← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21761

جامع خطب عرفة لعبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (196 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا تخاف الخوف الحقيقي إلا من الله، فالله معبودك تألهه قلبك حبا وخوفا ورجاء. إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله تحتم على العبد إخلاص الدين لله، والبراءة من كل معبود سوى الله، بأن يعتقد اعتقادا جازما أن العبادة حق لله لا حق لمخلوق كائنا من كان في شيء منها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١) ، شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وإثبات العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له. [خلق الله الجن والإنس لتحقيق شهادة: أن لا إله إلا الله] أمة الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله هي الكلمة التي لأجل تحقيقها والقيام بها خلق الله الثقلين الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، فما خلق الثقلان إلا ليعمروا الأرض بطاعة الله، ويقيموا عليها دين الله. [كلمة التوحيد هي مرتكز دعوة جميع الرسل ﵈] أمة الإسلام، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله مفتاح دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما بعث الله رسولا من رسله إلا ابتدأ قومه بدعوتهم إلى تحقيق لا إله إلا الله، إلى العمل بمقتضى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، هكذا ابتدأ الرسل دعوتهم إلى قومهم من نوح ﵇ إلى آخرهم وسيدهم وأكملهم محمد ﷺ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣) ، وهكذا قال هود لقومه، وصالح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسائر أنبياء الله، ابتدءوا دعوتهم بالدعوة إلى التوحيد الخالص، إلى إخلاص الدين لله

стр. 72

وترك عبادة غير الله كائنا من كان، بين الله ذلك في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ، وأخبر تعالى أن الحكمة من إرسال الرسل دعوة الخلق إلى عبادة الله وتحذيرهم من عبادة ما سواه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) . أمة الإسلام، إن هذه الكلمة العظيمة لا يكفي أن ننطق بها باللسان، بل لا بد أن نعمل بمقتضاها وما دلت عليه علما وعملا، صدقا وإخلاصا ويقينا، فإنها كلمة عظيمة، من لقي الله بها مخلصا من قلبه دخل الجنة، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، ولكن لا بد من اعتقاد ما دلت عليه من نفي كل معبود سوى الله، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له. [بعض الأعمال المناقضة لمقتضى (لا إله إلا الله) ] أمة الإسلام، كم من أناس يقولون: لا إله إلا الله. ولكن يأتون بما يضادها ويهدم أساسها، ويقضي على ما دلت عليه، يقولون: لا إله إلا الله. وترى منهم تعظيما لغير الله، عبادة لغير الله، صلاة لضرائح الأموات، تقريب القربان لهم، وفي الشدائد يهتفون بأسمائهم ويدعونهم من دون الله، يستغيثون بهم من دون الله، يسألون الأموات والغائبين تفريج الكربات وإزالة الهموم ورفع البلاء، وكل ذلك مناقض لمقتضى لا إله إلا الله، فإن هذه الكلمة قائلها إخلاص الدين الله. [أول ما بدأ به النبي ﷺ بالدعوة إلى الله (لا إله إلا الله) ] ولما بعث الله عبده ورسوله محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين، ابتدأ بالدعوة إلى لا إله إلا الله، فطالب قومه العرب أن ينطقوا بها ويعملوا بمقتضاها وما دلت عليه، فلما علم القوم أن هذه الكلمة تفرض عليهم خلع كل معبود سوى الله،

стр. 73

وتلزمهم إخلاص الدين لله والبراءة من كل معبود سوى الله، أبوا أن يتكلموا بها، أبوا أن ينطقوا بها وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) ، وقال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) ، فما زال ﷺ يدعو قومه للا إله إلا الله، ويقيم الحجج والبراهين على صحة التوحيد ووجوب إفراد الله بالعبادة، ويدحض شبه المشركين القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) . مكث بمكة بضع عشرة سنة مهمته الأساسية الدعوة إلى توحيد العبادة، إلى إخلاص الدين لله، إلى إزالة الشرك، إلى تثبيت العقيدة في قلوب العباد؛ لأن التوحيد هو الأساس، والأعمال كلها تابعة ومتممة له، إنما الأساس تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، إيمانا بالله، وإفرادا لله بكل أنواع العبادة، وبراءة تامة من كل معبود سوى الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٥) ، لا بد من التوحيد، من البراءة من كل معبود سوى الله، واعتقاد أن من عبد غير الله فإنه ضال ضلالا مبينا، مهما كان قصده، ومهما كانت نيته. [معنى شهادة أن محمدا رسول الله] أمة الإسلام، وثاني الشهادتين اللتين هما أصل الدين وقاعدته: شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، ومعناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. ومن تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله الإيمان برسالته صلى الله عليه

стр. 74

وسلم، والإيمان بأنه عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، أرسله إلى الناس جميعا برسالة شاملة تامة، افترض على العباد طاعته، نسخ بشريعته كل الشرائع، وألزم الخلق كلهم طاعته ومحبته والإيمان به، فإن أصل محبته أصل الإيمان وكمالها كمال الإيمان. [الخصال التي تتحقق بها شهادة أن محمدا رسول الله] تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: أن تؤمن بأن هذا الرسول الكريم هو واسطة بين الله وبين عباده في تبليغ شرعه ودينه، وأنه لا طريق لنا إلى معرفة دين الله والوصول إلى رضا الله إلا من طريق هذا النبي الكريم ﷺ تسليما كثيرا، يحبه المؤمن محبة فوق محبة المال والأهل والولد والنفس والناس أجمعين، يقول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (١) » «قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ مرة وهو آخذ بيده: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر (٢) » طاعته ﷺ من طاعة الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ، فتطيع أمره وتجتنب نهيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) ، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٦)

стр. 75

وعليك مع ذلك تصديق خبره ﷺ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) . [من مقتضيات الإيمان تعظيم رسول الله ﷺ وموالاته والسير على نهجه] أمة الإسلام، إن المؤمن حقا هو من كان في قلبه تعظيم لرسول الله ﷺ ، وفي قلبه حب لرسول الله ﷺ ، وفي قلبه موالاة لرسول الله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ، يجد نفسه حريصا على اتباع هذا النبي الكريم واقتفاء أثره والسير على نهجه، يصلي كما صلى رسول الله ﷺ ، يحج كما حج رسول الله ﷺ ، يسير في منهج حياته على وفق الهدي النبوي الكريم، هكذا حال المحبين له الذين سيردون حوضه إن شاء الله، وسيحشرون في زمرته، وسيدخلون الجنة معه بفضل الله وكرمه، فعظموا سنة رسول الله وأحبوا رسول الله محبة من أعماق القلوب، قدموا سنته على قول كل أحد كائنا من كان، يقول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٣) » [جعل بعض الجهال محبة الرسول ﷺ وسيلة للغلو فيه] أمة الإسلام، إن البعض من الجهال حرفوا وغيروا هذه المحبة الشرعية وعدلوا بها عن حقيقتها، واتخذوا من محبة رسول الله ﷺ وسيلة للغلو فيه وإطرائه وتعظيمه فوق تعظيم الله ، فأولئك قد حرفوا الكلم عن

