← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

قال أبو عمرو: وهذه الأخبار عندنا لا تصح لضعف نقلتها واضطرابها وخروجها عن العادة إذ غير جائز أن يقدم نصر وعبيد الله هذا الإقدام من الزيادة في المصاحف مع علمهما بأن الأمة لا تسوغ لهما ذلك، بل تنكره وترده وتحذر منه ولا تعمل عليه، وإذا كان ذلك بطل إضافة زيادة هاتين الألفين إليهما، وصح أن إثباتهما من قبل عثمان والجماعة رضوان الله عليهم على حسب ما نزل به من عند الله تعالى، وما أقرأه رسول الله ﷺ ، واجتمعت المصاحف على أن الحرف الأول (سيقولون لله) (٥٨) بغير ألف قبل اللام، وفيها في مصاحف أهل الكوفة (قل كم لبثتم) (١١٢) و (قل إن لبثتم) (١١٤) بغير ألف في الحرفين، وفي سائر المصاحف (قال) بالألف في الحرفين، وينبغي أن يكون الحرف الأول في مصاحف أهل مكة بغير ألف والثاني بالألف؛ لأن قراءتهم فيهما كذلك، ولا خبر عندنا في ذلك عن مصاحفهم إلا ما رويناه عن أبي عبيد أنه قال: ولا أعلم مصاحف أهل مكة إلا عليها - يعني: على إثبات الألف في الحرفين -. وفي (الفرقان) في مصاحف أهل مكة (وننزل الملائكة تنزيلا) (٢٥) بنونين وفي سائر المصاحف (ونزل) بنون واحدة. وفي (الشعراء) في مصاحف أهل المدينة والشام (فتوكل على العزيز الرحيم) (٢١٧) بالفاء، وفي سائر المصاحف (وتوكل) بالواو. وفي (النمل) في مصاحف أهل مكة (وليأتينني بسلطان مبين) (٢١)

стр. 4062

بنونين، وفي سائر المصاحف بنون واحدة. وفي (القصص) في مصاحف أهل مكة (قال موسى ربي أعلم) (٣٧) بغير واو قبل (قال) وفي سائر المصاحف (وقال) بالواو. وفي (يس) في مصاحف أهل الكوفة (وما عملت أيديهم) (٣٥) بغير هاء بعد التاء، وفي سائر المصاحف (وما عملته) بالهاء، وفي الزمر في مصاحف أهل الشام (تأمرونني أعبد) (٦٤) بنونين، وفي سائر المصاحف (تأمروني أعبد) بنون واحدة. وفي (المؤمن) في مصاحف أهل الشام (كانوا هم أشد منكم) (٢١) بالكاف، وفي سائر المصاحف (أشد منهم) بالهاء، وفيها في مصاحف أهل الكوفة (أو أن يظهر في الأرض الفساد) بزيادة الألف قبل الواو، وروى هارون عن صخر بن جويرية وبشار الناقط عن أسيد: أن ذلك كذلك في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، وفى سائر المصاحف (وأن يظهر) بغير ألف. وفي (الشورى) في مصاحف أهل المدينة والشام (بما كسبت أيديكم) (٣٠) بغير فاء قبل الباء، وفي سائر المصاحف (فبما كسبت) بزيادة فاء. وفي (الزخرف) في مصاحف أهل المدينة والشام (يا عبادي لا خوف عليكم) (٦٨) بالياء، وفي مصاحف أهل العراق (يا عباد) بغير الياء، وكذا ينبغي أن يكون في مصاحف أهل مكة؛ لأن قراءتهم فيه كذلك، ولا نص عندنا في ذلك في مصاحفهم، إلا ما حكاه ابن مجاهد: أن ذلك في مصاحفهم بغير ياء، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك في مصاحفهم

стр. 4063

بالياء، وأحسبه أخذ ذلك من قول أبي عمرو إذ حكى أنه رأى الياء في ذلك ثابتة في مصاحف أهل الحجاز، ومكة من الحجاز. والله أعلم. وحدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا محمد بن قطن، قال: حدثنا سليمان بن خلاد، قال: حدثنا اليزيدي، قال أبو عمرو: (يا عبادي) رأيتها في مصاحف أهل المدينة والحجاز بالياء، وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام (ما تشتهيه الأنفس) (٧١) بهائين، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك كذلك في مصاحف أهل الكوفة، وهو غلط، قال أبو عبيد: وبهاءين رأيته في الإمام، وفي سائر المصاحف (تشتهي) بهاء واحدة. وفي (الأحقاف) في مصاحف أهل الكوفة (بوالديه إحسانا) (١٥) بزيادة ألف قبل الحاء وبعد السين، وفي سائر المصاحف (حسنا) بغير ألف. وفي (القتال) قال خلف بن هشام البزار: في مصاحف أهل مكة والكوفيين (فهل ينظرون إلا الساعة إن تأتهم) (١٨) بالكسر مع الجزم. وفي (الرحمن) في مصاحف أهل الشام (والحب ذا العصف والريحان) (١٢) بالألف والنصب، وفي سائر المصاحف (ذو العصف) بالواو والرفع، قال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان ﵁، وفيها في مصاحف أهل الشام (ذو الجلال والإكرام) (٧٨) آخر السورة بالواو، وفي سائر المصاحف (ذي الجلال والإكرام) بالياء، والحرف الأول (٢٧) في كل المصاحف بالواو. وفي (الحديد) في مصاحف أهل الشام (وكل وعد الله الحسنى) (١٠) بالرفع، وفي سائر المصاحف (وكلا) بالنصب، وفيها في مصاحف أهل

стр. 4064

المدينة والشام (فإن الله الغني الحميد) بغير (هو) . وفي سائر المصاحف (هو الغني) بزيادة (هو) ، وفي (والشمس) في مصاحف أهل المدينة والشام (فلا يخاف عقبها) (١٥) بالفاء، وفي سائر المصاحف (ولا يخاف) بالواو حدثنا ابن خاقان قال: حدثنا أحمد المكي قال: حدثنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: هذه الحروف التي اختلفت في مصاحف الأمصار مثبتة بين اللوحين وهي كلها منسوخة من الإمام الذي كتبه عثمان ثم بعث إلى كل أفق مما نسخ بمصحف، وهي كلها كلام الله . حدثنا خلف بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا القاسم بن سلام قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني أن أهل الحجاز وأهل العراق اختلفت مصاحفهم في هذه الحروف قال القاسم: وهي اثنا عشر حرفا: كتب أهل المدينة في (سورة البقرة) (وأوصى بها إبراهيم بنيه) (١٣٢) بألف، وكتب أهل العراق (ووصى) بغير ألف. وفي (آل عمران) كتب أهل المدينة (سارعوا إلى مغفرة) (١٣٣) بغير واو، وأهل العراق (وسارعوا) بالواو. وفي (المائدة) كتب أهل المدينة (يقول الذين آمنوا) (٥٣) بغير واو، وأهل العراق (ويقول) بالواو وفيها أيضا كتب أهل المدينة (من يرتدد منكم) (٥٤) بدالين، وأهل العراق (من يرتد) بدال واحدة. وفي (براءة) أهل المدينة (الذين اتخذوا مسجدا) (١٠٧) بغير واو، وأهل العراق (والذين) بالواو.

