← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١) وثبت عن النبي أنه قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (٢) » رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وثبت عنه أنه قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا (٣) » . . رواه البخاري والنسائي، ولا شك أن كتابه القرآن بحروف اللغة التي يتكلم بها الأعاجم فيه تيسير لتلاوة القرآن عليهم، ورفع للحرج عنهم وتعميم للبلاغ، وإقامة الحجة عليهم. وليس ذلك بدعا، بل هو مناسب لمقاصد الشريعة، وله نظائر، فقد جمع أبو بكر الصديق ﵁ القرآن خشية ضياعه بموت القراء، وجمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن؛ منعا للاختلاف، ونقط المصحف وشكل في عهد بني أمية حينما أسلم كثير من الأعاجم، واختلطوا بمسلمي العرب، فاستعجم كثير من ألسنة أبناء العرب وخيف عليهم اللحن في التلاوة، فمحافظة على القرآن وعليهم من اللحن فيه نقط القرآن وشكل، ولم يكن ذلك منكرا، بل انتهى الأمر فيه إلى الإجماع؛ لما فيه من تحقيق مقاصد الشريعة والعمل بمقتضاها، فليس ببعيد في حكمة المشرع أن يرخص لغير العرب في كتابة القرآن بحروف لغتهم وكلماتها رحمة بهم. إن القرآن لم ينزل مكتوبا بالعربية أو بغيرها حتى نلتزم الحروف التي نزل مكتوبا بها، وإنما نزل وحيا متلوا، فأملاه النبي ﷺ على كتبته وكان أميا، فكتبوه بما كان معهودا لديهم من الحروف، ولم يكن هناك نص من الكتاب

стр. 4097

أو السنة يلزمهم بذلك، إنما هو واقع لغتهم الذي التزموا من أجله كتابة القرآن بحروف لسانهم مع اختلاف منهم في رسم بعض الحروف، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز أن يكتب المصحف بحروف غير عربية كاللاتينية، لوجود الداعي إلى ذلك مع عدم الضرر؟ ونوقش ذلك بأمور: الأول: أن تعلم الإنسان للغة غير لغته نطقا وقراءة وكتابة أمر عادي معهود عند الناس قد درجوا عليه قديما وحديثا؟ إشباعا لغريزة حب الاستطلاع ونهمة العلم، ورغبة في نيل الشهادات، وحرصا على تبادل المنافع وتعرف الصناعات إلى غير هذا من الدواعي التي تحفز الناس إلى تعلم غير لغتهم، فلا حرج على الأعاجم في أن يتعلموا اللغة العربية كتابة وقراءة، فإن ذلك في متناول الأيدي ومستوى الطاقة البشرية، بل يجب على المسلمين أن يتعلموها ليقرءوا بها القرآن ويطلعوا على السنة النبوية ويأخذوا منها أحكام الإسلام، بل هذا أحق من تعلم الإنسان غير لغته لنيل شهادة، أو تعلم طب أو صناعة، أو ما شابه ذلك من الأغراض الدنيوية، ومن رجع إلى ماضي المسلمين وجد من أسلم من الأعاجم قد تعلموا اللغة العربية، وأسهموا كثيرا في خدمة العلوم الدينية والعربية، وألفوا فيها كثيرا باللغة العربية، فألفوا في تفسير القرآن وتدوين الحديث وشرحه، بل في البلاغة والنحو والصرف ومعاجم اللغة وفقهها. الثاني: أن الحاجة إلى كتابة القرآن بالحروف اللاتينية ونحوها إذا ارتفعت، أمكن الأعاجم تعلم اللغة العربية وانتفى الحرج عنهم والمشقة بذلك، فلا تكون كتابة القرآن بالحروف اللاتينية ونحوها من جنس جمع

стр. 4098

أبي بكر ﵁ القرآن، ولا جمع عثمان ﵁ المسلمين على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن. فإن الحاجة إلى كتابته بغير اللغة العربية، وذلك في متناول البشر، بخلاف ما قام به أبو بكر وعثمان ﵄ فإن الضرورة التي ألجأت كلا منهما إلى ما قام به لحفظ القرآن ومنع الاختلاف فيه لا تذهب إلا بما فعلاه، وكذا القول في نقط القرآن وشكله، فلم يكن هناك مناص من الجمع والنقط والشكل، لعدم وجود البديل عن ذلك. الثالث: أنه كان من أصحاب النبي ﷺ من يعرف غير اللسان العربي ويعرف الكتابة بغير اللغة العربية، والرسالة عامة للبشر عربهم وعجمهم، ولم يأمر النبي ﷺ أحدا منهم أن يكتب الوحي حين ينزل بلغة غير العربية؛ ليسهل على من أسلم ومن سيسلم من الأعاجم قراءته ولا اتخذ كاتبا للوحي منهم، بل اتخذ من الكتاب من يكتبه باللغة العربية التي بها نزل، وسار الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على هذا النهج القويم فاختار من يكتبه باللغة العربية، بل بلغة قريش ووافقه على ذلك الصحابة ﵃ فكانت كتابته باللغة العربية سنة متبعة، وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (١) » . . . . الرابع: أن الذين كتبوا القرآن بالحروف اللاتينية أحسوا بأن الذين يعرفون الحروف اللاتينية واعتادوا القراءة بها يشق عليهم أن يقرءوا القرآن بها؛ لوجود حروف في اللغة العربية ليس لها نظير في اللاتينية، فاضطروا أن يضعوا لها مقابلا، واضطروا لذلك أن يضعوا تعليمات تتكون من عشر صفحات جعلوها مقدمة لما كتبوه من القرآن بالحروف اللاتينية، لتسهل

