مؤمن يتحقّق منه اليأس من روح الله، فهو كافر في الحال، حتى يعود إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله وأمّا الرجل المغفور له في الحديث، فلا نسلّم أنه لم يكفر، ثم إن الله تعالى لمّا أحياه في الدنيا، عاد إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله تعالى، فلذلك غفر له، وقد يكون قد عاد إلى رجاء روح الله تعالى، قبل موتته الأولى، ولم يتسع له الزمان أن يرجع عن وصيته التي أوصى بها أهله، فمات مسلما فلذلك غفر له.
فإن قيل: في قوله تعالى وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [الآية ١٠٠] كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله تعالى؟
قلنا: لعله كان السجود عندهم تحية وتكرمة كالقيام والمصافحة عندنا.
وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن بوضع الجبهة على الأرض، إلا أن قوله تعالى وَخَرُّوا يأبى ذلك، لأنّ الخرور عبارة عن السقوط، ولا يرد عليه قوله تعالى وَخَرَّ راكِعاً [ص/ ٢٤] لأنهم قالوا أراد به ساجدا، فعبّر عن السجود بالركوع، كما عبر عن الصلاة في قوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) [البقرة] أي صلّوا مع المصلين. وقيل له: أي لأجله، فاللام للسببية لا لتعدية السجود إلى يوسف ﵇، فالمعنى وخرّوا لأجل يوسف سجّدا لله تعالى، شكرا على جمع شملهم به، وقيل الضمير في له، يعود إلى الله تعالى، وهذا الوجه يدفعه قوله تعالى يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [الآية ١٠٠] .
فإن قيل: لم ذكر يوسف ﵇ نعمة الله تعالى في إخراجه من السجن، فقال كما ورد في التنزيل وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [الآية ١٠٠] ولم يذكر نعمته عليه في إخراجه من الجبّ وهو أعظم نعمة، لأن وقوعه في الجبّ كان أعظم خطرا؟
قلنا: إنما ذكر هذه النعمة دون تلك النعمة، لوجوه: أحدها: أنّ محنة السجن ومصيبته، كانت أعظم لطول مدتها، فإنه لبث فيه بضع سنين، وما لبث في الجبّ إلّا مدّة يسيرة. الثاني:
أنه إنما لم يذكر الجب، كي لا يكون في ذكره توبيخ وتقريع لإخوته، عند قوله لهم كما ورد في التنزيل لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الآية ٩٢] .
الثالث: أن خروجه من السجن،
стр. 1017
كان مقدمة لملكه وعزه، فذلك ذكره، وخروجه من الجبّ، كان مقدمة الذل والرق والأسر، فلذلك لم يذكره.
الرابع: أن مصيبة السجن، كانت أعظم عنده، لمصاحبة الأوباش والأراذل وأعداء الدين بخلاف مصيبة الجب، فإنه كان مؤنسه فيه جبريل وغيره من الملائكة ﵈.
فإن قيل: لم قال تعالى على لسان يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً [الآية ١٠١] وهو يعلم أنّ كلّ نبيّ لا يموت إلّا مسلما؟
قلنا: يجوز أن يكون دعا بذلك، في حالة غلبة الخوف عليه، غلبة أذهلته عن ذلك العلم، في تلك الساعة.
الثاني: أنه دعا بذلك، مع علمه، إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة، في طلب سعادة الخاتمة، وتعليما للأمّة، وطلبا للثواب.
فإن قلنا: كيف يجتمع الإيمان والشرك، وهما ضدّان، حتى قال تعالى وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ؟
قلنا: معناه وما يؤمن أكثرهم، بأن الله تعالى خالقه ورازقه وخالق السماوات والأرض، قولا إلّا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا. الثاني، أن المراد بها المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولا، ويشركون بقلوبهم اعتقادا.
الثالث أن المراد بها تلبية العرب، كانوا يقولون: لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك فكانوا يؤمنون بأوّل تلبيتهم بنفي الشريك، ويشركون بآخرها بإثباته.