стр. 4065

وفي (الكهف) أهل المدينة (خيرا منهما منقلبا) (٣٦) على اثنين، وأهل العراق (خيرا منها) على واحدة. وفي (الشعراء) أهل المدينة (فتوكل على العزيز الرحيم) (٢١٧) بالفاء، وأهل العراق (وتوكل) بالواو. وفي (المؤمن) أهل المدينة (وأن يظهر في الأرض الفساد) (٢٦) بغير ألف، وأهل العراق (أو أن) بألف. وفي (عسق) أهل المدينة (بما كسبت أيديكم) (٣٠) بغير فاء، وأهل العراق (فبما) بالفاء. وفي (الزخرف) أهل المدينة (تشتهيه الأنفس) (٧١) بهاءين، وأهل العراق (تشتهي) بهاء واحدة. وفي (الحديد) أهل المدينة (فإن الله الغني الحميد) (٢٤) بغير (هو) . وفي (والشمس وضحاها) أهل المدينة (فلا يخاف عقباها) (١٥) بالفاء، وأهل العراق (ولا يخاف) بالواو، حدثنا أحمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن عيسى قال: حدثنا قالون عن نافع: أن الحروف المذكورة في مصاحف أهل المدينة على ما ذكر إسماعيل سواء. حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا ابن مجاهد قال: في مصاحف أهل مكة في (التوبة) (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من) . وفي (سبحان) (قال سبحان ربي) (٩٣) بألف. وفي (الكهف) (ما مكنني فيه) (٩٥) بنونين.

стр. 4066

وفي (الأنبياء) (ألم ير الذين كفروا) (٣٥) بغير واو. وفي (الفرقان) (وننزل الملائكة) (٢٥) بنونين. وفي (النمل) (أو ليأتينن) (٢١) بنونين. وفي (القصص) (قال موسى ربي أعلم) (٣٧) بغير واو. وحدثنا ابن غلبون قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن أنس قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز وأيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر (ح) وحدثنا الخاقاني قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشام بن عمار عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر، قال أبو عبيد واللفظ له: قال هشام (ح) وحدثنا سويد بن عبد العزيز أيضا عن الحسن بن عمران عن عطية بن قيس عن أم الدرداء: عن أبي الدرداء: أن هذه الحروف في مصاحف أهل الشام، وهي ثمانية وعشرون حرفا في مصاحف أهل الشام: في (البقرة) (قالوا اتخذ الله ولدا) (١١٦) بغير واو. وفي (آل عمران) (سارعوا) (١٣٣) بغير واو، وفيها (بالبينات وبالزبر وبالكتب) (٨٤) ثلاثتهن بالباء. وفي (النساء) (إلا قليلا منهم) (٦٦) بالنصب. وفي (المائدة) (يقول الذين آمنوا) (٥٣) بغير واو، وفيها (من يرتدد منكم عن دينه) (٥٤) بدالين. وفي (الأنعام) (والدار الآخرة) (٣٢) بلام واحدة، وفيها (قتل أولادهم شركائهم) (١٣٧) بنصب (الأولاد) وخفض (الشركاء) . وفي (الأعراف) (قليلا ما يتذكرون) (٣) ، وفيها (ما كنا لنهتدي)

стр. 4067

(٤٣) بغير واو، وفيها في قصة صالح (وقال الملأ) (٧٥) بالواو وفيها (وإذ أنجكم) (١٤١) بغير نون. وفي (براءة) (الذين اتخذوا) (١٠٧) بغير واو. وفي (يونس) (هو الذي ينشركم) (٢٢) بالنون والشين وفيها (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك) (٩٦) على الجمع. وفي (بني إسرائيل) (قال سبحان ربي) (٩٣) على الخبر. وفي (الكهف) (خيرا منهما) (٣٦) على اثنين. وفي (المؤمنون) (سيقولون لله) (٨٥، ٨٧، ٨٩) ، ثلاثتهن بغير ألف. وفي (الشعراء) (فتوكل على العزيز) (٢١٧) بالفاء. وفي (النمل) (إننا لمخرجون) (٦٧) على نونين. وفي (المؤمن) (أشد منكم) (٢١) بالكاف، وفيها (وأن يظهر في الأرض) (٢٦) بغير ألف. وفي (عسق) (بما كسبت أيديكم) (٣٠) بغير فاء. وفي (الرحمن) (والحب ذا العصف والريحان) (١٢) بالنصب، وفيها (تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام) (٨٧) بالرفع. وفي (الحديد) (فإن الله الغني الحميد) (٢٤) بغير (هو) . وفي (والشمس) (فلا يخاف عقباها) (١٥) بالفاء. حدثنا الخافاقني قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا علي قال: قال أبو عبيد: اختلفت مصاحف أهل العراق والكوفة والبصرة في خمسة أحرف: كتب الكوفيون في (الأنعام) (لئن أنجينا) (٦٣) بغير تاء. وفي (الأنبياء) (قال ربي يعلم) (٤) بالألف.

стр. 4068

وفي (المؤمنون) (قل كم لبثتم) (١١٢) (قل إن لبثتم) (١١٤) بغير ألف فيهما. وفي (الأحقاف) (بوالديه إحسانا) (١٥) بألف قبل الحاء، وأخرى بعد السين، وكتبها المصريون (لئن أنجيتنا) بالتاء (قل ربي يعلم) بغير ألف (قال كم لبثتم) (قال إن لبثتم) بالألف (بوالديه حسنا) بغير ألف. قال أبو عمرو: وروي لنا عن ابن القاسم وأشهب وابن وهب: أنهم رأوا في مصحف جد مالك بن أنس الذي كتبه حين كتب عثمان بن عفان ﵁ المصاحف أخرجه إليهم مالك في (حم عسق) (فبما كسبت) (٣٠) بالفاء. وفي (الزخرف) (ما تشتهي الأنفس) (٧١) . وفي (الحديد) (فإن الله هو الغني الحميد) (٢٤) بزيادة (هو) . وفي (والشمس) (ولا يخاف) (١٥) بالواو، وسائر الحروف على ما رواه إسماعيل عن مصاحف أهل المدينة، وروى خارجة بن مصعب عن نافع أنه قال: في الإمام في (الحديد) (هو الغني) بزيادة (هو) . وفي (والشمس) (ولا يخاف) بالواو، وقد ذكرنا حكاية أبي عبيد عن الإمام في رسم هذه الحروف وغيرها فأغنى ذلك عن الإعادة.

