الكفر والمعصية والفساد وكل ما يفضى الى العذاب قال الله تعالى واتقوا فتنة وقال الا في الفتنة سقطوا والفتنة أشد من الكفر وتسمية الأموال والأولاد بالفتنة لانها سبب الوقوع في الإثم والعقاب او لانها امتحان من الله تعالى فلا يحملنكم حبهم على الخيانة قيل هذا ايضا نزلت في ابى لبابة لان أمواله وأولاده كانت في بنى قريظة فقال ما قال خوفا عليهم عن عايشة ان النبي ﷺ اتى بصبى فقبله فقال اما انهم مبخلة مجبنة «١» وانهم لمن ريحان الله رواه البغوي وروى ابو يعلى عن ابى سعيد الولد ثمر القلب وانه مجبنة مبخلة محزنة وروى الحكيم عن خولة بنت حكيم الولد من ريحان الجنة وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)
لمن نصح لله ورسوله وادى أمانته ورعى حدوده وآثر رضاء الله تعالى على حبهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ بطاعته وترك معصيته يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً اى بصيرة في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وهو المعنى بقوله ﷺ اتقوا فراسته المؤمن فانه ينظر بنور الله رواه البخاري في التاريخ والترمذي عن ابى سعيد والطبراني وابن عدى عن ابى امامة وابن جرير عن ابن عمرو قوله ﷺ استفت نفسك وان أفتاك المفتون رواه البخاري في التاريخ عن وابصة بسند حسن قلت هذا بعد فناء القلب وتزكية النفس عن الرذائل وحينئذ يتحقق حقيقة التقوى ويسمى هذا في اصطلاح الصوفية بالكشف والمراد بالفرقان نصرا يفرق بين المحقق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين وقال مجاهد يجعل له مخرجا في الدنيا والاخرة عما يحذرون وقال مقاتل بن حيان مخرجا في الدين من الشبهات وهذا يناسب الاول وقال عكرمة نجاة يفرق بينكم وبين ما تخافون وقال الضحاك ثباتا وقال ابن إسحاق فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفى بطلان من خالفكم والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ اى يمحو عنكم ويستر لكم ما سلف من ذنوبكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ نعمائه روى
стр. 1472
البزار عن انس عن النبي ﷺ يخرج لابن آدم ثلثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله فيقول الله لاصغر نعمه في ديوان النعم خذى منك من عمله الصالح فتستوعب العمل الصالح فيقول وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح كله فاذا أراد الله ان يرحم عبدا قال يا عبدى قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سياتك ووهبت لك نعمتى واخرج الطبراني عن واصلة بن الأسقع يبعث الله يوم القيامة عبدا لا ذنب له فيقول الله ﵎ الى الامرين أحب إليك ان اجزى بعملك او بنعمتي عليك قال يا رب أنت اعلم انى لم اعصك قال خذوا عبدى بنعمة من نعمى فما تبقى له حسنة الا استغرقتها تلك النعمة فيقول بنعمتك ورحمتك ومن هاهنا قال رسول الله ﷺ انه لا ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يستغمدنى الله برحمة منه وفضل متفق عليه من حديث ابى هريرة وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ قال سددوا وقاربوا وابشروا فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته واليه أشار الله سبحانه بقوله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) يعنى ما وعدتكم على التقوى ليس مما يوجب ذلك علينا تقويكم بل انما هو تفضل واحسان كالسيد إذا وعد انعاما لعبده على عمل واجب عليه وان لم ينعم السيد ذلك وقيل معنى يكفر عنكم سيئاتكم يعنى الصغائر ويغفر لكم يعنى ذنوبكم الكبائر.
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على قوله إذا أنتم قليل يعنى اذكروا إذ يمكر بك الذين كفروا وإذ قالوا اللهم فان هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول كان بمكة روى ابن إسحاق وعبد الرزاق واحمد وابن جرير وابو نعيم وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ان قريشا لما أسلمت الأنصار رأت ان رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحابا من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه المهاجرين إليهم عرفوا انهم نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم
стр. 1473
إليهم وعرفوا انه قد اجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب التي كانت قريش لا تقضى امرا لا يتشاورن فيها فاجتمعوا لذلك واتعدوا وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من اهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ان لا تعدموا منه رايا ولا نصحا قالوا أجل ادخل فدخل معهم واجتمع فيها اشراف قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وطعيمة بن عدى والنضر ابن الحارث بن كلدة وابو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وابو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا حجاج وامية بن خلف وابو سفيان بن حرب وجبير بن معطم وحكيم ابن حزام واسلم الثلاثة الاخيرة بعد ذلك وغيرهم من كان منهم ومن غيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض ان هذا الرجل قد كان من امره ما قد رأيتم وانا والله ما ناء منه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا فاجمعوا فيه رأيا فتشاوروا فقال قائل منهم نقل السهيلي عن عبد السلام انه ابو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم فقال الشيخ النجدي لعنه الله والله ما هذا لكم برأى والله لئن حبستموه في بيت ليخرجن امره من وراء الباب الذي اغلقتم دونه الى أصحابه فيوشك ان يثبوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من ايديكم قالوا صدق الشيخ فقال قائل منهم ذكر السهيلي انه ابو الأسود ربيعه بن عمر أخو بنى عامر بن لوى نخرجه من بين أظهرنا فلا يضرنا ما صنع واين وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فاصلحنا أمرنا وألفتنا فقال الشيخ النجدي لعنه الله ما هذلكم برأى الم تروا الى حسن حديثه وحلاوة منطقة وغلبة قلوب الرجال بما يأتي به والله لئن فعلتم ذلك فيذهب فيستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم حتى يطاكم به فياخذ أمركم من ايديكم ثم يفعل بكم ما أراد فأروا فيه رايا غير هذا فقال ابو جهل والله ان لى فيه رايا ما أراكم وقفتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا
стр. 1474
الحكم قال ارى ان ناخذ من كل قبيلة شابا جلدا حسيبا وسطا ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا عليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا به بالعقل فعقلناه لهم فقال الشيخ النجدي القول ما قال هذا الرجل هذا الرأي لا راى غيره وقال شعر
الرأي رايان راى ليس يعرفه ... هاد وراى كنصل السيف معروف
يكون اوله عزو مكرمة ... يوما وآخره حمد وتشريف
فتفرق القوم على ذلك وهم مجتمعون له فانى جبرئيل ﵇ رسول الله ﷺ فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه وأخبره بمكر القوم واذن الله تعالى في الخروج فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيبيتون عليه فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي رضى الله عنه نم على فراشي وتسبح بردائي الأخضر الحضرمي فنم فيه فانه لن يخلص إليك منهم امر تكرهه وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذاك إذا نام فلما اجتمعوا قال ابو جهل ان محمدا يزعم انكم ان تابعتموه على امره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن «١» وان أنتم لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم النار تحرقون فيها فخرج رسول الله ﷺ ومعه حفنة «٢» من تراب ثم قال نعم انا أقول ذلك وأنت أحدهم وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذرى التراب على رؤسهم وهو يتلوا هذه الآيات يس والقرآن الحكيم الى قوله فهم لا يبصرون ولم يبق منهم رجل الا وقد وضع رسول الله ﷺ على رأسه ترابا وانصرف الى حيث أراد ان يذهب فاتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنظرون هاهنا قالوا محمدا قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا الا وقد وضع على راسه ترابا وانطلق لحاجته فما
стр. 1475
ترون ما بكم ووضع كل رجل منهم يده على راسه فاذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا رضى الله عنه على فراش رسول الله ﷺ متسبحا برداء رسول الله ﷺ فيقولون والله ان هذا محمدا نائم عليه برده فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا فقام علىّ عن فراشه فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا وذهب رسول الله ﷺ الى غار ثور وسيجى باقى قصة خروجه ﷺ في سورة التوبة إنشاء الله تعالى روى الحاكم عن ابن عباس قال شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه وكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ فجعلوا يرمون عليا ويرونه النبي ﷺ وجعل عليّ يتضور «١» فاذا هو عليّ فقالوا انك لليئم انك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور ولقد استنكرناه فيك وروى الحاكم عن على بن الحسين قال ان أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علىّ وقال في ذلك شعر
وقيت بنفسي خير من وطى الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول اله أخاف ان يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر
وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبت أراعيهم وما يتهمونه ... وقد وطنت نفسى على القتل والاسر
قال ابن إسحاق وكان مما نزل في ذلك اليوم وما اجتمعوا له قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ اى يحبسوك ويوثقوك كما قال به ابو الحقيق أَوْ يَقْتُلُوكَ كما قال به ابو جهل وارتضى به إبليس لعنهما الله سبحانه أَوْ يُخْرِجُوكَ كما قال به أخو بنى عامر وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ط المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان مكر محمود وهو ان يتحرى بذلك فعل جميل ومذموم وهو ان يتحرى به فعل قبيح لكن اسناده الى الله تعالى انما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتدا علما فيه من إيهام الذم والمعنى انهم احتالوا لابطال امر محمد واطفاء نور الله والله تعالى احتال لاتمام امره ونوره وإهلاك أعدائه وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣) فان فعله تعالى
стр. 1476
خير كله وحسن جميل وقيل معنى مكر الله انه يرد مكرهم وقيل معناه يجازيهم على المكر وقال بعضهم من مكر الله امهال العبد وتمكينه من اعراض الدنيا ولذلك قال أمير المؤمنين من وسع عليه دنياه ولم يعلم انه مكر فهو مخدوع عن عقله واخرج ابن جرير من طريق عبيد ابن عمير عن المطلب بن وداعة ان أبا طالب قال للنبى ﷺ ما يأتمر بك قومك قال يريدون ان يسجنونى او يقتلونى او يخرجونى قال من حدثك بهذا قال ربى قال نعم الرب ربك فاستوص به خيرا قال انا استوصى به بل هو يستوصى بي فنزلت وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية قال ابن كثير ذكر ابى طالب فيه غريب بل منكر لان القصة ليلة الهجرة وذلك بعد موت ابى طالب بثلث سنين اخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرا عقبة بن ابى معيط وطعيمة بن عدى والنضر بن الحارث وكان المقداد اسر النضر فلما امر بقتله قال المقداد يا رسول الله اسيرى فقال رسول الله ﷺ انه كان يقول في كتاب الله ما يقول قال وفيه أنزلت.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا يعنى النضر بن الحارث واسناد الفعل الى جميعهم لكونهم راضيا بقوله كما أسند عقر الناقة الى ثمود في قوله تعالى فعقروها وكان العاقر أشقاها قذار بن هالف قَدْ سَمِعْنا يعنى القرآن لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وهذا غاية مكابرنهم وفرط عنادهم إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم ان يشاؤا وقد تحديهم وقرعهم بالعجز عشر سنين ثم قارعهم فلم يعارضوه سورة مع ألفتهم وفرط استنكافهم ان يغلبوا خصوصا في باب البيان يعنى إِنْ هذا يعنى القرآن إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) يعنى ما سطره وكتبه الأولون من اخبار الأمم الماضية جمع اسطورة وهى المكتوبة قال البغوي كان النضر بن الحارث تاجرا الى فارس وحيرة فيسمع اخبار رستم وإسفنديار وأحاديث العجم ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرؤن التورية والإنجيل ويركعون ويسجدون فجاء مكة فوجد محمد ﷺ يصلى ويقرأ القرآن فقال النضر قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا الآية.