стр. 4099

قراءته بها على من يعرف تلك الحروف وتعود القراءة بها، وهذه التعليمات يحتاج تعلمها والمران عليها إلى مدة وجهد إن لم يزد ذلك على تعلم الحروف العربية والقراءة بها - فهو لا ينقص عنه، وعلى ذلك تكون كتابة القرآن بالعربية أرجح وأسلم؛ لكونها اللغة التي بها نزل، ولبعدها عن مظان التحريف والتبديل. الخامس: أن التجزئة في كتابة كلمات الآية، وضم جزء من حروفها إلى ما سبق وآخر إلى ما لحق تشبه تقطيع كلمات البيت من الشعر حسب الأوزان المعروفة عند علماء العروض، ليعرف البحر الذي هو منه، ويتبع ذلك صفة نطق للقارئ. وتشبه أيضا النوتة الموسيقية التي يراعى فيها مطابقة الصوت للمقطع والسلم الموسيقي وهذا من البدع التي تسيء إلى القرآن الكريم. السادس: أن كاتب القرآن بالحروف اللاتينية لم يلتزم ما تعهد به في تعليماته في كيفية الرسم الكتابي. فمثلا: نجده أحيانا يثبت الحرف اللاتيني الذي جعله عوضا عن الحركة في الكتابة العربية، وأحيانا يتركه. ونجده أحيانا يثبت خطا أفقيا بين حرفي المضعف وأحيانا يتركه، من ذلك ما وقع منه في كتابه (سورة الناس) بالحروف اللاتينية في النسخة الهندية والنسخة الأندونيسية الثانية إلى غير ذلك مما ينذر بالخطر، ويفضي إلى التلاعب بالقرآن الكريم، وتحريفه والإلحاد فيه، ويفتح بابا لأهل الزيغ والزندقة والكفر يدخلون منه للطعن في كتاب الله، ويشبهون على المسلمين، ويصاب القرآن بما أصيبت به التوراة والإنجيل من قبل من التغيير والتبديل، وتحريف الكلم عن مواضعه.

стр. 4100

ثالثا: بيان الموانع التي تمنع شرعا كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر: أ - ثبت أن كتابة المصحف في عهد النبي ﷺ ، وفي جمعه في عهد أبي بكر، وجمعه في عهد عثمان ﵄ كانت بالحروف العربية، بل قصد عثمان ﵁ رسما معينا أمر بكتابته به عند اختلاف كتبة المصحف من الأنصار والقرشيين في رسم الحروف، ووافقه على ذلك الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا، رغم وجود لغات وحروف غير عربية، ووجود كتبة مسلمين من غير العرب، ووجود من يحتاج إلى تسهيل القراءة في المصحف بحروف غير عربية، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (١) » فكانت المحافظة على كتابة المصحف بالحروف العربية واجبة؛ عملا بما كان في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة ﵃ والقرون المشهود لها بالخير، وعملا بإجماع الأمة. ب - أن الحروف اللاتينية نوع من الحروف المصطلح على الكتابة بها عند أهلها، فهي قابلة للتغيير والتبديل بحروف لغة أخرى، بل حروف لغات أخرى مرة بعد مرة، فإذا فتح هذا الباب تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغيرت اللغة، واختلف الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة، وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف من بعض، والزيادة عليها والنقص منها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك ويقع فيها الخلط على مر الأيام والسنين، ويجد عدو الإسلام مدخلا

стр. 4101

للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب بين نسخه، وهذا من جنس البلاء الذي أصيبت به الكتب الإلهية الأولى حينما عبثت بها الأيدي والأفكار، وقد جاءت شريعة الإسلام بسد ذرائع الشر والقضاء عليها؛ محافظة على الدين، ومنعا للشر والفساد. ج - يخشى إذا رخص في ذلك أو أقر أن يصير كتاب الله - القرآن - ألعوبة بأيدي الناس، كلما عن لإنسان فكرة في كتابة القرآن اقترح تطبيقها فيه، فيقترح بعضهم كتابته بالعبرية، وآخرون كتابته بالسريانية، وهكذا مستندين في ذلك إلى ما استند إليه من كتبه بالحروف اللاتينية من التيسير ورفع الحرج والتوسع في الاطلاع والبلاغ وإقامة الحجة، وفي هذا ما فيه من الخطر العظيم. وقد نصح مالك بن أنس الرشيد أو جده المنصور: ألا يهدم بناء الكعبة الذي أقامه عبد الملك بن مروان ليعيدها إلى بنائها الذي بناه عبد الله بن الزبير ﵁ على قواعد إبراهيم الخليل ﵊، خشية أن تصير الكعبة ألعوبة بأيدي الولاة. قال تقي الدين الفاسي في كتابه [شفاء الغرام] : (ويروى أن الخليفة الرشيد أو جده المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج بالكعبة وأن يردها إلى ما صنعه ابن الزبير - فنهاه عن ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀، وقال له: نشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس. انتهى بالمعنى، ثم قال: وكأنه في ذلك لحظ أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهي قاعدة مشهورة معتمدة) . . اهـ.

стр. 4102

ولبعض العلماء كلام في بيان حكم كتابة القرآن بغير العربية نثبته فيما يلي: ذكر جلال الدين السيوطي في [الإتقان] (١) : مسألة كتابة القرآن بغير العربية ونقل فيها عن الزركشي احتمال الجواز، وترجيح المنع من كتابة القرآن بغير الحروف العربية، قال: قال الزركشي (٢) : هل تجوز كتابته بقلم غير عربي؟ هذا مما لم أر فيه كلاما لأحد من العلماء، ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، وقد قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣) اهـ، ولم يعلق السيوطي على ذلك، فكأنه رده. وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في [مجلة المنار] (٤) : أن بعض المسلمين في الترنسفال كتب إلى جريدة في مصر ثلاثة أسئلة لعرضها على بعض علماء الأزهر فعرضتها على الشيخ محمد بخيت، فأجاب عنها ونشرت الجريدة أجوبته: أحد الأسئلة عن التزوج بأخت الرضيعة. وجوابه معروف وهو: أنه لا يحرم على الرجل إلا من رضعت هي وإياه من امرأة، وأما أخت الرضيعة فلا تحرم.

стр. 4103

والسؤال الثاني: يتعلق بالاقتداء بالمخالف، وبينا الراجح فيه عندنا في آخر الجزء الماضي، وأن في المسألة قولين مصححين، ولكن الشيخ ذكر أن الأصح خلاف ما رجحناه، وهو المذكور في كتب الفقه، وهم أسرى تلك الكتب. وأما السؤال المهم: فهو ما جعلناه عنوانا لهذه النبذة (أي: كتابة القرآن بالحروف الإنكليزية) وقد أجاب عنه الشيخ بجواب ننقله عن تلك الجريدة مع السؤال، ثم نبين رأينا فيه وهو: سؤال: ما قولكم - علماء الإسلام ومصابيح الظلام - أدام الله وجودكم - هل يجوز كتابة القرآن الكريم بالحروف الإنكليزية والفرنسية مع أن الحروف الإنكليزية ناقصة عن الحروف العربية، ومعلوم أن القرآن الكريم أنزل على لسان قريش، فالإنكليزي مثلا إذا أراد أن يكتب مصر بالإنكليزية تقرأ (مسر) ، أو أحمد تكتب (أهمد) ، ويكتب (شيك) بمعنى: شيخ، لا سيما وإخواننا المسلمون في مصر يعرفون اللغة الإنكليزية وغيرها، وبعض المسلمين في جنوبي أفريقية في جدال عنيف: منهم من يجوز، ومنهم من يقول غير جائز. أفيدونا ولكم الأجر والثواب من الله تعالى. جواب: اعلم أن القرآن هو النظم، أي: اللفظ الدال؛ لأنه الموصوف بالإنزال والإعجاز وغير ذلك من الأوصاف التي لا تكون إلا للفظ. وأما المعنى، وحده فليس بقرآن حقيقة. وقيل: إن القرآن حقيقة هو المعنى ويطلق على اللفظ مجازا. والحق هو الأول (١) .