стр. 4069

وقال أبو حاتم في مصحف أهل المدينة في (يوسف) (وقال الملك اتون) (٥٤) بنقصان ياء، وفي مصحف أهل مكة في آخر النساء (فآمنوا بالله ورسوله) (١٧١) ، وفي مصحف أهل حمص الذي بعث به في المصحف الذي بعث به عثمان إلى (الشام) (ثم كيدوني) بالياء (وما كان للنبي) بلامين.

стр. 4070

وفي (الكهف) (للتخذت عليه) . قال أبو عمرو: فهذا جميع ما انتهى إلينا بالروايات من الاختلاف بين مصاحف أهل الأمصار، وقد مضى من ذلك حروف كثيرة في الأبواب المتقدمة والقطع عندنا على كيفية ذلك في مصاحف أهل الأمصار على قراءة أئمتهم غير جائز إلا برواية صحيحة عن مصاحفهم بذلك إذ قراءتهم في كثير من ذلك قد تكون على غير مرسوم مصحفهم، ألا ترى أن أبا عمرو قرأ (يا عبادي لا خوف عليكم) (١٦٨) في (الزخرف) بالياء، وهو في مصاحف أهل البصرة بغير ياء؟ ! فسئل عن ذلك فقال: إني رأيته في مصاحف أهل المدينة بالياء فترك ما في مصحف أهل بلده، واتبع في ذلك مصاحف أهل المدينة. وكذلك قراءته في (الحجرات) (لا يألتكم من أعمالكم شيئا) (١٤) بالهمزة التي صورتها ألف وذلك مرسوم في جميع المصاحف بغير ألف. وكذلك قراءته أيضا في (المنافقون) (وأكون من الصالحين) (١٠) بالواو والنصب، وذلك في كل المصاحف بغير واو مع الجزم، قال أبو عبيد: وكذا رأيته في الإمام قال: واتفقت على ذلك المصاحف. وكذلك أيضا قراءته في (المرسلات) (وإذا الرسل وقتت) (١١) بالواو من الوقت، وذلك في الإمام، وفي كل المصاحف بالألف، وكذلك قراءته. وقراءة ابن كثير في (البقرة) (أو ننسأها) (١٠٦) بهمزة ساكنة بين السين والهاء وصورتها ألف، وليست كذلك في مصاحف أهل مكة ولا في غيرها وكذلك قراءة ابن عامر وعاصم من رواية حفص بن سليمان في (الزخرف) (قال أولو جئتكم) (٢٤) بالألف، ولا خبر عندنا إن ذلك

стр. 4071

كذلك مرسوم في مصاحف أهل الشام ولا في غيرها. وكذلك أيضا قراءة عاصم من الطريق المذكور في (الأنبياء) (قال رب احكم بالحق) (١١٢) بالألف، ولا رواية عندنا كذلك أن ذلك مرسوم في شيء من المصاحف في نظائر لذلك كثيرة ترد عن أئمة القراءة، بخلاف مرسوم مصحفهم، وإنما بينت هذا الفصل ونبهت عليه؛ لأني رأيت بعض من أشار إلى جمع شيء من هجاء المصاحف من منتحلي القراءة من أهل عصرنا قد قصد هذا المعنى وجعله أصلا، فأضاف بذلك ما قرأ به كل واحد من الأئمة من الزيادة والنقصان في الحروف المتقدمة وغيرها إلى مصاحف أهل بلده وذلك من الخطأ الذي يقود إليه إهمال الرواية وإفراط الغباوة وقلة التحصيل، إذ غير جائز القطع على كيفية ذلك إلا بخبر منقول عن الأئمة السالفين رواية صحيحة عن العلماء المختصين بعلم ذلك المؤتمنين على نقله وإيراده لما بيناه من الدلالة. وبالله التوفيق. قال أبو عمرو: فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف قلت: السبب في ذلك عندنا أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها مما لا يصح ولا يثبت نظرا للأمة واحتياطا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله كذلك منزلة، ومن رسول الله ﷺ مسموعة، وعلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير ممكن إلا بإعادة الكلمة مرتين وفي رسم ذلك، كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم ما لا خفاء به ففرقها في المصاحف لذلك، فجاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة في بعضها لكي

стр. 4072

تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله ، وعلى ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار. فإن قال قائل: فما تقول في الخبر الذي رويتموه عن يحيى بن يعمر وعكرمة مولى ابن عباس عن عثمان ﵁: أن المصاحف لما نسخت عرضت عليه فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: اتركوها فإن العرب ستقيمها أو ستعربها بلسانها، إذ ظاهره يدل على خطأ في الرسم. قلت: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة، ولا يصح به دليل من جهتين: إحداهما: أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه - مرسل؛ لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئا ولا رأياه، وأيضا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان ﵁؛ لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة واهتمامه بما فيه الصلاح للأمة، فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار الأتقياء الأبرار نظرا لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم، ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده، هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله، ولا يحل لأحد أن يعتقده. فإن قال: فما وجه ذلك عندك لو صح عن عثمان ﵁؟ قلت: وجهه أن يكون عثمان ﵁ أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب ذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظها ألا ترى قوله: (أولأ اذبحنه) و (لا أوضعوا) و (من نباءى المرسلين) و (سأوريكم) و (الربوا) وشبهه مما زيدت الألف

стр. 4073

والياء والواو في رسمه لو تلاه تال لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط لصير الإيجاب نفيا ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه مع كون رسم ذلك كذلك جائزا مستعملا، فأعلم عثمان ﵁ إذ وقف على ذلك: أن من فاته تمييز ذلك وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده سيأخذ ذلك عن العرب إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم فيعرفونه بحقيقة تلاوته ويدلونه على صواب رسمه، فهذا وجهه عندي. والله أعلم. فإن قيل: فما معنى قول عثمان ﵁ في آخر هذا الخبر لو كان - الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف؟ قلت: معناه، أي: لم توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومن ولي نسخ المصاحف من غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة، ولسلكوا فيها تلك الطريقة ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك فلو أنهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدم من المهاجرين والأنصار لرسمتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه إذ ذلك هو المعهود عندهما والذي جرى عليه استعمالها هذا تأويل قول عثمان عندي لو ثبت وجاء مجيء الحجة. وبالله التوفيق. حدثنا خلف بن إبراهيم المقرئ قال: حدثنا أحمد بن محمد المكي قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا القاسم بن سلام قال: حدثنا حجاج عن هارون قال: أخبرني الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان ﵁ فوجد فيها حروفا من

