← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الحديث الحادي عشر: روي أنه ﵇ رخص للنساء الحيض في ترك طواف الصدر، قلت: أخرج البخاري ومسلم عن طاوس عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » ، وأخرج البخاري في الحيض عن ابن عباس قال: «رخص للحائض أن تنفر بعد الإفاضة (٢) » . قال: وكان ابن عمر يقول أولا: أنها لا تنفر، ثم رجع. وقال: (تنفر، إن رسول الله ﷺ رخص لهن) . انتهى. وأخرج الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض ورخص لهن رسول الله ﷺ (٣) » . انتهى. وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في [المستدرك] ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. د - قال الترمذي ﵀ (٤) : (باب ما جاء أن مكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثا) . حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد، سمعت السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي - يعني: مرفوعا - قال: «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا (٥) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا. قال صاحب [تحفة الأحوذي] : باب ما جاء أن مكث المهاجر بعد الصدر ثلاثا، قال في [النهاية] : (الصدر بالتحريك رجوع المسافر من

стр. 4132

مقصد، والشاربة من الورد، يقال: أصدر يصدر صدورا وصدرا. انتهى. وقال في [المجمع] : (أي: بعد الرجوع من منى وكان إقامة المهاجر بمكة حراما ثم أبيح بعد قضاء النسك ثلاثة أيام) . انتهى. قوله: (يمكث) بضم الكاف من باب نصر ينصر، أي: يقيم (المهاجر بعد قضاء نسكه) أي: بعد رجوعه من منى، كما قال في الرواية الأخرى: بعد الصدر، أي: الصدر من منى، قال النووي: (بمكة ثلاثا) أي: يجوز له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه، ولا يجوز له الزيادة عليها، لأنها بلدة تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة؛ لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى. قال النووي: (معنى الحديث: أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله ﷺ حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة) . انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه البخاري في الهجرة، ومسلم في الحج، وأبو داود أيضا في الحج، وأخرجه النسائي أيضا في الحج وفي الصلاة، وابن ماجه في الصلاة (وقد روي من غير هذا الوجه بهذا الإسناد مرفوعا) إن شئت الوقوف على ذلك فارجع إلى [الصحيحين] والسنن وقد ذكرنا مواقع الحديث فيها. هـ - قال الشوكاني ﵀ (١) :

стр. 4133

عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال الرسول ﵌: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » متفق عليه، وعن ابن عباس: «أن النبي ﵌ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة (٣) » رواه أحمد، وعن عائشة قالت: «حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﵌، فقال: " أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: " فلتنفر إذن (٤) » متفق عليه. قوله: " لا ينفر أحد. . . " إلخ. فيه دليل على وجوب طواف الوداع، قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، ويلزم بتركه دم، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، قال الحافظ: والذي رأيته لابن المنذر في [الأوسط] أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء. انتهى، وقد اجتمع في طواف الوداع أمره ﵌ به ونهيه عن تركه، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. قوله: (أمر الناس) بالبناء على ما لم يسم فاعله، وكذا قوله: (خفف) . قوله: " إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة ". قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت

стр. 4134

حائضا لطوافي الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة، وروى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: (كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت قبل أن تحيض فقد فرغت، إلا عمر) . وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي عن عمر أنه قال: «ليكن آخر عهدها بالبيت (١) » . وفي رواية كذلك: حدثني رسول الله ﵌، واستدل الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث عمر في حق الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي أنها قالت: «حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله ﵌ أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة: حبستنا، فأمرها النبي ﵌ أن تنفر (٢) » ورواه سعيد بن منصور في كتاب المناسك، وإسحاق في مسنده، والطحاوي، وأصله في البخاري، ويؤيد ذلك ما أخرجه النسائي، والترمذي، وصححه الحاكم، عن ابن عمر قال: «من حج فليكن آخر عهده البيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله ﵌ (٣) » . قوله: " فلتنفر إذن " أي: فلا حبس علينا حينئذ، لأنها قد أفاضت فلا مانع من التوجه والذي يجب عليها قد فعلته، وفي رواية للبخاري: " فلا بأس انفري "، وفي رواية له: " اخرجي "، وفي رواية: " فلتنفر ". ومعانيها متقاربة، والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة، واستدل بقوله: " أحابستنا " على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض

стр. 4135

ممن لم تطف للإفاضة، وتعقب باحتمال أن يكون ﵌ أراد بتأخير الرحيل إكرام صفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة، وأما ما أخرجه البزار من حديث جابر، والثقفي في فوائده من حديث أبي هريرة مرفوعا: «أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم» ففي إسناد كل واحد منها ضعيف شديد الضعف كما قال الحافظ.

стр. 4136

٢ - النقول من كتب الفقهاء: أ - الحنفية: قال صاحب [المبسوط] (١) : الثالث: طواف الصدر: وهو واجب عندنا، سنة عند الشافعي رحمه الله تعالى، قال: لأنه بمنزلة طواف القدوم ألا ترى أن كل واحد منها يأتي به الآفاقي دون المكي، وما يكون من واجبات الحج فالآفاقي والمكي فيه سواء. (ولنا) في ذلك قول رسول الله ﷺ : «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف (٢) » ورخص للنساء الحيض، والأمر دليل الوجوب، وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضا، وكما أن طواف الزيارة لتمام التحلل من إحرام الحج، فطواف الصدر لانتهاء المقام بمكة فيكون واجبا على من ينتهي مقامه بها، وهو الآفاقي أيضا الذي يرجع إلى أهله دون المكي الذي لا يرجع إلى موضع آخر، ويسمى هذا: طواف