فإن قيل: هذه التلبية، توحيد كلها ولا شرك فيها، لأن معنى قولهم إلّا شريكا هو لك: إلا شريكا هو مملوك لك، موصوفا بأنك تملكه، وتملك ما ملك، واللام هنا للملك، لا لعلاقة الشركة وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون حقيقيّا، ويحتمل أن يكون مجازيّا بيان الأول، أنّا إن قلنا إن اللام حقيقة في المعنى العام في مواردها، وهو الاختصاص، يكون قولهم: لا شريك لك، عامّا في نفي كلّ شريك، يضاف إلى الله تعالى بجهة اختصاص ما، فيدخل في النفي من جهة لفظ الشريك المضاف بجهة المملوكية، وهو شريك زيد وعمرو ونحوهما، ثم يقع عليه الاستثناء، فيكون استثناء حقيقيا وإن قلنا إنها مشتركة بين المعاني الثلاثة الموجودة
стр. 1018
في موارد استعمالها، وهي الملك والاستحقاق، ويقال الاختصاص، فقولهم: لا شريك لك يكون عامّا أيضا، عند من يجوّز حمل المشترك على مفهومه في حالة واحدة، فيكون الاستثناء أيضا حقيقيا كما مر وأما على قول من لا يجوّز ذلك يكون النفي واردا على أحد مفهوماته، وهو علاقة الشركة، فيكون الاستثناء بعده مجازيّا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو نوع من أنواع البلاغة مذكور في علم البيان، وشاهده قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
معناه: إن كان هذا عيبا ففيهم عيب، وهذا ليس بعيب فلا يكون فيهم عيب، فكذا هنا معناه: إن كان الشريك المملوك لك، يصلح شريكا فلك شريك، وهو لا يصلح شريكا لك، فلا يكون لك شريك، لأن كلّ ما يدعي أنه شريك لك، فهو مملوك لك، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم/ ٢٨] . قلنا: على الوجه الأول إنه ليس بصحيح، لأنه لو جعلنا اللام حقيقة في المعنى العام وهو الاختصاص، يلزم منه الكفر حيث وجد نفي الشريك من غير استثناء، لأنه يلزم منه نفي ملكه تعالى، شريك زيد وعمر ونحوهما، وهو كفر، واللازم منتف، لأنه إيمان محض بلا خلاف.
فإن قيل: إنّما لم يكن كفرا مع عمومه، لأن الحقيقة العرفية عند عدم الاستثناء، نفي كل شريك يضاف إلى الله تعالى بعلاقة الشريك، لا نفي كل شريك، يضاف إليه بجهة ما، فصارت الحقيقة اللغوية مهجورة بالحقيقة العرفية، عند عدم الاستثناء، والجواب عن أصل السؤال، أنه سؤال حسن محقق، وأن هذه التلبية توحيد محض على التقديرين، فإن صح النقل أن النبي ﵊ نهى عنها، فإنما نهى عنها لأنها توهم إثبات الشريك، لمقتضى الاستثناء عند قاصري النظر، وهم عوام الناس، فلهذه المفسدة نهى عنها.
стр. 1019
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يوسف» «١»
قوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) . وهذه استعارة، لأنّ الكواكب والشمس والقمر ممّا لا يعقل، فكان الوجه أن يقال. ساجدة.
ولكنها لما أطلق عليها فعل من يعقل، جاز أن توصف بصفة من يعقل، لأن السجود من فعل العقلاء. وهذا كقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) [النمل] ، فلما كانت النمل في هذا القول، مأمورة أمر من يعقل، جرى الخطاب عليها جريه على من يعقل. مثل ذلك قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصّلت/ ٢١] ، لأنها لمّا شهدت عليهم شهادة العقلاء المخاطبين، أجروا- كما في هذا الخطاب- مجرى العقلاء المخاطبين.
ومن الشاهد على ذلك قول عبدة بن الطبيب:
إذ أشرف الدّيك يدعو بعض أسرته ... لدى الصّباح وهم قوم معازيل «٢»
стр. 1020
فلما جعله بمنزلة الداعي جعل الديكة بمنزلة القوم المدعوّين، وجعلهم أسرة له وأسرة الرجل قومه ورهطه. والمعازيل الذين لا سلاح معهم. فكأنه جعله مستنصرا من لا نصرة له، ولا غناء عنده. وقريب من ذلك قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) [الشعراء] على أحد القولين. فكأنّ السياق، ردّ خاضعين إلى أصحاب الأعناق، لا إلى الأعناق، لأن الخضوع منهم يكون على الحقيقة.
وقد يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى في ذكر الكواكب والشمس والقمر:
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) إنما حسن على تأويل تلك الرؤيا. وتأويلها يتناول من يعقل من إخوة يوسف وأبويه.
فجرى الوصف على تأويل الرؤيا، ومصير العقبى. وهذا موضع حسن، ولم يمض لي كما تقدم.
وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] وهذه استعارة.
لأن الدم لا يوصف بالكذب على الحقيقة. والمراد بذلك- والله أعلم- بدم مكذوب فيه، والتقدير بدم ذي كذب.
وإنما يوصف الدم بالمصدر الذي هو (كذب) على طريق المبالغة. لأن الدعوى التي علقت بذلك الدم، كانت غاية في الكذب.
