← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

بيقطع او بمحذوف تقديره فعل ما فعل ليثبت الإسلام وَيُبْطِلَ الْباطِلَ يعنى الكفر وليس في الكلام تكرير فان الاول لبيان المراد وبيان ما بين مراده تعالى ومرادهم من التفاوت والثاني لبيان الداعي الى حمل الرسول الى اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) يعنى المشركين ذلك رجعنا الى القصة ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذفران فسلك ثنايا يقال له الاصافر «١» ثم الخط منها الى بلد يقال له الدية وترك الجنان عن يمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو وابو بكر الصديق رض حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم قال الشيخ بلغني ان محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فانكان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا للمكان الذي فيه رسول الله ﷺ وبلغني ان قريشا خرجوا يوم كذا فانكان الذي أخبرني صدق فهم اليوم في مكان كذا للمكان الذي فيه قريش ثم قال من أنتما قال رسول الله ﷺ نحن «٢» من ماء قال ابن إسحاق ثم رجع رسول الله ﷺ الى أصحابه فلما امسى بعث على ابن ابى طالب والزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص في نفر من أصحابه الى ماء بدر يلتمسون الخبر له فاصابوا راوية لقريش فيها اسلم غلام بنى الحجاج وابو يسار غلام بنى العاصي بن سعيد فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله ﷺ قايم يصلى فقالا نحن سقاط قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا ان يكونا لابى سفيان فضربوهما فلما إذ «٣» لقوهما قالا نحن لابى سفيان فتركوهما وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين وسلم وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله انهما لقريش اخبر انى عن قريش قالاهم وراء هذا الكثيب الذي يرى بالعدوة «٤» القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله ﷺ كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله ﷺ ما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما رسول الله ﷺ

стр. 1437

من فيهم من الاشراف قالا عتبة وشيبة ابني ربيعة وابو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل ابن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدى والنضر بن الحارث وربيعة الأسود وابو جهل بن هشام وامية بن خلف ونبيه ومنهه ابنا الحجاج وسهل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فقال رسول الله ﷺ هذه مكة قد القت إليكم أفلاذ «١» كبدها قال ابن عابد وكان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال وكان بسيس بن عمرو وعدى بن ابى الزغباء قد مضيا الى بدر فاناخا الى تل قريب من الماء ثم أخذ اشنانهما «٢» يستقيان فيه ومجدى بن عمر الجهني على الماء فسمع عدى وبسبس جاريتين من جوار الحاضر «٣» يتلازمان على الماء والملزومة تقول بصاحبتها انما يأتي العير غدا او بعد غد فاعمل لهم ثم أعطيك الذي لك قال مجدى صدقت وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيرهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فاخبراه بما سمعا قال ابن إسحاق وغيره واقبل ابو سفيان بالعير وقد خاف خوفا شديدا حين دنوا المدينة واستبطأ ضمضم بن عمرو النضير حتى ورد بدرا وهو خائف وتقدم ابو سفيان امام العير حذرا حتى ورد الماء فرأى مجدى بن عمرو الجهني فقال له هل أحسست أحدا قال ما رايت أحدا أنكره الا انى رايت راكبين يعنى بسبسا وعديا قد أناخا الى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى ابو سفيان الى مناخنهما فأخذ من ابعار بعيرهما ففته فاذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع الى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل «٤» بها وترك بدرا بيسار وانطلق واسرع فسار ليلا ونهارا فرقا من الطلب فلما رأى ابو سفيان انه قد احرز عيره أرسل الى قريش قيس بن أمراء القيس انما خرجتم لتمتنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله تعالى فارجعوا فاتاهم الخبر وهم بالجحفة فقال ابو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدرا موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف «٥» علينا القينات ويسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا ابدا بعدها وكره

стр. 1438

اهل الرأي المسير ومشى بعضهم الى بعض وكان ممن ابطاهم عن ذلك الحارث بن عامر وامية بن خلف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وحكيم ابن حزام وابو البختري وعلى بن امية بن خلف وابو العاصي حتى بكتهم «١» ابو جهل بالجبن وأعانه عقبة بن ابى معيط والنضر بن الحارث والجارث بن كلدة واجمعوا على المسير قال الأخنس بن شريف وكان حليف بنى زهرة يا بنى زهرة قد نجا الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم محزمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فارجعوا الى مكة وكانوا نحو مائة ويقال ثلاثمائة فلم يشهدها زهرى الا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري وقتلا كافرين قال ابن سعد ولحق قيس بن امرأ القيس أبا سفيان فاخبره بمجى قريش فقال وا قوماه هذا عمل عمرو بن هشام يعنى أبا جهل واغتبطت بنو زهرة بعد براى الأخنس فلم يزل فيهم مطاعا معظما وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم ابو جهل وقال لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل «٢» وبطن الوادي ونزل رسول الله ﷺ بالعدوة الدنيا وغلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وأصابهم ضيق شديد والقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس إليهم تزعمون انكم اولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم مصلون مجنبين فانزل الله تعالى تلك الليلة المطر وكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم الله تعالى به واذهب عنهم لو جز الشيطان وطابهم «٣» الأرض وصلب الرمل وثبت الاقدام ومهدبه المنزل وربط «٤» به على قلوبهم ولم يمنعهم عن المسير وسأل الوادي فشرب المؤمنون وملاؤا الاسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس القى عليهم فناموا حتى ان أحدهم وقفه بين يديه وما يشعر حتى يقع على جنبه روى ابو يعلى والبيهقي في الدلائل عن على قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رايتنا وما فينا الا نائم الا رسول الله ﷺ

стр. 1439

يصلى «١» تحت شجرة حتى أصبح وكانت ليلة الجمعة وبين الفريقين فوز «٢» من الرمل وبعث رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فاطافا بالقوم ورجعا فاخبر ان القوم مذعورون وان السماء تسيح عليهم وساد رسول الله ﷺ عشاء يبادرهم الماء فسبقهم اليه ومنعهم من السبق اليه المطر حتى جاء ادنى ماء من بدر فنزل به فقال الحباب ابن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق يا رسول الله ارايت هذا لمنزل أمنزل نزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا نتاخر عنه أم هو الرأي والمكيدة قال بل الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ليس هذا بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي ادنى ماء من القوم فتنزله ثم نغور «٣» ما وراه من القليب ثم نبنى عليه حوضا فنملاه ماء فنشرب ولا يشربون فقال ﷺ لقد أشرت بالرأى وذكر ابن سعد ان جبرئيل نزل على النبي ﷺ فقال الرأي ما أشار به الحباب فنهض ﷺ ومن معه من الناس حتى إذا اتى ادنى ماء من القوم نزل عليه نصف الليل ثم امر بالقليب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملى ماءا ثم قذفوا فيه الآنية فقال سعد بن معاذ يا رسول الله الا نبنى لك عريشا «٤» تكون فيه ونعد عندك ركائيك ثم نلقى عدونا فان أظهرنا الله على عدونا كان ذلك ما أحبنا وانكانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن ورأينا فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن أشد لك حيا منهم ولو ظنو انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى رسول الله ﷺ خيرا ودعا له ثم بنى لرسول الله ﷺ عريشا على تل مشرف على المعركة فكان فيه هو وابو بكر وليس معهما غيرهما وقام سعد ابن معاذ على بابه متوشحا بالسيف ومشى رسول الله ﷺ في موضع المعركة وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان إنشاء الله فما تعدى منهم أحد موضع إشارته رواه احمد ومسلم وغيرهما وروى الطبراني عن رافع بن خديج

стр. 1440

ان رسول الله ﷺ قال يوم بدر والذي نفسى بيده لو ان مولود اولد من اهل الدين يعمل بطاعة الله كلها الى ان يرد الى أرذل العمر لم يبلغ أحدكم هذه الليلة وقال ان الملئكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلاء على من تخلف منهم رجاله ثقات الا جعفر بن معلاص فانه غير معروف وأصبح رسول الله ﷺ ببدر وارتحلت قريش بحدها وحديدها تحاد «١» الله وتحاد رسوله وجاؤا على حرد «٢» قادرين وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وقتل من فيها وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه وذلك ما ذكرنا قصته في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه فلما راها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاؤا منه الى الوادي وكان أول من طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه فاستجال «٣» بفرسه يريد ان يتبوأ «٤» للقوم منزلا فقال ﷺ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «٥» وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أمتهم بالغداة ولما راى ﷺ عتبة بن ربيعة على جمل احمر قال ان بك في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ان يطيعوه يرشدوا فقال هو عتبة ينهى عن القتال ويأمر بالرجوع ويقول يا قوم اعصبوها «٦» اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وابو جهل يأبى وبعث خفاف بن أيما بن رحضة الغفاري او أبوه واسلم الثلاثة بعد ذلك الى قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا فارسلوا اليه ان وصلتك زحم قد قضيت الذي عليك فلعمرى لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا من ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله ﷺ دعوهم

стр. 1441

فما شرب منهم أحد الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فآنه لم يقتل واسلم بعد ذلك وحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجانى يوم بدر فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي واسلم بعد ذلك فقالوا له احرز لنا اصحاب محمد فجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا او ينقصون لكن أمهلوني حتى انظر للقوم كمين «١» مدد فضرب «٢» فى الوادي حتى ابعد فلم يرشيئا فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئا ولكن رأيت يا معشر قريش البلا «٣» يا تحمل المنايا نواضح «٤» يثرب تحمل الناقع «٥» قوم ليس لهم منعة ولا ملجاء الا سيوفهم اما ترونهم حرسا يتكلمون يتلمظون «٦» تلمظ الأفاعي والله ما ارى ان يقتل رجل منهم حتى يقتل منكم فاذا أصابوا منكم اعدادهم فما في العيش خير بعد ذلك فرأو آرائكم فبعثوا أبا سلمة الحشمى فاطاف بالمسلمين على فرسه ثم رجع فقال والله ما رأيت جلدا ولا عدوا ولا حلقة ولا كراعا ولكن رأيتهم قوما لا يرونهم يولوا الى أهليهم قوما مسلمين مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجاء الا سيوفهم زرق الأعين كانهم الحصا تحت الحجف فرأو آرائكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فاتى عتبة بن ربيعة فكلمه يرجع بالناس وقال يا أبا الوليد انك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك من الأمر لا تزال تذكر منه يخبر الى اخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحتمل امر حليفك عمرو الحضرمي قال قد فعلت أنت على بذلك انما هو حليفى فعليّ عقله «٧» وما أصيب من ماله فأت ابن حنظلة فابى لا أخشى ان يسحر امر الناس غيره يعنى أبا جهل ثم قال عتبة خطيبا في الناس فقال يا معشر قريش انكم والله ما تضعون فان تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبحتموه لا يزال الرجل في وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه او ابن خاله او رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب فان أصابوه فذلك الذي أردتم وان كان غير ذلك القاكم «٨» ولم تعرضوه منه بما تريدون انى