стр. 4137

الوداع، فإنما يجب على من يودع البيت دون من لا يودعه. فأما الطواف الرابع: فهو طواف العمرة: وهو الركن في العمرة، وليس في العمرة طواف الصدر ولا طواف القدوم، أما طواف القدوم فلأنه كما وصل إلى البيت يتمكن من أداء الطواف الذي هو ركن في هذا النسك - فلا يشتغل بغيره بخلاف الحج، فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحج فيأتي بالطواف المسنون إلى أن يجيء وقت الطواف الذي هو ركن، وأما طواف الصدر فقد قال الحسن رحمه الله تعالى في العمرة: طواف الصدر أيضا في حق من قدم معتمرا إذا أراد الرجوع إلى أهله كما في الحج، ولكنا نقول: إن معظم الركن في العمرة الطواف وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر، كالوقوف في الحج؛ لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك، ولأن ما هو معظم الركن مقصود، وطواف الصدر تبع يجب لقصد توديع البيت والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا. وقال صاحب [بدائع الصنائع] (١) : (فصل) : وأما طواف الصدر: فالكلام فيه يقع في مواضع، في بيان وجوبه، وفي بيان شرائطه، وفي بيان قدره وكيفيته، وما يسن له أن يفعله بعد فراغه منه، وفي بيان وقته، وفي بيان مكانه وحكمه إذا نفر ولم يطف. أما الأول: فطواف الصدر واجب عندنا، وقال الشافعي: سنة، وجه قوله مبني على أنه لا يفرق بين الفرض والواجب، وليس بفرض بالإجماع

стр. 4138

فلا يكون واجبا لكنه لفعل رسول الله ﷺ إياه على المواظبة، وأنه دليل السنة، ثم دليل عدم الوجوب أنا أجمعنا على أنه لا يجب على الحائض والنفساء، ولو كان واجبا لوجب عليهما، كطواف الزيارة، ونحن نفرق بين الفرض والواجب على ما عرف، ودليل الوجوب ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف (١) » ومطلق الأمر لوجوب العمل، إلا أن الحائض خصت عن هذا العموم بدليل، وهو ما روي أن النبي ﷺ رخص للنساء الحيض ترك طواف الصدر لعذر الحيض ولم يأمرهن بإقامة شيء آخر مقامه وهو الدم، وهذا أصل عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر أنه لا يجب بتركه من المعذور كفارة. والله أعلم. (فصل) : وأما شرائطه: فبعضها شرائط الوجوب، وبعضها شرائط الجواز. أما شرائط الوجوب فمنها: أن يكون من أهل الآفاق فليس على أهل مكة، ولا من كان منزله داخل المواقيت إلى مكة طواف الصدر إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعا للبيت، ولهذا يسمى: طواف الوداع، ويسمى طواف الصدر لوجوده عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم، وهذا لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة فلا يجب عليهم كما لا يجب على أهل مكة، وقال أبو يوسف: أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر؛ لأنه وضع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة، ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبدا بأن توطن بها واتخذها دارا فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن نوى الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول، وإما أن نوى بعدما حل النفر الأول، فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط عنه طواف الصدر،

стр. 4139

أي: لا يجب عليه بالإجماع، وإن نوى بعدما حل النفر الأول لا يسقط، وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يسقط عنه إلا إذا كان شرع فيه، ووجه قوله: إنه لما نوى الإقامة صار كواحد من أهل مكة، وليس على أهل مكة طواف الصدر، إلا إذا شرع فيه؛ لأنه وجب عليه بالشروع فلا يجوز له تركه، بل يجب عليه المضي فيه، ووجه قول أبي حنيفة: أنه إذا حل له النفر فقد وجب عليه الطواف لدخول وقته، إلا أنه مرتب على طواف الزيارة، كالوتر مع العشاء، فنية الإقامة بعد ذلك لا تعمل، كما إذا نوى الإقامة بعد خروج وقت الصلاة. ومنها: الطهارة من الحيض والنفاس، فلا يجب على الحائض والنفساء حتى لا يجب عليهما الدم بالترك، لما روي أن رسول الله ﷺ رخص للحيض ترك هذا الطواف لا إلى بدل، فدل أنه غير واجب عليهن، إذ لو كان واجبا لما جاز تركه إلا إلى بدل وهو الدم، فأما الطهارة عن الحدث والجنابة فليست بشرط للوجوب، ويجب على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة فلم يكن ذلك عذرا. والله أعلم. (فصل) : وأما شرائط جوازه، فمنها: النية، لأنه عبادة فلا بد له من النية، فأما تعيين النية فليس شرطا حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيئا، أو نوى تطوعا كان للصدر؛ لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه، كما في صوم رمضان، ومنها: أن يكون بعد طواف الزيارة حتى إذا نفر في النفر الأول فطاف طوافا لا ينوي شيئا، أو نوى تطوعا، أو الصدر يقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن الوقت له طواف، وطواف الصدر مرتب عليه فأما النفر على فور الطواف فليس من شرائط جوازه حتى لو طاف

стр. 4140

الصدر ثم تشاغل بمكة بعده لا يجب عليه طواف آخر، فإن قيل: أليس أن النبي ﷺ قال: «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف (١) » ، فقد أمر أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف آخر عهده به، فيجب أن لا يجوزان إذ لم يأت بالمأمور به، فالجواب: أن المراد منه آخر عهده بالبيت نسكا لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت وإن تشاغل بغيره، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء فأحب إلي أن يطوف طوافا آخر لئلا يحول بين طوافه وبين نفره حائل، وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه، فيجوز طوافه إذا كان محدثا أو جنبا ويعتد به، والأفضل: أن يعيد طاهرا، فإن لم يعد جاز وعليه شاة إن كان جنبا؛ لأن النقص كثير فيجبر بالشاة، كما لو ترك أكثر الأشواط، وإن كان محدثا ففيه روايتان عن أبي حنيفة: في رواية: عليه صدقة وهي الرواية الصحيحة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن النقص يسير فصار كشوط أو شوطين، وفي رواية عليه شاة؛ لأنه طواف واجب فأشبه طواف الزيارة، وكذا ستر عورته ليس بشرط للجواز حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز به الصلاة جاز، ولكن يجب عليه الدم، وكذا الطهارة عن النجاسة إلا أنه يكره ولا شيء عليه، والفرق ما ذكرنا في طواف الزيارة. والله أعلم. (فصل) وأما قدره وكيفيته فمثل سائر الأطوفة، ونذكر السنن التي تتعلق به في بيان سنن الحج إن شاء الله تعالى. (فصل) : وأما وقته فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي للإنسان إذا أراد السفر أن يطوف طواف الصدر حين يريد أن ينفر، وهذا بيان الوقت

