يظهر من صاحبه ما يخالفه لتقدم الحكم بالملك لغيره فاحتيط بذلك ليسهل نقض الحكم بخلاف ما مر.
ن- وجاء في [حاشية الباجوري (١) على شرح ابن قاسم الغزي] تعليقا على قول ابن قاسم: (وإذا تداعيا) أي: اثنان شيئا في يد أحدهما فالقول قول صاحب اليد بيمينه) أن الذي في يده له.
قال الباجوري: ( ... قوله: شيئا، أي: عينا، وقوله: في يد أحدهما، أي: ولا بينة لواحد منهما، فإن كان لكل منهما بينة رجحت بينة صاحب اليد، ويسمى الداخل على بينة الآخر، ويسمى: الخارج بشرط أن يقيم الداخل بينته بعد بينة الخارج ولو قبل تعديلها؛ لأن الأصل في جانب الداخل اليمين ما لم يقم الخارج بينته، فلا يعدل عنها مادامت كافية، فلو أقامها قبلها لم تسمع فيعيدها بعدها وترجح بينة الداخل، ولو كانت شاهدا ويمينا وكانت بينة الخارج شاهدين، وإن تأخر تاريخها أو لم تبين سبب الملك من شراء أو غيره ترجيحا لبينة بيده نعم لو قال الخارج: هو ملكي اشتريته منك ولم تدفعه لي أو غصبته مني واكتريته أو استعرته، فقال الداخل: بل هو ملكي وأقاما بينتين بما قالاه - رجحت بينة الخارج؛ لزيادة علمها بما ذكر، ولو أزيلت يد الداخل ببينة أقامها الخارج ثم أقام الداخل بينته وأسندت ملكه إلى ما قبل إزالة يده - رجحت بينته، وإن لم يعتذر بغيبتها مثلا على المعتمد خلافا للبلقيني، وتبعه شيخ الإسلام في شرح منهجه فينقض القضاء السابق؛ لأن يده إنما أزيلت بعدم الحجة وقد ظهرت
стр. 3992
بخلاف ما إذا لم تسند ملكه إلى ذلك فلا ترجح؛ لأنه الآن مدع خارج. وعلم مما تقرر من أن بينة الداخل ترجح إذا أزيلت يده ببينة، وأسندت بينة ملكه ما قبل إزالة يده أن دعواه تسمع، ولو بغير ذكر انتقال بخلاف ما لو أزيلت يده بإقرار حقيقة أو حكما، وهو اليمين المردودة - فلا تسمع دعواه ثانيا بغير ذكر انتقال؛ لأنه مؤاخذ بإقراره.
س- قال العز بن عبد السلام:
(فائدة) (١) : اليد عبارة عن القرب والاتصال، وللقرب والاتصال مراتب بعضها أقوى من بعض في الدلالة:
أعلاها: ما اشتد اتصآله بالإنسان كثيابه التي هو لابسها وعمامته ومنطقته وخاتمه وسراويله ونعله الذي في رجله ودراهمه التي في كمه أو جيبه أو يده، فهذا الاتصال أقوى الأيدي لاحتوائه عليها ودنوه منها.
المرتبة الثانية: البساط الذي هو جالس عليه، أو البغل الذي هو راكب عليه، فهذا في المرتبة الثانية.
المرتبة الثالثة: الدابة التي هو سائقها أو قائدها، فإن يده في ذلك أضعف من يد راكبها.
المرتبة الرابعة: الدار التي هو ساكنها ودلالتها دون دلالة الراكب والسائق والقائد؛ لأنه غير مسئول على جميعها، ويقدم أقوى اليدين على أضعفهما، فلو كان اثنان في دار فتنازعا في الدار وفي ما هما لابسانه جعلت الدار بينهما بأيمانهما، لاستوائهما في الاتصال، وجعل القول قول كل
стр. 3993
واحد منهما في ما هو لباسه المختص به؛ لقوة القرب والاتصال، ولو اختلف الراكبان في مركوبهما حلفا وجعل بينهما لاستوائهما، ولو اختلف الراكب مع القائد أو السائق قدم الراكب عليهما بيمينه.
ع- وجاء في [الفتاوى الكبرى] لابن حجر الهيتمي (١) :
سئل ﵀ عن امرأة بيدها مستند شرعي مضمونه: أن فلانة الفلانية اشترت من أختها فلانة الفلانية بيتا بيعا مطلقا بثمن كذا وكذا وقبضت البائعة الثمن باعترافها وحكم حاكم شافعي بالتبايع المذكور. ومؤرخ التبايع والحكم بعام سنة عشرين وتسعمائة (٩٢٠) ، والشاهد لم يكتب في المستند معرفته للبائعة ولا عرفه بها أحد.
والحالة أن البائعة منكرة للبيع المذكور، وأنها لم تقبض الثمن المذكور، وأنها لم تكن أختا لها كما كتب في المستند. ثم إن البائعة جاءت عند حاكم شرعي مخالف للحاكم المثبت، وادعت على المشترية المذكورة أنها واضعة يدها على بيتها بمقتضى أنهما جعلته تحت يدها في مبلغ اثني عشرة أشرفيا هو ومستندات شرعية تشهد لها بذلك، فأجابت بأنها صار إليها ذلك بالشراء الشرعي منها كما ذكر أعلاه، وأنني تقابلت وإياك التبايع الصادر منك كما ذكر. فهل تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع ولم تقبل الثمن؟ وهل حكم الحاكم الشافعي يمنعها من الدعوى بذلك؟ وهل طول المدة مع تصرفها في البيت بالهدم والبناء مسقط للطلب أيضا أم لا؟ وهل للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة والبيع وبقبض الثمن
стр. 3994
أم لا؟
فأجاب: نفع الله تعالى بعلومه - قوله: لا تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع حيث ثبت عند الحاكم وليس للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة؛ لأن من لازم حكم الحاكم بصحة البيع استيفاء مسوغاته الشرعية، ومنها أن الشهادة لا تكون إلا على عينها أو باسمها ونسبها، ولا نظر لطول المدة المذكورة ولا لقصرها، وأما دعواها أنها لم تقبض الثمن فإن كانت الشهادة عليها بطريق المعاينة لم تسمع دعواها وإن كانت بطريق الشهادة على إقرارها سمعت دعواها أنها لم تقر إلا على رسم القيالة فتحلف المشترية أنها أقبضتها الثمن، فإن نكلت حلفت البائعة أنها لم تقبض واستحق الثمن ... والله أعلم.
