي (سورة ص) ... ونجد أن مجموع مكررات الحرف (ص) في هذه السور الثلاث هو ١٥٢= (١٩ × ٨) ، وهنا يجدر بي أن أتوقف قليلا لأضرب مثالا آخر يوضح الإحكام العظيم في توزيع كل حرف من حروف القرآن الكريم ... ففي سورة الأعراف ... الآية رقم (٦٩) ... نجد التعبير وزادكم في الخلق بصطة، ونجد أن كلمة بصطة مكتوبة بالصاد ليس بالسين ... وكلنا نعرف أنه ليس في اللغة العربية كلها كلمة
стр. 3833
(بصط) بالصاد ... كما أن المعروف أن كلمة بصطة بالصاد ... في هذه الآية (توقيفية) ، ومعنى توقيفية: هي أن سيدنا جبريل ﵇ عندما جاء بهذه الآية.. قال للنبي ﷺ : (قل لكتاب الوحي يكتبوا هذه الكلمة بالصاد وليس بالسين) .. ومن الواضح الآن للجميع أهمية الحرف ص هنا ... إذ لو كتبت كلمة (بسطة) بالسين كما نعرفها لأصبح مجموع مكررات الحرف ص في السور الثلاث (١٥١) وهذا الرقم ليس من مكررات الرقم (١٩) ... أي: أنه بتغيير حرف واحد نجد أن هذا الإحكام الحسابي المعجز يختل ويختفي وتصبح هذه الحروف النورانية عديمة المعنى وعديمة الدلالة.
وعندما ننتقل إلى فواتح السور المركبة من أكثر من حرف نلاحظ حقيقة قرآنية غاية في الإعجاز ... إذ نجد أن هذه الحروف تتواجد في هذه السور -مكررات الرقم (١٩) - بل أيضا إذا عددت الحروف المتشابهة في السور ذات الفواتح المتشابهة فإنك تجد أن هذا العدد أيضا من مكررات الرقم (١٩) ... أي: سواء كان الجمع أفقيا داخل السورة الواحدة ... أو رأسيا شاملا لجميع السور التي تفتح بنفس الحرف ... فإن المجموع في الحالتين من مكررات الرقم (١٩) .
ولتوضيح هذه الظاهرة الإعجازية.. دعنا ننظر إلى الفاتحة طه نجد هذين الحرفين النورانيين في أول (سورة طه) ، ونجد أن عدد مكررات الحرف (ط) + عدد مكررات الحرف (هـ) يساوي (٣٤٢) ... (١٩× ١٨) ... وأيضا إذا أضفت مجموع مكررات الحرف (ط) في جميع السور التي تبدأ بهذا الحرف وهي (سور طه، والشعراء، والنمل،
стр. 3834
والقصص) ... إلى مجموع مكررات الحرف هـ في السور التي تبدأ به وهي (سورتي مريم وطه) ... فإنك تجد هذا المجموع (٥٨٩) = (١٩ × ٣١) ...
ومثال أخير لهذا التشابك الإعجازي تجده في (سورة يس) ... إذا عددت الحرف (ي) والحرف (س) في هذه السورة تجد المجموع (ي) + (س) = (٢٥٨) ٠٠. (١٩ × ١٥) وفي نفس الوقت إذا أضفت مكررات الحرف (ي) في سورتي (مريم ويس) إلى مكررات الحرف (س) في جميع سوره، وهي: (الشعراء والقلم والقصص ويس والشورى) ؛ لوجدت المجموع (٩٦٩) ٠٠. (١٩× ١٥) .. هذا الإحكام الذي يعجز عن الإتيان بمثله أي مخلوق نجده في جميع الحروف النورانية بدون استثناء ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) صدق الله العظيم.
وهكذا يشهد جيلنا.. كما شهدت الأجيال السابقة ... وكما ستشهد الأجيال المستقبلة ... معجزة دائمة مستمرة في القرآن الكريم ... معجزة محمد الخالدة.