стр. 4141

المستحب لا بيان أصل الوقت، ويجوز في أيام النحر وبعدها ويكون أداء لا قضاء، حتى لو طاف طواف الصدر ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة بها ولم يتخذها دارا - جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف، إلا أن الأصل أن يكون طوافه عند الصدر؛ لما قلنا، ولا يلزمه شيء بالتأخير عن أيام النحر بالإجماع. (فصل) : وأما مكانه فحول البيت لا يجوز إلا به؛ لقول النبي ﷺ : «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف (١) » والطواف بالبيت هو: الطواف حوله، فإن نفر ولم يطف، يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات، لأنه ترك طوافا واجبا، وأمكنه أن يأتي به من غير الحاجة إلى تجديد الإحرام، فيجب عليه أن يرجع ويأتي به، وإن جاوز الميقات لا يجب عليه الرجوع، لأنه لا يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها، ثم إذا أراد أن يمضي مضى وعليه دم، وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع، وإذا رجع يبتدئ بطواف العمرة ثم بطواف الصدر ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه. وقالوا: الأولى أن لا يرجع ويريق دما مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه، لما فيه من دفع مشقة السفر وضرر التزام الإحرام. والله أعلم. اهـ.

стр. 4142

ب - فقهاء المالكية: قال ابن رشد ﵀ (١) : القول في أعداده وأحكامه:

стр. 4143

وأما أعداده: فإن العلماء أجمعوا على أن الطواف ثلاثة أنواع: طواف القدوم على مكة، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وطواف الوداع، وأجمعوا على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة، وأنه المعني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) وأنه لا يجزئ عنه دم، وجمهورهم على: أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة؛ لكونه قبل يوم النحر، وقالت طائفة من أصحاب مالك: إن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة، كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد، وجمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة، وأجمعوا فيما حكاه أبو عمر بن عبد البر: أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلا لخائف فوات الحج فإنه يجزئ عنه طواف الإفاضة، واستحب جماعة من العلماء لمن عرض له هذا أن يرمل في الأشواط الثلاثة من طواف الإفاضة على سنة طواف القدوم من الرمل، وأجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة، كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم، وأجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين، طواف للعمرة لحله منها، وطواف للحج يوم النحر على ما في حديث عائشة المشهور، وأما المفرد فليس عليه إلا طواف واحد كما قلنا يوم النحر، واختلفوا في القارن: فقال مالك

стр. 4144

والشافعي وأحمد وأبو ثور: يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد، وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر، وعمدتهم حديث عائشة المتقدم، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى: على القارن طوافان وسعيان، ورووا هذا عن علي وابن مسعود؛ لأنهما نسكان من شرط كل واحد منهما إذا انفرد طوافه وسعيه، فوجب أن يكون الأمر كذلك إذا اجتمعا. وقال الدسوقي (١) ﵀: حاصل المسألة: أن الخارج إلى مكة إذا قصد التردد لها فلا وداع عليه مطلقا وصل للميقات أم لا، وإن قصد مسكنه أو الإقامة طويلا فعليه الوداع مطلقا، وإن خرج لاقتضاء دين أو زيارة أهل نظر؛ فإن خرج لنحو أحد المواقيت ودع، وإن خرج لدونها كالتنعيم فلا وداع، هذا محصل كلام (ح) . قوله: (لا لقريب كالتنعيم والجعرانة) أي: ما لم يخرج ليقيم فيه؛ لكونه مسكنه، أو ليقيم فيه طويلا وإلا طلب منه. قوله: (وإن صغيرا) مبالغة في قوله وندب طواف الوداع إن خرج لكالجحفة، أي: وإن كان ذلك الخارج صغيرا، وظاهره ولو كان غير مميز فيفعله عنه وليه. قوله: (وتأدى. . إلخ) الحاصل أن طواف الوداع ليس مقصودا لذاته، بل يكون آخر عهده من البيت الطواف، فلذلك يتأدى بطواف الإفاضة أو

стр. 4145

العمرة، ولا يكون سعيه لها طولا حيث لم يقم عندها إقامة تقطع حكم التوديع، والمراد بتأديه بهما: أنه لا يستحب لمن طاف للإفاضة أو للعمرة، ثم خرج من فوره أن يطوف للوداع، بل يسقط عنه الطلب بما ذكر، ويحصل له فضل الوداع إن نواه بما ذكر، قياسا على تحية المسجد.