стр. 76

مواضعه، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فحبنا لرسول الله ﷺ لا يقتضي أن نصرف له شيئا من أنواع العبادة، فالعبادة بكل أنواعها حق لله ، وقد أمره الله أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (١) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ (٣) ، فهو إنما بعث ليدعو العباد إلى عبادة الله، ما بعث ليعظم من دون الله، ولا ليستغاث به من دون الله، ولا ليستنصر به من دون الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٤) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥) ، وهو ﷺ من أعظم الناس بعدا عن الشرك، حذرنا أن نغلو فيه فقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٦) » وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله (٧) » [حذر النبي ﷺ أمته قبل أن يموت عن الغلو فيه] ولما علم ﷺ أن سبب ضلال الضالين قبلهم من الأمم غلوهم في أنبيائهم حذر أمته من ذلك، فقال ﷺ قبل أن يموت بثلاث: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (٨) » بل في سياق الموت وهو يعاني سكرات الموت وأهواله وكربه لم يمنعه من ذلك من أن ينصح أمته

стр. 77

ويحذرهم من أسباب الشرك، قالت عائشة ﵂: «لما نزل برسول الله – أي نزل به الموت – جعل يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها وقال: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا (١) » ولولا ذلك لأبرز الصحابة قبره، غير أنهم خشوا أن يتخذ مسجدا، يقول ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢) » فإذا كان هذا في حقه ﷺ فكيف هو حال من دونه ممن يغلى فيه ويعظم من دون الله، ويستغاث به من دون الله، ويطاف بضريحه من دون الله، وتقرب القرابين له من دون الله؟! تعالى الله عما يقوله الكافرون والظالمون علوا كبيرا. [على العلماء أن يدعوا إلى الله على علم وبصيرة، والدعوة إلى العقيدة الصحيحة ومحاربة كل ما ينافيها ويناقضها ويكدر صفوها] علماء الإسلام، إن الله ائتمنكم على ما حملكم من العلم، فأدوا أمانة العلم، ادعوا إلى الله على علم وبصيرة، بصروا المسلمين في دين الله، حذروهم مما شاب عقيدتهم الصحيحة من البدع والجهالات، أروهم الحق حقا والباطل باطلا، ادعوا إلى الله على علم وبصيرة بحكمة وموعظة حسنة، أوضحوا دين الله لتكونوا من القائمين بالعلم حق القيام، أوضحوا وأرشدوا وبينوا، والله ﷻ يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣) ، أدوا أمانة العلم التي حملكم الله إياها، وإن لم تفعلوا فاحذروا سخط الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٤) ،

стр. 78

فكونوا علماء حق ودعاة خير وهدى. دعاة الإسلام، دعاة الإصلاح، إن كل داع إلى الله لا بد أن يسير في دعوته على الطريق الذي سار عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵁، ومن سلك طريقهم واتبع أثرهم، فهو الطريق الصحيح والمنهج القويم الذي يحقق للداعي إلى الله قبولا وثباتا بتوفيق الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ، هكذا يكون الداعي المخلص، هكذا يكون الداعي الصادق، وكم من دعوات تدعو إلى الإسلام وينادي أهلها بأنهم دعاة الإسلام وهم بعيدون عن منهج محمد ﷺ ، لا يهتمون بشأن التوحيد ولا يهتمون بالعقيدة، بل لهم نظم وأمور أخرى الله أعلم بحالها، تسموا بالإسلام وتستروا به، والله يعلم ما وراء ذلك، إن هم إلا كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) ، فالداعي المخلص هو الذي دعا إلى التوحيد الذي دعا إليه محمد ﷺ ، تلكم هي الدعوة الباقية والدعوة الصالحة المعتمدة على المنهج السليم. [خيرية هذه الأمة، وإنها لا تجتمع على خطأ] أمة الإسلام، أمة القرآن، أمة محمد ﷺ ، أنتم الأمة المرحومة، أنتم الأمة المعصومة، أنتم خير الأمم وأحبها إلى الله، أنتم خير أمة أخرجت للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٣) ، جمع الله لكم الخير من أطرافه، فبعث الله فيكم سيد ولد آدم، أفضل أنبيائه وأشرفهم على الإطلاق، وأنزل عليه خير كتبه مهيمنا على ما سبق، واختار الله لكم أكمل الدين وأتمه

стр. 79

ورضي لكم الإسلام دينا، ضمن لكم العصمة على أن لا تجتمعوا على خطأ، جعل دينكم باقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. أيها المسلمون، إن أعداءكم يحسدونكم على هذا الشرف العظيم، ويريدون أن يجعلوكم تابعين لهم بعدما كانوا تابعين لكم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) ، يريدون أن يشككوكم في إسلامكم، يشككوكم في دينكم، يضعفوا ثقتكم بهذا الدين، حتى يسوء ظنكم بإسلامكم فتفتقدوا قيمتكم ومكانتكم ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢) ، فإن تمسكتم بهذا الدين كانت لكم الكلمة العليا، وكنتم خير أمة أخرجت للناس. [الإشارة إلى محاسن الدين الإسلامي وإن فيه سعادة الدنيا والآخرة] أمة الإسلام، إن أعداءكم يزعمون أن تخلفكم إنما هو نتيجة تمسككم بهذا الدين ويأبى الله، فهذا الدين دين القوة والعزة، دين الرقي والتقدم، دين يوازن بين الحياة الدنيا والآخرة، دين يدعو أتباعه إلى الجد والنشاط، وإلى العمل الدائم، يدعوهم إلى استغلال الخيرات، إلى عمارة الأرض بطاعة الله، إلى أن يستعملوا نعم الله فيما يقربهم إلى الله ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣) ، دين فيه سعادة الدنيا والآخرة، فإن أي تخلف، وإن أي بلاء في الأمة الإسلامية إنما سببه البعد عن هذا الدين، إنما سببه التخلف عن تعاليم الشريعة، يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤) ،

стр. 80

فتمسكوا بهذا الدين واعملوا به تفلحوا. أمة الإسلام، احذروا مكائد أعدائكم الذين يحاولون تفريق صفوفكم وتشتيت شملكم، يحاولون أن يجعلوا بعضكم عدوا لبعض، يصنعون أسلحة الدمار والخراب ليقتل به بعضكم بعضا. فيا أمة الإسلام، عودوا إلى الإسلام، عودوا إلى تعاليمه وقيمه، عودوا إلى مبادئه السامية، لنكون خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله لنا ذلك، ولنكون أخوة متحابين متراحمين مترابطين كما وصفنا الله بذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) . [على الأمة المسلمة أن تحذر من مكائد أعدائها الذين يحاولون تفريق صفوفها] أمة الإسلام، إن أمن الأمة الإسلامية مسئولية ملقاة على عاتق المسلمين جميعا، إذ المسلمون كالجسد الواحد يتألم الكل بتألم البعض منهم، يقول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٢) » فالأمة الإسلامية جزء لا يتجزأ، أفيرضى منتسب للإسلام ومتسم به أن يكون نصير إجرام أو إرهاب؟ أفيسمح لنفسه أن يكون منطلق الإجرام والإضرار بالمسلمين؟! كلا لا يرضى بذلك مسلم، بل المسلم يهمه استقامة إخوانه المسلمين، يهمه استقرارهم وأمنهم وطمأنينتهم، ولا يرضى أن يكون جسرا يعبر عليه أعداء الإسلام، ليفرقوا شمل الأمة ويضربوا بعضها ببعض، فالمسلم عين ساهرة على مصالح المسلمين في شرق الأرض أو غربها، هكذا يريد الإسلام منا، فلنكن كذلك.