стр. 3995
٤ - النقول من مذهب الحنابلة:
تمهيد: يقرر المذهب الحنبلي القول في الحكم بمرور الزمان من حيث الجملة بناء على قاعدة سد الذرائع، وأنه إذا تعارض أصل وظاهر قدم الظاهر، ولم يذكر الحنابلة من تحديد المدة كما ذكره الأحناف، بل يردون ذلك إلى اجتهاد القاضي، وقد وردنا بعض النقول عن ابن قدامة وصاحب [مطالب أولي النهى] ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وجملة من فتاوى أئمة الدعوة.
قال ابن قدامة (١) : فإن كان في يد رجل دار أو عقار يتصرف فيها تصرف الملاك بالسكنى والإعارة والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع،
стр. 3996
فقال أبو عبد الله بن حامد: يجوز أن يشهد له بملكها. وهو قول أبي حنيفة والإصطخري من أصحاب الشافعي. قال القاضي: ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من الملك واليد والتصرف؛ لأن اليد ليست منحصرة في الملك قد تكون بإجارة أو إعارة أو غصب. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي.
ووجه الأول: أن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها، فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة، واحتمال كونها عن غصب أو إجارة يعارضه استمرار اليد من غير منازع، فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد، فإن احتمال كون البائع غير مالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا هاهنا.
فإن قيل: فإذا بقي الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم.
قلنا: الظن يسمى علما. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (١) ولا سبيل إلى العلم اليقين هاهنا فجاءت بالظن.
وجاء في [مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى] (٢) : (ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة كتصرف مالك من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله الشهادة بالملك) ؛ لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل صحة الملك (كمعاينة السبب) أي: سبب الملك (من بيع وإرث) ولا نظر لاحتمال كون البائع والمورث ليس مالكا (وإلا) يره يتصرف كما ذكر فإنه
стр. 3997
يشهد (باليد والتصرف) ؛ لأن ذلك لا يدل على الملك غالبا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) : ومن ادعى على خصمه أن بيده عقارا استغله مدة معينة وعينه، وأنه استحقه فأنكر المدعى عليه، وأقام المدعى عليه بينة باستيلائه لا باستحقاقه، لزم الحاكم إثباته والشهادة به كما يلزم البينة أن تشهد به؛ لأنه كفرع مع أصل، وما لزم أصل الشهادة به لزم فرعه حيث يقبل، ولو لم تلزم إعانة مدع بإثبات وشهادة ونحو ذلك إلا بعد ثبوت استحقاقه لزم الدور بخلاف الحكم وهو الأمر بإعطائه ما ادعاه إن أقام بينة بأنه هو المستحق أمر بإعطائه ما ادعاه وإلا فهو كمال مجهول يصرف في المصالح.
ومن بيده عقار فادعى رجل بثبوته عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم إلى ورثته ولم يثبت أنه مخلف عن مورثه - لا ينزع منه بذلك، لأن أصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق.
قال ابن القيم: فصل: الطريق الثالث (٢) :
أن يحكم باليد مع يمين صاحبها، كما إذا ادعى عليه عينا في يده، فأنكر فسأل إحلافه فإنه يحلف وتترك في يده لترجح جانب صاحب اليد؛ ولهذا شرعت اليمين في جهته، فإن اليمين تنتزع في جنبة أقوى المتداعيين، هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة، فإن كذبتها لم يلتفت إليها، وعلم أنها يد مبطلة.
стр. 3998
وذلك كما لو رأى إنسانا يعدو وبيده عمامة، وعلى رأسه عمامة، وآخر خلفه حاسر الرأس، ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس، فإنا نقطع أن العمامة التي بيده للآخر، ولا يلتفت إلى تلك اليد.
ويجب العمل قطعا بهذه القرائن. فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من الظن المستفاد من مجرد اليد، بل اليد هنا لا تفيد ظنا البتة. فكيف تقدم على ما هو مقطوع به، أو كالمقطوع به؟
وكذلك إذا رأينا رجلا يقود فرسا مسرجا ولجامه وآلة ركوبه، وليست من مراكبة في العادة، ووراءه أمير ماش، أو من ليس من عادته المشي- فإنا نقطع أن يده مبطلة.
وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهدت العملة معه وليس من أهلها، كما إذا رؤي معه القماش والجواهر ونحوها مما ليس من شأنه وادعى أنها ملكه وفي يده - لم يلتفت إلى ملك اليد.
وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع أو تكاد: أنها يد مبطلة لا حكم لها، ولا يقضى بها.
فإذا قضينا باليد، فإنما نقضي بها إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها.
وإذا كانت اليد ترفع بالنكول، وبالشاهد الواحد مع اليمين، وباليمين المردودة. فلأن ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى. فهذا مما لا يرتاب فيه: أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووضعه بين عباده.
فالأيدي ثلاثة:
الأولى: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة فلا يلتفت إليها.
стр. 3999
الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة، فلا تسمع الدعوى عليها؛ كمن يشاهد في يده دارا يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته. فجاء من ادعى أنه غصبها منه، واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهد في هذا المدة الطويلة، ويمكنه طلب خلاصها منه. ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى عليه محقة.
هذا مذهب مالك وأصحابه وأهل المدينة. وهو الصواب.
قالوا: إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة: بالهدم والبناء والإجارة والعمارة وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينته، وتبقى الدار في يد حائزها؛ لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) وأوجبت
стр. 4000
الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره، وكذلك في هذا الموضع. وليس ذلك خلاف العادات، فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة، فقد حدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين. وربما احتج بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» وهذا لا يثبت.
وأما مالك ﵀: فلم يوقت في ذلك حدا، ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام.
الثالثة: يد محتمل أن تكون محقة، وأن تكون مبطلة، فهذه هي التي تسمع الدعوى عليها ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها. فالشارع لا يقر يدا شهد العرف والحس بكونها مبطلة، ولا يهدر يدا شهد العرف بكونها محقة.
