وشفا وعفا والأضحى، كيف وقع وما زكى منكم ودحاها وتلاها وطحاها وسجا، ... ) وساق أمثلة كثيرة للبدل.
القاعدة الخامسة: في الوصل والفصل توصل (ألا) بالفتح إلا عشرة: أن لا أقول أن لا يقولوا في (الأعراف) أن لا ملجأ، وفي (هود) : أن لا إله أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف أن لا تشرك في (الحج) : أن لا تعبدوا، في (يس) : أن لا تعلوا، في (الدخان) : أن لا يشركن في (الممتحنة) أن لا يدخلنها، في (ن) (ومما) إلا من ما ملكت في (النساء) و (الروم) ومن ما رزقناكم، في (المنافقين) (وممن) مطلقا، و (عما) إلا عن ما نهوا عنه، و (إما) بالكسر إلا: وإما نرينك في (الرعد) .
وأما بالفتح مطلقا، و (عمن) إلا ويصرفه عن من يشاء في (النور) : عن من تولى في (النجم) : وأمن إلا أم من يكون في (النساء) أم من أسس أمن من خلقنا في (الصافات) أم من يأتي آمنا ووإلم بالكسرة إلا فإن لم يستجيبوا لك في (القصص) ، و (فيما) إلا أحد عشر: في ما فعلن الثاني في (البقرة) ليبلوكم في ما، في (المائدة) و (الأنعام) قل لا أجد في ما أوحى وفي ما اشتهت، في (الأنبياء) في ما أفضتم وفي ما هاهنا في (الشعراء) في ما رزقناكم في (الروم) في ما هم فيه وفي ما كانوا فيه كلاهما في (الزمر) وننشئكم في ما لا تعلمون، و (إنما) إلا: إن ما توعدون لآت في (الأنعام) ، (وأنما) بالفتح إلا: وأن ما يوعدون في (الحج) ، و (لقمان) و (كلما) إلا: كل ما ردوا إلى الفتنة
стр. 4027
ومن كل ما سألتموه وئسما إلا مع اللام، ونعما، ومهما، وربما، وكأنما، ويكأن، وتقطع (حيثما) و (أن لم) بالفتح و (أن لن) إلا في (الكهف) و (القيامة) و (أين مالا) ، إلا: فأينما تولوا أينما يوجهه واختلف في أينما تكونوا يدرككم أينما كنتم تعبدون في (الشعراء) أينما ثقفوا في (الأحزاب) ولكي لا إلا في (آل عمران) و (الحج) و (الحديد) ، والثاني في (الأحزاب) و (يوم هم) ، ونحو: فمال وولات حين وابن أم، إلا في (طه) فكتبت الهمزة حينئذ واوا، وحذفت همزة ابن، فصارت هكذا يا ابن أم ... وساق أمثلة كثيرة للوصل والفصل.
القاعدة السادسة: فيما فيه قراءتان فكتبت على إحداهما: ومرادنا غير الشاذ، من ذلك: مالك يوم الدين ويخادعون واعدنا والصاعقة والرياح وتفادوهم وتظاهرون ولا تقاتلوهم ونحوها. ولولا دفاع وفرهان وطائرا في (آل عمران) و (المائدة) : مضاعفة، ونحوه عاقدت أيمانكم والأوليان، لامستم، ...
(فائدة) كتبت فواتح السور على صورة الحروف أنفسها لا على صورة النطق بها اكتفاء بشهرتها وقطعت حم عسق دون المص وكهيعص طردا للأولى بأخواتها الستة) ... إلى أن قال: وأخرج ابن أشتة عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله إذا كتب أحدكم (بسم الله الرحمن الرحيم) فليمد الرحمن (وأخرج) عن زيد بن ثابت: أنه كان يكره أن تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس لها سين (وأخرج) عن يزيد بن أبي
стр. 4028
حبيب أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب بسم الله ولم يكتب لها سينا فضربه عمر فقيل له: فيم ضربك أمير المؤمنين؟ قال: ضربني في سين (وأخرج) عن ابن سيرين أنه كان يكره أن تمد الباء إلى الميم حتى تكتب السين (وأخرج) ابن أبي داود في المصاحف عن ابن سيرين: أنه كره أن يكتب المصحف مشقا قيل: لم؟ قال: لأن فيه نقصا) ... إلى أن قال: (وأخرج أبو عبيدة عن عمر بن عبد العزيز قال: لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ.
وهل تجوز كتابته بقلم غير العربي؟ قال الزركشي: لم أر فيه كلاما لأحد من العلماء. قال: ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرأ بالعربية، والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، وقد قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١) اهـ (٢) .
(فائدة) : أخرج ابن أبي داود عن إبراهيم التيمي قال: قال عبد الله: لا يكتب المصاحف إلا مضري. قال ابن أبي داود: هذا من أجل اللغات.
(مسألة) اختلف في نقط المصحف وشكله: ويقال: أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل: الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثي، وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل، وقال قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح
стр. 4029
والخواتم. وقال يحيى بن أبي كثير: ما كانوا يعرفون شيئا مما أحدث في المصاحف إلا النقط الثلاث على رءوس الآي. أخرجه ابن أبي داود، وقد أخرج أبو عبيد وغيره عن ابن مسعود قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، وأخرج عن النخعي أنه كره نقط المصاحف، وعن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم.
стр. 4030
وعن ابن مسعود ومجاهد أنهما كرها التعشير. (وأخرج) ابن أبي داود عن النخعي أنه كان يكره العواشر والفواتح وتصغير المصحف، وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا. (وأخرج) عنه أنه أتى بمصحف مكتوب فيه سورة كذا وكذا آية فقال: امح هذا، فإن ابن مسعود كان يكرهه.
(وأخرج) عن أبي العالية أنه كان يكره الجمل في المصحف وفاتحة سورة كذا وخاتمة سورة كذا. وقال مالك: لا بأس بالنقط في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء، أما الأمهات فلا. وقال الحليمي: تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه؛ لقوله: جردوا القرآن. وأما النقط فيجوز؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يظهر إثباتها لمن يحتاج إليها.
قال البيهقي: من آداب القرآن: أن يفخم فيكتب مفرجا بأحسن خط فلا يصغر ولا يقرمط حروفه ولا يخط به ما ليس منه، كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف القراءات ومعاني الآيات. وقد أخرج ابن أبي داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس بنقط المصاحف. (وأخرج) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: لا بأس بشكله.
وقال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب؛ لأنه صيانة له من
стр. 4031
اللحن والتحريف. وقال ابن مجاهد: ينبغي أن لا يشكل إلا ما يشكل، وقال: إلا أني لا أستجيز النقط بالسواد؛ لما فيه من التغيير لصورة الرسم، ولا أستجيز جمع قراءات شتى في مصحف واحد بألوان مختلفة؛ لأنه من أعظم التخليط والتغيير المرسوم. وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحمرة والهمزات بالصفرة. وقال الجرجاني من أصحابنا في الشافي: (من المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره) .
(فائدة) كان الشكل في الصدر الأول نقطا، فالفتحة نقطة على أول الحرف، والضمة على آخره، والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الداني. والذي اشتهر الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف والكسر كذلك تحته، والضم واو صغرى فوقه والتنوين زيادة مثلها، فإن كان مظهرا وذلك قبل حرف حلق ركبت فوقها وإلا جعلت بينهما، وتكتب الألف المحذوفة والبدل منها في محلها حمراء، والهمزة المحذوفة تكتب همزة بلا حرف حمراء أيضا، وعلى النون والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب حمراء، وقبل الحلق سكون وتعرى عند الإدغام والإخفاء ويسكن كل مسكن، ويعرى المدغم، ويشدد ما بعده إلا الطاء قبل التاء فيكتب عليها السكون نحو: فرطت، ومطة الممدود لا تجاوزه.