стр. 4074

اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستعربها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف. حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا عمران القطان عن قتادة عن نصير بن عاصم عن عبد الله بن أبي فطيمة عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان بن عفان ﵁: في القرآن لحن تقيمه العرب بألسنتها. قال: قيل: فما تأويل الخبر الذي رويتموه أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه سأل عائشة ﵂ عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران (٢٠- ٦٣) وعن والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (٤- ١٦٢) وعن إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى (٥- ٦٩) ؟ فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتابة. قلت: تأويله ظاهر، وذلك أن عروة لم يسأل عائشة فيها عن حروف الرسم التي تزاد فيها لمعنى وتنقص منها لآخر، تأكيدا للبيان، وطلبا للخفة، وإنما سألها فيه عن حروف من القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه على اختلاف اللغات التي أذن الله لنبيه ﵊ ولأمته في القراءة بها واللزوم على ما شاءت منها تيسيرا لها وتوسعة عليها، وما هذا سبيله وتلك حاله فعن اللحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل؛ لفشوه في اللغة، ووضوحه في قياس العربية، وإذا كان الأمر في ذلك كذلك فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم ولا هو من سببه في شيء، وإنما سمى عروة ذلك لحنا وأطلقت عائشة على مرسومه كذلك الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار وطريق المجاز في العبارة إذا كان ذلك مخالفا

стр. 4075

لمذهبهما وخارجا عن اختيارهما، وكان الأوجه والأولى عندهما والآكثر والأفشى لديهما لا على وجه الحقيقة والتحصيل والقطع؛ لما بيناه قبل من جواز ذلك وفشوه في اللغة، واستعمال مثله في قياس العربية، مع انعقاد الإجماع على تلاوته كذلك، دون ما ذهبا إليه إلا ما كان من شذوذ أبي عمرو بن العلاء في إن هذين (٢٠-٦٣) خاصة هذا الذي يحمل عليه هذا الخبر ويتأول فيه دون أن يقطع به على أن أم المؤمنين ﵂ مع عظيم محلها وجليل قدرها واتساع علمها ومعرفتها بلغة قومها لحنت الصحابة وخطأت الكتبة وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة موضعهم الذي لا يجهل ولا ينكر هذا ما لا يسوغ ولا يجوز، قد تأول بعض علمائنا قول أم المؤمنين أخطأوا في الكتاب، أي: أخطأوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه، وعظم قدر موقعه وتأول اللحن أنه القراءة واللغة، كقول عمر ﵁: أبي أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه، أي: قراءته ولغته، فهذا بين. وبالله التوفيق.

стр. 4076

حدثنا الخاقاني: قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة ﵂ عن لحن القرآن عن قول الله : إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله ﵎: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب. فإن قال قائل: فإذ قد أوضحت ما سئلت عنه من تأويل هذين الخبرين

стр. 4077

فعرفنا بالسبب الذي دعا عثمان ﵁ إلى جمع القرآن في المصاحف وقد كان مجموعا في الصحف على ما رويته لنا في حديث زيد بن ثابت المتقدم قلت: السبب في ذلك بين فذلك الخبر على قول بعض العلماء، وهو أن أبا بكر ﵁ كان قد جمعه أولا على السبعة الأحرف التي أذن الله للأمة في التلاوة بها ولم يخص حرفا بعينه، فلما كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأعلمه حذيفة بذلك- رأى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يجمع الناس على حرف واحد من تلك الأحرف، وأن يسقط ما سواه فيكون ذلك مما يرتفع به الاختلاف ويوجب الاتفاق إذا كانت الأمة لم تؤمر بحفظ الأحرف السبعة، وإنما خيرت في أيها شاءت لزمته وأجزأها كتخييرها في كفارة اليمين بالله بين الإطعام والكسوة والعتق، لا أن يجمع ذلك كلا فكذلك السبعة الأحرف. وقيل: إنما جمع الصحف في مصحف واحد، لما في ذلك من حياطة القرآن وصيانته وجعل المصاحف المختلفة مصحفا واحدا متفقا عليه وأسقط ما لا يصح من القراءات ولا يثبت من اللغات وذلك من مناقبه وفضائله ﵁ . اهـ. وإذا ثبت ذلك فلم لا يجوز أن يكتب المصحف بالرسم الإملائي بعد إحكامه وضبط قواعده، بل هو أولى منه وأدق وأحسن نظاما وأوضح قراءة وأسهل تلاوة؟ ونوقش ذلك بما يأتي: أ- وقد يقال: لا حرج في قراءة القرآن بالرسم العثماني: فإن سهولة القراءة تدور على معرفة الرسم والتمرين على القراءة به أيا كان، فإذا عني

стр. 4078

الإنسان بالرسم العثماني وتعهده بالقراءة سهلت عليه القراءة به كالقراءة حسب قواعد الإملاء، فإنها سهلت بمعرفة الرسم الإملائي وتطبيقه كتابة وقراءة، وهذا أمر عام في جميع اللغات، فإن مبناها المعرفة والمحاكاة والتلقي. ويشهد لذلك سهولة القراءة في المصحف بالرسم العثماني على من تعلموا طوال القرون الماضية في الكتاتيب إلى العصر الحاضر مع انتشار قواعد الإملاء والعمل بها تأليفا وقراءة، فالسهولة والصعوبة والوضوح والاشتباه ليس ذاتيا لهذا أو ذاك، وإنما يرجع ذلك إلى التعهد والعناية، والإهمال والإعراض. ب- على أن هناك كلمات تكتب في الرسم الإملائي على طريقة الرسم العثماني مستثناة من القواعد الإملائية ولم يعق ذلك العصريين عن قراءتها أو كتابتها ولم يشق عليهم متابعة الرسم العثماني فيها مثل حذف الألف من ذلك، وهذا، وهؤلاء، ولكن، وأولئك. . . إلخ، ومثل زيادة الواو في أولئك، وأولو الألباب، وأولي أجنحة، وزيادة الألف في مائة. ج- إن المشقة التي يعانيها من لم يعرف الرسم العثماني في تلاوة القرآن ليست من جنس الضرورة إلى جمع القرآن ولا من جنس الحاجة إلى نقطه وشكله، فإنه يمكن القضاء على تلك المشقة بمعرفة الرسم العثماني والتمرس بالقراءة على مقتضاه كما تقدم بيانه، بخلاف الضرورة إلى جمع القرآن أولا وثانيا: فإنها لا ترتفع إلا بجمعه ولا يقضى عليها إلا به، وكذا الحال في الحاجة إلى نقطه وشكله، فإنها لا تزول إلا بذلك ولا تندفع إلا به، إذ العجمة تتزايد بدخول الأعاجم في الإسلام، وضعف اللسان