стр. 4104

وعليه فلا يجوز قراءة القرآن بغير العربية لقادر عليها، وتجوز القراءة والكتابة بغير العربية للعاجز عنها، بشرط أن لا يختل اللفظ ولا المعنى فقد كان تاج المحدثين الحسن البصري يقرأ القرآن في الصلاة بالفارسية لعدم انطلاق لسانه باللغة العربية. وفي [النهاية والدراية] : أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي بأن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكتب فكانوا يقرءون ما كتب في الصلاة حتى لانت ألسنتهم، وقد عرض ذلك على النبي ﷺ ولم ينكر عليه. وفي [النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية] ما يؤخذ منه حرمة كتابة القرآن بالفارسية إلا أن يكتب بالعربية ويكتب تفسير كل حرف وترجمته، ويحرم مسه لغير الطاهر اتفاقا. وفي كتب المالكية أن ما كتب بغير العربية ليس بقرآن، بل يعتبر تفسيرا له. وفي [الإتقان] للسيوطي عن الزركشي أنه لم ير كلاما لعلماء مذهبه في كتابة القرآن بالقلم الأعجمي، وأنه يحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير العربية، ولقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، وقد قال تعالى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١) فتلخص من ذلك: أن المنصوص عند الحنفية جواز القراءة والكتابة بغير العربية للعاجز عنها بالشروط المار ذكرها، وأن الأحوط أن يكتبه بالعربية، ثم يكتب تفسير كل حرف وترجمته بغيرها، كالإنكليزية. اهـ. (المنار) : عندنا مسألتان:

стр. 4105

إحداهما: ترجمة القرآن إلى لغة أعجمية، أي: التعبير عن معانيه بألفاظ أعجمية يفهمها الأعجمي دون العربي، وهذه هي التي سألنا عنها الفاصل الروسي ونشرنا السؤال والجواب في هذا الجزء. والثانية: كتابة القرآن العربي بحروف غير عربية وهذه هي التي يسأل عنها السائل الترنفالي، وقد رأى القراء أن جواب المجيب عنها مضطرب والنقول التي نقلها مضطربة؛ لذلك رأينا أن ننقله، ونحرر القول في المسألة تحريرا. المقصود من الكتابة: أداء الكلام بالقراءة، فإذا كانت الحروف الأعجمية التي يراد كتابة القرآن بها لا تغني غناء الحروف العربية لنقصها كحروف اللغة الإنكليزية - فلا شك أنه يمتنع كتابة القرآن بها؛ لما فيها من تحريف كلمة، ومن رضي بتغيير كلام القرآن اختيارا فهو كافر. وإذا كان الأعجمي الداخل في الإسلام لا يستقيم لسانه بلفظ: محمد، فينطق بها (مهمد) وبلفظ خاتم النبيين فيقول (كاتم النبيين) ، فالواجب أن يجتهد بتمرين لسانه حتى يستقيم، وإذا كتبنا له أمثال هذه الكلمات بحروف لغته فقرأها كما ذكر فلن يستقيم لسانه أبد الدهر، ولو أجاز المسلمون هذا للرومان والفرس والقبط والبربر والإفرنج وغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام لعلة العجز - لكان لنا اليوم أنواع من القرآن كثيرة، ولكان كل شعب من المسلمين لا يفهم قرآن الشعب الآخر. وإذا كانت الحروف الأعجمية التي يراد كتابة القرآن بها مما تتأدى بها القراءة على وجهها من غير تحريف ولا تبديل كحروف اللغة الفارسية مثلا - ففي المسألة تفصيل: والذي نقطع به بأن الكتابة بخطها لا تكون إخلالا

стр. 4106

بأصل الدين ولا تلاعبا به، وإن هو خالف الخط العربي فالفرق بين الخط العربي المعروف والخط الكوفي أبعد من الفرق بين الخطين العربي والفارسي، ونرى علماء المذاهب متفقين على هذه الخطوط كلها، ولكنهم يعتقدونها عربية. وإذا قيل: إنها مختلفة اختلافا لا يكفي لمتعلم، أحدها: أن يقرأ الآخر كالكوفي والفارسي: نقول: قصارى ما يدل عليه ذلك: أن كل خط جائز بشرطه، ولكن عندنا ما يدل على أنه ينبغي الاتفاق على خط واحد. فهم المسلمون هذا من روح الإسلام، فكانوا متحدين في كل عصر على كتابة القرآن بخط واحد يتبع فيه رسم المصحف الإمام لا يتعدى إلا إلى زيادة في التحسين والإتقان. وذلك من آيات حفظ الله له وهو عندي واجب، فإن القرآن هو الصلة العامة بين المسلمين، والعروة الوثقى التي يستمسك بها جميع المؤمنين، ومن التفريط فيه أن يفد المسلم القارئ على مصر قادما من الصين فلا يستطيع قراءة مصاحفها، وكذا يقال في سائر الشعوب. وتصريح كثير من الأئمة بأن خط المصحف توقيفي، وأنه لا يجوز التصرف فيه يؤيد ما ذهبنا إليه. ولقائل أن يقول: إن في هذا الرأي تضييقا على نشر القرآن. وتوسيع دائرة الدعوة إلى الإسلام، وإننا نرى النصارى قد ترجموا أناجيلهم إلى كل لغة، وكتبوها بكل قلم، حتى إنهم ترجموا بعضها بلغة البرابرة. فما بال المسلمين، وغيرهم يتوسعون، ولنا أن نقول في الجواب: إننا جوزنا ترجمة القرآن لأجل الدعوة عند الحاجة إلى ذلك ولا شك أن الترجمة تكتب باللغة التي هي بها. ولكن المسلم الذي يقرأ القرآن بالعربية لا يحتاج إلى كتابته بحروف أعجمية إلا في حالة واحدة، وهي تسهيل