(فائدة) قال الحربي في [غريب الحديث] : قول ابن مسعود: (جردوا القرآن) . يحتمل وجهين: أحدهما: جردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره.
стр. 4032
والثاني: جردوه في الخط من النقط والتعشير. وقال البيهقي: الأبين أن أراد لا تخلطوا به غيره من الكتب؛ لأن ما خلا القرآن من كتب الله إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى وليسوا بمأمونين عليها) اهـ. من [الإتقان] .
وسئل أبو العباس ابن تيمية ﵀ عمن يقول عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: من كتب مصحفا على غير رسم المصحف العثماني فقد أثم، أو قال: كفر فهل هذا صحيح؟ وأكثر المصاحف اليوم على غير المصحف العثماني، فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف العثماني بشرط ألا يبدل لفظا ولا يغير معنى أو لا؟ (١)
فأجاب: أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك فهو كذب على مالك، سواء أريد منه رسم الخط أم رسم اللفظ، فإن مالكا كان يقول عن أهل الشورى: إن لكل منهم مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان، وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام، وهم علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعثمان ﵃، وأيضا فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التي تخرج عن مصحف عثمان ففيه روايتان عن مالك وأحمد، وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم، فكيف يكفر فاعل ذلك. وأما اتباع رسم الخط بحيث يكتبه بالكوفي فلا يجب عند أحد من المسلمين، وكذلك اتباعه فيما كتبه بالواو والألف هو حسن لفظ رسم خط الصحابة (٢) .
стр. 4033
وأما تكفير من كتب ألفاظ المصحف بالخط الذي اعتاده فلا أعلم أحدا قال بتكفير من فعل ذلك، لكن متابعة خطهم أحسن هكذا نقل عن مالك وغيره.. والله أعلم.
وسئل أبو العباس ابن تيمية أيضا ﵀ عمن يقول: إن الشكل والنقط من كلام الله تعالى هل ذلك حق أو باطل؟ إلخ (١) .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفها ولم ينقطوها فإنهم كانوا عربا لا يلحنون، ثم بعد ذلك في آخر عصر الصحابة لما نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها، وذلك جائز عند أكثر العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكرهه بعضهم، والصحيح أنه لا يكره؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل والنقط حكم الحروف المكتوبة، فإن النقط تميز بين الحروف كما أن الشكل يبين الإعراب؛ لأنه كلام من تمام الكلام، ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، فإذا قرأ القارئ: الحمد لله رب العالمين كانت الضمة والفتحة والكسرة من تمام لفظ القرآن. اهـ المقصود.
يتبين مما ذكر ما يأتي:
١ - ضابط ما يحذف مما يزاد في رسم المصحف العثماني من الحروف، وما يستثنى من ذلك وما يبدل من غيره، وما يرسم ألفا من ذلك، وما يرسم ياء، ومنع التغيير فيما ثبت من الرسم العثماني.
стр. 4034
٢ - نقط المصحف وشكله وكيفيته، وكراهة العلماء ذلك مطلقا أو جوازه في غير الأمهات، ثم ثبوت الإجماع على جوازه واستمرار العمل عليه إلى عصرنا.
٣ - تخميس القرآن وتعشيره وكتابة أسماء السور وعدد الآيات، ورسم علامة بين كل آية وما بعدها وعلامات الوقف، وخلاف العلماء في كراهة ذلك وجوازه، ثم ثبوت الإجماع على جوازه بعد استمرار العمل به إلى عصرنا.
٤ - تحريم كتابته بغير اللغة العربية، كما يحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي (١) ، وقد قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢)
وكتب رئيس اللجنة المتشكلة لتفتيش رسم المصاحف المطبوعة ببلدة قزان ملا صادق الايمانقولي القزاني إلى الشيخ محمد رشيد رضا ما يأتي: (بسم الله الرحمن الرحيم. حضرة الأستاذ الفاضل السيد رشيد رضا حفظه الله ومتعنا وسائر المسلمين بعلومه الشريفة.
أما بعد: فإن من المسائل التي تدور بيننا الآن مسألة رسم المصاحف المطبوعة في بلدة قزان حيث إن العلماء صرحوا بأن رسم المصاحف يجب فيه الاتباع لرسم المصاحف التي كتبت بأمر سيدنا عثمان ﵁،
стр. 4035
وفي رسم المصاحف القزانية مخالفة كثيرة لرسم تلك المصاحف. فتشكلت بقزان لجنة من العلماء والقراء لتفتيش رسم هذه المصاحف ونصوص العلماء فيه، وتكلموا في وجوب الاتباع وعدمه فذهب كثير منهم إلى أنه ينبغي اتباع رسم المصاحف العثمانية وأن الرسم سنة متبعة، على ما نص عليه أبو عمرو الداني والشاطبي وابن الجزري والسيوطي والزمخشري وغيرهم. وبعضهم قالوا: إنه لا يجب اتباع الرسم محتجين بقول شيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث قال: (أما الآن فلا يجوز كتابة المصاحف على المرسوم الأول خشية الالتباس، ولئلا يوقع في تغيير من الجهال) .
ويجيب الفريق الأول عن هذا بأن المواضع التي يتوهم فيها الالتباس يمكن التخلص منها بالنقط والأشكال. ثم فتشوا المصاحف المطبوعة في الديار الإسلامية من الأستانة ومصر والهند وغيرها، فوجدوا فيها أيضا مخالفة كثيرة لرسم المصاحف العثمانية فما ندري ما سبب عدم اعتنائهم في هذا الباب؟
أأهملوا في رسم كتابنا المقدس، أم لا يقولون بلزوم الاتباع؟
وإذا كان الاتباع واجبا كما يقول به أكثر الأئمة فما ينبغي أن نصنع لنقرأ برواية حفص المعروفة في بلادنا في مثل كلمة آتان في (سورة النمل) آية (٣٦) ، فإنه كتب في مصاحف سيدنا عثمان ﵁ كلها بغير (ياء) بعد (النون) في مثل هذه المواضع تخلصا من الالتباس والتلفيق في القراءة.
وهل يجوز مخالفة الرسم لأجل الضرورة في مثل تلك الضرورة؟
стр. 4036
وما نصنع في الكلمات التي حذفت فيها الألفات في بعض المصاحف المطبوعة والمكتوبة القديمة مثل كلمة الأعلام والأحلام والأقلام والأزلام والأولاد، وتلك الكلمات كتبت في بعض المصاحف (الأعلم والأحلم والأقلم) بحذف (الألف) بعد (اللام) والحال أن قاعدة الخط العربي تقتضي إثبات الألف في مثلها: وليس فيها نص صريح من علماء الرسم في حق الحذف أو الإثبات هل ينبغي فيها اتباع قاعدة رسم الخط العربي وإثبات الألفات أم نقول: كانوا يعتبرون الظهور وعدم الالتباس ولهذا كانوا يحذفون الألفات فيما ظهر المراد (منه) مثل الكلمات المذكورة فنحذف الألفات فيهن.