стр. 4079

العربي، وكثرة اللحن تتزايد أيضا مع طول الزمن وكثرة الاختلاط بالأعاجم، فلم يكن هناك مناص من الجمع والنقط والشكل؛ لعدم وجود بديل يقوم مقام ذلك. د- نعم، إن القرآن نزل على رسول الله ﷺ غير مكتوب، ولكن نوعا من الكتابة كان معهودا عند العرب وكتب به القرآن حين نزوله، ولم ينكر الله على رسوله ولا على كتبته تقييده بهذا النوع من الكتابة، بل تحرى عثمان ﵁ أن يكتب في الجمع الثاني بلغة قريش خاصة؛ لكونه نزل بلغتهم واستمر العمل على ذلك قبل وضع قواعد الإملاء وبعد وضعها، فكان ذلك تقريرا لأمر عثمان وطبقه كتبة المصحف حينما كتبوه في عهده، وإجماع عصور من الأمة على ذلك وصار بذلك سنة متبعة.

стр. 4080

رابعا: بيان ما يوجب بقاء كتابة المصاحف بالرسم العثماني ، وما قد يترتب على العدول عنه من تحريف ونحوه: أولا: ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني كانت في خلافة عثمان ﵁ بأمره، وأنه أمر كتبة المصحف أن يكتبوا ما اختلفوا فيه بلغة قريش وذلك مما يدل على القصد إلى رسم معين، ووافقه على ذلك الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا رغم وضع قواعد الإملاء، والعمل بمقتضاها في التأليف والقراءة وكتابة الرسائل، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (١) » ، فكانت المحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم واجبة أو سنة متبعة، اقتداء بعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃، وعملا بالإجماع.

стр. 4081

ثانيا: إن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح في الخط فهو قابل للتغيير والتبديل باصطلاح آخر مرة بعد أخرى كسائر رسوم الخطوط في اللغة العربية وغيرها، فإذا عدلنا عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليا تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغير الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن، بتبديل بعض الحروف من بعض، والزيادة فيها والنقص فيها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك ويقع فيها التخليط على مر الأيام والسنين. ويجد عدو الإسلام مدخلا للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب بين نسخه، وهذا من جنس البلاء الذي أصيبت به الكتب الأولى حينما عبثت بها الأيدي والأفكار، وقد جاءت شريعة الإسلام بسد الذرائع والقضاء عليها؛ محافظة على الدين، ومنعا للشر والفساد. ثالثا: يخشى إذا وقع ذلك أن يصير كتاب الله- القرآن- ألعوبة بأيدي الناس، كلما عن لإنسان فكرة في كتابة القرآن اقترح تطبيقها فيه فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية وآخرون كتابته بالعبرية. . وهكذا مستندين في ذلك إلى ما استند إليه من اقترح كتابته حسب قواعد الإملاء من التيسير ورفع الحرج والتوسع في الاطلاع وإقامة الحجة وفي هذا ما فيه من الخطر وقد نصح مالك بن أنس الرشيد أو جده المنصور ألا يهدم الكعبة ليعيدها إلى بنائها الذي قام به عبد الله بن الزبير حيث بناها على قواعد إبراهيم الخليل ﵊ خشية أن تصير الكعبة ألعوبة بين أيدي الولاة. قال تقي الدين الفاسي في كتابه [شفاء الغرام] : ويروى (١) أن الخليفة

стр. 4082

الرشيد أو جده المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج بالكعبة، وأن يردها إلى ما صنعه ابن الزبير - فنهاه عن ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀، وقال له: نشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس. انتهى بالمعنى، ثم قال: وكان مالك لحظ في ذلك أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهي قاعدة مشهورة معتمدة. اهـ.

стр. 4083

و خلاصة القول: أن لكل من القول بجواز كتابة المصحف- القرآن - على مقتضى قواعد الإملاء والمنع من ذلك وحرمته وجهة نظر، غير أن مبررات الجواز فيها مآخذ ومناقشات تقدم بيانها، وقد لا تنهض معها لدعم القول بالجواز، ومع ذلك قد عارضها ما تقدم ذكره من الموانع، وجريا على القاعدة المعروفة من تقديم الحظر على الإباحة. وترجيح جانب درء المفاسد على جلب المصالح عند التعادل أو رجحان جانب المفسدة قد يقال: إن البقاء على ما كان عليه المصحف من الرسم العثماني أولى وأحوط على الأقل، وعلى كل حال فالمسألة محل نظر واجتهاد والخير في اتباع ما كان عليه الصحابة وأئمة السلف ﵃. والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 4084

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٧١) وتاريخ ٢١\١٠\١٣٩٩ هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: ففي الدورة الرابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في المدة من العاشر من شهر شوال إلى الحادي والعشرين فيه نظر المجلس فيما رفعه حسين حمزة صالح مدرس العلوم الدينية بمدرسة الإمام أبي حنيفة الابتدائية بمكة. . إلى جلالة الملك المعظم يطلب فيه المعونة في كتابة المصحف بطريقة الإملاء العادية، والمحال إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ٣\ ص\ ٢٢٠٣٥ في ٢٢\ ٩\ ١٣٩٨ هـ. واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في [حكم كتابة القرآن بطريقة الإملاء العادية وإن خالف ذلك الرسم العثماني] . وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه. . تبين للمجلس أن هناك أسبابا تقتضي بقاء كتابة المصحف بالرسم العثماني وهي: ١ - ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني كانت في عهد عثمان ﵁، وأنه أمر كتبة المصحف أن يكتبوه على رسم معين ووافقه الصحابة وتابعهم التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا هذا، وثبت أن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (١) » فالمحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم هو المتعين، اقتداء بعثمان وعلي وسائر الصحابة، وعملا بإجماعهم. ٢ - إن العدول عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليا

стр. 4085

بقصد تسهيل القراءة يفضي إلى تغيير آخر إذا تغير الاصطلاح في الكتابة؛ لأن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح قابل للتغيير باصطلاح آخر. . وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف أو زيادتها أو نقصها فيقع الاختلاف بين المصاحف على مر السنين ويجد أعداء الإسلام مجالا للطعن في القرآن الكريم. وقد جاء الإسلام بسد ذرائع الشر ومنع أسباب الفتن. ٣ - ما يخشى من أنه إذا لم يلتزم الرسم العثماني في كتابة القرآن أن يصير كتاب الله ألعوبة بأيدي الناس كلما عنت لإنسان فكرة في كتابته اقترح تطبيقها فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية أو غيرها، وفي هذا ما فيه من الخطر، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وبناء على هذه الأسباب اتخذ المجلس القرار التالي: يرى مجلس هيئة كبار العلماء أن يبقى رسم المصحف على ما كان بالرسم العثماني، ولا ينبغي تغييره ليوافق قواعد الإملاء الحديثة؛ محافظة على كتاب الله من التحريف، واتباعا لما كان عليه الصحابة وأئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء محمد بن علي الحركان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح غائب راشد بن خنين ... محمد بن جبير له وجهة نظر ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن غائب عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان

стр. 4086

وجهة نظر لفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير وجهة نظر عضو هيئة كبار العلماء محمد بن إبراهيم بن جبير حول موضوع كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء الحديثة - الذي بحثه مجلس الهيئة في دورته الرابعة عشرة المنعقدة في مدينة الطائف شهر شوال عام ١٣٩٩ هـ. بعد اطلاعي على البحث القيم الذي استوفى جميع أطرافه الموضوع، والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أثابها الله وبارك في جهودها. وبعد المناقشة التي تمت في مجلس الهيئة برئاسة سماحة الشيخ \ عبد الله بن حميد حول موضوع: (كتابة المصحف بغير الرسم العثماني) وحيث إن الحديث عن هذا الموضوع قديم، بحثه الأئمة ﵏ قبل أكثر من ألف سنة، وحكموا بما ظهر لهم من التحريم أو الكراهية أو الجواز، وصنفوا في ذلك المصنفات العديدة، ولا زال بحث هذا الموضوع يتكرر بين آونة وأخرى إلى يومنا هذا. وحيث إن قراءة القرآن من المصحف المكتوب بالرسم العثماني على وجه الصواب ستكون خاصة بمن يتلقاه عن القراء، أما الصغار فسوف يكون تعليمهم من تلك المصاحف عسيرا. لذلك فإنني أرى أن تطبع المصاحف بالرسم العثماني، حفظا لهذا الأثر

стр. 4087

العظيم الذي هو أصل ديننا، على أن يعاد طبع الكلمات بالرسم الإملائي المعتاد على الهامش في حيز خاص، وذلك تسهيلا لتعلم الصغار وقراءة الكبار الذين لم يتلقوا القرآن عن قارئ. وبهذا نجمع بين حفظ أهم شيء في تاريخ ديننا وبين تسهيل التعليم وعدم اشتباه القارئين. والله الموفق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. عضو هيئة كبار العلماء محمد بن إبراهيم بن جبير

стр. 4088

(٦) كتابة المصحف باللاتينية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 4089

كتابة المصحف باللاتينية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: فقد اطلع مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الاستثنائية الثالثة المنعقدة بمدينة الرياض في المدة من شهر صفر إلى السابع منه عام ١٣٩٩ هـ على مصحف مكتوب بالأحرف اللاتينية، أرسله الملحق الديني بسفارة المملكة العربية السعودية بجاكرتا الشيخ إبراهيم يوسف خان، وذكر أنه من كتابة المدعو بحر العلوم وطباعة مطبعة سومطرة للطباعة والنشر في مدينة تابعة لمحافظة جاوا الغربية، وأن جماعة من المغرضين قاموا بدعاية له والترغيب في اقتنائه، فانتشر هناك في بلاد إندونيسيا، وفي نفس الدورة اقترح المجلس إعداد بحث في حكم كتابة المصحف بالأحرف اللاتينية، على أن يشترك مع لجنة الإعداد من يجيد بعض اللغات التي تكتب بالحروف اللاتينية ليكون معينا لها في تحقيق الغرض المقصود. وبناء على ذلك أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع مع إشراك بعض من يجيد اللغة الإنجليزية والإندونيسية لترجمة بعض الكلمات أو الجمل، وللمساعدة في فهم المصطلحات التي كتبت مقدمة لكتابة القرآن بالأحرف اللاتينية.

стр. 4090

ويشتمل البحث على ما يأتي: ١ - مقدمة في تصوير الموضوع. ٢ - مبررات كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية في زعم من فعل ذلك ومناقشتها. ٣ - الموانع من كتابته بالأحرف اللاتينية، مع بيان ما في ذلك من الخطر. ٤ - خلاصة البحث.

стр. 4091

أولا: مقدمة في تكييف الموضوع وتصويره: تمهيد: لما كان الحكم على كتابة المصحف بالحروف اللاتينية بالجواز أو المنع قد يتوقف على معرفة كيفية كتابته بها بدلا من الحروف العربية، وعلى معرفة رسم ما يتبع ذلك من شكل ومد وتنوين وغنة ونحو ذلك كان لزاما علينا أن نثبت أولا. . . التعليمات التي وضعت لتراعى في كتابته وقراءته بالحروف اللاتينية، وأن نثبت صورة للحروف والرموز التي تستعمل في الكتابة وتراعى في القراءة، وأن نذكر البديل من الحروف اللاتينية عن الحروف العربية التي ليس لها بديل مقابل في الحروف اللاتينية، وأن نذكر ثانيا أمثلة لبعض الفروق في كتابة الحروف والكلمات في النسخة الهندية التي نشرها محمد عبد الحليم الياسي، والنسخة الإندونيسية الأولى التي نشرها بحر العلوم والنسخة الثانية له؛ ليتبين مدى ما في ذلك من تسهيل قراءة القرآن على كثير من الأعاجم أو صعوبتها، وليتبين أيضا مدى ما في ذلك من الخطر في كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، وبذلك يمكن ذكر دواعي الجواز ودواعي المنع، وترجيح

стр. 4092

ما يقتضي النظر ترجيحه، ولنبدأ بعرض ما ذكر فيما يأتي: ١ - تعليمات وإرشادات النسخ: أ- إرشادات النسخة الإندونيسية التي نشرها بحر العلوم والحروف والرموز التي اعتمدها فيها. كيفية قراءة القرآن الكريم بالحروف اللاتينية يكون ابتداء تعلم قراءة القرآن الكريم بالحروف العربية غالبا من جزء (عم) والأكثر بالنسبة للأطفال يحتاج تعلمه إلى ثلاث أو أربع سنوات، وللحصول على قراءة أجود يحتاج الأطفال أحيانا إلى وقت أطول من ذلك. ونجد كثيرا في الكلمات العربية حروفا مكتوبة في الخط ولا تنطق باللسان عند القراءة، وعند كتابة تلك الكلمات بالحروف اللاتينية نتخذ رموزا خاصة لها. انظر الرموز: ١ - رموز الحروف الهجائية. ٢ - رموز العلامات. ٣ - رموز الوقف. ٤ - رموز الشدة (التشديد) . ورموز العلامات هذه نعتبرها دراسة تكميلية لا نحتاج إلى قراءتها. ويمكن لك تعلم قراءة القرآن الكريم بالحروف اللاتينية في أقصر وقت، إذا كان اهتمامك له اهتماما جديا وصل إلى درجة الحب والشغف. والطريق الوحيد الذي لا مثيل له لمثل هذا التعلم هو طريق الاستماع.

