التوديع كالبعيد) انتهى، وكذا في [الشرح الكبير] ، قال في [الإقناع وشرحه] : (ومن كان خارجه: أي: خارج الحرم، ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع، وهو على كل خارج من مكة) انتهى ملخصا، وتقدم أول الفصل أنه إذا أقام بمكة أو حرمها لا وداع عليه، وأنه على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم، ثم بعد طواف الوداع يصلي ركعتين خلف المقام كسائر الطوافات، قال في [المنتهى] و [الإقناع] وغيرهما: ويأتي الحطيم نصا أيضا وهو تحت الميزاب فيدعو) انتهى.
قال في [الإقناع وشرحه] : (فإن خرج قبله: أي: قبل الوداع فعليه الرجوع إليه، أي: إلى الوداع لفعله إن كان قريبا دون مسافة القصر ولم يخف على نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك من الأعذار ولا شيء عليه إذا رجع قريبا سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه؛ لكونه في حكم الحاضر، فإن لم يمكنه الرجوع لعذر مما تقدم أو لغيره أو أمكنه الرجوع للوداع ولم يرجع، أو بعد مسافة قصر عن مكة - فعليه دم رجع إلى مكة وطاف للوداع أو لا؛ لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم ثم رجع إلى الميقات، وسواء تركه أي: طواف الوداع عمدا أو خطأ أو نسيانا لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره، كسائر واجبات الحج، ومتى رجع مع القرب لم يلزمه إحرام؛ لأنه في حكم الحاضر ويلزمه مع البعد الإحرام بعمرة يأتي بها فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يطوف للوداع إذا فرغ من أموره) انتهى.
стр. 4167
قال الخرقي: (مسألة) فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب، وإن بعد بعث بدم، قال في [المغني] : هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر، نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريبا، وقال الثوري: حد ذلك الحرم فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو بعيد، ووجه القول الأول: أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام.
وقد روي (أن عمر رد رجلا من مر إلى مكة؛ ليكون آخر عهده بالبيت) رواه سعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجباته، فإن رجع البعيد فطاف الوداع، فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه، سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب.
(فصل) : إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما؛ لأنه ليس من أهل الأعذار، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي، وطواف لوداعه، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من
стр. 4168
الخلاف، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه، فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله: أنه لا يلزمه إحرام؛ لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة، فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد: أحب إلي أن لا يدخل إلا محرما، وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف؛ وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من يدخلها للإقامة بها) انتهى كلام صاحب [المغني] .
ومثله في [الشرح الكبير] ونصه: (وإن أخر طواف الزيارة أو القدوم فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الوداع) .
قال الشيخ مرعي في [الغاية] : (ويتجه من تعليلهم ولو لم ينو طواف الوداع حال شروعه في طواف الزيارة أو القدوم) انتهى؛ لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، ولأنهما عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما عن الأخرى، ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه؛ كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة أيضا عن ركعتي الطواف، وعن ركعتي الإحرام، وكغسل الجنابة عن غسل الجمعة، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة ولو كان ناسيا لطواف الزيارة؛ لأنه لم ينوه، وفي الحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » .
فإن قيل: كيف يتصور إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع، وقد قال الأصحاب: ثم يفيض إلى مكة فيطوف مفرد وقارن لم يدخلاها قبل للقدوم برمل ثم للزيارة؟ قلنا: يتصور فيما إذا لم يكن دخل مكة لضيق وقت الوقوف بعرفة مثلا، وقصد عرفات فلما رجع منها طاف للزيارة أولا، ثم
стр. 4169
طاف للقدوم إما نسيانا أو غيره، فطواف القدوم هذا وإن كان متأخرا عن طواف الزيارة يكفيه عن طواف الوداع، وهذا على القول بسنية طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة للمتمتع، وللمفرد والقارن اللذين لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة، وهو نص الإمام أحمد، اختاره الخرقي، أما على اختيار الموفق، والشارح، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن رجب، فلا يسن طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة، وهو الذي تدل عليه السنة، كما تقدم في فصل: (ثم يفيض إلى مكة، ويكتفي بطواف الزيارة الذي هو ركن في الحج) والله أعلم. ولا وداع على حائض ونفساء لحديث ابن عباس وفيه: (إلا أنه خفف عن الحائض) وتقدم، والنفساء في معناها؛ لأن حكمه حكم الحيض فيما يمنعه وغيره، ولا فدية على الحائض والنفساء؛ لظاهر حديث صفية المتقدم، فإنه ﷺ لم يأمرها بفدية إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة فيلزمهما العود، ويغتسلان للحيض والنفاس؛ لأنهما في حكم المقيم بدليل أنهما لا يستبيحان الرخص قبل مفارقة البنيان ثم يودعان، فإن لم تعودا للوداع مع طهرهما قبل مفارقة البنيان ولو لعذر فعليهما دم؛ لتركهما نسكا واجبا، فأما إن فارقت الحائض والنفساء البنيان قبل طهرهما لم يجب عليهما الرجوع لخروجهما عن حكم الحاضر، فإن قيل: فلم لا يجب الرجوع عليهما مع القرب كما يجب على الخارج لغير عذر؟ قلنا: هناك ترك واجبا فلم يقسط بخروجه مع القرب كما تقدم تفصيله، وهاهنا لم يكن واجبا عليهما ولم يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما وهما حين الإقامة لا يجب عليهما لحصول الحيض والنفاس. والله أعلم، وأما المعذور غير الحائض والنفساء، كالمريض
стр. 4170
ونحوه فعليه دم إذا ترك طواف الوداع؛ لأن الواجب لا يسقط جبرانه بالعذر) وتقدم.