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا يعنى القرآن
стр. 1477
هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كما فعلت باصحاب الفيل وقوم لوط أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) مولم على إنكاره قالوا ذلك استهزاء وإيهاما بانهم على بصيرة وجزم ببطلانه اخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير انها نزلت في النضر بن الحارث وهو القائل بذلك قال البغوي قال ابن عباس لما قص رسول الله ﷺ شان القرون الماضية قال النضر لو شئت قلت مثل هذا ان هذا الا أساطير الأولين في كتبهم قال له عثمان بن مظعون اتق الله فان محمدا يقول الحق قال فانا أقول الحق قال عثمان فان محمدا يقول لا اله الا الله قال فانا أقول لا اله الا الله ولكن هذه بنات الله يعنى الأصنام ثم قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلخ وفيه نزل سأل سائل بعذاب واقع ومعناه إن كان القرآن حقا منزلا فامطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره او ائتنا بعذاب اليم سواه والمراد منه التهكم واظهار اليقين على كونه باطلا قال عطاء لقد نزل في النضر بضعة عشر اية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر قوله تعالى.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) اختلفوا في معنى هذه الآية فقال محمد ابن إسحاق هذا حكاية عن المشركين انهم قالوها وهى متصلة بالآية الاولى ذلك انهم كانوا يقولون ان الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمته نبيها معها فقال الله تعالى لنبيه ﷺ يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم ثم قال ردوا عليهم.
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وان كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وقال الآخرون هذا كلام مستانف روى البخاري عن انس قال قال ابو جهل بن هشام اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم اخبارا عن نفسه فاختلفوا في تأويلها فقال الضحاك وجماعة وكذا اخرج ابن جرير عن ابن الزي تأويلها وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم بيان لموجب إمهالهم
стр. 1478
والتوقف لاجابته دعائهم واللام لتاكيد النفي والدلالة على ان تعذيبهم عذاب استيصال والنبي بين أظهرهم خارج عن عادة الله تعالى غير مستقيم في قضائه خصوصا حال كونك فيهم وقد بعثت رحمة للعلمين وفيه اشعار بانهم يرصدون بالعذاب إذا هاجرت من بينهم قالوا نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو مقيم بمكة ثم خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقيته من المسلمين يستغفرون الله فانزل الله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعنى فيهم من يستغفرون وهم المسلمون ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا واذن الله في فتح مكة وهو العذاب الأليم الذي وعدهم ويدل على ان كون المؤمنين بينهم واستغفارهم منعهم من العذاب قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مومنات لم تعلموهم الى قوله لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما قال ابن عباس لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي منها والذين أمنوا ويلحق بحيث يوم فقال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعنى المسلمين فلما خرجوا قال الله تعالى ما لهم ان لا يعذبهم الله اى ما لهم مما يمنع تعذيبهم إذا زال ذلك وكيف لا يعذبون وهم يصدون الناس عن المسجد الحرام وحالهم ذلك ومن صدهم الجاء رسول الله ﷺ الى الهجرة فعذبهم الله يوم بدر قال ابو موسى الأشعري كان فيكم أمانان وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فاما النبي ﷺ فقد مضى والاستغفار كائن فيكم الى يوم القيامة واخرج الترمذي وضعفه عن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ انزل الله علىّ امانين لامتى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فاذا مضيت تركت فيهم الاستغفار الى يوم القيامة وقال بعضهم هذا الاستغفار راجع الى المشركين اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون غفرانك غفرانك فانزل الله تعالى وما كان الله ليعذبهم الآية واخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان قالت قريش بعضها لبعض محمد أكرم الله من بيننا اللهم ان كان هذا هو الحق
стр. 1479
من عندك فامطر علينا حجارة من السماء فلما امسوا ندموا على ما قالوا فقالوا غفرانك اللهم فقال الله سبحانه وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون الى قوله لا يعلمون وقال قتادة والسدى معنى ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ان لو استغفروا لم يعذبهم الله لكنهم لم يستغفروا ولو أقروا بالذنب واستغفروا لكانوا مؤمنين نظيره قوله تعالى ما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون وقيل معنى الاية ان الله تعالى يدعوهم الى الإسلام ومصاحبة الرسول والاستغفار بهذا الكلام كالرجل يقول لغيره لا أعاقبك وأنت تطيعنى اى أطعني حتى لا أعاقبك وقال مجاهد وعكرمة وهم يستغفرون اى يسلمون يقول لو اسلموا ما عذبوا وروى الوالبي عن ابن عباس ان معناه وفيهم من سبق له من الله انه يومن ويستغفر وذلك مثل ابى سفيان بن حرب وصفوان ابن امية وعكرمة بن ابى جهل وسهيل بن عمرو حكيم بن حزام وغيرهم وروى عبد الوهاب عن مجاهد وهم يستغفرون يعنى وفي أصلابهم من يستغفر وقيل أراد بالعذاب في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم عذاب استيصال وفي قوله تعالى وما لهم ان لا يعذبهم الله العذاب بالسيف وقيل أراد بنفي العذاب عذاب استيصال في الدنيا وبوقوع العذاب عذاب الاخرة وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ قال الحسن كان المشركون يقولون نحن اولياء المسجد الحرام
فنصد من نشاء وندخل من نشاء فرد الله عليهم بقوله وما كانوا أولياءه اى اولياء البيت إِنْ أَوْلِياؤُهُ اى البيت إِلَّا الْمُتَّقُونَ من الشرك الذين لا يعبدون فيه غير الله وقيل الضمير لله تعالى وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) ان لا ولاية لهم عليه كانه نبه بالأكثر ان منهم من يعلم ذلك ويعاند او أراد بالأكثر الكل كما يراد بالقلة العدم «١» .
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ اى دعائهم او ما يسمونه صلوة إِلَّا مُكاءً قال ابن عباس والحسن المكاء الصفير
стр. 1480
وهى في اللغة اسم طاير ابيض يكون بالحجاز له صفير كانه قال إلا صوت مكاء وَتَصْدِيَةً وتصفيقا قال البغوي قال ابن عباس كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون وكذا اخرج الواحدي عن ابن عمر قال البغوي قال مجاهد كان نفر من بنى عبد الدار يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويستهزؤن ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون فالمكاء جعل الأصابع في الشدق والتصدية الصفير ومنه الصداء الذي يسمعه المصوت من الجبل وفي اللغة الصداء صوت يرجع من كل جانب واخرج ابن جرير عن سعيد قال كانت قريش يعارضون النبي ﷺ في الطواف يستهزؤن به يصفرون ويصفقون فنزلت هذه الاية وقال البغوي قال جعفر بن ابى ربيعة سالت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله تعالى مكاء وتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا وقال مقاتل كان النبي ﷺ إذا صلى في المسجد قام رجلان عن يمينه فيصفران ورجلان عن يساره فيصفقان ليخلطوا على النبي ﷺ صلوته وهم من بنى عبد الدار وقال سعيد بن جبير التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وعن الدين وعن الصلاة فالتصدية مشتق من الصدد بالدالين قلبت حرف التضعيف بالياء وعلى هذه الوجوه معنى قوله تعالى ما كان صلوتهم ما وضعوه موضع الصلاة فانهم أمروا بالصلوة في المسجد فجعلوا ذلك مكانه فَذُوقُوا الْعَذابَ يعنى القتل يوم بدر وقيل عذاب الآخرة واللام يحتمل للعهد والمعهود العذاب المطلوب بقولهم ائتنا بعذاب اليم بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) اعتقاد او عملا وهذه الآية متصلة بما قبلها لتقرير استحقاقهم العذاب وعدم ولايتهم للمسجد فانها لا يليق بمن هذ صفته.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا اى ليصرفوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى عن دين الله قال البغوي قال الكلبي نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثنا عشر رجلا ابو جهل بن هشام وعتبة وشيبه ابنا ربيعة بن عبد الشمس ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وابو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وحكيم بن حزام وابى
стр. 1481
ابن خلف وزمعة بن الأسود والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب وكلهم من قريش وكان يطعم كلو أحد منهم كل يوم عشر جزور وقال ابن إسحاق حدثنى الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن قالوا لما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا الى مكة مشى عبد الله بن ابى وعكرمة ابن ابى جهل وصفوان بن امية في رجال من قريش أصيب آبائهم وأبنائهم فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في ذلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم فاعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا ان ندرك منه ثارا ففعلوا ففيهم كما ذكر ابن عباس انزل الله ان الذين كفروا ينفقون أموالهم الى قوله يحشرون واخرج ابن ابى حاتم عن الحكم بن عتبة قال نزلت في ابى سفيان أنفق على المشركين أربعين اوقية من ذهب واخرج ابن جرير عن أبزى وسعيد ابن جبير قالا نزلت في ابى سفيان استاجر يوم أحد الفين من الأحابيش «١» ليقاتل بهم رسول الله ﷺ عليهم قلت واللفظ عام يشتمل كلهم ومن فعل فعلهم فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ندما وغما في الدنيا لفواتها من من غير حصول مقصود جعل وانها حسرة وهى عاقبة إنفاقها مبالغة ثُمَّ يُغْلَبُونَ ٥ آخر الأمر وإن كان الحرب سجاه «٢» قبل ذلك وَالَّذِينَ كَفَرُوا اى ثبتوا على الكفر منهم إذا اسلم بعضهم إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) يساقون.
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الكافر من المؤمن او الفساد من الصلاح واللام متعلقه بيحشرون او يغلبون او ما أنفقه المشركون من عداوة الرسول ﷺ مما أنفقه المسلمون في نصره واللام متعلقه بقوله ثم تكون عليهم حسرة قرأ حمزة والكسائي ويعقوب ليميز بالتشديد من التفعيل وهو ابلغ من الميز وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ اى يجمعه ويضم بعضه الى بعض ومنه السحاب المركوم جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ كله أُولئِكَ
стр. 1482
اشارة الى الخبيث لانه مقدر بالفريق الخبيث او الى المنفقين هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) الكاملون في الخسران حيث اشتروا باموالهم عذاب الآخرة.
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا عن الكفر ومعاداة الرسول وقتاله يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من الكفر والفساد والذنوب وقد اسلم جماعة كثيرة منهم ابو سفيان بن حرب وصفوان بن امية وعكرمة بن ابى جهل وعمرو بن العاص وغيرهم خلق كثير واسلم من أسارى بدر عباس بن عبد المطلب وعقيل ابن ابى طالب ونوفل بن حارث وابو العاص بن الربيع وابو عزيز بن عمير العبدري والصائب بن ابى جيش وخالد بن هشام المخزومي وعبد الله بن ابى السائب والمطلب بن حنطب وابو وداعة السهمي وعبد الله بن ابى خلف ووهب بن عمير الجمحي وسهيل بن عمر العامري وعبد الله بن زمعة أخو أم المؤمنين سودة وقيس بن السائب ولسطاس مولى امية بن خلف والسائب بن عبيد اسلم يوم بدر بعد ان فدى نفسه وعدى بن خيار اسلم يوم الفتح والوليد بن الوليد بن المغيرة افتكه هشام وخالد فلما افتدى اسلم فعاتبوه في ذلك فقال كرهت ان يظن بي انى جزعت من الاسر ولما اسلم حبسه أخواله فكان ﵇ يدعوا له في القنوت ثم أفلت ولحق بالنبي ﷺ عام القضاء روى مسلم عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلا بايعك فبسط يمينه فقبضت يدى فقال مالك يا عمرو قال أردت ان اشترط قال تشترط ماذا قلت ان يغفر لى قال اما علمت يا عمرو ان الإسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله وَإِنْ يَعُودُوا الى قتاله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) الذين تحادوا الأنبياء بالتدمير كما جرى على اهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك.