стр. 4093

بمعنى؛ أنك تستمع لقراءة أستاذك الذي يجيد قراءة القرآن الكريم. وتنظر في نفس الوقت إلى مصحفك اللاتيني (المكتوب بالحروف اللاتينية) وكذلك بالعكس. تقرأ القرآن الكريم عن طريق مصحفك اللاتيني، والأستاذ يستمع لقراءتك وينظر إلى مصحفه العربي. وبذلك تجد كيفية تعلم قراءة القرآن الكريم الجيدة، وطريقته الموصلة المنتجة، والله نسأل أن يكون هذا المصحف نافعا لك، وشكرا. المؤلف

стр. 4094

٣ - أضف إلى ما تقدم اقتراحا في كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، فإن الكاتب في محاولته لضبط القراءة وتسهيل النطق بالكلمات قد جزأ بعض الكلمات العربية إلى مقطعين بينهما خط أفقي كالفتحة، وجعل حروف المقطع الأول مع حروف الكلمة السابقة أو بعضها وحروف المقطع الثاني مع الكلمة اللاحقة أو بعضها، مثال ذلك ما اقترحه في كتابة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (١) الآية [الآية ٥٠ من سورة الأنعام] فإنه كتبها بالحروف اللاتينية على النحو الآتي: ٥٠ - Qul - laaa aquulu lakum indii khazaaa - inul - laahi wa laaa a - lamul - gayba wa laaa aquulu lakum innii malak. Inattabi - u illaa maa youhaa ilayy. Qul hal yasta - wil - a - maa wal - basiir ? Afalaa tatafak - karuun ? (Section ٦) . وفيما سبق من صور كتابة السور السبع بالحروف اللاتينية كثيرة من الأمثلة لذلك.

стр. 4095

ثانيا: مبررات كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية في نظر من فعل ذلك ومناقشتها: ١ - أن القرآن هو الأصل الذي يرجع المسلمون إليه في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم، وقد حث الله تعالى على تلاوته وتدبر آياته واستنباط الأحكام منه، وأمر بتحكيمه في جميع الشئون والأحوال، وبينت السنة النبوية فضائله، وحثت على تعلمه وتعليمه، والتعبد بتلاوته، والعمل بما فيه من أحكام، وقد عرف العرب ومن خالطهم وعاش بين أظهرهم الحروف العربية وما يتألف منها من كلمات، ومرنوا على قراءتها فسهل عليهم أن يقرءوا بها القرآن ويتعبدوا بتلاوته، ويتدبروا آياته، ويتعرفوا أحكامه ليعملوا بها. أما من لغتهم غير عربية وكتابتهم وقراءتهم وتعلمهم بغير الحروف العربية، وما يتألف منها من الكلام - فيشق عليهم قراءة القرآن بالحروف العربية، فلكي تسهل عليهم قراءة القرآن، وتتضح أمامهم أبواب فهمه وتدبر آياته ومعرفة أحكامه - يرخص لهم في كتابة القرآن بالحروف التي عهدوا الكتابة بها في بلادهم، كاللاتينية، إن لم يكن ذلك واجبا لكونه وسيلة إلى واجب، فإن التيسير من مقاصد الشريعة، وقد جاءت به نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقال:

стр. 4096

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١) وثبت عن النبي أنه قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (٢) » رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وثبت عنه أنه قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا (٣) » . . رواه البخاري والنسائي، ولا شك أن كتابه القرآن بحروف اللغة التي يتكلم بها الأعاجم فيه تيسير لتلاوة القرآن عليهم، ورفع للحرج عنهم وتعميم للبلاغ، وإقامة الحجة عليهم. وليس ذلك بدعا، بل هو مناسب لمقاصد الشريعة، وله نظائر، فقد جمع أبو بكر الصديق ﵁ القرآن خشية ضياعه بموت القراء، وجمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن؛ منعا للاختلاف، ونقط المصحف وشكل في عهد بني أمية حينما أسلم كثير من الأعاجم، واختلطوا بمسلمي العرب، فاستعجم كثير من ألسنة أبناء العرب وخيف عليهم اللحن في التلاوة، فمحافظة على القرآن وعليهم من اللحن فيه نقط القرآن وشكل، ولم يكن ذلك منكرا، بل انتهى الأمر فيه إلى الإجماع؛ لما فيه من تحقيق مقاصد الشريعة والعمل بمقتضاها، فليس ببعيد في حكمة المشرع أن يرخص لغير العرب في كتابة القرآن بحروف لغتهم وكلماتها رحمة بهم. إن القرآن لم ينزل مكتوبا بالعربية أو بغيرها حتى نلتزم الحروف التي نزل مكتوبا بها، وإنما نزل وحيا متلوا، فأملاه النبي ﷺ على كتبته وكان أميا، فكتبوه بما كان معهودا لديهم من الحروف، ولم يكن هناك نص من الكتاب