стр. 1442

ارى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وأنتم تعلمون انى لست بأجبنكم فانطلقت حتى أتيت أبا جهل فوجدته قد نتل «١» درعا له من جرامها فهو يهيئها فقلت له يا أبا الحكم ان عتبة قد أرسلني لكذا وكذا اللذى قال فقال انتفخ «٢» والله سجره حين رأى محمد او أصحابه كلا والله لا يرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى ان محمدا وأصحابه أكلته جزور فيكم ابنه قد تخوفكم عليه ثم بعث الى عامر الخضرمي فقال والله هذا حليفك عتبة يريد ان يرجع بالناس فقم فانشد «٣» حفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الخضرمي فكشف عن استه ثم صرخ وا عمراه فحميت الحرب واحقب «٤» امر الناس واستو «٥» سقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم اليه عتبة ولما بلغ عتبة قول ابى جهل انتفخ والله سجره قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سجره انا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في راسه فما وجد في الجيش تسعة من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر ببرد على راسه وسل ابو جهل سيفه فضرب متن فرسه فقال له أيما بن رحضة بئس الفال هذا وذكر محمد بن عمر الأسلمي والبلاذري وصاحب الامتناع ان قريشا لما نزلت بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب إليهم يقول لهم ارجعوا فانه ان يلى هذا الأمر منى غيركم أحب الى من ان تلوه بنى فقال حكيم بن حرام قد عرض نصحا فاقبلوه فو الله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف «٦» فقال ابو جهل والله لا نرجع بعد ما أمكننا الله منهم روى ابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن جريج ان أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذا واربطوهم في الجبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزل انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة الاية في سورة ن يعنى انهم في قدرتهم عليهم كما اقتدر اصحاب الجنة على الجنة ولما أصبح رسول الله ﷺ صف أصحابه فكانما يقوم بهم القداح «٧» ومعه يومئذ قدح يشير الى هذا تقدم والى هذا تأخر

стр. 1443

حتى استووا ودفع رايته الى مصعب بن عمير فتقدم حيث امره رسول الله ﷺ ان يضعها ووقف رسول الله ﷺ ينظر الى الصفوف فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه واقبل المشركون فاستقبلوا الشمس ونزل رسول الله ﷺ بالعدوة الشامية ونزلوا بالعدوة اليمانية ولما عدل رسول الله ﷺ الصفوف تقدم سواد بن غزية امام الصف فدفع رسول الله ﷺ في بطنه وقال استويا سواد قال يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق نبيا أقدني فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه قال استقد فاعتنقه وقبله فقال ما حملك على ما ضعت قال حضر من امر الله ما قد ترى وخشيت ان اقتل فاردت ان أكون اخر عهدى بك وحينئذ قال رسول الله ﷺ إذا كثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم كذا روى ابو داود عن ابى أسيد وخطب رسول الله ﷺ فحمد الله واثنى عليه واحث الناس على الصبر في القتال وابتغاء وجه الله وتعتبب قريش للقتال والشيطان لا يفارقهم فثبت المسلمون على صفهم وشد عليهم عامر بن الحضرمي فكان أول من خرج من المسلمين مهيجع بن عايش مولى عمر بن الخطاب فقتله ابن الحضرمي وكان أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة قتله حيان بن عرفة وخرج عتبة بن ربيعة بن أخيه شيبة وابنه الوليد ودعوا لى المبارزة فخرج ثلثة من الأنصار عوذ ومعوذا بنا الحارث وأمها العفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا اكفاء كرام ما لنا بكم حاجة ثم نادوا يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله ﷺ قم يا عبيدة بن الحارث قم يا حمزة قم يا على فاما حمزة فلم يمهل شيبة ان قتله واما على فلم يمهل الوليد ان قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما اثبت صاحبه فكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبه وفي الصحيحين ان فيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم في سورة الحج قال ابن إسحاق ثم رجع رسول الله ﷺ الى العريش ومعه ابو بكر وليس معه غيره ورسول الله ﷺ يناشدد به ما وعده من النصر يقول فيما يقول اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض

стр. 1444

وابو بكر يقول يا رسول الله بعض منا شدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك روى ابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني عن ابى أيوب الأنصاري ان عبد الله بن رواحة قال يا رسول الله انى أريد ان أشير عليك ورسول الله ﷺ أعظم من ان بشار اليه ان الله ﵎ أجل وأعظم من ان ينشده وعده فقال يا ابن رواحة لانشدن الله وعده ان الله لا يخلف الميعاد وروى ابن سعد وابن جرير عن على بن ابى طالب وقال لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت مسرعا الى النبي ﷺ لا نظر ما فعل فاذا هو ساجد يقول يا حى يا قيوم لا يزيد عليها ثم رجعت الى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذاك ثم ذهبت الى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ثم ذهبت الى القتال ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك ففتح عليه وروى البيهقي عن ابن مسعود حديث المناشدة قال ثم التفت كان وجهه القمر فقال كانما انظر مصارع القوم العشية وروى سعيد بن منصور عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة قال لما نظر رسول الله ﷺ الى المشركين وتكاثرهم والى المسلمين واستقلهم ركع ركعتين وقام ابو بكر عن يمينه فقال ﷺ وهو في صلوته اللهم لا تخذلنى اللهم أنشدك ما وعدتني روى ابن ابى شيبة واحمد ومسلم وابو داود والترمذي وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ الى المشركين وهم الف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبى الله القبلة ثم مديديه فجعل يهتف بربه يقول اللهم أنجز لى ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة من الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط ردائه عن منكبه فاتاه ابو بكر فاخذ ردائه وألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه فقال يا نبى الله كذاك «١» تناشدك لربك فانه سينجز لك ما وعدك فانزل الله تعالى. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ بدل من إذ يعدكم او متعلق بقوله لِيُحِقَّ او على إضمار اذكر يعنى يستجيرون به من عدوكم وتطلبون الغوث فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي اى بانى فحذف الجار وسلط عليه الفعل مُمِدُّكُمْ مرسل إليكم مددا وردأ لكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ روى البيهقي عن ابن عباس وحكيم بن حزام وابراهيم

стр. 1445

التيمي حديث دعائه ﷺ وقول ابى بكر نحو ما مر وفيه وخفق «١» رسول الله ﷺ خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال ابشر يا أبا بكر هذا جبرئيل متعجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض فلما نزل الى الأرض تغيب عنى ساعة ثم طلع على ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبان بن واسع عن أشياخ قومه نحوه بلفظ هذا جبرئيل «٢» أخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع وروى البخاري والبهيقى عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال يوم بدر هذا جبرئيل أخذ برأس فرسه وعليه اداة الحرب مُرْدِفِينَ (٩) قرأ نافع ويعقوب بفتح الدال اى أردفهم الله تعالى المسلمين وجاء بهم لهم مددا والباقون بكسر الدال اى متتابعين بعضهم اثر بعض وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال في تفسيره يعنى وراء كل ملك ملك وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال متتابعين أمدهم الله تعالى بألف ثم بثلاثة آلاف ثم أكملهم خمسة آلاف وروى الطبراني عن رفاعة بن رافع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال أمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف وكان جبرئيل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة الحديث وروى ابن ابى حاتم عن الشعبي قال بلغ رسول الله ﷺ ان كرز المحاربي يريد ان يمد المشركين فشق ذلك عليهم فانزل الله تعالى ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملئكة منزلين بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملئكة مسومين فبلغ كرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم فلم يمدهم الله بالخمسة الآلاف وكانوا قد امدوا بألف من الملئكة وروى ابو يعلى والحاكم عن على رضى الله عنه قال بينما انا من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم ار مثلها قط ثم جاءت ريح شديدة لم ار مثلها قط الا التي كانت قبلها ثم جاءت ريح شديدة قال وكانت ريح الاولى جبرئيل ﵇ نزل في الف من الملئكة الى رسول الله ﷺ وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في الف من الملئكة عن يمين رسول الله ﷺ وكان ابو بكر عن يمينه فكانت

стр. 1446

الثالثة اسرافيل نزل في الف من الملئكة عن ميسرة رسول الله ﷺ وانا في الميسرة الحديث وروى احمد والبزار والحاكم برجال صحيح عن على قال قال لى ولابى بكر يوم بدر قيل لاحدنا معك جبرئيل وقيل للآخر معك ميكائيل واسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل يكون في الصف وروى ابو يعلى عن جابر قال كنا نصلى مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر إذ تبسم في صلوته قلنا يا رسول الله رايناك تبسمت قال مربى جبرئيل وعلى جناحه اثر الغبار وهو راجع عن طلب القوم فضحك الى وتبسمت اليه وروى ابن سعد وابو الشيخ عن عطية بن قيس قال لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر جاء جبرئيل على فرس أنثى احمر عليه درعه ومعه رمحه فقال يا محمد ان الله بعثني إليك وأمرني ان لا أفارقك حتى ترضى هل رضيت قال نعم رضيت فانصرف- (فايده) وقد ظهر بعض الملائكة لبعض الرجال في صورة الرجال روى ابراهيم الحرثى عن ابى سفيان بن الحارث قال لقينا ببدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض وروى البيهقي وابن عساكر عن سهل بن عمرو رضى الله عنه قال لقد رايت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون وروى محمد بن عمرو الأسلمي وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال رايت يوم بدر رجلين عن يمين النبي ﷺ أحدهما وعن يساره أحدهما يقاتلان أشد القتال ثم ثلثهما ثالث من خلفه ثم ربعهم رابع امامه وروى محمد بن عمرو الأسلمي عن ابراهيم الغفاري عن ابن عم له بينا انا وابن عم لى على ماء ببدر فلما راينا قلة من مع محمد وكثرة قريش قلنا إذا التقت الفئتان عمدنا الى عسكر محمد وأصحابه- فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحابه ونحن نقول هؤلاء ربع قريش فينا نحن نمشى في المسيرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها فسمعنا أصوات الرجال والسلاح وسمعنا لرجل يقول لفرسه اقدم «١» خيزوم فنزلوا على ميمنة رسول الله ﷺ ثم جاءت اخرى مثل ذلك لكانت

стр. 1447

مع النبي ﷺ وأصحابه فاذا هم على الضعف من قريش فمات ابن عمى واما انا فما سكت وأخبرت النبي ﷺ وأسلمت وكذا روى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس عن رجل من غفار وروى البيهقي عن السائب بن ابى حبيش انه يقول والله ما أسرني أحد من الناس فيقول لما انهزمت قريش انهزمت معها فادركنى رجل ابيض طويل على فرس بين السماء والأرض فاورثنى رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدنى مربوطا فنادى في العسكر من ربط هذا فليس يزعم أحد انه أسرني حتى انتهى الى رسول الله ﷺ فقال من أسرك قلت لا أعرفه وكرهت ان أخبره بالذي رايت فقال أسرك ملك من الملائكة وروى احمد وابن سعد وابن جرير عن ابن عباس والبهيقى عن على قال كان الذي اسر العباس ابو اليسر وكان رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله ﷺ يا أبا اليسر كيف أسرت العباس قال يا رسول الله ﷺ لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئة كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ لقد اعانك عليه ملك كريم وروى ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه عن ابى أسيد الساعدي انه قال بعد ما عمى لو كنت معكم ببدر الان ومعى بصرى لاخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملئكة لا أشك ولا اتمارى وروى البيهقي عن ابن عباس قال كانت سيما الملئكة يوم بدر عمائم بيض قال أرسلوا في ظهورهم ويوم خيبر عمائم حمر وروى ابن إسحاق عن ابن عباس نحوه وزاد الا جبرئيل فانه كانت عليه عمامة صفراء وروى الطبراني بسند صحيح عن عروة قال نزل جبرئيل يوم بدر على سيما الزبير وهو معتجر بعمامة صفراء وكذا روى ابن ابى شيبة وابن جرير وابن مردوية عن عبد الله بن الزبير وروى الطبراني وابن مردوية بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا في قوله تعالى مسومين قال معلمين وكانت سيما الملئكة يوم بدر عمائم سود ويوم أحد عمائم حمر قال ابن سعد كانت سيما الملئكة يوم بدر عمائم قد ارخوا بين أكتافهم خضر وصفر وحمر من نور والصوف في نواصى خيلهم فقال رسول الله ﷺ لاصحابه ان الملئكة قد سومت فسوموا فاعلموا بالصوف في مفارقهم وقلانسهم وكانت الملئكة على خيل بلق. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ الامداد بالملائكة الذي دل عليه قوله ممدكم إِلَّا بُشْرى اى سببا لاستبشاركم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ

стр. 1448

فيزول ما بها من وجل نظرا على جرى عادة الله في غلبة الكثير على القليل قلت نظير حال النبي ﷺ هاهنا في اضطراب قلبه ومناشدته ﷺ ربه بعد ما وعده بالنصر حال ابراهيم ﵇ حيث قال رب أرني كيف تحيى الموتى قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى وكان حالهما ﵉ مبنيا على النزول الأتم كما حققناه في سورة البقرة في تفسير رب أرني كيف تحيى الموتى ولما لم يكن ابن رواحة رضى الله عنه في تلك المرتبة من النزول قال ان الله ﵎ أجل وأعظم ان ينشد وعده ولما كان ابو بكر اقرب منزلة من النبي ﷺ لم يقل كما قال ابن رواحة بل قال كذاك تناشدك لربك وكان اضطراب النبي ﷺ لحرصه على اشاعة الإسلام وهدم أساس الكفر ونظره على كمال استغنائه تعالى عن العالمين وعن عبادتهم والله اعلم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) وامداد الملئكة وكثرة العدد والأهب ونحوها وسايط في جرى العادة لا تأثير لها في نفس الأمر والله اعلم. (فايدة) ولما فرغ رسول الله ﷺ من مناشدته ربه قاتل بنفسه الشريفة قتالا شديدا وكذلك ابو بكر وكانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع ثم نزلا فحرضا وحشا الناس على القتال وقاتلا بابدانهما جمعا بين المقامات كذا قال محمد بن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد وروى ابن سعد والفريابي عن على قال لما كان يوم بدر وحضر البأس امّنا رسول الله ﷺ واتقينا به وكان أشد الناس بأسا يومئذ وما كان أحد اقرب الى المشركين منه ورواه احمد بلفظ لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ والنسائي بلفظ كنا إذا حمى البأس ولقى القوم اتقينا برسول الله ﷺ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ اى النوم الخفيف قرأ ابن كثير وابو عمرو إذ يغشاكم بفتح الياء والشين والف بعدها ورفع النعاس كما في سورة ال عمران امنة نعاسا يغشى طائفة منكم ونافع بضم الياء وكسر الشين مخففا ونصب النعاس كما في قوله تعالى كانما أغشيت وجوههم والباقون كذلك الا انهم فتحوا الغين وشدد والشين كما في قوله تعالى فغشاها ما غشى و

стр. 1449

الفاعل على القرائتين هو الله والظرف بدل ثان من إذ يعدكم لاظهار نعمة ثالثة او متعلق بالنصر او بما في عند الله من معنى الفعل او بجعل او بإضمار اذكر امنة منه اى أمنا كائنا من الله مصدر امنت أمنا او امنة وأمانا مفعول له باعتبار المعنى فان قوله يغشيكم النعاس يتضمن معنى تنعسون ويغشاكم بمعناه والامنة فعل لفاعله ويجوز ان يراد به الايمان فيكون فعل المغشى وان يجعل على قراءة ابن كثير وابو عمر فعل النعاس على المجاز لانها لاصحابه او لانه كان من حقه ان لا يغشاهم لشدة الخوف فلما غشاهم فكانه حصلت له امنة من الله لولاها لم يغشهم قال عبد الله بن مسعود النعاس في القتال امنة من الله وفي الصلاة من الشيطان روى عبد بن جميد عن قتادة قال كان النعاس امنة «١» من الله وكان النعاس نعاسين نعاس يوم بدر ونعاس يوم أحد وقد مر ذكر النعاس في القصة وذكر المطر الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال وَيُنَزِّلُ قرأ ابن كثير وابو عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الحدث والجنابة وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ يعنى وسوسته إليهم تزعمون انكم اولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم مصلون مجنبون وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ يقويها بالوثوق على لطف الله بهم وإنزال السكينة عليها يقال فلان رابط الجاش إذا قوى قلبه واصل الربط الشد وذلك يقتضى القوة والاستحكام وَيُثَبِّتَ بِهِ اى بالمطر الْأَقْدامَ (١١) حيث صلب الرمل ولم يذهب الاقدام فيها او بالصبر وقوة القلب. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ الذين أمد بهم المؤمنين بدل ثالث او متعلق بيثبت أَنِّي مَعَكُمْ في اعانة المؤمنين وثبتهم وهو مفعول يوحى فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بمحاربة أعدائهم وتكثير سوادهم وبشارتهم بالنصر قال مقاتل كان الملك يمشى امام الصف في صورة الرجل ويقول ابشروا فان الله ناصركم سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ هو امتلاء القلب من الخوف يعنى الخوف من المؤمنين قرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بسكونها وهذا بمنزلة التفسير لقوله انى معكم روى ابو نعيم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قلت لابى يا أبت كيف أسرك ابو اليسر ولو شئت لجعلته

стр. 1450

في كفك فقال يا بنى لا تقل ذلك لقينى وهو في عينى أعظم من الخندقه قلت وهذا الإلقاء الله الرعب في قلوبهم فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ اى أعاليها التي هى المذابح والرؤوس وقال عكرمة يعنى الرؤوس لانها فوق الأعناق وقال الضحاك معناه فاضربوا الأعناق وفوق صلة وقيل معناه فاضربوا على الأعناق وفوق بمعنى على وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) قال عطية يعنى كل مفصل وقال ابن عباس وابن جريح والضحاك يعنى الأطراف والبنان جمع بنانة وهى أطراف أصابع اليدين والرجلين في القاموس الأصابع او أطرافها والخطاب للملئكة يقتضيه سياق الآية وفيه دليل على ان الملائكة قاتلوا قال ابن الأنباري كانت الملائكة لا تعلم كيف يقتل الآدميون فعلمهم الله تعالى روى البخاري والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر اللهم انى أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان تشأ لا تعبد بعد اليوم فاخذ ابو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله لقد ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وامر وانزل الله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم انى ممدكم بألف من الملئكة مردفين اى متتابعين يتبع بعضهم بعضا وانزل الله تعالى ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فاوحى الله تعالى الى الملئكة انى معكم فثبتوا الذين أمنوا سالقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان وروى مسلم وابن مردوية عن ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في اثر رجل من المشركين امامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وسمع صوت الفارس يقول اقدم حيزوم إذ نظر الى المشرك امامه مستاتيا فنظر اليه فاذا هو قد حطم انفه وشق وجهه كضربة السوط فاحضر ذلك الموضع اجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة وروى الحاكم وصححه والبيهقي وابو نعيم عن سهل بن حنيف قال لقد رايتنا يوم بدر ان أحدنا يشير بسيفه الى راس المشرك فيقع راسه قبل ان يصل اليه وروى البيهقي عن الربيع بن انس قال كان الناس يعرفون قتل من قتلوه بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق وروى ابن

стр. 1451

سعد عن حويطب بن عبد العزى قال شهدت بدرا مع المشركين فرأيت عيرا رأيت الملئكة تقتل وتاسر بين السماء والأرض وروى محمد بن عمر الأسلمي والبيهقي عن ابى بردة بن يناد رضى الله عنه قال جئت رسول الله ﷺ بثلاثة رؤس فقلت يا رسول الله اما راسان فقتلتهما واما الثالث فانى رأيت رجلا ابيض طويلا ضربه فاخذت رأسه فقال رسول الله ﷺ ذاك فلان من الملئكة وروى ابن سعد عن عكرمة قال كان يومئذ يندر رأس الرجل الا يدرى من ضربه وتندر يد رجل لا يدرى من ضربه وروى ابن إسحاق والبيهقي عن ابى واقد الليثي قال انى لا تبع يوم بدر رجلا من المشركين لا ضربه فوقع راسه قبل ان يصل اليه سيفى فعرفت ان غيرى قتله وروى البيهقي عن خارجة بن ابراهيم قال قال رسول الله ﷺ لجبرئيل من القائل يوم بدر من الملئكة اقدم حيزوم فقال جبرئيل ما كل اهل السماء اعرف وروى ابن إسحاق عن ابى رافع مولى رسول الله ﷺ قال كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا اهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق فى قومه وكان ابو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحابه بل ركبه «١» الله وأخزاه فوجدنا فى أنفسنا قوة وعزة وكنت رجلا ضعيفا وكنت اعمل القداح وأنحتها فى حجرة زمزم فو الله انى لجالس انحت القداح وعندى أم الفضل جالسة إذ اقبل الفاسق ابو لهب يجر رجليسه حتى جلس على طنب «٢» الحجرة وكان ظهره الى ظهرى فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم فقال ابو لهب الىّ ابن أخي فعندك الخبر فجلس اليه والناس قيام عليه فقال أخبرني ابن أخي كيف كان امر الناس فقال لا شىء والله ان كان الا ان لقيناهم فمحناهم «٣» أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاء وايم الله مع ذلك ما ملت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال ابو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملئكة قال فرفع

стр. 1452

ابو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة فثاورته «١» فاحتملنى فضرب بي الأرض ثم برك علىّ يضربنى وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل الى عمود من عمد الحجرة فاخذته فضربته به ضربة فلقت فى راسه شجة منكرة وقالت استضعفته ان غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فو الله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله قال ابن جرير والعدسة «٢» قرحة كانت العرب يتشاءم بها ويرون انها تعدو أشد العدو فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه بعد موته ثلثا ولا تقرب جثته ولا يحاول دفنه فلما خافوا السبة «٣» فى تركه حفروا له ثم وضعوه بعصا فى حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه قال ابن إسحاق فى رواية يونس بن بكير انهم لم يحفر واله ولكنه أسندوه الى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه. ِكَ اشارة الى الضرب والأمر به والخطاب للرسول ﷺ وهو مبتدأ خبره أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعنى بسبب انهم عاندوهما اشتقاقه من الشق لان كلا من المتعاندين فى شق خلاف شق الاخر كالمعاداة من العدوة والمخاصمة من الخصم وهو الجانب مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعاقبه الله عقابا شديداإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) تقرير للتعليل او وعيد بما أعد لهم فى الاخرة بعد ما حاق بهم فى الدنيا. ذلِكُمْ الخطاب مع الكفار على طريقة الالتفات ومحله الرفع اى الأمر ذلكم او ذلكم العقاب واقع او النصب بفعل دل عليه قوله تعالى فَذُوقُوهُ يعنى ذوقوا ذلكم العذاب فى الدنيا فذوقوه او غير ذلك الفعل مثل باشروا او عليكم ويكون الفاء حينئذ عاطفة وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) فى الاخرة عطف على ذلكم او الواو بمعنى مع والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ان الكفر سبب موجب للعذاب الاجل والجمع بينهما والمؤمن لو أصابه مصيبة فى الدنيا بما كسبت يداه كانت له كفارة ولا يعذب فى الاخرة إنشاء الله تعالى روى البغوي بسنده فى تفسير قوله تعالى ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم الاية عن على رضى الله عنه قال الا أخبركم بأفضل آية من كتاب الله حدثنا بها رسول الله

стр. 1453

صلى الله عليه وسلم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير وسافسرها لك يا عليّ ما أصابكم من مرض او عقوبته او بلاء فى الدنيا فبما كسبت ايديكم والله أكرم من ان يثنى عليهم العقوبة فى الاخرة وما عفى الله عنه فى الدنيا فالله احكم من ان يعود بعد عفوه والله اعلم روى الترمذي وحسنه والحاكم عن عكرمة عن ابن عباس قال قيل لرسول الله ﷺ عليك بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو أسير فى وثاقه لا يصلح فقال رسول الله ﷺ لم قال لان الله وعدك احدى الطائفتين وقد اعطاك ما وعدك قال صدقت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً حال من فاعل لقيتم ومفعوله اى متزاحفين بعضكم الى بعض مختلطين المسلمون بالمشركين والتزاحف التداني فى القتال كذا قال البغوي قلت وانما سمى التداني فى القتال تزاحفا لانه ماخوذ من زحف الصبى إذا دب على استه قليلا او من زحف البعير إذا أعيى فيسير قليلا يجر فرسه فان مزاحمة العدو يمنعهم عن الاسراع فى المشي فكانهم يزحفون كما يزحف الصبى فالزحف مصدر ولذلك لم يجمع كقولهم قوم عدل وقال الليث الزحف جماعة يزحفون الى عدو لهم فهم الزحف بالفتح والإسكان والجمع الزحف بالضمتين وفى القاموس الزحف الجيش يزحفون الى العدو واختار البيضاوي هذا المعنى حيث فسرز حفا بمعنى كثيرا فعلى هذا اما ان يكون حالا من الذين كفروا يعنى إذا لقيتم جماعة كثيرة من الكفار فضلا من ان يكونوا مثلكم او قليلا منكم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) اى لا تولوا ظهوركم بالانهزام واما من الفاعل والمفعول جميعا والمعنى إذا لقيتم متكثرين بجماعة كثيرة من الكفار وحينئذ يكون جريان الحال جريا على العادة فان الغالب قتال لمتكثرين بالمتكثرين واما من الفاعل وحده ويكون اشعارا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر الفا والأظهر عندى فى تفسير الاية ما قال البغوي فانه يقتضى عموم النهى سواء كان من الفريقين جماعات او فرادى فان مقابلة الجمع بالجمع يقتضى انقسام الآحاد على الآحاد

стр. 1454

(مسئله) الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر وعلى هذا اكثر اهل العلم وبه قال الائمة الاربعة من الفقهاء لكنهم قالوا ان المسلمين إذا كانوا على شطر من عدوهم لا يجوز لهم ان يفروا وإن كانوا اقل من ذلك جاز لهم ان يولوا ظهورهم ويتجاوزوا عنهم لقوله تعالى الان خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مأته صابرة يغلبوا مائتين الاية قال عطاء ابن رباح هذه الاية يعنى لا تولوهم الأدبار منسوخة بقوله تعالى الان خفف الله عنكم وبحديث ابن عمر قال بعثنا رسول الله ﷺ فى سرية فحاص الناس حيصة فاتينا المدينة فاختفينا بها وقلنا هلكنا ثم اتينا رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون قال بل أنتم العكارون «١» وانا فئتكم رواه الترمذي وحسنه وفى رواية ابى داود نحوه وقال محمد بن سيرين لما قتل ابو عبيدة جاء الخبر الى عمر رضى الله عنهما فقال لو انحاز الى كنت له فئة وانا فئة كل مسلم ومحمل هذين الحديثين قلة المسلمين من شطر الكفار قال البغوي قال ابن عباس من فرمن ثلثة فلم يفرو من فرمن اثنين فقد فرو قال بعض الناس لا بأس بالفرار مطلقا محتجا بما ذكرنا من حديث ابن عمرو محمد بن سيرين قال ابو سعيد الخدري هذا يعنى النهى عن التولي زحفا فى اهل بدر خاصة ما كان يجوز لهم الانهزام لان النبي ﷺ كان هناك ولو انحازوا انحازوا الى المشركين فاما بعد ذلك فان المسلمين بعضهم فئة بعض فيكون الفار متحيزا الى فئة فلا يكون فراره كبيرة وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وقال يزيد ابن ابى حبيب أوجب الله تعالى النار لمن فريوم بدر فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم ثم كان يوم حنين بعد فقال ثم وليتم مدبرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء قلت وهذا القول ردّه اجماع الائمة على ما ذكرنا وما ذكر من الآيات فى يوم أحد ويوم حنين فهى حجة لنا لا علينا حيث قال الله تعالى انما استزلهم الشيطان وقال عفى الله عنهم والعفو يقتضى العصيان وكذا قوله تعالى ثم يتوب الله يدل على وجود المعصية والله اعلم وقد ذكر رسول الله صلى الله

стр. 1455

عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات رواه الشيخان فى الصحيحين فى حديث ابى هريرة واصحاب السنن عن صفوان بن عسال وقد ذكرنا الكبائر فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم فالوعيد عام بقوله تعالى. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يعنى الذين كفروا يَوْمَئِذٍ اى يوم إذا لقيتموهم زحفا دُبُرَهُ اى ظهره فى اى حال كان إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ اى متعطفا يريد ان يرى من نفسه الانهزام وقصده الغرة بالعدو وهو يريد الكر أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ اى منضما صابرا الى جماعة المسلمين إذا أعيى من القتال يريد العود بعد زوال التعب فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) جهنم وفى القصة ما ذكره البغوي انه قال مجاهد فلما انصرف المسلمون عن القتال كان الرجل يقول انا قتلت فلانا ويقول الاخر مثله فنزلت. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ بقوتكم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بنصره إياكم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم وامداد الملئكة لكم والفاء جواب شرط محذوف تقديره ان افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وهذا سبب أقيم مقام المسبب والأصل فى التقدير ان افتخرتم فقد أخطأتم إذ لم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم من غير تجشم منكم بامداده على خلاف جرى العادة وَما رَمَيْتَ يا محمد بالحصباء رميا يوصلها الى أعينهم أجمعين ولم تكن تقدر على ذلك إِذْ رَمَيْتَ أتيت بصورة الرمي وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى اتى هو غاية الرمي فاوصلها الى أعينهم جميعا حتى انهزموا قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف لكن فى الموضعين ورفع ما بعده والباقون بالتشديد ونصب ما بعده روى ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس والأموي عن عبد الله ابن ثعلبه بن صفير ان رسول الله ﷺ قال يعنى فى مناشدته ربه ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد فى الأرض ابدا فقال له جبرئيل خذ قبضة من تراب فرمى بها فى وجوههم فما بقي من المشركين من أحد الا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه فولوا مدبرين فقال رسول الله ﷺ لاصحابه احملوا فلم يكن الا الهزيمة فقتل الله من قتل من

стр. 1456

صناديد قريش واسر من اسر وانزل الله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم الاية وروى الطبراني وابو الشيخ برجال الصحيح عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال لعلى رضى الله عنه ناولنى قبضة من حصباء فرمى بها رسول الله ﷺ فى وجوه الكفار فما بقي أحد من القوم الا امتلأت عيناه من الحصباء وروى ابو الشيخ وابو نعيم وابن مردويه عن جابر رضى الله عنه قال سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كانهن وقعن فى طست فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله ﷺ فرمى بهن وجوه المشركين فانهزموا وروى ابن ابى حاتم عن ابن زيد ان رسول الله ﷺ أخذ بثلث حصيات فرمى بحصاة فى ميمنة القوم وحصاة فى ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال شاهت الوجوه فانهزم القوم وروى محمد بن عمرو الأسلمي امر رسول الله ﷺ فاخذ من الحصباء كفا فرمى به المشركين وقال شاهت الوجوه اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم فانهزم اعداء الله لا يلوذون على شيء والقواد روعهم والمسلمون يقتلون ويأسرون وما بقي منهم أحد الا امتلأ وجهه وعيينه ما يدرى اين يوجه والملائكة يقتلونهم وروى الطبراني وابن ابى حاتم وابن جرير بسند حسن عن حكيم بن جزام قال لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء الى الأرض كانه صوت حصاة وقعت فى طست ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحصاة وقال شاهت الوجوه فانهزمنا وفى شان نزول الآيات روايات أخو غريبة منها ما روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال اقبل ابى بن خلف يوم أحد الى النبي ﷺ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير وراى رسول الله ﷺ ترقوة ابي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فسقط من فرسه ولم يخرج من طعنه دم فكسر ضلعا من أضلاعه فاتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا ما أعجزك انما هو خدش فذكر لهم قول رسول الله ﷺ بل انا اقتل أبيا قال والذي نفسى بيده لو كان هذا باهل ذى المجاز لماتوا أجمعين فمات ابى قبل ان يقدم مكة فانزل الله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى اسناده صحيح لكنه غريب ومنها ما اخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن جبير ان رسول الله ﷺ يوم خبير دعى

стр. 1457

بقوس فرمى الحصن فاقبل السهم يهوى حتى قتل ابن ابى الحقيق وهو فى فراشه فانزل الله وما رميت إذ رميت وهذا مرسل جيد لكنه غريب والله اعلم وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ اى لينعم الله عليهم مِنْهُ اى ما فعل بَلاءً حَسَناً نعمة عظيمة قوله تعالى ليبلى معطوف على محذوف يعنى فعل ما فعل ليظهر دينه ويقهر أعدائه ويبلى المؤمنين اى يعطيهم نعمة عظيمة النصر والغنيمة وتقويته الايمان بمشاهدة الآيات واجر الجهاد والشهادة ودرجات القرب وغرفات الجنان ومرضاة الله تعالى قلت كانه جواب سوال مقدر وهو ان الله تعالى كان قادرا على ان يهلك الكفار أجمعين من غير مجاهدة المؤمنين وقتالهم حتى قتل بعضهم ومن غير امداد الملئكة وايضا كان ملك من الملئكة كاف فى إهلاكهم كما فعل بأشياعهم من قبل حيث قال وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين انكانت الا صيحة واحدة فاذا هم خامدون فاى فائدة فى امدادهم بثلاثة آلاف من الملئكة وقتال الملئكة وغير ذلك فيقول الله سبحانه فعلنا هذا كله لاظهار دينه وإعطاء المؤمنين من الانس والملئكة نعمة من الله من الاجر والثواب والنصر والغنيمة ولو أهلك كلهم بقدرته او بصيحة ملك واحد ولم يبق من المشركين أحد لم ينل أحد منهم فضل الايمان بالله تعالى وقد أمن كثير من بقي منهم بعد ذلك وما نال المؤمنون اجر الجهاد والشهادة والغنيمة والفضل وما نال الملئكة ذلك الفضل- (فصل) فيما ورد فى فضائل اهل بدر روى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال جاء جبرئيل الى النبي ﷺ فقال ما تعدون اهل بدر فيكم قال أفضل المسلمين او كلمة نحوها قال جبرئيل وكذلك من شهد بدر أمن الملائكة وروى احمد وابن ماجه عن رافع بن خديج نحوه وروى احمد بسند صحيح على شرط مسلم عن جابر قال قال رسول الله ﷺ لن يدخل النار رجل شهد بدرا والحديبية وروى ابو داود وابن ماجة والطبراني بسند جيد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اطلع الله على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وروى احمد عن حفصة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول انى لارجوا ان لا يدخل النار إنشاء الله أحد

стр. 1458

شهد بدر او الحديبية قالت قلت أليس الله يقول وان منكم الا واردها قال اما سمعته يقول ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا وروى مسلم والترمذي عن جابر ان عبد الله بن حاطب جاء الى رسول الله ﷺ يشكوا حاطبا اليه فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار قال كذبت لا يدخلها فانه شهد بدر او الحديبية وفي الصحيحين عن على قصة كتاب حاطب بن بلتعة وقول عمر يا رسول الله اضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ أليس من اهل بدر ولعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وقال فقد وجبت لكم الجنة وقد ذكرنا الحديث في سورة الفتح وسورة الممتحنة وروى البخاري عن انس قال أصيب حارثة بن زيد يوم بدر فجاءت امه الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى فان يك في الجنة اصبر واحتسب وان يك الاخرى فترى ما اصنع قال ويحك او جنة واحدة هى انها جنان كثيرة وانه فى الفردوس وفي رواية عند غير البخاري عن انس ان حارثة كان في النظارة وفيه ان ابنك أصاب الفردوس الأعلى ففيه تنبيه عظيم على فضل اهل بدر فانه لم يكن في بحجة القتال ولا في حومة الغوائل بل كان من النظارة من بعيد وانما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب جنة الفردوس التي هى أعلى الجنة وأوسطها ومنها تفجر انهار الجنة فاذا كان هذا حاله فما ظنك بمن كان في نحر العدد وهم على ثلثة أضعافهم عددا وعددا واستشكل قوله ﷺ اعملوا ما شئتم فان ظاهره للاباحة وهو خلاف عقد الشرع فقيل انه اخبار عن مغفرة الذنوب الماضية يدل عليه قوله قد غفرت لكم بصيغة الماضي ورد هذا القول بانه لو كان للماضى لما صح الاستدلال في قصة حاطب بن بلتعة لانه ﷺ خاطب عمر منكرا عليه ما قال في امر حاطب فان هذه القصة كانت بعد بدر بست سنة فدل على ان المراد مغفرة الذنوب المستقبلة وانما أورد بلفظ الماضي مبالغة في تحققه والصحيح ان قوله ﷺ اعملوا للتشريف والتكريم والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر عنهم وانهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيم التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة وتأهلوا لان

стр. 1459

يغفر لهم للذنوب اللاحقة ان وقعت. (فايده) اتفقوا على ان البشارة المذكورة فيما يتعلق باحكام الآخرة لا باحكام الدنيا من اقامة الحدود وغيرها والله اعلم إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتهم ودعائهم عَلِيمٌ (١٧) بنياتهم وأحوالهم. ذلِكُمْ اشارة الى البلاء الحسن أو القتل والرمي ومحله الرفع اى المقصود او الأمر ذلكم او ذلكم الإبلاء حق وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) معطوف على ذلكم يعنى المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وابطال حيلهم قرأ نافع وابن كثير وابو عمر بفتح الواو وتشديد الهاء والباقون بإسكان الواو وتخفيف الهاء وقرأ حفص موهن بغير تنوين مضافا الى كيد بالجر والباقون بالتنوين ونصب كيد روى ابن إسحاق واحمد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير بالمهملتين العذرى وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعضهم قال ابو جهل اللهم أينا كان اقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة اللهم من كان أحب إليك وارضى عندك فانصره فكان هو المستفتح على نفسه فانزل الله تعالى. إِنْ تَسْتَفْتِحُوا اى تستنصر والأحب الناس وارضهم عند الله فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ الذي طلبتم فقتل ابو جهل يوم بدر وروى احمد والشيخان وغيرهم عن عبد الرحمن بن عوف قال انى لواقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يمينى وعن شمالى فاذا انا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت ان أكون بين اضلع منهما فغمزنى أحدهما سرّا من صاحبه فقال اى عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم فما حاجتك اليه يا ابن أخي قال أخبرت انه يسب النبي ﷺ والذي نفسى بيده لئن رايته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منهما قال وغمزنى الاخر سرا من صاحبه فقال مثلها فعجبت لذلك فلم انشب ان نظرت الى الى جهل يحول في الناس وهو يرتجز- شعر: ما تنقم الحرب «١» العوان منى بازل «٢» عامين حديث سنى لمثل هذا ولدتني أمي فقلت الا تريان هذا صاحبكما كما الذي تسالان عنه فابتدراه

стр. 1460

بسيفهما فضرباه حتى برد وانصرفا الى رسول الله ﷺ فاخبراه فقال كلاكما قتله وقضى رسول الله ﷺ سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان هو ومعاذ بن عفراء وروى البخاري عن انس قال قال النبي ﷺ يوم بدر من ينظر ما فعل ابو جهل قال فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد فاخذ بلحية وقال أنت ابو جهل قال وهل فوق رجل قتله قومه او قتلتموه وفي مسند احمد عن ابى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه انه وجد أبا جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو ضريع وقد ندب الناس فيه بسيف له فاخذته فقتلته به فنفلنى رسول الله ﷺ سيفه قال الحافظ هو معارض لما في الصحيح انه ﷺ اعطى سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ويمكن الجمع بان يكون نفل ابن مسعود سيفه الذي قتله به فقط وروى ابن إسحاق عن معاذ بن عمرو بن الجموح قال لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة امر بابى جهل بن هشام ان يلتمس في القتلى وقال اللهم لا يعجزنك قال فلما سمعتها جعلته من سابق فصمدت نحوه فضربته ضربة اطنت قدمه بنصف ساقه قال وضربنى ابنه عكرمة على عاتقى فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جنبى واجهضنى القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى هذا وانى لاصحبها خلفي فلما آذتني وضعت قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها قال ابن إسحاق وعاش بعد ذلك الى زمن عثمان قال القاضي زاد ابن وهب في روايته فجاء معاذ يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ فلصقت كذا نقل عن القاضي في العيون وفي الشفاء قطع ابو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقت رواه ابن وهب قال إسحاق ثم مر بابى جهل وهو عفير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل ثم مر عبد الله بن مسعود بابى جهل قال ابن مسعود وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني هل اعمد «١» من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدابرة «٢» قلت الله ولرسوله

стр. 1461

وروى عن ابن مسعود انه قال قال لى ابو جهل لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقا صعبا ثم اخررت راسه ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله هذا راس عدو الله ابى جهل فقال الله الذي لا اله غيره قلت ونعم والذي لا اله غيره ثم ألقيت بين يدى رسول الله ﷺ فحمد الله وفي رواية خر رسول الله ﷺ ساجدا وفي روايته صلى ركعتين وروى ابن عابد عن قتادة ان رسول الله ﷺ قال ان لكل امة فرعون وفرعون هذه الامة ابو جهل قاتله الله قتله ابنا عفراء وقتله الملائكة وتدافه ابن مسعود يعنى اجهز عليه واسرع قتله وقال عكرمة قال المشركون والله ما نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فانزل الله تعالى ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح اى ان تستقضوا فقد جاءكم القضا وقال السدى والكلبي كان المشركون حين خرجوا الى النبي ﷺ أخذوا بأستار الكعبة وقالوا اللهم الضر على الجندين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت فعلى هذه الروايات الخطاب لكفار مكة وقال ابى بن كعب هذا خطاب لاصحاب رسول الله ﷺ قال الله تعالى للمسلمين ان تستفتحوا اى ان تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر والظفر روى البغوي بسنده عن قيس بن حباب قال شكونا الى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا الا تدعوا الله لنا الا تستنصر لنا فجلس محمارا لونه او وجهه فقال لنا لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق راسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه عن دينه ويمشط بامشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعا الى حضرموت لا يخشى الا الله ولكنكم تعجلون وَإِنْ تَنْتَهُوا ايها الكفار عن الكفر بالله والقتال مع نبيه ﷺ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فان فيه صلاح الدارين لكم وَإِنْ تَعُودُوا لحربه ومعاداته نَعُدْ بمثل الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر وَلَنْ تُغْنِيَ اى لن يدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ اى جماعتكم شيئا من الإغناء او شيئا من المضارّ وَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)

стр. 1462

قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة وحينئذ عطف على محذوف يعنى لن تغنى عنكم فئتكم شيئا لاجل شوم كفركم ولان الله مع المؤمنين وقيل هو عطف على قوله ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين وان الله مع المؤمنين وقرأ الباقون بالكسر على الاستيناف والعطف على لن تغنى وإن كان قوله تعالى ان تستفتحوا خطابا للمسلمين فالمعنى ان تستنصروا فقد جاءكم الفتح النصر وان تنتهو عن التكاسل في القتال والمجادلة في الحق والرغبة عما يستاثره الرسول فهو خير لكم وان تعودوا بعد بالإنكار وتهيج العدو ولن تغنى حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر فان الله مع المؤمنين الكاملين ويناسبه قوله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ اى لا تعرضوا عن الرسول يعنى عن اطاعنه افراد الضمير لان المراد من الاية الأمر باطاعة الرسول ﷺ والنهى عن الاعراض عنه وذكر الله تعالى للتوطية والتنبيه على ان طاعة الله تعالى في طاعة الرسول ﷺ وقيل الضمير للجهاد او للامر الذي يدل عليه الطاعة وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) القرآن والمواعظ وتصدقونه. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا يعنى المنافقين الذين ادعوا السماع والتصديق وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) سماع اتعاظ وقبول. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ اى شر ما يدب على الأرض او شر البهائم عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ عن الحق لا يسمعه سماع قبول فلا ينطق به الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) الحق عدهم من البهائم وجعلهم شرها لابطالهم ما امتازوا به من البهائم وفضلوا لاجله قال ابن عباس هم نفر من بنى الدار بن قصى كانوا يقولون نحن صم بكم عمى عما جاء به محمد فقتلوا جميعا بأحد وكانوا اصحاب اللواء ولم يسلم منهم الا رجلان مصطب بن عمير وسويط بن حرملة. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً يعنى استعداد قبول الحق وكانوا من اهل السعادة من مربيات اسم الله الهادي لَأَسْمَعَهُمْ سماع قبول وتفهم وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ سماع انتفاع وقفهم وقد علم ان لا خير فيهم لَتَوَلَّوْا بعد الايمان والتصديق والانتفاع وارتدوا لما سبق عليهم

стр. 1463

الكتاب وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) بعد ظهور الحق عنادا قال رسول الله ﷺ ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل اهل النار فيدخلها الحديث متفق عليه عن ابن مسعود قال البغوي وقيل انهم كانوا يقولون للنبى ﷺ احى لنا قصيا فانه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك فقال الله تعالى ولو أسمعهم كلام قصى لتولوا وهم معرضون. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ يعنى أجيبوا هما بالطاعة إِذا دَعاكُمْ الرسول أفرد الضمير لما ذكرنا ولان دعوة الله يسمع من الرسول لِما يُحْيِيكُمْ قال السدى اى الايمان لان الكافر ميت وقال قتادة هو القرآن فيه الحيوة وبه النجاة والعصمة في الدارين وقال مجاهد الحق وقال ابن إسحاق هو الجهاد حيث أعزكم الله به بعد الذل وقال القتيبي هو الشهادة قال الله تعالى بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين قلت والاولى ان يقال هو كل ما دعى له الرسول ﷺ والتقيد ليس للاحتراز بل للمدح والتحريض فان طاعة الرسول في كل امر يحى القلب وعصيانه يميته والمراد بحياة القلب طرد الغفلة عنه بخرق الحجب ودفع الظلمة روى الترمذي والنسائي من حديث ابى هريرة ان النبي ﷺ مر على ابى بن كعب وهو يصلى فدعاه فعجل ابى في صلوته ثم جاء فقال رسول الله ﷺ ما منعك ان تجيبنى إذا دعوتك قال كنت في الصلاة قال أليس الله تعالى يقول يايّها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم فقال لا جرم يا رسول الله لا تدعونى الا أجبتك وان كنت مصليا وهذا الحديث يؤيد ما قلت بوجوب الاجابة لكل ما دعى رسول الله ﷺ . (مسئلة) قيل اجابة الرسول لا يقطع الصلاة وقيل دعائه إن كان لامر لا يحتمل التأخير فللمصلى ان يقطع الصلاة لاجله والظاهر هو المعنى الاول والا فقطع الصلاة يجوز لكل امر دينى مهم يفوت بالتأخير كالاعمى يقع في البير وهو يصلى لو لم يقطعها ولم يرشده والله اعلم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ اى يميته

стр. 1464

فيفوته الفرصة التي هو واجدها لطاعة الله تعالى فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لله وسارعوا الى الخيرات او المعنى ان الله يحول بين الإنسان وبين ما يتمناه قلبه من طول الحيوة فيفسخ عزائمه فلا تسوقوا في امور الدين وقيل هو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى نحن اقرب اليه من حبل الوريد وتنبيه على انه مطلع على مكنونات القلب ما عسى ان يغفل عنه صاحبه فعليكم بالإخلاص وقيل هو تصوير وتخيل لتملكه على قلب العبد فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده يحول بينه وبين الكفر والعصيان ان أراد سعادته وبينه وبين الايمان والطاعة ان أراد شقاوته فلابد من دوام التضرع والالتجاء اليه وخوف الخاتمة عن انس بن مالك قال كان رسول الله ﷺ يكثر ان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك قالوا يا رسول الله أمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال القلوب بين إصبعين من أصابع الله بقلبها كيف يشاء رواه الترمذي وابن ماجة وعن ابن عمر مرفوعا ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله ﷺ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وعن عمر بن الخطاب انه سمع غلاما يدعوا اللهم انك تحول بين المرأ وقلبه فحل بينى وبين الخطايا فلا اعمل بسوء منها فقال رحمك الله ودعا له بخير وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) فيجازيكم بأعمالكم. وَاتَّقُوا فِتْنَةً اى معصية لا تُصِيبَنَّ الضمير راجع الى فتنة بتقدير حذف المضاف اى لا يصيبن وبالها الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً لا تصيبن صيغة نهى موكد بالنون صفة لفتنة على ارادة القول يعنى اتقوا فتنة يقال فيها لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل تعم الظالم وغيره او صيغة نفي دخلها النون لتضمنها معنى النهى فمعنى الآية الأمر بالاتقاء عن فتنة موصوفة بعموم وبالها من ارتكبها ومن لم يرتكبها واختلفوا في ذلك الفتنة ما هى فقال قوم هى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال ابن عباس امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعهم الله بعذاب يصيب

стр. 1465

الظالم وغير الظالم واستدلوا على ذلك بحديث ابى بكر الصديق قال يا ايها الناس انكم تقرءون هذه الآية يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه او شك ان يعمهم الله بعقاب من عنده رواه اصحاب السنن الاربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان وحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ايها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل ان تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل ان تستغفروه فلا يغفر لكم ان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يدفع رزقا ولا يقرب أجلا وان الأحبار من اليهود والنصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء رواه الاصبهانى وله شاهد من حديث ابن مسعود وحديث عائشه وعن عدى بن عدى الكندي قال حدثنا مولى لنا انه سمع جدى يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلم ينكروه فاذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة رواه البغوي في شرح السنة والمعالم وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصاروا بعضهم في أسفلها وبعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتاذوا به فاخذ فاسا فجعل ينقر أسفل السفينة فاتوه فقالوا مالك قال تاذيتم بي ولا بد لى من الماء فان أخذوا على يديه انجوه وانجوا بانفسهم وان تركوه اهلكوه واهلكوا أنفسهم رواه البخاري قلت والاستدلال بهذه الأحاديث لا يصح فان مقتضى الأحاديث ان معصية أحد لا يعذب بها غيره الا إذا عمل بها بين اظهر الناس وهم قادرون على الإنكار فلم ينكروا فحينئذ يعم عذاب تلك المعصية فاعلها ومن لم يفعلها بل ترك النهى عنها ولا شك ان النهى عن المنكر فريضة تاركها ظالم فشموله عذاب المعصية إصابة عذاب الظالم وليس ذلك العذاب شاملا للظالم

стр. 1466

وغيره الم تسمع قصة القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت يعنى طائفة منهم وطائفة كانت ناهية عن المنكر وطائفة لم يأتوا بالمنكر لكنهم تركوا النهى عنه فقال الله تعالى فانجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب فهذا صريح في ان وبال ترك النهى لم ينل غير الظالم وهذه الآية تدل على فتنة ينال وباله الظالم وغيره وقال قوم هى البغي والفساد في الأرض فانه ينال وباله في الدنيا رجال معصومون يعنى يقتل الناس وينهب عن قتادة في الاية قال علم والله ذوو الألباب من اصحاب محمد ﷺ حين نزلت هذه الآية انه ستكون فتن ومن هاهنا قال ابن زيد أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا وقال الحسن نزلت الآية في على وعمار وطلحة والزبير عن مطرف قال قلنا للزبير يا أبا عبد الله قد ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه قال الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فاذا نحن المعنيون بها يعنى ما كان منه يوم الجمل من البغي على على رضى الله عنه وكذا قال السدى والضحاك وقتادة قلت وعندى ان المراد بالفتنة المذكورة ترك الجهاد خصوصا عند النفير العام إذا دعاهم الامام اليه والتولي يوم الزحف بقرينة سياق القصة قال الله تعالى وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق وقال الله تعالى يا ايها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار وقال عز من قائل يا ايها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم والمراد من إصابة الوبال للظالم وغيره وصول المكروه لجميعهم الا ترى ان ترك القتال يوجب غلبة الكفار وقتل المسلمين ونهب أموالهم من الصغار والكبار والنساء والقرار من الزحف يوجب قتل المجاهدين الصابرين الا ترى ان المسلمين إذا استزلهم الشيطان يوم أحد نال وباله سائر المسلمين حتى نال بعض المكروه للنبى المعصوم شج وجهه وكسر رباعيته والله اعلم وجاز ان يكون قوله تعالى لا تصيبن نهيا بعد امر باتقاء الذنب والمعنى اتقوا كل فتنة ولا يرتكبن أحد منكم فتنة ما فان وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه وفائدته ان الظالم منكم أقبح منه من غيركم

стр. 1467

وهذا معنى ما قال البغوي ليس بجزاء محض ولو كان جزاء لم يدخل فيه النون لكنه نهى وفيه طرف من الجزاء كقوله تعالى يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده تقديره واتقوا فتنة ان لم تتقوها أصابتكم خاصة فلا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ومثله ادخلوا مساكنكم ان لم تدخلوها يحطمنكم سليمان وجنوده والله اعلم وليس قوله تعالى لا تصيبن جوابا للامر لان المعنى حينئذ اتقوا فتنة ان تتقوها لا يصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وليس المعنى ان تتقوها لا يصيبنكم إذ نفي المقيد يرجع الى القيد فالمعنى بل يعمكم وغيركم وفساده ظاهر قال البيضاوي جواب للامر على معنى ان أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة قلت لا بد في جواب الأمر من تقدير شرط ماخوذ من الأمر كما في قول القائل اسلم تدخل الجنة يعنى ان تسلم تدخل الجنة وقوله تعالى ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم يعنى ان تدخلوا لا يحطمنكم فتقدير ان أصابتكم لا يتصور إن كان جوابا للامر بل يكون الشرطية صفة لفتنة ويؤل التأويل الى ما ذكرنا او لا وايضا لا يجوز ان يكون قوله تعالى لا تصيبن الذين ظلموا جواب قسم محذوف ويكون تقدير الكلام اتقوا فتنة والله لا يصيبن الفتنة الذين ظلموا منكم خاصة بل يعمكم لان الفتنة المامورة بالاتقاء عنها على هذا فتنة منكرة والنكرة إذا أضمرت في قوله تعالى لا تصيبن صارت عامة فيلزم عموم وبال كل معصية الظالم وغيره وفساده ظاهر لانه خلاف الإجماع وخلاف منطوق قوله تعالى لا تزر وازرة وزر اخرى اللهم الا ان يقال المراد بالفتنة ما ذكرنا من ترك الجهاد والفرار من الزحف بقرينة السياق والمراد باصابتها إصابة وبالها في الدنيا والله اعلم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) فاحذروا عقابه بالاتقاء من الفتنة. وَاذْكُرُوا ايها المهاجرون إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ في العدد مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ارض مكة تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ يعنى كفار قريش وأخرج ابو الشيخ عن ابن عباس قيل يا رسول الله من الناس قال اهل فارس فَآواكُمْ المدينة وَأَيَّدَكُمْ يوم بدر بِنَصْرِهِ على الكفار وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ

стр. 1468

من المغانم أحلها لكم ولم يحلها لاحد قبلكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) وقيل الخطاب للعرب كافة فانهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم كانوا جميعا معادين لهم متضادين فجعل لهم الله ماوى يتحصنون به عن أعدائهم يعنى جوار نبيه ﷺ وأيدهم بنصره على جميع اهل الملل والله اعلم روى سعيد بن منصور وغيره عن عبد الله بن ابى قتادة وذكره البغوي ان النبي ﷺ حاصر بنى قريظة احدى وعشرين ليلة فسالوا رسول الله ﷺ الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بنى النضير على ان يسيروا الى إخوانهم الى أذرعات وأريحا من ارض الشام فابى رسول الله ﷺ ان يعطيهم ذلك الا ان ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فابوا وقالوا أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم لان ماله وعياله وولده كانت فيهم فبعثه رسول الله ﷺ فاتاهم فقالوا يا أبا لبابة ما ترى انزل على حكم سعد بن معاذ فاشار ابو لبابته الى حلقه انه الذبح فلا تفعلوا وذكر في سبيل الرشاد انه أرسل رسول الله ﷺ أبا لبابته فلما رأوه قام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرّق لهم فقال كعب ابن اسد يا أبا لبابته انا قد اخترناك على غيرك ان محمدا ابى الا ان ننزل على حكمه يعنى حكم رسول الله ﷺ افترى ان ننزل على حكمه قال نعم وأشار بيده الى حلقه انه الذبح قال ابو لبابته والله ما زالت قدماى مكانهما حتى عرفت انى قد خنت الله ورسوله فندمت فاسترجعت وان لحيتى لمبنلة من الدموع والناس ينتظرون رجوعه إليهم حتى أخذت من وراء الحصن طريقا اخرى حتى جئت الى المسجد ولم ات رسول الله ﷺ فارتبطت الى اسطوانة المخلفة التي يقال لها اسطوانة التوبة وقلت لا أبرح من مكانى حتى أموت او يتوب الله علىّ قال البغوي قال والله لا انحل ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت او يتوب الله عليّ فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره قال اما لو جاءنى لاستغفرت له فاما إذا فعل ما فعل فانى لا أطلقه حتى يتوب الله عليه فمكث سبعة ايام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله

стр. 1469

عليه كذا قال البغوي وفي سبيل الرشاد قال ابن هشام اقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته كل صلوة فتحله حتى يتوضأ ويصلى ثم يرتبط وقال ابن عقبة زعموا انه ارتبط قريبا من عشرين ليلة وقال في البدايته وهذا أشبه الأقاويل وقال ابن إسحاق خمسا وعشرين ليلة وروى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن ابى بكر انه ارتبط بسلسلة ربوض بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع وكاد يذهب بصره وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة او أراد ان يذهب لحاجته فاذا فرغ أعادت الرباط والظاهر ان زوجته كانت تباشر حله مرة وابنته مرة وانزل الله تعالى في توبته وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم قال ابن إسحاق حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط ان توبة ابى لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك قالت فقلت يا رسول الله مم تضحك اضحك الله منك قال تيب على ابى لبابته قالت قلت أفلا أبشره يا رسول الله قال بلى ان شئت فقامت على باب حجرتها وذلك قبل ان يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابة ابشر فقد تاب الله عليك قالت فثار الناس ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنى بيده فلما مر عليه خارجا الى صلوة الصبح أطلقه قال السهيلي وروى حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن على بن الحسين رضى الله عنهما ان فاطمة رضى عنها جاءت تحله فقال انى حلفت ان لا يحلنى الا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ان فاطمة بضعة منى وعلى بن زيد بن جدعان ضعيف ورواية على بن الحسين مرسلة ثم قال ابو لبابة من تمام توبتى ان اهجر دار قومى التي أصبت فيها الذنب وان انخلع من مالى كلها فقال النبي ﷺ يجزيك الثلث ان تصدقت به فنزل في ابى لبابة قوله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ واصل الخون النقص كما ان اصل الوفاء التمام واستعماله في ضد الامانة لتضمنه إياه وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيما بينكم مجزوم بالعطف على الاول او منصوب على الجواب بالواو والظاهر

стр. 1470

هو الاول لان في الثاني يشترط معنى الجمعية وكل واحد من الخيانتين محرمة برأسها لا الجمع بينهما كما في لا تأكل السمك وتشرب اللبن وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) انها أمانته أو أنتم تعلمون ان ما فعلتم من الاشارة الى الحلق خيانته وأنتم علماء تتميزون الحسن من القبح قال السدى إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم قال ابن عباس لا تخونوا لله بترك فرايضة والرسول بترك سنته وأماناتكم هى ما يخفى عن أعين الناس من فرايض الله تعالى والأعمال التي ائتمن الله عليها عبادة وقال قتادة اعلموا ان دين الله امانة فادوا الى الله ما ائتمنكم عليه من فرايضه وحدوده ومن كانت عليه امانة فليود الى من ائتمن عليها قلت حاصل قول ابن عباس وقتادة ان سبب نزول هذه الاية وإن كان ما فعل ابو لبابة لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد فيحرم الخيانة في دين الله من فرايضه وحدوده كلها ومنها ما فعل ابو لبابة والله اعلم فان قيل المستشار مؤتمن حديث صحيح رواه احمد من حديث ابى هريرة مرفوعا والترمذي عن أم سلمة وابن ماجة عن ابن مسعود وقد استشار اليهود من ابى لبابة فلو لم يفعل ابو لبابة ما فعل لزمه الخيانة في المشورة فكيف كان له التفصى قلت كان له التفصى بالسكوت وبان يقول لست أشير لكم قد بدا بينى وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تومنوا بالله ورسوله والله اعلم واخرج ابن جرير عن السدى قال كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنزلت فيه وروى ابن جرير وغيره عن جابر بن عبد الله ان أبا سفيان خرج من مكة فاتى جبرئيل النبي ﷺ فقال ان أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ ان أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا اليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين الى ابى سفيان ان محمدا يريدكم فخذوا حذركم فانزل الله هذه الآية وهذا غريب جدا في سنده وسياقه نظر. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ اصل الفتن إدخال الذهب النار ليظهر جودته ومنه استعمل في الاختبار والامتحان قال الله تعالى نبلوكم بالشر والخير فتنة ويستعمل ايضا في العذاب قال الله تعالى يومهم على النار يفتنون ويستعمل ايضا في

стр. 1471

الكفر والمعصية والفساد وكل ما يفضى الى العذاب قال الله تعالى واتقوا فتنة وقال الا في الفتنة سقطوا والفتنة أشد من الكفر وتسمية الأموال والأولاد بالفتنة لانها سبب الوقوع في الإثم والعقاب او لانها امتحان من الله تعالى فلا يحملنكم حبهم على الخيانة قيل هذا ايضا نزلت في ابى لبابة لان أمواله وأولاده كانت في بنى قريظة فقال ما قال خوفا عليهم عن عايشة ان النبي ﷺ اتى بصبى فقبله فقال اما انهم مبخلة مجبنة «١» وانهم لمن ريحان الله رواه البغوي وروى ابو يعلى عن ابى سعيد الولد ثمر القلب وانه مجبنة مبخلة محزنة وروى الحكيم عن خولة بنت حكيم الولد من ريحان الجنة وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) لمن نصح لله ورسوله وادى أمانته ورعى حدوده وآثر رضاء الله تعالى على حبهم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ بطاعته وترك معصيته يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً اى بصيرة في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وهو المعنى بقوله ﷺ اتقوا فراسته المؤمن فانه ينظر بنور الله رواه البخاري في التاريخ والترمذي عن ابى سعيد والطبراني وابن عدى عن ابى امامة وابن جرير عن ابن عمرو قوله ﷺ استفت نفسك وان أفتاك المفتون رواه البخاري في التاريخ عن وابصة بسند حسن قلت هذا بعد فناء القلب وتزكية النفس عن الرذائل وحينئذ يتحقق حقيقة التقوى ويسمى هذا في اصطلاح الصوفية بالكشف والمراد بالفرقان نصرا يفرق بين المحقق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين وقال مجاهد يجعل له مخرجا في الدنيا والاخرة عما يحذرون وقال مقاتل بن حيان مخرجا في الدين من الشبهات وهذا يناسب الاول وقال عكرمة نجاة يفرق بينكم وبين ما تخافون وقال الضحاك ثباتا وقال ابن إسحاق فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفى بطلان من خالفكم والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ اى يمحو عنكم ويستر لكم ما سلف من ذنوبكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ نعمائه روى

стр. 1472

البزار عن انس عن النبي ﷺ يخرج لابن آدم ثلثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله فيقول الله لاصغر نعمه في ديوان النعم خذى منك من عمله الصالح فتستوعب العمل الصالح فيقول وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح كله فاذا أراد الله ان يرحم عبدا قال يا عبدى قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سياتك ووهبت لك نعمتى واخرج الطبراني عن واصلة بن الأسقع يبعث الله يوم القيامة عبدا لا ذنب له فيقول الله ﵎ الى الامرين أحب إليك ان اجزى بعملك او بنعمتي عليك قال يا رب أنت اعلم انى لم اعصك قال خذوا عبدى بنعمة من نعمى فما تبقى له حسنة الا استغرقتها تلك النعمة فيقول بنعمتك ورحمتك ومن هاهنا قال رسول الله ﷺ انه لا ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يستغمدنى الله برحمة منه وفضل متفق عليه من حديث ابى هريرة وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ قال سددوا وقاربوا وابشروا فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته واليه أشار الله سبحانه بقوله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) يعنى ما وعدتكم على التقوى ليس مما يوجب ذلك علينا تقويكم بل انما هو تفضل واحسان كالسيد إذا وعد انعاما لعبده على عمل واجب عليه وان لم ينعم السيد ذلك وقيل معنى يكفر عنكم سيئاتكم يعنى الصغائر ويغفر لكم يعنى ذنوبكم الكبائر. وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على قوله إذا أنتم قليل يعنى اذكروا إذ يمكر بك الذين كفروا وإذ قالوا اللهم فان هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول كان بمكة روى ابن إسحاق وعبد الرزاق واحمد وابن جرير وابو نعيم وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ان قريشا لما أسلمت الأنصار رأت ان رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحابا من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه المهاجرين إليهم عرفوا انهم نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم

стр. 1473

إليهم وعرفوا انه قد اجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب التي كانت قريش لا تقضى امرا لا يتشاورن فيها فاجتمعوا لذلك واتعدوا وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من اهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ان لا تعدموا منه رايا ولا نصحا قالوا أجل ادخل فدخل معهم واجتمع فيها اشراف قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وطعيمة بن عدى والنضر ابن الحارث بن كلدة وابو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وابو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا حجاج وامية بن خلف وابو سفيان بن حرب وجبير بن معطم وحكيم ابن حزام واسلم الثلاثة الاخيرة بعد ذلك وغيرهم من كان منهم ومن غيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض ان هذا الرجل قد كان من امره ما قد رأيتم وانا والله ما ناء منه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا فاجمعوا فيه رأيا فتشاوروا فقال قائل منهم نقل السهيلي عن عبد السلام انه ابو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم فقال الشيخ النجدي لعنه الله والله ما هذا لكم برأى والله لئن حبستموه في بيت ليخرجن امره من وراء الباب الذي اغلقتم دونه الى أصحابه فيوشك ان يثبوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من ايديكم قالوا صدق الشيخ فقال قائل منهم ذكر السهيلي انه ابو الأسود ربيعه بن عمر أخو بنى عامر بن لوى نخرجه من بين أظهرنا فلا يضرنا ما صنع واين وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فاصلحنا أمرنا وألفتنا فقال الشيخ النجدي لعنه الله ما هذلكم برأى الم تروا الى حسن حديثه وحلاوة منطقة وغلبة قلوب الرجال بما يأتي به والله لئن فعلتم ذلك فيذهب فيستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم حتى يطاكم به فياخذ أمركم من ايديكم ثم يفعل بكم ما أراد فأروا فيه رايا غير هذا فقال ابو جهل والله ان لى فيه رايا ما أراكم وقفتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا

стр. 1474

الحكم قال ارى ان ناخذ من كل قبيلة شابا جلدا حسيبا وسطا ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا عليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا به بالعقل فعقلناه لهم فقال الشيخ النجدي القول ما قال هذا الرجل هذا الرأي لا راى غيره وقال شعر الرأي رايان راى ليس يعرفه ... هاد وراى كنصل السيف معروف يكون اوله عزو مكرمة ... يوما وآخره حمد وتشريف فتفرق القوم على ذلك وهم مجتمعون له فانى جبرئيل ﵇ رسول الله ﷺ فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه وأخبره بمكر القوم واذن الله تعالى في الخروج فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيبيتون عليه فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي رضى الله عنه نم على فراشي وتسبح بردائي الأخضر الحضرمي فنم فيه فانه لن يخلص إليك منهم امر تكرهه وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذاك إذا نام فلما اجتمعوا قال ابو جهل ان محمدا يزعم انكم ان تابعتموه على امره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن «١» وان أنتم لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم النار تحرقون فيها فخرج رسول الله ﷺ ومعه حفنة «٢» من تراب ثم قال نعم انا أقول ذلك وأنت أحدهم وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذرى التراب على رؤسهم وهو يتلوا هذه الآيات يس والقرآن الحكيم الى قوله فهم لا يبصرون ولم يبق منهم رجل الا وقد وضع رسول الله ﷺ على رأسه ترابا وانصرف الى حيث أراد ان يذهب فاتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنظرون هاهنا قالوا محمدا قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا الا وقد وضع على راسه ترابا وانطلق لحاجته فما

стр. 1475

ترون ما بكم ووضع كل رجل منهم يده على راسه فاذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا رضى الله عنه على فراش رسول الله ﷺ متسبحا برداء رسول الله ﷺ فيقولون والله ان هذا محمدا نائم عليه برده فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا فقام علىّ عن فراشه فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا وذهب رسول الله ﷺ الى غار ثور وسيجى باقى قصة خروجه ﷺ في سورة التوبة إنشاء الله تعالى روى الحاكم عن ابن عباس قال شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه وكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ فجعلوا يرمون عليا ويرونه النبي ﷺ وجعل عليّ يتضور «١» فاذا هو عليّ فقالوا انك لليئم انك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور ولقد استنكرناه فيك وروى الحاكم عن على بن الحسين قال ان أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علىّ وقال في ذلك شعر وقيت بنفسي خير من وطى الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول اله أخاف ان يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقى وفي حفظ الإله وفي ستر وبت أراعيهم وما يتهمونه ... وقد وطنت نفسى على القتل والاسر قال ابن إسحاق وكان مما نزل في ذلك اليوم وما اجتمعوا له قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ اى يحبسوك ويوثقوك كما قال به ابو الحقيق أَوْ يَقْتُلُوكَ كما قال به ابو جهل وارتضى به إبليس لعنهما الله سبحانه أَوْ يُخْرِجُوكَ كما قال به أخو بنى عامر وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ط المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان مكر محمود وهو ان يتحرى بذلك فعل جميل ومذموم وهو ان يتحرى به فعل قبيح لكن اسناده الى الله تعالى انما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتدا علما فيه من إيهام الذم والمعنى انهم احتالوا لابطال امر محمد واطفاء نور الله والله تعالى احتال لاتمام امره ونوره وإهلاك أعدائه وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣) فان فعله تعالى
следующие страницы →