وقال بعضهم: قد يجوز أيضا أن يكون «كذب» هاهنا، صفة لقول محذوف يدلّ عليه الحال. فكأنّ التقدير: وجاءوا على قميصه بدم، وجاءوا بقول كذب، إذ كانت إشارتهم إلى آثار الدم في القميص، قد صحبها قول منهم يؤكد تلك الحال، وهو قولهم: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [الآية ١٧] . والقول الأول أصوب. ومن غرائب التفسير ما روي عن أبي عمرو بن العلاء «١» أنه قال: سمعت
стр. 1021
بعض الرواة يقول: بدم كذب بالإضافة، من الدال «١» . وقال: هو الجدي في كلام الكنعانيين، وأنشد لبعضهم:
ظلّت دماء بني عوف كأنّهم ... عند الهياج رعاة بين أكداب
وقيل: إنهم لطّخوا قميص يوسف ﵇، بدم ظبي ذبحوه.
وقوله سبحانه: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [الآية ١٨] وهذه استعارة. وحقيقة التسويل تزيين الإنسان لغيره أمرا غير جميل.
جعل سبحانه أنفسهم، لمّا قوي فيها الإقدام على ذلك الأمر المذموم، بمنزلة الغير الذي يحسّن لهم فعل القبيح، ويحمّلهم على ركوب العظيم.
وقوله سبحانه: قَدْ شَغَفَها حُبًّا [الآية ٣٠] وهذه استعارة. والمراد بها أن حبّه تغلغل إليها، حتى أصاب شغافها، وهو غشاء قلبها. كما تقول: بطنت الرّجل. إذا أصبت بطنه. ويقال: معنى شغفها أي سلب شغاف قلبها، على طريق المبالغة في وصف حبها له، كما تقول: سلبت الرّجل، إذا أخذت سلبه.
وقوله سبحانه: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وهذه أبلغ استعارة وأحسن عبارة، لأن أحد الأضغاث: ضغث. وهو الخليط من الحشيش المضموم بعضه إلى بعض، كالحزمة وما يجري مجراها، فشبّه سبحانه اختلاط الأحلام، ما مرّ به الإنسان من المحبوب والمكروه، والمساءة والسرور باختلاط الحشيش المجموع من أخياف «٢» عدة، وأصناف كثيرة.
وقوله سبحانه ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) . وهذه استعارة. والمراد بالسّبع الشداد: السّنون المجدبة.
ومعنى يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي ينفد فيهن، ما ادّخرتموه لهن من السنين المخصبة.
стр. 1022
وجرى على ذلك عادة العرب في قولهم: أكلت آل فلان السّنة. يريدون مسّهم الضّر، في عام الجدب، وزمان الأزل «١» . حتى كأنهم ليسمون السنة المجدبة: الضّبع. فيقولون: أكلتهم الضّبع. أي نهكتهم سنة الجدب.
وقال بعضهم: إنما نسب تعالى الأكل إليهنّ، لأن الناس يأكلون فيهن ما ادّخروه، ويستنفدون ما أعدّوه. كما يقال: يوم آمن. وليل خائف. أي يأمن الناس في هذا، ويخافون في هذا.
وقوله سبحانه: لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) «٢» .
[وهذه استعارة. لأنه تعالى أقام كيد الخائنين] مقام الخابط في الطريق، ليصل إلى مضرّة المكيدة وهو غافل عنه فأعلمنا سبحانه أنه لا يهديه، بمعنى لا يوفّقه لإصابة الغرض، ولا يسدّده لبلوغ المقصد، بل يدعه يخبط في ضلاله، ويتسكّع في متاهه، لأنه كالسّاري في غير طاعة الله، فلا يستحق أن يهدى لرشد، ولا يتسدّد لقصد.
وقوله سبحانه: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [الآية ٥٣] . وهذه استعارة. لأن النفس لا يصحّ أن تأمر على الحقيقة.
ولكن الإنسان لما كان يتبع دواعيها إلى الشهوات، وينقاد بأزمّتها إلى المقبّحات، كانت بمنزلة الآمر المطاع، وكان الإنسان بمنزلة السامع المطيع.
وإنما قال سبحانه: لَأَمَّارَةٌ. ولم يقل لآمرة، مبالغة في صفتها بكثرة الدفع في المهاوي، والقود إلى المغاوي. لأنّ «فعّالا» «٣» من أمثلة الكثير، كما أن «فاعلا» من أمثلة القليل.
وقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [الآية ٧٦] . وهذه استعارة. لأنه ليس هناك على الحقيقة بناء يوطّد، ولا درجات تشيّد. وإنما المراد به تعلية معالم الذكر في الدنيا، ورفع منازل الثواب في الآخرة.