وَقاتِلُوهُمْ يعنى الكفار ايها المؤمنون حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى فساد في الأرض يعنى حتى يسلموا او يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ليس المراد بالدين هاهنا ملة الإسلام وما يتعبد الله به والا يلزم التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى حتى يعطوا الجزية بل المراد منه القهر والغلبة والاستعلاء والسلطان والملك والحكم ذكر تلك المعاني للدين في القاموس عن المقداد بن اسود انه سمع رسول الله
стр. 1483
صلى الله عليه وسلّم يقول لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر الا ادخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز او ذل ذليل اما يعزهم الله فيجعلهم أهلها او يذلهم فيدينون لها فيكون الدين كله لله رواه احمد ومعنى قوله ﵇ فيدينون لها اى يطيعون لاحكامها ويكونون من اهل الذمة فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر واسلموا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) فيجازيهم على حسب أعمالهم عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكوة فاذا فعلوا ذلك عصم منى دمائهم وأموالهم الا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى متفق عليه الا ان مسلم الم يذكر الا بحق الإسلام ورواه اصحاب الكتب الستة عن ابى هريرة قال السيوطي حديث متواترا والمعنى انتهوا عن القتال اما بالإسلام او بإعطاء الجزية فان الله بما يعملون بصير يعنى لا تقاتلوهم أنتم لكن الله يجازيهم على إسلامهم وكفرهم وأعمالهم الحسنة والسيئة وعن يعقوب انه قرأ تعملون بالتاء على الخطاب للمؤمنين يعنى اعملوا بهم ما تعاملون بالمؤمنين ولا تظلموهم فان الله يجازيكم على حسب أعمالكم عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء اصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال الا من ظلم معاهدا او انتقصه او كلفه فوق طاقته او أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فانا حجيجه يوم القيامة رواه ابو داود هذا التأويل لقراءة يعقوب يصح على كلا التقديرين سواء كان المراد بالانتهاء الانتهاء عن الكفر بالإسلام او الانتهاء عن القتال بأحد الامرين اما بالإسلام او بإعطائه الجزية وقال البيضاوي تاويل قراءة يعقوب ان الله بما تعملون ايها المؤمنون من الجهاد والدعوة الى الإسلام والإخراج من ظلمة الكفر الى نور الايمان يصير يجازيكم ويكون تعليقه بالانتهاء دلالة على انه كما يستدعى اثابتهم للمباشرة يستدعى اثابة مقاتليهم بالتسبيب وهذا التأويل يختص بما إذا كان الانتهاء بمعنى الانتهاء من الكفر ومع ذلك بعيد جدا فان قوله بما تعملون يعم الحسنة والسيّئة والله اعلم.
وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام ولم ينتهو عن الكفر او تولوا عن الانقياد ولم ينتهوا عن القتال فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم فثقوا به وقاتلوا
стр. 1484
الكفرة ولا تبالوا بمعاداتهم وإن كانوا متكاثرين نِعْمَ الْمَوْلى الله لا يضيع من تولاه وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) هو لا يغلب من نصره.
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ما بمعنى الذي ... وغنمتم صلته والعائد محذوف يعنى الذي غنمتموه ولا يجوز ان يكتب ما موصولا لانه يكون حينئذ كافة والغنيمة مال حربى أخذ قهرا وغلبة ومن هاهنا قال ابو حنيفة إذا دخل واحد او اثنان في دار الحرب بغير اذن الامام مغرين وأخذوا من مال اهل الحرب شيئا لا يجب فيه الخمس وان دخل اربعة يجب الخمس فيما أخذوا وفي المحيط عن ابى يوسف انه قدر الجماعة التي لا منعة لها بسبعة والتي لها منعة بعشرة ومذهب الشافعي ومالك واكثر اهل العلم انه يخمس ما اخذه واحد تلصصا لانه مال حربى أخذ قهرا فكان غنيمة فيخمس بالنص وقال ابو حنيفة واحمد في رواية عنه انه ليس بغنيمة لانه لم يوخذ قهرا بل اختلا ساو سرقة والمتلصص انما يأخذ بحيلة فكان اكتسابا مباحا من المباحات كالاحتطاب والاصطياد ومحل الخمس الغنيمة بخلاف ما لو دخل واحد او اثنان بإذن الامام فانه غنيمة اتفاقا لان على الامام ان ينصره حيث اذن له كما ان على الامام ان ينصر الجماعة الذين لهم منعة كالاربعة او العشرة وان دخلوا بغير اذنه تحاميا عن توهين المسلمين والدين فلم يكونوا مع نصرة الامام متلصصين والله اعلم مِنْ شَيْءٍ بيان لما الغرض منه التعميم يعنى ما يطلق عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط عن عبادة بن الصامت ان النبي ﷺ كان يقول أدوا الخياط والمخيط وإياكم والغلول فانه عاد على اهله يوم القيامة رواه الدارمي ورواه الشافعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي رواية لابى داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وفيه فقام رجل في يده كبة من شعر فقال أخذت هذه لا صلح بها برذعة فقال النبي ﷺ اما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فلك فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ دخلت الفاء لما في ما من معنى المجازاة وما بعده في محل الرفع مبتدأ محذوف الخبر يعنى فحق ان الله خمسه او خبر مبتدأ محذوف يعنى فالحكم ان الله خمسه أبقى الله سبحانه خمس الغنائم على ملكه ولم يجعلها في ملك الغانمين ولذا قالت الحنفية ان خمس الغنيمة حق قائم بنفسه ليس واجبا في ذمة الغانمين كالزكوة فانها وجبت في ذمة
стр. 1485
المكلفين حيث أمروا بإتيانها ولذلك صار الزكوة من أوساخ الناس ولم يحل لرسول الله صلى الله عليه واله وسلّم واله لشرافته وحل له الخمس ثم بين الله سبحانه حيث يصرف خالص حقه تعالى فقال وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى يعنى أقارب رسول الله ﷺ واختلفوا فيهم فقال قوم هم جميع قريش وقال مجاهد وعلى بن الحسين هم بنو هاشم وقال الشافعي هم بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف وليس لبنى عبد الشمس وبنى نوفل منه شيء مع انهم كانوا ابني عبد مناف ايضا روى الشافعي عن الثقة عن ابن ابى شهاب عن ابن المسيب عن جبير بن مطعم قال قسم رسول الله ﷺ سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب ولم يعط أحدا من بنى عبد الشمس ولا بنى نوفل شيئا وكذا روى البخاري عنه في صحيحه وفي رواية للشافعى عنه قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب أتيته انا وعثمان بن عفان فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بنى هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم ارايت إخواننا من بنى المطلب اعطيتهم وتركتنا او منعتنا وانما قرابتنا وقرابتهم واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم انما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه وكذا روى ابو داود والنسائي قال البرقاني وهو على شرط مسلم وفي هذا الحديث اشارة الى شان الصحيفة القاطعة التي كتبها قريش على ان لا تجالسوا بنى هاشم ولا تبايعوهم ولا تناكحوهم وبقوا على ذلك سنة ولم يدخل في بيعتهم بنو المطلب بل خرجوا مع بنى هاشم الى شعب ابى طالب كذا في السنن والمغازي وروى البيهقي في السنن والدلائل قال الخطابي وكان يحيى بن معين يرويه انما بنو هاشم وبنو
المطلب سيّ واحد بالسين المهملة والياء المشددة اى مثل وسواء يقال سيان اى مثلان قلت هذا الحديث يدل على ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم الحق بنى المطلب ببني هاشم وعدهم منهم لكمال موافقتهم ومواذرتهم في الجاهلية والإسلام لا لكونهم من بنى عبد مناف والا فبنى عبد الشمس وبنى نوفل كانوا مثلهم في ذلك وما قال صاحب الهداية ان هذا الحديث يدل على ان المراد قرب النصرة لا قرب القرابة فليس بشيء لانه لو كان المراد قرب النصرة لكان عثمان بن عفان اولى به
стр. 1486
من العباس فان عثمان اسلم في بداية الإسلام وعباس بعد قتال بدر بل لزم ان يكون غير أقرباء النبي من المهاجرين والأنصار مستحقين لذلك السهم وَالْيَتامى جمع يتيم وهم صغير لا اب له وفي القاموس اليتيم فقدان الأب وانما قيدناه بكونه صغيرا لما رواه ابو داود وعن عليّ في حديث لا يتم بعد الاحتلام وقد أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذرى وغيرهم وحسنه النووي ورواه الطبراني بسند اخر عن عليّ ورواه ابو داود الطيالسي في مسنده وفي الباب حديث طلحة بن حذيفة عن جده واسناده لا بأس به وهو في الطبراني الكبير وغيره وعن جابر رواه ابن عدى في ترجمة حزام بن عثمان وهو متروك وعن انس وَالْمَساكِينِ جمع مسكين وسنذكر تحقيقه في مصارف الصدقات في سورة التوبة وَابْنِ السَّبِيلِ المسافر البعيد عن منزله نسب الى السبيل لما رسقه إياه اجمع الامة على ان هذه الأصناف الثلاثة يستحقون لفقرهم وحاجتهم فلا يعطى للاغنياء من اليتامى وأبناء السبيل وكذا قال بعض الناس في ذوى القربى انهم يستحقون لفقرهم وحاجتهم وهذا القول مردود لان لفظ ذوى القربى لا يشعر بالفقر أصلا بخلاف لفظ اليتيم وابن السبيل وكان رسول الله ﵌ يعطى العباس وكان كثير المال واجمع الائمة واتفقت الرواة على ان النبي ﵌ كان يقسم الغنيمة على خمسة أسهم اربعة أخماسه للغانمين ويجعل الخمس على خمسة أسهم فيجعل سهما لنفسه فينفق منه على نفسه واهله ويعطى منه اهله نفقة سنة وما فضل جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله وفي مصالح المسلمين وسهما يقسمها في بنى هاشم وبنى مطلب يعطى منها الغنى والفقير والذكر والأنثى منهم وثلثة أسهم يقسمها في اليتامى والمساكين وأبناء السبيل فلينظر هل كان هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من الأصناف الخمسة هل كان كل واحد منهم مستحقا لحصته منها لا يجوز منعه عنه ولا صرفه الى غيره او كان الأصناف المذكورة مصرفا لها جاز للامام ان يصرفها الى صنف واحد منها اولى شخص واحد منه ولا يجوز له التجاوز عنها الى غيرها وبالشق الثاني قال ابو حنيفة قال ابن همام انه ذكر في التحفة ان هذه الثلاثة يعنى اليتامى والمساكين وابن السبيل
