← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المهاجرين اهل الهجرة الاولى وهم الذين هاجروا قبل الحديبية ومنهم من كان ذا الهجرتين الهجرة الى الحبشة والهجرة الى المدينة منهم عثمان وجعفر الطيار وغيرهم وكان بعضهم اهل الهجرة الثانية وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة والمراد بالآية الاولى اهل الهجرة الاولى لفضلهم ثم الحق بهم اهل الهجرة الثانية فقال. وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ اى بعد صلح الحديبية وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ وكذا من ايتسم بسمتهم فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ايها المهاجرون الأولون والأنصار يعنى من جملتكم ومن جنسكم يتولى بعضكم بعضا ويرث بعضكم بعضا وَأُولُوا الْأَرْحامِ من المؤمنين بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ من الأجانب في التوارث وصلة الرحم وهذا لا ينافي ما سبق والمعنى ان المؤمن إن كان له ذا رحم فهو اولى به من سائر المؤمنين في التوارث فان كان له ذا رحم الذين ذكر الله تعالى في سورة النساء فهو اولى من غيره يعطى له الميراث على ما أوصله الله تعالى في كتابه وان لم يكن منهم أحد وكان ذو رحم من غيرهم فهو اولى من الأجانب بهذا الاية وبقوله صلى الله عليه واله وسلم الخال وارث من لا وارث له وقد ذكرنا الحديث في سورة النساء فهذه الاية حجة على الشافعي حيث قال يوضع ماله في بيت المال ان لم يكن للميت ذا فرض ولا عصبة ولا يرث غيرهم من ذوى الأرحام وقدم المسألة في سورة النساء والمؤمن ان لم يكن له أحد من اولى الأرحام مؤمنا فاوليائه جماعة المؤمنين بما سبق من الاية الاولى فيوضع ماله في بيت المال لجماعة المسلمين فِي كِتابِ اللَّهِ يعنى في حكم الله وقسمته او في اللوح المحفوظ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) ومنها المواريث والحكمة في اناطتها بالقرابة والإسلام والنكاح والولاء والله اعلم تمت تفسير سورة الأنفال من التفسير المظهرى ويتلوه إنشاء الله تعالى تفسير سورة البراءة.

стр. 1542

فهرس للتفسير المظهرى سورة التّوبة إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ هذا كتاب جليل صنف لتذكرة الشيخ الشهيد سيّدنا ومولانا ميرزا جانجانان مظهر قدس سره الموسوم بالتّفسير المظهرى تأليف الشيخ الأكمل بيهقى الوقت علم الهدى مولانا القاضي محمد ثناء الله العثماني الحنفي المظهرى النقشبندي الفاني فتى رضى الله عنه وعن آبائه ومشائخه ولد ﵀ في سنة ثلاث وأربعين بعد الف ومائة من الهجرة ١١٢٣ او قبله بسنة او سنتين بفانى فت ونشا بها فحفظ القرآن وعمره سبع سنين واشتغل بعده بأخذ العلوم النقلية والعقلية فتجر فيها ثم ارتحل الى دهلى فلزم العلامة البحر الفهامة مولانا الشاه ولىّ الله المحدث الدهلوي فسمع الحديث منه بتمامه وكماله وتفقه فيه وأخذ الطريقة العالية النقشبندية اولا من شيخ الشيوخ مولانا خواجه محمد عابد السنامى ثم انسلك بخدمة الشهيد مولانا الشيخ ميرزا جانجانان مظهر وأخذ منه الطريقة الاحمدية بكماله ثم رجع الى وطنه واقام به وأفنى عمره الشريف في نشر العلوم وفصل الخصومات وإفتاء الاسئلة والف كتبا عدة في التفسير والفقه وغيرهما تجاوز عددها من ثلاثين ولم يزل مقبلا متوجها الى الله وازديادا مجتهدا في الخيرات الى ان أدركته المنية فتوفى في غرة الرجب المرجب سنة الف ومائتين وخمس وعشرين من الهجرة ١٢٢٥ على صاحبها التحية مكتبه رشيديّه سركى رود- كوئطه

стр. 1543

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ما ورد في أسمائها ووجه تسميتها- ١٣١ ما ورد في وجه ترك البسملة- ١٣٢ تحقيق يوم الحج الأكبر- ١٣٤ حرمة الأشهر الحرم منسوخة أم لا- ١٣٥ قصة بعث ابى بكر أميرا للحج وعليا ليقرأ ١٣٦ على الناس سورة براءة- هل يجوز القتال في حرم مكة مسئله يجوز القتال ١٣٩ في الأشهر الحرم وفي الحرم ان بدأ المشركون بالقتال ما ورد في الصلاة والزكوة وجواز القتال على ١٤٣ منع الزكوة- فائدة ليكن غرض المسلمين في قتال الكفار إعلاء ١٤٤ كلمة الله ومنع الناس عن الشرك والمعاصي دون الملك والمال- حديث لا يزال من أمتي امة قائمة بامره- ١٤٦ مسئله مع الكفار عن دخول المسجد الحرام وعن تعميره ١٤٦ ما ورد في فضل ادامة العبادة والذكر في المساجد ١٤٨ وفي بناء المسجد وتزئينه وتنزيهه- مسئله دوام الذكر أفضل من الجهاد- ١٥٩ قصة استقاء رسول الله ﷺ من زمزم ٢١٥١ قصة غزوة حنين- ١٥٤ ذكر شروع القتال وإعجاب المسلمين بالكثرة وفرارهم ١٥٦ ذكر ثبات رسول الله ﷺ ١٥٩ ذكر ارادة بعض المشركين الفتك برسول الله ١٦٠ ﷺ وإسلامهم بعد روية المعجزة- فائدة في بيان كم بقي ثابتا مع رسول الله صلى ١٦٢ الله عليه وسلم ذكر رجوع المنهرمين- عن رسول الله ﷺ كفا من الحصى ١٦٤ نزول الملئكة والنصر من السماء- ١٦٤ ذكر قتل الكفار حتى الذراري والمنع من قتل ١٦٦ الذراري- ذكر فرار المشركين وفرار مالك بن عوف ١٦٦ رئيسهم الى الطائف- جمع غنايم وإرساله الى جعرانة- ١٦٧ ذكر حصار الطائف وعدم خروج أهلها للبراز ١٦٧ وقتالهم من وراء الحصن- ذكر من استشهد رجال من المسلمين- ١٦٧ ورجوعه ﷺ بعد عشرين ليلة ١٦٨ او نحو ذلك الى جعرانة

стр. 1544

مضمون صفحه ذكر قسمة غنايم حنين- ١٦٩ ذكر إتيان أم رسول الله ﷺ وأبيه ١٦٩ وأخته من الرضاعة وغيرهم تائبين ورد سباياهم ذكر إعطاء المؤلفة قلوبهم وتقسيم الأموال- ١٧١ ووجد الأنصار واستمالتهم- ١٧٣ ذكر إتيان مالك بن عوف راس هوازن حسن إسلامه ١٧٥ ذكر نجاسة المشرك- مسئله هل يجوز للمشركين واهل الكتاب دخول ١٧٦ المسجد الحرام او الحرم او غير ذلك من المساجد وهل يجوز مقامهم في الحجاز- مسئله اختلاف العلماء في أخذ الجزية من ١٧٩ عبدة الأوثان ومن العرب- مسئله اختلاف في قدر الجزية- ١٨٤ مسئله لا يجوز أخذ الجزية من فقير غير معتمل- ١٨٦ مسئله يسقط الجزية بالإسلام- ١٨٧ مسئله الجزية يجب باول الحول وتسقط بالموت- ١٨٨ مسئله لا جزية على الصبيان والمجانين ولا ١٨٩ على النساء والعبيد- مسئله ما ينقض به عقد الذمة- ١٩٠ مسئله ينتقض العهد بذكر الله سبحانه ١٩٠ القرآن او الإسلام او النبي ﷺ بما لا يليق بهم- مسئلة إذا استعلى ذمى على مسلم على وجه ١٩٢ صار مستمرا عليه حل قتله حتى يرجع الى الذل والصغار قصة عزير ﵇ ١٩٢ قصة إضلال بولس النصارى- ١٩٣ مسئله بضم الذهب الى الفضة لاداء الزكوة ١٩٦ ما ورد ان النفقات الواجبة اكثر اجر او أفضل- ١٩٧ مسئله جواز كنز الأموال إذا ادى ما وجب فيها ١٩٨ وما قبل انه لا يجوز ذلك- حديث ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يودى ٢٠٠ حقها الحديث- مسئله تحريم القتال في الأشهر الحرام- ٢٠١ ذكر النبي وأول من نسا- ٢٠٣ ما ورد في فضل ابى بكر لمصاحبته في الغار- ٢٠٧ قصة خروجه ﷺ من مكة مهاجرا- ٢٠٨ حديث اللهم اجعل أبا بكر معى في درجتى في ٢١٠ الجنة الحديث- قصة أم معبد ومعجزة حلب الحائل العازب- ٢١٤ قصة سراقة والمعجزة ٢١٧ حديث عجبا «١» لامر المؤمن ان امره كله خير- ٢٢٣ قصة خروجه صلى «٢» الله عليه وسلم الى غزوة تبوك- ٢٢٦ قصة تخلف جد بن قيس المنافق- ٢٢٥ مصارف الصدقات- ٢٣١

стр. 1545

مضمون صفحه مسئله لا يجوز دفع الزكوة الى كافر- ٢٣١ مسئله الاولى ان يلتمس لدفع الزكوة سببا ٢٤٠ يترجح المعطى له من غيره من الفقراء كالمسكين الذي لا يسال الناس والغازي والحاج والكاتب ومن اسباب المزية القرابة وما ورد في إعطاء ٢٤٠ القريب لا يجوز دفع الزكوة الى من بينهما ولادا وزوجية- ٢٤٠ وعند ابى يوسف يجوز دفع زكوتها الى زوجها- ٢٤١ ومن اسباب المزية الجوار وما ورد فيه- ٢٤٣ ما ورد في وضع الزكوة في اى صنف شاء- مسئله حد الغنى الذي يمتنع أخذ الزكوة والذي ٢٤٦ يمنع السؤال- مسئله الفقير إذا كان قويا قادرا بالكسب ٢٤٩ هل يجوز دفع الزكوة اليه- مسئله لم يكن الصدقة حلالا للنبى صلى الله ٢٥٠ عليه وسلم- مسئله الذين يحرم عليهم الصدقة خمسة بطون ٢٥٢ مسئله يحرم الزكوة على مواليهم- ٢٥٣ مسئله يكره نقل الصدقة من بلد الى بلد- ٢٥٣ ما ورد في جنة عدن- ٢٦٤ ما ورد في رضوان الله- ٢٦٦ قصة ثعلبة بن حاطب- ٢٦٩ قصة تصدق عبد الرحمن بن عوف وعاصم ٢٧١ ابن عدى وابو عقيل الأنصاري رضى الله عنهم ولمز النافقين- ما ورد في بكاء اهل النار في النار- ٢٧٤ ما ورد في كراهة كثرة المضحك في الدنيا ٢٧٥ واستحباب البكاء من خشية الله- ذكر موت عبد الله بن ابى المنافق ٢٧٦ ما ورد في قبائل العرب- ٢٧٩ ما ورد في قوله ﷺ بالصلوة ٢٨١ على من تصدق- ذكر السابقين الأولين من المهاجرين ٢٨٥ والأنصار ذكر أول من اسلم من المهاجرين واصحاب ٢٨٥ العقبات الثلث من الأنصار مسئله اصحاب رسول الله ﷺ ٢٨٧ كلهم في الجنة- قصة ابى لبابة وأصحابه- ٢٨٩ مسئله هل يجب الدعاء على الامام عند ٢٩٢ أخذ الصدقة- مسئله هل يجوز الصلاة على غير الأنبياء ٢٩٢ ذكر بناء مسجد الضرار- ٢٩٥ وهدمه- ٢٩٧