стр. 4146

ج - فقهاء الشافعية: قال النووي ﵀ (١) : قال المصنف ﵀: (إذا فرغ من الحج وأراد المقام بمكة لم يكلف طواف الوداع، فإن أراد الخروج طاف للوداع وصلى ركعتي الطواف، وهل يجب طواف الوداع أم لا؟ فيه قولان: (أحدهما) : أنه يجب، لما روى ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » . (والثاني) : لا يجب؛ لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه، فإن قلنا: إنه واجب وجب بتركه الدم؛ لقوله ﷺ : «من ترك نسكا فعليه دم» . وإن قلنا: لا يجب، لم يجب بتركه دم؛ لأنه سنة فلا يجب بتركه دم، كسائر سنن الحج، وإن طاف للوداع ثم أقام لم يعتد بطوافه عن الوداع؛ لأنه لا توديع مع المقام، فإذا أراد أن يخرج أعاد طواف الوداع، وإن طاف ثم صلى في طريقه أو اشترى زادا - لم يعد الطواف؛ لأنه لا يصير بذلك مقيما، وإن نسي الطواف وخرج ثم ذكره (فإن قلنا) : إنه واجب نظرت، فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة استقر عليه الدم، فإن عاد

стр. 4147

وطاف لم يسقط الدم؛ لأن الطواف الثاني للخروج الثاني فلا يجزئه عن الخروج الأول، فإن ذكر ذلك وهو في مسافة لا تقصر فيها الصلاة فعاد وطاف سقط عنه الدم؛ لأنه في حكم المقيم، ويجوز للحائض أن تنفر بلا وداع؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض (١) » ، فإن نفرت الحائض ثم طهرت، فإن كانت في بنيان مكة عادت وطافت وإن خرجت من البنيان لم يلزمها الطواف) . (الشرح) حديث ابن عباس الأول: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده (٢) » رواه مسلم، وحديثه الآخر: (أمر الناس. .) إلى آخره، رواه البخاري ومسلم، وحديث: «من ترك نسكا فعليه دم» سبق بيانه في هذا الباب مرات. وعن عائشة ﵂ قالت: «لما أراد النبي ﷺ أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة فقال: " عقرى، حلقى، إنك لحابستنا " ثم قال لها: " أكنت أفضت يوم النحر؟ " قالت: نعم. قال: " فانفري (٣) » رواه البخاري ومسلم. والوداع بفتح الواو، وتنفر بكسر الفاء. أما الأحكام ففيها مسائل: (إحداها) : قال أصحابنا: من فرغ من مناسكه وأراد المقام بمكة ليس عليه طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه سواء كان من أهلها أو غريبا، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع ولا رمل في هذا الطواف ولا اضطباع كما سبق، وإذا طاف صلى ركعتي الطواف، وفي هذا الطواف قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما: أصحهما: أنه

стр. 4148

واجب، والثاني: سنة، وحكي طريق آخر أنه سنة قولا واحدا، حكاه الرافعي وهو ضعيف غريب. والمذهب: أنه واجب. قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما هذا نصه في [الأم] والقديم، والاستحباب هو نصه في الإملاء، فإن تركه أراق دما (فإن قلنا) : سنة فالدم سنة، ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع إن قلنا هو واجب. والله أعلم. (الثانية) : إذا خرج بلا وداع وقلنا يجب طواف الوداع عصى، ولزمه العود للطواف ما لم يبلغ مسافة القصر من مكة، فإن بلغها لم يجب العود بعد ذلك، ومتى لم يعد لزمه الدم، فإن عاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم، وإن عاد بعد بلوغها فطريقان: (أصحهما) وبه قطع الجمهور: لا يسقط. (والثاني) : حكاه الخراسانيون وجهان: (أصحهما) : لا يسقط، (والثاني) : يسقط. (الثالثة) : ليس على الحائض ولا على النفساء طواف وداع ولا دم عليها لتركه؛ لأنها ليست مخاطبة به للحديث السابق، لكن يستحب لها أن تقف على باب المسجد الحرام، وتدعو بما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولو طهرت الحائض والنفساء فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع؛ لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة القصر لم يلزمها العود بلا خلاف، وإن كان بعد مفارقة مكة وقبل مسافة القصر فقد نص الشافعي: أنه لا يلزمها، ونص أن المقصر بترك الطواف يلزمه العود. وللأصحاب طريقان: (المذهب) الفرق كما نص عليه وبه قطع المصنف والجمهور؛

стр. 4149

لأنه مقصر بخلاف الحائض. (والطريق الثاني) : حكاه الخراسانيون فيهما قولان: (أحدهما) : يلزمهما، (والثاني) : لا يلزمهما. (فإن قلنا) : لا يجب العود فهل الاعتبار في المسافة بنفس مكة أم بالحرم؟ فيه طريقان: المذهب وبه قطع المصنف والجمهور بنفس مكة، والثاني: حكاه جماعة من الخراسانيين، فيه وجهان أصحهما هذا، والثاني الحرم، وأما المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها فلا وداع عليها، وإن نفرت في يوم طهرها لزمها طواف الوداع. (الرابعة) : ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد جميع الأشغال، ويعقبه الخروج بلا مكث، فإن مكث نظر: إن كان لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض لزمه إعادة الطواف، وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد وشد الرحل ونحوهما، فهل يحتاج إلى إعادته؟ فيه طريقان: قطع الجمهور بأنه لا يحتاج، وذكر إمام الحرمين فيه وجهين، ولو أقيمت الصلاة فصلاها معهم لم يعد الطواف، نص عليه الشافعي في الإملاء، واتفق عليه الأصحاب. والله أعلم. (الخامسة) : حكم طواف الوداع حكم سائر أنواع الطواف في الأركان والشروط، وفيه وجه لأبي يعقوب الأيبوردي أنه يصح بلا طهارة وتجبر الطهارة بالدم، وقد سبق بيان الوجه في فصل طواف القدوم، وهو غلط ظاهر. والله تعالى أعلم. (السادسة) : هل طواف الوداع من جملة المناسك أم عبادة مستقلة؟ فيه خلاف، فقال إمام الحرمين والغزالي: هو من المناسك وليس على الحاج