стр. 81

[الحج مظهر وحدة المسلمين وقوة دين الإسلام وعظمته] حجاج بيت الله الحرام، اليوم وقد انتظم شملكم في هذا المكان المبارك أتيتم من أماكن شتى، من أقطار الدنيا استجابة لأمر الله وتلبية لنداء الخليل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢) ، تلكم المنافع التي تعود على القلوب بالصلاح والاستقامة، خرج المسلم من بلده، فارق أهله ووطنه وماله طاعة لربه، ارتدى لباس الإحرام طاعة لربه، وقد طاف بالبيت وبالصفا والمروة ووقف في تلكم المشاعر كلها طاعة لله وتنفيذا لأمر الله، فيعود ذلك على إيمانه بالقوة والثبات، إنه يرى عظمة الإسلام، فهذه الأمة المجتمعة متباينة أقطارهم، مختلفة ألوانهم وأجناسهم، جمعتهم قوة الإيمان ووحدتهم رابطة الإسلام، إن المسلم وهو يرى هذا الإسلام ويرى تمسك المسلمين به، ليتذكر أيضا قضية أخرى، وهو أن هذا الدين قد تكفل الله بنصره، لم يكل نصره للرجال، فكل جيل يخلف من قبله، فلو كان أمره للرجال لا نقضي بانقضائهم، ولكن الله تكفل به ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) . [على الحجاج أن يشكروا الله على أن وفقهم للوصول إلى هذا البلد الأمين] حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته أن وفقكم للوصول إلى هذا البلد الأمين، وجدتم هذا البلد آمنا مطمئنا يعيش في رغد من العيش، في أمن واستقرار وطمأنينة، يعيش متكاتفا متحابا متعاونا بين الشعب، والقيادة أعظم تعاون وترابط، كل ذلك بفضل الإسلام وبفضل تحكيم هذه الشريعة وإقامة حدود الله وتنفيذ شرع الله، فتلك آثار هذه العقيدة الصحيحة، نسأل الله لنا ولهم الثبات على الحق، والاستقامة على الهدى.

стр. 82

أمة الإسلام، إن من يعيد النظر في تاريخ الأمة الإسلامية يرى أن المسلمين بعد القرون الأولى يعانون أشد المتاعب والمشاق للوصول إلى بيت الله الحرام، يعانون المشاق والمتاعب ما بين قطاع طرق، وما بين قلة في الماء والطعام وغير ذلك، ولكن الله بفضله وكرمه من في هذه العصور الأخيرة بهذه الحكومة الرشيدة التي نذر رجالها أنفسهم خدمة للإسلام والمسلمين، ورأوا أن خدمة الحجيج عملا صالحا يتقربون به إلى الله، بذلوا كل جهدهم في سبيل راحة الحاج، يأتي الحاج من بلده لا سلاح يصطحبه ولا طعام يحمله، إنما يرى الأمن والرغد، كل ذلك بفضل الله ورحمته، فنسأل الله لهم التوفيق والإعانة، وأن يجازيهم عما فعلوا بالمسلمين خيرا. إن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم: «هل رأيت الحيرة "؟ قال: قلت: لم أرها، وقد أنبأت عنها. قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحد إلا الله (١) » لقد تحقق ذلك في القرون الأولى وفي هذا الزمن – ولله الفضل والمنة –، فهذا البلد الحرام فيه أمن واستقرار وطمأنينة، نسأل الله أن يوفق قادة هذه البلاد لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلهم أئمة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته ويخذل بهم أعداءه. [الحج فريضة العمر، من أداها فقد أدى الواجب] حجاج بيت الله الحرام، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام، وجعلها فريضة العمر، من أداها في عمره مرة فقد أدى الواجب ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) .

стр. 83

[بيان صفة حجة النبي ﷺ ] حج نبيكم ﷺ حجة واحدة في عمره هي حجة الوداع، حجها في العام العاشر من الهجرة، وصار المسلمين معه ينظرون إلى أقواله وأعماله، يقتفون أثره ويسرون على منهاجه، وهو يقول لهم عقب كل قول يقوله أو عمل يفعله: «خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا (١) » وقف بعرفة وقال: «كل عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عرنة (٢) » وأخبر أن «الحج عرفة (٣) » وصلى في هذا المكان الظهر والعصر جمعا وقصرا، كما سنفعله إن شاء الله، وذلك ليتفرغ الحاج للذكر والابتهال والاستغفار، خطبهم قبل ذلك خطبة بين لهم فيها حرمة الدماء والأموال وحرمة الربا، وألغى مسائل الجاهلية، واستشهدهم على أنه قد بلغهم فقال لهم: «ألا هل بلغت؟ " (٥) » والمسلم يشهد حقا أنه قد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده. «وقف نبيكم بعرفة إلى أن غربت الشمس، وحذرهم من الانصراف من عرفة حتى تغرب الشمس قائلا لهم: " هدينا مخالف لهديهم (٦) » انصرف بعد ذلك لمزدلفة بسكينة ووقار، وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، وبات بها وأذن للضعفة في الانصراف عن مزدلفة بعد نصف الليل، صلى بمزدلفة الفجر ثم أفاض إلى منى فرمى الجمرة ونحر هديه وحلق رأسه، ثم طاف بالبيت صلوات الله وسلامه عليه. فكن أيها الحاج مقتفيا أثر نبيك، قف بعرفة إلى الغروب ولا تنخدع بمن

стр. 84

يقول: ادفع قبل الغروب، بت بمزدلفة إلى أن يمضي معظم الليل، وإن شئت أكمل فصلي بها الفجر، ارمي الجمرة بعد نصف الليل، وإن أردت الكمال فبعد طلوع الشمس، انحر هديك إن كنت متمتعا أو قارنا، واحلق رأسك ثم طف بالبيت، واسع بين الصفا والمروة، وإن قدمت شيئا على شيء فلا حرج عليك، لو قدمت الحلق قبل الرمي، أو النحر قبل الرمي، أو الطواف قبل الرمي، فلا حرج عليك؛ تيسير وتسهيل من الله، بت أيها الحاج بمنى ليالي التشريق، وارمي الجمار في اليوم الحادي عشر الأولى والوسطى والعقبة بعد زوال الشمس، وكذلك في اليوم الثاني عشر، ثم ودع البيت وانصرف مقبولا منك أعمالك بتوفيق الله. [فضل يوم عرفة] أيها المسلمون، هذا يوم عظيم من أيام الله، هذا يوم عرفة من أفضل أيام الله وأشرفها وأجلها، يوم المباهاة، «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (١) » إن الله يباهي عشية عرفة بأهل عرفة ملائكة السماء يقول: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٢) » "، «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام (٣) » فارفعوا إلى ربكم أكف الضراعة، ادعوه مخلصين له الدين الجئوا إلى الله في محو ذنوبكم وخطاياكم سلوه الثبات على الإسلام سلوه أن يتقبل حجكم.