واليد المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب، وهو الأقوى فالأقوى. والله أعلم. فالشارع لا يعين مبطلا، ولا يعين على إبطال الحق، ويحكم في المتشابهات بأقرب الطرق إلى الصواب وأقواها.
قال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ﵏: جرى بين رجلين خصومة في عقد بيع نخل متقدم، ودخل عليه عقد ثان وقام بعض الناس على بعض يتنازعون في عقود ماضية في أموال قد استولى عليها أهلها وحضروا عند آل الشيخ، واتفق رأيهم أن ما أفتى به الشيخ ﵀ وغيره من قضاة المسلمين، واستغله الذي هو في يده مدة والمدعي موجود ولا أنكر
стр. 4001
وادعى - فلا له طريق، إلا إن تبين مقالة فيها نص صريح، أو إجماع أهل العلم، أو اتفق عليه قضاة المسلمين الموجودين، وإلا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثل هذه المقالة التي يقضي فيها قاض من قضاة المسلمين، فلا يتعرضها الآخر إلا بإجماع القضاة: أن هذه الفتيا مخالفة للشرع، فإن نقضها واحد ما صح نقضه، فإن تقوى أمير أو مأمور على مسلم وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد فيأتي وأقوم له إن شاء الله تعالى.
ويذكر لنا بعض الناس الذي حضروا الشيخ ﵀ أنه إذا عرض عليه حفيظة بخط مطوع من مطاوعة الجاهلية (١) أمضاها ولا ينكثها، فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر واستغله ثلاث سنين أو أربع سنين، وصاحب الدعوى حاضر ولا ادعى في هذه المدة سد عليه الباب.
стр. 4002
سئل الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد: عن أخوين بينهما شركة في أرض تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادعى أنه اشتراها من أخيه ولكن الشهود ماتوا.
فأجاب: الذي نفهم أن هذا على الأصل يلزم مدعي الشراء بينة، فإن لم يجد بينة حلف المنكر أنه لم يبعها عليه، وأنها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض، وأما كونها في يد أحدهما ويتصرف فيها من قدر ثمان سنين فمثل هذا ما يصير بينة ولا يحكم باليد في مثل هذه الصورة؛ لكونه يدعى أنه اشتراها والآخر منكر ولم يدع أنها ملكه لا حق
стр. 4003
للآخر فيها، بل هو مقر بملك أخيه فيها لكنه يدعي بالشراء وهذا الذي تقرر عندنا وعند الأخ حمد بن ناصر.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله: عن مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرفون فيها تصرف الملاك فأجاب: الذي استقر عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام الدعوة الإسلامية أن العقار ونحوه إذا كان في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس فيه منازع في تلك المدة أن القول قوله أنه ملكه إلا أن تقوم بينة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك، وأما الأصل فلا يلتفت إليه مع هذا الظاهر فقدم شيخنا ﵀ الظاهر هنا على الأصل؛ لقوته وعدم المعارض.
وسئل أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ ﵏: عن بستان ادعاه اثنان أصله لجدهما من قبل الأم وليس مع أحدهما بينة بانتقال ملك مورثه عنهما.
فأجاب: قد أفاد ابن القيم رحمه الله تعالى في [الطرق] ، ما يؤخذ منه حكم هذه القضية فقال: وأما المرتبة الثالثة: فمثالها: أن يكون رجل حائزا لدار يتصرف فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع من مطالبته من خوف سلطان أو ما أشبه ذلك، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة أو شركة في ميراث ونحوه، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك - فدعواه غير مسموعة أصلا. انتهى. فمفاد هذا
стр. 4004
الكلام أنه إذا كان بين المتنازعين قرابة أو شركة في ميراث ونحو ذلك أن الدعوى تسمع ولا يثبت حكم اليد لمن هي في يده؛ لأجل القرابة وغيبة الشريك فتقسم على الميراث الذي هو في الأصل. والله أعلم.
سئل الشيخ حسن بن حسين ابن الشيخ ﵏: إذا ادعى رجل أن أباه اشترى هذا الملك. وأحضر وثيقة وكان بيد آخر وورثه عن أبيه والوثيقة من مدة خمس سنين.
فأجاب: اعلم أن العلماء قرروا أنه إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الظاهر ولم يعمل بالأصل، وهذا فيما إذا كان العقار بيد إنسان قدر خمس سنين يتصرف فيه تصرف المالك ولم يدعه صاحب الأصل في هذه المدة، ولم يكن بينهما شركة ولا قرابة بينهما، فالذي أرى في هذه المسألة إذا كان الملك بيد أب من هو في يده أو ولده مع وجود أبي المدعي يتصرف فيه ولم يدعه الأب فدعوى ابنه اليوم ساقطة، وإن كان أبو المدعي مات من حين الشراء المذكور في الوثيقة وأحضر ابنه بينة أنه لم يعلم بالوثيقة ولم يجدها إلا في هذا الزمان عمل بها وإلا لم تقبل دعواه عدم وجودها إلا ببينة مرضية.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا ادعى إنسان عقارا فقال المدعى عليه: ورثته من أبي ولم أعلم لك فيه حقا هل تقبل يمينه؟ وإذا ادعى إنسان شيئا أنه يملكه الآن وشهدت البينة أنه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات هل تسمع أو لا؟
فأجاب: لا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين على حسب
стр. 4005
جوابه، فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك هذا، وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه ونحو ذلك، فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئا، أو أنك لا تستحق شيئا فيما ادعيته صار جوابا صحيحا ولا يكلف سواه، والحال الثاني: أن يدعي على من هو في يده بأن أباك غصبني هذا أو أنه وديعة عنده ونحو ذلك، فيمين المدعى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة ما علمت أنك أودعته إياه ونحو ذلك.
وفي [سنن أبي داود] : أن النبي ﷺ قال للحضرمي: «ألك بينة؟ قال: لا ولكن أحلفه، والله يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه (١) » فتهيأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، ولأنه لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلف اليمين على البت.