стр. 1487
مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرف الى صنف واحد منها جاز وقال الشافعي وجماعة من السلف والخلف بالشق الاول قالوا لا يجوز للامام ان يصرفها الى صنف او صنفين بل يجب صرفها الى جميعها فانكان كل صنف منها جماعة محصورين لا يجوز منع واحد منها وسوى بينهم بالقسمة كما يقسم الأسهم الاربعة بين الغانمين لا يجوز منع واحد منهم اجماعا والحق الشافعي سهم ذوى القربى بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير انهم يعطون القريب والبعيد وفقال يفضل الذكر على الأنثى فيعطى للذكر سهمين والأنثى سهما وإن كانوا غير محصورين لا يمكن استيعابهم لا بد عنده ان يعطى من كل صنف ثلثة لان الله تعالى ذكر لام الاختصاص وذلك يقتضى الملك او استحقاق الملك وذكر كل صنف بلفظ الجمع واقله ثلثة وقال ابو حنيفة ومن معه اللام لمطلق الاختصاص ومن الاختصاص ان لا يجوز الصرف الى غير تلك الأصناف واللام ليس للاستغراق بل للجنس ولام الجنس يبطل الجمعية والحجة لهذا القول أن الأصناف المذكورة متداخلة بعضها في بعض فان من ذوى القربى اليتامى والمساكين وابن السبيل ومن اليتامى ذو والقربى والمساكين وابن السبيل ومن المساكين ذوو القربى واليتامى وأبناء السبيل
ولو كان كل صنف منها مختص بسهم ولا يجوز صرفها الى صنف اخر لزم ذكر كل صنف منها بحيث لا يصدق عليه عنوان صنف اخر وايضا إذا كان شخص واحد داخلا في الأصناف كلها لزم حينئذ ان يعطى له لاجل كل وصف سهما كما يعطى من الميراث للزوج إذا كان ابن عم لها لاجل الحيثيتين سهمين مختلفين فرضا وعصوبة ومن المنقول ما في الصحيحين عن على رضى الله عنه ان فاطمة رضى الله عنها أتت النبي ﵌ تشكو اليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها ان جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة قال فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال مكانكما فقعد بينى وبينها حتى وجدت برد قدمه على بطني فقال الا أدلكما على خير ما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما تسبحا ثلثا وثلثين واحمدا ثلثا وثلثين وكبرا أربعا وثلثين فهو خير لكما من خادم وفي رواية لمسلم الا ادلك على ما هو خير من خادم تسبحين الله ثلثا وثلثين وتحمدين ثلثا وثلثين وتكبرين أربعا وثلثين عند كل صلوة وعند
стр. 1488
منامك وروى الطحاوي عن علىّ بلفظ انه قال لفاطمة رضى الله عنهما ذات يوم قد جاء الله أباك بسعة ورقيق فاتيه فاستخدميه فاتته فذكرت ذلك فقال والله لا أعطيكها وادع اهل الصفة ليطوون بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيعها وأنفق عليهم الا أدلكما على خير مما سألتما علمنيه جبرئيل كبر الله دبر كل صلوة عشرا وسبحا عشرا واحمدا عشرا وإذا أتيتما الى فراشكما وروى الطحاوي عن الفضل بن حسن ابن عمر بن الحكم ان امه حدثته انها ذهبت هى وأمها حتى دخلن على فاطمة فخرجن جميعا فاتين رسول الله ﵌ وقد اقبل من بعض غزواته ومعه رقيق فسألته ان يخدمهن فقال سبقكن يتامى اهل بدر فان هذه الأحاديث تدل على ان رسول الله ﵌ كان قد يعطى بعض الأصناف ولا يعطى بعضا اخر والا لما منع فاطمة عن حقها وقد كان لها حظ من الخمس ولما بعض صرف حق فاطمة الى فقراء اهل الصفة ويتامى اهل بدر فان سهم ذوى القربى لا يجوز صرفها عند الشافعي الى الفقراء واليتامى بل لكل من الصنفين عنده سهم من الخمس غير سهم ذوى القربى ويؤيد ما قلت ما روى ابو يوسف في كتاب الخراج قال حدثنى اشعث بن سوار عن ابى الزبير عن جابر بن عبد الله انه كان يحمل من الخمس في سبيل الله ويعطى منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل في اليتامى والمساكين وابن السبيل قلت عندى معنى الاية ان لله خمسه يعنى ملكا حيث أبقاه سبحانه على ملك نفسه ولم يعطه أحدا غيره وامر رسوله صرفه كما امر وللرسول ذلك الخمس استحقاقا وتصرف على نفسه وفي مصارفه كيف يشاء ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل مصرفا ولذلك ذكر الصنفين الأخيرين عطفا على ذى القربى بلا لام وذكر الأصناف الاربعة بلام واحد لكون كلها من جنس واحد مختصا باختصاص المصرفية ولم يعطفها على الرسول كما عطف الأخيرين وأورد اللام على الرسول ولم يعطف على الله لكون كل اختصاص منها نوعا علحدة فالاختصاص بالله اختصاص الملك وليس بالرسول اختصاص الملك لما روى انه ﵌ أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال لا يحل لى من غنائمكم مثل هذا الا الخمس والخمس مردود فيكم رواه ابو داود ومن حديث عمرو بن
стр. 1489
عنبسة وكذا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ ليس لى من هذا الفيء شيء ولا هذا يعنى وبر البعير الا الخمس والخمس مردود فيكم ولم يقل الا خمس الخمس فاللام في الأنواع الثلاثة من الاختصاصات المذكورة كالمشترك او كالحقيقة والمجاز ولا يجوز الجمع بين المشترك ولا بين الحقيقة والمجاز فلذلك أورد اللام ثلث مرات والله اعلم (مسئلة) اختلف العلماء في سهم الرسول ﷺ بعد وفاته صلى الله عليه واله وسلّم فقال الشافعي هو اليوم لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام لانه صلى الله عليه واله وسلم
كان يجعل ما بقي من نفقة في السلاح والكراع قال البغوي روى الأعمش عن ابراهيم قال كان ابو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﵌ في الكراع والسلاح وقال قتادة هو لخليفة بعده لانه ﵌ كان يستحقه بامامته وقال ابو حنيفة ان سهم الرسول الله ﵌ سقط بموته ولم يكن سهم لامامته بل رسالته فان الحكم إذا علق بمشتق دل على علية ماخذه ولا رسول بعده وقد كان لرسول الله ﵌ حق الصفي اصطفى ذا الفقار سيف منبه بن حجاج حين اتى به على يوم بدر بعد ان قتل منبها ثم دفعه اليه واصطفي صفية بنت حيى بن اخطب من غنيمة خيبر رواه ابو داود في سننه عن عائشة والحاكم وصححه وقد اجمعوا ان سهم الصفي ليس لاحد بعد رسول الله ﵌ وان حكم رسول الله ﵌ في ذلك خلاف حكم الامام من بعده فكذا سهمه من الغنيمة لا يكون لاحد بعده (مسئلة) واختلفوا في سهم ذوى القربى بعد رسول الله ﵌ فقال ابو حنيفة سهم ذوى القربى ايضا سقط بموت رسول الله ﵌ ذكر الحنفية لسقوطه وجوها قال صاحب الهداية لان النبي ﷺ كان يعطيهم النصرة لما مر من حديث جبير بن مطعم انه ﵌ اعطى بنى المطلب ولم يعط بنى نوفل وبنى عبد الشمس وقال انهم يعنى بنى المطلب لم يزالوا هكذا في الجاهلية والإسلام وشبك بين أصابعه وبهذا يظهر ان المراد بالنص قرب النصرة لاقرب القرابة ولما مات رسول الله ﵌ لم يبق النصرة وهذا التوجيه ضعيف وقد ذكرنا
стр. 1490
تضعيفه من قبل وقال الطحاوي وجه سقوطه ان النبي ﵌ لما اعطى ذلك السهم بعض القرابة يعنى بنى المطلب وحرم من قرابتهم منه ﵌ كقرابتهم يعنى بنى نوفل وبنى عبد شمس ثبت بذلك ان الله لم يرد بما جعل لذوى القربى كل قرابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم وانما أراد خاصا منهم وجعل الرأى في ذلك الى رسول الله ﵌ يضعه فيمن شاء منهم فاذا مات وانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك كما قد جعل الله تعالى لرسوله ﵌ ان يصطفي من المغنم لنفسه سهما اى سهم الصفي فكان ذلك ما كان حيا يختار لنفسه من المغنم ما شاء فلما مات انقطع ذلك وقال الطحاوي مرة اخرى كان الله قد جعل كل قرابة رسول الله ﵌ في قوله ولذى القربى فلم يخص أحدا منهم دون أحد ثم قسم ذلك رسول الله ﷺ فاعطى منهم بنى هاشم وبنى مطلب خاصة وحرم بنى امية وبنى نوفل وكانوا محصورين معدودين وفيمن اعطى الغنى والفقير وفيمن حرم كذلك فثبت ان ذلك السهم كان النبي ﵌ يجعله في اى قرابته شاء فصار حكمه حكم سهمه والذي كان يصطفيه لنفسه فلما كان ذلك مرتفعا بوفاته غير واجب لاحد بعده كان هذا كذلك ايضا مرتفعا بوفاته غير واجب لاحد من بعده قال وهو قول أبي حنيفة وابى يوسف ومحمد قلت وهذين التوجيهين ايضا ضعيفان لما ذكرنا ان النبي ﵌ انما اعطى بنى مطلب لما جعلهم تبعا لبنى هاشم وعدهم منهم لموازرتهم وموانستهم معهم كما حرم الصدقة على موالى بنى هاشم بتعالهم لا لكونهم من بنى عبد مناف قوله حرم من قرابتهم منه ﵌ كقرابتهم ممنوع فان بنى هاشم كانوا اقرب من غيرهم ولو نسلم ان الله سبحانه ذكر ذوى القربى وأراد بعضها منهم لا كلهم ولم يدر منهم فحينئذ كان مجملا فاذا لحقه البيان من رسول الله ﵌ حيث اعطى بنى هاشم وبنى
المطلب دون بنى امية وبنى نوفل زال الإجمال والإجمال لا يقتضى البيان كل مرة ولو نسلم ان الله تعالى جعل الرأى في ذلك الى رسوله ﵌ فقوله إذا مات انقطع رأيه ممنوع إذ بعد موته الرأي لخلفائه كما في سهم المساكين واليتامى وأبناء السبيل في المغانم والصدقات كان تخصيص بعض دون بعض الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم
стр. 1491