ورسم المصاحف المطبوعة هنا ليس على نسق واحد، وفي بعضها يحذف الألفات. وأن المصحف الذي يحفظ في بلدة بترسبورغ عاصمة الروسية في المكتبة الإمبراطورية ويظن كونه واحدا من مصاحف سيدنا عثمان ﵁ قد حذف فيه الألفات في مثل هذه المواضع. والعلامة شهاب الدين المرجاني القزاني الذي أفنى عمره في خدمة العلم وصنف كتابا مفيدا في رسم المصحف، وكان مأمورا بتصحيح المصاحف المطبوعة من جهة الحكومة قد حذف الألفات قصدا في مثل هذه الكلمات، ولزيادة الاطمئنان ولكون المسألة عامة مهمة ومتعلقة بعموم أهل الإسلام اتفقنا على المراجعة إلى جنابكم المحترم بالاستفسار في تلك المسألة رجاء أن تتفضلوا بإبداء ملاحظاتكم العالية في صفحات المنار. والسلام والإكرام.
فأجاب: إن ديننا يمتاز على جميع الأديان بحفظ أصله منذ الصدر الأول، فالذين تلقوا القرآن عمن جاء به من عند الله ﷺ حفظوه وكتبوه
стр. 4037
وتلقاه عنهم الألوف من المؤمنين، وتسلسل ذلك جيلا بعد جيل. وقد أحسن التابعون وتابعوهم وأئمة العلم في اتباع الصحابة في رسم المصحف وعدم تجويز كتابته بما استحدث الناس من فن الرسم، وإن كان أرقى مما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنه صنعة ترتقي بارتقاء المدنية، إذ لو فعلوا لجاز أن يحدث اشتباه في بعض الكلمات باختلاف رسمها وجهل أصلها. فالاتباع في رسم المصحف يفيد مزيد ثقة واطمئنان في حفظه كما هو يبعد الشبهات أن تحوم حوله، وفيه فائدة أخرى وهي حفظ شيء من تاريخ الملة وسلف الأمة كما هو.
نعم، إن تغير الرسم واختلاف الإملاء يجعل قراءة المصحف على وجه الصواب خاصة بمن يتلقاه عن القراء؛ ولذلك أحدثوا فيه النقط والشكل وهي زيادة لا تمنع معرفة الأصل على ما كان عليه في عهد الصحابة. ثم إنه يجعل تعليم الصغار عسرا؛ ولذلك أفتى الإمام مالك بجواز كتابة الألواح ومصاحف التعليم بالرسم المعتاد كما نقل.
قال علم الدين السخاوي في شرحه لعقيلة الشاطبي: قال أشهب ﵀: سئل مالك ﵁ أرأيت من استكتبته مصحفا أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟
فقال: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى. قال مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن، فأقول له: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان والألواح فلا أرى بأسا. ثم قال أشهب: والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحال الأولى إلى أن يعلمها
стр. 4038
الآخر، وفي خلاف ذلك تجهيل الناس بأوليتهم.
وقال أبو عمرو الداني في كتابه المسمى [الحكم في النقط] عقيب قول مالك هذا: ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الأمة، اهـ.
فالذي أراه هو أن تطبع المصاحف التي تتخذ لأجل التلاوة برسم المصحف الإمام الذي كتبه الصحابة عليهم الرضوان حفظا لهذا الأثر التاريخي العظيم الذي هو أصل ديننا كما هو، لكن مع النقط والشكل للضبط. ولو كان لمثل الأمة الإنكليزية هذا الأثر؛ لما استبدلت به ملك كسرى وقيصر، ولا أسطول الألمان الجديد الذي هو شغلها الشاغل اليوم. وأما الألواح والأجزاء وكذا المصاحف التي تطبع لأجل تعليم الصغار بها في الكتاتيب، فلتطبع بالرسم المصطلح عليه اليوم من كل وجه تسهيلا للتعليم، ومتى كبر الصغير وكان متعلما للقرآن بالرسم المشهور لا يغلط إذا هو قرأ في المصاحف المطبوعة برسم الصحابة مع زيادة النقط والشكل. وكذلك يكتب القرآن في أثناء كتب التفسير وغيرها بالرسم الاصطلاحي ليقرأه كل أحد على وجه الصواب. وبهذا تجمع بين حفظ أهم شيء في تاريخ ديننا، وبين تسهيل التعليم وعدم اشتباه القارئين.
أما ما احتج به العز بن عبد السلام على رأيه فليس بشيء؛ لأن الاتباع إذا لم يكن واجبا من الأصل، فإن فرق بين الآن الذي قال فيه ما قال، وبين ما قبله وما بعده، بل يكتب الناس القرآن في كل زمن بما يتعارفون عليه من الرسم، وإذا كان واجبا في الأصل وهو ما لا ينكره فترك الناس له لا يجعله حراما أو غير جائز، لما ذكره من الالتباس، بل يزال هذا الالتباس في أنه لا يسلم له.
стр. 4039
وأما ما طبعه المسلمون من المصاحف في الأستانة وقزان ومصر وغيرها من البلاد غير متبعين فيه رسم المصحف الإمام في كل الكلمات، فسببه التهاون والجهل والاعتماد على بعض المصاحف الخطية التي كتبت قبل عهد الطباعة، فرسم فيها بالرسم المعتاد الكلمات التي يظن أنه يقع الاشتباه فيها إذا هم كتبوها كما كتبها الصحابة كلفظ (الكتاب) بالألف بعد التاء، وهو في المصحف الإمام بغير ألف، ليوافق في بعض الآيات قراءة الجمع فكتبوه بالألف. ولم أر مصحفا كتب أو طبع كله بالرسم المعتاد.
ونحمد الله تعالى أن وفق بعض الناس إلى طبع ألوف من المصاحف برسم الصحابة المتبع، وأحسن المصاحف التي طبعت في أيامنا هذه ضبطا وموافقة للمصحف الإمام المتبع - هو المصحف المطبوع في مطبعة محمد أبي زيد بمصر سنة ١٣٠٨ هـ، إذ وقف على تصحيحه وضبطه الشيخ رضوان بن محمد المخللاتي أحد علماء هذا الشأن وصاحب المصنفات فيه. وقد وضع له مقدمة بين فيها ما يحتاج إليه في ذلك.
فالذي أراه أنه ينبغي للجنة القرآنية: أن تراجع هذا المصحف، فإنها تجد فيه حل عقد المشكلات كلها إن شاء الله تعالى، ككلمة الأقلام وأمثالها، وهي بغير ألف، وكلمة (أتاني) التي رسمت في المصحف الإمام (اتن) فيرون أن هذا المصحف وضع فوق (النون) (ياء) صغيرة مفتوحة هي من قبيل الشكل؛ لتوافق قراءة حفص، فهي فيه هكذا (اتن) .
стр. 4040
وجملة القول: أننا نرى أن الصواب الذي ينبغي أن يتبع ولا يعدل عنه، هو: أن تطبع الأجزاء والمصاحف التي يعلم فيها المبتدئون بالرسم الاصطلاحي؛ لتسهيل التعليم، هو ما جرت عليه الجمعية الخيرية
стр. 4041
الإسلامية هنا بإذن الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى، فهي تطبع أجزاء القرآن كل جزء على حدته بالرسم الاصطلاحي وتوزعها على التلاميذ في مدارسها. وأما سائر المصاحف فيتبع في طبعها رسم المصحف الإمام كالمصحف الذي ذكرناه آنفا. وإذا جرى المسلمون على هذا في الأستانة ومصر وقزان والقريم وسائر البلاد الإسلامية، فلا يمضي جيل أو جيلان إلا وتنقرض المصاحف التي طبع بعض كلماتها بالرسم الاصطلاحي وبعضها برسم الصحابة. ولا ضرر من وجودها الآن إذ هي مضبوطة بالشكل كغيرها، فالاشتباه والخطأ مأمونان في جميع المصاحف، ولله الحمد.