стр. 4097

أو السنة يلزمهم بذلك، إنما هو واقع لغتهم الذي التزموا من أجله كتابة القرآن بحروف لسانهم مع اختلاف منهم في رسم بعض الحروف، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز أن يكتب المصحف بحروف غير عربية كاللاتينية، لوجود الداعي إلى ذلك مع عدم الضرر؟ ونوقش ذلك بأمور: الأول: أن تعلم الإنسان للغة غير لغته نطقا وقراءة وكتابة أمر عادي معهود عند الناس قد درجوا عليه قديما وحديثا؟ إشباعا لغريزة حب الاستطلاع ونهمة العلم، ورغبة في نيل الشهادات، وحرصا على تبادل المنافع وتعرف الصناعات إلى غير هذا من الدواعي التي تحفز الناس إلى تعلم غير لغتهم، فلا حرج على الأعاجم في أن يتعلموا اللغة العربية كتابة وقراءة، فإن ذلك في متناول الأيدي ومستوى الطاقة البشرية، بل يجب على المسلمين أن يتعلموها ليقرءوا بها القرآن ويطلعوا على السنة النبوية ويأخذوا منها أحكام الإسلام، بل هذا أحق من تعلم الإنسان غير لغته لنيل شهادة، أو تعلم طب أو صناعة، أو ما شابه ذلك من الأغراض الدنيوية، ومن رجع إلى ماضي المسلمين وجد من أسلم من الأعاجم قد تعلموا اللغة العربية، وأسهموا كثيرا في خدمة العلوم الدينية والعربية، وألفوا فيها كثيرا باللغة العربية، فألفوا في تفسير القرآن وتدوين الحديث وشرحه، بل في البلاغة والنحو والصرف ومعاجم اللغة وفقهها. الثاني: أن الحاجة إلى كتابة القرآن بالحروف اللاتينية ونحوها إذا ارتفعت، أمكن الأعاجم تعلم اللغة العربية وانتفى الحرج عنهم والمشقة بذلك، فلا تكون كتابة القرآن بالحروف اللاتينية ونحوها من جنس جمع

стр. 4098

أبي بكر ﵁ القرآن، ولا جمع عثمان ﵁ المسلمين على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن. فإن الحاجة إلى كتابته بغير اللغة العربية، وذلك في متناول البشر، بخلاف ما قام به أبو بكر وعثمان ﵄ فإن الضرورة التي ألجأت كلا منهما إلى ما قام به لحفظ القرآن ومنع الاختلاف فيه لا تذهب إلا بما فعلاه، وكذا القول في نقط القرآن وشكله، فلم يكن هناك مناص من الجمع والنقط والشكل، لعدم وجود البديل عن ذلك. الثالث: أنه كان من أصحاب النبي ﷺ من يعرف غير اللسان العربي ويعرف الكتابة بغير اللغة العربية، والرسالة عامة للبشر عربهم وعجمهم، ولم يأمر النبي ﷺ أحدا منهم أن يكتب الوحي حين ينزل بلغة غير العربية؛ ليسهل على من أسلم ومن سيسلم من الأعاجم قراءته ولا اتخذ كاتبا للوحي منهم، بل اتخذ من الكتاب من يكتبه باللغة العربية التي بها نزل، وسار الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على هذا النهج القويم فاختار من يكتبه باللغة العربية، بل بلغة قريش ووافقه على ذلك الصحابة ﵃ فكانت كتابته باللغة العربية سنة متبعة، وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (١) » . . . . الرابع: أن الذين كتبوا القرآن بالحروف اللاتينية أحسوا بأن الذين يعرفون الحروف اللاتينية واعتادوا القراءة بها يشق عليهم أن يقرءوا القرآن بها؛ لوجود حروف في اللغة العربية ليس لها نظير في اللاتينية، فاضطروا أن يضعوا لها مقابلا، واضطروا لذلك أن يضعوا تعليمات تتكون من عشر صفحات جعلوها مقدمة لما كتبوه من القرآن بالحروف اللاتينية، لتسهل

стр. 4099

قراءته بها على من يعرف تلك الحروف وتعود القراءة بها، وهذه التعليمات يحتاج تعلمها والمران عليها إلى مدة وجهد إن لم يزد ذلك على تعلم الحروف العربية والقراءة بها - فهو لا ينقص عنه، وعلى ذلك تكون كتابة القرآن بالعربية أرجح وأسلم؛ لكونها اللغة التي بها نزل، ولبعدها عن مظان التحريف والتبديل. الخامس: أن التجزئة في كتابة كلمات الآية، وضم جزء من حروفها إلى ما سبق وآخر إلى ما لحق تشبه تقطيع كلمات البيت من الشعر حسب الأوزان المعروفة عند علماء العروض، ليعرف البحر الذي هو منه، ويتبع ذلك صفة نطق للقارئ. وتشبه أيضا النوتة الموسيقية التي يراعى فيها مطابقة الصوت للمقطع والسلم الموسيقي وهذا من البدع التي تسيء إلى القرآن الكريم. السادس: أن كاتب القرآن بالحروف اللاتينية لم يلتزم ما تعهد به في تعليماته في كيفية الرسم الكتابي. فمثلا: نجده أحيانا يثبت الحرف اللاتيني الذي جعله عوضا عن الحركة في الكتابة العربية، وأحيانا يتركه. ونجده أحيانا يثبت خطا أفقيا بين حرفي المضعف وأحيانا يتركه، من ذلك ما وقع منه في كتابه (سورة الناس) بالحروف اللاتينية في النسخة الهندية والنسخة الأندونيسية الثانية إلى غير ذلك مما ينذر بالخطر، ويفضي إلى التلاعب بالقرآن الكريم، وتحريفه والإلحاد فيه، ويفتح بابا لأهل الزيغ والزندقة والكفر يدخلون منه للطعن في كتاب الله، ويشبهون على المسلمين، ويصاب القرآن بما أصيبت به التوراة والإنجيل من قبل من التغيير والتبديل، وتحريف الكلم عن مواضعه.

стр. 4100

ثالثا: بيان الموانع التي تمنع شرعا كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر: أ - ثبت أن كتابة المصحف في عهد النبي ﷺ ، وفي جمعه في عهد أبي بكر، وجمعه في عهد عثمان ﵄ كانت بالحروف العربية، بل قصد عثمان ﵁ رسما معينا أمر بكتابته به عند اختلاف كتبة المصحف من الأنصار والقرشيين في رسم الحروف، ووافقه على ذلك الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا، رغم وجود لغات وحروف غير عربية، ووجود كتبة مسلمين من غير العرب، ووجود من يحتاج إلى تسهيل القراءة في المصحف بحروف غير عربية، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (١) » فكانت المحافظة على كتابة المصحف بالحروف العربية واجبة؛ عملا بما كان في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة ﵃ والقرون المشهود لها بالخير، وعملا بإجماع الأمة. ب - أن الحروف اللاتينية نوع من الحروف المصطلح على الكتابة بها عند أهلها، فهي قابلة للتغيير والتبديل بحروف لغة أخرى، بل حروف لغات أخرى مرة بعد مرة، فإذا فتح هذا الباب تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغيرت اللغة، واختلف الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة، وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف من بعض، والزيادة عليها والنقص منها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك ويقع فيها الخلط على مر الأيام والسنين، ويجد عدو الإسلام مدخلا
следующие страницы →