وأما إذا ادعى أن هذه اليمين له الآن وشهدت البينة بأنها كانت له أمس، وأنها كانت في يده أمس لم تسمع بينته لعدم تطابق البينة والدعوى، قال في [الإنصاف] : في أصح الوجهين حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غصبه بخلاف ما لو شهدت أنها ملكه اشتراه من رب اليد فإنها تقبل. اهـ.
وأما إذا شهدت البينة أن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن، وأما إذا ادعى أن هذه العين كانت ملكا لأبيه أو أمه أو أخيه ومات وهي في ملكه فصارت لي بالميراث، فإن شهدت بأن هذه العين كانت ملكا لأبيه ومات وهي في ملكه سمعت البينة بذلك، وإن قالت البينة كانت ملكا لأبيه ونحوه، ولم تشهد بأنها خلفه تركة لم تسمع هذه البينة. وفي [الفروع] و [الإنصاف] ، عن الشيخ تقي الدين أنه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند الحاكم
стр. 4006
أنه كان لجده إلى موته ثم لورثته ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك؛ لأن أصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق (١) .
стр. 4007
مما تقدم يتبين ما يأتي:
أولا: من الأسباب الشرعية لنقل الملكية البيع والهبة والوصية والميراث والشفعة والحيازة والتقادم عند من يقول بذلك. انظر الإعداد، ص ٢.
ثانيا: دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الاعتداء على أموال الناس بغير حق. انظر الإعداد ص ٣.
ثالثا: معنى الحيازة في اللغة الجمع والتجمع، وجميع فروع هذه المادة ترجع إلى هذا الأصل، وكل من ضم شيئا إلى نفسه فقد حازه حوزا. والحيازة اصطلاحا: وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه والتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم. انظر الإعداد، ص ٤.
رابعا: محل البحث: هو الشيء الذي طالت مدته بيد إنسان وليس لديه ما يثبت ملكيته سوى طول المدة فأقام شخص آخر الدعوى عليه وادعى أنه ملكه وأحضر البينة على ذلك وليس لديه في السابق ما يمنعه من إقامة الدعوى.
خامسا: ذكر أقوال الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم، وبيان المدد
стр. 4008
وشروط ذلك مع الأدلة. المعتمد في هذا الباب في جميع تفاصيله من جهة اختلاف مقدار المدة على الاجتهاد السلطاني واجتهاد القضاة.
أ- يرى الإمام مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه من أهل العلم: عدم تحديد المدة بمقدار معين يكون قاعدة يطبق عليها تصرف القضاة فلا يتجاوزونها ولا ينقصون عنها شيئا، وهذا مبني على أن لكل مسألة ظروفها وملابساتها، فيجتهد القاضي الذي ينظر في المسألة والاعتماد على اجتهاد القاضي له أصل في الشرع.
ب- يرى الحنفية ومن يوافقهم من المالكية وغيرهم: تحديد المدة، ومن هنا يتشعب الخلاف في مقدار هذه المدة.
١ - التقادم الذي مدته ست وثلاثون سنة، وهذا عند الحنفية ومن يوافقهم، وهو في: أ- دعوى المتولي والمرازقة في الأصل والوقف وغلته.
ب- دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في العقارات الموقوفة.
ج- الدعاوى المتعلقة بأصل النقود الموقوفة.
د- العقار الراجع من الطريق إذا كان موقوفا.
هـ- العقار الذي يرجع من طريق العقارات المملوكة.
ودعاوى رقبة الأراضي الأميرية التي يقيمها مأمور الأراضي.
والقول بهذه المدة كما ذكر مبني على الاجتهاد.
٢ - التقادم الذي مدته خمس عشرة سنة، وهذا يقول به الحنفية ومن يوافقهم، وهو مبني على الأمر السلطاني، فإذا أمر السلطان أن الدعوى
стр. 4009
لا تنظر بعد مضي هذه المدة - وجب على القضاة الامتناع عن النظر فيها، فيكون القاضي معزولا عن سماعها، ويذكر ابن عابدين أن سبب النهي قطع الحيل والتزوير، مع العلم أن هذا يمنع النظر ولا يسقط الحق، ويحددون المسائل التي تدخل تحت هذه المدة في:
أ- دعاوى الدين، الوديعة العارية، العقار الملك، الميراث، القصاص، دعوى التولية والغلة في العقارات الموقوفة والمقاطعة والمشروطة التصرف فيها بالإجارتين.
ب- الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في العقار الملك. انظر الإعداد، ٦، ١١، ١٢، ٣٤.
٣ - التقادم الذي مدته عشر سنوات، وهذا عند من قال به من الحنفية ومن يوافقهم، ويحددون ما لا تقبل فيه الدعوى بعد هذه المدة في دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب التي هي الأرض الأميرية، وهذا أيضا يبنونه على الأمر السلطاني، فإذا أمر أنها لا تسمع الدعوى بعد هذه المدة وجب طاعته ولو أمر بسماعها بعد مضيها سمعت.
٤ - مضى في الإعداد تحديد مدة التقادم عدد غير ذلك كما هو مبين في الإعداد تركنا ذكرها اختصارا.
٥ - هناك تفاصيل في الإعداد تركنا ذكرها اختصارا ويمكن الرجوع إليها؛ لأن المقصود بالقصد الأول هو أصل الموضوع.
٦ - الشروط التي يشترطها العلماء للقول بالتقادم والحكم بمقتضاه هي:
أ - البلوغ.
ب - العقل.
جـ- العلم بملكيته وبوضع اليد عليه.
стр. 4010
د- الحضور.
هـ - أن لا يكون ممنوعا من إقامة الدعوى خوفا من ذي سلطان إذا كان الحائز هو السلطان أو الحائز شخصا له علاقة بالسلطان.
٧ - المعتبر في مرور الزمان المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط، وأما مرور الزمن الواقع بعذر شرعي من صغر وجنون وعته أو غيبة المدعي والمدعى عليه من المتقلبة فهذه المدة غير معتبرة لكن إذا زال العذر بدأت المدة.