وسئل أيضا (١) : هل هناك مانع شرعا من طبع المصحف الشريف بالكيفية الآتية:
١ - أن يكون بالهجاء الحديث المتبع بالأزهر الشريف وفروعه وجميع معاهد العلم بالديار المصرية وبغيرها من البلاد العربية وغير العربية.
٢ - أن توضع علامات الترقيم الحديثة بين الكلمات، بدلا من وضعها فوق الكتابة بحروف وكلمات غير مفهومة لكثير من البعيدين عن تعليم الأزهر وملحقاته وكثير ما هم.
٣ - أن يوجد بهامش هذا المصحف تفسير عصري مختصر مفيد، بمعرفة لجنة من كبار العلماء، وكل هذا يراد به فائدة من يطلع على هذا المصحف من عامة الناس وخاصتهم. ومنعهم من الخطأ في التلاوة
стр. 4042
بسبب تعقيد الكتابة طبقا لقواعد مضى عليها كثير من القرون، وأصبحت غير معمول بها في جميع الأحوال. ولصون الناس عامة من الفهم الخطأ لما يتلونه من آيات الذكر الحكيم.
وذلك تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١)
هذا ولا يخفى على فضيلتكم أن هذا القرآن إنما هو رسالة الله إلى الناس كافة.
ونرجو نشر الرد بمجلتكم الغراء والإفادة ولكم الشكر من المخلص.
فأجاب بقوله: من المسائل المتفق عليها بين العلماء أو الإجماعية أن خط المصحف الشريف (أي: رسمه) سماعي توقيفي، يجب فيه اتباع الكتبة الأولى (بالكسر، أي: هيئة الكتابة) التي أجمع عليها الصحابة ﵃ ونشروها بالمصاحف الرسمية التي يعبر عن أصلها (بالمصحف الإمام) ؛ ولهذا الاتباع فوائد ودلائل مبسوطة في محلها: أولها: أن كتاب الله عندنا منقول بالتواتر بلفظه وقراءاته ولهجاته ورسم خطه، وأنه بهذا كله حفظ من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان. حتى إن حروفه قد عدت بهذا الرسم ودون عددها في الكتب، ومن فروع ذلك أن لأكثر ما خالف به رسمه الرسم العرفي أسبابا تتعلق بقراءاته ويدخل في هذا ترك نقطه، وشرح ذلك كله يطول.
وكان المسلمون يعتمدون في تعلم القرآن وتلاوته على التلقين والرواية
стр. 4043
والحفظ من الألواح التي يكتبونها ثم يمحونها بعد حفظ ما فيها، ليكتبوا غيره فيها، ثم رأوا أن التلاوة في المصاحف غير المنقوطة يكثر فيها الخطأ لغير الحافظ فاستحدثوا النقط، لمنع ذلك، ثم استحدثوا الشكل لضبط الإعراب وصحة النقط، ثم وضعوا علامات وقف للحاجة إليها وكون معرفة ما يحسن الوقف عليه منوطا بالفهم، وما كل قارئ يفهم، وجعلوا لهذه العلامات أشكالا بحسب درجاتها، ثم وضعوا لضبط التلاوة وتجويدها فنا وللوقف والابتداء فنا أفردوا كلا منهما بالتدوين، وجروا عليهما في التلقين وفي كتابة المصاحف، فالغرض من كل هذه المستحدثات ضبط تلاوة القرآن واتقاء الخطأ فيها.
ولكن لا يزال فيه كلام كثير يخطئ في النطق به من لم يلقنه بالحفظ من زيادة حروف ونقص أخرى، وقد صرنا في زمان يقل فيه من القارئين من يتلقى التجويد وعلامات الوقف على حفاظ المقرئين، فكثر الخطأ في القراءة وفي الوقف والابتداء، واشتهر في الخط وصناعة الطبع ترقيم جديد فيه علامات للوقف وللاستفهام والتعجب ألفها الناس بدون حاجة للترقيم فاستغني بها عن علامات الوقف الكثيرة في المصاحف من الحروف المفردة والمركبة التي صارت منتقدة لعدم فهم الجمهور لها ولاستغناء الحفاظ عنها، ولأن منها كلمات قد يظن الجاهلون بالقرآن أنها منه ككلمتي صلي وقلي فإنني أستنكر وضعهما في المصاحف أشد الاستنكار.
ويرى السائل وغيره أنني جريت في تفسيري للقرآن الحكيم المعروف بـ[تفسير المنار] ظهر علي التزام رسم الإمام في الآيات المضبوطة بالشكل التام مع علامات الترقيم العصرية، ثم رسم الآيات في أثناء
стр. 4044
تفسيرها بالرسم العرفي الذي يعرفه جميع المتعلمين مع الترقيم فيها وفي تفسيرها، وأخالف الطريقة المتبعة في وزارة المعارف والأزهر في الياء المتطرفة فألتزم نقط ما ينطق بها ياء دون ما كانت ألفا منقلبة عنها لكثرة ما يقع من الاشتباه فيهما كالفعل الماضي من الرواية في بنائه للمعلوم والمجهول.
فعلم بهذا أنني لا أرى مانعا شرعيا يمنع مما سأل عنه السائل، بل أرى أنه واجب، ولهذا جريت عليه بالفعل منذ أكثر من ثلث قرن، فإن الخط والطبع صناعتان يقصد بهما أداء الكلام أداء صحيحا. وتصحيح أداء القرآن واجب شرعا، وتحريفه بالنطق محرم شرعا. وقد جرى جميع علماء المسلمين في تفاسيرهم على كتابة القرآن بالرسم العرفي، وهم آمنون على حفظ رسمه الأصلي الذي كتبه به أصحاب النبي ﷺ بأمر الخلفاء الراشدين، لكثرة المصاحف فيه، بل خالفوا رسم المصحف الإمام في كثير من الكلمات التي يشتبه في قراءتها الجمهور منذ قرون ولم أقف على تاريخها، وهذا ليس بحجة وإنما الحجة وجوب صيانة القرآن من الخطأ في قراءته، وهي مقدمة على حفظ رسم السلف لو تعذر الجمع بينهما ولا تعذر.
وأما تيسير فهمه على الناس كافة بتفسير سهل العبارة مناسب لحاجة العصر فهو واجب لا معارض له، وقد طبع بعض الناس تفسير البيضاوي على حواشي المصحف، وهو تفسير دقيق وجيز وضع لتذكير العلماء بخلاصة ما في أشهر التفاسير، وبعضهم طبع الجلالين وهو مختصر مخل قلما يستفيد منه الدهماء، وقد تحريت السهولة واجتناب الاصطلاحات
стр. 4045
الفنية والعلمية في [تفسير المنار] ولكنه مطول، وقد كثر اقتراح الناس على أن أختصره أو أكتب تفسيرا مختصرا، فشرعت وعلى الله توكلت.
стр. 4046
ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول عن كتابة المصحف بالرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء:
أ- إن القرآن هو الأصل الذي يرجع إليه المسلمون في معرفة عقائدهم وعباداتهم وقد حث الله على تلاوته وتدبر آياته واستنباط الأحكام منه، وتحكيمه في جميع الشئون والأحوال، وبينت السنة النبوية فضائله، وحثت على تعلمه وتعليمه والتعبد بتلاوته والعمل بما فيه من أحكام، وقد كان السلف ﵏ يعرفون الرسم العثماني، فيسهل عليهم قراءة القرآن بذلك الرسم، وقاموا بما وجب عليهم من تدبره وأخذ الأحكام منه وتحكيمه فيما شجر بينهم - خير قيام.