стр. 4107

تعليم العربية على أهل اللسان الأعجمي الذين يدخلون في الإسلام وهم قارئون كاتبون بحروف ليست من جنس الحروف العربية. وإذا وجد للإسلام دعاة يعملون بجد ونظام كالدعاة من النصارى فلهم أن يعملوا بقواعد الضرورات، ككونها تبيح المحظورات، وكونها تقدر بقدرها، فإذا رأوا أنه لا ذريعة إلى نشر القرآن واللغة العربية إلا بكتابة الكلام العربي بحروف لغة القوم الذين يدعونهم إلى الإسلام ويدخلونهم فيه، فليكتبوه ما داموا في حاجة إليه، ثم ليجتهدوا في تعليم من يحسن إسلامهم الخط العربي بعد ذلك؛ ليقووا رابطتهم بسائر المسلمين. وكما يعتبر هذا القائل بترجمة القوم لكتبهم فليعتبر بحرص الأمم الحية منهم على لغاتهم وخطوطهم. فاللغة الإنكليزية أكثر اللغات شذوذا في كلمها وخطها ونرى أهلها يحاولون أن يجعلوها لغة جميع العالمين وهم يبذلون في ذلك العناية العظيمة والأموال الكثيرة فما لنا لا نعتبر بهذا؟ ؟ ! ! وفي جواب الشيخ بخيت مباحث ليس من غرضنا التوسع فيها، ونكتفي بأن نقول: إن ما يصح أن ينظر فيه من نقوله هو ما ذكره عن السلف، فأثر سلمان إن أريد به أنه كتب لهم ترجمة الفاتحة بلغة الفرس فكيف يكون ذلك وسيلة للين ألسنتهم، وهم لم يقرءوا إلا بلغتهم. وإن أريد به أنه كتبها بالخط الفارسي فالخط الفارسي قريب من العربي، ولا دخل له أيضا بلين الألسنة. والصواب: أن الأثر غير صحيح، وأما الحسن البصري الذي ذكره فما هو الحسن التابعي المشهور وكأنه أحد الفرس الحنفية، ولا حجة في قوله فكيف يحتج بعمله؟ ! على أن فيه ما في الذي قبله وهو أن القراءة بالفارسية

стр. 4108

لا يلين بها اللسان للعربية، إلا أن يقال: كان يقرأ الترجمة حتى تمرن لسانه على العربية باستعمالها وممارسة الكلام فيها. انتهى كلام الشيخ محمد رشيد.

стр. 4109

رابعا: الخلاصة: ١ - ذكر ناشرو نسخ المصاحف التي كتبوها بالحروف اللاتينية: مقدمات بينوا فيها الحروف اللاتينية، ورمزوا لما يتبعها من شكل ومد وغنة ووقف ووصل، وذكروا معها توجيهات لكيفية استعمالها كتابة وقراءة، تسهيلا - في نظرهم - على من يريد كتابة القرآن وقراءته على هذه الطريقة، ومحافظة على القرآن من دخول أي تغيير عليه. ٢ - يتبين بالمقارنة بين النسخة الهندية والنسخة الإندونيسية الأولى والثانية أن بينهما اختلافا فيما يأتي: أ - في الحروف اللاتينية التي اقترحت لتكون بديلا عن الحروف العربية التي ليس لها مقابل في اللاتينية. ب - في حذف (أل) القمرية و (أل) الشمسية من النسخة الهندية وإثباتهما في الإندونيسية، وحذف الحرفين اللذين جعلا علامة على التنوين مطلقا من آخر الكلمة الأخيرة من كل آية من النسخة الهندية والإندونيسية الثانية وإثباتهما في النسخة الإندونيسية الأولى، وحذف بديل النون والتنوين في بعض أنواع الإدغام من النسخة الهندية والإندونيسية الثانية وإثباتهما في الإندونيسية الأولى. . إلى غير ذلك من الحذف في بعضها والإثبات في الآخر. ج - في رسم الكلمة بتجزئتها إلى مقطعين وعدم تجزئتها، والفصل بين

стр. 4110

حرفي المضعف بخط كالفتحة وعدم الفصل. . . إلخ. وكل ذلك يتبين بمراجعة السور السبع في النسخ الثلاث المكتوبة بالحروف اللاتينية والمقارنة بينهما. ٣ - لكتابة القرآن بالحروف اللاتينية مبررات: أ - منها: تسهيل كتابته وقراءته على كثير من الأعاجم، وتيسير طريق البلاغ، والدعوة إلى الإسلام، وإقامة الحجج، وتعميم ذلك في السواد الأعظم من غير العرب، ولا شك أن هذا من مقاصد الشريعة، ونظيره جمع أبي بكر ﵁ القرآن، خشية ضياعه بموت القراء وجمع عثمان ﵁ القرآن على قراءة واحدة من السبع التي بها نزل القرآن، خشية الاختلاف، ونقط القرآن وشكله في عهد بني أمية، تسهيلا لقراءته على من استعجمت ألسنتهم من أبناء العرب وصيانة لهم من اللحن في التلاوة، وكل ذلك ليس بمنكر، بل فيه تحقيق مقاصد الشريعة، تسهيلا ودعوة وبلاغا وحفظا للقرآن وصيانة له، فليرخص في كتابته بالحروف اللاتينية لمثل ذلك. ب - ومنها: أن القرآن لم ينزل مكتوبا، بل نزل وحيا متلوا، فكتبه الصحابة بما كان معهودا لديهم من الحروف، وليس هنا نص من الكتاب أو السنة يلزم الأمة بذلك، فلم لا تجوز كتابة المصحف بحروف لاتينية مثلا؛ لوجود الداعي إلى ذلك مع عدم الضرر. ونوقش ذلك بأمور: أ - منها: أن تعلم الأعاجم اللغة العربية سهل لا حرج فيه ولا خطر، فإنه عهد أن كثيرا من الناس يتعلمون غير لغتهم حبا للاستطلاع ووسيلة