стр. 1546

مضمون صفحه ذكر مسجد أسس على التقوى- ٢٩٧ ما ورد في مسجد المدينة ومسجد قبا- ٢٩٧ ما ورد في ثناء اهل قبا في الطهور- ٢٩٩ قصة بيعة الأنصار في ليالى العقبة وخروج ٣٠٢ المهاجرين الى المدينة- حديث أول من يدعى الى الجنة الحمادون ٣٠٤ ما ورد في تفسير الصائمين في فضل الصوم ٣٠٤ فالجهاد وطلب العلم- ما ورد في فضل الصلاة- ٣٠٥ ذكر ظاهر الشريعة وباطنها- ٣٠٥ ذكر موت ابى طالب- ٣٠٦ مسئله لا يجوز القول بكون أبوي النبي ٣٠٧ ﷺ مشركين وما ورد في ذلك ما ورد في عسرة الصحابة وشدتهم في غزوة ٣١١ تبوك ومعجزة الاستسقاء قصة لحوق ابى ذر الغفاري وابى خيثمة ٣١٢ بعد ما ابطأ في غزوة تبوك- قصة تخلف كعب بن مالك الشاعر وهلال ٣١٣ ابن امية ومرارة بن الربيع عن غزوة تبوك ونزول توبتهم- ما ورد في رضاء الله سبحانه بتوبة العبد- ٣١٤ ما ورد في فضل الجهاد ٣٢١ مسئلة الجهاد فرض على الكفاية وعند النفير ٣٢١ العام فرض عين ما ورد في فضل الانفاق في الجهاد- ٣٢١ ما ورد في فضل العلم والعلماء وما هو فرض عين ٣٢٢ وفرض كفاية منه والعلم اللدني- مسئله يجب الجهاد على اهل كل ثغر بمن ٣٢٥ يليهم من الكفار فان لم يكن بهم كفاية او تكاسلوا يجب على من يفرب منهم ثم وثم الى الشرق والغرب وكذا جهاز الميت والصلاة عليه ما قيل ان الايمان يزيد وينقص- ٣٢٦ فصل في بقية قصة غزوه تبوك- ٣٢٨ لما مر رسول الله ﷺ بالحجر تقنع ٣٢٩ بردائه واسرع السير ونهى الناس عن شرب مائها والوضوء منه وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا ان تكونوا باكين واهريقوا القدور واعلقوا العجين الذي عجن من مالها الإبل- المعجزات ٣٣٠ منها الاخبار بهبوب الريح وما ورد فيه- ٣٣٠ منها قصة ضلال الناقة والاخبار بها وبقول المنافق ٣٣٠ وقصة اقتداء ﵇ بعبد الرحمن بن عوف ٣٣٠ قصة عارض الناس حية عظيمة وكان من الجن ٣٣٠

стр. 1547

منها قصة عين تبوك ٣٣٠ منها قصة مرور الغلام بينه ﵇ وبين ٣٣١ القبلة وهو في الصلاة فصار مقعدا بدعائه ﵇ منها قصة البركة في التمرات ٣٣١ منها اخبار النبي ﷺ لموت ٣٣٢ منافق بالمدينة- منها قصة نفر من سعد بن هزيم- ٣٣٢ منها قصة صلوته ﵇ على معاوية ٣٣٣ ابن معاوية غائبا وقد مات بالمدينة وفيه ذكر فضل سورة الإخلاص ٣٣٣ منها قصة نحى السمن قصة بعثه ﷺ كتابا الى هرقل مع دحية الكلبي- وقصة بعث هرقل كتابه الى رسول الله صلى الله ٣٣٣ عليه مع التنوخي وما فيه من المعجزات- وكتابه مع دحية الكلبي في الجواب ٣٣٥ قصه بعثه ﷺ خالد بن الوليد الى أكيدر ٣٣٥ بدومة وما فيها طن المعجزات وفتح حصنه- وقسمته غنائمه وقدوم أكيدر مع خالد على رسول ٣٣٦ الله ﷺ وما اهدى وقع الصلح على الجزية ٣٣٦ قصة قدوم ملك ايلة يحنه وكتاب ٣٣٧ الصلح له والجزية وقدوم اهل جربا واذرح وكتاب ٣٣٧ الصلح والجزية با اهل مقنا- ذكر مدة إقامته ﷺ ٣٣٧ بتبوك ورجوعه الى المدينة- حديث النهى عن الخروج من ارض ٣٣٧ فيها الطاعون وعن الدخول فيها- من المعجزات قصة البركة في الأزواد ٣٣٨ بعد نفادها- منها قصة نبع الماء بين أصابعه عليه ٣٣٩ السلام- ومنها قصة انخراق الماء من وشل ٣٣٩ كان في وادي الناقة- منها قصة نبع الماء واتساعه وانبساطه ٣٤٠ في القعب منها قصة جهد الظهور فقويت بدعائه ٣٤٠ ﵇ ذكر قدومه ﵇ المدينة ٣٤٠ حديث للمدينة هذه طابة- ٣٤٠ حديث لا يزال عصابة من أمتي ٣٤٠ يجاهدون على الحق اللهم صلى على ٣٤٠ محمد وآله وأصحابه أجمعين- ٥- (فهرس تمام شد)

стр. 1548

نحمدك يا من لا اله الّا أنت ونسبّحك ونستعينك ونستغفرك ونشهد انّك مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شيء قدير أنت ربّنا وربّ السّموات والأرض ومن فيهنّ ونصلىّ ونسلّم على رسولك وحبيبك سيّدنا ومولانا محمّد وعلى جميع النّبيّين والمرسلين وعلى عبادك الصّالحين ٥. سورة التّوبة مدنيّة وهى مائة وتسع وعشرون اية او ماية وثلثون اية عن «١» ابى عطية الهمداني قال كتب عمر بن الخطاب تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور قلت لان في البراءة الحث على الجهاد وفي النور الحث على الحجاب وعن «٢» عثمان بن عفان قال كانت البراءة والأنفال تدعيان في زمن رسول الله ﷺ القرينتين فلذلك جمعتهما في السبع الطوال ٥ منه ولها اسماء سميت براءة لانها براءة عن الكافرين وسورة التوبة لان فيها توبة على المؤمنين والمقشقشة أخرجه ابو الشيخ وابن مردوية عن زيد بن اسلم عن عبد الله بن عمر لانها تقشقش اى بترأ من النفاق والمبعثرة أخرجه ابن المنذر عن محمد بن إسحاق لما كشفت عن سرائر الناس والبحوث أخرجه ابن ابى حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابى رشد الحراني عن المقداد بن الأسود والمثيرة أخرجه ابن المنذر وابو الشيخ وابن ابى حاتم عن قتادة لانها نبعثر النفاق وبتحت عنها وتثيرها وتظهر عوراتهم وتخفر عنها والمنكلة والمدمدمة وسورة العذاب اخرج ابن ابى شيبة والطبراني وابو الشيخ والحاكم وابن مردوية عن حذيفة رضى الله عنه قال التي تسمونها سورة التوبة هى سورة العذاب والله ما تركت

стр. 1549

أحد الا نالت فيه واخرج سورة العذاب ايضا ابو عوانة وابن المنذر وابو الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس عن عمرو الفاضحة لكونها فاضحة للمنافقين قال البغوي قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس سورة التوبة قال هى الفاضحة ما زالت تنزل وتنبئهم حتى ظنوا انها لم تبق أحدا منهم الا ذكرها فيها قال قلت سورة الأنفال قال تلك سورة بدر قال قلت سورة الحشر قال قل سورة النضير وفي وجه ترك البسملة عنها روى البغوي بسنده واحمد وابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قلت لعثمان رضى الله عنه ما حملكم على ان عمدتم الى الأنفال وهى من الثاني وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فاذا نزل عليه الشيء يدعوا بعض من كان يكتب عنده فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكانت الأنفال مما نزلت بالمدينة وكانت براءة من اخر ما نزلت وفي لفظ وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت بالمدينة وكانت البراءة من اخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لها انها منها فمن ثم فرنت بينهما ولم اكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال وقيل وجه ترك البسملة انها نزلت لرفع الامان وبسم الله الرّحمن الرّحيم أمان كذا اخرج ابو الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس قال سالت على ابن ابى طالب رضى الله عنه لم لم يكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم في براءة قال لان بسم الله الرّحمن الرّحيم أمان وبراة نزلت بالسيف وقيل اختلف اصحاب رسول الله ﷺ فقال بعضهم الأنفال وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال ويعد السابعة من الطوال وهى سبع وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة قال البغوي قال المفسرون لما خرج رسول الله ﷺ الى تبوك كان المنافقون يرجعون الأراجيف يعنى يقولون أقوالا يضطرب بها المسلمون اضطرابا