стр. 4150

والمعتمر طواف وداع إذا خرج من مكة لخروجه، وقال البغوي والمتولي وغيرهما: ليس طواف الوداع من المناسك، بل هو عبادة مستقلة يؤمر بها كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيا أو آفاقيا، وهذا الثاني أصح عند الرافعي وغيره من المحققين تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام، قال الرافعي: ولأن الأصحاب اتفقوا على أن المكي إذا حج ونوى على أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطواف الوداع، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه، ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج، هذا كلام الرافعي، ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك ما ثبت في [صحيح مسلم] وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا (١) » وجه الدلالة أن طواف الوداع يكون عند الرجوع وسماه قبله قاضيا للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلها. والله أعلم. (فرع) ذكرنا في هذه المسألة السادسة عن البغوي: أن طواف الوداع يتوجه على كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، قال: ولو أراد دون مسافة القصر لا وداع عليه، والصحيح المشهور: أنه يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها سواء كانت مسافة بعيدة أم قريبة؛ لعموم الأحاديث وممن صرح بهذا صاحب البيان وغيره. (فرع) قد ذكرنا أنه لا يجوز أن ينفر من منى ويترك طواف الوداع إذا قلنا بوجوبه، فلو طاف يوم النحر للإفاضة وطاف بعده للوداع، ثم أتى منى ثم أراد النفر منها في وقت النفر إلى وطنه واقتصر على طواف الوداع السابق فهل يجزئه؟ قال صاحب البيان: اختلف أصحابنا المتأخرون فيه، فقال

стр. 4151

الشريف العثماني: يجزئه؛ لأن طواف الوداع يراد لمفارقته البيت وهذا قد أرادها، ومنهم من قال: لا يجزئه، وهو ظاهر كلام الشافعي، وظاهر الحديث؛ لأن الشافعي قال: وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت فيودع وينصرف إلى أهله، هذا كلام صاحب البيان، وهذا الثاني هو الصحيح وهو مقتضى كلام الأصحاب. والله أعلم. (فرع) قال صاحب البيان: قال الشيخ أبو نصر في المعتمد: ليس على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم وداع ولا دم عليه في تركه عندنا، وقال سفيان الثوري: يلزمه الدم. دليلنا: أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ولم يأمرها عند ذهابها إلى التنعيم بوداع. والله أعلم. (فرع) إذا طاف للوداع وخرج من الحرم، ثم أراد أن يعود إليه وقلنا: دخول الحرم يوجب الإحرام. قال الدارمي: يلزم الإحرام؛ لأنه دخول جديد - قال - ولو رجع لطواف الوداع من دون مسافة القصر لم يلزمه الإحرام. والله أعلم.

стр. 4152

د - فقهاء الحنابلة: قال ابن قدامة ﵀ (١) : (مسألة) قال: (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت، يطوف به سبعا ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت) . وجملة ذلك: أن من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها، أو

стр. 4153

الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف، ولا يصح؛ لأنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » وهذا ليس بنافر، فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع، وهو واجب من تركه لزمه دم، وبذلك قال الحسن والحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور، وقال الشافعي في قول له: لا يجب بتركه شيء؛ لأنه يسقط عن الحائض، فلم يكن واجبا كطواف القدوم، ولأنه كتحية البيت أشبه طواف القدوم. (ولنا) ما روى ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » متفق عليه، ولمسلم قال: كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٣) » . وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى، وإذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف، ولذلك سقط عن الحائض ولم يسقط طواف الزيارة، ويسمى طواف الوداع؛ لأنه لتوديع البيت، وطواف الصدر؛ لأنه عند صدور الناس من مكة، ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبي

стр. 4154

صلى الله عليه وسلم: «حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » . (فصل) : ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقي: أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور، وقياس قول مالك، ذكره ابن القاسم، وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر، وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع؛ لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام، بدليل سقوط دم المتعة عنهم. (ولنا) عموم قوله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » ، ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد. (فصل) فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وعنه: لا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى، كالصلاتين الواجبتين. (مسألة) قال: (فإن ودع واشتغل في تجارة عاد فودع) . قد ذكرنا أن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي: إذا طاف للوداع، أو طاف تطوعا بعد ما حل له النفر أجزأه عن طواف الوداع، وإن أقام شهرا أو أكثر؛ لأنه طاف بعد ما حل له النفر فلم يلزمه إعادته، كما

стр. 4155

لو نفر عقيبه. (ولنا) قوله ﵇: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » ، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزه، كما لو طافه قبل حل النفر، فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه لم يعده؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم مخالفا لهما. (مسألة) قال: (فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب وإن بعد بعث بدم.) . هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد: من بلغ مسافة القصر، نص عليه أحمد وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريبا، وقال الثوري: حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو بعيد. ووجه القول الأول: أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام، وقد روي أن عمر (رد رجلا من مر إلى مكة؛ ليكون آخر عهده بالبيت) رواه سعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغيره كسائر واجباته، فإن رجع البعيد فطاف للوداع. فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر

стр. 4156

فلم تسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب. (فصل) إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما؛ لأنه ليس من أهل الأعذار، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي، وطواف لوداعه، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من الخلاف، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه، فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله: إنه لا يلزمه إحرام؛ لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة، فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد: أحب إلي أن لا يدخل إلا محرما وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، وإنما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من يدخلها للإقامة بها. (مسألة) قال: (والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت، ولا وداع عليها ولا فدية) . هذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روي عن عمر وابنه أنهما (أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع) وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه: فروى مسلم (أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا) قال طاوس: كنت مع ابن عباس إذ قال: (زيد بن ثابت يفتي أن لا تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: أما لا تسأل فلانة الأنصارية، هل