стр. 3835
مناقشة المحاضرة:
اقتضت حكمة الله تعالى وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا مبشرين ومنذرين؛ ليخرج بهم الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، إنذارا إليهم وإقامة الحجة عليهم، قال الله تعالى:
стр. 3836
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) ومضت سننه التي لا تتبدل في تأييد رسله بالآيات والمعجزات الباهرات؛ ليستيقن من أرسل إليهم بصدقه في دعوى الرسالة، ولا يختلج في قلوبهم منها ريبة وتقوم عليهم الحجة، ويلزمهم قبول ما يوحى إلى الرسل من أصول الدين وفروعه.
ولرسولنا محمد ﷺ كثير من المعجزات الحسية والروحية، إلا أن المعجزة الكبرى التي تحدى بها قومه هي القرآن ولا تزال الحجة به قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا بد أن تكون من وراء الأسباب العادية حتى لا تنالها قوى الخلق ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وبذلك يكون بها الإيمان والاطمئنان وبها التكليف والإلزام.
ولقد تحدى نبينا محمد ﷺ قومه بأمر يعرفون طريقه ولهم بجنسه عهد، بل نبغوا فيه، وبلغوا ذروته.
أولا: تحداهم بفصاحة القرآن وبلاغته وعلو أسلوبه وإحكامه ودقة تعبيره، ولذا تكلف بعض سفهاء الأحلام منهم أن يأتوا بسور خيل إليهم أنها على نمطه وشاكلته فأضحكوا على أنفسهم العقلاء، وأما ذوي العقل والرأي منهم، فأسلموا أنفسهم إلى العجز، وأيقنوا من قرارة نفوسهم أنه الحق، وأنه من عند الله لا من كلام البشر ولكن أكثرهم يجهلون فأبوا إلا الكفر أنفة واستكبارا.
ثانيا: تحداهم بتشريعه الكامل الموافق لمقتضى العقل والفطرة،
стр. 3837
الهادي جميع البشر إلى سواء السبيل في جوانب الحياة كلها عقيدة وعبادة واقتصادا وسياسة وأدبا وأخلاقا مع بقائه كذلك صالحا لهداية العالم وإصلاحه في جميع جوانب الحياة إلى يوم القيامة.
ثالثا: تحداهم بما تضمنه القرآن من الأخبار الغيبية التفصيلية المسهبة، وبوقوف الرسول ﷺ من إخوانه المرسلين السابقين موقف المصدق لهم، المبين لتحريف أقوامهم لشرائعهم، المعلن لخزاياهم وفضائحهم في خروجهم على أنبيائهم بيان الواثق بنفسه المؤمن بما أوحي إليه من ربه، وهو أمي عاش في أمة أمية، ومن أمته أهل الكتاب الذين فضحهم بسوء صنيعهم مع رسلهم وفي شرائعهم، ومع ذلك لاذوا بالصمت ولم يردوا عليه ما اتهمهم أو فضحهم به؛ تبرئة لأنفسهم، ودفعا للنقيصة والعار عنها، فكان ذلك إيذانا بأنه رسول الله الصادق الأمين، وأن ما جاء به إنما هو وحي من رب العالمين.
هذه جوانب الإعجاز القرآني المعهودة التي عرفها الصحابة وسلفنا الصالح وهي التي عرفها الكفار وعجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن من جهتها.
الإعجاز الحسابي الذي هول أمره المحاضر وجعله حقيقة مادية ملموسة، وهو لا يعدو أن يكون أمرا مبناه التقدير والاعتبار في الأعداد، وذلك مما يختلف فيه الناس، وكثير منه متكلف يلغي فيه صاحبه ما يختل معه حسابه، ويعتبر فيه ما ينتظم به حسابه؛ ليتم ما يريد من الخروج بظاهرة إعجاز جديدة وآية لم يعرفها الصحابة ولا العرب الأولون الذين تحداهم الله تعالى بالقرآن.
стр. 3838
لا ينكر منصف أن يكون في القرآن جوانب أخرى من الإعجاز. وإنما ينكر العاقل الرشيد أن يكون منها ما ذكره الأستاذ خليفة واعتبره إعجازا حسيا ملموسا من عدد بعض الحروف وبعض الكلمات من بعض سور القرآن وحسابها، وجعل محور حسابها عدد حروف البسملة الـ (١٩) في نظره أو عدد كلماتها الأربع لما فيه من الفرض والتخمين، والخطأ الواضح، والتناقض البين، والاعتماد على أمر تقديري يزيد وينقص باعتبارات، فيختلف باعتبار النطق عنه باعتبار الخط، ويختلف عند اعتبار الخط بعد الحرف المشدد حرفين أو حرفا.