ولما طال الأمد، ووضعت قواعد جديدة للإملاء وسار عليها الكتاب، وألفها القراء بكثرة استعمالها كتابة وقراءة، شق عليهم أن يقرءوا القرآن بالرسم الذي كتبت به المصاحف العثمانية، فتيسيرا عليهم، ودفعا للحرج عنهم يجوز أن يكتب القرآن بالمصاحف وغيرها حسب قواعد الإملاء؛ لتمكن الجمهور من تلاوته بسهولة تلاوة صحيحة، ويتعبدوا بقراءته دون تحريف، ويتحفظوه على طريق مستقيم، فإن الشريعة سمحة سهلة، جاءت بالتيسير ورفع الحرج، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) ومن
стр. 4047
القواعد الثابتة في الشريعة أن المشقة تجلب التيسير.
ب- في عهد بني أمية كثر دخول الأعاجم في الإسلام، واختلط بهم مسلمو العرب، وكثر اللحن، وخيف على كثير من المسلمين أن يلحنوا في قراءة القرآن، فأمر الخليفة عبد الملك بن مروان بنقط المصحف وشكله؛ صيانة له من اللحن والتحريف في القراءة، وتصدى لذلك الحجاج بن يوسف الثقفي، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر فقاما بنقطه وشكله، ولم يكن ذلك بدعا من القول ولا ابتداعا في الدين؛ لبنائه على مقاصد الشريعة في حفظ القرآن وتيسير تعلمه وتعليمه وإبلاغه للناس، هداية لهم وإقامة للحجة عليهم، ثم ثبت إجماع الأمة على نقط المصحف وشكله، واستمر العمل على ذلك إلى عصرنا فلم يعرف من أنكر ذلك مع طول العهد.
وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على أن جمع أبي بكر الصديق القرآن أولا وجمع عثمان بن عفان له ثانيا من محامدهما ﵄.
ولا شك أن كتابة المصحف حسب القواعد الإملائية من جنس جمع القرآن أولا وثانيا ومن جنس نقطه وشكله، من جهة البناء على مقاصد الشريعة والاعتماد على المصالح العامة، إذ كل منها يرجع في حكمه إلى المصالح العامة التي شهدت لها أدلة الشريعة جملة وإن لم يدل عليها بخصوصها دليل معين. فكانت كتابته حسب القواعد الإملائية مشروعة.
إن القرآن لم ينزل مكتوبا، وإنما نزل وحيا متلوا، فأملاه النبي ﷺ على كتبته وكان أميا، فكتبوه بالرسم المعهود عندهم، وكانوا ضعافا في صناعة
стр. 4048
الكتابة، ولذا حصل بعض الاختلاف في رسم كتابتهم، بل في رسم بعض الكلمات في مصاحف الأمصار المنتسخة من المصحف العثماني، فيجوز أن يكتب أيضا بالرسم الإملائي.
وقد ذكر ذلك الاختلاف الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه [المقنع] ، وبين سبب هذا الاختلاف فقال:
стр. 4049
باب
ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف
أخبرني الخاقاني قال: حدثنا الأصبهاني قال: حدثنا الكسائي عن ابن الصباح قال: قال محمد بن عيسى عن نصير: وهذا ما اختلف فيه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل المدينة وأهل مدينة السلام وأهل الشام في كتابة المصاحف.
كتبوا في سورة (البقرة) إلى آخرها في بعض المصاحف (إبرهم) بغير ياء، وفي بعضها بالياء، قال أبو عمرو: وبغير ياء وجدت أنا ذلك في مصاحف أهل العراق في البقرة خاصة، وكذلك رسم في مصاحف أهل الشام، وقال معلى بن عيسى الوراق عن عاصم الجحدري (إبرهم) في (البقرة) بغير ياء، كذلك وجد في الإمام وحدثنا الخاقاني شيخنا قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو عبيد قال: تتبعت رسمه في المصاحف فوجدته كتب في البقرة خاصة (إبرهم) بغير ياء، قال نصير: وفي بعضها (فيضاعفه) (٢٤٥) بالألف، وفي بعضها بغير ألف، وفي بعضها (قل بئس ما يأمركم به) (٩٢) مقطوع، وفي بعضها (بئسما) موصولة، وفي بعضها (ملئكة) وكتابه (٢٨٥) بالألف، وفي
стр. 4050
بعضها (وكتبه) بغير ألف.
وفي (آل عمران) في بعض المصاحف (ويقاتلون الذين) (٢١) بالألف، وفي بعضها (ويقتلون) بغير ألف، وفي (المائدة) في بعض المصاحف (نحن أبنؤا الله) (١٨) بالواو والألف، وفي بعضها (أبناء الله) بغير واو، وفي بعضها (نخشا أن تصيبنا دائرة) (٥٢) بالألف، وفي بعضها بالياء، وفي بعضها (فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا ساحر مبين) (١١٠) بالألف، وفي بعضها (سحر) بغير ألف، وفي بعضها أو كفارة طعام مساكين (٩٥) بالألف، وفي بعضها (مسكين) بغير ألف.
وفي (الأنعام) في بعض المصاحف فالق الحب (٩٥) بالألف، وفي بعضها (فلق) بغير ألف، وفي بعض المصاحف وجعل الليل سكنا (٩٦) بغير ألف، وفي بعضها (وجاعل) بالألف، وفي بعضها لئن أنجيتنا (٦٣) بالياء والتاء والنون، وفي بعضها (أنجينا) بالياء والنون.
وفي (الأعراف) في بعض المصاحف (كل ما دخلت أمة) (٣٨) مقطوعة، وفي بعضها (كلما) موصولة، وفي بعضها يأتوك بكل سحار عليم (١١٢) الألف بعد الحاء، وفي بعضها (ساحر) الألف قبل الحاء، وفي بعضها (إذا مسهم طيف) (٢٠١) بغير ألف، وفي بعضها (طائف) بألف، وفي بعضها وريشا ولباس التقوى (٢٦) بغير ألف، وفي بعضها (ورياشا) بالألف، قال أبو عمرو: ولم يقرأ بذلك أحد من أئمة العامة إلا ما رويناه عن المفضل بن محمد الضبي عن عاصم، وبذلك قرأنا من طريقه.
وفي (براءة) كتبوا في بعض المصاحف (ولأوضعوا) (٤٧) بغير
стр. 4051
ألف، وفي بعضها (ولا أوضعوا) بألف.
وفي (يونس) في بعض المصاحف (إن هذا لساحر) (٧٦) بالألف، وفي بعضها (لسحر مبين) بغير ألف، وفي بعضها (وقال فرعون ائتوني بكل سحار) (٧٩) الألف بعد الحاء، وفي بعضها (سحر) بغير ألف.
وفي (إبراهيم) في بعض المصاحف (وذكرهم بأيم الله) (٥) قال أبو عمرو: يعني: بياء من غير ألف، وقد رأيته أنا في بعض مصاحف أهل المدينة والعراق، وكذلك ذكره الغازي بن قيس في كتابه بياءين من غير ألف، قال نصير: وفي بعضها بأيام الله بألف وياء واحدة.
وفي (الحجر) في بعض المصاحف وأرسلنا الرياح لواقح بألف على الإجماع، وبعضها (الريح) ، بغير ألف على واحدة.