стр. 1550

شديدا وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ قلت وذلك لزعهم ان المسلمين لا يقاومون قتال قيصر ملك الشام فامر الله تعالى نبيه ﷺ بنقض عهودهم فقال. بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ «١» قال الزجاج يعنى قد برئ الله ورسوله اعطائهم العهود والوفاء بها إذا نكثوا فقوله براءة خبر مبتدا محذوف اى هذه براءة وهى ضد المعاهدة وهى مصدر كالنشاءة والدناءة ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف تقديره واصلة من الله ورسوله ويجوز ان يكون براة مبتدأ لتخصيصها بصفتها خبره إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ اى عاهدتموهم ايها الرسول والمؤمنون مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) بيان للموصول علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالرسول والمؤمنين للدلالة على انه يجب عليهم نبذ عهودهم. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ فيه التفات حيث خاطب المشركين بعد ما ذكرهم على الغيبة او المعنى فقل لهم سيحوا اى سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين امنين غير خائفين أحدا من المسلمين والسياحة السير على مهل أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ اى غير فائتين ولا سابقين وان أمهلكم وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) اى مذلهم بالقتل والاسر في الدنيا والعذاب في الآخرة قال الزهري الأشهر الاربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لان الاية نزلت في شوال وقال اكثر المفسرين ابتدائها يوم الحج الأكبر وانقضائها الى عشر من شهر ربيع الاخر لقوله تعالى. وَأَذانٌ اى اعلام فعال بمعنى الافعال كالامان والعطاء ومنه الاذان للصلوة يقال اذنته فاذن اى أعلمته فعلم وأصله من الاذن اى أوقعت في اذنه ورفعه كرفع براءة على الوجهين

стр. 1551

مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ «١» الْأَكْبَرِ قال البغوي روى عكرمة عن ابن عباس انه يوم عرفة قال وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عمرو ابن الزبير «٢» رضى الله عنهم وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب قلت ومستند هذا القول قوله ﷺ الحج عرفة أخرجه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والدار قطنى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن معمر واخرج ابن ابى حاتم عن مسور ابن مخرمة ان رسول الله ﷺ قال يوم عرفة وهذا يوم الحج الأكبر قال البغوي قال جماعة هو يوم النحر روى عن يحيى بن الخراز قال خرج على رضى الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاء رجل أخذ بلجام دابته وساله عن يوم الحج الأكبر فقال يومك هذا خل سبيلها اخرج الترمذي عن على قال سالت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر قال وبروى ذلك عن عبد الله بن ابى اوفى والمغيرة ابن شعبة وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير والسدى قلت واخرج ابو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر انه ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال هذا يوم الحج الأكبر قال البغوي وروى ابن جريح عن مجاهد يوم الحج الأكبر حين الحج ايام منى كلها وكان سفيان الثوري يقول يوم الحج الأكبر ايام منى كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث يراد به الحين والزمان فان هذه الحروب دامت أياما كثيرة ووصف الحج بالأكبر لان العمرة يسمى بالحج الأصغر كذا قال الزهري والشعبي وعطاء والله اعلم قالوا هذه الآية تدل على ان ابتداء الأشهر الاربعة يوم الحج الأكبر قلت ليس في آية الاذان الواقع يوم الحج الأكبر التقييد باربعة أشهر حتى يدل على ان ابتداء الأشهر من ذلك اليوم بل قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أَنَّ اللَّهَ اى بان الله بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٥ وَرَسُولُهُ قرأ يعقوب رسوله بالنصب عطفا على اسم ان او لان الواو بمعنى مع والباقون بالرفع

стр. 1552

عطفا على المستكن في برئ او على الابتداء والخبر محذوف اى ورسوله برئ وهذا تعميم بعد تخصيص فان الاية الاولى فيها براءة مختصة بالذين عوهدوا والمراد به الناكثين منهم بدليل الاستثناء الآتي وفي هذه الآية براءة عامة الى المشركين أجمعين عاهدوا ثم نكثوا او لم يعاهدوا منهم ولذا قال الى الناس فلا تكرار غير ان الذين عاهدوا ولم ينكثوا خارجون عن هذه البراءة ايضا لقوله تعالى فاتموا إليهم عهدهم وليس في هذه الاية الأمر بالسياحة اربعة أشهر حتى يلزم اعتبار ابتداء المدة من هذا اليوم وعندى ان قوله تعالى براءة من الله ورسوله وان الله برئ وان كانت نازلة في المشركين الموجودين في ذلك الوقت الناكثين عهودهم في غزوة تبوك وغير المعاهدين منهم لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد فالآية محكمة ناطقة لوجوب قتال الناكثين وغير المعاهدين ابدا فالمراد بقوله تعالى فسيحوا في الأرض اربعة أشهر من كل سنة وهى الأشهر الحرم بدليل قوله تعالى فاذا انسلخ الأشهر الحرم الآية وقوله تعالى ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها اربعة حرم فان قيل قال قوم القتال في الأشهر الحرم كان كبيرا ثم نسخ بقوله تعالى قاتلوا المشركين كافة كانه يقول فيهن وفي غيرهن وهو قول قتادة وعطاء الخراسانى والزهري وسفيان الثوري وقالوا لان النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف وحاصر في شوال وبعض ذى القعدة قلنا هذا لقول عندى غير صحيح لان قوله تعالى قاتلوا المشركين كافة من تتمة قوله تعالى ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ولا بد في الناسخ من التراخي والقول بالتخصيص هاهنا غير متصور والقول بان معنى قوله تعالى قاتلوا المشركين كافة فيهن وفي غيرهن باطل لانه يدل على تعميم الافراد دون تعميم الزمان وحصاره ﷺ الطائف في بعض ذى القعدة ثابت بأحاديث الآحاد ولا يجوز نسخ الكتاب بها كيف وسورة التوبة نزلت بعد غزوة الطائف وقد قال رسول الله ﷺ في خطبة

стр. 1553

يوم النحر في حجة الوداع قبل وفاته بثمانين يوما ان الزمان استدار كهيئة يوم خلق السّموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها اربعة حرم ثلث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان الحديث رواه الشيخان في الصحيحين من حديث ابى بكرة ويحتمل ان يكون جواز حصار الطائف في ذى القعدة مختصا بالنبي ﷺ أبيح له القتال فيها كما أبيح له القتال في الحرم قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السّموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة وانه لم يحل القتال لاحد قبلى ولم يحل لى الا ساعة من نهار الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس وفي الصحيحين من حديث ابى شريح العدوى فان أحد ترخص بقتال رسول الله فيها فقولوا له ان الله قد اذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما اذن لى فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس- (قصّة) لما نزلت هذه في شوال سنة تسع بعث رسول الله ﷺ عليا ليقرأها على الناس في الموسم روى النسائي عن جابر انه ﷺ بعث أبا بكر على الحج فاقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب «١» بالصبح فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره ووقف عن التكبير فقال هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ الجدعاء لقد بد الرسول الله ﷺ في الحج فلعله ان يكون رسول الله ﷺ فنصلى معه فاذا على عليها فقال له ابو بكر امير أم رسول قال لا بل رسول أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة اقرأها على الناس في مواقف الحج «٢» فقدمنا مكة فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام ابو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام على فقرأ على

стр. 1554

الناس براءة حتى ختمها ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام ابو بكر فخطب الناس فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم كان يوم النحر فافضنا فلما رجع ابو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها فلما كان يوم النفر الاول قام ابو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها قال البغوي بعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر سورة براءة وامره ان يوذن بمكة ومنى وعرفات ان قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فرجع ابو بكر فقال يا رسول الله بابى أنت وأمي اانزل في شانى شىء قال لا ولكن لا ينبغى لاحد ان يبلغ هذا الا رجل من أهلي اما ترضى يا أبا بكر انك كنت معى في الغار وانك صاحبى على حوضى قال بلى يا رسول الله فسار ابو بكر رضى الله عنه أميرا على الحج وعلى رضى الله عنه ليؤذن براءة فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب ابو بكر الناس وورثهم عن مناسكهم واقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج حتى إذا كان يوم النحر قام على ابن ابى طالب رضى الله عنه فاذن في الناس بالذي امر وقرأ عليهم سورة براءة «١» وقال زيد ابن تبغ سالنا عليا باى شىء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو الى مدته ومن لم يكن له مدة فاجله اربعة أشهر ولا يدخل الجنة الا نفس مومنة ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا روى الشيخان في الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن عن ابى هريرة قال بعثني ابو بكر رضى الله عنه في تلك الحجة في مؤذنى يوم النحر يؤذن بمنى الا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال حميد بن عبد الرحمن ثم اردف رسول الله ﷺ عليا فامره ان يؤذن ببراءة قال ابو هريرة فاذن معنا على في اهل منى يوم النحر لا يحج بعد

стр. 1555

العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان- (فائدة) هذه القصة صريح في ان رسول الله ﷺ لم يعزل أبا بكر عن امارة الحج وانما بعث عليا ينادى بهذه الآيات وكان السبب في هذا ان العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العقود ونقضها ان لا يتولى ذلك الا سيدهم او رجل من رهط فبعث عليا ازاحة للعلة لئلا يقولوا هذا خلاف ما نعرفه فينا في نقص العهود وهذا معنى قوله ﷺ لا ينبغى لاحد ان يبلغ هذا الا رجل من أهلي اخرج هذا اللفظ احمد والترمذي وحسنه من حديث انس رضى الله عنه وما ذكرنا من القصة بعضها في سند احمد وبعضها في الدلائل للبيهقى من حديث ابن عباس وبعضها في تفسير ابن مردوية من حديث ابى سعيد الخدري وغيره رضى الله عنهم فَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم من الكفر وأسلمتم فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فى الدنيا والآخرة من كل شىء وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن التوبة والإسلام فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه طلبا ولا تعجزونه هربا وتقدير الكلام وان توليتم يعذبكم الله في الدنيا والآخرة لانكم غير معجزيه وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) بالقتل والاسر في الدنيا وبالنار في الآخرة. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهدهم الذين عاهدتموهم عليه وَلَمْ يُظاهِرُوا اى لم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من أعدائكم قال البغوي هم بنو حمزة من بنى كنانة وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر وهم لم ينقضوا العهد فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ اى الى تمام مدتهم الذي عاهدتموهم عليه ولا تجروهم مجرى الناكثين ولا مجرى من لا عهد بينكم وبينهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) تعليل وتنبيه على ان إتمام عهدهم من باب التقوى قوله تعالى الا الذين عاهدتم إلخ استثناء من المشركين بمعنى الاستدراك كانه قيل انما أمرتم بنبذ العهد الى الناكثين او بقتال من لا عهد بينكم وبينهم من المشركين لا بقتال المعاهدين مدة معلومة او مؤيدة غير ناكثين.