قال أبو العباس ابن تيمية ﵀ في حديثه عن تحزيب القرآن بالسور زمن النبي ﷺ وتحزيبه بالتجزئة زمن عبد الملك بن مروان: (فإنه قد علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة: ثمانية، وعشرين، وثلاثين، وستين، هذه التي تكون رءوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك كان في زمن الحجاج وما بعده، وروي أن الحجاج أمر بذلك، ومن العراق فشا ذلك، ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك) .
وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق، فمعلوم أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي ﷺ وبعده كان لهم تحزيب آخر، فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية، ستون آية، وتارة بالسور، لكن تسبيعه بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور، ... ثم قال: وهذا الذي كان عليه الصحابة هو الأحسن لوجوه -ثم ذكر الوجه الأول والثاني- وقال: الثالث: إن التجزئة المحدثة لا سبيل فيها إلى التسوية بين حروف الأجزاء؛ وذلك لأن الحروف في النطق
стр. 3839
تخالف الحروف في الخط، في الزيادة والنقصان يزيد كل منهما على الآخر من وجه دون وجه. وتختلف الحروف من وجه، وبيان ذلك بأمور:
أحدها: أن همزات الوصل ثابتة في الخط، وهي في اللفظ تثبت في القطع وتحذف في الوصل، فالعاد إن حسبها انتقض عليه بحال القارئ إذا وصل وهو الغالب فيها، وإن أسقطها انتقض عليه بحال القارئ القاطع وبالخط.
ويتبين ما في محاضرة الأستاذ رشاد من الخطأ والتخمين والتناقض بالوجوه الآتية:
الوجه الأول: إن البسملة خمس كلمات لا أربع، كما قال الأستاذ رشاد، إذ الباء فيها وهي كلمة ولم يعدها وهي في خط المصحف ومنطوق بها، وعد همزة الوصل في كلمة اسم وهي غير مخطوطة ولا ملفوظ بها، ليتم له ما يريد.
الوجه الثاني: إن العلماء اتفقوا على أن البسملة بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا فيما بعد ذلك: فقيل: إنها آية من كل سورة كتبت في أولها، وقيل: آية مستقلة كتبت عند أول كل سورة لا آية منها، وقيل: إنها آية من (سورة الفاتحة) فقط، وقيل: إنها ليست آية من القرآن، وإنما كتبت عند أوائل السور للفصل بينهما.
ثم على تقدير أنها آية من القرآن لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ﵃ أنها أول آية نزلت وحدها مستقلة، ولا أنها أول آية نزلت مع (سورة الفاتحة) ، ولا مع أول (سورة العلق أو المدثر) ، ولم يصح في ذلك حديث، وكون شيء من الكلام آية من القرآن أو أول ما نزل منه ليس
стр. 3840
مما يحكم فيه العقل، بل من الأمور التوقيفية التي لا مجال فيها للعقول.
وإذا لم يجتمع علماء الأمة على أن البسملة آية من القرآن، ولم يثبت نقلا أنها أول ما نزل من القرآن استقلالا أو مع غيرها منه- فكيف يجعل من هذا الاختلاف أصلا لإثبات ركن ركين في الدين وهو الرسالة، ويعتبر مكرر كل حرف من حروف فواتح السور في سورته مضاعفا له؛ ليجعل من ذلك دليلا على أن القرآن معجزة خالدة وأنه محفوظ إلى يوم القيامة لا يدخله تحريف ولا زيادة ولا نقصان؟!