٣ - قال ابن حزم ﵀:
(وأما قولنا: من أراد أن يخرج من مكة من معتمر أو قارن أو متمتع بالعمرة إلى الحج ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت، فإن تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف ولا بد، فإن خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فإن خرج عن منازل مكة فتردد خارجا ماشيا فليس عليه أن يعيد الطواف، إلا التي تحيض بعد أن تطوف طواف الإفاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي.
فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فلا بد لها أن تنتظر حتى تطهر وتطوف وتحبس عليها الكرى والرفقة، فلما رويناه من طريق مسلم قال: نا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » .
ومن طريق مسلم، نا محمد بن رمح، نا الليث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة -وهو عبد الرحمن بن عوف - أن عائشة أم المؤمنين قالت: - «حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ ، فقال ﵇: أحابستنا هي؟ فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله ﷺ : فلتنفر (٢) » .
قال أبو محمد: فمن خرج ولم يودع من غير الحائض فقد ترك فرضا لازما فعليه أن يؤديه، روينا من طريق وكيع عن إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير بن عبد الله:
стр. 4171
(أن قوما نفروا ولم يودعوا فردهم عمر بن الخطاب حتى ودعوا) .
قال علي: ولم يخص عمر موضعا عن موضع، وقال مالك: بتحديد مكان إذا بلغه لم يرجع منه، وهذا قول لم يوجبه نص ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، ومن طريق عبد الرزاق، نا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن نافع قال: (رد عمر بن الخطاب نساء من ثنية هرشي كن أفضن يوم النحر، ثم حضن فنفرن، فردهن حتى يطهرن، ويطفن بالبيت، ثم بلغ عمر بعد ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الأول) .
قال أبو محمد: هرشي هي نصف الطريق من المدينة إلى مكة بين الأبواء والجحفة على فرسخين من الأبواء، وبها علمان مبنيان علامة؛ لأنه نصف الطريق، وقد روي أثر من طريق أبي عوانة عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوسي: «أن رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب أفتياه في المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض أن يكون آخر عهدها بالبيت (١) » .
قال أبو محمد: الوليد بن عبد الرحمن غير معروف، ثم لو صح لكان داخلا في جملة أمره ﵇ أن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وعمومه، وكأن يكون أمره ﵇: الحائض التي أفاضت بأن تنفر حكما زائدا مبنيا على النهي المذكور مستثنى منه ليستعمل الخبران معا ولا يخالف شيء منهما. وبالله تعالى التوفيق.
وأما قولنا: من ترك عمدا أو بنسيان شيئا من طواف الإفاضة أو من السعي الواجب بين الصفا والمروة - فليرجع أيضا كما ذكرنا ممتنعا من النساء حتى يطوف بالبيت ما بقي عليه، فإن خرج ذو الحجة قبل أن يطوف
стр. 4172
فقد بطل حجه، وليس عليه في رجوعه لطواف الوداع أن يمتنع من النساء، فلأن طواف الإفاضة فرض.
وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) وقد ذكرنا أنها: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فإذ هو كذلك فلا يحل لأحد أن يعمل شيئا من أعمال الحج في غير أشهر الحج فيكون مخالفا لأمر الله تعالى.
وأما امتناعه عن النساء؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) فهو ما لم يتم فرائض الحج فهو في الحج بعد، وأما رجوعه لطواف الوداع فليس هو في حج ولا في عمرة، فليس عليه أن يحرم ولا أن يمتنع من النساء؛ لأن الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله ﷺ ولا إحرام إلا بحج أو عمرة، وأما لطواف مجرد فلا) (٣) .
стр. 4173
الخلاصة:
مما تقدم يتلخص ما يأتي:
١ - قال جماعة من العلماء: إن طواف الوداع من المناسك، منهم: إمام الحرمين والغزالي، وهو مذهب أحمد والشافعي.
وقال آخرون: هو عبادة مستقلة، منهم: البغوي والمتولي وابن تيمية في أحد قوليه؛ تعظيما للحرم، وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام، ولأنه لو كان من جملة المناسك لعم الحجيج، لكنه سقط عن المكي إذا لم يخرج، وعن الآفاقي إذا نوى الإقامة بمكة، ولحديث:
стр. 4174
«يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا (١) » فسماه قاضيا نسكه قبل الوداع عند نفره، وعلى الأول: يطلب ممن نفر بعد نسك فقط، وعلى الثاني: يطلب ممن نفر من مكة مطلقا.