ثم صار لخلفائه وايضا كون تخصيص بعض دون بعض من ذوى القربى الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم لا يقتضى كون ذلك السهم له ﵌ فان تخصيص بعض من المساكين واليتامى وأبناء السبيل ايضا كان اليه ﷺ ولم يكن ذلك الأسهم له ﵌ اجماعا ولم يسقط شيء منها بموته فكذا هذا والله اعلم ثم استدل كلا الفريقين بعمل الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم قال صاحب الهداية لنا ان الخلفاء الراشدين قسموه على ثلثة أسهم على نحو ما قلنا وكفى بهم قدوة وقال ايضا انه لم ينكر عليهم أحد مع توافر الصحابة مع علمهم فكان اجماعا وقال البغوي الخلفاء بعد رسول الله ﵌ كانوا يعطون ذوى القربى ولا يفضل فقير على غنى لان النبي ﵌ والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله فلا بد من الكلام في عمل الخلفاء فنقول قال ابو يوسف في كتاب الخراج ان الكلبي محمد بن السائب حدثنى عن ابى صالح عن ابن عباس ان الخمس كان في عهد رسول الله ﵌ على خمسة أسهم لله وللرسول سهم ولذى القربى سهم ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلثة أسهم ثم قسمه ابو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذى النورين رضى الله عنهم على ثلثة أسهم وسقط سهم الرسول وسهم ذوى القربى وقسمه الثلاثة على الباقين ثم قسمه على بن ابى طالب على ما قسمه عليه ابو بكر وعمر وعثمان وقال ابو يوسف وحدثنى محمد بن إسحاق عن الزهري ان نجدة كتب الى ابن عباس يسئله عن سهم ذوى القربى لمن هو فكتب اليه ابن عباس رضى الله عنه كتبت الى تسالنى عن سهم ذوى القربى لمن هو وهو لنا وان عمر بن الخطاب دعانا الى ان ينكح منه ايمنا ويقضى عنه عن مغرمنا ويخدم منه عائلنا فابينا الا ان يسلم لنا فابى ذلك علينا وقال ابو يوسف وحدثنا قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال اختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ في هذين السهمين سهم الرسول وسهم ذوى القربى فقال قوم سهم الرسول للخليفة من بعده وقال آخرون سهم ذوى القربى بقرابة النبي صلى الله عليه واله وسلّم وقالت طائفة سهم ذى القربى لقرابة الخليفة بعده فاجمعوا على ان يجعلوا هذين السهمين في الكراع والسلاح وروى الطحاوي بسنده عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد
стр. 1492
ابن الحنيفة نحوه وزاد كان ذلك في امارة ابى بكر وعمر وروى الطحاوي حدثنا محمد بن خزيمة قال حدثنا يوسف بن عدى قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر قال أرأيت على بن ابى طالب حيث ولى العراق ما ولى من امر الناس كيف صنع في سهم ذوى القربى قال سلك به والله سبيل ابى بكر وعمر قلت كيف وأنتم تقولون ما تقولون قال انه والله ما كان اهله يصدرون الا عن رائه قلت فما منعه قال كره والله ان يدعى عليه خلاف ابى بكر وعمر قلت وهذه الآثار لو ثبتت لثبت ان الخلفاء قسموا الخمس على ثلثة أسهم ولم يعطوا ذوى القربى سهمهم ولما تقدم ما ذكرنا انه يجوز للامام ان يصرف الخمس الى صنف واحد منها وبه قال ابو حنيفة ﵀ لا يثبت بعدم إعطاء الخلفاء سهم ذوى القربى سقوط سهمهم وعدم جواز اعطائهم كيف وقال ابو يوسف في كتاب الخراج حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن أبيه قال سمعت عليا رضى الله عنه بقول قلت يا رسول الله ان رأيت ان
توليتنى حقنا من الخمس فاقسم في حياتك كيلا ينازعنا أحد بعدك فافعل ففعل قال فولانية رسول الله ﵌ فقسمته حياته ثم ولانيه ابو بكر الصديق رضى الله عنه فقسمته حياته ثم ولانيه عمر رضى الله عنه فقسمته حياته حتى إذا كانت اخر سنة من سنى عمر فاتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسل الىّ فقال خذه فاقسمه فقلت يا امير المؤمنين بنا عنه العام غنى وبالمسلمين اليه حاجة فرده عليهم ذلك تلك السنة ولم يدعنا اليه أحد بعد عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتّى قمت مقامى هذا فلقينى العباس بن عبد المطلب بعد خروجى من عند عمر بن الخطاب فقال يا عليّ لقد حرمتنا الغداة شيئا لا يرد علينا ابدا وكذا روى ابو داود عنه فهذا الحديث يدل على ان أبا بكر وعمر كانا يعطيان ذوى القربى كما كان رسول الله ﵌ يعطيهم الا ان عمر منعهم اخر خلافته باشارة علىّ ولعل قول ابن عباس ان عمر دعانا الى ان ينكح منه ايمنا ويقضى عنه مغرمنا ويخدم منه عائلنا فابينا الا ان يسلمه إلينا فابى ذلك علينا حكاية عما بعد قول عليّ لعمر بنا العام عنه غنى وبالمسلمين حاجة وهذا وجه توفيق الآثار وبهذا يثبت ان سهم ذوى القربى لم يسقط ويجوز دفعه إليهم غنيهم وفقيرهم لكن جاز للامام ان يدفع
стр. 1493
ذلك السهم الى غيرهم إن كان بهم عنه غنى وبالناس اليه حاجة كما فعل عمر باشارة علىّ وسلك عليّ ذلك السبيل في خلافته وكره في ذلك مخالفتهم لما رأى فيه مصلحة وقال ابو يوسف حدثنى عطاء ابن السائب ان عمر بن عبد العزيز بعث سهم الرسول وسهم ذوى القربى الى بنى هاشم قلت ولعل ذلك لما راى عمر بن عبد العزيز في بنى هاشم حاجة كثيرة بعث إليهم سهمين والله اعلم وروى ابو داود عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم ان رسول الله ﵌ لم يقسم لبنى عبد الشمس ولا لبنى نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبنى هاشم وبنى المطلب قال وكان ابو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﵌ غير انه لم يكن يعطى قربى رسول الله ﵌ كما كان يعطيهم النبي ﵌ وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منه وهذا الحديث يدل على ان الخلفاء منعوا تارة واعطوا تارة فروى كل على ما علم وهذا يؤيد ما قلنا والله اعلم (فصل) واعلم ان الاية كما تدل بعبارتها على ان ما غنمتم فخمسه خالص لله تعالى يصرف في سبيله في الأصناف المذكورة تدل باشارتها على ان الباقي يعنى الأخماس الاربعة جعلتها لكم ايها الغانمون فكون الأخماس الاربعة للغانمين مسكوت في حكم المنطوق كما ان قوله تعالى وان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث تدل على ان الثلثين للاب وهو مسكوت في حكم المنطوق فهذه الاية بهذا الاعتبار ناسخة لقوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول حيث لم يجعل الله فيها شيئا لغيره الا ما أراد رسوله كما ذكرنا من رواية البخاري في تاريخه عن سعيد بن جبير قيل هذه الاية نزلت في غزوة بنى قينقاع بعد غزوة بدر بشهر للنصف من شوال على راس عشرين شهرا من الهجرة أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن سعيد بن كعب ومن طريق سعيد بن المسيب نحوه والصحيح انها نزلت في غزوة بدر بعد ما نزلت يسألونك عن الأنفال والله اعلم (مسئلة) اجمعوا على ان اربعة أخماس الغنيمة للغانمين لا يجوز للامام منع واحد منهم عن نصيبه واختلفوا في سلب المقتول فقال الشافعي واحمد هو للقاتل وحده ولا يجب
стр. 1494
فيه الخمس بشرط ان يعرض نفسه على القتل في قتل مشرك وأزال امتناعه فان رمى من بعيد وقتل السهم رجلا من صف المشركين لا يجب للقاتل سلبه ويشترط عند الشافعي كون القاتل من اهل السهم وقال احمد وإن كان من اهل الرضح ايضا وقال ابو حنيفة ومالك وهى رواية عن احمد لا يستحق القاتل السلب الا ان يشترط الامام فحينئذ يحسب عند أبي حنيفة من اربعة الأخماس وعند مالك من الخمس عن ابى قتادة
قال خرجنا مع النبي ﵌ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع فاقبل عليّ فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فارسلنى فلحقت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس قال امر الله ثم رجعوا وجلس النبي ﵌ فقال من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقلت من يشهد لى ثم جلست فقال النبي صلى الله عليه واله وسلّم مثله فقلت من يشهد لى ثم جلست ثم قال النبي ﵌ مثله فقمت فقال مالك يا با قتادة فاخبرته فقال رجل صدق وسلبه عندى فارضه منى فقال ابو بكر لاها الله إذ لا يعمد الى اسد من اسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال النبي ﵌ صدق فاعطه فاعطانيه فابتعت منه مخرفا فى بنى سلمة فانه لاول مال تاثلته في الإسلام متفق عليه وفي رواية للطحاوى عن ابى قتادة انه قتل رجلا من المشركين فنفله رسول الله ﵌ سلبه ودرعه فباعه بخمس أواق وعن انس ان رسول الله ﵌ قال يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه فقتل ابو طلحة يومئذ عشرين فاخذ سلبهم رواه الدارمي والطحاوي وابو داود وعن سلمة ابن الأكوع قال غزونا مع رسول الله ﵌ هوازن قتلت رجلا ثم جئت بجمله أقوده وعليه رحله وسلاحه فاستقبلنى رسول الله ﵌ والناس معه فقال من قتل الرجل قالوا ابن الأكوع فقال له سلبه اجمع رواه الطحاوي وعنه قال اتى رسول الله ﵌ عين من المشركين فجلس يتحدث عند أصحابه ثم انسل فقال نبى الله ﵌ اطلبوه فاقتلوه فسبقتهم فقتلته
стр. 1495
وأخذت سلبه فنفلنى إياه رواه الطحاوي وروى الحاكم بإسناد فيه الواقدي ضرب محمد بن سلمة ساقى مرحب فقطعهما ولم يجهز عليه فمر به عليّ فضرب عنقه واعطى رسول الله ﵌ سلبه محمد بن مسلمة والصحيح ان على بن ابى طالب هو الذي قتله لما ثبت في صحيح مسلم وعن عوف بن مالك ان رسول الله ﵌ جعل السلب للقاتل رواه الطحاوي وفي رواية له عنه وعن خالد بن الوليد نحوه وكذا روى احمد وابو داود والطبراني وروى احمد عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد ان رسول الله ﵌ لم يخمس السلب وكذا روى ابو داود وابن حبان والطبراني بلفظ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس وروى احمد عن سمرة بن جندب مرفوعا من قتل قتيلا فله سلبه وسنده لا بأس به وروى الطحاوي عن ابن عباس قال انتدب «١» رجل من المشركين فامر النبي ﵌ الزبير فخرج اليه فقتله فجعل له النبي ﵌ سلبه قال ابن همام لا خلاف فيه فانه ﵌ قال ذلك يعنى قوله من قتل قتيلا فله سلبه انما الكلام ان هذا منه نصب الشرع على العموم في الأوقات والأحوال كلها او كان تحريضا بالتنفيل قاله في تلك الواقعة فعند الشافعي نصب الشرع لانه هو الأصل في قوله لانه انما بعث لذالك قلت سياق حديث ابى قتادة صريح في ان قوله ﵌ ليس على سبيل التنفيل قبل القتال بل هو بعد ان قتل ابو قتادة مشركا وكذا حديث سلمة بن الأكوع وما ورد في الحديث انه ﵌ لم يخمس السلب حجة للشافعى واحمد على مالك حيث قال ان السلب يحسب من الخمس.