стр. 3841
الوجه الثالث: خطؤه في قوله: إن المراد بتسعة عشر في آية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) هو الحروف (١٩) التي اشتملت عليها آية البسملة، واعترف بأن هذا التفسير جديد، وأنه لا بد منه في ضوء المعلومات الجديدة، وأيده بأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) نزلت مع (سورة الفاتحة) كاملة عقب آية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣) فدل ذلك على أن المراد بهذا الرقم حروف البسملة (١٩) ، وهذا الذي اعتبره تحقيقا هو إلى الخرص والتخمين أقرب منه إلى التحقيق، فإنه بناه على نزول البسملة مع (الفاتحة) بعد آية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٤) وهذا يحتاج إلى إثبات، بل لم يثبت في حديث صحيح: أن البسملة نزلت مع الفاتحة، ولا أن نزولها أو نزول إحداهما كان عقب آية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٥) وعلى تقدير ثبوت هذا الترتيب لا يدل على ما زعمه في تفسيرها.
ثم زعم أن الآية التي بعدها اشتملت على أسباب اختيار هذا الرقم،
стр. 3842
وفيما ذكر خرص، وتخمين ينافي سياق الكلام (ثم هو تفسير لا يعرف في لغة العرب التي بها نزل القرآن) ، والصحيح: أن المراد بتسعة عشر حفظة على النار من الملائكة، كما هو بين في نص الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآية، وهو التفسير الذي قاله العلماء قديما وحديثا، وهو الذي يجب المصير إليه دون سواه.
الوجه الرابع: ما وقع من الخطأ في عده بعض الكلمات في سور القرآن ومن الخطأ والتناقض في عده بعض الحروف في سوره أيضا، من ذلك قوله: الاعتماد في الحساب على عد الحروف اعتماد على أمر تقديري يزيد وينقص باعتبارات فيختلف باعتبار النطق عنه باعتبار الخط ويختلف عند اعتبار الخط بعد الحرف المشدد حرفين أو حرفا.
ثم قد يقع الخطأ في عد الكلمات أو الحروف، ومن ذلك ما حصل في ص (١٤) من المحاضرة فإنه قال فيها:
أ- إن عدد مكررات كلمة بسم في المصحف الشريف (٣) والواقع أنها أكثر، إذ هي في كل من (سورة هود، والنمل، والحاقة، والعلق) مرة مرة وذكرت في (سورة الواقعة) مرتين، ثم نجد المحاضر بنى على تكرارها ثلاثا إعجازا قرآنيا عن طريق الحساب، فإذا ثبت خطؤه في العدد ثبت في الحكم بجعل ذلك معجزة فضلا عن كونها خالدة.
ب- ومن ذلك: أنه اعتبر الألف من كلمة (بسم) وهي غير منطوقة،
стр. 3843
ولا مكتوبة فيها حسب رسم المصحف ليتم له نظامه الحسابي الإعجازي وترك الباء وهي منطوق بها في البسملة ومكتوبة فيها في رسم المصحف وغيره، ولم يعتبر الحرفين جميعا؛ لئلا يختل العدد الذي يراد بناء النظام الحسابي الإعجازي عليه، وقد اعترف في نفس الموضع بهذا التحايل في اعتبار العدد والمعدود.
ج- ومن ذلك أنه أخطأ وتناقض في قوله ص (١٦) (إخوان لوط: هؤلاء مذكورون في القرآن (١٢) مرة ... ) إلى أن قال: (نجد أن هؤلاء الذين كذبوا لوطا يسمون في القرآن دائما قوم لوط، ماعدا في (سورة ق) فإنهم يسمون: (إخوان لوط) هذا هو الاستثناء الوحيد) اهـ.
والواقع أن كلمة لوط تذكر أحيانا وكلمة (قوم لوط) أو (آل لوط) أحيانا، وأن لفظ لوط ذكر في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة، وليس شيء من هذه الكلمات بعينه ذكر في القرآن اثنتي عشرة مرة، فكلامه في هذه الصفحة جامع بين التناقض والخطأ في العدد والمعدود.
د - ومن ذلك أنه أخطأ في مكرر حرف نون في سورة القلم.
ومن ذلك أن مكرر حرف (ص) في كل من (سورة الأعراف ومريم وص) لا يقبل القسمة على (١٩) باعترافه، فاحتال باعتبار مجموع مكرر حرف (ص) في السور الثلاث مضاعفا؛ لئلا تختل قاعدته، ولا يخفى ما في هذا من التكلف، بل التلاعب في اعتبار مكرر الحرف في السورة مرة باستقلال وإهمال استقلاله واعتباره مع غيره مرة أخرى.