وقوله سبحانه:
стр. 1023
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [الآية ٨٢] .
وهذه استعارة من مشاهير الاستعارات. والمراد: واسأل أهل القرية التي كنا فيها، وأصحاب العير التي أقبلنا فيها. ومما يكشف عن ذلك، قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها الأنبياء ﵈: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) [الأنبياء] . والقرية هي الأبنية المفروشة، والخطط المسكونة لا يصحّ منها عمل الخبائث فعلم أن المراد بذلك أهلها.
ومن الشاهد على ذلك أيضا، قوله سبحانه: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) [الأنبياء] . وقال بعضهم: إن القرية هي الجماعة المجتمعة، لا الأبنية المشيدة. وذلك مأخوذ من قولهم: قرى الماء في الحوض. إذا جمعه والعير: هي الإبل وفيها أصحابها. وإنما أنث السياق ضمير القرية بقوله تعالى:
الَّتِي كُنَّا فِيها على اللفظ كما يقول القائل: قامت تلك الطائفة، وتفرّقت تلك الجماعة، على اللفظ.
ويحسن منه أن يقول عقيب هذا الكلام: وأكلوا، وشربوا، وركبوا، وذهبوا، حملا على المعنى دون اللفظ. كما قال تعالى: مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ. ثم قال سبحانه: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ على المعنى.
وكذلك القول في العير، فإنما أنّث ضميرها على اللفظ، لأنّ العير مؤنثة.
قال تعالى في هذه السورة: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ [الآية ٩٤] .
وقوله سبحانه: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [الآية ٨٧] وهذه استعارة. والمراد ولا تيأسوا من فرج الله. والرّوح هو تنسيم الريح، التي يلذّ شميمها، ويطيب نسيمها. فشبه تعالى الفرج الذي يأتي بعد الكربة، ويطرق بعد اللّزبة «١» بنسيم الريح الذي ترتاح القلوب له، وتثلج الصدور به. ومثل ذلك ما جاء في الخبر: (الريح من نفس الله) «٢» أي من تنفيسه عن خلقه.
стр. 1024
يريد سبحانه أن القلوب تستروح إليها، كما يستروح المكروب إلى نفسه، وذو الخناق إلى تنفّسه.
وقوله سبحانه: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ [الآية ١٠٧] . وهذه استعارة. والمراد بذلك المبالغة في صفة العذاب بالعموم لهم، والإطباق عليهم، كالغاشية التي تشتمل على الشيء، فتجلّله من جميع جنباته، وتستره عن العيون من كل جهاته.
стр. 1025
سورة الرعد ١٣
стр. 1026
المبحث الأول أهداف سورة «الرّعد» «١»
سورة الرّعد من السور التي اختلف في مكّيّتها ومدنيّتها، فقال قوم إنها مكّيّة، لأنها شبيهة بالسور المكّيّة في قصّتها وموضوعاتها، وقال آخرون إنها مدنيّة، ولكن موضوعاتها تشبه موضوعات السور المكّيّة. وفي المصحف المطبوع في القاهرة سورة الرعد مدنيّة، وآياتها ٤٣، نزلت بعد سورة محمّد.
وفي تفسير مقاتل بن سليمان، سورة «الرّعد» مكّية، ويقال مدنية. وتسمى سورة الرّعد لقوله سبحانه فيها:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الآية ١٣] .
وسورة «الرّعد» من أعاجيب السور القرآنية التي تستولي على النفس، وتثير الوجدان، وتزحم الحس بالصور والمشاهد. ثم تأخذ النفس من أقطارها جميعا، فإذا هي في مهرجان من الصور والمشاعر. وتسلك السورة سبيلها الى القلب وترتاد به آفاقا وأكوانا وعوالم وأزمانا، وهو مستيقظ مبصر، مدرك، شاعر بما يموج حوله من المشاهد والصور.
إنّها ليست ألفاظا وعبارات، ولكنّها صور حية تستولي على الفؤاد، وتلمس الوجدان وتوحي بالإيمان.
موضوع السورة
موضوع سورة الرعد الرئيس هو العقيدة. وقضاياها هي التوحيد
стр. 1027
والبعث، وهذا الموضوع تكرّر عرضه في سور سابقة ولاحقة.
ولكنه يعرض في كل مرة بطريقة جديدة. وفي ضوء جديد. ويتناول عرضه مؤثرات وموحيات ذات إيقاع جديد وإيحاء جديد.