стр. 4157

أمرها رسول الله ﷺ بذلك؟ قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت) . وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: «يا رسول الله، إنها حائض، فقال: " أحابستنا هي؟ " قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذن (١) » ، ولا أمرها بفدية ولا غيرها، وفي حديث ابن عباس: (إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) . والحكم في النفساء كالحكم في الحائض؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط. (فصل) وإذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت فاغتسلت وودعت؛ لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح الرخص، فإن لم يمكنها الإقامة فمضت، أو مضت لغير عذر فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع إذا كانت قريبة، كالخارج من غير عذر. قلنا: هناك ترك واجبا فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة القصر؛ لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول، وهاهنا لم يكن واجبا، ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ثم إذا نفر من منى، فإن بات بالمحصب - وهو الأبطح، وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة - ثم نفر بعد ذلك فحسن، فإن النبي ﷺ بات، وخرج، ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى، لكنه ودع البيت، وقال: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت، فيطوف

стр. 4158

طواف الوداع، حتى يكون آخر عهده بالبيت، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه. وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، لكن إن قضى حاجته، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه؛ ليحمل المتاع على دابته، ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل، فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده، وهذا الطواف واجب عند الجمهور، لكن يسقط عن الحائض. وقال ابن جاسر (١) وفقه الله: فإذا أتى مكة متعجل، أو غيره وأراد خروجا لبلده أو غيره، لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف، إذا فرغ من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » إن لم يقم بمكة أو حرمها، فإن أقام بمكة أو حرمها فلا وداع عليه، وهو على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم، سواء كان حرا، أو عبدا، ذكرا، أو أنثى، صغيرا، أو كبيرا، وتقدم في أول فصل من هذا الكتاب حكم طواف الصغير، فليراجع عند الاحتياج إليه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٣) » متفق عليه، وفي رواية عنه قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال

стр. 4159

النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وعن ابن عباس: «أن النبي ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة (٢) » رواه أحمد، وعن عائشة قالت: «حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال: فلتنفر إذن (٣) » متفق عليه، ومن كان خارج الحرم ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع، سواء أراد الرجوع إلى بلده أو غيره؛ لما تقدم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى يكون آخر عهده بالبيت، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه، وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة، حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ولا نحوها، ولكن إن قضى حاجته، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه؛ ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك، مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده، وهذا الطواف واجب عند الجمهور، ولكن يسقط عن الحائض) انتهى كلامه. ومن مفهومه يؤخذ: أنه لو دخل منزله بعد طواف الوداع فاشتغل فيه بغير ما هو من أسباب الرحيل - أنه يلزمه إعادة الوداع، وبالأولى لو ودع في الليل ونام في بيته أو غيره من مساكن مكة أو ما يدخل في مسماها؛ لأن هذا يعد إقامة، وينافي مقتضى الحديث الذي نص فيه بأن يكون آخر عهده بالبيت، أما لو ودع البيت ثم انتظر وداع رفقته حتى يسافروا جميعا، فإنه لا

стр. 4160

يضر هذا الانتظار إذا لم يشتغل بعد الوداع بما هو ممنوع منه. والله أعلم. وقال في [الترغيب والتلخيص] : لا يجب طواف الوداع على غير الحاج، قال في [الفروع] : (وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع) انتهى. قلت: كلام شيخ الإسلام يخالف ما استظهره في [الفروع] ، قال شيخ الإسلام: (وطواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) انتهى. والمذهب: وجوبه على كل من أراد الخروج من مكة وبلده في غير الحرم. (هذا بحث نفيس مهم لا تجده في غير هذا الكتاب) وهو أن يقال: هل يجوز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة بعده بمنى والبيع والشراء فيه أم لا؟ فنقول وبالله التوفيق: قال في [المنتهى وشرحه] : (فإذا أتى مكة متعجل أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف) انتهى ملخصا، قال الشيخ عثمان النجدي: (فهم منه أنه لو سافر إلى بلده من منى ولم يأت مكة لا وداع عليه، صرح به في [الإقناع] عن الشيخ تقي الدين في موضع) انتهى. قلت: ألم أجد ذلك في [الإقناع] بعد المراجعة مرارا، اللهم إلا أن يكون مراده بذلك قوله الآتي: وطواف الوداع ليس من الحج. . إلى آخره. وهذا ليس بصريح فيما قاله عن الشيخ تقي الدين) . وقال النووي الشافعي: (ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع) انتهى، قال ابن حجر المكي: (أي: بعد نفره

стр. 4161

وإن كان قد طاف قبل عوده من مكة إلى منى كما في [المجموع] ) انتهى، وقال ابن نصر الله البغدادي الحنبلي في حواشي الكافي: (وظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج، ولو لم يكن طريق بلده عليها لوجوب طواف الوداع عليه ولم يصرحوا به) . وقال ابن نصر أيضا: (وقوة الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منى، فلو ودع قبلها لم يجزئه ولم أجد به تصريحا، ويؤخذ ذلك من قولهم: من أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الزيارة والوداع، ولم يقولوا من اكتفى بطواف الزيارة يوم النحر عن طواف الوداع ولم يعد إلى مكة) انتهى. قلت: (بل قد صرح به [المغني] حيث قال: فيما يأتي كما لو طافه قبل حل النفر، أي: فإنه لا يجزئه) قال في [المغني] : (ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » انتهى، قال في [الإنصاف] : (وظاهر كلام المصنف - يعني: الموفق - أن طواف الوداع يجب ولو لم يكن بمكة، قال في [الفروع] : وهو ظاهر كلامهم، قال الآجري: يطوف من أراد الخروج من مكة أو من منى أو من نفر آخر) انتهى، وفي أثناء كلام للشيخ يحيى بن عطوة النجدي تلميذ الشيخ العسكري قال: (وأخبرنا جماعة: أن الشويكي أفتاهم بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر، والفراغ من واجبات الحج، والبيع والشراء والإقامة بعده بمنى، ونقلوا عنه أنه بالغ حتى نسب ذلك إلى جميع الأصحاب، ولو تحقق ما صرح به الزركشي و [المغني] و [الشرح الكبير]