(فائدة) روى الطحاوي عن انس بن مالك ان البرآء بن مالك أخا انس بن مالك بارز مرزبان الزارة فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلصت اليه فقتلته فقوم سلبه ثلثين الفا فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر فقال لابى طلحة انا كنا لا نخمس الاسلاب وان سلب البراء قد بلغ مالا ولا أرانا الا خامسيه فقومناه ثلثين الفا فدفعنا الى عمر ستة آلاف وروى الطحاوي من وجه بلفظ ان البراء بن مالك بارز رجلا من عظماء فارس فقتله فاخذ البراء سلبه فكتب فيه الى عمر فكتب عمر الى الأمير ان اقبض إليك خمسة وادفع اليه ما بقي فقبض الأمير
стр. 1496
خمسه قلت وهذين الأثرين يدلان على ان السلب للقاتل وانه لا يخمس غير انه يجوز للامام ان استكثر المال ان يخمسه واستدل ابو حنيفة على ان السلب ليس للقاتل خاصة الا ان يكون الامام قاله في وقت يحتاج الى تحريضهم بما رواه الطبراني في الأوسط والكبير انه بلغ حبيب بن سلمة ان صاحب قبرص خرج يريد طريق اذربيجان ومعه زمرد وياقوت ولؤلؤ وغيرهما فخرج اليه فقتله فجاء بما معه فاراد ابو عبيدة ان يخمسه فقال له حبيب لا تحرمنى رزقا رزقنيه الله فان رسول الله ﵌ جعل السلب للقاتل فقال معاذ يا حبيب اني سمعت رسول الله ﵌ يقول للمرأ ما طابت به نفس امامه وهذا معلول فانه فيه عمرو ابن واقد ورواه إسحاق بن راهويه بسنده عن جنادة بن امية قال فذكر الحديث انه بلغ حبيب بن سلمة الى ان قال فجاء بسلبه على خمسة ابغال من الديباج والياقوت والزبرجد فاراد حبيب ان يأخذ كله وابو عبيدة يقول بعضه فقال حبيب لابى عبيدة قد قال رسول الله ﵌ من قتل قتيلا فله سلبه قال ابو عبيدة انه لم يقل ذلك للابد وسمع معاذ ذلك فاتى وعبيدة وحبيب يخاصمه فقال معاذ الا تتقى الله وتأخذ ما طابت به نفس امامك فان مالك ما طابت نفس امامك وحدث بذلك معاذ عن النبي ﵌ فاجتمع رايهم على ذلك فاعطوه بعد الخمس فباعه حبيب بألف دينار وفيه رجل مجهول وبما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف في مقتل ابى جهل يوم بدر فان فيه ان قال ﵇ لمعاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء بعد ما رأى سيفهما كلا كما قتله ثم قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وحده ولو كان للقاتل لقضى به لهما وبما رواه مسلم وابو داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال خرجت مع زيد بن حادثة غزوة مؤتة ورافقنى مددى من اهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر على سرج مذهب وسلاح مذهب وجعل يغرى بالمسلمين وقعد له المددى خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر فعلا فقتله فحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله على المسلمين بعث اليه خالد بن الوليد فاخذ منه بعض السلب قال عوف فاتيت خالدا فقلت له يا خالد اما علمت ان رسول الله ﵌ قضى بالسلب للقاتل
стр. 1497
قال بلى ولكنى استكثرته قلت لتردن او لاعرفتكما عند رسول الله ﵌ فابى ان يعطيه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله ﵌ فقصصت عليه قصة المددى وما فعل خالد فقال ﵇ يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عرف قلت دونك يا خالد الم أوف لك فقال ﵌ وما ذاك قال فاخبرته قال فغضب رسول الله ﵌ وقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركو لى أمراء لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره وجه الاستدلال انه منع خالد أمن رده بعد ما امره به ولو كان شرعا لازما لم يمنعه من مستحقه قال الخطابي انما منعه ان يرد على عوف سلبه زجر العوف لئلا يجترئ الناس على الائمة وخالد كان مجتهدا فامضاه ﵊ والضرر اليسير يتحمل للنفع الكثير قال ابن همام وهذا غلط وذلك لان السلب لم يكن للذى تجرأ وهو عوف وانما كان للمددى ولا تزر وازرة وزر اخرى فالوجه انه ﵌ أحب اولا ان يمضى شفاعته للمددى في التنفيل فلما غضب عليه رد شفاعته بمنع السلب لا انه لغضبه وسياسته يزجره بمنع حق من لم يقع منه جناية فهذا يدل على انه ليس شرعا لازما قلت حديث حبيب كما سمعت معلول وضعيف ولو ثبت لثبت للامام حق التخميس من السلب لما أراد ابو عبيدة ان يخمسه ولا يثبت منه انه لا حق للقاتل في السلب بل هو كسائر الغنائم وحديث سلب ابى جهل منسوخ قال البيهقي ان غنيمة بدر كانت للنبى ﷺ بنص الكتاب يعنى بقوله تعالى قل
الأنفال لله والرسول يعطى من يشاء وقد قسم لجماعة لم يحضروا ثم نزلت اية الغنيمة بعد بدر فقضى السلب للقاتل استقر الأمر على ذلك وقول عوف اما علمت ان رسول الله ﵌ قضى بالسلب للقاتل وقول خالد بلى وتسليم النبي ﵌ ذلك حتى امر خالدا برد ما أخذ من سلبه دليل على التشريع عموما وجرأة عوف كان لاجل المددى وكان المددى راضيا به فهو يستحق الزجر والمنع وقوله ﵌ هل أنتم تاركوا لى أمراء لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره يدل على ان الامام وان ظلم ومنع أحدا حقه فعليه كدره لكن يجب على الناس اطاعته.
(مسئلة) التنفيل يعنى إعطاء الامام رجلا فوق سهمه جائز اجماعا ان شرط الامام في
стр. 1498
حالة القتال قبل الاصابة لانه نوع تحريض على القتال وهو مامور به قال الله تعالى حرض المؤمنين على القتال فجاز للامام ان يقول من قتل قتيلا فله عشرة دراهم او من دخل هذا الحصن فله كذا وقال لسرية جعلت لكم النصف او الربع بعد الخمس او قال من أصاب جارية فهى له عن ابن عمر ان رسول الله ﵌ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لانفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش متفق عليه لكن لا يجوز للامام ان يقول من أصاب شيئا فهو له لانه يستلزم بطلان الخمس الثابت بكتاب الله تعالى وبطلان الأسهم المنصوصة للراجل والفارس في الأحاديث وبطلان حق من لم يصب من المجاهدين وفي بعض روايات الحنفية لو نقل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى الامام المصلحة فيه روى الحاكم من رواية مكحول عن ابى امامة عن عبادة بن الصامت ان رسول الله ﵌ حين التقى الناس ببدر نفل كل امرأ ما أصاب وأجيب بان هذا منسوخ واية الخمس نزلت بعد ذلك.
(مسئلة) ثم محل التنفيل اربعة الأخماس قبل الاحراز بدار الإسلام وبعد الاحراز لا يصح الا من الخمس عند أبي حنيفة واحمد وعند مالك والشافعي لا يصح مطلقا الا من الخمس لانه المفوض الى راى الامام وما بقي للغانمين روى مالك عن ابى الزياد عن سعيد بن المسيب كان الناس يعطون النفل من الخمس وروى ابن ابى شيبة عن سعيد ابن المسيب ما كانوا ينفلون الا من الخمس وعن ابن عمر قال نفلنا رسول الله ﵌ نفلا سوى نصيبنا من الخمس فاصابنى شارف والشارف المسن الكبير متفق عليه وابو حنيفة يحمل هذه الآثار على ما بعد الاحراز بدار الإسلام واما قبل ذلك فيعطى النفل من اربعة أخماس الغانمين لان المعطى له من الغانمين لا من المساكين واليتامى وابن السبيل وقال البغوي النفل من خمس سهم النبي ﵌ وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي ﵀ وهذا معنى قول النبي ﵌ مالى مما أفاء الله عليكم الا الخمس والخمس مردود فيكم قلت إعطاء النبي ﵌ النفل أحدا من خمس خمسه هبة منه ﵌ وذلك
стр. 1499
لا يستلزم عدم جواز النفل من اربعة الأخماس كيف وقد روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن عبادة بن الصامت انه ﵌ نفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث وكذا روى ابو داود وعن حبيب بن سلمة الفهري ومعنى الحديث على ما قال الخطابي ان السرية إذا ابتدأت السفر نفلها الربع فاذا قفلوا ثم رجعوا الى العدو ثانية نفلهم الثلث لان نهوضهم بعد قفولهم أشق عليهم قلت وهذا الحديث يرد قول من قال لا يجوز النفل الا من الخمس او من خمس الخمس لان إعطاء الربع والثلث لا يتصور من الخمس بل لا يكون الا من اصل الغنيمة كما قال بعضهم او من اربعة الأخماس فان قيل جاز ان يكون معنى الحديث نفل في البدأة الربع من الخمس وفي الرجعة الثلث من الخمس كذا قال الطحاوي قلنا الحديث لا يدل على هذا التقييد وليس هو الا تسوية الحديث على مدعاه وايضا قد روى حديث حبيب بن سلمة عند الطحاوي بلفظ الرابع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وكذا روى احمد واستدل به ابن الجوزي على جواز إخراج النفل من اربعة الأخماس.
(مسئلة) جاز للامام ان يعطى بعض الغانمين فوق سهمه بعد القتال بلا شرط سبق منه ان رأى اجتهادا منه فوق اجتهاد غيره وقال ابو حنيفة ﵀ لا يجوز ذلك الا من الخمس لان بعد القتال تعلق به حق الغانمين فلا يجوز ابطال حقهم والحجة عليه حديث سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله ﵌ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﵌ وانا معه فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد انمار على ظهر رسول الله ﵌ فقمت على اكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلثا يا صاحباه ثم خرجت في اثار القوم ارميهم بالنبل وارتجز أقول انا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فما زلت ارميهم واعقر لهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﵌ الا خلفته وراى ظهرى ثم اتبعتهم ارميهم حتى القوا اكثر من ثلثين بردة وثلثين رمحا يستخفون ولا يطرحون شيئا الا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله ﵌ وأصحابه حتى رأيت من فوارس رسول الله صلى الله
стр. 1500
عليه وآله وسلّم ولحق ابو قتادة فارس رسول الله ﵌ بعبد الرحمن فقتله قال رسول الله ﵌ خير فرساننا اليوم ابو قتادة وخير رجالتنا سلمة قال ثم أعطاني رسول الله ﵌ سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما الى جميعا ثم أردفني رسول الله ﵌ ورائه على العضباء راجعين الى المدينة رواه مسلم والجواب لأبي حنيفة ان الحديث رواه ابن حبان وقال كان سلمة بن الأكوع في تلك الغزاة راجلا فاعطاه النبي ﵌ من خمسه لا من سهمان المسلمين ورواه القاسم بن سلام وقال قال ابن مهدى فحدثت به سفيان فقال هذا خاص بالنبي ﵌ وهذا عندى اولى من حمله على انه أعطاه من سهمه والا لم يسم نفلا بل هبة قلت ولا وجه للحمل على ذلك ولا على القول بالتخصيص وسنذكر حديث اخر لسلمة بن الأكوع انه غزونا فزارة مع ابى بكر في مسئلة جواز فداء أسارى المشركين بأسارى المسلمين وفيه نفل ابو بكر سلمة امرأة واستدل بعض العلماء في هذه المسألة بما ذكرنا من حديث عبادة بن الصامت وحبيب بن سلمة ان النبي ﵌ نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث على معنى انه ﵌ نفل في رجعته يعنى بعد الرجوع من القتال بالثلث وحمل الطحاوي هذا الحديث بهذا المعنى على انه ﵌ نفل في الرجعة الثلث مما يجوز له النفل وهو الخمس ليوافق مذهبه ومذهب ابى حنيفة والله اعلم وكان إعطاء بعض الغانمين شيئا زائدا من الغنيمة على سبيل النفل امرا معروفا في الصحابة لكنهم كانوا مختلفين في محله روى الطحاوي بوجوه عن انس انه كان مع عبيد الله بن ابى بكرة في غزوة غزاها فاصابوا سبيا فاراد عبيد الله ان يعطى أنسا من السبي قبل ان يقسم فقال انس لا ولكن اقسم ثم أعطني من الخمس قال قال عبيد الله لا الا من جميع الغنائم فابى انس ان يقبل منه وابى عبيد الله ان يعطيه من الخمس شيئا وروى الطحاوي عن سليمان بن يسار انهم كانوا مع معاوية ابن خديج في غزوة المغرب فنفل الناس ومعنا اصحاب النبي ﵌ فلم يرد ذلك غير جبلة بن عمرو وعن خالد بن ابى عمران قال سألت سليمان بن يسار عن النفل في
стр. 1501
الغزو فقال لم ار أحدا صنعه غير ابن جريج نفلنا بافريقية النصف بعد الخمس ومعنا اصحاب النبي ﵌ من المهاجرين الأولين أناس كثير فابى جبلة ان يأخذ منها شيئا.
