وتسعين دليلا ... ) ثم قال: باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف: فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة به فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين. اهـ.
стр. 4202
ثانيا: الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه:
١ - نقول عن بعض شراح الحديث والفقهاء:
بحث شراح الحديث والفقهاء هذا الموضوع، وفيما يلي نقول عنهم:
أ- روى الإمام مسلم ﵀ في [صحيحه] عن أبي مرثد الغنوي ﵀ عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها (١) » .
قال النووي ﵀ على هذا الحديث: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى القبر.
قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. اهـ (٢) .
ب- وقال السنوسي ﵀ على هذا الحديث: ولا تصلوا إليها، أي: لا تجعل قبلة؛ سدا للذريعة إلى عبادتها، واعتقاد الجهال التقرب بذلك قاله (ع) قال الأبي: وما علل به النهي والجواب عن إجازته في
стр. 4203
المدونة أن يصلي وبين يديه قبر أو مرحاض. ابن العربي: تكره الصلاة في القبور وتحرم الصلاة إليها وهو كفر من فاعله (١) .
ج- قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين، وفي ذلك حديث رواه مسلم، عن طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا: «ولا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها أو عليها (٢) » ، قلت: وليس هو على شرط البخاري، فأشار إليه في الترجمة، وأورد معه أثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة، والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولا في [كتاب الصلاة] لأبي نعيم شيخ البخاري، ولفظه، بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر، فظن أنه يعني: القمر، فلما رأى أنه يعني القبر جاز القبر وصلى، وله طرق أخرى بينتها في [تغليق التعليق] منها: من طريق حميد عن أنس نحوه وزاد فيه: فقال بعض من يليني: إنما يعني القبر فتنحيت عنه، وقوله: القبر القبر، بالنصب فيهما على التحذير.
وقوله: (ولم يأمره بالإعادة) استنبطه من تمادي أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف (٣) .
стр. 4204
٢ - نقول عن بعض الفقهاء:
أ- قال النووي ﵀: قال أصحابنا: ويكره أن يصلى إلى قبر،
стр. 4205
هكذا قالوا: يكره ولو قيل: يحرم؛ لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد، قال صاحب التتمة: وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام.
ب- قال ابن قدامة ﵀:
وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل، لما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها (١) » متفق عليه.
وقال الأثرم: ذكر أحمد حديث أبي مرثد، ثم قال: إسناده جيد. وقال أنس: رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر فجعل يشير إلي: القبر القبر، قال القاضي: وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهى عن الصلاة فيها، والصحيح: أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة؛ لأن قوله ﵊: «جعلت الأرض مسجدا (٢) » يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته.
وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح؛ لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه، وإن كان لمعنى مختص بها وهو اتخاذ القبور مسجدا أو والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها؛ فلا يتعداها الحكم؛ لعدم وجود المعنى في غيرها، وقد قال النبي ﷺ : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (٣) » ، وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) » يحذر ما صنعوا، متفق عليهما.
فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور؛ للنهي عنها، ويصح إلى غيرها؛ لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه.
стр. 4206
والله أعلم (١) .
ج- وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀:
ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا: أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة: كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر.
وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه. وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي: المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد (٢) .
د- وقال ابن مفلح ﵀:
وتصح الصلاة إليها مع الكراهة، وقيل: لا تصح، وقيل: إلى مقبرة، اختاره صاحب المغني والمحرر وهو أظهر، وعنه: وحش، اختاره ابن حامد، وقيل: وحمام ولا حائل، ولو كمؤخرة الرحل، وظاهره ليس كسترة صلاة، فيكفي الخط، بل كسترة المتخلي، كما سبق، ويتوجه أن
стр. 4207
مرادهم لا يضر بعد كثير عرفا، كما لا أثر له في مار مبطل، وعنه لا يكفي حائط المسجد، جزم به صاحب المحرر وغيره؛ لكراهة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش (١) .
هـ- وقال العنقري ﵀:
قوله: (وتصح إليها) وقيل: لا تصح الصلاة إلى المقبرة، اختاره الموفق، والمجد وصاحب النظم والفائق. قال في [الفروع] : وهو أظهر، وعنه: لا تصح إلى المقبرة والحش، اختاره ابن حامد والشيخ تقي الدين. اهـ.
وعنه لا يكفي حائط المسجد، جزم به صاحب [المحرر] وغيره، لكراهة السلف الصلاة في المسجد في قبلته حش. اهـ. واختلفت نسخ [الإقناع] ؛ ففي بعضها: لا يكفي الخط، ولعلها أصح، وفي أخرى: لا يكفي حائط المسجد. اهـ (م ص) (٢) .
ووقال عبد الرحمن بن حسن ﵀: ولا تجوز الصلاة في مسجد بني في مقبرة، سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفا.
قال في رواية الأثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا يصلى فيه الفريضة، وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز. وذكر حديث أبي مرثد عن النبي ﷺ : «لاتصلوا إلى القبور (٣) » ، وقال: إسناده جيد. انتهى.
стр. 4208
ولو تتبعنا كلام العلماء في ذلك لاحتمل عدة أوراق. فتبين بهذا: أن العلماء ﵏ بينوا أن علة النهي ما يؤدي إليه ذلك: من الغلو فيها وعبادتها من دون الله كما هو الواقع. والله المستعان.
وقد حدث بعد الأئمة الذين يعتد بقولهم أناس كثر - في أبواب العلم بالله - اضطرابهم، وغلظ عن معرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم حجابهم، فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنت الانقياد، وغيروا بها ما قصده الرسول ﷺ بالنهي وأراد. فقال بعضهم: النهي عن البناء على القبور يختص بالمقبرة المسبلة، والنهي عن الصلاة فيها لتنجسها بصديد الموتى، وهذا كله باطل من وجوه:
منها: أنه من القول على الله بلا علم. وحرام بنص الكتاب.