стр. 4162

وغيرها من كتب الأصحاب ما قال ما قال) ، قال الخرقي: فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت، قال الزركشي: والمراد الخروج من الحرم، قال في الشرح: ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، وكذا قال في [المغني] ، قال: ولقد كشفت قريبا من خمسين كتابا من كتب المذهب فلم أظفر فيها بما نسبه هذا المتفقه إليهم، وأفتى به عنهم، وأنا أتعجب منه كيف صدرت منه هذه النسبة إلى جميع الأصحاب؟ ! والصريح عنهم العكس، ولعله دخل عليه اللبس من لفظ الخروج في كلام الخرقي، وتوهم أنه الخروج من مكة وليس كذلك، فقد صرح الزركشي أن مراد الخرقي الخروج من الحرم، ولعله ذهل عن وقت الطواف: أعني: طواف الوداع، ولو حقق النظر في [المغني] و [الشرح الكبير] وغيرهما لزالت عنه ضبابة الشك، ولعله اعتمد على ما وجهه ابن مفلح في [فروعه] قال: فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه، ومراده بعد حل النفر ودخول وقت الوداع، هذا مع تسليم جواز الإفتاء بالتوجيه المذكور، وجواز اعتماد المقلد عليه من غير نظر في الترجيح) انتهى كلام ابن عطوة. قلت: أما لفظ الخروج فهو صريح في كلام الأصحاب أنه الخروج من مكة، خلافا لما فهمه الشيخ ابن عطوة، قال الخرقي: (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت يطوف به سبعا ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت، قال الموفق في [المغني] : وجملة ذلك أن من أتى مكة لا يخلو: إما أن يريد الإقامة بها، أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه، فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع، وهو واجب من تركه لزمه دم) انتهى ملخصا، ومثله

стр. 4163

في [الشرح الكبير] ، قال في [الإقناع وشرحه] : (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف. . . إلى أن قال: وهو على كل خارج من مكة) انتهى ملخصا، قال في [المنتهى وشرحه] : (فإذا أتى مكة متعجل أو غيره وأراد خروجا لبلده أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف) انتهى، وقال في [الإقناع] أيضا: (قال الشيخ: وطواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة، قال في [المستوعب] : ومتى أراد الحاج الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع) انتهى، وأما فتوى الشيخ الشويكي بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة في منى - فلا تسلم له صحة فتواه هذه؛ لما تقدم عن ابن نصر الله أن ظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج، ولو لم يكن طريق بلده عليها، لوجوب طواف الوداع عليه، ولما تقدم عنه أيضا: أن قوة كلام الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منى، فلو ودع قبلها لم يجزئه، قال في [المغني] بعد كلام سبق: (ولأنه إذا أقام بعده أي: طواف الوداع خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزئه، كما لو طافه قبل حل النفر. . إلخ) فجعل صاحب [المغني] ما إذا طاف للوداع قبل حل النفر أصلا في عدم الإجزاء، وقاس عليه من ودع بعد حل النفر، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة، فعلم منه أنه لو طاف للوداع قبل حل النفر وهو ثاني عشر ذي الحجة أنه لا يجزئه؛ لأن وقت طواف الوداع لا يدخل إلا بعد حل النفر. والله أعلم، ومثله في [الشرح الكبير] ، وأما توجيه صاحب [الفروع] الذي نصه: (فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه) فمراده - والله أعلم - إذا

стр. 4164

كان طاف للوداع بعد حل النفر ودخول وقت الوداع، وقد نص العلماء: أن وقت طواف الوداع إذا فرغ من جميع أموره، ومن كان بقي عليه المبيت ليالي منى ورمي الجمار، فإنه لا يكون قد فرغ من جميع أموره، بل بقي عليه شيء من واجبات الحج، أما إذا نفر من منى النفر الأول أو الآخر، ثم ودع البيت وسافر ونزل خارجا عن بنيان مكة للبيتوتة أو المقيل أو غيرهما، سواء كان ذلك النزول بمنى أو غيرها من بقاع الحرم المنفصلة عن مسمى بنيان مكة، فلا يلزمه إعادة طواف الوداع؛ لأنه قد سافر من مكة وليس مقيما بها بعد الوداع، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة التي طال فيها النزاع قديما وحديثا. والله أعلم.

стр. 4165

وفي [التحفة] للشافعية: (وإذا أراد الحاج أو المعتمر المكي وغيره الخروج من مكة أو منى عقب نفره منها، وإن كان طاف للوداع عقب طواف الإفاضة عند عوده إليها طاف وجوبا للوداع إذ لا يعتد به، ولا يسمى طواف وداع إلا بعد فراغ جميع النسك) انتهى ملخصا بتصرف في التقديم والتأخير. قال في [المغني] : (فصل) : ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك، ذكره ابن القاسم، وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع؛ لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام، بدليل سقوط دم المتعة عنهم، ولنا عموم قوله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » ، ولأنه خارج عن الحرم فلزمه

стр. 4166

التوديع كالبعيد) انتهى، وكذا في [الشرح الكبير] ، قال في [الإقناع وشرحه] : (ومن كان خارجه: أي: خارج الحرم، ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع، وهو على كل خارج من مكة) انتهى ملخصا، وتقدم أول الفصل أنه إذا أقام بمكة أو حرمها لا وداع عليه، وأنه على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم، ثم بعد طواف الوداع يصلي ركعتين خلف المقام كسائر الطوافات، قال في [المنتهى] و [الإقناع] وغيرهما: ويأتي الحطيم نصا أيضا وهو تحت الميزاب فيدعو) انتهى. قال في [الإقناع وشرحه] : (فإن خرج قبله: أي: قبل الوداع فعليه الرجوع إليه، أي: إلى الوداع لفعله إن كان قريبا دون مسافة القصر ولم يخف على نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك من الأعذار ولا شيء عليه إذا رجع قريبا سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه؛ لكونه في حكم الحاضر، فإن لم يمكنه الرجوع لعذر مما تقدم أو لغيره أو أمكنه الرجوع للوداع ولم يرجع، أو بعد مسافة قصر عن مكة - فعليه دم رجع إلى مكة وطاف للوداع أو لا؛ لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم ثم رجع إلى الميقات، وسواء تركه أي: طواف الوداع عمدا أو خطأ أو نسيانا لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره، كسائر واجبات الحج، ومتى رجع مع القرب لم يلزمه إحرام؛ لأنه في حكم الحاضر ويلزمه مع البعد الإحرام بعمرة يأتي بها فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يطوف للوداع إذا فرغ من أموره) انتهى.