٨ - لا اعتبار لمرور الزمن في دعاوى المحال التي يعود نفعها للعموم كالطريق العام والنهر والمرعى؛ لأنه يوجد بين العامة قاصرون كالصغار والمجانين والمعتوهين، ويوجد أيضا غائبون، وحيث لا يمكن إفراز حق هؤلاء من غيرهم، فلذلك لا يجرى في المحال التي يعود نفعها للعموم. هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4011
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٦٨) وتاريخ ٢١\١٠\ ١٣٩٩هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الرابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في المدة من العاشر من شهر شوال سنة ١٣٩٩هـ إلى الحادي والعشرين منه نظر المجلس في موضوع [التقادم في مسألة وضع اليد] . واطلع على البحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع، بناء على ما تقرر في الدورة الثالثة عشرة ... واستعرض أقوال أهل العلم في مختلف المذاهب، وكان من أوضحها ما ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه [الطرق الحكمية] حين قال:
فصل: الطريق الثالث: أن يحكم باليد مع يمين صاحبها، كما إذا ادعى عليه عينا في يده فأنكر، فسأل إحلافه فإنه يحلف وتترك في يده لترجح جانب صاحب اليد؛ ولهذا شرعت اليمين في جهته، فإن اليمين تشرع في جنبة أقوى المتداعيين هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة، فإن كذبتها لم يلتفت إليها، وعلم أنها يد مبطلة، وذلك كما لو رأى إنسانا يعدو وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة وآخر خلفه حاسر الرأس ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس - فإننا نقطع أن العمامة التي بيده للآخر ولا يلتفت إلى تلك اليد، ويجب العمل قطعا بهذه القرائن، فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من الظن المستفاد من مجرد اليد، بل اليد هنا لا تفيد ظنا البتة فكيف تقدم على
стр. 4012
ما هو مقطوع به أو كالمقطوع به؟ كذلك إذا رأينا رجلا يقود فرسا مسرجا ولجامه وآلة ركوبه، وليست من مراكبه في العادة ووراءه أمير ماش أو من ليس من عادته المشي فإننا نقطع أن يده مبطلة، وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهدت العملة معه وليس من أهلها. كما إذا رؤي معه القماش والجواهر ونحوها مما ليس من شأنه، وادعى أنها ملكه وفي يديه لم يلتفت إلى ملك اليد.
وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع أو تكاد أنها يد مبطلة لا حكم لها، ولا يقضى بها، فإذا قضينا باليد فإنما نقضي بها إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها، وإذا كانت اليد ترفع بالنكول وبالشاهد الواحد مع اليمين وباليمين المردودة فلأن ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى.
فهذا مما لا يرتاب فيه أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه ووضعهم بين عباده، فالأيدي ثلاث: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة فلا يلتفت إليها.
الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة فلا تسمع الدعوى عليها، كمن يشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب مع عدم سطوته وشوكته، فجاء من ادعى أنه غصبها منه واستولى عليها بغير حق وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى عليه محقة.
هذا مذهب مالك وأصحابه وأهل المدينة وهو الصواب. قالوا: إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة بالهدم والبناء والإجارة
стр. 4013
والعمارة وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته من خوف سلطان أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك أجمع ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك فدعواه غير مسموعة أصلا فضلا عن بينته، وتبقى الدار في يد حائزها؛ لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره، وكذلك في هذا الموضوع وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حددها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. وأصبغ بعشر سنين، وربما احتج لهم بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» وهذا لا يثبت.
وأما مالك ﵀ فلم يوقت في ذلك حدا ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام.
الثالثة: يد محتمل أن تكون محقة وأن تكون مبطلة
стр. 4014
فهذه هي التي تسمع الدعوى عليها، ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها، فالشارع لا يغير يدا شهد العرف والحس بكونها مبطلة، ولا يهدر يدا شهد العرف بكونها محقة.
واليد المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب، وهو الأقوى فالأقوى، والله أعلم.
فالشارع لا يعين مبطلا، ولا يعين على إبطال الحق، ويحكم في المتشابهات بأقرب الطرق إلى الصواب وأقواها. وما ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- هو قول كثيرين من أهل العلم ﵏.
وحيث إن المجلس لا يعلم نصا شرعيا خاصا في تحديد مدة تملك الشيء المعين الذي بيد إنسان وليس لديه إثبات الملكية سوى طول المدة، وادعى إنسان آخر ملكيته ولديه ما يثبت أنه كان ملكا له بوسيلة من وسائل الملك الشرعية.
ونظرا لأن هذه المسألة من المسائل التي تبنى على العرف، وعلى قاعدة سد الذرائع، وأن الحكم في كل صورة من صورها يختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال - فإن المجلس يرى عدم تحديد مدة معينة تكون أساسا يبني عليها القضاة أحكامهم، بل يترك الحكم لاجتهادهم، فإذا عرضت صورة من الصور لواحد منهم اجتهد فيها على حسب اختلاف ظروفها وملابساتها، وبناها على القاعدة الشرعية التي يمكن أن تنطبق عليها.
стр. 4015
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة
. ... . ... عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... سليمان بن عبيد
عبد الرزاق عفيفي ... راشد بن خنين ... محمد بن علي الحركان
عبد الله بن غديان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ غائب ... صالح بن لحيدان
محمد بن جبير ... . ... عبد الله بن قعود
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح غائب ... صالح بن غصون
عبد الله بن منيع ... . ... .
стр. 4016
(٥) كتابه المصحف حسب قواعد الإملاء
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
стр. 4017
كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض من غرة صفر إلى السابع منه عام ١٣٩٩ هـ اطلع المجلس على المعاملة المتعلقة بكتابة المصحف حسب قواعد الإملاء، وإن خالف ذلك الرسم العثماني، واقترح إعداد بحث في ذلك، وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في هذا الموضوع، مشتملا على ما يأتي:
أولا: تمهيد يشتمل على أمرين:
أ- بيان نوع الكتابة التي كانت عند العرب وقت نزول القرآن.
ب- ذكر أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث عند كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء.
ثانيا: نقول عن العلماء الأولين يتبين منها رأيهم في ذلك مع ما استدلوا أو عللوا به.
ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول بالمصحف عن الرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء، ومناقشة ذلك.
رابعا: الموانع التي تمنع من ذلك، وبيان ما قد يترتب عليه من تحريف ونحوه. وفيما يلي تفصيل ذلك: والله الموفق.