٢ - قال الحنفية والحنابلة: إن طواف الوداع واجب. وهو قول عند الشافعية؛ لأمر النبي ﷺ به، ونهيه عن النفر قبله، فمن تركه عمدا أو جهلا أو نسيانا لزمه دم، وأثم إن كان متعمدا، وقال المالكية: بأنه سنة وهو قول للشافعية، وعليه لا يأثم من تركه، ولا دم عليه.
وعلم مما سبق أن وقت طواف الوداع إنما يكون بعد فراغ الحاج من جميع نسكه.
٣ - قيل: يطلب طواف الوداع ممن نفر بعد نسكه من مكة، ولو كان ذلك إلى حدود الحرم فقط؛ لعموم الأمر به والنهي عن تركه عند النفر.
وقيل: يطلب من كل من نفر بعد نسكه إلى خارج حدود الحرم، ولو كان دون المواقيت، ودون مسافة القصر، لا ممن نفر من مكة إلى داخل حدود الحرم.
وقيل: لا يطلب ممن نفر بعد نسكه إلى المواقيت فما دونها.
وقيل: لا يطلب ممن نفر إلى ما دون مسافة القصر؛ لأنه في حكم المقيم بمكة، ولخروج عائشة مع أخيها عبد الرحمن ﵄ إلى التنعيم لتحرم منه بعمرة، وذلك على علم منه ﷺ ، ولم يأمرهما بوداع، والتنعيم من الحل.
ولا يطلب ممن حج أو اعتمر من أهل مكة والمقيمين بها، ولا من آفاقي حج، أو اعتمر ونوى الإقامة بمكة مطلقا أو قبل النفر الأول، وقال أبو
стр. 4175
يوسف: يستحب لأهل مكة إذا حجوا أو اعتمروا أن يطوفوا طواف الوداع.
٤ - قال الحنفية: من ترك طواف الوداع عمدا أو نسيانا، وجب عليه أن يرجع ليطوفه ما لم يتجاوز الميقات، ومن قال بوجوبه من الشافعية، قال: يجب عليه الرجوع ما لم يبلغ مسافة القصر، وإلا لم يجب عليه الرجوع وعليه دم وعصى الله إن كان عامدا، وهكذا عند الحنابلة.
فإن رجع بعد بلوغ مسافة القصر وطاف، فقيل: يسقط عنه الدم، لإتيانه بما وجب عليه، وقيل: لا يسقط لتقرر وجوبه في ذمته بمجاوزته المسافة، ويكون رجوعه بإحرام، وإن رجع قبل بلوغ مسافة القصر وطاف، فلا دم عليه ولا إحرام عليه في رجوعه، ومن قال: إن طواف الوداع سنة لم يلزم من نفر من مكة بعد نسكه دون الوداع أن يرجع ليطوف ولم يؤثمه ولم يوجب عليه دما.
وقال ابن حزم: على من ترك طواف الوداع أن يرجع ليطوفه ولو بلغ أقصى الأرض في سفره.
٥ - على القول بوجوب طواف الوداع: لا يجوز لمن أدى النسك أن ينفر من مكة ولو مؤقتا دون طواف وداع لمرض أو زحام، ولو مع نيته أن يعود لطوافه بعد شفائه أو زوال الزحام.
هذا ما تيسر إعداده، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4176
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٧٠) وتاريخ ٢١\١٠\ ١٣٩٩هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه محمد، وآله وصحبه، وبعد:
فقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من ١٠\١٠\١٣٩٩هـ حتى ٢١\١٠\١٣٩٩هـ في حكم طواف الوداع للخارج من مكة المكرمة سواء كان حاجا أو معتمرا أو غيرهما، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك؟ واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع بناء على طلب المجلس في دورته الثالثة عشرة، وقد تبين له أن العلماء مختلفون في تلك المسائل تبعا لاختلاف اجتهادهم والخلاف فيها معروف بين العلماء، ومدون في كتب الأحاديث، وكتب الفقه والمناسك، وما زال عمل العلماء جاريا على الأخذ بما يترجح لهم دليله، وينبغي للحاج وغيره أن يحرص على الاقتداء برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم (١) » ؛ لذلك يرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته، ومذهب العامي مذهب من يفتيه من أهل العلم.
стр. 4177
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة
. ... . ... عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله بن خياط ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد ... راشد بن خنين ... محمد بن علي الحركان
عبد الله بن غديان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ غائب ... عبد الله بن قعود
محمد بن جبير ... . ... صالح بن لحيدان
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح غائب ... صالح بن غصون
عبد الله بن منيع ... . ... .
стр. 4178
(٨) الحاجز بين المصلي والمقبرة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 4179
الحاجز بين المصلي والمقبرة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخامسة عشرة من إعداد بحث في الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه.
وحيث إن الموضوع يتطلب البحث في أمرين:
стр. 4180
أحدهما: سد الذرائع .
والثاني: الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة.
أعدت اللجنة بحثا مختصرا فيهما، وفيما يلي الحديث عنهما، وبالله التوفيق.
أولا: سد الذرائع:
سبق أن كتبت اللجنة الدائمة بحثا في سد الذرائع في موضوع الأسورة المغناطيسية، وموضوع شارات الطيارين، وهذا نصه:
قد يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذه عوذة للحفظ والنصر.