стр. 4167

قال الخرقي: (مسألة) فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب، وإن بعد بعث بدم، قال في [المغني] : هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر، نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريبا، وقال الثوري: حد ذلك الحرم فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو بعيد، ووجه القول الأول: أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام. وقد روي (أن عمر رد رجلا من مر إلى مكة؛ ليكون آخر عهده بالبيت) رواه سعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجباته، فإن رجع البعيد فطاف الوداع، فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه، سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب. (فصل) : إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما؛ لأنه ليس من أهل الأعذار، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي، وطواف لوداعه، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من

стр. 4168

الخلاف، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه، فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله: أنه لا يلزمه إحرام؛ لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة، فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد: أحب إلي أن لا يدخل إلا محرما، وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف؛ وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من يدخلها للإقامة بها) انتهى كلام صاحب [المغني] . ومثله في [الشرح الكبير] ونصه: (وإن أخر طواف الزيارة أو القدوم فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الوداع) . قال الشيخ مرعي في [الغاية] : (ويتجه من تعليلهم ولو لم ينو طواف الوداع حال شروعه في طواف الزيارة أو القدوم) انتهى؛ لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، ولأنهما عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما عن الأخرى، ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه؛ كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة أيضا عن ركعتي الطواف، وعن ركعتي الإحرام، وكغسل الجنابة عن غسل الجمعة، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة ولو كان ناسيا لطواف الزيارة؛ لأنه لم ينوه، وفي الحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » . فإن قيل: كيف يتصور إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع، وقد قال الأصحاب: ثم يفيض إلى مكة فيطوف مفرد وقارن لم يدخلاها قبل للقدوم برمل ثم للزيارة؟ قلنا: يتصور فيما إذا لم يكن دخل مكة لضيق وقت الوقوف بعرفة مثلا، وقصد عرفات فلما رجع منها طاف للزيارة أولا، ثم

стр. 4169

طاف للقدوم إما نسيانا أو غيره، فطواف القدوم هذا وإن كان متأخرا عن طواف الزيارة يكفيه عن طواف الوداع، وهذا على القول بسنية طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة للمتمتع، وللمفرد والقارن اللذين لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة، وهو نص الإمام أحمد، اختاره الخرقي، أما على اختيار الموفق، والشارح، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن رجب، فلا يسن طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة، وهو الذي تدل عليه السنة، كما تقدم في فصل: (ثم يفيض إلى مكة، ويكتفي بطواف الزيارة الذي هو ركن في الحج) والله أعلم. ولا وداع على حائض ونفساء لحديث ابن عباس وفيه: (إلا أنه خفف عن الحائض) وتقدم، والنفساء في معناها؛ لأن حكمه حكم الحيض فيما يمنعه وغيره، ولا فدية على الحائض والنفساء؛ لظاهر حديث صفية المتقدم، فإنه ﷺ لم يأمرها بفدية إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة فيلزمهما العود، ويغتسلان للحيض والنفاس؛ لأنهما في حكم المقيم بدليل أنهما لا يستبيحان الرخص قبل مفارقة البنيان ثم يودعان، فإن لم تعودا للوداع مع طهرهما قبل مفارقة البنيان ولو لعذر فعليهما دم؛ لتركهما نسكا واجبا، فأما إن فارقت الحائض والنفساء البنيان قبل طهرهما لم يجب عليهما الرجوع لخروجهما عن حكم الحاضر، فإن قيل: فلم لا يجب الرجوع عليهما مع القرب كما يجب على الخارج لغير عذر؟ قلنا: هناك ترك واجبا فلم يقسط بخروجه مع القرب كما تقدم تفصيله، وهاهنا لم يكن واجبا عليهما ولم يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما وهما حين الإقامة لا يجب عليهما لحصول الحيض والنفاس. والله أعلم، وأما المعذور غير الحائض والنفساء، كالمريض

стр. 4170

ونحوه فعليه دم إذا ترك طواف الوداع؛ لأن الواجب لا يسقط جبرانه بالعذر) وتقدم. ٣ - قال ابن حزم ﵀: (وأما قولنا: من أراد أن يخرج من مكة من معتمر أو قارن أو متمتع بالعمرة إلى الحج ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت، فإن تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف ولا بد، فإن خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فإن خرج عن منازل مكة فتردد خارجا ماشيا فليس عليه أن يعيد الطواف، إلا التي تحيض بعد أن تطوف طواف الإفاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي. فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فلا بد لها أن تنتظر حتى تطهر وتطوف وتحبس عليها الكرى والرفقة، فلما رويناه من طريق مسلم قال: نا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » . ومن طريق مسلم، نا محمد بن رمح، نا الليث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة -وهو عبد الرحمن بن عوف - أن عائشة أم المؤمنين قالت: - «حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ ، فقال ﵇: أحابستنا هي؟ فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله ﷺ : فلتنفر (٢) » . قال أبو محمد: فمن خرج ولم يودع من غير الحائض فقد ترك فرضا لازما فعليه أن يؤديه، روينا من طريق وكيع عن إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير بن عبد الله:
следующие страницы →