هـ- ومن ذلك قوله: إن كلمة بصطة من قوله تعالى في (سورة
стр. 3844
الأعراف) وزادكم في الخلق بصطة مكتوبة بالصاد لا بالسين، وكلنا نعرف أنه ليس في اللغة العربية كلها كلمة بصط بالصاد، كما أن المعروف أن كلمة بصطة بالصاد في هذه الآية توقيفية، ومعنى توقيفية هي: أن سيدنا جبريل ﵇ عندما جاء بهذه الآية قال للنبي ﷺ : قل لكتاب الوحي يكتبوا هذه الكلمة بالصاد وليس بالسين. . اهـ
ثم رتب على ذلك معجزة حسابية ترجع إلى عدد حروف (ص) في (سورة الأعراف) .
وهذا الكلام خطأ من أوجه:
الأول: أن مادة بصط عربية كمادة بسط. ففي [القاموس المحيط] ، البصط هو البسط في جميع معانيه.
الثاني: أن بصطة بالصاد قراءة سبعية، قرأ بها نافع وابن كثير وخير فيها قالون بين الصاد والسين.
الثالث: كون كتابتها بالصاد توقيفية بالخبر الذي ذكر يحتاج إلى إثبات وأنى له ذلك، فبناء إعجاز حسابي قرآني على ذلك يبعث في النفس ريبة، ويفتح ثغرة للملحدين وكل من يزعم أن القرآن من قول البشر لا وحي من عند الله؛ لبنائه على كذب واحتيال وتكلف وتخمين.
وومن ذلك استدلاله بعدم حدوث أي تلاعب في عدد كل من الكلمات الأربع - بسم - الله - الرحمن - الرحيم - في القرآن بزيادة أو نقصان أو تحريف، على أن القرآن وصل إلينا سالما محفوظا، ولا شك في أن
стр. 3845
القرآن وصل إلينا سالما محفوظا، لكن الاستدلال على ذلك بما ذكره غير مسلم، إذ لا يلزم من سلامة هذه الكلمات الأربع من التحريف ومن الزيادة أو النقص في عددها عدم الزيادة أو النقص أو التحريف فيما سواها.
ثم على تقدير سلامة ما ذكره المحاضر من الأخطاء والتناقض لا يصح أن يعتبر أصلا في إثبات الرسالة، وأن القرآن وحي من عند الله؛ لأنه ميسور يمكن الحساب أن يأتوا بسورة، بل سور يتحرون فيها جوانب الحساب التي ذكرها المحاضر دون رعاية لجانب الفصاحة والتشريع وأنباء الغيب، كما يفعل من يذكر تاريخ ميلاد أو وفاة أو حادث في بيت من شعر أو نصف بيت ويتحرى فيه حروفا حسابها بالجمل يؤدي المطلوب، فهذا وأمثاله مما يدخل تحت الأسباب العادية ويقع في حدود طاقة البشر، فلا يصح أن يكون معجزة لنبي يتحدى بها أمته بما أنزل الله عليه من القرآن.
стр. 3846
ونختم الحديث عن المحاضرة بأن المحاضر لم يكتف ببيان غرضه من محاضرته وهو إثبات إعجاز القرآن بطريقة رياضية حسابية جعل مفتاحها عدد حروف وكلمات - بسم الله الرحمن الرحيم -، بل زاد أمرين عد كلا منهما معجزة قرآنية، وافتتح بهما محاضرته فذكر:
أولا: أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١) ... دليل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وجعل إثبات ذلك بالقرآن معجزة خالدة.