إن تطبيق شارات على الجنود أو عدد الحرب من سور القرآن أو آياته،
стр. 4181
واتخاذ أوسمة مكتوب عليها آية أو آيات من كتاب الله تعالى - قد يكون ذريعة إلى التبرك به، والاعتقاد بأنه سبب النصر والتغلب على الأعداء، وينتهي الأمر فيه إلى اتخاذه عوذة وتميمة يعتقد أنها تحفظه من المكاره وتقيه شر الهزائم، وتكفل له النصر في ميادين القتال ثم يتوسع في استعمالها لجلب المنافع ودفع المضار. . ولا شك أن ذلك مما يتنافى مع مقاصد الشريعة من حفظ العقيدة وسلامتها مما يهدمها أو يضعفها، وسد الذرائع من القواعد الإسلامية الكلية اليقينية التي دلت الأدلة من الكتاب والسنة على اعتبارها، وبناء الأحكام عليها.
وممن عني بإقامة الأدلة عليها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ فقال:
(الوجه الرابع العشرون) (١) : أن الله سبحانه ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها.
والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم. ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم. أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلا؛ كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه أو كان الشيء نفسه فسادا كالقتل والظلم - فهذا ليس من هذا الباب. فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء؛ لكونها في نفسها فسادا، بحيث تكون ضررا لا منفعة فيه، أو
стр. 4182
لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منه فتحرم، فإن كان ذلك الفساد فعل محظور سميت ذريعة. وإلا سميت سببا ومقتضيا، ونحو ذلك من الأسماء المشهورة. ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالبا فإنه يحرمها مطلقا، وكذلك إن كانت قد تفضي، وقد لا تفضي، لكن الطبع متقاض لإفضائها. وأما إن كانت تفضي أحيانا، فإن يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل، وإلا حرمها أيضا.
ثم هذه الذرائع منها ما يفضي إلى المكروه بدون قصد فاعلها. ومنها: ما تكون إباحتها مفضية للتوسل بها إلى المحارم فهذا (القسم الثاني) بجامع الحيل، بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة، وقد لا يقترن، كما أن الحيل قد تكون بالذرائع، وقد تكون بأسباب مباحة في الأصل ليست ذرائع، فصارت الأقسام (ثلاثة) .
أولا: ما هو ذريعة، وهو مما يحتال به كالجمع بين البيع والسلف، وكاشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن تارة وبأكثر أخرى. وكالاعتياض عن ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نسأ، وكقرض بني آدم.
الثاني: ما هو ذريعة لا يحتال بها، كسب الأوثان، فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى، وكذلك سب الرجل والد غيره، فإنه ذريعة إلى أن يسب والده، وإن كان هذا لا يقصدهما مؤمن.
الثالث: ما يحتال به من المباحات في الأصل؛ كبيع النصاب في أثناء الحول فرارا من الزكاة، وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة.
والغرض من هذا: أن الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها
стр. 4183
المحرم، خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع.
وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا فيصير ذريعة فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا، ويقول القائل: لم أقصد به ذلك. ولئلا يدعو الإنسان فعله مرة إلى أن يقصد مرة أخرى ولئلا يعتقد أن جنس هذه المعاملة حلال ولا يميز بين القصد وعدمه، ولئلا يفعلها الإنسان مع قصد خفي يخفى من نفسه على نفسه.
وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر؛ لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس، وبما يخفى على الناس من خفي هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة، فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا، وتلك العلة مقصودة فيها فاستباحه بهذا التأويل - فهو ظلوم لنفسه، جهول بأمر ربه، وهو إن نجا من الكفر لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة.
أما شواهد هذه القاعدة فأكثر من أن تحصر فنذكر منها ما حضر:
فالأول: قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) حرم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبهم الله ؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبنا لآلهتهم.
стр. 4184
(الثاني) : ما روى حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (١) » متفق عليه.
ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٢) » ، فقد جعل النبي ﷺ الرجل سابا لاعنا لأبويه إذا سب سبا يجزيه الناس عليه بالسب لهما، وإن لم يقصده، وبين هذا والذي قبله فرق؛ لأن سب آباء الناس هنا حرام، لكن قد جعله النبي ﷺ من أكبر الكبائر؛ لكونه شتما لوالديه؛ لما فيه من العقوق، وإن كان فيه إثم من جهة إيذاء غيره.
(الثالث) : أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس: إن محمدا ﷺ يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن لم يدخل فيه وهذا النفور حرام.
(الرابع) : أن الله سبحانه حرم الخمر؛ لما فيه من الفساد المترتب على زوال العقل، وهذا في الأصل ليس من هذا الباب. ثم إنه حرم قليل الخمر وحرم اقتناءها للتخليل، وجعلها نجسة؛ لئلا تفضي إباحته مقاربتها بوجه من الوجوه لا لإتلافها على شاربها.
ثم إنه قد نهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي لا نعلم بتخمير النبيذ فيها؛ حسما لمادة ذلك، وإن كان في بقاء بعض هذه الأحكام خلاف. وبين ﷺ أنه إنما نهى عن بعض ذلك لئلا يتخذ ذريعة، فقال: «لو
стр. 4185
رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» يعني ﷺ : أن النفوس لا تقف عند الحد المباح في مثل هذا.