стр. 4111

لدراسة بعض العلوم، وحرصا على تبادل المنافع، وأن كثيرا من الأعاجم الذين أسلموا تعلموا اللغة العربية وخدموا الإسلام، بل تحولت دول عن لغتها إلى اللغة العربية. بخلاف ما ذكر من جمع القرآن ونقطه وشكله، فإن المصلحة لا تتحقق إلا بذلك، ولا يدفع الخطر المتوقع إلا به، وعلى هذا لا اعتبار بما ادعي أنه نظائر، ولا للاستشهاد به للترخيص في كتابة القرآن بحروف غير عربية؛ لوجود الفارق. ب - كان من أصحاب النبي ﷺ من يعرف غير العربية والوحي ينزل ولم يتخذ منهم من يكتب القرآن بغير العربية من الفارسية والحبشية والسريانية ونحوها، تيسيرا على الأمة وإعانة على تعميم البلاغ وإقامة الحجة، مع علمه بعموم الرسالة وعلم الله تعالى بأحوال الأمم واختلاف لغاتها، فإعراضه ﷺ عما سمي دواعي ومبررات لكتابة القرآن بالحروف اللاتينية، وتقرير الله له على ذلك فيه إلغاء لتلك المبررات وإهدار لها فلا يصح بناء الترخيص عليها. ج - أن الذين كتبوا المصحف بالحروف اللاتينية أحسوا بأن مجرد كتابته بها لا يحقق التسهيل؛ لوجود حروف عربية ليس لها مقابل الحروف اللاتينية، فاضطروا أن يقترحوا لها مقابلا، واضطروا أن يقارنوا بين الحروف العربية وتوابعها من الشكل والمد ونحوها وبين الحروف اللاتينية والرموز التي وضعت للتوابع، واضطروا أن يضعوا إرشادات قد وصلت في بعض النسخ أربع عشرة صفحة، وهذا يحتاج تعليمه والمران عليه كتابة وقراءة إلى جهد، إن لم يزد على العربية كتابة وقراءة فهو لا ينقص عنه، وإذن فكتابة القرآن بالعربية أرجح وأسلم؛ لكونها اللغة التي

стр. 4112

بها نزل، ولبعدها عن مظان التحريف والتبديل. د - أن التجزئة في كتابة كلمات الآية، وضم جزء من حروفها إلى ما سبق وآخر إلى ما لحق - تشبه تقطيع كلمات البيت من الشعر حسب الأوزان المعروفة عند علماء العروض؛ ليعرف البحر الذي هو منه، ويتبع ذلك صفة نطق القارئ. وتشبه أيضا النوتة الموسيقية التي يراعى فيها مطابقة الصوت للمقطع والسلم الموسيقي وهذا من البدع التي تسيء إلى القرآن الكريم. هـ - أن كاتب القرآن بالحروف اللاتينية لم يلتزم ما تعهد به في تعليماته في كيفية الرسم الكتابي. فمثلا: نجده أحيانا يثبت الحرف اللاتيني الذي جعله عوضا عن الحركة في الكتابة العربية، وأحيانا يتركه. ونجده أحيانا يثبت خطا أفقيا بين حرفي المضعف وأحيانا يتركه، من ذلك ما وقع منه في كتابته سورة الناس بالحروف اللاتينية في النسخة الهندية والنسخة الإندونيسية الثانية، إلى غير ذلك مما ينذر بخطر، ويفضي إلى التلاعب بالقرآن الكريم، وتحريفه والإلحاد فيه، ويفتح بابا لأهل الزيغ والزندقة والكفر يدخلون منه للطعن في كتاب الله، ويشبهون على المسلمين، ويصيب القرآن بما أصيبت به التوراة والإنجيل من قبل من التغيير والتبديل، وتحريف الكلام عن مواضعه. ٤ - هناك أمور تقتضي كتابة القرآن بالحروف العربية خاصة منها: أ - أنه كتب حين نزوله وفي جمع أبي بكر وعثمان ﵄ إياه - بالحروف العربية، ووافق على ذلك سائر الصحابة ﵃،

стр. 4113

وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا، رغم وجود الأعاجم وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (١) » . . الحديث. فوجبت المحافظة على ذلك؛ عملا بما كان في عهده ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، وعملا بإجماع الأمة. ب - أن حروف اللغات من الأمور المصطلح عليها، فهي قابلة للتغيير عدة مرات بحروف أخرى، فيخشى إذا فتح هذا الباب أن يفضي إلى التغيير كلما اختلف الاصطلاح، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك، ويحصل الخلط على مر الأيام، ويجد عدو الإسلام مدخلا للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب، كما حصل بالنسبة للكتب السابقة، فوجب أن يمنع ذلك، محافظة على أصل الإسلام، وسدا لذريعة الشر والفساد. ج - يخشى إذا رخص في ذلك أو أقر أن يصير القرآن ألعوبة بأيدي الناس، فيقترح كل أن يكتب بلغته وبما يجد من اللغات، ولا شك أن ذلك مثار اختلاف وضياع، فيجب أن يصان كتاب الله عن ذلك؛ صيانة للإسلام، وقد تنبه علماء الإسلام لذلك فحرموا كتابته بغير العربية، حفظا للقرآن وصيانة له من العبث والاضطراب. وليس فيما ذكر استقصاء لمكامن الشر، ومثار الخطر، وإنما هي نماذج مما وقع من الاختلاف والخلط والأخطاء وتمثيل لما يخشى منه وقوع البلاء. هذا ولم تتعرض اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لما جاء في مقدمة النسخة الهندية من الكذب في الحديث على رسول الله ﷺ في تفضيل حبر العالم على دم الشهيد، ومن الغلو في الثناء على محمد

стр. 4114

عبد الحليم الياسي بجعل ما اقترحه ونشره من كتابة القرآن بالحروف اللاتينية مما يتحدى به كما يتحدى بالقرآن، كما لم تتعرض اللجنة لما قد يكون من أخطاء في ترجمة معاني القرآن المطبوعة مع الترجمة الصوتية في النسخة الهندية والنسخة الإندونيسية الثانية، فإن ذلك ليس من موضوع بحثها الذي كلفت به، ثم إن ترجمة معاني القرآن موضوع مستقل يحتاج إلى بحث خاص في حكمه وفي طريق تطبيقه وفيما وقع منه، وقد خاض العلماء فيه من قبل، ونرجو أن يوفقهم الله تعالى لإكمال ما بدءوه. والله المستعان. وأخيرا: فالبحث في هذا الموضوع للكشف عن جوانبه وإيضاح الحق فيه وإن كان مهما فأهم منه اللقاء بمن نشروا نسخا من الترجمة الصوتية للقرآن، ومن أثنوا عليها من العلماء والبحث معهم في الموضوع، وأهم من الأمرين قيام الحكام في الدول الإسلامية بواجبهم نحو حفظ كتاب الله بعد ظهور الحق. . والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 4115