وفي (بني إسرائيل) في بعض المصاحف (أو كلهما) (٢٣) بغير ألف، وفي بعضها (أو كلاهما) بألف وليس في شيء من المصاحف فيها ياء، وفي بعضها سبحان ربي (٩٣) بالألف، وفي بعضها (سبحن) بغير ألف، ولا يكتب في جميع القرآن بألف غير هذا الحرف اختلفوا فيه.
وفي (الكهف) في بعض المصاحف فله جزاء الحسنى (٨٨) بغير واو، في بعضها (جزؤا) بالواو، وفي بعض المصاحف (فهل نجعل لك خراجا) (٩٤) بألف، وفي بعضها (خرجا) بغير ألف، وفي بعض المصاحف (تذروه الريح) (٤٥) بغير ألف، وفي بعضها (الرياح) بألف.
وفي (طه) في بعض المصاحف (لا تخف دركا) (٧٧) بغير ألف، وفي بعضها (لا تخاف) بألف.
стр. 4052
وفي (الأنبياء) كتبوا في بعض المصاحف (قال ربي) (٤) بالألف، وفي بعضها (قل ربي) بغير ألف، وفي بعضها أن لا إله إلا أنت (٨٧) ، وفي بعضها بغير نون، وفي بعضها في ما اشتهت أنفسهم (١٠٢) مقطوع، وفي بعضها موصول.
وفي (الحج) في بعض المصاحف (إن الله يدافع) (٣٨) بالألف، وفي بعضها بغير ألف.
وفي (المؤمنون) في بعض المصاحف قال كم لبثتم (١١٢) بألف، وفي بعضها (قل) بغير ألف، وفي بعضها (قل إن لبثتم إلا قليلا) (١١٤) بألف، وفي بعضها (قال) بالألف، وفي بعضها (سيقولون لله لله لله) (٨٥، ٨٧، ٨٩) ثلاثتها بغير ألف، وفي بعضها: الأول (لله) بغير ألف، والاثنان بعده (الله الله) ، وفي بعض المصاحف كل ما جاء أمة رسولها (٤٤) مقطوع، وفي بعضها (كلما) موصولة، وفي بعضها (أم تسئلهم خراجا) (٧٢) بألف، وفي بعضها (خرجا) بغير ألف، وكتبوا فخراج ربك (٧٢) في جميع المصاحف بالألف.
وفي (الفرقان) في بعض المصاحف (فيها سرجا) (٦١) بغير ألف، وفي بعضها (سراجا) بالألف.
وفي (الشعراء) في بعض المصاحف (أتتركون فيما ههنا آمنين) (١٤٦) موصولة، وفي بعضها في ما مقطوعة، وفي بعضها (فارهين) (١٤٩) بألف، وفي بعضها (فرهين) بغير ألف، وكذلك (حاذرون) (٥٦) و (حذرون) .
وفي (النمل) في بعض المصاحف (تهدي العمي) (٨١) بالتاء بغير
стр. 4053
ألف، وفي بعضها (بهادي) بألف وياء بعد الدال، وفي بعضها (فناظرة) (٣٥) بالألف، وفي بعضها (فنظرة) بغير ألف.
وفي (القصص) في بعض المصاحف (قالوا ساحران تظاهرا) (٤٨) بألف، وفي بعضها (سحران) بغير ألف بعد السين.
وفي (الروم) في بعض المصاحف (وما أنت تهد العمي) (٥٣) بغير ألف ولم يثبتوا فيها ياء، وفي بعضها (بهاد) بألف وليس فيها ياء. التي في (الروم) ليس فيها في شيء من المصاحف ياء، والتي في (النمل) (٨١) فيها ياء في جميع المصاحف، وفي بعضها وما آتيتم من ربا (٣٩) بالألف بغير واو، وفي بعضها (ربوا) بالواو.
وفي (الأحزاب) في بعض المصاحف (يسئلون عن أنبائكم) (٢٠) بغير ألف، وفي بعضها (يسألون) بالألف، قال أبو عمرو: ولم يقرأ بذلك أحد من أئمة القراء إلا ما رويناه من طريق محمد بن المتوكل ورويس عن يعقوب الحضرمي، وبذلك قرأنا في مذهبه، وحدثنا أحمد بن عمر قال: حدثنا ابن منير قال: حدثنا عبد الله بن عيسى، قال: حدثنا ابن مينا قالون عن نافع: أن ذلك في الكتاب بغير ألف.
وفي (يس) في بعض المصاحف (وما عملت أيديهم) (٣٥) بالتاء من غير هاء، وفي بعضها (وما عملته) بالهاء، وفي بعضها في شغل فاكهون (٥٥) بالألف، وفي بعضها (فكهون) بغير ألف.
وفي (المؤمن) في بعض المصاحف (وكذلك حقت كلمت ربك) (٦) بالتاء، وفي بعضها (كلمة) بالهاء، وفي بعضها (إذ القلوب لدا الحناجر) (١٨) بالألف، وفي بعضها (لدى) بالياء.
стр. 4054
وفي (الدخان) في بعض المصاحف (فيها فاكهين) (٢٧) بالألف، وفي بعضها (فكهين) بغير ألف.
وفي (الأحقاف) في بعض المصاحف (ووصينا الإنسان بوالديه إحسنا) (١٥) يجعلون أمام الحاء ألفا كذا قال، وصوابه: قبل الحاء، وفي بعضها (حسنا) بغير ألف.
وفي (الطور) في بعض المصاحف (فاكهين) (١٨) بالألف، وفي بعضها (فكهين) بغير ألف.
وفي (اقتربت) في بعض المصاحف (خاشعا) (٧) بالألف، وفي بعضها (خشعا) بغير ألف.
وفي (الرحمن) كتبوا في بعض المصاحف (فبأي آلاء ربكما تكذبان) بالألف، وفي بعضها (تكذبن) بغير ألف من أول السورة إلى آخرها، وفي بعض المصاحف (وجنا الجنتين دان) (٥٤) بالألف، وفي بعضها (وجنى) بالياء.
وفي (الواقعة) في بعض المصاحف (فلا أقسم بمواقع النجوم) (٧٥) بغير ألف، وفي بعضها (بمواقع) بالألف.
وفي (الحديد) في بعض المصاحف (فيضعفه) (١١) بغير ألف، وفي بعضها (فيضاعفه) بالألف، وفي بعضها (يضاعف لهم) (١٨) بالألف، وفي بعضها (يضعف) بغير ألف.
وفي (المنافقون) في بعض المصاحف (وأنفقوا من ما رزقنكم) (١٠) مقطوع، وفي بعضها (مما) موصول.
وفي (الملك) في بعض المصاحف (كل ما ألقي فيها فوج) (٨)
стр. 4055
مقطوع، وفي بعضها (كلما) موصول.
وفي (قل أوحي) في بعض المصاحف قل إنما أدعو ربي (٢٠) بغير ألف، وقال أبو عمرو: قال الكسائي: قال الجحدري: هو في الإمام (قل) قاف لام.
وفي (المرسلات) في بعض المصاحف (جمالت) (٣٣) بألف بعد الميم، وفي بعضه (جملت) بغير ألف، قال أبو عمرو: وليس في شيء منها ألف قبل التاء.
وفي (المطففين) في بعض المصاحف (فكهين) (٣١) بغير ألف، وفي بعضها (فاكهين) بالألف.
وفي (أرأيت) في بعض المصاحف (أريت) (١) بغير ألف، وفي بعضها (أرأيت) بالألف، وفي بعض المصاحف (أرأيتم) بالألف، وفي بعضها (أريتم) بغير ألف في جميع القرآن.