(الخامس) : أنه حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها ولو في مصلحة دينية؛ حسما لمادة ما يحاذر من تغير الطباع وشبه الغير.
(السادس) : أنه نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها، وأمر بتسويتها. ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا. وحرم ذلك على من قصد هذا، ومن لم يقصده، بل قصد خلافه؛ سدا للذريعة.
(السابع) : أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وكان من حكمة ذلك: أنها وقت سجود الكفار للشمس، ففي ذلك تشبه بهم، ومشابهة الشيء لغيره ذريعة إلى أن يعطى بعض أحكامه، فقد يفضي ذلك إلى السجود للشمس، أو أخذ أحوال بعض عابديها.
(الثامن) : أنه نهى ﷺ عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، مثل قوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (١) » ، «إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم (٢) » ، وقوله ﷺ في عاشوراء: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع (٣) » ، وقال في موضع: «لا تشبهوا بالأعاجم» ، وقال فيما رواه الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا (٤) » حتى قال حذيفة بن اليمان: من تشبه بقوم فهو منهم؛ وما ذاك إلا لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة ونوعا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب، وذلك يجر إلى فساد عريض.
стр. 4186
(التاسع) : أنه ﷺ «نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها (١) » ، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» ، حتى ولو رضيت المرأة أن تنكح عليها أختها، كما رضيت بذلك أم حبيبة لما طلبت من النبي ﷺ أن يتزوج أختها درة لم يجز ذلك، وإن زعمتا أنهما لا يتباغضان بذلك؛ لأن الطباع تتغير؛ فيكون ذريعة إلى فعل المحرم من القطيعة، كذلك حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن الزيادة على ذلك ذريعة إلى الجور بينهن في القسم، وإن زعم أن العلة إفضاء ذلك إلى كثرة المئونة المفضية إلى أكل الحرام من مال اليتامى وغيرهن، وقد بين العلة الأولى بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٢) وهذا نص في اعتبار الذريعة.
(العاشر) : أن الله سبحانه حرم خطبة المعتدة صريحا حتى حرم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس هو إلى المرأة، فإن إباحته الخطبة قد يجر إلى ما هو أكبر من ذلك.
(الحادي عشر) : أن الله سبحانه حرم عقد النكاح في حال العدة وفي حال الإحرام؛ حسما لمادة دواعي النكاح في هاتين الحالتين؛ ولهذا حرم التطيب في هاتين الحالتين.
(الثاني عشر) : أن الله سبحانه اشترط للنكاح شروطا زائدة على حقيقة العقد تقطع عنه شبهة بعض أنواع السفاح به، مثل: اشتراط إعلانه إما بالشهادة أو ترك الكتمان أو بهما. ومثل: اشتراط الولي فيه. ومنع المرأة أن تليه. وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة.
стр. 4187
وكان أصل ذلك في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١) و ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢) وإنما ذلك لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة نكاح وزوال بعض مقاصد النكاح من حجر الفراش.
ثم إنه وكد ذلك بأن جعل للنكاح حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكاما من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة الزائدة على مجرد مقصود الاستمتاع، فعلم أن الشارع جعله سببا وصلة بين الناس بمنزلة الرحم كما جعل بينهما في قوله تعالى: ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٣) وهذه المقاصد تمنع اشتباهه بالسفاح، وتبين أن نكاح المحلل بالسفاح أشبه منه بالنكاح حيث كانت هذه الخصائص غير متيقنة فيه.
(الثالث عشر) : أن النبي ﷺ «نهى أن يجمع الرجل بين سلف وبيع (٤) » ، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح؛ وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا.
ومن العجب أن بعض من أراد أن يحتج للبطلان في مسألة مد عجوة قال: إن من جوزها يجوز أن يبيع الرجل ألف دينار ومنديلا بألف وخمسمائة دينار تبر، يقصد بذلك: أن هذا ذريعة إلى الربا، وهذه علة
стр. 4188
صحيحة في مسألة مد عجوة، ولكن المحتج بها ممن يجوز أن يقرضه ألفا ويبيعه المنديل بخمسمائة، وهي بعينها الصورة التي نهى عنها رسول الله ﷺ . والعلة المتقدمة بعينها موجودة فيها فكيف ينكر على غيره ما هو مرتكب له.
(الرابع عشر) : أن الآثار المتقدمة في العينة فيها ما يدل على المنع من عودة السلعة إلى البائع وإن لم يتواطآ على الربا وما ذاك إلا سدا للذريعة.
(الخامس عشر) : أنه تقدم عن النبي ﷺ وأصحابه منع المقرض قبول هدية المقترض، إلا أن يحسبها له أو يكون قد جرى ذلك بينهما قبل القرض. وما ذاك إلا لئلا تتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا إذا استعاد ماله بعد أن أخذ فضلا. وكذلك ما ذكر من منع الوالي والقاضي قبول الهدية ومنع الشافع قبول الهدية، فإن فتح هذا الباب ذريعة إلى فساد عريض في الولاية الشرعية.