стр. 4018
كتابة المصحف
أولا: التمهيد ويشتمل عل أمرين:
أ - بيان نوع الكتابة التي كانت معهودة عند العرب وقت نزول القرآن الكريم إن الكتابة في العرب كانت قليلة جدا، وقد تعلموها من أهل الأنبار، وكان الذي يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة إلى أن هذبها أبو علي بن مقلة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي، وسلك الناس طريقته، ولم تكن محكمة جدا في ذلك الزمان، ولهذا وقع اختلاف في كتابة المصاحف من جهة الصناعة لا من جهة المعنى، وألف العلماء في ذلك واعتنوا به.
قال ابن كثير: وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره: أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وتعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب، وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيء من قرية هناك يقال لها: بقة، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود: ثنا عبد الله بن محمد الزهري، ثنا سفيان عن مجاهد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.
стр. 4019
قال ابن كثير (١) : والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك نهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وسلك الناس وراءه، وطريقته في ذلك واضحة جيدة، والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدا وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك.
واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه [فضائل القرآن] ، والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀، فبوبا على ذلك، وذكرا قطعة صالحة هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا هاهنا؛ ولهذا نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام، ورخص غيره في ذلك. واختلفوا في الشكل والنقط: فمن مرخص ومن مانع.
وذكر ابن كثير (٢) : أن عثمان ﵁ عهد إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، وسعيد بن العاص بن أمية القرشي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي: أن يكتبوا القرآن حينما اختلف الناس في القراءة بالحروف التي بها نزل القرآن، وتنازعوا فيما بينهم، فأمر هؤلاء أن يكتبوا القرآن على حرف واحد من الحروف التي بها نزل القرآن؛ منعا للاختلاف، فجلس هؤلاء الأربعة
стр. 4020
يكتبون القرآن نسخا وإذا اختلفوا في موضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان ﵃ كما اختلفوا في التابوت أيكتبونه بالتاء أم بالهاء، فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، فرجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم. اهـ.
والذي يعنينا هنا أن الكتابة كانت معروفة عند العرب قبل رسالة محمد ﷺ ، وعند نزول الوحي وإن كان ذلك قليلا، وأنها كانت تختلف من حيث الصناعة، وأنها كتب بها القرآن عند نزوله، وأن عثمان ﵁ أمر الذين أسند إليهم جمع القرآن إذا اختلفوا في صناعة الكتابة أن يكتبوه بلغة قريش؛ لأن القرآن بها نزل، وقد علم الله ذلك من كتبة الوحي، ولم ينكر على رسوله ولا على كتبته، وعلم الصحابة صنيع عثمان ومن جمع القرآن بأمره، ولم ينكروا عليه ولا عليهم ﵃ أجمعين، فكانت كتابته على هذا النحو دون غيره سنة متبعة.
стр. 4021
ب- أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث من كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء .
стр. 4022
الرسم العثماني ... موضع التغيير ... الرسم الإملائي ... وضع التغيير ... السورة
١. ... الصلاة ... كتبت بالواو بعد اللام ... الصلاة ... كتبت بالألف بعد اللام ... في سور كثيرة
٢. ... الزكاة ... كتب بالواو بعد الكاف ... الزكاة كتبت بالألف بعد الكاف ... ،،،،
٣. ... الحياة ... كتب بالواو بعد الياء ... الحياة كتبت بالألف بعد الياء ... ،،،،
٤. ... شفعاؤنا ... كتبت بلا ألف بعد العين ... شفعاؤنا ... كتبت بالألف بعد العين ... يونس
٥. ... أم لهم شركاء ... كتبت بلا ألف بعد الكاف وبهمزة على واو بعدها ألف ... أم لهم شركاء ... كتبت بالألف بعد الكاف ثم همزة مفردة فقط ... الشورى
٦. ... يبدؤا الخلق ... همزة على واو بعدها ألف ... يبدأ الخلق ... همزة على ألف ... يونس
٧. ... ويدرؤا عنها ... همزة على واو بعدها ألف (بلا ألف بعد اللام) ... ويدرأ ... همزة على ألف ... النور
٨. ... لهو البلاء ... وزيادة واو بعد الهمزة (وزيادة ألف بعد الواو) ... البلاء ... بألف بعد اللام وهمزة مفردة ... الصافات
٩. ... نبوء الخصم ... بزيادة واو بعدها ألف ... نبأ ... بهمزة على الألف فقط ... ص
١٠. ... الربا ... بواو بعد الباء بعدها ألف ... الربا ... بألف بعد الباء فقط ... البقرة وغيرها
١١. ... أرى ... بزيادة ألف قبل الذال ... لأذبحنه ... بلا زيادة ألف ... النمل
١٢. ... وتمت كلمة ربك ... بتاء مفتوحة ... كلمة ربك ... بتاء مربوطة ... الأنعام
١٣. ... إن رحمة الله ... بتاء مفتوحة ... رحمة الله ... بتاء مربوطة ... الأعراف
١٤. ... لعنت ... بتاء مفتوحة ... لعنة ... بتاء مربوطة ... النور
١٥. ... ورحمت ربك ... بتاء مفتوحة ... ورحمة ربك ... بتاء مربوطة ... الزخرف
١٦. ... الكتاب ... بلا ألف بعد التاء ... الكتاب ... بألف بعد التاء ... في سور كثيرة
١٧. ... الإنسان ... بلا ألف بعد السين ... الإنسان ... بألف بعد السين ... في سور كثيرة
١٨. ... لا يهدي من هو ... بلا ألف بعد الكاف ... كاذب ... بألف بعد الكاف ... الزمر
١٩. ... الجاهلين ... بلا ألف بعد الجيم ... الجاهلين ... بألف بعد الجيم ... الأنعام وغيرها
٢٠. ... أتاهم ... بلا ألف بعد التاء ... أتاهم ... بألف بعد التاء ... غافر
٢١. ... السبيلا ... بألف بعد اللام ... السبيل ... بلا ألف بعد اللام ... الأحزاب
٢٢. ... سلاسلا ... بألف بعد اللام الثانية وبدونها بعد الأولى ... سلاسل ... بلا ألف بعد اللام الثانية وبألف بعد الأولى ... الدهر
٢٣. ... قواريرا ... بألف بعد الراء الثانية ... قوارير ... بلا ألف بعد الراء ... الدهر
٢٤. ... الشيطان ... بلا ألف بعد الطاء ... الشيطان ... بألف بعد الطاء ... في سور كثيرة
٢٥. ... وأغلالا ... بلا ألف بعد اللام الأولى ... أغلالا ... بألف بعد اللام الأولى ... الدهر
٢٦. ... من نبأ المرسلين ... بياء بعد الهمزة ... من نبأ المرسلين ... بلا ياء بعد الهمزة ... الأنعام
٢٧. ... بأييد ... ياءين قبل الدال ... بأيد ... ... بياء فقط قبل الدال ... الذاريات
وسيأتي كثير من الأمثلة في النقل عن [المقنع] لأبي عمرو الداني، والنقل عن كتاب [الإتقان] للسيوطي إن شاء الله.