قال أبو عمرو: ورأيت أبا حاتم قد حكى عن أيوب بن المتوكل: أنه رأى في مصاحف أهل المدينة (إنا لنصر رسلنا) (٥١) في (غافر) بنون واحدة، ولم نجد ذلك كذلك في شيء من المصاحف، وبالله التوفيق.
стр. 4056
باب ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام بالزيادة والنقصان
وهذا الباب سمعناه من غير واحد من شيوخنا من ذلك:
في (البقرة) في مصاحف أهل الشام (قالوا اتخذ الله ولدا) (١١٦) بغير
стр. 4057
واو قبل (قالوا) وفي سائر المصاحف (وقالوا) بالواو، وفي مصاحف أهل المدينة والشام (وأوصى بها) (١٣٢) بألف بين الواوين، قال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، وفي سائر المصاحف (ووصى) بغير ألف.
وفي (آل عمران) في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا إلى مغفرة) (١٣٣) بغير واو قبل السين، وفي سائر المصاحف (وسارعوا) بالواو، وفيها في مصاحف أهل الشام (وبالزبر وبالكتب) (١٨٤) بزيادة باء في الكلمتين، كذا رواه لي خلف بن إبراهيم عن أحمد بن محمد عن علي عن أبي عبيد عن هشام بن عمار عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن ابن عامر، وعن هشام عن سويد بن عبد العزيز عن الحسن بن عمران عن عطية بن قيس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن مصاحف أهل الشام، وكذلك حكى أبو حاتم أنهما مرسومان بالباء في مصحف أهل حمص الذي بعث عثمان به إلى الشام وقال هارون بن موسى الأخفش الدمشقي إن الباء زيدت في الإمام يعني: الذي وجه به إلى الشام في (وبالزبر) وحدها، وروى الكسائي عن أبي حيوة شريح بن يزيد أن ذلك كذلك في المصحف الذي بعث به عثمان إلى الشام والأول أعلى إسنادا، وهما في سائر المصاحف بغير باء.
وفي (النساء) قال الكسائي والفراء: في بعض مصاحف أهل الكوفة (والجار ذا القربى) (٣٦) بألف، ولم نجد ذلك كذلك في شيء من مصاحفهم ولا قرأ به أحد منهم، وفي مصاحف أهل الشام (ما فعلوه إلا قليلا منهم) (٦٦) بالنصب، وفي سائر المصاحف (إلا قليل) بالرفع.
стр. 4058
وفي (المائدة) في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام (يقول الذين آمنوا) (٥٣) بغير واو قبل (يقول) وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق (ويقول) بالواو، وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام (من يرتدد منكم) (٥٤) بدالين قال أبو عبيد: وكذا رأيتها في الإمام بدالين وفي سائر المصاحف (يرتد) بدال واحدة.
وفي (الأنعام) في مصاحف أهل الشام (ولدار الآخرة) (٣٢) بلام واحدة، وفي سائر المصاحف بلامين، وفيها في مصاحف أهل الكوفة (لئن أنجينا من هذه) (٦٣) بياء من غير تاء، وفي سائر المصاحف (لئن أنجيتنا) بالياء والتاء، وليس في شيء منها ألف بعد الجيم، وفيها في مصاحف أهل الشام (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركائهم) (١٣٧) بالياء، وفي سائر المصاحف (شركاؤهم) بالواو.
وفي (الأعراف) في مصاحف أهل الشام (قليلا ما يتذكرون) (٣) بالياء والتاء، وفي سائر المصاحف (تذكرون) بالتاء من غير ياء، وفيها في مصاحف أهل الشام (ما كنا لنهتدي) (٤٣) بغير واو قبل (ما) وفي سائر المصاحف (وما) بالواو، وفيها في مصاحف أهل الشام في قصة صالح (وقال الملأ الذين استكبروا) (٧٥) بزيادة واو قبل (قال) وفي سائر المصاحف (قال) بغير واو، وفيها في مصاحف أهل الشام (وإذ أنجاكم من آل فرعون) (١٤١) بألف من غير ياء ولا نون، وفي سائر المصاحف (أنجينكم) بالياء والنون من غير ألف.
وفي (براءة) في مصاحف أهل المدينة والشام (الذين اتخذوا مسجدا ضرارا) (١٠٧) بغير واو قبل (الذين) وفي سائر المصاحف (والذين)
стр. 4059
بالواو، وفيها في مصاحف أهل مكة (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من) وفي سائر المصاحف بغير (من) .
وفي (يونس) في مصاحف أهل الشام (هو الذي ينشركم في البر والبحر) (٢٢) بالنون والشين، وفي سائر المصاحف (يسيركم) بالسين والياء.
وفي (سبحان) في مصاحف أهل مكة والشام (قال سبحان ربي هل كنت) (٩٣) بألف، وفي سائر المصاحف (قل) بغير ألف.
وفي (الكهف) في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام (خيرا منهما منقلبا) (٣٦) بزيادة ميم بعد الهاء على التثنية، وفي سائر مصاحف أهل العراق (منها) بغير ميم على التوحيدة، وفيها في مصاحف أهل مكة (ما مكنني فيه ربي) (٩٥) بنونين، وفي سائر المصاحف (مكني) بنون واحدة.
وفي (الأنبياء) في مصاحف أهل الكوفة (قال ربي يعلم القول) (٤) بألف، وفي سائر المصاحف (قل ربي) بغير ألف، وفيها في مصاحف أهل مكة (ألم ير الذين كفروا) (٣٠) بغير واو بين الهمزة واللام، وفي سائر المصاحف (أو لم ير الذين) بالواو.
وفي (المؤمنون) في مصاحف أهل البصرة (سيقولون الله قل أفلا تتقون) (٨٧) (سيقولون الله قل فأنى تسحرون) (٨٩) بالألف في الاسمين الأخيرين، وفي سائر المصاحف (لله) فيهما قال أبو عبيد: وكذلك رأيت ذلك في الإمام، وقال هارون الأعور عن عاصم الجحدري: كانت في الإمام (لله) (لله) وأول من ألحق هاتين الألفين نصر بن
стр. 4060
عاصم الليثي، وقال أبو عمرو: كان الحسن يقول: الفاسق عبيد الله بن زياد زاد فيهما ألفا، وقال يعقوب الحضرمي: أمر عبيد الله بن زياد أن يزاد فيهما ألف.
стр. 4061
قال أبو عمرو: وهذه الأخبار عندنا لا تصح لضعف نقلتها واضطرابها وخروجها عن العادة إذ غير جائز أن يقدم نصر وعبيد الله هذا الإقدام من الزيادة في المصاحف مع علمهما بأن الأمة لا تسوغ لهما ذلك، بل تنكره وترده وتحذر منه ولا تعمل عليه، وإذا كان ذلك بطل إضافة زيادة هاتين الألفين إليهما، وصح أن إثباتهما من قبل عثمان والجماعة رضوان الله عليهم على حسب ما نزل به من عند الله تعالى، وما أقرأه رسول الله ﷺ ، واجتمعت المصاحف على أن الحرف الأول (سيقولون لله) (٥٨) بغير ألف قبل اللام، وفيها في مصاحف أهل الكوفة (قل كم لبثتم) (١١٢) و (قل إن لبثتم) (١١٤) بغير ألف في الحرفين، وفي سائر المصاحف (قال) بالألف في الحرفين، وينبغي أن يكون الحرف الأول في مصاحف أهل مكة بغير ألف والثاني بالألف؛ لأن قراءتهم فيهما كذلك، ولا خبر عندنا في ذلك عن مصاحفهم إلا ما رويناه عن أبي عبيد أنه قال: ولا أعلم مصاحف أهل مكة إلا عليها - يعني: على إثبات الألف في الحرفين -.