ومنها: أن ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه، وما المانع له أن يقول: من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله. ويلزم على ما قاله هؤلاء: أن النبي ﷺ لم يبين العلة وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده ﷺ وبعد القرون المفضلة والأئمة، وهذا باطل قطعا وعقلا وشرعا؛ لما يلزم عليه من أن الرسول ﷺ عجز عن البيان أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل، فإن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
ويقال أيضا: هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يعم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء، لكون أجسادهم طرية لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد
стр. 4209
عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص، علم أن العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قد نقلت أقوالهم، والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (١) .
ز- وقال عبد الرحمن بن قاسم ﵀:
وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان: مسجد الطائف الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس ﵄ الصلاة في المسجد إذا جعل بين القبر وبين المسجد جدار يرفع يخرج القبر عن مسمى المسجد فلا تكره الصلاة فيه، وأما القبر إذا هدمت القبة التي عليه فيترك على حاله، ولا ينبش، ولكن يزال ما عليه من بناء وغيره، ويسوى حتى يصير كأحد قبور المسلمين (٢) .
ح- وقال ابن حزم ﵀:
قال علي: وكره الصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر أبو حنيفة والأوزاعي وسفيان، ولم ير مالك بذلك بأسا، واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء.
قال علي: وهذا عجب ناهيك به، أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه، فلا يجيزون أن تصلى صلاة الجنازة على من قد دفن ثم يستبيحون بما ليس فيه منه أثر ولا إشارة مخالفة السنن الثابتة، ونعوذ بالله من الخذلان.
стр. 4210
قال علي: وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه، كما فعل رسول الله ﷺ ، نحرم ما نهى عنه، ونعد من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل، والحمد لله رب العالمين (١) .
ط- وقال علي محفوظ ﵀:
ومن البدع: اتخاذ المقابر مساجد بالصلاة إليها، فعن أبي مرثد كناز بن الحصين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها (٢) » رواه مسلم وأبو مرثد: بفتح الميم واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (٣) » رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وقال صلوات الله وسلامه عليه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) » متفق عليه.
والسر في ذلك أن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن ودا وسواعا وإخوانهما كانوا قوما صالحين من قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وكان هذا مبدأ عبادة الأصنام، أخرجه ابن جرير؛ ولهذه المفسدة نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد الصلاة عندها.
стр. 4211
ووقت طلوع الشمس وعند استوائها وعند غروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها فنهى أمته عن الصلاة، وإن لم يقصد ما قصد المشركون، سدا للذريعة وبعدا عن التشبه بعبدة الأوثان.
وعلى الجملة: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وإعظاما، وكذا الصلاة عليها للتبرك والإعظام، كما صرح به الإمام النووي في [شرح المهذب] ، وليس معنى الإعظام أن تقصد أرباب القبور بالسجود، فإنه كفر صراح، بل المعنى أنه بتحريه الصلاة لله تعالى: على هذا الوجه زاعما أنه أرجى للقبول عند الله تعالى ببركة صاحب الضريح يكون قد أعظم من شأن هذا الولي، وهذا يقع كثيرا من العامة (١) .
هذا ما تيسر جمعه. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4212
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٧٩) وتاريخ ٢١\١٠\١٤٠٠هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من يوم السبت الموافق للثاني عشر من شهر شوال حسب تقويم أم القرى عام ١٤٠٠ هـ حتى الحادي والعشرين منه - بحث المجلس موضوع السترة التي ينبغي أن تكون بين المصلي والمقبرة التي أمامه، بناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة؛ لما نظر المجلس في خطاب سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الموجه للأمين العام لهيئة كبار العلماء برقم (٣٠٨٤\١\٥) وتاريخ ١٢\١٠\١٣٩٩هـ. والذي جاء فيه ما نصه:
(نظرا لكون النصف الشمالي من مسجد ابن عباس بالطائف لا يفصله عن المقبرة الواقعة عنه غربا سوى جدار المسجد، وأبوابه ونوافذه الغربية مشرعة على المقبرة، فاعتمدوا عرض الموضوع على المجلس؛ لتبادل الرأي في الكتابة إلى الحكومة لفتح شارع يفصل المسجد عن المقبرة. اهـ) .
وكان المجلس في تلك الدورة رأى أن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيما يكفي من السترة التي يجب أن تكون بين المصلي والمقبرة التي أمامه. ولما اطلع المجلس على البحث المذكور واستمع إلى كلام أهل العلم وآرائهم في المسألة، واستعرض الواقع الحالي لمسجد ابن عباس في الطائف والمقبرة التي تقع في قبلة المصلي
стр. 4213
من الجزء الشمالي منه رأى بعض أعضاء المجلس أن جدار المسجد لا يكفي سترة للمصلي فيه؛ ولذلك ينبغي إقامة جدار آخر خاص بالمقبرة وفتح طريق للراجل بينهما وتنبش القبور التي تقع في مكان هذا الطريق إن كان فيها بقية من رفات الموتى.
ورأى الآخرون أنه يكتفى بجدار المسجد القبلي سترة للمصلي فيه؛ لأن المصلي يستقبل جدار المسجد وهو مضاف إليه لا إلى المقبرة، ولأن إنشاء جدار آخر وفتح طريق بينه وبين جدار المسجد يترتب عليه نبش القبور دون ضرورة توجب ذلك، ولكن ينبغي أن يسد البابان اللذان في ذلك الجدار، وترفع النوافذ التي فيه إلى حيث لا يتمكن المصلي من رؤية المقبرة من خلالها، ويفتح باب في أدنى جزء من الجدار ليس أمامه مقبرة ليدخل منه الإمام يوم الجمعة، وتقدم معه الجنائز للصلاة عليها.