стр. 4023
ثانيا: نقول عن العلماء يتبين منها رأيهم في كتابة المصحف بغير الرسم العثماني:
إن الحديث عن كتابة المصحف بغير الرسم العثماني قديم، فقد بحثه أئمة السلف قبل أكثر من ألف سنة، وألف فيه علماء القراءة والرسم كتبا وحكموا فيه بما ظهر لهم من الكراهة أو التحريم، وقد جمع الجلال السيوطي نقولا عنهم في الموضوع يتبين منها ما حكموا به في ذلك، فرأينا إثباتها فيما يلي:
قال الجلال السيوطي: (فصل) القاعدة العربية أن اللفظ يكتب بحروف هجائية مع مراعاة الابتداء به والوقوف عليه، وقد مهد له النحاة أصولا وقواعد، وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام، وقال أشهب: سئل مالك هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟
فقال: لا إلا على الكتبة الأولى. رواه الداني في [المقنع] ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة.
وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا. قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو أولوا.
وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك.
وقال البيهقي في [شعب الإيمان] : من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما
стр. 4024
كتبوا شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.
قلت: وينحصر أمر الرسم في ست قواعد: الحذف والزيادة والهمز والبدل والوصل والفصل وما فيه قراءتان فكتب على إحداهما.
القاعدة الأولى: في الحذف: تحذف: الألف من ياء النداء نحو: يا أيها الناس، وهاء التنبيه نحو: هؤلاء، وهاأنتم ومن ذلك: أولئك، ولكن، وتبارك وفروع الأربعة، والله وإله، كيف وقع، والرحمن وسبحان، كيف وقع إلا قل سبحان ربي.
وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو: باغ ولا عاد والمضاف لها إذا نودي إلا يا عبادي الذين أسرفوا يا عبادي الذين آمنوا، في العنكبوت أو لم يناد. إلا قل لعبادي أسر بعبادي في (طه) و (حم) ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، ومع مثلها نحو إن ولي، والحواريين.
وتحذف الواو مع أخرى نحو: لا يستون، وإذا المؤدة، يؤسا وتحذف اللام مدغمة في مثلها نحو: الليل، والذي، إلا الله، واللهم، واللعنة، وفروعه، واللهو، واللغو، واللؤلؤ، واللات، واللهم، واللعب، واللطيف، واللوامة،.. وساق كثيرا من الأمثلة للحذف.
القاعدة الثانية: في الزيادة زيدت ألف بعد الواو آخر اسم مجموع نحو: بنو إسرائيل، ملاقو ربهم، أولو الألباب بخلاف المفرد لذو علم إلا الربا، وإن امرؤ هلك.... وساق أمثلة كثيرة في الهمزة.
القاعدة الثالثة: في (الهمزة) يكتب الساكن بحرف حركة ما قبله أولا
стр. 4025
ووسطا وآخرا نحو: إئذن واؤتمن والبأساء واقرأ وجئناك ووهئ والمؤتون وتسؤهم وإلا وفادارأتم ورئيا والرياء وشطئه، فحذف فيها، وكذا أول الأمر بعد فاء، نحو: فأتوا، أو واو نحو: واشربوا، والمتحرك إن كان أولا أو اتصل به حرف زائد بألف مطلقا، أي: سواء كان فتحا أو ضما أو كسرا، نحو: أيوب، إذا، أولو، سأصرف، فبأي، سأنزل، إلا مواضع أئنكم لتكفرون، أئنا لمخرجون في (النمل) أئنا لتاركو آلهتنا، أئن لنا في (الشعراء) أئذا متنا وأئن ذكرتم أئنا وأئمة ولئلا ولئن ويومئذ ويفرح، فيكتب فيها بالياء قل أؤنبئكم ووهؤلاء فكتب بالواو، وإن كان وسطا فبحرف حركته، نحو: سأل وسئل ونقرؤه، إلا جزاؤه الثلاثة. (يوسف) . . . . وساق أمثلة كثيرة للهمزة.
القاعدة الرابعة: في البدل تكتب (بالواو) للتفخيم: ألف الصلاة، والزكاة والحياة والربا غير مضافات والغاء ومشكاة والنجاة، ومناة، (وبالياء) كل ألف منقبلة عنها، نحو: يتوفاكم في اسم أو فعل اتصل به ضمير أم لا بقي ساكنا أم لا، ومنه يا حسرتا، يا أسفا، إلا وتترى وكلتا وهداني وعصاني والأقصى ووأقصى المدينة وطغا الماء وسيماهم وإلا ما قبلها ياء، والحوايا إلا يحيى اسما وفعلا، ويكتب بها إلى وعلى وأنى بمعنى: كيف، ومتى، وبلى، وحتى، ولدى، إلا لدى الباب وكتب بالألف الثلاثي الواوي اسما أو فعلا، نحو: الصفا
стр. 4026
وشفا وعفا والأضحى، كيف وقع وما زكى منكم ودحاها وتلاها وطحاها وسجا، ... ) وساق أمثلة كثيرة للبدل.