стр. 1556

فَإِذَا انْسَلَخَ اى انقضى واصل الانسلاخ خروج الشيء مما هو لابسه من سلخ الشاة الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ قال مجاهد وابن إسحاق هى شهور العهد فمن كان له عهد فعهده اربعة أشهر ومن لا عهد له فاجله الى انقضاء المحرم خمسين يوما وقيل لها حرم لان الله حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم فان قيل هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول فاذا انسلخ الأشهر قيل لما كان هذا القدر متصلا بما مضى اطلق عليه اسم الجميع ومعناه مضت المدة المعلومة المضروبة التي يكون مع انسلاخ الأشهر الحرم ولا يخفى ما فيه من التكلف والظاهر ما قلنا ان المعنى إذا انسلخ الأشهر الحرم من كل سنة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ غير من عوهدوا ولم ينقضوا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال اكثر المفسرين في تفسيره في حل او حرم وهذا يناقض قوله ﷺ ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة وانه لم يحل القتال لاحد قبلى ولا يحل لى الا ساعة من النهار وقوله ﷺ فان أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له ان الله قد اذن رسوله ولم يأذن لكم وانما اذن لى فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس والحديثان في الصحيحين وقد ذكرناهما من قبل وقوله ﵇ الى يوم القيامة يمنع كونه منسوخا فالاولى ان يقال عموم الامكنة المفهوم من هذه الآية مخصوص بما سوى الحرم- (مسئله) القتال في الحرم والأشهر الحرام يحل ان بدأ المشركون بالقتال لقوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم الآية وقد ذكرنا في سورة البقرة وَخُذُوهُمْ اى اسروهم والأخيذ الأسير وَاحْصُرُوهُمْ قال ابن عباس يريد ان تحصنوا فاحصروهم اى امنعوهم من الخروج حتى يضطروا الى القتل او الإسلام او قبول الجزية وقيل امنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ على كل طريق والمرصد الموضع الذي يرصد فيه العدو من رصدت الشيء ارصده إذا ترقبته يريد كونوا لهم رصدا لتاخذوهم من كل وجه توجهوا ولا تتركوهم ينبسطوا في البلاد ويدخلوا مكة

стр. 1557

فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ يعنى قبلوا اقام الصلاة وإيتاء الزكوة فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ (٥) قال الحسن ابن فضيل هذه الآية نسخت كل اية في القران فيها ذكر الاعراض والصبر على أذى الأعداء. وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الذين امرتك بقتالهم وقتلهم أحد مرفوع بفعل مضمر يفسره اسْتَجارَكَ استامنك وطلب منك جوارك فَأَجِرْهُ فامنه حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره فيظهر له صدقك باعجازه ويعلم ما له وما عليه من الثواب ومن العقاب ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ اى موضع امنه ودار قومه ان لم يسلم فان قاتلك بعد ذلك فقاتله واقتله ان قدرت عليه ذلِكَ الا من او الأمر بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) الحق من الباطل فلا بد لهم من سماع كلام الله تعالى حتى يعلموا قال الحسن هذه الآية محكمة الى يوم القيامة. كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ لا خبر يكون كيف وقدم للاستفهام او للمشركين او عند الله وهو على الأولين صفة للعهد او ظرف له او ليكون وكيف على الآخرين حال من العهد وللمشركين ان لم يكن خبرا فتبين والاستفهام للانكار والاستبعاد على وجه التعجيب استبعاد لان يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع كمال عنادهم وفسقهم او لان يفى الله ورسوله عهدهم وهم ينكثون إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ محله النصب على الاستثناء او الجر على البدل وجاز ان يكون الاستثناء منقطعا إن كان المراد بالمشركين الناكثين منهم اى ولكن الذين عدهدتم منهم عند المسجد الحرام فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على العهد فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ على الوفاء وما يحتمل الشرطية والمصدرية قال ابن عباس المراد بالدين عاهدتم عند المسجد الحرام قريش وقال قتادة هم اهل مكة الذين عاهدهم رسول الله ﷺ يوم الحديبية امر الله رسوله بالتبرص في أمرهم ان استقاموا على العهد يستقام لهم على الوفاء فلم يستقيموا ونقضوا العهد وأعانوا بنى بكر على خزاعة فغزا عليهم رسول الله ﷺ حتى فتح مكة ثم جعل لهم الامان وضرب لهم بعد الفتح اربعة

стр. 1558

أشهر يختارون من أمرهم ما شاؤا الا ان يسلموا واما ان يلحقوا باى بلاد شاؤا فاسلموا قبل الاربعة الأشهر وقال السدى والكلبي وابن إسحاق هم من قبايل بكر بنو خزيمة وبنو مدلج وهو ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية فلم يكن نقض الا قريش وبنو الديل من بنى بكر فامر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة قال البغوي هذا القول اقرب للصواب لان هذه الآية نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة فكيف يقول بشئ قد مضى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم فانما هم الذين قال الله الا للذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا كما نقضكم قريش ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بنو بكر على خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) والاستقامة على إيفاء العهد من التقوى. كَيْفَ تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد او بقاء حكم إيفاء عهدهم مع التنبيه على علة الاستبعاد وحذف الفعل للعلم به يعنى كيف يكون لهم عهد وحالهم انه وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ اى يظفروا بكم لا يَرْقُبُوا اى لا يحفظوا وقال الضحاك لا ينظروا وقال قطرب لا يراعوا فِيكُمْ إِلًّا قال قتادة حلفا وقال ابن عباس والضحاك قرابة وقال يمان رحما وقال السدى هو العهد وكذلك الذمة الا انه كرر لاختلاف اللفظين وقيل ربوبيته قال بيضاوى لعله اشتق للحلف من الال وهو الجوار لانهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم وشهروه ثم استعير للقرابة لانها تعقد بين الأقارب ما لا يعقد الحلف ثم لربوبيته ولتربيته وقيل اشتقاقه من ال الشيء إذا حدده أو أل البرق إذا لمع وقال ابو مجيز ومجاهد الال هو الله لفظ عبرى وكان عبيد بن عمير يقرأ جبرال بالتشديد يعنى عبد الله وفي الخبران ناسا قدموا على ابى بكر من قوم مسيلمة الكذاب فاستقرأهم ابو بكر كتاب مسيلمة فقرؤا فقال ابو بكر رضى الله عنه ان هذا الكلام لم يخرج من ال يعنى الله والدليل على هذا التأويل قرأة عكرمة لا يرقبون في مؤمن الا يعنى الله مثل جبرئيل وميكائيل وفي القاموس الال بالكسر العهد والحلف والجار والقرابة والأصل الجيد والمعدن والحقد والعداوة والربوبية

стр. 1559

واسم الله تعالى وكل اسم آخره ال أو إيل فمضاف الى الله تعالى والوحى والامان والجزع عند المصيبة وَلا ذِمَّةً عهدا او حقا يعاب على إغفاله يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ اى يقولون أقوالا موجبة مرضائكم نفاقا وتقية من الوعد بالايمان والطاعة ووفاء العهد وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ما يتفوهون به ويستبطنون الكفر والمعاداة بحيث ان ظفروا خالفوا ما تفوهوا به جملة يرضونكم مستانفه لبيان أحوالهم المنافية لثباتهم على العهد المقتضية لعدم مراقبتهم عند الظفر ولا يجوز جعله حالا من فاعل لا يرقبوا فانهم بعد ظهورهم لا يرضون المؤمنين وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) المراد بالفسق هاهنا نقض العهد وكان بعض المشركين يوفون العهود ويستنكفون من نقضها ولذلك خصص الفسق بأكثرهم دون كلهم. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ استبدلوا بالقرآن ثَمَناً قَلِيلًا عوضا يسيرا من اعراض الدنيا قال البغوي ذلك انهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ باكلة أطعمهم ابو سفيان قال مجاهد اطعم ابو سفيان حلفاؤه فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ يعنى منعوا الناس من الدخول في دين الله والفاء للدلالة على ان اشترائهم أداهم الى الصد قال ابن عباس وذلك ان اهل الطائف امددهم بالأموال ليقووا على حرب رسول الله ﷺ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) اى عملهم هذا وما دل عليه قوله. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً فهو تفسير لقوله ما كانوا يعملون لا تكرير وقيل الاول عام في المنافقين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والاعراب الذين جمعهم ابو سفيان وأطعمهم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) المجاوزون عن الحد في الشرارة. فَإِنْ تابُوا عن الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ اى فهم إخوانكم فِي الدِّينِ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم وَنُفَصِّلُ الْآياتِ تنبيها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) اعتراض للحث على تأمل ما فصل من احكام المعاهدين والتائبين قال ابن عباس حرمت هذه الاية دماء اهل القبلة وقال ابن مسعود أمرتم بالصلوة والزكوة فمن لم يزك فلا صلوة له روى البخاري وغيره عن ابى هريرة قال لما توفي رسول الله ﷺ وكان ابو بكر وكفر من كفر من العرب

стр. 1560

فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال النبي ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله فقال ابو بكر والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر فو الله ما هو الا ان قد شرح الله صدر ابى بكر فعرفت انه الحق وعن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ من صلى صلوتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله رواه البخاري وفي الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكوة فاذا فعلوا ذلك عصم منى دمائهم وأموالهم الا بحق الإسلام وحسابهم على الله الا ان مسلما لم يذكر وحسابهم على الله. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ اى نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ كما نكث كفار قريش وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ بالتكذيب وتقبيح الاحكام قال البغوي هذا دليل على ان الذي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد قلت وهذا الاستدلال ضعيف فان الشرط مجموع الامرين نقض العهد والطعن في الدين فلا يترتب الحكم على أحدهما فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قرأ الكوفيون وابن عامر بهمزتين محققتين حيث وقع وفي رواية عن هشام انه ادخل بينهما الفا والباقون بهمزة وياء مختلسة الكسرة من غير مد وضع أئمة الكفر موضع الضمير والمعنى فقاتلوهم للدلالة على انهم صاروا بذلك ذوى الرياسة والتقدم في الكفر احقا بالقتل وقيل المراد بأئمة الكفر رؤس المشركين وقادتهم وهم اهل مكة ووجه تخصيصهم بالذكر اما ان قتلهم أهم وهم أحق به او للمنع عن مراقبتهم قال ابن عباس نزلت في ابى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو عكرمة بن ابى جهل وسائر روساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد وهم الذين هموا بإخراج أهلها بعد إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ اى لا عهود لهم جمع يمين يعنى لا يجب عليكم وفاء عهودهم بعد ما نكثوا وقال قطرب لا وفاء لهم بالعهد وقرأ لا ايمان لهم بكسرة الهمزة اى