стр. 85

[على المسلمين المحافظة على إسلامهم بأداء أركانه وسائر أحكامه] أمة الإسلام، حافظوا على إسلامكم إن البعض من المسلمين يتصور أنه إذا حج فقد سقط عنه واجبات الإسلام، وكل ذلك من الجهل والغلط، فيا أيها المسلم حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، إياك والتهاون بها؛ فإن تركها كفر ناقل عن ملة الإسلام، أد زكاة مالك، حافظ على شرائع دينك، كن أمينا في معاملاتك. [توصية شباب الإسلام بتقوى الله والمحافظة على تعاليم دينهم] يا شباب الإسلام، اتقوا الله في أنفسكم وحافظوا على دينكم، وكونا شبابا صالحا، مثلوا الإسلام في أقوالكم وأعمالكم، أظهروا آداب الإسلام وفضائله، بينوا محاسنه ليقتدي بكم غيركم، واحذروا أن تكونوا فتنة لأعداء الإسلام إذا رأوا منكم انحرافا عن الصراط المستقيم، أساءوا الظن بهذا الدين وأهله، فكونوا دعاة خير ودعاة صلاح، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به، واسألوا الله الثبات عليه. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن توفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم اغفر لأموات المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم المبارك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك، يا سميع

стр. 86

الدعاء، يا حي يا قيوم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين، اللهم أمنا في أوطاننا، اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده لما تحبه وترضاه، اللهم خذ بناصيته لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 87

خطبة عام ١٤٠٦ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: [الوصية بتقوى الله ] أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير وصية أوصى الله بها الأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) . أمة الإسلام، إن سبب التقوى ما يكون بقلب العبد من تعظيم الله محبة وخوفا ورجاء، فكلما عظم تعظيم الرب في قلب العبد دعاه ذلك إلى تقواه، إلى امتثال أمره واجتناب نهيه، كلما أيقن العبد بكمال علم الله واطلاعه عليه وأن الله يعلم سره ونجواه لا يخفى عليه من أمره شيئا، كان ذلك سببا لتقواه ومراقبته في السر والعلن. [الآثار الحسنة لتقوى الله ] أيها المسلمون، إن لتقوى الله آثارا حسنة على العبد في حياته وأخراه، فمن أعظم آثار التقوى أن يجعل الله في قلب المتقي نورا يهتدي به في ظلمات الجهل والضلال، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ،

стр. 88

فالمتقي لله يجعل الله في قلبه نورا يفرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، فلا يلتبس عليه الأمر. ومن آثار التقوى أن الله يجعل للمتقي من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) . وبالتقوى تكفر السيئات وتعظم الأجور، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣) . بالتقوى ينال المتقي ولاية الله، فولاية الله لا تنال بالأماني، يقول النبي ﷺ : «إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل (٤) » فلا ينال ولاية الله إلا من اتقاه وخافه ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦) ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٧) . إن التقوى صلة قوية تربط بين المتقين، صلة لا انفصام لعراها ولا تصدع لبناها، وكل علاقة أو صلة أقيمت على غير تقوى الله فلا بد لها من الزوال، أما علاقة التقوى فهي علاقة باقية دائمة أبد الآباد ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٨) بالتقوى يا عباد الله ينجو العبد من النار بعد الورود ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٩) ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (١٠) ، فاتقوا

стр. 89

ربكم يا عباد الله وراقبوا ربكم في سركم وعلانيتكم، وفي كل أحوالكم لعلكم تفلحون. [من كمال حكمة الله تعالى أن جعل صراعا بين الحق والباطل والنصر في هذا الصراع يكون للحق وأهله] أمة الإسلام، إن الله من كمال حكمته وعدله أقام في هذه الدنيا الصراع بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين أوليائه وأعدائه، حكمته عظيمة ليبتلي العباد، فيظهر إيمان المؤمن من كذب الكاذب ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) ، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) ، وما بعث الله من نبي إلا جعل له أعداء يصدون الناس عن طريقه ويبسطون الناس عن الانقياد للحق الذي جاء به، قال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٤) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (٥) ، فأنبياء الله منذ بعث الله أول نبي في الأرض قد جعل الله لهم أعداء، لا لهوانهم عليه، ولكن ليزيد في رفعتهم ومكانتهم، وابتلاء لأتباعهم وامتحانا لإيمانهم، فأعداء الرسل قابلوا دعوتهم بالتكذيب والإنكار، ولكن الرسل مضوا في دعوتهم وبلغوا رسالات الله، والحق لا بد أن يعلو، والباطل لا بد أن يضمحل أمام الحق ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (٦) ، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٧) .

стр. 90

[نال محمد ﷺ كثيرا من أنواع الأذى في سبيل تبليغ رسالته، ولكنه صبر وصدع بدعوته وبلغ رسالة ربه] . ومحمد ﷺ سيد الأولين والآخرين، خاتم أنبياء الله ورسله، ناله من العداوة والأذى ما ناله، فصدع بدعوته وبلغ رسالة ربه، وأعلن دعوته صريحة آناء الليل وأطراف النهار، دعا إلى الله سرا وجهارا، بدأ بقومه العرب فدعاهم إلى إخلاص الدين وترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله، دعاهم إلى أن يخلصوا لله عبادتهم كلها، إلى أن يخلصوا دعاءهم ونذرهم وذبحهم وخوفهم ورجاءهم ورغبتهم، وكمال محبتهم لربهم، فقابله أعداؤه وقاموا في وجه دعوته وآذوه، وألحقوا الأذى به وبمن تبعه من أصحابه، والله يأمره بالصبر والتحمل، ويقص عليه خبر الأنبياء قبله ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١) ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ (٢) فمضى في دعوته صابرا متحسبا متحملا كل الأذى في ذات الله، حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة لما أسلم الأوس والخزرج هاجر إليها، وأقام هناك دولة الإسلام الأولى، وفي مقامه في المدينة كملت شرائع الإسلام وفرائضه، حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة، فاختاره الله إلى جواره، صلوات الله وسلامه عليه. [العداء لدين الإسلام قديم وجد منذ أن بعث الله نبيه محمدا ﷺ ] أمة الإسلام، إن العداء لهذا الدين القويم ليس وليد اليوم، ولكنه قديم منذ بعث الله محمدا ﷺ ، فلقد قام أعداؤه ضد دعوته، ولكن الله أظهره عليهم وأيده عليهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) . [اليهود أشد الناس عداوة للرسول ﷺ ورسالته] أعظم أعدائه ﷺ اليهود، فهم أشد الناس عداوة له

стр. 91

ولرسالته ودعوته، لما اختاره الله من ولد إسماعيل غاظهم ذلك وحسدوه وجحدوا حقيقة ما جاء به، أنكروا رسالته مع علمهم بصدقه وأمانته، لكنهم جحدوا ذلك حسدا وعدوانا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ، أيدوا أعداءه، وحزبوا الأحزاب ضد دعوته، وما زال الله يؤيده ويظهره عليهم حتى اقتلع جذورهم من جزيرة العرب بفضل الله وكرمه، ولم تزل عداوة اليهود لهذا الدين وأتباعه إلى قيام الساعة. [بيان خطر اليهود على الإسلام والمسلمين، وأنهم وراء كل فتنة وإجرام وفساد] إن كل بلاء بالأمة من فتنة في الدين والدنيا فاليهود من ورائه، فهم أنصار الفساد وأعوان الإجرام ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) ، أنهم أعداء وحدتكم، وأعداء أخوتكم، وأعداء اجتماعكم، أنهم يحاولون تفريق شملكم، وتشتيت كلمتكم، وتفريق صفكم، وجعلكم أحزابا وشيعة، حتى تكون لهم الهيمنة عليكم، فاحذروا كيدهم يا عباد الله، واحذروا مكرهم وخداعهم وخيانتهم، خذوا حذركم من أعدائكم ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٣) الآية. أمة الإسلام، إن حبرا من أحبار اليهود مر بالأوس والخزرج في عهد رسول الله ﷺ ، فرأى ما بينهم من ألفة وأخوة ومحبة، فأمر رجلا من قومهم أن يحضر مجالسهم ويذكرهم ما كانوا عليه قبل الإسلام من تلكم الحروب الطاحنة التي مزقت هذا الحي، فما زال ذلك اليهودي يلقي إليهم ما قيل في حرب بعاث، ويحاول تفريق كلمتهم، حتى كادوا أن يقتتلوا، فجاء رسول الهدى ﷺ

стр. 92

وذكرهم الله والإسلام حتى عادوا إلى رشدهم، وعلموا أن تلك مكيدة من أعداء الله اليهود، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١) ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) . [من أعداء الإسلام دعاة التنصير وعباد الصليب] وإن من أعداء دينكم يا عباد الله دعاة التنصير الذين حاولوا جهدهم أن يسلخوا المسلمين من دينهم ويحولوهم إلى عباد صلبان، فلما عجزوا عن ذلك قادوا الحملات العسكرية ليحققوا هدفهم، فما زاد المسلمين إلا قوة وثباتا على إسلامهم، فحاولوا بوسائل المكر والخداع أن يبعدوا المسلمين عن عقيدتهم ويلقوا إليهم الشبه والشكوك، ليبعدوهم عن دينهم ويقطعوا صلتهم بإسلامهم، حاولوا أن يربوا بعض المسلمين على الأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة؛ حتى يبعدوهم عن إسلامهم باسم المدنية، وباسم الرقي والتقدم، لعلمهم أن الأمة ما دامت متمسكة بقيمها وفضائلها وأخلاقها فلن تستطيع أي قوة أن تعلو عليها ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٣) ، فخذوا حذركم من عدوكم. [بيان خطر المنافقين على الإسلام وأنهم أخطر من اليهود والنصارى] أمة الإسلام، إن المسلم يعرف عدوه من يهودي ونصراني قد استبان شره وضرره، ولكن هناك عدو أعظم من ذلك، هناك من تسمى بالإسلام وهو منافق يريد هدم الإسلام والقضاء عليه، ينتسب إلى الإسلام لأجل أن يقضي على الإسلام ومبادئه السامية، إنهم المنافقون الذين حذرنا الله منهم، وأخبر أنهم

стр. 93

يصورون فسادهم وضلالهم في قالب الإصلاح ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (١) ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ، إنهم قوم من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، يهتدون بغير هدينا، دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم وأصغى لقولهم ألقوه فيها، فكونوا على حذر من هذا الصنف يا عباد الله. إن من أولئك المنافقين فئة حاربوا الإسلام بأقلامهم وأعمالهم، تعرف نفاقهم في تفوههم بما يتفوهون به من كفر وضلال ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٣) . [بيان ما في أحكام الشريعة الإسلامية من العدل والإنصاف، وأنها وحدها كفيلة بتحقيق الأمن في المجتمع] إن من أولئك المنافقين قوما يدعون إلى عزل الشرع عن نظم الحياة، إلى تعطيل أحكام الله ورسوله، إلى الاستعاضة عن أحكام الله العادلة المنصفة بقوانين ظالمة فاجرة كافرة، يزعمون جهلا وزورا عجز الإسلام وقصوره، وأن الإسلام لا يستطيع أن يواكب الحياة، وأن القرن العشرين قرن الرقي والتقدم يجب أن يحكم بقوانين غير إسلامية، وأن الإسلام قد انتهى دوره في الحياة، ذلك من أعداء الإسلام، كل تلك الأباطيل من المنافقين الضالين. إن أحكام الإسلام هي الأحكام العادلة، الأحكام المنصفة، الأحكام التي تحقق لمن طبقها الأمن والاستقرار والطمأنينة، الأحكام التي تجعل المجتمع مجتمعا متماسكا متراحما، أما القوانين الوضعية فلن تستطيع حل مشاكل العصر، هي عاجزة قاصرة، واضعوها لا تستقل عقولهم بإدراك الحقائق على ما هي عليه، أما قوانين الشرع فهي صادرة من حكيم خبير ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤) .

стр. 94

والقوانين الوضعية مهما نمقها أهلها وحسنوها ودعوا إليها فإنها قوانين متناقضة، قوانين ضالة تحمي الإجرام والمجرمين، وتنشر البلاء والفوضى بين المجتمع، قوانين تبيح الفساد كله، قوانين تعطي الإنسان الحرية يفعل ما يشاء بدون حدود ولا قيود، أما نظم الله وأحكامه العادلة ففيها الإنصاف والعدل والخير، ولقد كفر الله من حكم بغير شرعه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٢) . “ من أعداء الإسلام من يريد إعادة المسلمين إلى ما كانت عليه الجاهلية قبل الإسلام من أعمال شركية وعبادة غير الله “ أمة الإسلام، ومن أعداء الإسلام أناس يدعون إلى إعادة الأمة إلى الجاهلية الجهلاء، إلى الضلال والعمى الذي كان قبل الإسلام، يريدون أن يعيدوا الأمة إلى الوثنية التي حطمها الله بمبعث محمد ﷺ ، يحيون البدع التي تناقض شرع الله، يحاولون أن يعظموا الأموات والضرائح ويذبحون من دون الله، يشجعون من يناديها ويهتف باسمها من دون الله ويصرف لها خالص حق الله، إذا ذكرت لأولئك توحيد الله وإخلاص الدين لله، اشمأزت قلوبهم وقالوا: تنقصت الصالحين والأولياء وحططت من قدر الأنبياء والمرسلين، يريدون بذلك أن يعيدوا الأمة إلى أن تعبد ضرائح الأموات، وتبني على القبور، وتشجع الطائفين بها واللاجئين لها من دون الله، والذابحين والناذرين لها، والمستغيثين بها من دون الله، وكل تلك عداوة للإسلام، فإن العقيدة

стр. 95

الصحيحة ما بعث الله به محمدا ﷺ ، فكل من أراد أن يطمسها أو يعاديها فليعلم أن له نصيبا من قوله ﷻ : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١) ، فهم يستبشرون بدعاء الأموات، يستبشرون بالبدع والخرافات، وتشمئز قلوبهم من تحقيق التوحيد الخالص لله الذي بعث الله به محمدا ﷺ . [على المسلم أن يكيف منهج حياته على وفق ما جاء به رسول الله ﷺ ] أمة الإسلام، إن منهج المسلم حقا في حياته ما دل عليه كتاب الله ودلت عليه سنة رسوله، فهو يحاول أن يكيف منهج حياته على وفق ما جاء به رسول الهدى محمد ﷺ ، فإن الصراط المستقيم هو كتاب الله وسنة رسوله، قال ﷻ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) ، «خط المصطفى ﷺ خطا مستقيما فقال: " هذا سبيل الله "، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: " هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه (٣) » صدق المصطفى ﷺ . شياطين يدعون إلى ضلالاتهم، إلى كفرهم، إلى نفاقهم، إلى فجورهم، إلى بدعهم، إلى خرافاتهم، إلى تحكيم العقول والأذواق وجعلها الحكم العدل، كل هذا من البدع والضلالات، فدين الإسلام هو كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، هو الطريق المستقيم والمنهج الواضح الذي لا شك فيه ولا ارتياب. أمة الإسلام، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا

стр. 96

تفرقوا. أمة الإسلام، إنكم خير أمة أخرجت للناس، كونوا كما أراد الله لكم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) ، فحققوا هذه الخيرية، يحقق الله لكم كل خير ورخاء واستقرار ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢) ، فحققوا هذه الخيرية يا عباد الله، تمسكوا بالإسلام فإنه دين العزة والسيادة والكرامة والرفعة. أيها الأمة المسلمة، نحن أمة الإسلام يجب أن نهتم بشأننا، يجب أن نقيم أنفسنا، وأن نصحح أوضاعنا، ونصلح من أخطائنا، يجب أن يكون التفاهم رائدنا، والتعاون بيننا قائما. أمة الإسلام، نحن أمة مسلمة، المسلم يهتم بأخيه المسلم في شرق الأرض وغربها تربطه به أخوة الإسلام والإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) . “ على المسلمين التعاون في حل مشاكلهم في حدود المجتمع المسلم “ أمة الإسلام، أما آن لنا أن نستيقظ من غفلتنا ونعود إلى رشدنا ونتعاون في حل كل مشكلة تقع بين أفراد الأمة المسلمة، يجب على أمة الإسلام أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، ويصلحوا أوضاعهم وأخطاءهم في حدود مجتمعهم المسلم، هذا هو الواجب علينا لتكون لنا الكلمة العليا ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .

стр. 97

أعداؤكم يا عباد الله يقيمون أحلافا عسكرية، ليحموا بها بلادهم، وأحلافا اقتصادية ليحموا بها اقتصادهم، ونحن أمة الإسلام عندنا مقومات الوحدة الكاملة: الإيمان النابع من العقيدة، فهل آن لنا أن نتفاهم في حل مشاكلنا؟ وأن نفهم قضايانا؟ وأن نعرض كل مشكلة تقع بين أمة الإسلام على كتاب ربنا وسنة رسولنا ﷺ ؟ عند ذلك تكون لنا الكلمة، ولن يستطيع العدو أن يفسد ما بيننا. إن قوة الأمة الإسلامية وعظمتها إنما هو في تمسكها بدينها واجتماعها على هذا الدين ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) . “ توصية قادة المسلمين بتقوى الله في شعوبهم والحفاظ على هذا الدين وتحكيم الشريعة في شئون مجتمعاتهم “ يا قادة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اتقوا الله في شعوبكم، وحافظوا على البقية الباقية من هذا الدين، حكموا في شعوبكم شرع الله؛ لتعيشوا أنتم وإياهم آمنين مطمئنين مستقرين، حكموا فيهم كتاب الله وسنة رسوله، لتعيشوا في خير وأمان، إن كل بلاء حل بالأمة فأسبابه الذنوب والمعاصي ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) ، حكموا فيهم شرع الله، وطهروا مجتمعات المسلمين من كل ما يخالف شرع الله؛ لتعيشوا في أمان واستقرار، واعلموا أن الله سائل كلا عما استرعاه يوم قدومه عليه ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٤) ، فاتقوا الله في أمة الإسلام، وقوموا فيهم لله قيام صدق بإخلاص ونية صادقة.

стр. 98

“ الحج فريضة العمر على المسلم، وفيها منافع عظيمة لهم تعود عليهم بالخير والصلاح “ حجاج بيت الله الحرام، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام، وجعلها ركنا أساسيا من أركان الدين، من أداها في عمره مرة فقد أدى الواجب الذي عليه وبرأت بذلك ذمته، شرعه الله للعباد، ليشهدوا منافع لهم تعود عليهم بالصلاح والخير ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١) ، وينظروا في عظمة الإسلام كيف التقت تلكم الوفود المختلفة في اللون والبلد واللغة، لكن جمعتهم أخوة الإسلام ووحدتهم رابطة الإيمان، فيعلم المسلم عظمة هذا الدين وقوته. حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله الذي وفقكم للوصول إلى هذه الديار المقدسة. “ على الحجاج أداء شكر الله بتوفيقه إياهم للوصول إلى هذه البلاد المقدسة التي أنعم الله عليها بنعمة الأمن والاستقرار والرغد والطمأنينة “ تفكروا فيما أنعم الله على أهل هذه البلاد من أمن واستقرار ورغد وطمأنينة، إن هذه البلاد – ولله الفضل والمنة – قد منحها الله النعم العظيمة، من أجلها نعمتين: أولاهما: تحكيم شرع الله، فمحاكمها تحكم بشرع الله وتقيم حدود الله وتنفيذ أوامر الله، وثاني ذلك: ما من الله عليهم من أمن واستقرار وارتباط وثيق بين القادة والأفراد، كل ذلك بفضل تحكيم هذه الشريعة، فهذه البلاد – ولله الفضل والمنة – منحها الله الخير الكثير، ورأى قادتها من واجبهم أن يخدموا حجاج بيت الله، وأن يقدموا لهم كل التسهيلات ويذللوا أمامهم الصعاب، ويبذلوا كل غال ونفيس في سبيل راحة الحجاج وأمنهم، وهم مع هذا دائما يتحسسون مشاكل أمة الإسلام، ويحاولون بكل مستطاع أن يوجدوا الرخاء لغيرهم، ويمدوا غيرهم مما أعطاهم الله، ذلك أنهم مقتنعون من ذلك نتيجة لإيمانهم بشرع الله وتحكيمهم لدين الله، فهذه البلاد – ولله الحمد – تعيش نعمة عظيمة

стр. 99

وفضلا عظيما، أمر يشهد به كل أحد، فمن زار هذه البلاد من الحجاج والمعتمرين ورأى هذا الأمن والاستقرار، علم مقدار نعمة الله على هذه البلاد وكيف كانت عاقبة تحكيم شرع الله والتمسك به، فنسأل الله المزيد من فضله وكرمه، وأن يوفق قادة هذه البلاد لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير. “ على الحجاج إقامة ذكر الله ودعاؤه والثناء عليه في هذا الموسم العظيم، وأن يغتنموا هذه الفرصة لعبادة الله وحده “ حجاج بيت الله الحرام، الحج مناسبة عظيمة لإقامة ذكر الله ودعائه واستغفاره والثناء عليه، هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، احذروا أن تحرفوا الحج عن وجهته الشرعية، احذروا أن تعدلوا به عن منهج الله الذي أراده، فالله أراد لكم بهذا المكان أن تذكروه وتستغفروه ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) ، فمن حاول أن يغير الحج عن وجهته الشرعية في شعارات جاهلية ودعوات مضللة وأمور لا علاقة لها بالإسلام، فأولئك ممن حاولوا صرف الحج عن وجهته الشرعية، وهذا يرفضه الإسلام ويأباه. حجاج بيت الله الحرام، إن نبيكم ﷺ حج حجة واحدة، هي حجة الوداع التي ودع الناس فيها، وما فعل ﷺ فعلا إلا قال لهم: « (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) (٢) » “ بيان صفة حجة النبي ﷺ “ جاء ﷺ يوم عرفة وخطب بهذا الوادي في هذا المكان خطبة عظيمة، أعلم الناس فيها حرمة الدماء وحرمة الأموال، وألغى فيها مآثر الجاهلية، وبين تحريم الربا، وما للمرأة من الحقوق وما عليها من الواجبات، وأخبرهم أنه تارك فيهم ما لن يضلوا إن تمسكوا به وهو كتاب الله ثم

стр. 100

استشهدهم على إبلاغ رسالة الله وشرعه قائلا لهم: «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ " فقال الصحابة بأجمعهم: نشهد أنك بلغت ونصحت وأديت، فرفع أصبعه إلى السماء ونكتها إلى الناس وقال: " اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (٢) » يستشهد الناس أنه بلغهم رسالة الله، وهو الذي قضى فيهم ثلاثة وعشرين عاما يدعوهم إلى الله، ويبين دين الله، ويبلغ رسالته، ويجاهد في سبيله، فما أعظمها من شهادة! وما أشرفها من مشهود بها! وما أعظمه من مشهود له! إن كل مسلم حقا يشهد له بكمال البلاغ، وأنه أدى الأمانة، ويبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصل يا رب وسلم عليه تسليما كثيرا إلى يوم الدين. صلى الظهر والعصر بعرفة جمعا جمع تقديم وقصرا، ثم وقف بعرفة حتى غربت الشمس وقال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف (٣) » وقال: «وارفعوا عن بطن عرنة (٤) » بقي فيها حتى غربت الشمس وتأكد من غروبها، ثم انصرف إلى مزدلفة وهو يأمر أصحابه بلزوم السكينة والوقار في سيرهم، صلى بمزدلفة المغرب والعشاء جمع تقديم، وبات بها، وأذن للضعفة أن ينصرفوا قبل الفجر، وبقي هو ﷺ إلى أن صلى بمزدلفة الفجر، ثم ذكر الله عند المشعر الحرام، ثم أتى منى فرمى جمرة العقبة، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، ثم طاف طواف الإفاضة ولم يسع؛ لأنه سعى مع طواف القدوم، فهذا هديه ﷺ . “ أعمال الحج يوم عرفة وما بعدها من الأيام “ فيا حجاج بيت الله الحرام، ابقوا بعرفة حتى تغرب الشمس، ولا يحل لكم الانصراف إلا بعد غروب الشمس، باتوا بمزدلفة، صلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ثم لكم أن تدفعوا منها بعد نصف الليل، لا سيما العجزة من النساء، ومن

стр. 101

أراد الكمال فليبق حتى يصلي بها الفجر، ثم ادفعوا إلى منى وارموا جمرة العقبة، وانحروا هديكم إن كنتم قارنين أو متمتعين، أما المفرد فلا هدي عليه، احلقوا رؤوسكم ثم طوفوا طواف الحج، ومن قدم شيئا من الأنساك أو أخر فلا حرج عليه؛ فإنه ﷺ «ما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج (١) » بيتوا بمنى ليالي التشريق، وارموا الجمار يوم الحادي عشر مرتبة: الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة، واليوم الثاني عشر كذلك، فإن كنتم متعجلين فانصرفوا من منى قبل غروب شمس ذلك اليوم، وإن تأخرتم فارموا الجمار يوم الثالث عشر. “ فضل يوم عرفة، وما فيه من تذكير واعتبار وتذكر الآخرة والعرض والحساب “ حجاج بيت الله الحرام، يوم عرفة يوم من أفضل أيام الله وخير أيام الله، يوم يكفر الله فيه الذنوب ويضاعف فيه الأجور، يقول ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٢) » «إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا (٣) » حجاج بيت الله الحرام، اجعلوا من موقفكم بعرفة عظة وتذكرا للموقف الأكبر بين يدي الله، يوم تقفون بين يدي ربكم حافية أقدامكم، عارية أبدانكم، شاخصة أبصاركم، تذكروا يوم تدنو الشمس من العباد، حتى تكون منهم على قدر ميل أو ميلين، ويزاد في حرها، ويأخذ الناس العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، يقول ﷺ : «تحشرون حفاة عراة غرلا "، قالت عائشة: فقلت: يا (٤)

стр. 102

رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: " يا عائشة، الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» تذكروا أيها المسلمون، يوم العرض بين يدي الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (١) . تذكروا يوم توزن أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٣) . تذكروا يوم تطير الصحف فآخذ كتابه بيمينه كتاب سعادة لا شقاء بعدها أبدا. تذكروا عباد الله يوم تمرون على الصراط وهو على متن جهنم، فمنكم من يمشي كالريح، ومنكم من يمشي كالبصر، ومنكم من يمشي كالفرس، ومنكم من يمشي مشيا، ومنكم من يزحف زحفا، ومنكم من يحبوا حبوا (٤) تذكروا يوم تفتح أبواب الجنان فيدخلها محمد ﷺ ، هو أول داخل لها من الأنبياء، وأول الأمم دخولا أمته. تذكروا يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت خذوا من هذه المواقف عبرة وعظة وازديادا ليوم الميعاد. اللهم اجعل حجنا مبرورا، وسعينا مشكورا، وذنبنا مغفورا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم،

стр. 103

واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مباركا مرحوما، واجعل تفرقنا بعده تفرقا معصوما، ولا تجعل فينا ولا معنا شقيا ولا محروما، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده والنائب الثاني، اللهم أيدهم بنصرك، واهدهم لما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا رب العالمين.

стр. 104

خطبة عام ١٤٠٧ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: “ الوصية بتقوى الله “ أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى. اتقوه تعالى بفعل ما أمركم بفعله، والابتعاد عما نهاكم عنه، لتكونوا متقين لله حقا. “ الإيمان نعمة عظيمة من الله امتن بها على العبد المؤمن “ أيها المسلمون، إن المؤمن الذي استنار بالإيمان قلبه، وانشرح بالإسلام صدره، ورزقه الله نورا يميز به بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، يرى تلك نعمة عظيمة من الله عليه، وتلكم النعمة تحتاج إلى شكر الله، فالشكر لله سبب لدوام النعمة واستقرارها ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢) . وهو أيضا يرى عليه واجبا أن يبصر إخوانه المسلمين، ويهديهم طريق الله المستقيم ليستنقذ إخوانه من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والهدى. أمة الإسلام، إن الدعوة إلى الله سبيل أنبياء الله ورسله والتابعين لهم بإحسان ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) .

стр. 105

“ الدعاة إلى الله ورثة الأنبياء والمرسلين “ فالدعاة إلى الإسلام ورثة الأنبياء والمرسلين، أهلهم الله لذلك الفضل العظيم والشرف الكبير، إن الداعي إلى الله أحسن الناس قولا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ، إن الداعي إلى الله سائر على الطريق المستقيم، مساهم في حماية أمة الإسلام، وإنقاذها من مسالك الهلاك، يحميها بتبصيرها الحق وتحذيرها من سبل الباطل. أيها الداعي إلى الله، سر على طريقك في الخير والهدى، واعلم أن لك أجرا مثل أجر من انتفع بدعوتك واقتدى بهديك إلى يوم القيامة، قال النبي ﷺ «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (٢) » “ صفات الداعي إلى الله تعالى “ دعاة الإسلام، إن الداعي إلى الله لا بد أن تتوفر فيه أمور مهمة، فإن توفرت فيه تلكم الأمور، صار ذلك سببا بتوفيق الله في انتفاع الناس بدعوته وقبولهم لها وإصغائهم إليها. “ من صفات الداعي إلى الله الإخلاص في دعوته “ فلا بد أولا من الإخلاص لله، وأن يكون الداعي إلى الله صادقا في دعوته، مخلصا لله في دعوته، فلا تكون دعوته إلى هوى نفسه وحظوظها وشهواتها، ولكنها دعوة مباركة صادرة من قلب خالص، يرحم عباد الله ويشفق عليهم، ويحب الخير والصلاح لهم، كم من مظهر أنه داع إلى الله، وهو يدعو إلى هوى نفسه وحظوظها، كم دعاة انتسبوا للدعوة إلى الإسلام، وهم يدعون لأنفسهم

стр. 106

وأغراضهم وأهوائهم، ودعواتهم مشبوهة، إنما هي دعوات لأغراض دنيوية لأحزاب، أو معارضات، أو مزاحمات في سلطة، وغير ذلك، فتكون تلك الدعوات فاشلة؛ لأنها تفقد الإخلاص لله والصدق مع الله، إنما هي عصبية حزبية أو دعوات سياسية، ليس مقصودها الدعوة إلى الله ونصرة دين الله. “ من صفات الداعي إلى الله العلم بحقيقة ما يدعو إليه “ أمة الإسلام، ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على علم بحقيقة ما يدعو إليه، فإن من دعا إلى الله على غير هدى، على جهل وضلال، فما يفسد أكثر مما يصلح، لا بد من علم بحقيقة الدعوة، حتى تكون الدعوة منطلقة على بصيرة من الله، فإن كان الداعي جاهلا بحقيقة ما يدعو إليه، ففساده أكثر من صلاحه. “ من صفات الداعي إلى الله موافقة القول والعمل “ ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون عمله موافقا لقوله، فتكون أعماله مصدقة لأقواله، فإن لم تطابق الأعمال الأقوال لم يثق الناس بدعوته، ولم يطمئنوا إليه، بل رأوه متناقضا فيما يعمل ويقول، ولذا قال الله مخبرا عن نبيه شعيب ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (١) وذم الله اليهود لما خالفت أعمالهم أقوالهم ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢) . وعاتب الله أهل الإيمان بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) “ من صفات الداعي إلى الله العلم بأحوال الناس “ ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على بصيرة في دعوته، وأن يعرف

стр. 107

اختلاف الناس واختلاف عقولهم وأفكارهم وتصوراتهم، فيخاطب كل فئة بما يتناسب مع وضعها وحالها؛ حتى تكون لدعوته آثار حسنة، ولذا النبي ﷺ «قال لمعاذ لما وجهه داعيا: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب (١) » يبين له حال من يدعوهم ليستعد لمناظرتهم ومجادلتهم. “ يجب الاقتداء بالنبي ﷺ واتخاذ سيرته منهجا في الدعوة إلى الله “ دعاة الإسلام، إن سيد الدعاة وإمامهم وأفضلهم محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، خير أنبياء الله وخاتم رسله، صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين، فخذوا من سيرته منهجا لدعوتكم، اسلكوا طريقه وسيروا على منهجه في دعوتكم، لتفوزوا بالسعادة في الدنيا والآخرة، فإن خير المنهج منهجه، وأفضل السبل سبيله الذي سار عليه. بعثه الله على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم والهدى، بعثه برسالة شاملة عامة لجميع الخلائق، واختار لمبعثه أم القرى شرفها الله، فابتدأ بدعوته قومه الأميين من العرب. “ دعا النبي ﷺ الناس إلى إخلاص الدين لله وترك عبادة غير الله “ دعاهم إلى إخلاص الدين لله، وترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله، ومن الإشراك بالله، وترك ما كانوا عليه من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين يزعمون بجهلهم أنها تقربهم إلى الله زلفى. عرض دعوته وأعلنها صريحة واضحة من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ دعوة صريحة واضحة في منهجها، ليست دعوات مضللة لها وجه ظاهر ووجه باطن خفي وخفاء، بل هي واضحة في منهجها وأسلوبها، يعرفها كل

стр. 108

من سمعها، دعا إلى الله فناله الأذى من قومه، وآذوه وآذوا أتباعه، وهو صابر محتسب متحمل الأذى في ذات الله، وحين اشتد به الألم وضاقت به الدنيا يوم أحد قال: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (١) » يستأذنه ملك الجبال أن يطبق عليهم أخشبي مكة ويقول: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا (٢) » يأمره الله بالصبر والثبات ويقص عليه أنباء المرسلين ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ (٣) بدأ قومه بالدعوة إلى التوحيد بتصحيح العقيدة، وتثبيتها في النفوس وتطهيرها من أدران الشرك والوثنية. “ على الدعاة أن ينهجوا منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى عقيدة التوحيد، وتصحيح العقيدة أولا “ فيا دعاة الإسلام، خذوا من منهجه منهجا لكم في دعوتكم، اجعلوا الدعوة إلى عقيدة التوحيد أهم أموركم وغاية مرادكم، صححوا العقيدة وخلصوها من جميع الشوائب، حذروا الأمة مما وقع فيها من بدع وضلالات وجهالات، انشروا العقيدة الصحيحة فهي الأصل في مبدأ كل دعوة نافعة، اجعلوا الاهتمام بهذا المبدأ السليم، فبثوا العقيدة واغرسوها في النفوس وحببوهم إليها، تحملوا كل الأذى في ذات الله، وليكن غايتكم نصح عباد الله وإرشادهم واستنقاذهم من الجهالات والضلالات. “ على الدعاة أن يحذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة “ دعاة الإسلام , احذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة، التي تستر بها أعداء الإسلام خداعا وتضليلا، والله يعلم أن الإسلام منهم بريء، تظاهروا بالإسلام في دعواتهم، وإذا تأمل المسلم البسيط تلك الدعوات رآها جهالات

стр. 109

وضلالات وخداعا للأمة وتضليلا لها، ذلك أن أرباب هذه الدعوات لهم علاقة قوية بأعداء الإسلام، أعداء الإسلام يرسمون لهم الطريق ويخططون لهم المخططات، ليضربوا أهل الإسلام بعضهم ببعض، اتخذوا دعاة الضلالة جسرا يعبرون عليه لنيل أغراضهم وأهوائهم ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (١) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) . “ مسجد الضرار كان مثالا لأرباب الدعوات المضللة الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون العداء له “ احذروا أرباب هذه الدعوات المضللة، فهم خطر على الإسلام وأهله، وهم بلاء في جسم الأمة الإسلامية، إن تظاهروا بالإسلام فإنما هو الخداع والتضليل، ولكم في قصة أهل مسجد الضرار عبرة وعظة، قوم من المنافقين تظاهروا بالإسلام، وبنوا معقلا للكفر والضلال، وسألوا النبي ﷺ أن يصلي فيه ليكتسب الفضل والكرامة، ورسول الله لا يعلم ما في الغيب، فقال ﷺ : «إن رجعنا من تبوك صلينا فيه إن شاء الله (٤) » . فلما قرب من المدينة راجعا أخبره الله تعالى أن هذا مسجد ضرار، وأنه معقل الكفر والضلال وإن تظاهر أهله بالإسلام ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٥) إلى إن قال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦) اتخذوه في صورة مسجد وهو معقل للكفر والضلال، وهكذا أرباب الدعوات

стр. 110

المضللة، وإن تظاهروا بالإسلام خداعا فهم أعداؤه وخصومه الألداء، فكونوا على حذر من هؤلاء وهؤلاء؛ لتسلم عقيدتكم ويسلم اتجاهكم. “ على الحجاج أن يشكروا الله على أن بلغهم إلى بيته الحرام آمنين مطمئنين “ حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته؛ إذ بلغكم الوصول إلى بيته الحرام، ومكنكم من الوقوف في تلك المشاعر المقدسة، وهيأ لكم الوصول إليها، فوصلتم آمنين مطمئنين، فاعلموا أن تلك نعم من نعم الله عليكم، وفضل من الله عليكم، فاشكروه على نعمته، واتخذوا من الحج نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم، ليكن حجكم إلى بيت الله نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم، لتصححوا أوضاعكم وتقيموا ما اعوج من أخلاقكم، يقول النبي ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » “ على الحجاج أن يعظموا هذه المشاعر والأماكن المقدسة “ فيا أيها المسلمون، أنتم في بلد الله الأمين، أنتم في هذه الأماكن المقدسة، عظموها كما عظمها الله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) ، عظموا هذه المشاعر؛ فإنها أماكن لعبادة الله وإخلاص الدين لله، يلتقي فيها المسلمون على طاعة الله، يلتقون فيها على بساط المحبة والمودة، أمة جمعتهم رابطة الإيمان ووحدتهم أخوة الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) . “ فضل الله سبحانه البلد الأمين على سائر بقاع الأرض “ حجاج بيت الله الحرام، أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، إن الله اختار البلد الأمين وفضله على سائر بقاع الأرض، عهد ببنائه لنبيه إبراهيم وإسماعيل ﵉، أقام قواعده على توحيد الله وإخلاص الدين لله، دعا الخليل ربه بعد بنائه قائلا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٤)
следующие страницы →