القاعدة الخامسة: في الوصل والفصل توصل (ألا) بالفتح إلا عشرة: أن لا أقول أن لا يقولوا في (الأعراف) أن لا ملجأ، وفي (هود) : أن لا إله أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف أن لا تشرك في (الحج) : أن لا تعبدوا، في (يس) : أن لا تعلوا، في (الدخان) : أن لا يشركن في (الممتحنة) أن لا يدخلنها، في (ن) (ومما) إلا من ما ملكت في (النساء) و (الروم) ومن ما رزقناكم، في (المنافقين) (وممن) مطلقا، و (عما) إلا عن ما نهوا عنه، و (إما) بالكسر إلا: وإما نرينك في (الرعد) .
وأما بالفتح مطلقا، و (عمن) إلا ويصرفه عن من يشاء في (النور) : عن من تولى في (النجم) : وأمن إلا أم من يكون في (النساء) أم من أسس أمن من خلقنا في (الصافات) أم من يأتي آمنا ووإلم بالكسرة إلا فإن لم يستجيبوا لك في (القصص) ، و (فيما) إلا أحد عشر: في ما فعلن الثاني في (البقرة) ليبلوكم في ما، في (المائدة) و (الأنعام) قل لا أجد في ما أوحى وفي ما اشتهت، في (الأنبياء) في ما أفضتم وفي ما هاهنا في (الشعراء) في ما رزقناكم في (الروم) في ما هم فيه وفي ما كانوا فيه كلاهما في (الزمر) وننشئكم في ما لا تعلمون، و (إنما) إلا: إن ما توعدون لآت في (الأنعام) ، (وأنما) بالفتح إلا: وأن ما يوعدون في (الحج) ، و (لقمان) و (كلما) إلا: كل ما ردوا إلى الفتنة
стр. 4027
ومن كل ما سألتموه وئسما إلا مع اللام، ونعما، ومهما، وربما، وكأنما، ويكأن، وتقطع (حيثما) و (أن لم) بالفتح و (أن لن) إلا في (الكهف) و (القيامة) و (أين مالا) ، إلا: فأينما تولوا أينما يوجهه واختلف في أينما تكونوا يدرككم أينما كنتم تعبدون في (الشعراء) أينما ثقفوا في (الأحزاب) ولكي لا إلا في (آل عمران) و (الحج) و (الحديد) ، والثاني في (الأحزاب) و (يوم هم) ، ونحو: فمال وولات حين وابن أم، إلا في (طه) فكتبت الهمزة حينئذ واوا، وحذفت همزة ابن، فصارت هكذا يا ابن أم ... وساق أمثلة كثيرة للوصل والفصل.
القاعدة السادسة: فيما فيه قراءتان فكتبت على إحداهما: ومرادنا غير الشاذ، من ذلك: مالك يوم الدين ويخادعون واعدنا والصاعقة والرياح وتفادوهم وتظاهرون ولا تقاتلوهم ونحوها. ولولا دفاع وفرهان وطائرا في (آل عمران) و (المائدة) : مضاعفة، ونحوه عاقدت أيمانكم والأوليان، لامستم، ...
(فائدة) كتبت فواتح السور على صورة الحروف أنفسها لا على صورة النطق بها اكتفاء بشهرتها وقطعت حم عسق دون المص وكهيعص طردا للأولى بأخواتها الستة) ... إلى أن قال: وأخرج ابن أشتة عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله إذا كتب أحدكم (بسم الله الرحمن الرحيم) فليمد الرحمن (وأخرج) عن زيد بن ثابت: أنه كان يكره أن تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس لها سين (وأخرج) عن يزيد بن أبي
стр. 4028
حبيب أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب بسم الله ولم يكتب لها سينا فضربه عمر فقيل له: فيم ضربك أمير المؤمنين؟ قال: ضربني في سين (وأخرج) عن ابن سيرين أنه كان يكره أن تمد الباء إلى الميم حتى تكتب السين (وأخرج) ابن أبي داود في المصاحف عن ابن سيرين: أنه كره أن يكتب المصحف مشقا قيل: لم؟ قال: لأن فيه نقصا) ... إلى أن قال: (وأخرج أبو عبيدة عن عمر بن عبد العزيز قال: لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ.
وهل تجوز كتابته بقلم غير العربي؟ قال الزركشي: لم أر فيه كلاما لأحد من العلماء. قال: ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرأ بالعربية، والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، وقد قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١) اهـ (٢) .
(فائدة) : أخرج ابن أبي داود عن إبراهيم التيمي قال: قال عبد الله: لا يكتب المصاحف إلا مضري. قال ابن أبي داود: هذا من أجل اللغات.
(مسألة) اختلف في نقط المصحف وشكله: ويقال: أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل: الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثي، وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل، وقال قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح
стр. 4029
والخواتم. وقال يحيى بن أبي كثير: ما كانوا يعرفون شيئا مما أحدث في المصاحف إلا النقط الثلاث على رءوس الآي. أخرجه ابن أبي داود، وقد أخرج أبو عبيد وغيره عن ابن مسعود قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، وأخرج عن النخعي أنه كره نقط المصاحف، وعن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم.
стр. 4030
وعن ابن مسعود ومجاهد أنهما كرها التعشير. (وأخرج) ابن أبي داود عن النخعي أنه كان يكره العواشر والفواتح وتصغير المصحف، وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا. (وأخرج) عنه أنه أتى بمصحف مكتوب فيه سورة كذا وكذا آية فقال: امح هذا، فإن ابن مسعود كان يكرهه.
(وأخرج) عن أبي العالية أنه كان يكره الجمل في المصحف وفاتحة سورة كذا وخاتمة سورة كذا. وقال مالك: لا بأس بالنقط في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء، أما الأمهات فلا. وقال الحليمي: تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه؛ لقوله: جردوا القرآن. وأما النقط فيجوز؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يظهر إثباتها لمن يحتاج إليها.
قال البيهقي: من آداب القرآن: أن يفخم فيكتب مفرجا بأحسن خط فلا يصغر ولا يقرمط حروفه ولا يخط به ما ليس منه، كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف القراءات ومعاني الآيات. وقد أخرج ابن أبي داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس بنقط المصاحف. (وأخرج) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: لا بأس بشكله.
وقال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب؛ لأنه صيانة له من