стр. 1561

لا تصديق لهم ولا دين لهم وقيل هو من الامان اى لا تؤمنوا هم بل اقتلوهم حيث وجدتموهم لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) متعلق بقاتلوا وجملة انهم لا ايمان لهم معترضة بينهما اى ليكن غرضكم في المقاتلة ان ينتهوا عما هم عليه من الشرك والمعاصي لا إيصال الاذية بهم كما هو طريقة الموذين ولا إحراز المال والملك كما هو داب السلاطين ثم حث المسلمين على القتال فقال. أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعنى نقضوا عهودهم وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ قيل المراد به اليهود وغيرهم من المنافقين وكفار المدينة نكثوا عهودهم حين خرج رسول الله ﷺ الى تبوك وهوا بإخراجه ﷺ من المدينة حيث قالوا لعنهم الله ليخرجن الأعز منها الأذل وَهُمْ بَدَؤُكُمْ بالمعاداة حيث عاونوا المشركين عليه أَوَّلَ مَرَّةٍ قبل ان يقاتلهم رسول الله ﷺ وهذا اظهر لان السورة نزلت بعد غروة تبوك وقد اسلم اهل مكة قبل ذلك وايضا هموا بإخراج الرسول يدل على انهم هموا بذلك ولم ينالوا به بخلاف اهل مكة فانهم هموا قتله واضطروه الى الخروج فاخرجوا كما قال الله تعالى وإخراج اهله منه اكبر عند الله وقال بعض المفسرين المراد بالذين نكثوا ايمانهم الذين نقضوا صلح الحديبية وأعانوا بنى بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول ﷺ من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة وهم بدأوكم بالقتال أول مرة لانه ﷺ بدأ بالدعوة والزام الحجة بالكتاب والتحدي به فعدلوا عن معارصته الى المعاداة والمقاتلة حتى اجتمعوا في دار الندوة واجمعوا على قتله او لان أبا جهل قال يوم بدر بعد ما سلم العير لا ننصرف حتى نستاصل محمدا وأصحابه او لانهم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ وهذا التأويل لا يتصور الا إذا كان نزول هذه الآيات قبل فتح مكة وحينئذ يستقيم ما قال ابن عباس ان قوله تعالى وان نكثوا ايمانهم وطعنوا في دينكم نزلت في ابى سفيان وغيره المذكورين من قبل وقوله تعالى الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا المراد به قريش امر الله رسوله بالتربص في أمرهم ان استقاموا على العهد يستقام لهم لكنهم لم يستقيموا والله اعلم أَتَخْشَوْنَهُمْ أتتركون قتالهم خشية ان ينالكم مكروه منهم استفهام للانكار يعنى

стр. 1562

لا ينبغى ذلك فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ فى ترك امتثال امره فى قتال أعداءه والفاء للسببية فان كون الله تعالى أحق ان يخشى سبب للانكار على الخشية من غيره إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) شرط استغنى عن الجزاء بما مضى يعنى ان كنتم مؤمنين فلا تخشوا الا الله فان مقتضى الايمان هذا لان من يعتقد ان خالق الأشياء الجواهر والاعراض وافعال العباد ليس الا الله وان أحدا لا يستطيع النفع والضرر الا بمشية الله تعالى وإرادته لا يخشى أحدا غيره تعالى ثم لما وبخهم على ترك القتال جرد لهم الأمر به فقال. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ قتلا وَيُخْزِهِمْ ويذلهم اسرار وقهرا وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وعد لهم بالنصر والتمكن من قتل أعدائهم وإذلالهم وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ يعنى كربها ووجدها بمعونة قريش بنى بكر عليهم اخرج ابو الشيخ عن قتادة قال ذكر لنا ان هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بنى بكر بمكة واخرج عن عكرمة قال نزلت هذه الآية فى خزاعة واخرج عن السدى ويشف صدور قوم مؤمنين قال هم خزاعة خلفاء رسول الله ﷺ يشف صدورهم من بنى بكر وفي الآية معجزات وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ابتداء اخبار بان بعضهم يتوب عن كفره وكان ذلك ايضا معجزة وقد هدى الى الإسلام كثيرا من قريش مثل ابى سفيان وعكرمة بن ابى جهل وسهيل بن عمر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما كان وما يكون حَكِيمٌ (١٥) لا بفعل الا بمقتضى الحكمة قال البغوي روى ان النبي ﷺ قال يوم الفتح ارفعوا لا خزاعة من بنى بكر الى العصر. أَمْ حَسِبْتُمْ خطاب للمومنين حين كره بعضهم القتال وقيل المنافقين وأم منقطعة بمعنى بل والهمزة والاستفهام للتوبيخ على الحسبان أَنْ تُتْرَكُوا فلا تومروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ يعنى لم يتحقق منكم من جاهد في سبيل الله نفى العلم وأراد نفى المعلوم للمبالغة فانه كالبرهان عليه من حيث ان تعلق العلم به مستلزم لوقوعه او على طريق ذكر اللازم وارادة الملزوم فان وقوع شيء لا يمكن ان يتخلف من علم الله تعالى به وَلَمْ يَتَّخِذُوا

стр. 1563

عطف على جاهدوا يعنى ولما يعلم الله الذين لم يتخذوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً بطانة يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم وفي لما اشارة الى توقع وجود المجاهدين المخلصين في امة محمد ﷺ قال رسول الله ﷺ لا يزال من أمتي امة قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك متفق عليه من حديث معاوية وروى ابن ماجة بسند صحيح عن ابى هريرة نحوها والحاكم وصححه عن عمر بلفظ لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقوم الساعة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) فيه دفع لما يتوهم من ظاهر قوله تعالى ولما يعلم الله قال البغوي قال ابن عباس لما اسر العباس يوم بدر غيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم واغلظ علىّ القول فقال العباس ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا فقال ... على الكم محاسن قال نعم انا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحاج فانزل الله تعالى ردا على العباس. ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ الآية أخرجه ابن جرير وابو الشيخ عن الضحاك واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم من طريق على بن ابى طلحة عنه بلفظ قال العباس ان كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ولقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقى الحاج ونفك العاني فانزل الله تعالى هذه الآية يعنى ما صح للمشركين وما ينبغى لهم أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ «١» يعنى شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام فانه يجب على المسلمين منهم من ذلك لان مساجد الله انما يعمر لعبادة الله وحده فمن كان كافرا بالله فليس من شانه ان يعمرها فذهب جماعة الى ان المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو اوصى به لا ينفذ وحمل بعضهم العمارة هاهنا على دخول المسجد والقعود فيه اخرج احمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن ابى سعيد قال قال رسول الله ﷺ إذا رايتم الرجل بعامر المسجد فاشهدوا له بالايمان قال الله تعالى انما يعمر مساجد الله من أمن بالله وقال الحسن ما كان للمشركين ان يتركوا فيكونوا اهل المسجد الحرام قرأ ابن كثير وابو عمر ويعقوب مسجد الله على التوحيد

стр. 1564

والمراد الجنس وقيل أراد به المسجد الحرام لقوله وعمارة المسجد الحرام ولقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام وذلك هو المراد بصيغة الجمع قال الحسن انما قال مساجد الله لانه قبلة المساجد كلها فكان عمارته عمارة الجميع وقال القراء ربما ذهبت العرب بالواحد الى الجمع وبالجمع الى الواحد الا ترى ان الرجل يركب البرذون ويقول أخذت في ركوب البراذين ويقال فلان كثير الدرهم والدينار يريد الدراهم والدنانير شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ اى مظهرين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ وهو حال من ضمير يعمروا والمعنى ما استقام لهم ان يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله وعبادة غيره وقال الحسن لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر وقال الضحاك عن ابن عباس شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للاصنام وذلك ان كفار قريش نصبوا الأصنام خارج البيت الحرام عند القواعد وكانوا يطوفون بالبيت عراة كلما طاقوا شوطا سجدوا لاصنامهم وقال السدى شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو ان النصراني يسال فيقال من أنت فيقول نصرانى واليهودي يقول يهودى ونحو ذلك أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي يفتخرون بها ويزعمونها محاسن من سقاية الحاج وعمارة البيت وفك العاني لانها ليست لله تعالى خالصا وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) لاجل الكفر والمعاصي وحبط الحسنات. إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ قف اى لم يخف في الدين غير الله ولم يترك امر الله مخافة غيره والا فالخشية من المخاوف امر جبلى لا يكاد العاقل يتمالك عنها خص الله سبحانه عمارة المسجد بالمؤمنين فانهم هم الجامعون لهذه الكمالات العلمية والعملية وانما لم يذكر الايمان بالرسول لان الايمان بالله كما ينبغى لا يتصور الا أخذا من الرسول ﷺ ومن ثم قال رسول الله ﷺ أتدرون ما الايمان بالله وحده قالوا الله رسوله اعلم قال شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله الحديث في الصحيحين عن ابن عباس في قصة وقد عبد القيس والمراد بعمارة المسجد ادامة العبادة والذكر فيه ودرس العلم والقرآن عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله

стр. 1565

صلى الله عليه وسلم إذا رايتم الرجل يعتاد المسجد وفى لفظ يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالايمان فان الله تعالى قال انما يعمر مساجد الله من أمن بالله واليوم الآخر رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي والبغوي وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال من غدا الى مسجد او راح أعد الله له منزلة من الجنة كلما غدا أو راح متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل الا ظله وذكر فيهم رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود فيه متفق عليه وعن سلمان رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من توضاء في بيته فاحسن الوضوء ثم اتى المسجد فهو زائير الله حق على المزور ان يكرم زائيره رواه الطبراني وعبد الرزاق وابن جرير في تفسيرهما والبيهقي في شعب الايمان وعن عمرو بن ميمون قال كان اصحاب رسول الله ﷺ يقولون ان بيوت الله في الأرض المساجد وان حقا على الله ان يكرم من زاره فيما رواه البيهقي في شعب الايمان وعبد الرزاق وابن جرير في تفسيرهما ومن عمارة المسجد بنائها وتزيينها وتنويرها بالسرج وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا والبيع والشراء وغير ذلك عن محمود ابن لبيد ان عثمان بن عفان أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا ان يدعه قال عثمان سمعت رسول الله ﷺ يقول من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة وفي رواية بنى الله له كهيئته في الجنة وفي لفظ من بنى مسجدا ينبغى به وجه الله نبى الله له مثله في الجنة رواه احمد والشيخان في الصحيحين والترمذي وصححه وابن ماجة والبغوي وكذا روى ابن ماجة عن على وروى احمد عن ابن عباس بسند صحيح من بنى الله مسجدا ولو كقحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة والطبراني عن ابى امامة بسند صحيح من بنى الله مسجدا بنى الله له في الجنة أوسع منه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من سمع رجلا ينشد ضانة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فان المساجد لم تبن لهذا رواه مسلم وعن عايشة قالت امر رسول الله ﷺ ببناء المسجد في الدور وان ينظف ويتطيب رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الاشعار في المسجد