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٦٧) وتاريخ ٢١ \ ١٠ \ ١٣٩٩هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: ففي الدورة الرابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف في المدة من العاشر من شهر شوال سنة ١٣٩٩ هـ. إلى الحادي والعشرين منه اطلع المجلس على الخطاب الوارد من مبعوث الرئاسة بسفارة المملكة العربية السعودية بجاكرتا إلى مدير إدارة الدعوة في الخارج برقم ٩ \ ١ \ ١٥ \ ١٥٥ وبدون تاريخ، المتضمن: أنه ظهر في أسواق إندونيسيا مصحف مكتوب بالأحرف اللاتينية. وسؤاله عما ينبغي اتخاذه حياله والذي أحيل إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء من سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بخطابه رقم ٢٥٥ \ ١ \ د وتاريخ ٢٧ \ ١ \ ١٣٩٩ هـ. . واطلع المجلس على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في [حكم كتابة المصحف بالأحرف اللاتينية] . . بناء على طلب المجلس في الدورة الاستثنائية الثالثة لما عرض الخطاب في تلك الدورة. وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه - قرر المجلس بالإجماع: تحريم كتابة القرآن بالحروف اللاتينية أو غيرها من حروف اللغات الأخرى، وذلك للأسباب التالية: ١ - أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين حروفه ومعانيه، قال تعالى:

стр. 4116

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤) والمكتوب بالحروف اللاتينية لا يسمى قرآنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥) وقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٦) ٢ - أن القرآن كتب حين نزوله وفي جمع أبي بكر وعثمان ﵄ إياه بالحروف العربية، ووافق على ذلك سائر الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا رغم وجود الأعاجم، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (٧) » . . الحديث، فوجبت المحافظة على ذلك؛ عملا بما كان في عهده ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، وعملا بإجماع الأمة. ٣ - أن حروف اللغات من الأمور المصطلح عليها فهي قابلة للتغيير مرات بحروف أخرى فيخشى إذا فتح هذا الباب أن يفضي إلى التغيير كلما اختلف الاصطلاح، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك ويحصل التخليط على مر الأيام ويجد عدو الإسلام مدخلا للطعن في القرآن للاختلاف والاضطراب كما حصل بالنسبة للكتب السابقة، فوجب أن يمنع ذلك محافظة على أصل الإسلام وسدا لذريعة الشر والفساد. ٤ - يخشى إذا رخص في ذلك أو أقر أن يصير القرآن ألعوبة بأيدي

стр. 4117

الناس فيقترح كل أن يكتبه بلغته وبما يجد من اللغات، ولا شك أن ذلك مثار اختلاف وضياع، فيجب أن يصان القرآن عن ذلك؛ صيانة للإسلام، وحفظا لكتاب الله من العبث والاضطراب. ٥ - أن كتابة القرآن بغير الحروف العربية يثبط المسلمين عن معرفة اللغة العربية التي بواسطتها يعبدون ربهم، ويفهمون دينهم، ويتفقهون فيه. هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة عبد الله بن محمد بن حميد محمد بن علي الحركان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... غائب عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن قعود ... عبد المجيد حسن ... غائب ... ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان

стр. 4118

(٧) حكم طواف الوداع هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 4119

حكم طواف الوداع إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فبناء على المحضر رقم (١١) من محاضر دورة مجلس هيئة كبار العلماء الثالثة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف فيما بين ١٤ \ ١٠ إلى ٢١ \ ١٠ \ ١٣٩٨ هـ المتضمن اقتراح إعداد بحث في (حكم طواف الوداع) للخارج من مكة، سواء كان حاجا أو معتمرا أو غيرهما، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك. .؟ وهل يفرق بين من أراد الرجوع لأداء طواف الوداع وبين غيره. . .؟ أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يشمل ما يلي: أولا: طواف الوداع نسك مستقل أو من مناسك الحج. ثانيا: الخلاف في حكمه مع الأدلة وما يترتب على ذلك. ثالثا: هل يطلب من كل من نفر عن البيت بعد النسك أو ممن ينفر خارج الحرم أو خارج المواقيت أو خارج مسافة القصر؟ رابعا: متى يطالب بالرجوع من ترك الوداع وهل يرجع محرما أم لا؟ خامسا: هل يجوز لمن أدى النسك أن ينفر مؤقتا من أجل شدة الزحام ثم

стр. 4120

يعود ليودع؟ ونظرا لترابط وتداخل نصوص العلماء ومناقشتهم لهذه الأمور رأينا ذكر ما تيسر نقله فيها مجتمعا، وأتبعناه بخلاصة لما تضمنته هذه النقول، وبالله التوفيق. وفيما يلي ذكر ذلك:

стр. 4121

١ - النقول من كتب الحديث وشروحها: أ - قال البخاري ﵀: (حدثنا مسدد حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (١) » . حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁ حدثه: «أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به (٢) » ، تابعه الليث حدثني خالد عن سعيد عن قتادة: أن أنس بن مالك ﵁ حدثه عن النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: (باب طواف الوداع) قال النووي: (طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه) انتهى. والذي رأيته في [الأوسط] لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء. قوله: (أمر الناس) كذا في رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه على البناء

стр. 4122

لما لم يسم فاعله والمراد به النبي ﷺ ، وكذا قوله: (خفف) ، وقد رواه سفيان أيضا عن سليمان الأحول عن طاوس فصرح فيه بالرفع، ولفظه عن ابن عباس قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » أخرجه مسلم هو والذي قبله عن سعيد بن منصور عن سفيان بالإسنادين فرقهما، فكأن طاوسا حدث به على الوجهين؛ ولهذا وقع في رواية كل من الراويين عنه ما لم يقع في رواية الآخر، وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكد به وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده. قوله: (عن قتادة) سيأتي بعد باب من وجه آخر عن ابن وهب التصريح بتحديث قتادة، ويأتي الكلام هناك، والمقصود منه هنا قوله في آخره: (ثم ركب إلى البيت فطاف به) . قوله: (تابعه الليث) أي: تابع عمرو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة بطريق أخرى إلى قتادة، وقد وصله البزار والطبراني من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث، وخالد شيخ الليث هو ابن يزيد، وذكر البزار والطبراني أنه تفرد بهذا الحديث عن سعيد، وأن الليث تفرد به عن خالد، وأن سعيد بن أبي هلال لم يرو عن قتادة عن أنس غير هذا الحديث) (٢) . قال البخاري أيضا: (باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف

стр. 4123

الوداع؟) . حدثنا أبو نعيم حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مهلين بالحج في أشهر الحج وحرم الحج، فنزلنا بسرف، فقال النبي ﷺ لأصحابه: من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا. وكان مع النبي ﷺ ورجال من الصحابة ذوي قوة الهدي، فلم تكن لهم عمرة، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: " ما يبكيك؟ " قلت: سمعتك تقول لأصحابك ما قلت، فمنعت العمرة. قال: " وما شأنك؟ " قلت: لا أصلي. قال: " فلا يضرك أنت من بنات آدم كتب عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك عسى الله أن يرزقكها " قالت: فكنت حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن فقال: " اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما أنتظركما هاهنا " فأتينا في جوف الليل، فقال: " فرغتما؟ " قلت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، ثم خرج موجها إلى المدينة (١) » . وقال الحافظ: قوله: (باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع) أورد فيه حديث عائشة في عمرتها من التنعيم، وفيه قوله ﷺ لعبد الرحمن: «اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما (٢) » . . الحديث. قال ابن بطال: (لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع كما فعلت عائشة) انتهى. وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت

стр. 4124

للوداع بعد طواف العمرة لم يبت الحكم في الترجمة، وأيضا فإن قياس من يقول: إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا، ويستفاد من قصة عائشة أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن - إن قلنا: إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع - أن تخلل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معا. قوله في الحديث: «فنزلنا بسرف (١) » في رواية أبي ذر وأبي الوقت (سرف) بحذف الباء، وكذا لمسلم من طريق إسحاق بن عيسى بن الطباع عن أفلح قوله لأصحابه: «من لم يكن معه هدي (٢) » ظاهره أن أمره ﷺ لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان بسرف قبل دخولهم مكة، والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك بعد دخول مكة، ويحتمل التعدد. قوله: «قلت: لا أصلي (٣) » كنت بذلك عن الحيض وهي من لطيف الكنايات. قوله: «كتب عليك (٤) » كذا للأكثر على البناء لما لم يسم فاعله، ولأبي ذر: «كتب الله عليك (٥) » ، وكذا لمسلم. قوله: «فكوني في حجتك (٦) » ، وفي رواية أبي ذر: «في حجك (٧) » ، وكذا لمسلم. قوله: «حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب (٨) » في هذا السياق اختصار بينته رواية مسلم بلفظ: «حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفت بالبيت فنزل رسول الله ﷺ المحصب (٩) » . قوله: (فدعا عبد الرحمن) ، وفي رواية مسلم: (عبد الرحمن بن أبي بكر) .

стр. 4125

قوله: «اخرج بأختك الحرم (١) » ، في رواية الكشميهني: " من الحرم " وهي أوضح، وكذا لمسلم. قوله: «فأتينا في جوف الليل (٢) » في رواية الإسماعيلي: «من آخر الليل (٣) » وهي أوفق لبقية الروايات، وظاهرها أنها أتت إلى النبي ﷺ ، وقد تقدم قبل أبواب أنها قالت: «فلقيته وأنا منهبطة وهو مصعد (٤) » ) (٥) . ب - وقال مسلم ﵀: حدثنا سعيد بن منصور، وزهير بن حرب قالا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٦) » . قال زهير: (ينصرفون كل وجه) . ولم يقل: (في) . حدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة: (واللفظ لسعيد) ، قالا: حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٧) » . حدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس، قال: (كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟) فقال له ابن عباس: إما لا، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: (ما أراك إلا قد صدقت) . حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث (ح) ، وحدثنا محمد بن رمح، حدثنا

стр. 4126

الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة وعروة أن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أحابستنا هي؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله ﷺ : " فلتنفر (١) » .

стр. 4127

حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى، وأحمد بن عيسى، قال أحمد: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب بهذا الإسناد، قالت: (طمثت صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ في حجة الوداع بعد ما أفاضت طاهرا) بمثل حديث الليث. وحدثنا قتيبة، يعني: ابن سعيد، حدثنا ليث (ح) ، وحدثنا زهير بن حرب، حدثنا سفيان (ح) ، وحدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: (أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أن صفية قد حاضت) ، بمعنى حديث الزهري، وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا أفلح عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: «كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض، فجاءنا رسول الله ﷺ ، فقال: " أحابستنا صفية؟ " قلنا: قد أفاضت، قال: فلا إذن (١) » . حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : «يا رسول الله، إن صفية بنت حيي قد حاضت، فقال رسول الله ﷺ : " لعلها تحبسنا، ألم تكن قد طافت معكن بالبيت؟ ! " قالوا: بلى:

стр. 4128

قال: فاخرجن (١) » . حدثني الحكم بن موسى، حدثني يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي - لعله قال - عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «وإنها لحابستنا، فقالوا: يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر، قال: " فلتنفر معكم (٢) » . حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة (ح) ، وحدثنا عبيد الله بن معاذ - واللفظ له - حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «لما أراد النبي ﷺ أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: " عقرى حلقى، إنك لحابستنا " ثم قال لها: " أكنت أفضت يوم النحر؟ " قالت: نعم. قال: " فانفري (٣) » . وحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش (ح) ، حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن منصور - جميعا - عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ نحو حديث الحكم غير أنهما لا يذكران (كئيبة حزينة) . قال النووي ﵀ (٤) : (باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض) . قوله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٥) » فيه دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح في

стр. 4129

مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء منهم الحسن البصري والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. قوله: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » هذا دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر وزيد بن ثابت ﵃ أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، دليل الجمهور هذا الحديث وحديث صفية المذكور بعده. قوله: (فقال ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية) هو بكسر الهمزة وفتح اللام وبالإمالة الخفيفة هذا هو الصواب المشهور، وقال القاضي: ضبطه الطبري والأصيلي (أما لي) بكسر اللام، قال: والمعروف من كلام العرب فتحها إلا أن تكون على لغة من يميل، قال المازري: قال ابن الأنباري: قولهم: افعل هذا إما لا فمعناه افعله إن كنت لا تفعل غيره فدخلت ما زائدة لأن، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (٢) فاكتفوا بـ (لا) عن الفعل، كما تقول العرب: (إن زارك فزره وإلا فلا) ، هذا ما ذكره القاضي، وقال ابن الأثير في [نهاية الغريب] : (أصل هذه الكلمة إن وما فأدغمت النون في الميم وما زائدة في اللفظ لا حكم لها، وقد أمالت العرب (لا) إمالة خفيفة - قال - والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء،