وفي (الفرقان) في مصاحف أهل مكة (وننزل الملائكة تنزيلا) (٢٥) بنونين وفي سائر المصاحف (ونزل) بنون واحدة.
وفي (الشعراء) في مصاحف أهل المدينة والشام (فتوكل على العزيز الرحيم) (٢١٧) بالفاء، وفي سائر المصاحف (وتوكل) بالواو.
وفي (النمل) في مصاحف أهل مكة (وليأتينني بسلطان مبين) (٢١)
стр. 4062
بنونين، وفي سائر المصاحف بنون واحدة.
وفي (القصص) في مصاحف أهل مكة (قال موسى ربي أعلم) (٣٧) بغير واو قبل (قال) وفي سائر المصاحف (وقال) بالواو.
وفي (يس) في مصاحف أهل الكوفة (وما عملت أيديهم) (٣٥) بغير هاء بعد التاء، وفي سائر المصاحف (وما عملته) بالهاء، وفي الزمر في مصاحف أهل الشام (تأمرونني أعبد) (٦٤) بنونين، وفي سائر المصاحف (تأمروني أعبد) بنون واحدة.
وفي (المؤمن) في مصاحف أهل الشام (كانوا هم أشد منكم) (٢١) بالكاف، وفي سائر المصاحف (أشد منهم) بالهاء، وفيها في مصاحف أهل الكوفة (أو أن يظهر في الأرض الفساد) بزيادة الألف قبل الواو، وروى هارون عن صخر بن جويرية وبشار الناقط عن أسيد: أن ذلك كذلك في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، وفى سائر المصاحف (وأن يظهر) بغير ألف.
وفي (الشورى) في مصاحف أهل المدينة والشام (بما كسبت أيديكم) (٣٠) بغير فاء قبل الباء، وفي سائر المصاحف (فبما كسبت) بزيادة فاء.
وفي (الزخرف) في مصاحف أهل المدينة والشام (يا عبادي لا خوف عليكم) (٦٨) بالياء، وفي مصاحف أهل العراق (يا عباد) بغير الياء، وكذا ينبغي أن يكون في مصاحف أهل مكة؛ لأن قراءتهم فيه كذلك، ولا نص عندنا في ذلك في مصاحفهم، إلا ما حكاه ابن مجاهد: أن ذلك في مصاحفهم بغير ياء، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك في مصاحفهم
стр. 4063
بالياء، وأحسبه أخذ ذلك من قول أبي عمرو إذ حكى أنه رأى الياء في ذلك ثابتة في مصاحف أهل الحجاز، ومكة من الحجاز. والله أعلم.
وحدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا محمد بن قطن، قال: حدثنا سليمان بن خلاد، قال: حدثنا اليزيدي، قال أبو عمرو: (يا عبادي) رأيتها في مصاحف أهل المدينة والحجاز بالياء، وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام (ما تشتهيه الأنفس) (٧١) بهائين، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك كذلك في مصاحف أهل الكوفة، وهو غلط، قال أبو عبيد: وبهاءين رأيته في الإمام، وفي سائر المصاحف (تشتهي) بهاء واحدة.
وفي (الأحقاف) في مصاحف أهل الكوفة (بوالديه إحسانا) (١٥) بزيادة ألف قبل الحاء وبعد السين، وفي سائر المصاحف (حسنا) بغير ألف.
وفي (القتال) قال خلف بن هشام البزار: في مصاحف أهل مكة والكوفيين (فهل ينظرون إلا الساعة إن تأتهم) (١٨) بالكسر مع الجزم.
وفي (الرحمن) في مصاحف أهل الشام (والحب ذا العصف والريحان) (١٢) بالألف والنصب، وفي سائر المصاحف (ذو العصف) بالواو والرفع، قال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان ﵁، وفيها في مصاحف أهل الشام (ذو الجلال والإكرام) (٧٨) آخر السورة بالواو، وفي سائر المصاحف (ذي الجلال والإكرام) بالياء، والحرف الأول (٢٧) في كل المصاحف بالواو.
وفي (الحديد) في مصاحف أهل الشام (وكل وعد الله الحسنى) (١٠) بالرفع، وفي سائر المصاحف (وكلا) بالنصب، وفيها في مصاحف أهل
стр. 4064
المدينة والشام (فإن الله الغني الحميد) بغير (هو) .
وفي سائر المصاحف (هو الغني) بزيادة (هو) ، وفي (والشمس) في مصاحف أهل المدينة والشام (فلا يخاف عقبها) (١٥) بالفاء، وفي سائر المصاحف (ولا يخاف) بالواو حدثنا ابن خاقان قال: حدثنا أحمد المكي قال: حدثنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: هذه الحروف التي اختلفت في مصاحف الأمصار مثبتة بين اللوحين وهي كلها منسوخة من الإمام الذي كتبه عثمان ثم بعث إلى كل أفق مما نسخ بمصحف، وهي كلها كلام الله .
حدثنا خلف بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا القاسم بن سلام قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني أن أهل الحجاز وأهل العراق اختلفت مصاحفهم في هذه الحروف قال القاسم: وهي اثنا عشر حرفا: كتب أهل المدينة في (سورة البقرة) (وأوصى بها إبراهيم بنيه) (١٣٢) بألف، وكتب أهل العراق (ووصى) بغير ألف.
وفي (آل عمران) كتب أهل المدينة (سارعوا إلى مغفرة) (١٣٣) بغير واو، وأهل العراق (وسارعوا) بالواو.
وفي (المائدة) كتب أهل المدينة (يقول الذين آمنوا) (٥٣) بغير واو، وأهل العراق (ويقول) بالواو وفيها أيضا كتب أهل المدينة (من يرتدد منكم) (٥٤) بدالين، وأهل العراق (من يرتد) بدال واحدة.
وفي (براءة) أهل المدينة (الذين اتخذوا مسجدا) (١٠٧) بغير واو، وأهل العراق (والذين) بالواو.
стр. 4065
وفي (الكهف) أهل المدينة (خيرا منهما منقلبا) (٣٦) على اثنين، وأهل العراق (خيرا منها) على واحدة.
وفي (الشعراء) أهل المدينة (فتوكل على العزيز الرحيم) (٢١٧) بالفاء، وأهل العراق (وتوكل) بالواو.
وفي (المؤمن) أهل المدينة (وأن يظهر في الأرض الفساد) (٢٦) بغير ألف، وأهل العراق (أو أن) بألف.
وفي (عسق) أهل المدينة (بما كسبت أيديكم) (٣٠) بغير فاء، وأهل العراق (فبما) بالفاء.
وفي (الزخرف) أهل المدينة (تشتهيه الأنفس) (٧١) بهاءين، وأهل العراق (تشتهي) بهاء واحدة.
وفي (الحديد) أهل المدينة (فإن الله الغني الحميد) (٢٤) بغير (هو) .
وفي (والشمس وضحاها) أهل المدينة (فلا يخاف عقباها) (١٥) بالفاء، وأهل العراق (ولا يخاف) بالواو، حدثنا أحمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن عيسى قال: حدثنا قالون عن نافع: أن الحروف المذكورة في مصاحف أهل المدينة على ما ذكر إسماعيل سواء.
حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا ابن مجاهد قال: في مصاحف أهل مكة في (التوبة) (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من) .
وفي (سبحان) (قال سبحان ربي) (٩٣) بألف.
وفي (الكهف) (ما مكنني فيه) (٩٥) بنونين.