стр. 1566

وعن البيع والاشتراء فيه وان يتحلق الناس قبل الصلاة في المسجد رواه ابو داود والترمذي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا رايتم من يبيع او يبتاع في المسجد فقولوا لا اربح الله تجارتك وإذا رايتم من ينشد ضالة فقولوا لا رد الله عليك رواه الترمذي والدارمي والله اعلم فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) المتمسكين بطاعة الله التي يؤدى الى الجنة ذكر بصيغة التوقع قطعا لاطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم وتوبيخا لهم في القطع بانهم مهتدون فان هؤلاء مع كمالهم إذا كان ابتدائهم دائرا بين عسى ولعل فما ظنك باضدادهم ومنعا للمومنين بان يغتروا بأعمالهم ويتكلوا عليها اخرج ابو نعيم عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ان الله ﵎ اوحى الى بنى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا انا أصيب عبد الحساب يوم القيامة أشاء أعذبه الا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك ان لا تلقوا بايديكم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي والله اعلم اخرج مسلم وابن حبان وابو داود عن النعمان بن بشير قال كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم ما أبالي ان لا اعمل الله عملا بعد الإسلام الا ان أسقي الحاج وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فانزل الله تعالى. أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الآية واخرج الفريابي عن ابن سيرين قال قدم على بن ابى طالب مكة فقال للعباس اى عم الا تهاجر الا تلحق برسول الله ﷺ فقال اعمر المسجد الحرام واحجب البيت فانزل الله تعالى هذه الآية قال البغوي قال ابن عباس قال العباس حين اسر يوم بدر لئن سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقى الحاج فانزل الله تعالى هذه الآية واخبر ان عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله

стр. 1567

والايمان بالله والجهاد مع النبي ﷺ خير مما هم عليه وقال البغوي قال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وكذا اخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي انها نزلت في على بن ابى طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة انا صاحب البيت بيدي مفاتيحه وقال العباس انا صاحب السقاية والقائم عليها وقال على ما أدرى ما يقولون لقد صليت الى القبلة ستة سنة يعنى قبل الناس وانا صاحب الجهاد فانزل الله أجعلتم سقاية الحاج وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ السقاية والعمارة مصدر ان من أسقي وعمر فلا بد هاهنا من تقدير ما يقال بحذف المضاف في المشبه او في المشبه به فيقال أجعلتم اهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن أمن او يقال أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كايمان من أمن بالله وجهاد من جاهدوا ما ان يقال المصدر بمعنى الفاعل يعنى ساقى الحاج وعامر المسجد الحرام كقوله تعالى والعاقبة للتقوى يويده قراءة عبد الله بن الزبير أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ... على جمع الساقي والعامر والاستفهام للانكار فان كان نزول الآية في اختلاف المؤمنين بالمشركين كما يدل عليه قول ابن عباس ومحمد بن كعب وغيرهما فلا خفاء في انكار المشابهة بين المشركين وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة وإن كان نزولها في اختلاف المؤمنين كما روى مسلم عن النعمان بن بشير فالمراد بعمارة المسجد بنائها دون ادامة الذكر والصلاة فيها فان دوام الذكر أفضل من الجهاد لقوله ﷺ ما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله رواه مالك والترمذي وابن ماجة من حديث معاذ بن جبل ورواه البيهقي في الدعوات الكبير من حديث عبد الله بن عمر وزاد قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله الا ان يضرب بسيفه حتى ينقطع وقوله ﷺ الا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وارفعها في درجاتكم وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من ان تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله رواه احمد والترمذي

стр. 1568

وابن ماجه عن ابى الدرداء ورواه مالك موقوفا على ابى الدرداء وعن ابى سعيد ان رسول الله ﷺ سئل اى العباد أفضل وارفع درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات قيل يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار حتى ينكسر او يختضب دما فان الذاكر لله أفضل منه درجة رواه احمد والترمذي وقال حديث غريب والله اعلم لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ تقرير لعدم المشابهة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) هذا يؤيد قول من قال ان المراد عدم الاستواء بين فعل المؤمنين من الايمان والجهاد وفعل المشركين من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام والمعنى والله لا يهدى القوم الظالمين بالشرك فكيف يساوون الذين هديهم الله ووفقهم للحق والصواب وقيل المراد بالظلمين الذين يحكمون بالمساواة بينهم وبين المؤمنين والله اعلم (قصّه استقاء من زمزم) روى البخاري وغيره عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ جاء الى السقاية فاستسقى فقال العباس يا فضل اذهب الى أمك فان رسول الله ﷺ بشراب من عندها فقال اسقني فقال يا رسول الله انهم يجعلون أيديهم فيه قال اسقني فشرب منه ثم اتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال اعملوا فانكم على عمل صالح ثم قال لولا ان تغلبوا لنزلت حتى اصنع الحبل على هذه وأشار الى عاتقه وروى مسلم عن بكر بن عبد الله المزني قال كنت جالسا مع ابن عباس رضى الله عنهما عند الكعبة فاتاه أعرابي فقال مالى ارى بنى عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ امن حاجة بكم أم من بخل فقال ابن عباس رضى الله عنهما الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه اسامة فقال أحسنتم واجملتم كذا فاضعوا فلا نريد نغير ما امر به رسول الله ﷺ . الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً أعلى رتبته واكثر كرامة عِنْدَ اللَّهِ من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج او من لم يستجمع هذه الصفات من المؤمنين

стр. 1569

وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) الناجون من النار الواصلون الى الجنة والدرجات العلى دون المشركين وان كانوا سقاة الحاج وعمار المسجد. يُبَشِّرُهُمْ قرأ حمزة بالتخفيف من الافعال والباقون بالتشديد من التفعل رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها اى في الجنات نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) دائم تنكير المبشر به للاشعار بانه وراء التعيين والتعريف. خالِدِينَ فِيها أَبَداً أكد الخلود بالتابيد لانه قد يستعمل للمكث الطويل إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يستحقر دونه ما استوجبوا لاجله او نعم الدنيا والله اعلم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ قال البغوي قال مجاهد هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة وقال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس لما امر النبي ﷺ الناس بالهجرة فمنهم من تعلق به اهله وولده يقولون ننشدك بالله ان يقنعنا فيرق عليهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة فانزل الله تعالى هذه الآية وقال مقاتل نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله المؤمنين عن ولايتهم وانزل هذه الآية يعنى لا تتخذوهم اولياء بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم اسراركم وتوثرون المقام معهم على الهجرة ان استحبوا اى اختار والكفر على الايمان كذا روى الثعلبي عنه وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فيطلعهم على عورات المسلمين ويؤثرون المقام ... معهم على الهجرة والجهاد فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) لوضعهم الموالاة في غير موضعه فان محل موالاة المسلمين المسلمون قال البغوي لما نزلت الآية المذكورة قال الذين اسلموا ولم يهاجروا ان نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا فنزلت. قُلْ يا محمد للمتخلفين عن الهجرة إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ قرأ ابو بكر عن عاصم وعشيراتكم بالألف على الجمع والباقون بلا الف يعنى اقربائكم ماخوذ من العشرة وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اى اكسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها اى فوت وقت رواجها ونفاقها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ

стр. 1570

مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فقعدتم لاجله عن الهجرة والجهاد فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ جواب ووعيد قال عطاء بقضائه يعنى بالعقوبة العاجلة والاجلة وقال مجاهد ومقاتل بفتح مكة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) الخارجين عن طاعة الله تعالى اى لا يرشدهم قال البيضاوي المراد الحب الاختياري يعنى إيثار هذه الأشياء وترك امتثال أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ دون الحب الطبيعي فانه لا يدخل تحت التكليف والتحفظ عنه قلت وكمال الايمان ان يكون الطبيعة تابعة للشريعة فلا يقتضى الطبيعة الا ما يأمره الشريعة قال رسول الله ﷺ من أحب لله وابغض لله واعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي رواية فقد استكمل إيمانه رواه ابو داود عن ابى امامة والترمذي عن معاذ بن انس مع تقديم وتأخير وفي الصحيحين عن انس قال قال رسول الله ﷺ لا يومن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والناس أجمعين والمراد لا يومن ايمانا كاملا وفيهما عنه قال قال رسول الله ﷺ ثبت من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحب الا لله ومن يكره ان يعود في الكفر بعد ان أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار قلت وجدان حلاوة الايمان عبارة عن الاستلذاذ به كما يستلذذ الرجل بالشهوات الطبيعية وذلك كمال الايمان ولا يكتسب ذلك الا من مصاحبة ارباب القلوب الصافية والنفوس الزاكية رزقنا الله سبحانه وهذه الآية وما ذكرنا من الأحاديث «١» يوجب افتراض اكتساب التصوف من خدمة المشايخ رضى الله عنهم أجمعين ومعنى قوله تعالى والله لا يهدى القوم الفاسقين يعنى لا يرشدهم الى معرفته قال البيضاوي في الآية تشديد عظيم وقل من يتخلص عنه قلت ذلك القليل هو الصوفية العلية قال صاحب المدارك الآية تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين إذ تجد من

стр. 1571

أورع الناس من يستجب دينه على الآباء والأبناء والأموال وحظوظ الدنيا قلت الا من أعطاه الله معرفته فيقول ما قال الشاعر بالفارسية. آنكس كه ترا شناخت جان را چهـ كند ... فرزند وعيال وخان ومان را چهـ كند ديوانه كنى هر دو جهانش بخشى ... ديوانه تو هر دو جهانرا چهـ كند. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ يوم بدر وقينقاع والأحزاب والنضير او قريظة والحديبية وخيبر وفتح مكة وغيرها قال رسول الله ﷺ نصرت بالرعب مسيرة شهر وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عطف على مواطن اما بتقدير المضاف في المعطوف يعنى مواطن حنين او في المعطوف عليه يعنى في ايام مواطن كثيرة او يفسر المواطن بالأوقات كمقتل الحسين رضى الله عنه إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ كانوا اثنى عشر الفا او اربعة عشر الفا كما سيجئى في القصة والكفار اربعة آلاف كذا جزم غير واحد وجزم الحافظ وغيره بانهم كانوا ضعف عدد المسلمين او اكثر من ذلك فعلى هذا كان المشركون اربعة وعشرين الفا او ثمانية وعشرين الفا وقوله إذا أعجبتكم بدل من يوم حنين ولم يمنع إبداله منه ان يعطف على موضع في مواطن فانه لا يقتضى مشاركتهما فيما أضيف اليه المعطوف حتى يقتضى كثرتهم وإعجابهم كثرتهم في جميع المواطن وحنين واد بين مكة والطائف الى جنب ذى المجاز قريب من الطائف بينه وبين مكة بضع عشر ميلا حارب فيه رسول الله ﷺ هوازن وهو قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن الياس بن مضر وثقيف بطن منها (قصّة غزوة حنين) قال ائمة المغازي لما فتح رسول الله ﷺ مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة مشت اشراف هوازن وثقيف بعضها الى بعض واشفقوا ان يغيروهم رسول الله ﷺ وقالوا قد فرغ لنا فلا ناحية «١» له دوننا والرأي ان نغزوه فاجمعوا أمركم فسيروا في الناس وسيروا اليه قبل ان يسير إليكم فاجتمعت هوازن وجمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النضري واسلم بعد ذلك واجتمع اليه مع هوازن ثقيف كلها