وهذا خطأ، بل تحريف للقرآن عن مواضعه، وتفسير له بغير ما قصد
стр. 3847
منه ودل عليه سياق الكلام، فإن الآية نزلت بيانا لأهوال يوم القيامة عند النفخ في الصور، بدليل قوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (١) ثم قال بعدها: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ (٢) . . . ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣) ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (٤) ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (٥)
فتفسيرها بدوران الأرض لتكون معجزة، مخالف لسياق الكلام، وخروج بها عن نظائرها من آيات القرآن الواردة في نفس الموضوع، بل مخالف لظاهر الآية نفسها، فإن الدوران لا يقابل الجمود، بل الذي يقابل جمود الجبال وجعلها رواسي للأرض كونها هباء منبثا كالعهن المنفوش تطيرها الرياح فتمر مر السحاب بعد أن كانت أحجارا صلبة متماسكة مستقرة على الأرض أوتادا لها، فكيف يجعل الخطأ في بيان المراد من الآية معجزة يثبت بها أن محمدا ﷺ رسول الله، وأن القرآن تنزيل من رب العالمين؟!
ثانيا: أن قوله تعالى في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (٦) الآية، وقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ (٧) دليل على أن
стр. 3848
نور القمر مستفاد من نور الشمس وذلك دليل على إعجاز القرآن.
وهذا استنباط باطل فإنه ليس في الآيتين دليل على ذلك، ولا فهم العرب منهما هذه النظرية العلمية، وهم أهل العربية، وأعرف باللغة التي بها نزل القرآن، وإعجاز القرآن لا يحتاج في إثباته إلى أمثال ما ذكر المحاضر، وكون نور القمر مستفاد من نور الشمس لا يتوقف ثبوته على القرآن، بل عرف من طريق آخر كحادث خسوف القمر المتكرر على مر الزمان، ومعرفة ذلك في متناول البشر؛ لكونه متصلا بعلم التسيير وهو من علم الفلك، فيعرفه من له دراية بعلم الفلك، فكيف يجعل ذلك دليلا تثبت به الرسالة وإعجاز القرآن؟!
مناقشة ما نشرت له جريدة (اليوم السعودية)
في عددها رقم (٦٣٩٩) وتاريخ ١٢\ ١\ ١٣٩٩م:
١ - الآية القرآنية الأولى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)(١٩) حرفا ليست البسملة أول آية نزلت من القرآن، بل اختلف في أنها من القرآن إلا في (سورة النمل) ، وليست (١٩) حرفا كما تقدم.
٢ - كل كلمة في هذه الآية تتكرر في القرآن الكريم عددا من المرات، هو دائما من مكررات الرقم (١٩) :
أ- كلمة اسم تتكرر في المصحف الشريف (١٩) .
ب- كلمة الله تتكرر في المصحف (٢٦٩٨) مرة = (١٩ ×١٤٢) .
ج- كلمة الرحمن تتكرر في المصحف (٥٧) مرة = (١٩ × ٣) .
د- كلمة الرحيم تتكرر في المصحف (١١٤) مرة = (١٩ × ٦) .
стр. 3849
ليس كل كلمة في البسملة ذكرت في القرآن ١٩ مرة، ولا مضاعفا للعدد (١٩) ، فإن من كلماتها اسم والرحيم لا تذكر كل منهما (١٩) مرة ولا مضاعفا لهذا العدد.
٣ - رغم غياب البسملة من سورة التوبة فإن القرآن الكريم يحتوي على (١١٤) بسملة؛ لأن سورة النمل فيها بسملتان.
٤ - في كون البسملة من القرآن خلاف إلا في (سورة النمل) فهي منه، وما كان مختلفا فيه لا يبنى عليه إعجاز يثبت به ركن من أركان الإسلام.
٥ - أول ما جاء به الوحي الأمين جبريل ﵇ ونزل به على خاتم النبيين ﷺ كان (١٩) كلمة.
ليس أول ما نزل (١٩) كلمة، بل عشرين كلمة.
٦ - الـ (١٩) كلمة من (سورة العلق) التي نزل بها جبريل ﵇ من (٧٦) حرف (١٩ × ٤) طبقا للرسم العثماني الأصلي للقرآن الكريم. ليست الكلمات التي نزلت من سورة العلق (١٩) حرفا ولا مضاعفا لها.