стр. 4130

وهو خطأ ومعناه إن لم تفعل هذا فليكن هذا) والله أعلم. قولها: (صفية بنت حيي) بضم الحاء وكسرها، الضم أشهر، وفي حديثها دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها، وأن الحائض تقيم له حتى تطهر، فإن ذهبت إلى وطنها قبل طواف الإفاضة بقيت محرمة، وقد سبق حديث صفية هذا وبيان إحرامه وضبطه ومعناه وفقهه في أوائل كتاب الحج في باب (بيان وجوه الإحرام بالحج) . قوله: (حدثني الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي لعله قال عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن عائشة) هكذا وقع في معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ، قال: وسقط عند الطبري. قوله: (لعله) قال عن يحيى بن أبي كثير، قال: وسقط لعله، قال: فقط لابن الحذاء، قال القاضي: وأظن أن الاسم كله سقط من كتب بعضهم أو شك فيه فألحقه على المحفوظ الصواب ونبه على إلحاقه بقوله: لعله. قوله: (قالوا: يا رسول الله، إنها قد زارت يوم النحر) فيه دليل لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق أنه لا يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة، وقال مالك: يكره، وليس للكراهة حجة تعتمد. قولها: (تنفر) بكسر الفاء وضمها، الكسر أفصح، وبه جاء القرآن. والله أعلم. ج - قال الزيلعي ﵀ (١) :

стр. 4131

الحديث الحادي عشر: روي أنه ﵇ رخص للنساء الحيض في ترك طواف الصدر، قلت: أخرج البخاري ومسلم عن طاوس عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » ، وأخرج البخاري في الحيض عن ابن عباس قال: «رخص للحائض أن تنفر بعد الإفاضة (٢) » . قال: وكان ابن عمر يقول أولا: أنها لا تنفر، ثم رجع. وقال: (تنفر، إن رسول الله ﷺ رخص لهن) . انتهى. وأخرج الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض ورخص لهن رسول الله ﷺ (٣) » . انتهى. وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في [المستدرك] ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. د - قال الترمذي ﵀ (٤) : (باب ما جاء أن مكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثا) . حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد، سمعت السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي - يعني: مرفوعا - قال: «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا (٥) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا. قال صاحب [تحفة الأحوذي] : باب ما جاء أن مكث المهاجر بعد الصدر ثلاثا، قال في [النهاية] : (الصدر بالتحريك رجوع المسافر من

стр. 4132

مقصد، والشاربة من الورد، يقال: أصدر يصدر صدورا وصدرا. انتهى. وقال في [المجمع] : (أي: بعد الرجوع من منى وكان إقامة المهاجر بمكة حراما ثم أبيح بعد قضاء النسك ثلاثة أيام) . انتهى. قوله: (يمكث) بضم الكاف من باب نصر ينصر، أي: يقيم (المهاجر بعد قضاء نسكه) أي: بعد رجوعه من منى، كما قال في الرواية الأخرى: بعد الصدر، أي: الصدر من منى، قال النووي: (بمكة ثلاثا) أي: يجوز له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه، ولا يجوز له الزيادة عليها، لأنها بلدة تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة؛ لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى. قال النووي: (معنى الحديث: أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله ﷺ حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة) . انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه البخاري في الهجرة، ومسلم في الحج، وأبو داود أيضا في الحج، وأخرجه النسائي أيضا في الحج وفي الصلاة، وابن ماجه في الصلاة (وقد روي من غير هذا الوجه بهذا الإسناد مرفوعا) إن شئت الوقوف على ذلك فارجع إلى [الصحيحين] والسنن وقد ذكرنا مواقع الحديث فيها. هـ - قال الشوكاني ﵀ (١) :

стр. 4133

عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال الرسول ﵌: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » متفق عليه، وعن ابن عباس: «أن النبي ﵌ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة (٣) » رواه أحمد، وعن عائشة قالت: «حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﵌، فقال: " أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: " فلتنفر إذن (٤) » متفق عليه. قوله: " لا ينفر أحد. . . " إلخ. فيه دليل على وجوب طواف الوداع، قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، ويلزم بتركه دم، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، قال الحافظ: والذي رأيته لابن المنذر في [الأوسط] أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء. انتهى، وقد اجتمع في طواف الوداع أمره ﵌ به ونهيه عن تركه، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. قوله: (أمر الناس) بالبناء على ما لم يسم فاعله، وكذا قوله: (خفف) . قوله: " إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة ". قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت

стр. 4134

حائضا لطوافي الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة، وروى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: (كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت قبل أن تحيض فقد فرغت، إلا عمر) . وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي عن عمر أنه قال: «ليكن آخر عهدها بالبيت (١) » . وفي رواية كذلك: حدثني رسول الله ﵌، واستدل الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث عمر في حق الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي أنها قالت: «حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله ﵌ أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة: حبستنا، فأمرها النبي ﵌ أن تنفر (٢) » ورواه سعيد بن منصور في كتاب المناسك، وإسحاق في مسنده، والطحاوي، وأصله في البخاري، ويؤيد ذلك ما أخرجه النسائي، والترمذي، وصححه الحاكم، عن ابن عمر قال: «من حج فليكن آخر عهده البيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله ﵌ (٣) » . قوله: " فلتنفر إذن " أي: فلا حبس علينا حينئذ، لأنها قد أفاضت فلا مانع من التوجه والذي يجب عليها قد فعلته، وفي رواية للبخاري: " فلا بأس انفري "، وفي رواية له: " اخرجي "، وفي رواية: " فلتنفر ". ومعانيها متقاربة، والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة، واستدل بقوله: " أحابستنا " على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض

стр. 4135

ممن لم تطف للإفاضة، وتعقب باحتمال أن يكون ﵌ أراد بتأخير الرحيل إكرام صفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة، وأما ما أخرجه البزار من حديث جابر، والثقفي في فوائده من حديث أبي هريرة مرفوعا: «أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم» ففي إسناد كل واحد منها ضعيف شديد الضعف كما قال الحافظ.
следующие страницы →