(السادس عشر) : أن السنة مضت بأنه ليس لقاتل من ميراث شيء، أما القاتل عمدا، كما قال مالك، والقاتل مباشرة كما قاله أبو حنيفة على تفصيل لهما، أو القاتل قتلا مضمونا بقود أو دية أو كفارة، أو القاتل بغير حق أو القاتل مطلقا في هذه الأقوال في مذهب الشافعي وأحمد، وسواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده - فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقا وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل فسدت الذريعة بالمنع بالكلية مع ما فيه من علل أخر.
(السابع عشر) : أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث
стр. 4189
بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان؛ لأن الطلاق ذريعة، وأما حيث لا يتهم ففيه خلاف معروف - مأخذ الشارع في ذلك: أن المورث أوجب تعلق حقها بماله فلا يمكن من قطعه أو سد الباب بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين.
(الثامن عشر) : أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجمع بالواحد، وإن كان قياس القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء.
(التاسع عشر) : أن النبي ﷺ «نهى عن إقامة الحدود بدار الحرب» ؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اللحاق بالكفار.
(العشرون) : أن النبي ﷺ «نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون صوما كان يصومه أحدكم فليصمه (١) » ، «ونهى عن صوم يوم الشك (٢) » ، إما مع كون طلوع الهلال مرجوحا وهو حال الصحو، وإما سواء كان راجحا أو مرجوحا أو مساويا على ما فيه الخلاف المشهور؛ وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، وكذلك حرم صوم اليوم الذي يلي آخر الصوم، وهو يوم العيد، وعلل بأنه يوم فطركم من صومكم، تمييزا لوقت العبادة من غيره؛ لئلا يفضي الصوم المتواصل إلى التساوي، وراعى هذا المقصود في استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور، واستحباب الأكل يوم الفطر قبل الصلاة، وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها وعن غيرها، فكره للإمام أن يتطوع في مكانه، وأن يستديم استقبال القبلة، وندب المأموم إلى هذا التبيين، ومن جملة فوائد ذلك: سد الباب الذي قد يفضي إلى الزيادة في الفرائض.
стр. 4190
(الحادي والعشرون) : أنه ﷺ كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله سبحانه، وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود ونحوه أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد إليه صمدا، قطعا لذريعة التشبيه بالسجود لغير الله سبحانه.
(الثاني والعشرون) : أنه سبحانه منع المسلمين من أن يقولوا للنبي ﷺ : (راعنا) مع قصدهم الصالح؛ لئلا تتخذه اليهود ذريعة إلى سبه ﷺ ولئلا يتشبه بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا.
(الثالث والعشرون) : أنه أوجب الشفعة؛ لما فيه من رفع الشركة، وما ذاك إلا لما يفضي إليه من المعاصي المعلقة بالشركة والقسمة؛ سدا لهذه المفاسد بحسب الإمكان.
(الرابع والعشرون) : أن الله سبحانه أمر رسوله ﷺ أن يحكم بالظاهر مع إمكان أن يوحى إليه بالباطن، وأمر أن يسوي الدعاوى بين العدل والفاسق، وألا يقبل شهادة ظنين في قرابة، وإن وثق بتقواه. حتى لم يجز للحاكم أن يحكم بعلمه عند أكثر الفقهاء؛ لينضبط طريق الحكم، فإن التمييز بين الخصوم والشهود يدخل فيه من الجهل والظلم ما لا يزول إلا بحسم هذه المادة، وإن أفضت في آحاد الصور إلى الحكم بغير الحق، فإن فساد ذلك قليل إذا لم يتعمد في جنب فساد الحكم بغير طريق مضبوط من قرائن أو فراسة أو صلاح خصم أو غير ذلك، وإن كان قد يقع بهذا صلاح قليل مغمور بفساد كثير.
(الخامس والعشرون) : أن الله سبحانه منع رسوله ﷺ لما كان بمكة من الجهر بالقرآن، حيث كان المشركون يسمعونه فيسبون القرآن ومن أنزله
стр. 4191
ومن جاء به.
(السادس والعشرون) : أن الله سبحانه أوجب إقامة الحدود؛ سدا للتذرع إلى المعاصي إذا لم يكن عليها زاجرا، وإن كان العقوبات من جنس الشر؛ ولهذا لم تشرع الحدود إلا في معصية تتقاضاها الطباع؛ كالزنا والشرب والسرقة والقذف دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك، فإنه اكتفى فيه بالتعزير، ثم إنه أوجب على السلطان إقامة الحدود إذا رفعت إليه الجريمة، وإن تاب العاصي عند ذلك، وإن غلب على ظنه أنه لا يعود إليها لئلا يفضي ترك الحد بهذا السبب إلى تعطيل الحدود، مع العلم بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(السابع والعشرون) : أنه ﷺ سن الاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وفي صلاة الخوف وغير ذلك، مع كون إمامين في صلاة الخوف أقرب إلى حصول الصلاة الأصلية؛ لما في التفريق من خوف تفريق القلوب وتشتت الهمم، ثم إن محافظة الشارع على قاعدة الاعتصام بالجماعة وصلاح ذات البين وزجره عما قد يفضي إلى ضد ذلك في جميع التصرفات - لا يكاد ينضبط، وكل ذلك يشرع لوسائل الألفة وهي من الأفعال، وزجر من ذرائع الفرقة وهي من الأفعال أيضا.