٧ - سورة العلق أول ما نزل من القرآن، هي السورة رقم (١٩) من الخلف وليست (سورة العلق) أول ما نزل من القرآن، وإنما أول ما نزل منه خمس آيات من أولها فقط، ثم ترتيب السور مختلف فيه. فقيل: توقيفي، وقيل: باجتهاد عثمان ووافقه عليه الصحابة ﵃، وهناك مصاحف أخرى تختلف عن مصحف عثمان في الترتيب، وعلى كل حال فالمعروف عد السور من الفاتحة ثم البقرة. . . وهكذا، وليست سورة العلق (١٩) في الترتيب ولا مكررا له بهذا الاعتبار.
٨ - في ترتيب نزول الوحي نزلت الآية القرآنية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)
стр. 3850
مباشرة عقب الآية القرآنية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) من سورة المدثر. . والتي تعلمنا أن تسعة عشر فيها الإجابة الشافية على كل من يقول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢)
ترتيب النزول إنما يعرف بالنقل الصحيح لا بالعقل، ولم يثبت أن البسملة نزلت عقب نزول آية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣) وعليه لا يكون في ذلك رد على من يقول: إن القرآن من قول البشر، وعلى تقدير صحة ذلك لا يدل على أن المراد بكلمة -تسعة عشر- حروف البسملة كما لا يعتبر ردا على من يقول: إن هذا إلا قول البشر، ثم الاعتماد على هذا وأمثاله يفتح بابا للتهجم على القرآن والاستهتار به.
٩ - الحروف القرآنية: (فواتح السور) (ق، ن، ص، يس، حم، الم ... إلخ) تتكرر في سورها دائما عددا من المرات هو من مكررات العدد (١٩) ويمكن لأي شخص أن يكتشف هذه الحقائق بنفسه.
فمثلا على الحرف (ق) ، في (سورة ق) = ٥٧= ١٩ × ٣
وعن الحرف (ق) ، في (سورة الشورى) = ٥٧ = ١٩ × ٣
وعن الحرف (ن) ، في (سورة القلم) = ١٣٣- ١٩ × ٧
وعدد الحرف (ص) ، في سوره الثلاث (ص، مريم، الأعراف) ، أي: المجموع في السور الثلاث ١٥٢= ١٩ × ٨
وهكذا الحال في جميع الفواتح بدون استثناء.
انتقض ما ذكره في سور مما مثل به كسورة القلم، وكل من سورة ص ومريم والأعراف على حدة؛ ولهذا احتال بجمع الحرف ص في السور الثلاث ليوافق ما أراد.
стр. 3851
مما تقدم من المناقشات يتبين أن ما ذكره الدكتور رشاد خليفة في محاضرته وسماه معجزة محمد الخالدة، وما نشرته له جريدة (اليوم السعودية) وسماه معجزة قرآنية مذهلة لا يصلح أن يكون معجزة تثبت بها الرسالة والصدق في دعوى النبوة؛ لما فيه من الخطأ والتناقض، ولأنه على فرض سلامته من ذلك فهو في متناول القوى البشرية، لإمكان اكتسابه عن طريق الأسباب العادية، فيستطيع البشر أن يأتوا بمثله فرادى وجماعات، أما المعجزات فسمتها التي تتميز بها عن المخترعات عجز البشر -على أي حال كانوا- عن أن يأتوا بمثلها؛ لكونها من وراء الأسباب العادية.
وعلى هذا لا يصح أن يقال: إن كتابة القرآن حسب قواعد الإملاء ينافي معجزة القرآن الرياضية الحسابية، بل الذين يمنعون ذلك يبنون رأيهم على أسباب أخرى ذكرناها في بحث خاص بذلك.
والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3852
كلمة تحذيرية حول إنكار رشاد خليفة للسنة المطهرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فالداعي لكتابة هذه الكلمة أنه ظهر في مدينة توسان التابعة لولاية أريزونا بأمريكا شخص يدعى رشاد خليفة مصري الأصل أمريكي الجنسية يقوم بالدعوة على أساس بعيد عن الإسلام، وينكر السنة، وينتقص من منزلة الرسول ﷺ ، ويحرف كلام الله بما يناسب مذهبه الباطل.