وحيث كان الرأي الأخير للأكثرية من أعضاء المجلس فقد صدر القرار برأيهم.
والله الموفق. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
هيئة كبار العلماء
. . رئيس الدورة
عبد الرزاق عفيفي
عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... محمد بن علي الحركان
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 4214
(٩)
بحث في نقل لحوم الهدايا
والجزاءات خارج الحرم
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
стр. 4215
بحث في نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء من تأجيل البت في موضوع نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم مطلقا، وعند استغناء فقراء الحرم، وأن يعد بحث في الموضوع ليتمكن من مناقشة الموضوع في الدورة السادسة عشرة، بناء على ذلك فقد جمعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية نقولا عن بعض فقهاء المذاهب الأربعة، وهذه النقول مشتملة على بيان مذاهب الفقهاء فيمن يجب صرف اللحم لهم، وحكم نقله للفقراء خارج الحرم.
وفيما يلي ذكر النقول مرتبة على حسب المذاهب، وبالله التوفيق.
стр. 4216
أولا: الفقه الحنفي
١ - قال في [بدائع الصنائع] : وأما مكان هذا الدم فالحرم، لا يجوز في غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) ومحله: الحرم،
стр. 4217
والمراد منه هدي المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) والهدي: اسم لما يهدى إلى بيت الله الحرام، أي: يبعث وينقل إليه (٢) .
٢ - ذكر في [فتح القدير] : (وقوله: (إليه) مرجع الضمير التوقف بالحرم، المفهوم من قوله: (يذبح في الحرم) ، مع قوله: والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، والآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) إما في الإحصار بخصوصه أو فيه وفي غيره أو هو من عموم اللفظ الوارد على سبب خاص - فيتناول منع الحلق قبل الإعمال في الحصر وبعدها في غيره إلى أن يبلغ الهدي محله، ويبين محله بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤)) .
٣ - قوله: (ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم) ، سواء كان تطوعا أو غيره، قال تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٥) فكان أصلا في كل دم وجب كفارة، وقال تعالى في دم الإحصار: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٦) وقال في الهدايا مطلقا: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧) ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان، فالإضافة ثابتة
стр. 4218
في مفهومه وهو الحرم بالإجماع، ويجوز الذبح في أي موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى، ومن الناس من قال: لا يجوز إلا بمنى، والصحيح ما قلنا. قال ﵊: «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (١) » رواه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر، فتحصل أن الدماء قسمان: ما يختص بالزمان والمكان، وما يختص بالمكان فقط (٢) .
٤ - قال السرخسي ﵀ في جزاء الصيد: (وإذا قتل المحرم صيدا فعليه قيمة الصيد في الموضع الذي قتله فيه إن كان الصيد يباع ويشترى في ذلك الموضع، وإلا ففي أقرب المواضع من ذلك الموضع مما يباع ذلك الصيد ويشترى في ذلك الموضع، مما له نظير من النعم أو لا نظير له في قولي أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى -، وقال محمد والشافعي - رحمهما الله تعالى - فيما له نظير: إلى نظيره من النعم الذي يشبهه في المنظر لا إلى القيمة) (٣) .
٥ - فإن اختار التكفير بالهدي فعليه الذبح في الحرم والتصدق بلحمه على الفقراء؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤) فالهدي: اسم لما يهدى إلى موضع معين، وإن اختار الإطعام اشترى بالقيمة طعاما، فيطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة (٥) .
٦ - قال السرخسي ﵀ في [المبسوط] : الأصل في حكم
стр. 4219
الإحصار قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (١) أي: منعتم من إتمامها، ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) شاة تبعثونها إلى الحرم لتذبح، ثم تحلقون، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) فعلى المحصر إذا كان محرما بالحج أن يبعث بثمن هدي يشترى له بمكة فيذبح عنه يوم النحر فيحل من إحرامه، وهذا قول علمائنا - رحمهم الله تعالى - أن هدي الإحصار مختص بالحرم، وعلى قول الشافعي ﵀ لا يختص بالحرم ولكن يذبح الهدي في الموضع الذي يحصر فيه، وحجته في ذلك: حديث ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ خرج مع أصحابه ﵃ معتمرا فأحصر بالحديبية فذبح هداياه وحلق بها وقاضاهم على أن يعود من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام بغير سلاح فيقضي عمرته (٤) » فإنما نحر رسول الله ﷺ الهدي في الموضع الذي أحصر فيه، ولأنه لو بعث بالهدي لا يأمن ألا يفي المبعوث على يده، أو يهلك الهدي في الطريق، وإذا ذبحه في موضعه يتيقن بوصول الهدي إلى محله وخروجه من الإحرام بعد إراقة دمه فكان هذا أولى، وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥) والمراد به: الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٦) بعد ما ذكر الهدايا، ولأن التحلل بإراقة دم هو قربة، وإراقة الدم لا يكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو زمان مخصوص وهو أيام النحر، ففي غير ذلك المكان والزمان لا تكون قربة، ونقيس هذا الدم بدم المتعة من حيث إنه تحلل به عن الإحرام، وذلك
стр. 4220
يختص بالحرم فكذا هذا، وأما ما روي فقد اختلفت الروايات في نحر رسول الله ﷺ الهدايا حين أحصر، فروي «أنه بعث الهدايا على يدي ناجية، لينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ماذا أصنع فيما يعطب منها؟ قال: انحرها، واصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صفحة سنامها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا رفقتك منها شيئا (١) » وهذه الرواية أقرب إلى موافقة الآية قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فأما الرواية الثانية إن صحت فنقول: الحديبية من الحرم فإن نصفها من الحل، ونصفها من الحرم، ومضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه كان في الحرم، فإنما سيقت الهدايا إلى جانب الحرم منها ونحرت في الحرم، فلا يكون للخصم فيه حجة، وقيل: إن النبي ﷺ كان مخصوصا بذلك؛ لأنه ما كان يجد في ذلك الوقت من يبعث الهدايا على يده إلى الحرم (٣) .
٧ - وقال ابن عابدين:
قوله: (ما يهدى) مأخوذ من الهدية التي هي أعم من الهدي لا من الهدي، وإلا لزم ذكر المعرف في التعريف فيلزم تعريف الشيء بنفسه، قلت: (لو أخذ من الهدي يكون تعريفا لفظيا وهو سائغ) واحترز بقوله: (إلى الحرم) عما يهدى إلى غيره نعما كان أو غيره، وبقوله: (من النعم) عما يهدى إلى الحرم من غير النعم، فإطلاق الفقهاء في باب الأيمان
стр. 4221
والنذور والهدي على غيره مجاز، وبقوله: (ليتقرب به) أي: بإراقة دمه فيه، أي: في الحرم عما يهدى من النعم إلى الحرم هدية لرجل، وأفاد به أنه لا بد فيه من النية، أي: ولو دلالة (١) .
٨ - قال الجصاص في تفسيره: [أحكام القرآن] :
باب المحصر أين يذبح الهدي؟
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) واختلف السلف في المحل ما هو؟ فقال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعطاء وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين: هو الحرم. وهو قول أصحابنا والثوري.
وقال مالك والشافعي: محله الموضع الذي أحصر فيه فيذبحه ويحل. والدليل على صحة القول الأول: أن المحل اسم لشيئين: يحتمل أن يراد به الوقت، ويحتمل أن يراد به المكان. ألا ترى أن محل الدين هو وقته الذي تجب المطالبة به، وقال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير: «اشترطي في الحج وقولي: محلي حيث حبستني (٣) » فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان
فلما كان محتملا للأمرين ولم يكن هدي الإحصار في العمرة مؤقتا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية - وجب أن يكون مراده المكان، فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار؛ لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله بوقوع الإحصار، ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية، فدل ذلك على أن المراد بالمحل: هو الحرم؛ لأن كل من لا يجعل موضع
стр. 4222
الإحصار محلا للهدي فإنما يجعل المحل الحرم، ومن جعل محل الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناه، ومن جهة أخرى وهو أن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) ودلالته على صحة قولنا في الحل من وجهين: أحدهما: عمومه في سائر الهدايا، والآخر: ما فيه من بيان معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) فإذا كان الله قد جعل للمحل البيت العتيق فغير جائز لأحد أن يجعل المحل غيره، ويدل عليه قوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤) فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي فلا يجوز شيء منه دون وجوده فيه، كما أنه لما قال في الظهار وفي القتل: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٥) فقيدها بفعل التتابع لم يجز فعلهما إلا على هذا الوجه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٦) لا يجوز إلا على الصفة المشروطة، وكذلك قال أصحابنا في سائر الهدايا التي تذبح أنها لا تجوز إلا في الحرم. ويدل عليه أيضا قوله تعالى في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٧) فأوجب على المحصر دما، ونهاه عن الحلق حتى
стр. 4223
يذبح هديه، فلو كان ذبحه في الحل جائزا لذبح صاحب الأذى هديه عن الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى، فدل على أن الحل ليس بمحل الهدي، فإن قيل: هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار. قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك خطابا فيمن لا يجد الدم؛ لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك، ولا يكون مخيرا بين الأشياء الثلاثة إلا وهو واجد لها؛ لأنه لا يجوز التخيير بين ما يجد وبين ما لا يجد، فثبت بذلك أن محل الهدي هو الحرم دون محل الإحصار. ومن جهة النظر لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله الحرم وأنه لا يجزئ في غيره - وجب أن يكون كذلك حكم كل دم تعلق وجوبه بالإحرام، والمعنى الجامع بينهما تعلق وجوبهما بالإحرام، فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) وذلك في شأن الحديبية، وفيه دلالة على أن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هديهم في غير الحرم، لولا ذلك لكان بالغا محله، قيل له: هذا من أول شيء على أن محله الحرم؛ لأنه لو كان موضع الإحصار هو الحل محلا للهدي لما قال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ محله دل ذلك على أن الحل ليس بمحل له، فإن قيل: فإن لم يكن النبي ﷺ وأصحابه ذبحوا الهدي في الحل فما معنى قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٣) قيل له: لما حصل أدنى منع جاز أن يقال: إنهم منعوا، وليس يقتضي ذلك أن يكون أبدا ممنوعا، ألا ترى أن رجلا لو منع رجلا حقه جاز
стр. 4224
أن يقال: منعه حقه، كما يقال: حبسه، ولا يقتضي ذلك أن يكون أبدا محبوسا، فلما كان المشركون منعوا الهدي بديا من الوصول إلى الحرم جاز إطلاق الاسم عليهم بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ محله وإن أطلقوا، ألا ترى أنه قد وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا قد أطلقوا إليهم بعد ذلك الوصول إليه في العام القابل، وقال الله : ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ (١) وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر، فكذلك منعوا الهدي بديا، ثم لما وقع الصلح بين النبي ﷺ وبينهم أطلقوه حتى ذبحه في الحرم، وقيل: إن النبي ﷺ ساق البدن؛ ليذبحها بعد الطواف بالبيت فلما منعوه من ذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٢) ؛ لقصوره عن الوقت المقصود فيه ذبحه، ويحتمل أن يريد به المحل المستحب فيه الذبح وهو عند المروة أو بمنى فلما منع ذلك أطلق ما فيه ما وصفت.
وقد ذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وأن مضرب النبي ﷺ كان في الحل، ومصلاه كان في الحرم، فإذا أمكنه أن يصلي في الحرم فلا محالة قد كان الذبح ممكنا فيه، وقد روي أن ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي ﷺ : «ابعث معي الهدي حتى آخذ به في الشعاب والأودية فأذبحها بمكة ففعل» ، وجائز أن يكون بعث معه بعضه ونحر هو بعضه في الحرم. والله أعلم (٣) .
стр. 4225
ثانيا: الفقه المالكي
١ - قال مالك في [المدونة الكبرى] : رسم في الدم ما يصنع به؟
قلت: فهذا الدم كيف يصنع به في قول مالك؟ قال: قال مالك: يقلده ويشعره ويقف به في عرفة مع هدي تمتعه فإن لم يقف به بعرفة لم يجزه إن اشتراه في الحرم إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه من الحل إلى مكة ويصير منحره بمكة، قلت لابن القاسم: ولم أمره مالك أن يقف بهذا الهدي الذي جعله عليه لتأخير الحلاق بعرفة، وهو إن حلق من أذى لم يأمره بأن يقف بهديه؟ قال: قال مالك: ليس من وجب عليه الهدي لترك الحلاقة مثل من وجب عليه النسك من إماطة الأذى؛ لأن الهدي إذا وجب لترك الحلاقة فإنما هو هدي، وكل ما هو هدي فسبيله سبيل هدي المتمتع والصيام فيه إن لم يجد، ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد ذلك، ولا يكون فيه الطعام، وأما نسك الأذى فهو مخير: إن شاء أطعم، وإن شاء صام، وإن شاء نسك، والصيام فيه ثلاثة أيام، والنسك فيه شاة، والطعام فيه لستة مساكين مدين مدين بمد النبي ﷺ فهذا فرق ما بينهما (١) .
٢ - فيمن أحصر بمرض ومعه هدي:
قلت: أرأيت من أحصر بمرض معه هدي أينحره قبل يوم النحر أم يؤخره حتى يوم النحر، وهل له أن يبعث به ويقيم هو حراما؟ قال: إن خاف على هديه لطول مرضه بعث به فنحر بمكة وأقام هو على إحرامه. قال: وإن كان لا يخاف الهدي وكان أمرا قريبا حبسه حتى يسوقه معه. قال:
стр. 4226
وهذا رأيي.
قلت: أرأيت إن فاته الحج متى ينحر هدي فوات الحج في قول مالك.
قال: في القضاء من قابل. قلت: فإن بعث به قبل أن يقضي حجه يجزئه، فقال: سألت مالكا عن ذلك فقال: لا يقدم هديه ولا ينحره إلا في حج قابل، قال: فقلت له: فإنه يخاف الموت قال: وإن خاف الموت فلا ينحره إلا في حج قابل.
قلت: فإن اعتمر بعد ما فاته حجه فنحر هدي فوات حجه في عمرته هل يجزئه؟ قال: أرى أن يجزئه في رأيي، وإنما رأيت ذلك؛ لأنه لو هلك قبل أن يحج أهدي عنه لمكان ذلك ولو كان ذلك لا يجزئه إلا بعد القضاء ما أهدي عنه بعد الموت، قال ابن القاسم: وقد بلغني أن مالكا قد كان خففه ثم استثقله بعد، وأنا لا أحب أن يفعل إلا بعد، فإن فعل وحج أجزأ عنه، قلت: أرأيت المحصر بمرض إذا أصابه أذى فحلق رأسه فأراد أن يفتدي، أفينحر هدي الأذى الذي أماط عنه بموضعه حيث هو أم يؤخر ذلك حتى يأتي مكة في قول مالك؟ قال: قال مالك: ينحره حيث أحب (١) .
٣ - رسم في الكفارة بالصيام وفي جزاء الصيد:
قلت: أرأيت جزاء الصيد في قول مالك أن يكون بغير مكة. قال: قال لي مالك: كل من ترك من نسكه شيئا يجب عليه فيه الدم وجزاء الصيد أيضا، فإن ذلك لا ينحر ولا يذبح إلا بمكة أو بمنى، فإن وقف به بعرفة نحر بمنى وإن لم يوقف بعرفة سيق من الحل ونحر بمكة.
قلت له: وإن كان قد
стр. 4227
وقف به بعرفة نحر بمنى وإن لم يوقف بعرفة سيق من الحل ونحر بمكة. قلت له: وإن كان قد وقف به بعرفة ولم ينحره أيام النحر بمنى نحره بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية. قال: نعم، قلت: وهذا قول مالك. قال: نعم (١) .
٤ - قال في [جواهر الإكليل شرح مختصر خليل] : والجزاء بحكم عدلين فقيهين بذلك مثله من النعم أو إطعام بقيمة الصيد يوم التلف بمحله، وإلا فبقربه ولا يجزئ بغيره.
وذكر في الشرح (بمحله) أي: التلف إن كان له قيمة فيه ووجد به مساكين (وإلا) أي: وإن لم يكن له قيمة بمحله أو لم يوجد به مساكين فيقوم أو يطعم (بقربه) أي: محل التلف ولا يجزئ الإطعام بغيره، أي: محل التلف أو قربه مع الإمكان.
سند جملة ذلك أنه إن أخرج الجزاء هديا اختص بالحرم، أو صياما فحيث شاء أو طعاما اختص بمحل التقويم (٢) .
٥ - قال ابن رشد في [بداية المجتهد] : وأما اختلافهم في مكان الهدي عند من أوجبه، فالأصل فيه اختلافهم في موضع نحر رسول الله ﷺ هديه عام الحديبية، فقال ابن إسحاق: نحره في الحرم، وقال غيره: إنما نحره في الحل، واحتج بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٣) وإنما ذهب أبو حنيفة إلى
стр. 4228
أن من أحصر عن الحج أن عليه حجا وعمرة؛ لأن المحصر قد فسخ الحج في عمرة ولم يتم واحدا منهما فهذا هو حكم المحصر بعد، وعند الفقهاء (١) .
وقال في جزاء الصيد: وأما اختلافهم في الموضع فسببه الإطلاق، أعني: أنه لم يشترط فيه موضع، فمن شبهه بالزكاة في أنه حق للمساكين فقال: لا ينقل من موضعه، وأما من رأى أن المقصود بذلك إنما هو الرفق بمساكين مكة قال: لا يطعم إلا مساكين مكة، ومن اعتمد ظاهر الإطلاق قال: يطعم حيث شاء (٢) .
٦ - قال ابن عبد البر في [الكافي] : ولا ينحر الهدي إلا بمنى ومكة، ولا ينحر منه بمنى إلا ما وقف بعرفة، وإن فاته أن يقف بعرفة ساقه من الحل فينحره بمكة بعد خروجه من منى، وإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه (٣) .
٧ - جزاء الصيد والحكم فيه:
وعند اختيار المثل يذبح في منى أو مكة، أما في غيرهما فلا يجزئ؛ لأنه يصير في حكم الهدي، وتصح القيمة طعاما من غالب قوت أهل البلد الذي يخرج فيه، وتعين القيمة والإخراج بمحل التلف ولا تجزئ الدراهم ولا يجزئ أكثر من مد ولا أقل ويعطى لمسكين (٤) .
٨ - الحكم في الصيد: قال الله تعالى:
стр. 4229
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (١) قال مالك ﵀: فالذي يصيد الصيد وهو حلال ثم يقتله وهو محرم بمنزلة الذي يبتاعه وهو محرم ثم يقتله، وقد نهى الله عن قتله فعليه جزاؤه
والأمر عندنا أن من أصاب الصيد وهو محرم حكم عليه بالجزاء، قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه أن يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام، فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما، وينظر كم عدة المساكين فإن كانوا عشرة صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا صام عشرين يوما عددهم ما كانوا، وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا. قال مالك: سمعت أنه يحكم على من قتل الصيد في الحرم وهو حلال بمثل ما يحكم به على المحرم الذي يقتل الصيد في الحرم وهو محرم (٢) .
٩ - ما جاء فيمن أحصر بعدو:
حدثني يحيى عن مالك، قال: من حبس بعدو، فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء.
وحدثني عن مالك: أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن
стр. 4230
يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا يعودوا لشيء.
وحدثني عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال حيث خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله ﷺ أهل بعمرة عام الحديبية.
ثم إن عبد الله نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلا واحد، ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف طوافا واحدا، ورأى ذلك مجزيا عنه وأهدى، قال مالك: فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو. كما أحصر النبي ﷺ وأصحابه، فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت (١) .
١٠ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)
قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره عن هذه الآية: الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، أي: لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي، والمحل: الموضع الذي يحل فيه ذبحه.
فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي موضع الحصر اقتداء برسول الله ﷺ زمن الحديبية قال الله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٣) قيل: محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق.
وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن
стр. 4231
الذي يجد الوصول إلى البيت، فأما المحصر فخارج من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) بدليل نحر النبي ﷺ وأصحابه هديهم بالحديبية، وليست من الحرم، واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي ﷺ أنه قال للنبي ﷺ : «ابعث معي الهدي فأنحره بالحرم قال: " فكيف تصنع به؟ " فقال: أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه فأنطلق به حتى أنحره في الحرم»
وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما ينحر حيث حل؛ اقتداء بفعله ﷺ بالحديبية وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهدي تابع للمهدي، والمهدي حل بموضعه فالمهدي أيضا يحل معه (٢) .
стр. 4232
ثالثا: الفقه الشافعي
١ - قال الشافعي في [الأم] : وحيثما نحره من منى أو مكة إذا أعطاه مساكين الحرم أجزأه وقال: (ولو أن رجلا نحر هديه فمنع المساكين دفعه إليهم أو نحره بناحية ولم يخل بين المساكين وبينه حتى ينتن - كان عليه أن يبدله، والنحر يوم النحر وأيام منى كلها حتى تغيب الشمس من آخر أيامها، فإذا غابت الشمس فلا نحر إلا إن كان عليه هدي واجب نحره وأعطاه مساكين الحرم قضاء) انتهى.
وقال: (وفي أي الحرم ذبحه ثم أبلغه مساكين الحرم أجزأه وإن كان ذبحه إياه في غير موضع ناس. . .) .
وقال: (ومتى أصابه أذى وهو يرجو أن يخلى، نحاه عنه وافتدى في موضعه كما يفتدي المحصر إذا خلي عنه في غير الحرم، وكان مخالفا لما
стр. 4233
سواه لمن قدر على الحرم، ذلك لا يجزيه إلا أن يبلغ هديه الحرم) .
وقال في الإحصار بالمرض وغيره: (وإن احتاج إلى دواء عليه فيه فدية تنحية أذى، فعله وافتدى، ويفتدي في الحرم بأن يفعله ويبعث بهدي إلى الحرم) (١) .
٢ - (باب أين محل هدي الصيد) قال الشافعي ﵀: قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢) قال الشافعي: (فلما كان كلما أريد به هدي من ملك ابن آدم هديا كانت الأنعام كلها وكل ما أهدي فهو بمكة - والله أعلم - ولو خفي عن أحد أن هذا هكذا ما انبغى - والله أعلم - أن يخفى عليه إذا كان الصيد إذا جزي بشيء من النعم لا يجزئ فيه، إلا أن يجرى بمكة، فعلم أن مكة أعظم أرض الله تعالى حرمة وأولى أن تنزه عن الدماء لولا ما عقلنا من حكم الله في أنه للمساكين الحاضرين بمكة، فإذا عقلنا هذا عن الله فكان جزاء الصيد الطعام لم يجز - والله أعلم - إلا بمكة.
فلو أطعم في كفارة صيد بغير مكة لم يجز عنه، وأعاد الإطعام بمكة أو بمنى فهو من مكة؛ لأنه كحاضر الحرم، ومثل هذا كل ما وجب على محرم بوجه من الوجوه من فدية أذى أو طيب أو لبس أو غيره، لا يخالفه في شيء؛ لأنه كله من جهة النسك والنسك إلى الحرم ومنافعه للمساكين الحاضرين الحرم.
وقال: (ومن حضر الكعبة حين يبلغها الهدي من النعم أو الطعام من مسكين كان له أهل بها أو غريب؛ لأنهم إنما أعطوا بحضرتها وإن قل،
стр. 4234
فكان يعطي بعضهم دون بعض، أجزأه أن يعطي مساكين الغرباء دون أهل مكة ومساكين أهل مكة دون مساكين الغرباء وأن يخلط بينهم ولو آثر به أهل مكة؛ لأنهم يجمعون الحضور والمقام لكان كأنه أسرى إلى القلب. والله أعلم (١) .
٣ - قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
(إذا وجب على المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران، ودم الطيب وجزاء الصيد وجب عليه صرفه لمساكين الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢) فإن ذبحه في الحل وأدخله الحرم، نظرت، فإن تغير وأنتن لم يجزئه؛ لأن المستحق لحم كامل غير متغير فلا يجزئه المنتن والمتغير، وإن لم يتغير ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الذبح أمر مقصود به الهدي فاختص بالحرم كالتفرقة.
الثاني: يجزئه؛ لأن المقصود هو اللحم وقد أوصل ذلك إليهم، وإن وجب عليه طعام لزمه صرفه إلى مساكين الحرم قياسا على الهدي، وإن وجب عليه صوم جاز أن يصوم في كل مكان؛ لأنه لا منفعة لأهل الحرم في الصيام. وإن وجب عليه هدي وأحصر عن الحرم جاز له أن يذبح ويفرق حيث أحصر؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وبين الحديبية وبين الحرم ثلاثة أميال (٣) » ، ولأنه إذا جاز أن يتحلل في غير موضع التحلل
стр. 4235
لأجل الإحصار جاز أن ينحر الهدي في غير موضع الهدي، فكما قال الأصحاب: الدماء الواجبة في الحج لها زمان ومكان.
وأما المكان: فالدماء الواجبة على المحرم ضربان: واجب على المحصر بالإحصار، أو بفعل محظور أو الضرب واجب على غير المحصر، فيختص بالحرم، ويجب تفريقه على مساكين الحرم سواء الغرباء الطارئون والمستوطنون، لكن الصرف إلى المستوطنين أفضل، وله أن يخص به أحد الصنفين، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه
وفي اختصاص ذبحه بالحرم خلاف، حكاه المصنف وآخرون وجهين، وحكاه آخرون قولين: (أصحهما) : يختص، فلو ذبحه في طرف الحل ونقله في الحال طريا إلى الحرم - لم يجزئه
والثاني: لا يختص، فيجوز ذبحه خارج الحرم بشرط أن ينقله ويفرقه في الحرم قبل تغير اللحم، وسواء في هذا كله دم التمتع والقران وسائر ما يجب بسبب في الحل أو الحرم، أو بسبب مباح كالحلق للأذى، أو بسبب محرم. وهذا هو الصحيح.
وفي القديم قول: أن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفرقته في الحل قياسا على دم الإحصار، وممن حكى هذا القول وفي وجه ضعيف: أن ما وجب بسبب مباح لا يختص ذبحه وتفرقته بالحرم.
وفيه وجه أنه لو حلق قبل وصوله الحرم وذبح وفرق حيث حلق جاز وكل هذا شاذ ضعيف، والمذهب ما سبق. قال الشافعي والأصحاب: ويجوز الذبح في بقاع الحرم قريبها وبعيدها، لكن الأفضل في حق الحاج الذبح بمنى وفي حق المعتمر المروة؛ لأنهما محل تحللهما، وكذا حكم ما يسوقانه من
стр. 4236
الهدي (١) .
٤ - قال القاضي حسين في [الفتاوى] : لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجز نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم، كمن نذر الصدقة على مساكين بلد فلم يجد فيه مساكين، يصبر حتى يجدهم، ولا يجوز نقله بخلاف الزكاة على أحد القولين؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد لها بخلاف الهدي (٢) .
٥ - (ويجب صرف لحمه) وجلده وبقية أجزائه من شعره وغيره، فاقتصاره على اللحم؛ لأنه الأصل فيما يقصد منه، فهو مثال لا قيد (إلى مساكينه) أي: الحرم وفقرائه القاطنين منهم والغرباء والصرف إلى الأول أولى إلا أن تشتد حاجة الثاني فيكون أولى، وعلم من كلامه عدم جواز أكله شيئا منه، وبه صرح الرافعي في كتاب الأضحية، وأنه لا فرق بين أن يفرق المذبوح عليهم أو يعطيه بجملته لهم، وبه صرح الرافعي أيضا في الكلام على تحريم الصيد، ويكفي الاقتصار على ثلاثة من فقرائه أو مساكينه وإن انحصروا؛ لأن الثلاثة أقل الجمع، فلو دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن له أقل متمول كنظيره من الزكاة، وإنما لم يجب استيعابهم عند الانحصار كما في الزكاة؛ لأن المقصود هنا حرمة البلد وثم سد الخلة وتجب النية عند التفرقة، كما قاله الروياني وغيره، ويؤخذ من التشبيه بالزكاة الاكتفاء بالمتقدمة عليها واقتصاره فيما مر على الدم الواجب بفعل
стр. 4237
حرام أو ترك واجب مثال إذ دم التمتع والقران كذلك. . .
ودفع الطعام لمساكين الحرم لا يتعين لكل منهم مد في دم التمتع ونحوه مما ليس دمه دم تخيير وتقدير، أما دم الاستمتاعات ونحوها مما دمه دم تخيير وتقدير فلكل واحد من ستة مساكين نصف صاع من ثلاثة آصع كما مر.
ولو ذبح الدم الواجب بالحرم ثم سرق أو غصب منه قبل التفرقة لم يجزئه. نعم، هو مخير بين ذبح آخر وهو أولى، أو شراء بدله لحما والتصدق به؛ لأن الذبح قد وجد، وإنما لم يتقيد ذلك بما لو قصر في التفرقة وإلا فلا يضمن، كما لو سرق المال المتعلق به الزكاة؛ لأن الدم متعلق بالذمة والزكاة بعين المال، ولو عدم المساكين في الحرم أخر الواجب المالي حتى يجدهم وامتنع النقل، بخلاف الزكاة حيث جاز النقل فيها إلا أنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها، بخلاف هذا.
وقوله: (إلى مساكينه) عبارة العباب: ويجب تفريق لحوم وجلود هذه الدماء وبدلها من الطعام على المساكين في الحرم، قال الشارح في شرحه: وقضيته أنه لا يجوز إعطاؤهم خارجه، والأوجه خلافه كما مر، لكن يؤيده تعليل الكفاية وغيرها؛ ذلك بأن القصد من الذبح هو إعظام الحرم بتفرقة اللحم فيه لا لتلويثه بالدم والفرث إذ هو مكروه. اهـ.
ويجاب: بأن المراد بتفرقة اللحم فيه صرفه لأهله وخالفهم - ر فصمم على أنه لا يجوز صرفه خارجه ولا لمن هو فيه بأن خرج هو وهم عنه ثم فرقه عليهم خارجه ثم دخلوه. اهـ. سم على حج.
وقضية قول المصنف صرف لحمه إلى مساكينه أن المدار على صرفه لهم ولو في غير الحرم، لكن قول الشارح الآتي قبيل الباب، وكل هذه الدماء وبدلها تختص تفرقته بالحرم على مساكينه يوافق ما نقله - سم - عنه وصمم
رابعا: الفقه الحنبلي
١ - قال ابن قدامة في [المغني] : وإذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم، وهو من كان في الحرم، فإن أطلقها لهم جاز، كما روى أنس: «أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات ثم قال: " من شاء فليقتطع» رواه أبو داود.
وإن قسمها فهو أحسن وأفضل، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا (١) » . متفق على معناه
ولأنه بقسمها يكون على يقين من إفضائها إلى مستحقها، ويكفي المساكين مؤونة النهب والزحام عليها، وإنما لم يعط الجازر أجرته منها؛ لأنه ذبحها فعوضه عليه، دون المساكين، ولأن دفع جزء منها عوضا عن الجزارة كبيعه ولا يجوز بيع شيء منها (٢) .
٢ - قال ابن قدامة في [المقنع] : وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم، إلا فدية الأذى واللبس ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر (٣) .
٣ - وقال في الحاشية على قوله: (إلا فدية الأذى) أي: لأنه ﷺ أمر
стр. 4240
كعبا بها بالحديبية، وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي ﵄ رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورا بالسقيا، رواه مالك، ووقت ذبحه حين فعله، وله الذبح قبله لعذر.
٤ - وعلى قوله: (ودم الإحصار. . إلخ) أي: من حل أو حرم نص عليه؛ لأنه ﷺ لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية نحروا هديهم وحلوا، لكن إن كان قادرا على أطراف الحرم فوجهان، وعنه ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على نحره في وقت تحلله، روي عن ابن مسعود (١) .
٥ - قال شيخ الإسلام: وكما أن المعتمر في أشهر الحج إذا أراد أن يحج في عامه مخير بين أن ينشئ للحج سفرا وبين أن يتركه لهدي التمتع، فهو مخير في إكمال الحج بالسفر أو بالهدي؛ ولهذا قلنا: ليس جبرانا؛ لأن دم الجبران لا يخير في سببه كترك الواجبات، وإنما هو هدي واجب، كأنه مخير بين العبادة البدنية المحضة والبدنية المالية وهو الهدي، ولكن قد يقال: إذا كان واجبا فلا يؤكل منه بخلاف التطوع، قلنا: هدي النذر أيضا فيه خلاف، وما وجب معينا يأكل منه باتفاق؛ لأن نفس الذابح لله مهديا إلى بيته أعظم المقصودين؛ ولهذا اختلف العلماء في وجوب تفرقته في الحرم، وإن كنا نحن نوجب ذلك فيما هو هدي دون ما هو نسك، ليظهر تحقيقه بتسميته هديا وهو الإهداء إلى الكعبة (٢) .