(الثامن والعشرون) : أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم وكراهة إفراد يوم الجمعة، وجاء عن السلف ما يدل على كراهة صوم أيام أعياد الكفار، وإن كان الصوم نفسه عملا صالحا؛ لئلا يكون ذريعة إلى مشابهة الكفار، وتعظيم الشيء تعظيما غير مشروع.
стр. 4192
(التاسع والعشرون) : أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها؛ لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم.
(الثلاثون) : أن النبي ﷺ أمر الذي أرسل معه بهديه إذا عطب شيء منه دون المحل أن ينحره، ويصبغ نعله الذي قلده بدمه، ويخلي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته. قالوا: وسبب ذلك: أنه إذا جاز له أن يأكل أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعته نفسه إلى أن يقصر في علفها وحفظها مما يؤذيها؛ لحصول غرضه بعطبها دون المحل، كحصوله ببلوغها المحل من الأكل والإهداء، فإذا أيس من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى إبلاغها المحل، وأحسم لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف سد الذراع.
والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه أو منصوص عليه أو مأثور عن الصدر الأول شائع عنهم؛ إذ الفروع المختلف فيها يحتج لها بهذه الأصول - لا يحتج بها ولم يذكر الحيل التي يقصد بها الحرام كاحتيال اليهود، ولا ما كان وسيلة إلى مفسدة ليست هي فعلا محرما، وإن أفضت إليه كما فعل من استشهد للذرائع فإن هذا يوجب أن يدخل عامة المحرمات في الذرائع، وهذا وإن كان صحيحا من وجه فليس هو المقصود هنا.
ثم هذه الأحكام في بعضها حكم أخر غير ما ذكرناه من الذرائع، وإنما قصدنا: أن الذرائع مما اعتبرها الشارع إما مفردة أو مع غيرها، فإذا كان الشيء الذي قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم، إما بأن يقصد به المحرم،
стр. 4193
أو بأن لا يقصد به - يحرمه الشارع بحسب الإمكان، ما لم يعارض ذلك مصلحة توجب حله أو وجوبه فنفس التذرع إلى المحرمات بالاحتيال أولى أن يكون حراما وأولى بإبطال ما يمكن إبطاله منه إذا عرف قصد فاعله، وأولى بأن لا يعان صاحبه عليه، وهذا بين لمن تأمله. والله الهادي إلى سواء الصراط.
وقد اتبع ابن القيم شيخه ابن تيمية رحمهما الله في إثبات قاعدة سد الذرائع بأدلة الاستقراء من الكتاب والسنة فقال ﵀:
فصل: في سد الذرائع (١) :
لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها. فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها. ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود. لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها؛ تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه.
ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به. وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كله كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع
стр. 4194
الموصلة إليه لعد متناقضا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده.
وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟
ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله ﷺ سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء.
ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره، ليزول الالتباس فيه، فنقول: الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان:
أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها؛ كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها.
والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب. فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه.
فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك.
والثاني: كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلي بين يدي القبر لله. ونحو ذلك.
ثم هذا القسم من الذرائع نوعان:
أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.
стр. 4195
والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته. فهاهنا أربعة أقسام:
الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة.
الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة.
الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.
فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم.
ومثال الثالث: الصلاة في أوقات النهي، وسبه آلهة المشركين بين ظهرانيهم. وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك.
ومثال الرابع: النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها (١) ويعاملها. وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة.
بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:
الدلالة على المنع من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى:
стр. 4196
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم؛ لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى. وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه، بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٢) فمنعن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزا في نفسه، لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٣) الآية. أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة؛ لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقائهم ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة. ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها، وإن أمكن في تركه هذه المفسدة؛ لندورها، وقلة الإفضاء إليها، فجعلت (٤) كالمقدمة.
الوجه الرابع: قوله تعالى:
стр. 4197
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (١) نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلا من الرعونة: فنهي المسلمون عن قولها؛ سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ ؛ تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.
الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (٢) ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) فأمر تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفرا وأعتاهم عليه، لئلا يكون إغلاظ القول له - مع أنه حقيق به - ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى.
الوجه السادس: أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإفضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة.
الوجه السابع: أنه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.
الوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن
стр. 4198
رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه (١) » متفق عليه.
ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٢) » فجعل رسول الله ﷺ الرجل سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده.
الوجه التاسع: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنهم وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخلوا فيه، ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.
الوجه العاشر: أن الله تعالى حرم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرم القطرة الواحدة منها. وحرم إمساكها للتخليل ونجسها؛ لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب. ثم بالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين وعن شرب العصير بعد ثلاث. وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم بها؛ حسما لمادة قربان المسكر، وقد صرح ﷺ بالعلة في تحريم القليل فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» .