والمذكور ليس له علم بأصول الشريعة الإسلامية؛ إذ هو يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة الزراعية مما لا يؤهله للقيام بالدعوة إلى الله على وجه صحيح، وقد قام بالتغرير ببعض المسلمين الجدد والسذج من العامة باسم الإسلام في الوقت الذي يحارب فيه الإسلام بإنكاره السنة والتعاون مع المنكرين لها قولا وفعلا، فقد سجل في إذاعة ليبيا أثناء زيارته لها عام ١٣٩٩ هـ أحاديث إذاعية، ولما سئل من قبل أحد أساتذة الجامعة الليبية قبيل صعوده للطائرة عن رأيه في أحاديث الرسول ﷺ . أجاب باختصار: نظرا لضيق الوقت قائلا: (الحديث من صنع إبليس) .
ومن أقواله التي توضح رفضه للسنة وتأويله القرآن الكريم رأيه ما يلي:
١ - قوله: إنه لا يجوز رجم الزاني أو الزانية، سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ لأن ذلك لم يرد في القرآن.
٢ - تبجحه بصورة مستمرة بما يروى (لا تكتبوا عني سوى القرآن) أنه لا تجوز كتابة الأحاديث.
стр. 3853
٣ - استدلاله على ما ذهب إليه من أنه لا حاجة للسنة ولا لتفسير الرسول ﷺ للقرآن بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢) ٤ - ادعاؤه أن الأخذ بالسنة وكتابتها وجمع الأحاديث في القرنين الثاني والثالث كان سببا في سقوط الدولة الإسلامية.
٥ - عدم التصديق بالمعراج وأن الرسول ﷺ لم يأت بجديد في الصلاة؛ لأن العرب قد توارثوها بهذه الكيفية المعهودة عن جدهم إبراهيم ﵇.
٦ - له تأويلات في كيفية كتابة الحروف المقطعة الواردة في أول السور، ويقول: هذه ليست الكتابة الصحيحة لها ففي قوله تعالى: الم يجب أن تكتب هكذا (ألف لام ميم) ، وقوله تعالى: ﴿ن﴾ (٣) يجب أن تكتب هكذا (نون) ، وغير ذلك من الآراء الباطلة التي يفرق بها كلمة المسلمين مع ما فيها من محادة لله ورسوله.
لذا فقد رأيت من الواجب توضيح أمره وكشف حقيقته للمسلمين؛ لئلا يغتر أحد بكلامه أو ينخدع بآرائه، وحتى يكون الجميع على معرفة بمكانة السنة المطهرة.
فلا يخفى على كل مسلم أن سنة المصطفى ﷺ هي المصدر الثاني للتشريع، وقد أجمع على ذلك سلف الأمة وعلماؤها، وقد حفظ الله سنة
стр. 3854
نبيه ﷺ كما حفظ كتابه فقيض لها رجالا مخلصين وعلماء عاملين وهبوا نفوسهم وكرسوا حياتهم لخدمتها وتمحيصها وتدقيقها ونقلها بأمانة وإخلاص، كما نطق بها رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تغيير لا في المعنى ولا في اللفظ.
ولم يزل أهل العلم من أصحاب الرسول ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بهذا الأصل العظيم ويحتجون به ويعلمونه الأمة ويفسرون به كتاب الله، وقد ألفوا فيه المؤلفات الكثيرة وأوضحوا ذلك في كتب الأصول والفقه، وقد جاء في كتاب الله تعالى الأمر باتباع الرسول وطاعته حتى تقوم الساعة؛ لأنه ﷺ هو المفسر لكتاب الله، والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها، ولم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات وما أوجب الله فيها من حدود وعقوبات.
ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) وقوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣)
стр. 3855
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)
فهذه الآيات وغيرها جعلت طاعة الرسول ﷺ طاعة لله ومتممة لها، وأناطت الهدى والرشاد والرحمة باتباع سنته وهديه ﷺ ، ولا يكون ذلك مع عدم العمل بها وإنكارها والقول بعدم صحتها.
وأن ما تفوه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير مع فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة؛ لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)
وقد ذكر الإمام السيوطي ﵀ كفر من جحد السنة في كتابه المسمى [مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة] ، فقال: (اعلموا رحمكم الله أن