(مسئلة) يقسم الأخماس الاربعة بين الغانمين للراجل سهما وللفارس ثلثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه قال القاضي عبد الوهاب به قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلى بن ابى طالب ولا مخالف له من الصحابة وبه قال من التابعين عمر بن عبد العزيز وابن سيرين ومن الفقهاء مالك والأوزاعي وليث بن سعد وسفيان الثوري والشافعي واحمد بن حنبل وابو ثور وابو يوسف ومحمد بن الحسن ولم يخالف في هذه المسألة غير أبي حنيفة وحده حيث قال للفارس سهمان وللراجل سهم وقال ابن الجوزي قال خالد الحذاء لا يختلف فيه عن النبي ﵌ ان للفارس ثلثة سهم احتج الجمهور بأحاديث منها حديث المنذرين الزبير بن العوام عن أبيه ان النبي ﵌ اعطى الزبير سهما وفرسه سهمين رواه احمد وكذا روى الدار قطنى عن عبد الله بن الزبير عن الزبير والدار قطنى ايضا عن جابر وأخرجه ايضا من حديث ابى هريرة وأيضا من حديث سهل بن حثمة وفي حديث عبد الله ابن ابى بكر بن عمرو بن حزم من طريق ابن إسحاق في غزوة قريظة انه ﵌ جعل للفارس وفرسه ثلثة أسهم له سهم ولفرسه سهمان وفي الباب حديث ابن عمر انه ﵌ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما رواه البخاري واصحاب السنن الا النسائي وفي مسلم عنه قسم في النفل للفرس سهمين وللراجل سهما وفي رواية بإسقاط لفظ النفل وفي رواية أسهم للرجل ولفرسه ثلثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وحديث ابن عباس نحوه رواه إسحاق بن راهويه وكذا اخرج ابو داود من حديث ابن ابى عمرة عن أبيه وكذا اخرج البزار من حديث المقداد وحديث ابى كبشة الأنماري قال قال رسول الله ﵌ عام الفتح انى جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصها نقصه الله رواه الدار قطنى والطبراني قال ابن همام فيه محمد ابن عمران العبسي اكثر الناس على تضعيفه وحديث ابى دهم غزوت مع رسول الله ﵌ انا وأخي ومعنا فرسان فاعطانا ستة أسهم اربعة
стр. 1502
أسهم لفرسينا وسهمين لنا رواه الدار قطنى وروى ابو يوسف في كتاب الخراج بسنده عن ابى حازم قال ابو ذر الغفاري شهدت انا وأخي مع رسول الله ﵌ يوم حنين ومعنا فرسان لنا فضرب لنا رسول الله ﵌ بستة أسهم اربعة لفرسينا وسهمان لنا فبعنا ستة أسهم بحنين ببكرين واحتج ابو حنيفة بحديث مجمع بن جارية الأنصاري قال قسمت خيبر على اهل الحديبية فقسمها رسول الله ﵌ على ثمانية عشر سهما وكان الجيش الفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس فاعطى الفارس سهمين وللراجل سهما رواه ابو داود وقال ابو داود هذا وهم انما كانوا مائتى فارس فاعطى الفرس سهمين والرجل يعنى صاحبه سهما كذا قال الشافعي قلت وكذا ذكرنا في سورة الفتح في قصة غنائم خيبر وحديث المقداد بن عمر انه كان يوم بدر على فرسه يقال له سنجه فاسهم له النبي ﵌ سهمين لفرسه سهم وله سهم رواه الطبراني وفي سنده الواقدي ضعيف واخرج الواقدي ايضا في المغازي عن جعفر بن خارجة قال قال الزبير ابن العوام شهدت بنى قريظة فارسا فضرب لى بسهم ولفرسى بسهم واخرج ابن مردويه في تفسيره حدثنا محمد بن محمد السرى حدثنا المنذر بن محمد حدثنى ابى حدثنا يحيى بن محمد بن هانى عن محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت أصاب رسول الله ﵌ سبايا بنى المصطلق فاخرج الخمس منها ثم قسمها بين المسلمين فاعطى الفارس سهمين والراجل سهما وروى ابن ابى شيبة في مصنفه ومن طريقة الدارالقطني حدثنا ابو اسامة وابن نمير قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمران رسول الله ﵌ جعل للفارس سهمين وللراجل سهما قال الدار قطنى قال ابو بكر النيشابوري هذا عندى
وهم من ابن ابى شيبة لان احمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشير وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا على ما تقدم يعنى ثلثة أسهم للفارس ثم اخرج الدار قطنى عن نعيم حدثنا ابن المبارك عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر كما روى ابن ابى شيبة قال ابن الجوزي لعل الوهم من نعيم لان ابن المبارك من اثبت الناس قال ابن همام ونعيم ثقة واخرج الدار قطنى ايضا عن يونس بن
стр. 1503
عبد الأعلى حدثنا ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمران رسول الله ﵌ كان يسهم للخيل للفارس سهمين وللراجل سهما وتابعه ابن ابى مريم وخالد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر العمرى ورواه القعنبي عن العمرى بالشك في الفارس او الفرس ثم اخرج عن حجاج بن منهال حدثنا حمار بن سلمة حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ان النبي ﵌ قسم للفارس سهمين وللراجل سهما وخالفه النضر بن محمد بن حماد قال ابن همام وممن روى حديث عبيد الله متعارضا الكرخي لكن رواية البيهقي عنه اثبت قال ابن الجوزي عبيد الله بن عمر ضعيف وروى الدار قطنى بسنده عن عبد الرحمن بن أمين عن ابن عمر ان النبي ﵌ كان يقسم للفارس سهمين وللراجل سهما وروى ابو يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس ان رسول الله ﵌ قسم غنائم بدر للفارس سهمان وللراجل سهم قال ابو يوسف في كتاب الخراج انه كان الفقيه المقدم ابو حنيفة تغمده الله برحمته يقول أللراجل سهم للفارس سهم وقال لا أفضل بهيمة على رجل مسلم ويحتج بما حدثناه عن زكريا بن الحارث عن المنذر بن ابى حمصة الهمداني ان غلاما لعمر بن الخطاب رضى الله عنه قسم في بعض الشام للفرس سهم وللرجل سهم فرفع ذلك الى عمر رضى الله تعالى عنه فاجازه وكان ابو حنيفة يأخذ بهذا الحديث ويجعل للفرس سهما وللرجل سهما وما جاء من الآثار والأحاديث ان للفرس سهمين وللرجل سهما اكثر من ذلك وأوثق والعامة عليه وليس هذا على وجه التفضيل وما كان ينبغى ان يكون للفرس سهم وللرجل سهم لانه قد سوى بهيمة برجل مسلم انما هذا على ان يكون عدة الرجل اكثر من عدة الاخر وليرغب الناس في ارتباط الخيل في سبيل الله الا ترى ان سهم الفرس يرد على صاحب الفرس ولا يكون للفرس دونه والمتطوع وصاحب الديوان في القسمة سواء قال ابن همام إذا تعارض الروايات ترجح النفي بالأصل ويحمل رواية الثلاثة على التنفيل وما ورد في حديث جابر اعطى الفارس منا ثلثة أسهم ونحو ذلك ظاهر في انه ليس الأمر المستمر كذلك والا يقال كان ﵇ وقضى ﵇ وحديث ابى كبشة انى جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصهما نقصة الله لا يصح كما مر
стр. 1504
مسئله لو كان مع رجل فرسان فقال ابو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم الا الفرس واحد قال مالك في الموطإ لم اسمع بالقسم الا لفرس واحد وقال ابو يوسف واحمد يسهم لفرسين ولا يسهم لاكثر من فرسين اجماعا والحجة لابى يوسف ما رواه الدار قطنى من حديث بشير بن عمر بن محصن قال أسهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم لفرسي اربعة أسهم ولى سهما فأخذت خمسة أسهم وروى عبد الرزاق أخبرنا ابراهيم بن يحيى السلمى عن مكحول ان الزبير حضر خيبر بفرسين فاعطاه النبي ﵌ خمسة أسهم وهذا منقطع وقال الواقدي في المغازي حدثنا عبد الملك بن يحيى عن عيسى بن عمر قال كان مع الزبير يوم خيبر فرسان فأسهم له النبي ﵌ خمسة أسهم وقال ايضا حدثنى يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ابى صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب ان النبي ﵌ قاد في خيبر ثلثه أفراس لزاز والضرب والسكب وقاد الزبير بن العوام أفراسا وقاد حراس بن الصمت فرسين وقاد البراء بن
أوس فرسين وقاد ابو عمرة الأنصاري فرسين فاسهم ﵊ لكل من كان له فرسان اربعة أسهم وسهما له وما كان اكثر من فرسين لم يسهم له وروى ابن الجوزي بسنده عن سعيد بن منصور عن ابن عياش عن الأوزاعي ان رسول الله ﵌ كان يسهم للخيل ولا يسهم للرجل فوق فرسين وان كان معه عشرة أفراس وقال قال سعيد بن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا محمد بن الوليد عن الزهري ان عمر بن الخطاب كتب الى ابى عبيدة بن الجراح ان أسهم للفرس سهمين وللفرسين اربعة أسهم ولصاحبهما سهما فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الاثنين فهو جنائب وقال ابو يوسف في كتاب الخراج حدثنا ابن يحيى بن سعيد عن الحسن في الرجل يكون في الغزو معه الافراس قال لا يقسم له من الغنيمة لاكثر من فرسين قال وحدثنى محمد بن إسحاق عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول قال لا يقسم لاكثر من فرسين قال صاحب الهداية ما روى حجة لابى يوسف واحمد محمول على التنفيل كما اعطى سلمة بن الأكوع سهمين وهو راجل قلت ما قال صاحب الهداية ان إعطاء سهمين
стр. 1505
لفرس واربعة أسهم لفرسين محمول على التنفيل انما يتصور صحته لو قيل جاز للامام ان يعطى بعض الغانمين فوق سهمه بعد القتال من غير شرط سبق منه والا فلم يروا في شى مما ذكر من الأحاديث انه ﵌ شرط ذلك.
(مسئلة) إذا لحق المدد في دار الحرب قبل إحراز الغنائم بدار الإسلام بعد انقضاء القتال لا يسهم لهم عند الائمة الثلاثة وعند أبي حنيفة يسهم لهم احتجوا بما رواه ابن ابى شيبة والطحاوي بسند صحيح عن طارق بن شهاب الاخمسى ان اهل بصرة غزوا نهاوند فامدهم اهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر فظهروا فاراد اهل البصرة ان لا يقسموا لاهل الكوفة فقال رجل من بنى تميم وعند الطحاوي من بنى عطارد ايها العبد الأجدع تريد ان تشاركنا في غنائمنا وكانت اذنه جدعت مع رسول الله ﵌ فقال عمار خير اذنى سببت ثم كتب الى عمر فكتب عمران الغنيمة لمن شهد الوقعة واخرج الطبراني الغنيمة لمن شهد الوقعة مرفوعا وموقوفا وقال الصحيح الموقوف وأخرجه ابن عدى من طريق بخترى بن مختار عن عبد الرحمن بن مسعود عن عليّ موقوفا وروى الشافعي من طريق زيد بن عبد الله بن قسيط ان أبا بكر بعث عكرمة بن جهل في خمسائة من المسلمين مدد الزياد بن لبيد فذكر القصة وفيها فكتب ابو بكر ان الغنيمة لمن شهد الوقعة لكن في اثر ابى بكر انقطاع وبحديث ابى هريرة ان النبي ﵌ بعث ابان بن سعيد بن العاص في سرية قبل نجد فقدم ابان بعد فتح خيبر فلم يسهم له رواه ابو داود وابو نعيم موصولا والبخاري في صحيحه تعليقا وأجاب الحنفية عن هذا الحديث ان خيبر بعد ما فتحت صارت دار الإسلام فقدومهم بعد الفتح لحوق بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام ولا خلاف في انه من لحق بعد الاحراز لا سهم له في الغنيمة فانهم ملكوها بالاحراز قبل لحوقهم واما اسهامه لابى موسى الأشعري على ما في الصحيحين عنه انه قال وافينا رسول الله ﵌ حين افتتح خيبر فاسهم لنا ولم يسهم لاحد غاب عن فتح خيبر الا لاهل سفينتنا فقال ابن حبان انما أعطاهم من خمس الخمس والله اعلم.