الوجه الحادي عشر: أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج، وزيارة الوالدين؛ سدا لذريعة ما يحاذر
стр. 4199
من الفتنة وتقلبات الطباع.
الوجه الثاني عشر: أن الله تعالى أمر بغض البصر، وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله؛ سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور.
الوجه الثالث عشر: أن النبي ﷺ نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدا. وعن شد الرحال إليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها. وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده، بل قصد خلافه، سدا للذريعة.
الوجه الرابع عشر: أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكان من حكمة ذلك: أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟ !
الوجه الخامس عشر: أنه ﷺ نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (١) » ، وقوله: «إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم (٢) » ، وقوله في عاشوراء: «خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله ويوما بعده» ، وقوله: «لا تشبهوا بالأعاجم» ، وروى الترمذي عنه: «ليس منا من تشبه بغيرنا (٣) » ، وروى الإمام أحمد عنه: «من تشبه بقوم فهو منهم (٤) » ، وسر ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة
стр. 4200
إلى الموافقة في القصد والعمل.
الوجه السادس عشر: أنه ﷺ حرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علل به النبي ﷺ .
الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المفضية إلى أكل الحرام. وعلى التقديرين فهو من باب سد الذرائع. وأباح الأربع، وإن كان لا يؤمن الجور في اجتماعهن؛ لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن فكانت مصلحة الإباحة أرجح من مفسدة الجور المتوقعة.
الوجه الثامن عشر: أن الله تعالى حرم خطبة المعتدة صريحا حتى حرم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة، فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها.
الوجه التاسع عشر: أن الله تعالى حرم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام وإن تأخر الوطء إلى وقت الحل؛ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء ولا ينتقض هذا بالصيام، فإن زمنه قريب جدا، فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم إلى الليل.
الوجه العشرون: أن الشارع حرم الطيب على المحرم؛ لكونه من أسباب دواعي الوطء فتحريمه من باب سد الذريعة.
هذا فقد استمر ﵀ في ذكر أدلة المنع، حتى أوصلها تسعة
стр. 4201
وتسعين دليلا ... ) ثم قال: باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف: فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة به فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين. اهـ.
стр. 4202
ثانيا: الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه:
١ - نقول عن بعض شراح الحديث والفقهاء:
بحث شراح الحديث والفقهاء هذا الموضوع، وفيما يلي نقول عنهم:
أ- روى الإمام مسلم ﵀ في [صحيحه] عن أبي مرثد الغنوي ﵀ عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها (١) » .
قال النووي ﵀ على هذا الحديث: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى القبر.
قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. اهـ (٢) .
ب- وقال السنوسي ﵀ على هذا الحديث: ولا تصلوا إليها، أي: لا تجعل قبلة؛ سدا للذريعة إلى عبادتها، واعتقاد الجهال التقرب بذلك قاله (ع) قال الأبي: وما علل به النهي والجواب عن إجازته في
стр. 4203
المدونة أن يصلي وبين يديه قبر أو مرحاض. ابن العربي: تكره الصلاة في القبور وتحرم الصلاة إليها وهو كفر من فاعله (١) .
ج- قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين، وفي ذلك حديث رواه مسلم، عن طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا: «ولا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها أو عليها (٢) » ، قلت: وليس هو على شرط البخاري، فأشار إليه في الترجمة، وأورد معه أثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة، والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولا في [كتاب الصلاة] لأبي نعيم شيخ البخاري، ولفظه، بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر، فظن أنه يعني: القمر، فلما رأى أنه يعني القبر جاز القبر وصلى، وله طرق أخرى بينتها في [تغليق التعليق] منها: من طريق حميد عن أنس نحوه وزاد فيه: فقال بعض من يليني: إنما يعني القبر فتنحيت عنه، وقوله: القبر القبر، بالنصب فيهما على التحذير.
وقوله: (ولم يأمره بالإعادة) استنبطه من تمادي أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف (٣) .
стр. 4204
٢ - نقول عن بعض الفقهاء:
أ- قال النووي ﵀: قال أصحابنا: ويكره أن يصلى إلى قبر،
стр. 4205
هكذا قالوا: يكره ولو قيل: يحرم؛ لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد، قال صاحب التتمة: وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام.
ب- قال ابن قدامة ﵀:
وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل، لما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها (١) » متفق عليه.
وقال الأثرم: ذكر أحمد حديث أبي مرثد، ثم قال: إسناده جيد. وقال أنس: رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر فجعل يشير إلي: القبر القبر، قال القاضي: وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهى عن الصلاة فيها، والصحيح: أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة؛ لأن قوله ﵊: «جعلت الأرض مسجدا (٢) » يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته.
وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح؛ لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه، وإن كان لمعنى مختص بها وهو اتخاذ القبور مسجدا أو والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها؛ فلا يتعداها الحكم؛ لعدم وجود المعنى في غيرها، وقد قال النبي ﷺ : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (٣) » ، وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) » يحذر ما صنعوا، متفق عليهما.
فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور؛ للنهي عنها، ويصح إلى غيرها؛ لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه.