← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

الهدي (١) . ٤ - قال القاضي حسين في [الفتاوى] : لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجز نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم، كمن نذر الصدقة على مساكين بلد فلم يجد فيه مساكين، يصبر حتى يجدهم، ولا يجوز نقله بخلاف الزكاة على أحد القولين؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد لها بخلاف الهدي (٢) . ٥ - (ويجب صرف لحمه) وجلده وبقية أجزائه من شعره وغيره، فاقتصاره على اللحم؛ لأنه الأصل فيما يقصد منه، فهو مثال لا قيد (إلى مساكينه) أي: الحرم وفقرائه القاطنين منهم والغرباء والصرف إلى الأول أولى إلا أن تشتد حاجة الثاني فيكون أولى، وعلم من كلامه عدم جواز أكله شيئا منه، وبه صرح الرافعي في كتاب الأضحية، وأنه لا فرق بين أن يفرق المذبوح عليهم أو يعطيه بجملته لهم، وبه صرح الرافعي أيضا في الكلام على تحريم الصيد، ويكفي الاقتصار على ثلاثة من فقرائه أو مساكينه وإن انحصروا؛ لأن الثلاثة أقل الجمع، فلو دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن له أقل متمول كنظيره من الزكاة، وإنما لم يجب استيعابهم عند الانحصار كما في الزكاة؛ لأن المقصود هنا حرمة البلد وثم سد الخلة وتجب النية عند التفرقة، كما قاله الروياني وغيره، ويؤخذ من التشبيه بالزكاة الاكتفاء بالمتقدمة عليها واقتصاره فيما مر على الدم الواجب بفعل

стр. 4237

حرام أو ترك واجب مثال إذ دم التمتع والقران كذلك. . . ودفع الطعام لمساكين الحرم لا يتعين لكل منهم مد في دم التمتع ونحوه مما ليس دمه دم تخيير وتقدير، أما دم الاستمتاعات ونحوها مما دمه دم تخيير وتقدير فلكل واحد من ستة مساكين نصف صاع من ثلاثة آصع كما مر. ولو ذبح الدم الواجب بالحرم ثم سرق أو غصب منه قبل التفرقة لم يجزئه. نعم، هو مخير بين ذبح آخر وهو أولى، أو شراء بدله لحما والتصدق به؛ لأن الذبح قد وجد، وإنما لم يتقيد ذلك بما لو قصر في التفرقة وإلا فلا يضمن، كما لو سرق المال المتعلق به الزكاة؛ لأن الدم متعلق بالذمة والزكاة بعين المال، ولو عدم المساكين في الحرم أخر الواجب المالي حتى يجدهم وامتنع النقل، بخلاف الزكاة حيث جاز النقل فيها إلا أنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها، بخلاف هذا. وقوله: (إلى مساكينه) عبارة العباب: ويجب تفريق لحوم وجلود هذه الدماء وبدلها من الطعام على المساكين في الحرم، قال الشارح في شرحه: وقضيته أنه لا يجوز إعطاؤهم خارجه، والأوجه خلافه كما مر، لكن يؤيده تعليل الكفاية وغيرها؛ ذلك بأن القصد من الذبح هو إعظام الحرم بتفرقة اللحم فيه لا لتلويثه بالدم والفرث إذ هو مكروه. اهـ. ويجاب: بأن المراد بتفرقة اللحم فيه صرفه لأهله وخالفهم - ر فصمم على أنه لا يجوز صرفه خارجه ولا لمن هو فيه بأن خرج هو وهم عنه ثم فرقه عليهم خارجه ثم دخلوه. اهـ. سم على حج. وقضية قول المصنف صرف لحمه إلى مساكينه أن المدار على صرفه لهم ولو في غير الحرم، لكن قول الشارح الآتي قبيل الباب، وكل هذه الدماء وبدلها تختص تفرقته بالحرم على مساكينه يوافق ما نقله - سم - عنه وصمم

стр. 4238

عليه (١) .

стр. 4239

رابعا: الفقه الحنبلي ١ - قال ابن قدامة في [المغني] : وإذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم، وهو من كان في الحرم، فإن أطلقها لهم جاز، كما روى أنس: «أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات ثم قال: " من شاء فليقتطع» رواه أبو داود. وإن قسمها فهو أحسن وأفضل، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا (١) » . متفق على معناه ولأنه بقسمها يكون على يقين من إفضائها إلى مستحقها، ويكفي المساكين مؤونة النهب والزحام عليها، وإنما لم يعط الجازر أجرته منها؛ لأنه ذبحها فعوضه عليه، دون المساكين، ولأن دفع جزء منها عوضا عن الجزارة كبيعه ولا يجوز بيع شيء منها (٢) . ٢ - قال ابن قدامة في [المقنع] : وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم، إلا فدية الأذى واللبس ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر (٣) . ٣ - وقال في الحاشية على قوله: (إلا فدية الأذى) أي: لأنه ﷺ أمر

стр. 4240

كعبا بها بالحديبية، وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي ﵄ رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورا بالسقيا، رواه مالك، ووقت ذبحه حين فعله، وله الذبح قبله لعذر. ٤ - وعلى قوله: (ودم الإحصار. . إلخ) أي: من حل أو حرم نص عليه؛ لأنه ﷺ لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية نحروا هديهم وحلوا، لكن إن كان قادرا على أطراف الحرم فوجهان، وعنه ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على نحره في وقت تحلله، روي عن ابن مسعود (١) . ٥ - قال شيخ الإسلام: وكما أن المعتمر في أشهر الحج إذا أراد أن يحج في عامه مخير بين أن ينشئ للحج سفرا وبين أن يتركه لهدي التمتع، فهو مخير في إكمال الحج بالسفر أو بالهدي؛ ولهذا قلنا: ليس جبرانا؛ لأن دم الجبران لا يخير في سببه كترك الواجبات، وإنما هو هدي واجب، كأنه مخير بين العبادة البدنية المحضة والبدنية المالية وهو الهدي، ولكن قد يقال: إذا كان واجبا فلا يؤكل منه بخلاف التطوع، قلنا: هدي النذر أيضا فيه خلاف، وما وجب معينا يأكل منه باتفاق؛ لأن نفس الذابح لله مهديا إلى بيته أعظم المقصودين؛ ولهذا اختلف العلماء في وجوب تفرقته في الحرم، وإن كنا نحن نوجب ذلك فيما هو هدي دون ما هو نسك، ليظهر تحقيقه بتسميته هديا وهو الإهداء إلى الكعبة (٢) .

стр. 4241

٦ - وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام: كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب، أو فوات، أو بفعل محظور في الحرم، وهدي تمتع وقران ومنذور ونحوهما، يلزم ذبحه في الحرم، وتفرقة لحمه فيه، أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكينه من المسلمين إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه، أو بمن يرسله معه، وهم: من كان به، أو واردا إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة، فإن دفع إلى فقير في ظنه فبان غنيا أجزأه، ويجزئ نحره في أي نواحي الحرم كان، قال أحمد: مكة ومنى واحد، ومراده: في الإجزاء لا في التساوي، ومنى كلها منحر، والأفضل: أن ينحر في الحج بمنى وفي العمرة بالمروة، وإن سلمه إليهم فنحروه أجزأه، وإلا استرده ونحره، فإن أبى وعجز ضمنه، فإن لم يقدر على إيصاله إليهم جاز نحره في غير الحرم وتفرقته هو والطعام حيث نحره، وفدية الأذى واللبس ونحوهما؛ كطيب، ودم المباشرة دون الفرج إذا لم ينزل، وما وجب بفعل محظور خارج الحرم ولو لغير عذر فله تفرقتها حيث وجد سببها، وفي الحرم أيضا، ووقت ذبح فدية الأذى واللبس ونحوهما وما ألحق به حين فعله، وله الذبح قبله لعذر، وكذلك ما وجب لترك واجب ولو أمسك صيدا أو جرحه ثم أخرج جزاءه ثم تلف المجروح أو الممسك أو قدم من أبيح له الحلق فديته قبل الحلق ثم حلق أجزأ، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأما الصيام والحلق وهدي التطوع وما يسمى نسكا فيجزئه بكل مكان كأضحيته (١) . ٧ - قال ابن هبيرة: اختلفوا في الدماء المتعلقة بالإحرام بم يختص

стр. 4242

تفريقها، فقال أبو حنيفة: الذبح كله يتعلق بالحرم ولا يختص تفريقه بأهله، وقال مالك: ما كان من فدية الأذى وفدية لبس المخيط فإنه نسك ينحره حيث شاء، ما عدا ذلك فإنه هدي ينحره ويختص بأهل الحرم، وقال الشافعي: الدماء المتعلقة بالإحرام تفرقتها بالحرم إلا دم الإحصار، وقال أحمد مثله وزاد عليه في الاستثناء دم الحلق (١) . هذا ما تيسر ذكره من النقول. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 4243

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٧٧) وتاريخ ٢١\١٠\١٤٠٠ هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بالطائف ابتداء من يوم السبت الموافق ١٢\١٠\١٤٠٠ هـ حسب تقويم أم القرى حتى الحادي والعشرين منه بحث المجلس [حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم] . بناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة من دراسة هذا الموضوع بعد أن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيه يوضح حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات ونحوها إلى أماكن تقع خارج الحرم، وهل يجوز توزيعها خارج الحرم مطلقا أو عند استغناء فقراء الحرم، وهل يفرق بين الهدايا الواجبة من أجل التمتع والقران وبين الواجبة بفعل محظور أو ترك واجب؟ وقد درس المجلس البحث المذكور ورجع إلى قراره رقم (٧٦) الذي أصدره في الدورة الاستثنائية الرابعة، المتضمن عدة مقترحات للاستفادة من اللحوم التي تكون في منى أيام الحج وهي: ١ - تطوير المسالخ الحالية لتستوعب أعدادا كبيرة من الذبائح، وإنشاء مسالخ متعددة على مداخل ومخارج منى وفي أماكن متفرقة من الحرم بالقدر الذي يكفي مع استمرار تمكين الحجاج من مباشرة ذبح هداياهم، إذا رغبوا في ذلك، وأخذ ما يشاءون من لحومها.

стр. 4244

٢ - العمل على إيجاد المجالب المناسبة بجوار كل مسلخ، ومنع الناس من بيع ما لا يجزئ شرعا؛ من الهزيل والمريض ونحوهما. ٣ - إيجاد البرادات الكافية لحفظ اللحوم الصالحة التي يستغني عنها الحجاج إلى أن توزع على فقراء الحرم حسب الإمكان. ٤ - أن تقوم الجهات المعنية بتوعية الحجاج في داخل المملكة وخارجها في أحكام الهدي، وما يجب أن يكون عليه، وما يلزمهم نحوه. ٥ - يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل الجلد والعظام والصوف، ونحو ذلك مما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم، مما يتركه أهله رغبة عنه. وبعد مناقشة الموضوع وتداول الرأي فيه رأى المجلس بالأكثرية إصدار قرار يوضح الحكم في نقل اللحوم من الحرم إلى خارجه، حيث كان القرار السابق مختصا باللحوم التي تبقى فيه. وبناء على هذا فإن ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع: ١ - هدي التمتع والقران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة رضوان الله عليهم من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا النبي ﷺ فقال: " كلوا وتزودوا " فأكلنا وتزودنا (١) » . ٢ - ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاء لصيد، أو فدية لإزالة أذى، أو ارتكاب محظور أو ترك واجب - فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه؛ لأنه كله لفقراء الحرم.

стр. 4245

٣ - ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزاء، أو هدي الإحصار، أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم - فهذا يوزع حيث ذبح، ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر. وإن المجلس يوصي جميع الحجاج بأن يختاروا الجيد الطيب لهداياهم وذبائحهم، وأن يعلموا أنه يجب عليهم توزيعها حسب ما شرع الله ورسوله، ولا يجوز لهم ذبحها وتركها دون أن ينتفع بها أحد من المسلمين. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة . ... . ... عبد الرزاق عفيفي عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... محمد بن علي الحركان راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن عبد الله بن قعود متوقف ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان

стр. 4246

(١٠) حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 4247

حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. فبناء على البرقية الخطية العاجلة رقم ٥٣٣٤ \ ٤ \ ٢ وتاريخ ٢٩ \ ٦ \ ١٤٠٠ هـ الواردة من وكيل وزارة الأشغال العامة بالنيابة، والتي يطلب فيها موافاته إن كان هناك ما يمنع من الناحية الشرعية أن يقوم غير المسلمين بالاشتراك في تنفيذ مشاريع المساجد والإشراف عليها، وبناء على موافقة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على عرض الموضوع على هيئة كبار العلماء في الدورة السادسة عشرة؛ لما له من صفة العموم وذلك من اختصاص الهيئة. ونظرا إلى الرغبة في إطلاع مجلس الهيئة على ما ذكره أهل العلم من حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها. . إلخ - جمعت اللجنة ما تيسر من النقول عن الجصاص ومحمد بن الحسن الشيباني والقرطبي وابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والبرسوي ومحمد رشيد رضا وابن حزم والشوكاني، وفي هذه النقول مذاهب الفقهاء، وخاصة الأئمة الأربعة وأدلتهم.

стр. 4248

وفيما يلي ذكر النقول مرتبة على حسب ترتيب الناقلين لها. وبالله التوفيق. ١ - النقول عن الجصاص [أحكام القرآن] : قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) قال الجصاص: إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه، كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار، فلذلك سماهم نجسا، والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين: أحدهما: نجاسة الأعيان، والآخر: نجاسة الذنوب، وكذلك الرجس والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) وقال في وصف المنافقين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ (٣) فسماهم رجسا، كما سمى المشركين نجسا، وقد أفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) منعهم من دخول المسجد إلا لعذر، إذ كان علينا تطهير المساجد من الأنجاس، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥) قد تنازع معناه أهل العلم: فقال مالك والشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام، قال مالك: ولا غيره من المساجد إلا لحاجة، من نحو الذمي يدخل إلى

стр. 4249

الحاكم في المسجد؛ للخصومة. وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة. وقال أصحابنا: يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد وجهين: إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد؛ لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج؛ ولذلك أمر النبي ﷺ بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر، فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، فنبذ أبو بكر إلى الناس فلم يحج في العام الذي حج فيه النبي ﷺ مشرك، فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) الآية، وفي حديث علي حين أمره النبي ﷺ بأن يبلغ عنه (سورة براءة) نادى: ولا يحج بعد العام مشرك، وفي ذلك دليل على المراد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٣) وإنما كانت خشية العيلة؛ لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج؛ لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية: الحج، ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج، وإن لم يكن في المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع - ثبت أن مراد الآية هو: الحج دون قرب المسجد لغير الحج؛ لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما

стр. 4250

في سائر المشركين، وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا في ذلك دون قرب المسجد، والذي في الآية: النهي عن قرب المسجد فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص: «أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب لهم قبة في المسجد فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال رسول الله ﷺ : " إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم» وروى يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي ﷺ وهو كافر، غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١) قال أبو بكر: فأما وفد ثقيف فإنهم جاءوا بعد فتح مكة إلى النبي ﷺ ، والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر، وهي سنة تسع، فأنزلهم النبي ﷺ في المسجد، وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا تمنع الكافر من دخول المسجد، وأما أبو سفيان فإنه جاء إلى النبي ﷺ لتجديد الهدنة، وذلك قبل الفتح، وكان أبو سفيان مشركا حينئذ، والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي عن قرب المسجد الحرام، ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المسجد فإن قيل: لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) ولما روى زيد بن يثيع عن علي ﵁: أنه نادى بأمر النبي ﷺ : «لا يدخل الحرم مشرك» ، قيل له: إن صح هذا اللفظ فالمراد: أن لا يدخله للحج وقد روي في إخبار عن علي أنه نادى: أن لا يحج بعد

стр. 4251

العام مشرك، وكذلك في حديث أبي هريرة، فثبت أن المراد: دخول الحرم للحج وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، إلا أن يكون عبدا أو أمة يدخله لحاجة» فأباح دخول العبد والأمة للحاجة لا للحج وهذا يدل على أن الحر الذمي له دخوله لحاجة إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر، وإنما خص العبد والأمة - والله أعلم - بالذكر؛ لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١) إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة، فوقفه أبو الزبير على جابر، وجائز أن يكونا صحيحين، فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى بها أخرى وروى ابن جريج عن عطاء قال: لا يدخل المسجد مشرك، وتلا قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) قال عطاء: المسجد الحرام: الحرم كله، قال ابن جريج: وقال لي عمرو بن دينار مثل ذلك قال أبو بكر: والحرم كله يعبر عنه بالمسجد، إذ كانت حرمته متعلقة بالمسجد، وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣) والحرم كله مراد به، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) قد أريد به الحرم كله؛ لأنه في أي الحرم

стр. 4252

نحر البدن أجزأه، فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١) الحرم كله للحج، إذ كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم والحرم كله في حكم المسجد لما وصفنا، فعبر عن الحرم بالمسجد، وعبر عن الحج بالحرم ويدل على أن المراد بالمسجد هاهنا الحرم قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٢) ومعلوم أن ذلك كان بالحديبية، وهي على شفير الحرم، وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم، فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد الحرام، وإنما هي عند الحرم، وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضي اجتنابهم وترك مخالطتهم إذ كنا مأمورين باجتناب الأنجاس وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣) فإن قتادة ذكر أن المراد: العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق فتلا علي (سورة براءة) وهو لتسع مضين من الهجرة، وكان بعده حجة الوداع سنة عشر (٤) . قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (٥) عمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والسكون فيه، والآخر: ببنائه وتجديد ما استرم منه؛ وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار ومنه العمرة؛ لأنها زيارة البيت، وفلان من عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون

стр. 4253

فيها، وفلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه له، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولي مصالحها، والقيام بها؛ لانتظام اللفظ للأمرين (١) . ٢ - النقول عن الشيباني [الجامع شرح السير الكبير] : ذكر عن الزهري: أن أبا سفيان بن حرب كان يدخل المسجد في الهدنة وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) الآية. والمراد بالهدنة: الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة يوم الحديبية، وقد جاء أبو سفيان إلى المدينة لتجديد العهد بعد ما نقضوا هم العهود، وخشوا أن يغزوهم رسول الله ﷺ ودخل المسجد لذلك، فهذا دليل لنا على مالك ﵁ فإنه يقول: لا يمكن المشرك من أن يدخل شيئا في المساجد والدليل على ذلك: «أن وفد ثقيف لما جاءوا إلى رسول الله ﷺ أمر بأن يضرب لهم قبة في المسجد فقيل: هم أنجاس. قال: " ليس على الأرض من نجاستهم شيء» . ثم أخذ الشافعي ﵁ بحديث الزهري فقال: يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية. فأما عندنا فلا يمنعون من ذلك كما لا يمنعون من سائر المساجد، ويستوي في ذلك الحربي والذمي، وتأويل الآية: الدخول على الوجه الذي كانوا اعتادوا في الجاهلية ما روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.

стр. 4254

والمراد: القرب من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد الحرام، وبه نقول: إن ذلك ليس إليهم ولا يمكنون منه بحال (١) . ٣ - النقول عن القرطبي [الجامع لأحكام القرآن] : قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) ابتداء وخبر، واختلف العلماء في وصف المشرك بالنجس: فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ. والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد: وأسقطه الشافعي وقال: أحب إلي أن يغتسل ونحوه لابن القاسم، ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس، وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال، رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده. «وأن النبي ﷺ مر بثمامة يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : " لقد حسن إسلام صاحبكم (٤) » ، وأخرجه مسلم بمعناه، وفيه: أن ثمامة لما من عليه النبي ﷺ انطلق إلى نخل قريب من المسجد

стр. 4255

فاغتسل، وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر، فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب، ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة، هذا قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه، إذا اعتقد الإسلام بقلبه، وهو قول ضعيف في النظر، مخالف للأثر، وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول، هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان: إنه قول باللسان، وتصديق بالقلب، ويزكو بالعمل، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) انتهى. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ (٢) نهي؛ ولذلك حذفت منه النون ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم، وهو مذهب عطاء؛ فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل، ليسمع ما يقول، ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه، فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز

стр. 4256

وأما جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها، فقال مالك: يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين، وكذلك قال الشافعي ﵀، غير أنه استثنى من ذلك اليمن، ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر ﵁ حين أجلاهم، ولا يدفنون فيها ويلجأون إلى الحل. انتهى.

стр. 4257

الثالثة: واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال: ١ - فقال أهل المدينة: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١) ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها وفي [صحيح مسلم] وغيره: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر» الحديث. والكافر لا يخلو عن ذلك. وقال ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب (٢) » والكافر جنب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) فسماه الله تعالى نجسا، فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم. وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد، يقال: رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر فأما النجس (بكسر النون وجزم الجيم) فلا يقال إلا إذا قيل معه: رجس، فإذا أفرد قيل: نجس (بفتح النون وكسر الجيم) ونجس (بضم الجيم) ، وقال الشافعي ﵀: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر؛ لأن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة. فإن قيل: فقد ربط

стр. 4258

النبي ﷺ ثمامة في المسجد وهو مشرك. قيل له: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة: أحدها: أنه كان متقدما على نزول الآية. الثاني: أن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. الثالث: أن ذلك قضية عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها؛ لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية، وقد يمكن أن يقال: إنما ربطه في المسجد، لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد، فيستأنس بذلك ويسلم، وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان، وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها. قال الكيا الطبري: ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة، وقال الشافعي: تعتبر الحاجة. ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام. وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) وإنما رفع من بيت أم هانئ وقال قتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية، أو عبدا كافرا لمسلم، وروى إسماعيل بن إسحاق، حدثنا يحيى بن عبد

стр. 4259

الحميد قال: حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا يقرب المسجد مشرك، إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة» ، وبهذا قال جابر بن عبد الله، فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد والأمة (١) . ٤ - النقول من ابن كثير [تفسير القرآن العظيم] : قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين، الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع؛ ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليا بصحبة أبي بكر ﵄ عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: «أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٣) » فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤) إلا أن يكون عبدا، أو أحدا من أهل الذمة، وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شريك عن الأشعث - يعني: ابن سوار - عن الحسن عن جابر قال: قال النبي ﷺ : «لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم (٥) » تفرد به الإمام أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا وقال الإمام أبو

стр. 4260

عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما ورد في الصحيح «المؤمن لا ينجس (٣) » ، وأما نجاسة بدنه: فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث، عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (٤) . ٥ - قال شيخ الإسلام ﵀ في [الفتاوى] : وأما إذا كان دخله ذمي لمصلحة فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد ﵀: أحدهما: لا يجوز، وهو مذهب مالك؛ لأن ذلك هو الذي استقر عليه عمل الصحابة. والثاني: يجوز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وفي اشتراط إذن المسلم وجهان في مذهب أحمد وغيره (٥) . ٦ - قدوم وفد نجران على الرسول ﷺ . قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: «لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في

стр. 4261

مسجده فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ : " دعوهم " فاستقبلوا الشرق فصلوا صلاتهم (١) » . قال ابن القيم في [زاد المعاد] : إنه يؤخذ من هذه القصة أمور منها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين (٢) . ٧ - قال البرسوي في تفسيره المسمى بـ[تفسير روح البيان] : قال الواحدي: دلت الآية على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد المسلمين. ويمنع من دخول المساجد، فإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير وإن دخل بإذنه لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعها منهم (٣) . والآية هي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٤) وقال البرسوي: واعلم أن عمارة المساجد تعم أنواعا منها البناء وتجديد ما تهدم منها (٥) . ٨ - قال رضا في [تفسير المنار] : وقد اختلف الفقهاء في دخول غير المشركين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الإسلام: وقد لخص أقوالهم البغوي في تفسير الآية، ونقله عنه الخازن ببعض

стр. 4262

تصرف وبغير عزو، فقال: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها: الحرم، فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا؛ لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم، بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز، وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة قيل: نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل: كلها حجازي. وقال الكلبي: حد الحجاز ما بين جبلي طيئ وطريق العراق، سمي الحجاز؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد، وقيل: لأنه حجز بين نجد والسراة، وقيل: لأنه حجز بين نجد وتهامة والشام. قال الحربي: وتبوك من الحجاز، فيجوز للكافر دخول أرض الحجاز بالإذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام.

стр. 4263

روى مسلم عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلما (١) » زاد فيه رواية لغير مسلم وأوصى فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (٢) » فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن يقدم على تجارة ثلاثا. عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣) » أخرجه مالك في [الموطأ] مرسلا. وروى مسلم، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في

стр. 4264

جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم (١) » قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب: ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر، وقال غيره: حد جزيرة العرب: من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا. الثالث: سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن المسلم. وقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة في أمر النبي ﷺ بإخراج المشركين وأهل الكتاب من جزيرة العرب، وأن لا يبقى فيها دينان مع بيان حكمة ذلك في خاتمة الكلام على معاملة النبي ﷺ لليهود في السلم والحرب، وإجلائهم من جواره في المدينة، وإجلاء عمر ليهود خيبر وغيرهم ونصارى نجران، عملا بوصيته في مرض موته ﷺ (٢) . ٩ - قال ابن حزم في [المحلى] : ودخول المشركين في جميع المساجد جائز. حاشا حرم مكة كله - المسجد وغيره - فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخله اليهودي والنصراني ومنع منه سائر الأديان. وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣) الآية.

стр. 4265

قال علي: فخص الله المسجد الحرام، فلا يجوز تعديه إلى غيره بغير نص وقد كان المحرم قبل بنيان المسجد وقد زيد فيه. وقال رسول الله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١) » . فصح أن حرم مكة هو المسجد الحرام. حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الغريري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة قال: «بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه الرسول ﷺ فقال: " ما عندك يا ثمامة؟ " قال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت؟ (٢) » ذكر الحديث. وأنه ﵇ أمر بإطلاقه في اليوم الثالث، «فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي (٣) » . . . وذكر الحديث. . . فنص قول مالك. وأما قول أبي حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين وسائر الكفار فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ (٤)

стр. 4266

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) قال: والمشرك هو من جعل لله شريكا، لا من لم يجعل له شريكا. قال علي: لا صحة له غير ما ذكرنا. فأما ما تعلق في الآيتين فلا صحة له فيهما؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٢) والرمان من الفاكهة. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣) وهما من الملائكة. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ (٤) وهؤلاء من النبيين (٥) . ١٠ - قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] : قوله: «إن المسلم لا ينجس (٦) » تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، وحكاه في [البحر] عن الهادي والقاسم والناصر ومالك، فقالوا: إن الكافر نجس عين، وقووا ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٧) وأجاب عن ذلك الجمهور: بأن المراد منه: أن المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم على

стр. 4267

صحة هذا التأويل: أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلا يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليهم من غسل المسلمة ومن جملة ما استدل به القائلون بنجاسة الكافر: حديث إنزاله ﷺ وفد ثقيف المسجد وتقريره لقول الصحابة: قوم أنجاس لما رأوه أنزلهم المسجد، وقوله لأبي ثعلبة لما قال له: «يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: " إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها (١) » وسيأتي في باب آنية الكفار. وأجاب الجمهور عن حديث إنزال وفد ثقيف: بأنه حجة عليهم لا لهم؛ لأن قوله: «ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء، إنما أنجاس القوم على أنفسهم» ، بعد قول الصحابة: قوم أنجاس صريح في نفي النجاسة الحسية التي هي محل نزاع، ودليل على أن المراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار. وعن حديث أبي ثعلبة بأن الأمر بغسل الآنية ليس لتلوثها برطوباتهم، بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها، يدل على ذلك ما عند أحمد وأبي داود من حديث أبي ثعلبة أيضا بلفظ: «إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم (٢) » ؟ وسيأتي. ومن أجوبة الجمهور عن الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم، وهذا وإن كان مجازا فقرينته ما ثبت في [الصحيحين] من «أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة» ، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد، وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر، وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى، كما أخرجه أحمد وأبو داود من

стр. 4268

حديث ابن عمر، وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه إلى ذلك يهودي، وسيأتي في باب آنية الكفار، وما سلف من مباشرة الكتابيات والإجماع على جواز مباشرة المسبية قبل إسلامها، وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة، وهي آخر ما نزل، وإطعامه ﷺ وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل للآنية ولا أمر به، ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح، ولو توقوها لشاع. قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن يقول: أشتري من سمن المسلم لا من سمن الكافر؛ لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك، وقد زعم المقبلي في [المنار] : أن الاستدلال في الآية المذكورة على نجاسة الكافر وهم؛ لأنه حمل لكلام الله ورسوله على اصطلاح حادث، وبين النجس في اللغة وبين النجس في عرف المتشرعة عموم وخصوص من وجه، فالأعمال السيئة نجسة لغة لا عرفا، والخمر نجس عرفا، وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة، والعذرة نجس في العرفين فلا دليل في الآية. انتهى. ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الأفراد لا يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي في كتب اللغة: أن النجس ضد الطاهر. قال في [القاموس] : النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك، وككتف وعضد ضد الطاهر. انتهى (١) . هذا ما تيسر إيراده من النقول، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. .

стр. 4269

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٧٨) وتاريخ ٢١ \١٠ \١٤٠٠ هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من الثاني عشر من شهر شوال حسب تقويم أم القرى عام ١٤٠٠ هـ. حتى الحادي والعشرين منه - نظر المجلس في حكم دخول الكفار مساجد المسلمين والاستعانة بهم في عمارتها. . . بناء على البرقية الخطية الواردة لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من سعادة وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان لشؤون الأشغال العامة بالنيابة برقم ٥٣٣٤ / ٢ وتاريخ ٢٩ / ٦ / ١٤٠٠ هـ ونصها ما يلي: (نفيدكم أن أحد المقاولين قد تقدم إلينا لاعتماد المهندس المنفذ من قبله لأحد المساجد؛ ونظرا لأن المهندس المذكور مسيحي الديانة، فإننا نأمل موافاتنا إن كان هناك ما يمنع من الناحية الشرعية أن يقوم غير المسلمين بالاشتراك في تنفيذ مشاريع المساجد والإشراف عليها) اهـ. ولما اطلع المجلس على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع، واستمع إلى كلام أهل العلم فيه - رأى بالإجماع أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد حيث يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، وأن لا يستقدموا لهذا الغرض أو غيره؛ تنفيذا لوصية الرسول ﷺ في أن لا يجتمع في الجزيرة دينان، وعملا بما يحفظ لهذه البلاد

стр. 4270

دينها وأمنها واستقرارها، وإبعادا لها عن الخطر الذي أصاب البلدان المجاورة بسبب إقامة الكفار فيها، وتوليهم لكثير من أمورها؛ ولأن الكفار لا يؤمنون من الغش عند تصميم مخططات المساجد أو تنفيذها- فقد يصمموها على هيئة قريبة أو مشابهة لهيئة الكنائس، كما حدث من بعضهم، وقد يغشون كذلك في التنفيذ والبناء؛ لأنهم أعداء لهذا الدين، ولمن يدين به من المسلمين. ويوصي المجلس بأن ينبه على الجهات الحكومية في وزارة الأشغال ووزارة الحج والأوقاف وغيرها ممن يتولى عمارة المساجد والإشراف عليها - أن تلاحظ ذلك بدقة وعناية، وأن تشترط في كل العقود التي تبرمها لإقامة المساجد مع المقاولين: أن لا يستعينوا في التصميم أو التنفيذ بأحد من غير المسلمين. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة . ... . ... عبد الرزاق عفيفي عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... محمد بن علي الحركان راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان

стр. 4271

(١١) حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 4272

حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه وبعد: فبناء على محضر مجلس هيئة كبار العلماء رقم (١٠) المتخذ في الدورة الخامس الاستثنائية المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع أول عام ١٤٠١ هـ المتضمن طلب جمع ما تيسر من أقوال العلماء في حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر. أعدت اللجنة الدائمة بحثا مختصرا في الموضوع شمل نقولا عن بعض العلماء. وفيما يلي تلك النقول. . . والله المستعان:

стр. 4273

١ - قال البخاري ﵀ في [صحيحه] : (باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر) ١٠٨٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (١) » (الحديث ١٠٨٠- طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩) .

стр. 4274

١٠٨١ - حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسا يقول: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا (١) » . (الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧) وقال ابن حجر ﵀ في شرح ذلك (٢) : (باب ما جاء في التقصير) تقول: قصرت الصلاة بفتحتين مخففا قصرا، وقصرتها بالتشديد تقصيرا، وأقصرتها إقصارا والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وقال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية، قوله: (وكم يقيم حتى يقصر) في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، قاله الكرماني وأجاب بأن عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها ومنع الزيادة عليها، وأجاب غيره بأن المعنى: وكم إقامته المغياة بالقصر؟ وحاصله كم يقيم مقصرا؟ وقيل: المراد كم يقصر حتى يقيم؟ أي: (حتى) يسمى مقيما فانقلب اللفظ، أو حتى هنا بمعنى حين، أي: كم يقيم حين يقصر؟ وقيل: فاعل يقيم هو المسافر،

стр. 4275

والمراد إقامته في بلد ما غايتها التي إذا حصلت يقصر. قوله: (عن عاصم) هو ابن سليمان، وحصين بالضم هو ابن عبد الرحمن. قوله: (تسعة عشر) أي: يوما بليلته، زاد في [المغازي] من وجه آخر عن عاصم وحده (بمكة) ، وكذا رواه ابن المنذر عن طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة، وأخرجه أبو داود من هذا الوجه بلفظ (سبعة عشر) بتقديم السين، وكذا أخرجه من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال: وقال عباد بن منصور عن عكرمة (تسع عشرة) كذا ذكرها معلقة وقد وصلها البيهقي. ولأبي داود أيضا من حديث (عمران بن حصين) «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، (١) » وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس «أقام رسول الله صلى الله ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يقصر الصلاة، (٢) » وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة عد يومي الدخول الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة عد أحدهما. وأما رواية (خمسة عشر) فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمسة عشر؛ لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا. وأخذ
следующие страницы →