стр. 1506
(مسئلة) ولا حق لاهل سوق العسكر ولا لسائسة الدواب عند ابى حنيفة ﵀ الا ان يقاتلوا وقال الشافعي يسهم لهم لما مر من قوله ﵌ ان الغنيمة لمن شهد الوقعة وهم قد شهدوا الوقعة وقد مر انه لم يصح رفعه بل هو حديث موقوف ومعناه لمن شهد الوقعة على قصد القتال وذلك انما يعرف بأحد أمرين اما بإظهار خروجه للجهاد والتجهيز له لا لغيره واما بحقيقة قتاله ولو كان من شهد الوقعة على عمومه لزم ان يسهم للنساء والأطفال والعبيد ايضا وقد اجمعوا على انه لا سهم لهولاء روى مسلم وابو داود عن ابن عباس انه سئل عن النساء هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله ﵌ وهل كان يضرب لهن سهم فقال كن يشهدن واما ان يضرب لهن سهم فلا وفي رواية لابى داود وقد كان يرضح لهن فان قيل يعارضه حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه ان رسول الله ﵌ أسهم لهن كما أسهم للرجال أخرجه ابو داود والنسائي قلنا حشرج مجهول.
(مسئلة) ان أطاق الصبى القتال واجازه الامام يكمل له السهم عند مالك وقال الجمهور لا يسهم له بل يرضخ روى ابو داود من طريق مكحول ان النبي ﵌ للنساء والصبيان والخيل وهذا مرسل لو صح فلعل المراد بقوله أسهم اعطى لهم شيئا وهو الرضخ.
(مسئلة) اختلفوا في العقار التي استولى عليها المسلمون عنوة فقال الشافعي يجب ان يقسمها الامام بين الغانمين بعد التخميس كالمنقول كما قسم رسول الله ﵌ خيبر وهى رواية عن احمد لعموم هذه الآية الا ان يطيب انفس الغانمين ويسقطوا حقوقهم فحينئذ يوقفها على المسلمين كما فعل عمر بسواد العراق وقال مالك ليس للامام ان يقسمها بل يصير بنفس الظهور عليها وقفا وهى رواية ثانية عن احمد وقال احمد وهى رواية عن مالك ان الامام مخير بين ان يقسمها على الغانمين بعد التخميس لله وبين ايقافها على جماعة المسلمين وقال ابو حنيفة الامام مخير بين قسمتها بين الغانمين بعد التخميس لله وبين اقرار أهلها بالخراج وبين ان يصرفها عنهم
стр. 1507
الى قوم آخرين يضرب عليهم الخراج وليس له ان يقفها والحجة لاحمد حديث سهل بن حشمة قال قسم رسول الله ﵌ خيبر نصفين نصف لنوائبه وحاجته ونصف بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما رواه ابن الجوزي وروى الطحاوي عن ابن عباس قال اعطى رسول الله ﵌ خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم وعن ابن عمر انه ﵌ عامل اهل خيبر بشطر ما يخرج من الزرع وعن جابر قال ما أفاء الله خيبر فاقرهم رسول الله ﵌ كما كانوا وجعل بينه وبينهم فبعث عبد الله بن رواحة عليهم ثم قال الطحاوي فثبت بذلك ان رسول الله ﵌ لم يكن قسم خيبر بكمالها لكنه قسم طائفة منها وترك طائفة فلم يقسمها قلت قد ذكرنا في سورة الفتح في قصة فتح خيبر قول ابن إسحاق كانت المقاسم على اموال خيبر على الشق والنطاة والكثيبة كانت الكثيبة في الخمس والشق والنطاة أسهم الغزاة ثمانية عشر سهما النطاة خمسة أسهم والشق ثلثة عشر والوطيح والسلاليم كانت لنوائب المسلمين عامله فيها اليهود بالنصف وكان ابن رواحة يأتيهم كل سنة فيخرصهم فاجلاهم عمر لقوله ﵌ نقركم على ذلك ما شئنا قلت قد جرى الخلاف بين الصحابة في خلافة عمر حين افتتح العراق قال ابو يوسف في كتاب الخراج حدثنى غير واحد من علماء المدينة قال لما قدم على عمر جيش العراق من قبل سعد بن ابى وقاص شاور اصحاب محمد ﵌ في قسمة الأرضين التي أفاء الله على المسلمين من ارض العراق والشام فتكلم قوم فيها وأرادوا ان يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا فقال عمر فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد قسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا برأي فقال عبد الرحمن بن عوف فما الرأي بالأرض والعلوج الا مما أفاء الله عليهم فقال عمر ما هو الا كما تقول ولست ارى ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى ان يكون كلا على المسلمين فاذا قسمت ارض العراق بعلوجها وارض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره وان اهل الشام والعراق أكثروا على عمر قالوا تقف ما أفاء الله علينا
стр. 1508
بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولابناء قوم ولابناء أبنائهم ولم يحضروا فكان لا يزيد على ان يقول هذا رأي قالوا فاستشر قال فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا فاما عبد الرحمن بن عوف فكان رأيه ان يقسم لهم حقوقهم ورأى عثمان وعليّ وطلحة رأى عمر رضى الله عنهم أجمعين فارسل الى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم واشرافهم فلما اجتمعوا حمد الله واثنى عليه بما هو اهله ومستحقه ثم قال انى لم أزعجكم الا لان تشركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم فانى واحد كاحدكم وأنتم اليوم تقرون الحق خالفنى من خالفنى ووافقنى من وافقنى ولست أريد ان تتبعوا الذي هو هواى معكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بامر أريده ما أردت به الا الحق قالوا قد نسمع يا امير المؤمنين قال قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا انى اظلّمهم حقوقهم وانى أعوذ بالله ان اركب ظلما لئن كنت ظلمتهم شيئا هو لهم وأعطيته غيرهم
لقد شقيت ولكن رايت انه لم يبق شيء يفتح بعد ارض كسرى وقد غنمنا الله أموالهم وأرضيهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا أورثه بين اهله وأخرجت الخمس ووجهته على وجهه وانا في توجيهه ورايت ان احبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فيكون شيئا للمسلمين للمقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم ارايتم هذه الثغور بدلها من رجال يلزمونها ارايتم هذه المدن العظام والشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر بد من ان تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم فمن اين يعطى هولاء إذا قسمت الأرضين والعلوج فقالوا جميعا الرأى رأيك فنعم ما قلت وما رايت ان لم يشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال ويجرى عليهم ما يقوون به رجع اهل الكفر الى مدنهم فقال قد بان لى الأمر فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها ويضع على العلوج ما يحتملون فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا له تبعثه الى أهم ذلك فان له بصرا وعقلا وتجربة فاسرع اليه عمر فولاه مساحة ارض السواد فادت جباية سواد الكوفة قبل ان يموت عمر بعام مائة الف الف والدرهم كانت يومئذ وزن المثقال قال ابو يوسف وحدثنى محمد بن إسحاق عن
стр. 1509
الزهري ان عمر بن الخطاب استشار الناس في السواد حين افتتح فراى عامتهم ان يقسم وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك وكان راى عمران يتركه ولا يقسمه قال اللهم اكفنى بلا لا ومكثوا في ذلك يومين او ثلثا او دون ذلك ثم قال عمر اني قد وجدت حجة قال الله في كتابه ما أفاء الله على رسوله منهم الى قوله والذين جاؤا من بعدهم الآيات من سورة الحشر قال فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم فقد صار هذا الفيء على هؤلاء جميعا فكيف تقسم هؤلاء وتدع من يخلف بغير قسم فاجمع على تركه وجمع خراجه قال ابو يوسف وحدثنى الليث بن الليث بن سعد عن حبيب بن ابى ثابت ان اصحاب رسول الله ﵌ وجماعة المسلمين أرادوا عمر بن الخطاب ان يقسم الشام كما قسم رسول الله ﵌ خيبر وانه كان أشد الناس في ذلك الزبير بن العوام وبلال بن رباح فقال عمر اذن اترك من بعدكم من المسلمين لهم ثم قال اللهم اكفنى بلالا وأصحابه قال ورأى المسلمون ان الطاعون الذي أصابهم لعمواس كان من دعوة عمر قال وتركهم عمر ذمة يؤدون الخراج الى المسلمين قلت فثبت انعقاد الإجماع على جواز ترك الأرض في أيدي أهلها يؤدون الخراج فان قيل كيف يجوز نسخ الاية بالإجماع والإجماع لا يكون ناسخا ولا منسوخا وما استدل به عمر من قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى ليس بحجة لانه فيما قال الله تعالى ما او جفتم عليه من خيل ولا ركاب وكلا منا فيما اوجف عليه المسلمون خيلا وركابا قلنا امة محمد ﵌ لا يجتمع على الضلالة فاجماعهم على هذا يدل على ان قوله تعالى ما غنمتم من شيء ليس على عمومه كيف وقد كان لرسول الله ﵌ الصفي وجعل رسول الله ﵌ السلب للقاتل ولم يخمس السلب وجاز ان يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا ما وجدوه من الطعام عن محمد ابن ابى المجالد عن عبد الله بن ابى اوفى قال قلت هل كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﵌ قال أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجيئ فياخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف وعن ابن عمران جيشا غنموا في زمن رسول الله ﵌ طعاما وعسلا فلم يوخذ منهم الخمس وعن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض اصحاب النبي
стр. 1510
صلى الله عليه وآله وسلم قال كنا ناكل الجزور في الغزو ولا نقسمه حتى كنا لنرجع الى رجالنا وأخرجتنا منه مملوة روى الأحاديث الثلاثة ابو داود.
(فائدة) حمل اصحاب الشافعي ما فعل عمر في سواد العراق والشام على انه وقف الأرض برضاء الغانمين وإسقاطهم حقوق أنفسهم قلنا لو كان كذلك لاخرج منها اولا خمس الله تعالى إذ ليس الخمس للامام ولا للغانمين ولا يسقط باسقاطهم وايضا وضع عمر على جريب الكرم شيئا معلوما وعلى جريب الحنطة شيئا معلوما فلا يجوز ان يكون الأرض مملوكة للمسلمين موقوفة والا يلزم بيع المعدوم وبيع ما ليس عندك بل يظهر بهذا ان الأرض مملوكة للكافرين وضع عليهم خراج الأرض كما وضع عليهم الجزية وهم أحرار ولا يجوز ان يكونوا عبيدا للمسلمين ويكون الجزية ضريبة للمسلمين عليهم بعلة الملك لانه اهل نسائهم ومشايخهم وصبيانهم وان كانوا قادرين على الاكتساب اكثر مما يقدر عليه بعض الرجال البالغين فظهر انه ليس بعلة الملك على وجه الضريبة والله اعلم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وما عطف على بالله أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد ﵌ من الملئكة والنصر والآيات المعجزة منها ان الله تعالى تحقق ما وعدهم احدى الطائفتين وانه أخبرهم بميلهم الى العير دون الجيش وانه جاء المطر بحيث كان للمسلمين نعمة وعلى الكافرين نقمة وان امر الله تعالى بالملائكة حتى سمعوا أصواتهم حين قالوا اقدم حيزوم ورأوا الرؤوس تتساقط من الكواهل من غير قطع واثر سياط في ابى جهل وانه رمى النبي ﵌ المشركين بالحصباء حتى عميت أبصار الكفار أجمعين وانه قلل المشركين في أعين المسلمين لتشجيعهم وانه أشار النبي ﵌ الى مصارع المشركين هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان فرأى المسلمين ذلك على ما أشار وانه تعالى حقق قوله ﵌ بعقبة بن ابى معيط ان وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرا وأنه ﵌ اخبر عمه العباس بما استودع أم الفضل فزالت شبهة العباس في نبوته وان الله تعالى تحقق وعده للمؤمنين بقوله ان يعلم في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا مما أخذ منكم فاعطى العباس بدل عشرين اوقية عشرين غلاما