стр. 1572

ونصر وجشم كلها وسعد بن بكر ناس من بنى هلال وهم قليل لا يبلغون مائة ولم يشهدها من قيس بن غيلان ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب مشى فيها ابن ابى براء فنهاها عن الحضور وقال والله لو ناوى اى عادى محمد ما بين المشرق والمغرب لظهر عليهم وكان في جشم دريد بن الصمة ابن ستين ومائة سنة او عشرين ومائة سألوا دريدا الرياسة عليهم لرايه قال ما ابصر ولا استمسك على الدابة ولكن احضر معكم لان أشير عليكم براى على ان لا تخالفوني فان تخالفوني لا اخرج فجاءه مالك بن عوف وكان امر الناس اليه وهو ابن ثلثين سنة فقال لا نخالفك فلما اجمع مالك المسير الى رسول الله ﷺ امر الناس فخرجوا معهم باموالهم ونسائهم ثم انتهى الى أوطاس فعسكر به وجعلت الامداد تأتيه من كل جهة واقبل دريد بن الصمة فقال مالى اسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهيق الحمير ويعار الشاء وخوار البقر قالوا ساق مالك مع الناس أبنائهم ونسائهم وأموالهم فقال دريد لمالك لم سقت قال أردت ان اجعل خلف كل انسان اهله وماله ... يقاتل عنهم فقال دريد هذا راعى ضان ماله وللحرب وصفق دريد احدى يديه على الاخرى تعجبا هل يرد المنهزم شيء انها انكانت لك لم ينفعك الا رجل بسيفه ورمحه وانكانت عليك فضحت في أهلك ومالك ارفع النساء والذراري والأموال الى عليا قومهم وممتنع بلادهم ثم الق القوم على متون «١» الخيل والرجال فانكانت لك لحق بك من ورائك وإن كان عليك فقد أحرزت أهلك ومالك قال مالك لا افعلي قد كبرت وكبر عقلك فغضب دريد ثم قال دريد يا معشر هوازن ما فعلت كعب وكلاب قالوا ما شهد منهم أحد قال غاب الحد «٢» والجد «٣» لو كان يوم علاء ورفعة «٤» ما تخلفوا عنه يا معشر هوازن ارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء قابوا عليه قال فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك جذغان «٥» من بنى عامر لا ينفعان ولا يقران قال لدريد هل من راى غير هذا قد امر القوم قال دريد نعم تجعل كمينا «٦» يكونون لك عونا ان حمل القوم عليك جاءهم الكمين

стр. 1573

من خلفهم وكررت أنت بمن معك وانكانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد فذلك حين امر مالك ان يكونوا كمنافى الشعاب وبطون الاودية فحملوا الحملة الاولى التي انهزم فيها اكثر اصحاب رسول الله ﷺ ولما بلغ رسول الله ﷺ خبر هوازن وما عزموا عليه أراد التوجه الى قتالهم واستخلف عتاب بن أسيد أميرا على مكة وهو ابن عشرين سنة ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه وروى البخاري عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال حين أراد حنينا منزلنا غدا إنشاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر واستعار من صفوان بن امية ادرعا وسلاحا فقال أغصبا يا محمد أم عارية قال بل عارية ... مضمونة فاعطى له مائة درع بما يكفيهما من السلاح كذا روى ابن إسحاق عن جابر وابو داود واحمد عن امية بن صفوان قال السهيلي واستعار من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلثة آلاف رمح فقال كانى انظر الى رماحك هذه في تقصف ظهر المشركين فخرج رسول الله ﷺ في اثنى عشر الف من المسلمين عشرة آلاف من اهل المدينة والفين من اهل مكة يوم السبت بست خلون من شوال سنة روى ابو الشيخ عن محمد بن عبيد الله الليثى كان مع رسول الله ﷺ من اهل المدينة عشرة آلاف اربعة آلاف من الأنصار ومن كل من جهينة ومزينة واسلم وغفار وأشجع الف ومن المهاجرين وغيرهم الف وقال عروة والزهري قدم رسول الله ﷺ مكة باثنى عشر الف وأضيف إليهم الفان من الطلقاء فكانوا اربعة عشر الفا قال ابن عقبة ومحمد بن عمر لما خرج رسول الله ﷺ الى حنين خرج معه اهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرجن معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون ان يكون الصدمة لرسول الله ﷺ وكان معه ابو سفيان بن حرب وصفوان بن امية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما ومع النبي ﷺ زوجتيه أم سلمة وميمونة ضربت لهما قبة روى ابن إسحاق والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن الحارث بن مالك قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى حنين

стр. 1574

ونحن حديثوا عهد بالجاهلية وكانت لكفار قريش ومن سواهم شجرة عظيمة وعند الحاكم في الإكليل سدرة خضرا يقال لها ذات نواط «١» ياتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما قرابنا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضرا عظيمة فتنادينا يا رسول الله اجعل ذات نواط كما لهم ذات نواط فقال رسول الله ﷺ الله اكبر الله اكبر قلتم والذي نفسى بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا الها كما لهم الهة قال انكم قوم تجهلون انها لسنن لتركبن سنن من قبلكم حذوا لقده بالقذة وعن سهيل بن حنظلة رضى الله عنه قال جاء فارس فقال يا رسول الله طلعت جبل كذا وكذا فاذا هوازن جاءت عن بكرة أبيها «٢» بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا فتبسم رسول الله ﷺ وقال تلك غنيمة المسلمين إنشاء الله تعالى ثم قال من يحرسنا الليلة قال انس بن مالك ابى مرثد انا يا رسول الله ﷺ قال فاركب واستقبل هذا الشعب حتى تكون أعلاه ولا تغرن من قبلك فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح فاذا هو قد جاء فقال انى انطلقت حتى كنت في أعلا هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت طلعت الشعبين كلاهما فنظرت فلم ار أحدا فقال رسول الله ﷺ قد أوجبت فلا عليك ان لا تعمل بعدها رواه ابو داود والنسائي وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حدرد ليكشف خبر هوازن فدخل فيهم فاقام فيهم يوما او يومين فسمع من مالك يقول لاصحابه ان محمدا لم يقاتل قوما قبل هذه المرة انما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم فاذا كان السحر فصفوا مواشيكم ونسائكم وأبنائكم من ورائكم ثم يكون الجملة منكم واكسروا جفون سيوفكم فتلقون بعشرين الف سيف مكسورة الجفون واحملوا حملة رجل واحد واعلموا ان الغلبة لمن حمل اولا كذا روى ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب وعبد الله بن ابى بكر بن عمرو بن حزم وروى محمد بن عمر عن ابى بردة بن بيار قال كنا باوطاس

стр. 1575

نزلنا تحت شجرة عظيمة نزل رسول الله ﷺ تحتها فاذا رسول الله ﷺ جالس وعنده رجل جالس فقال ان هذا الرجل جاءنى وانا نائم فسل سيفى ثم قام به على راسى فانتبهت وهو يقول يا محمد من يمنعك منى فقلت الله فسللت سيفى وقلت يا رسول الله دعنى اضرب عنق عدو الله فانه من عيون المشركين فقال لى اسكت يا با بردة فما قال له شيئا ولا عاقبه فقال يا أبا بردة ان الله مانعى وحافظى حتى يظهر دينه على الدين كله وروى ابو نعيم والبيهقي ان رسول الله ﷺ انتهى حنينا مساء الليلة الثلثاء لعشر خلون من شوال وبعث مالك بن عوف ثلثة من هوازن ينظرون الى رسول الله ﷺ وأصحابه وأمرهم ان يتفرقوا في العسكر فرجعوا إليهم وقد تفرقت أوصالهم فقال ويلكم ما شانكم فقالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فو الله ما تماسكنا ان أصابنا ما ترى والله ما نقاتل اهل الأرض انما نقاتل اهل السماء وان اطعتنا رجعت بقومك فان الناس ان راوا مثل الذي راينا أصابهم مثل الذي أصابنا فقال أف لكم بل أنتم اجبن اهل العسكر فحبسهم عنده فرقا ان يشيع ذلك الرعب في العسكر وقال دلونى على رجل شجاع فاجمعوا له على رجل فخرج ثم رجع اليه وقد أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم فقال مثل الذي قالت الثلاثة قال محمد بن عمر لما كان ثلثا الليل عمد مالك بن عوف الى أصحابه فعبّاهم «١» في وادي حنين وهو واد أخوف خطوطه ذو شعاب ومضائق وفرق الناس فيها وقال لهم ان يحملوا على رسول الله ﷺ وأصحابه حملة رجل واحد وعبّا رسول الله ﷺ أصحابه وصفهم صفوفا في السحر ووضع الالوية والرايات في أهلها وليس درعين والمغفر والبيضة واستقبل الصفوف وطاف عليها بعضها خلف بعض يتحدرون فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح ان صدقوا وصبروا وقدم خالد بن وليد في بنى سليم واهل مكة وجعل ميمنة وميسرة وقلبا وكان رسول الله ﷺ فيه روى ابو الشيخ والحاكم وصححه والبزار وابن مردوية عن انس قال لما اجتمع يوم حنين اهل مكة واهل المدينة أعجبتهم كثرتهم فقال القوم اليوم والله نقاتل

стр. 1576

ولفظ البزار قال غلام من الأنصار لن تغلب اليوم من قلة فما هو الا ان لاقينا عدونا فانهزم القوم وولوا مدبرين وفي روايته يونس بن بكر في زيادات المغازي كره رسول الله ﷺ ما قالوا وما أعجبتهم كثرتهم وكذا روى ابن المنذر عن الحسن وذلك قوله تعالى إذ أعجبتكم كثرتكم فَلَمْ تُغْنِ اى الكثرة عَنْكُمْ شَيْئاً من الإغناء او من امر العدو وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ما مصدرية والباء بمعنى مع اى مع رحبها اى سعتها او المعنى ملتبسة برحبها على ان الجار والمجرور في موضع الحال كقولك دخلت عليه بثياب السفر اى ملتبسا بها يعنى ان الأرض مع سعتها لا تجدون فيها مقرا تطمئن اليه نفوسكم من شدة الرعب او لا تبوئون السفر اى ملتبسا بها يعنى ان الأرض مع سعتها لا تجدون فيها كمن لا يسعه مكانه ثُمَّ وَلَّيْتُمْ الكفار ظهوركم خطاب الى الذين انهزموا من المؤمنين مُدْبِرِينَ (٢٥) منهزمين الأدبار الذهاب الى خلف ضد الإقبال روى ابن إسحاق واحمد وابن حبان عن جابر وابو يعلى ومحمد بن عمر عن انس قال جابر لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا من واد أخوف ذو خطوط له مضائق وشعب وقد كان القوم سبقونا الى الوادي فكمنوا في شعابه واخبانه ومضائقه وتهيئوا عدوا فو الله ما راينا ونحن منحطون الا الكثائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وكانوا رماة وقال انس استقبلنا من هوازن شيء لا والله ما رايت مثله في ذلك الزمان قط من الكثرة وله بسواد وقد ساقوا نسائهم وأبنائهم وأموالهم ثم صفوا صفوفا فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال تم جاؤا بالإبل والبقر والغنم فجعلوها وراء ذلك لئلا يفروا بزعمهم فلما رائينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم فلما انحدرنا من الوادي فبينا نحن فيه في غلس الصبح ان شعرنا الا بالكثائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة رجل واحد فانكشف أوائل الخيل بنى سليم مولية وتبعهم اهل مكة وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفه قال جابر واتخذ رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال ايها الناس هلم الى انا رسول الله انا محمد بن عبد الله

стр. 1577

روى البخاري وابن ابى شيبة وابن مردوية والبيهقي عن ابن إسحاق قال رجل للبراء بن عازب يا با عمارة أفررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه خرج شبان أصحابه حسرا ليس عليهم كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فاقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام كانها رجل جراد «١» ما يكادون يخطؤن واقبلوا هناك الى رسول الله ﷺ وهو على بغلته البيضاء وابو سفيان بن الحارث يقود به فنزل رسول الله ﷺ ودعا واستنصر وقال انا النبي لا كذب انا ابن عبد المطلب وفى روايته قال البراء كنا إذا احمر البأس نتقى به وان الشجاع منا الذي يحاذيه يعنى النبي ﷺ قال ابن إسحاق لما انهزم الناس تكلم رجال في أنفسهم من الضغن «٢» فقال ابو سفيان بن حرب وكان إسلامه بعد مدخولا لا ينتهى هزيمتهم دون البحر وان الأزلام لمعه في كنانة وصرح جبلة ابن الحنبل وقال ابن هشام كلدة بن الحنبل واسلم بعد ذلك وهو مع أخيه لامه صفوان بن امية وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ الا بطل السحر اليوم فقال له صفوان ان اسكت فو الله لان يرمينى رجل من قريش أحب الى من يرمينى رجل من هوازن روى ابن سعد وابن عساكر عن عبد المالك بن عبيد والطبراني والبيهقي وابن عساكر وابو نعيم عن عكرمة قالا قال شيبة بن عثمان لما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ مكة عنوة وغزا حنينا قلت أسير مع قريش الى هوازن فعسى ان اختلطوا أصيب محمدا غرة وتذكرت ابى وقتله حمزة وعمى وقتله على ابن ابى طالب فقلت اليوم أدرك ثارى من محمد وأكون انا الذي قمت بثار قريش كلها وأقول لو لم يبق من العرب والعجم الا اتبع محمدا ما تبعته ابدا فكنت مرصدا لما خرجت لا يزداد الأمر في نفسى الا قوة فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فاذا بالعباس قائم عليه درع بيضاء فقلت عمه لن يخذله فجئته عن يساره فاذا بابى سفيان بن الحارث فقلت ابن عمه لن يخذله فجئته من خلفه فلم

стр. 1578

يبق الا ان اسوّره سورة بالسيف إذا ارتفع الى فيما بينى وبينه شواظ من نار كانه يرق فخفت ان يتمخشنى «١» فوضعت على بصرى خوفا عليه ومشيت القهقرى وعلمت انه ممنوع فالتفت الى وقال يا شيبة ادن منى فدنوت منه فوضع يده على صدرى وقال اللهم اذهب عنه الشيطان فرفعت اليه راسى وهو أحب الىّ من سمعى وبصرى وقلبى ثم قال يا شيبة قاتل الكفار قال فتقدمت بين يديه أحب والله ان أقيه بنفسي كلشيء فلما انهزمت هوازن ورجع الى منزله دخلت عليه فقال الحمد لله الذي أراد بك خيرا ثم حدثنى بما هممت به ﷺ وروى محمد بن عمر عن النضر بن الحارث كان يقول الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام ومنّ علينا بمحمد ﷺ ولم نمت على ما مات عليه الآباء فذكر حديثا طويلا ثم قال خرجت مع قوم من قريش هم على دينهم بعد وابى سفيان بن حرب وسفيان بن امية وسهيل بن عمر ونحن نريد انكانت دبرة على محمد ان نغير عليه فيمن يغير عليه فلما تراءت الفئتان ونحن في خير المشركين حملت هوازن حملة واحدة ظننا ان المسلمين لا يجترونها ابدا ونحن معهم وانا أريد بمحمد ما أريد وعمدت له فاذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباؤ حوله رجال بيض الوجوه فاقبلت عامدا اليه فصاحوا بي إليك إليك فرعب فوادى وأرعدت جوارحى قلت هذا مثل يوم بدر ان الرجل لعلى حق انه لمعصوم وادخل الله قلبى الإسلام وغيّره عما كنت أهم به الحديث بطوله وروى محمد بن عمر عن ابى قتادة قال مضى سرعان الناس منهزمين حتى دخلوا مكة ساروا يوما وليلة يخبرون اهل مكة بهزيمة رسول الله ﷺ وعتاب بن أسيد يومئذ امير على مكة ومعه معاذ بن جبل فجاءهم امر غمهم وسرّ بذلك قوم من اهل مكة وأظهروا الشماتة وقال قائل منهم يرجع العرب الى دين آبائها وقد قتل محمد وتفرق أصحابه فتكلم عتاب بن أسيد يومئذ فقال ان قتل محمد ﷺ فان دين الله قائم والذي يعبده محمد حى لا يموت فما امسوا من ذلك اليوم حتى جاء الخبر ان رسول الله ﷺ أوقع هوازن فسر عتاب بن أسيد ومعاذ بن جبل رضى الله عنهما وكبت الله من...... هناك ممن كان يسر بخلاف ذلك فرجع المنهزمون الى رسول الله ﷺ

стр. 1579

فلحقوه باوطاس وقد راحل منها الى الطائف (فائدة) قال انس رضى الله عنه بقي رسول الله ﷺ وحده وقال العباس فيما روى عنه مسلم وابن إسحاق وعبد الرزاق كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت انا وابو سفيان بن الحارث رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له شهباء فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلة قبل الكفار وانا أخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ اكفها ان لا يسرع وهو لا يألوا ما اسرع نحو المشركين وابو سفيان بن الحارث أخذ بركاب رسول الله ﷺ وفي أحاديث آخر انه بقي مع رسول الله ﷺ جماعة قال محمد بن يوسف الصالحي في الجمع بين الأقوال المراد انه بقي وحده متقدما مقبلا على العدو والذين ثبتوا كانوا وراءه والوحدة بالنسبة لمباشرة القتال وابو سفيان بن الحارث وعباس كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك واختلفوا في عدد الثابتين يوم حنين قال الكلبي كان حول رسول الله ﷺ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس وروى البيهقي عن حارثة بن النعمان لقد حرزت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس فقلت مائة وروى احمد والطبراني والحاكم وابو نعيم برجال ثقات عن ابن مسعود قال كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وروى البزار عن انس ان أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضى الله عنهم ضرب كل منهم بضعة عشر ضربة وروى ابن مردوية عن ابى عمر لم يبق مع رسول الله ﷺ مأته رجلا ولا منافاة بين نفي المائة واثبات ثمانين قال محمد بن عمر ايقال ان رسول الله ﷺ قال لحارثة بن النعمان حين انكشف عنه الناس يوم حنين يا حارثة كم ترى الناس الذين ثبتوا فنظرت عن يمينى وعن شمالى فقلت هم مأته فما علمت انهم مأته حتى كان يوم مررت على النبي صلى الله

стр. 1580

عليه وسلم وهو يناجى جبرئيل عند باب المسجد فقال جبرئيل يا محمد من هذا قال حارثة بن النعمان فقال جبرئيل هو أحد المائة الصابرة يوم حنين لو سلمت لوددت عليه فاخبر رسول الله ﷺ حارثة قال ما كنت أظن الا دحية الكلبي واقف معك وذكر النووي ان الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب ان الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط قوله نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وفر من قد فر عنه فاقشعوا وعاشرنا لاقي الحمام بنفسه ... لما مسه في الله لا يتوجع قال الصالحي قال الحافظ لعل هذا هو الا ثبت ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم وثبت اربع من النساء أم سليم بنت ملحان وأم عمارة نسيت وأم سليط وأم الحارث قال الله تعالى. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ اى رحمته التي استقروا بها وأمنوا عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الذين انهزموا وانما ذكر الرسول لان السكينة انما نزلت على المنهزمين ببركة وجود رسول الله ﷺ وبتوسطه نزلت على غيره وإعادة الجار للتنبيه على اختلاف حالهما وقيل المراد بالمؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ ولم يفروا اخرج الطبراني والحاكم وابو نعيم والبيهقي في الدلايل عن ابن مسعود قال كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار فكنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وهم الذين نزلت عليهم السكينة قال ابن عقبة قام رسول الله ﷺ في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه الى الله تعالى يقول اللهم انى أنشدك ما وعدتني اللهم لا ينبغى لهم ان يظهر علينا انتهى فقال رسول الله ﷺ يا عباس ناديا معشر الأنصار يا اصحاب السمرة يا اصحاب سورة البقرة قال العباس وكان رجلا ميتا فقلت يا على صوتى اين الأنصار اين اصحاب السمرة اين اصحاب سورة البقرة قال فو الله لكانما عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها وفي حديث عثمان بن ابى شيبة
следующие страницы →