تطوف سورة الرعد بالقلب البشري في مجالات وآفاق وآماد وأعماق، وتعرض عليه الكون كله في شتّى مجالاته الأخاذة: في السموات المرفوعة بغير عمد وفي الشمس والقمر كلّ يجري لأجل مسمّى وفي الليل يغشاه النهار وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس ثابتة وأنهار جارية، وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان، ينبت في قطع من الأرض متجاورات، ويسقى بماء واحد وفي البرق يخيف ويطمع والرعد يسبّح ويحمد والملائكة تخاف وتخشع والصواعق يصيب بها من يشاء والسحاب الثّقال والمطر في الوديان والزّبد الذي يذهب جفاء، ليبقى في الأرض ما ينفع الناس.
وهي تلاحق ذلك القلب أينما توجّه: تلاحقه بعلم الله النافذ الكاشف الشامل، يحيط بالشارد والوارد والمستخفي والسارب، ويتعقب كلّ حي ويحصي عليه الخواطر والخوالج.
والغيب المكنون الذي لا تدركه الظنون مكشوف لعلم الله، وما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار.
إنها تقرّب لمدارك البشر شيئا من حقيقة القوة الكبرى، المحيطة بالكون ظاهره وخافية، جليله ودقيقه، حاضره وغيبه. وهذا القدر الذي يمكن لمدارك البشر تصوّره هائل مخيف، ترتجف له القلوب.
وذلك إلى الأمثال المصوّرة، تتمثل في مشاهد حية، حافلة بالحركة والانفعال، الى مشاهد القيامة، وصور النعيم والعذاب، وخلجات الأنفس في هذا وذاك، إلى وقفات على مصارع الغابرين، وتأملات في سير الراحلين، وفي سنة الله التي مشت عليهم، فإذا هم داثرون.
مشاهد الكون في سورة الرعد
تبدأ سورة الرعد بقضية عامة من قضايا العقيدة: قضية الوحي بهذا
стр. 1028
الكتاب والحق الذي اشتمل عليه فيقول سبحانه:
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) .
وهذا الافتتاح يلخص موضوع السورة كله، ويشير الى جملة قضاياها، وتسترسل السورة في استعراض آيات القدرة وعجائب الكون الدالة على قدرة الله الخالق وحكمته وتدبيره وأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس، وأن يكون هناك بعث لحساب الناس. وأنّ من مقتضيات تلك القدرة، أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم الى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم، وسخّره لهم ليبلوهم فيما آتاهم.
وتبدأ الآيات الرائعة في رسم المشاهد الكونية الضخمة نظرة الى السماوات، ونظرة الى الأرضين، ونظرة الى مشاهد الأرض وكوامن الحياة.
قال تعالى:
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) .
وهذه اللفتة الأولى الى مظاهر القدرة الإلهية تحرّك الوجدان، فيقف أمام هذا المشهد الهائل يتملّاه، ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفع السماء بلا عمد- أو حتى بعمد- إلا الله جلّت قدرته وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد، تلك البنايات الصغيرة الهزيلة، القابعة في ركن ضيّق من الأرض لا تتعداه ثم يتحدث الناس عمّا في تلك البنايات من عظمة ومن قدرة وإتقان، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد، وعمّا وراءها من القدرة الحق، والعظمة الحق، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان.
ومن هذا المنظور الهائل الذي يشاهده الناس في خلق الله، الى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار:
стр. 1029
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
أي استولى على ملك الموجودات جميعها، وأحاطت قدرته الكائنات جميعها.
ومع الاستعلاء والتسخير، الحكمة والتدبير.
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى.
وإلى حدود مرسومة وفق ناموس مقدّر.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.
ويمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء، فتجري لأجل لا تتعدّاه.
ومن قدرة الله سبحانه، أنّه مدّ الأرض وبسطها امام البصر، وأمدّها بمقومات الحياة:
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
ليكمل إبداع الخلق وتناسقه، ثم تابع الله، جلّت قدرته، بين الليل والنهار في انتظام عجيب، ونظام دقيق يبعث على التأمل في ناموس هذا الكون، والتفكير في القدرة المبدعة التي تدبّره وترعاه:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) .
أدلة الألوهية في سورة الرعد
نحن في سورة الرعد أمام عدد من أدلة الألوهية يتوارد بعضها وراء بعضها في سياق بديع، وعرض شائق.
فهناك الأرض التي تزرع بألوان مختلفة من النبات فيها.
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ [الآية ٤] .
منه ما هو عود واحد، ومنه ما هو عودان أو أكثر، في أصل واحد، وكله:
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ [الآية ٤] .
والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم:
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الآية ٤] .
فمن غير الخالق المدبّر يفعل ذلك؟
إن القرآن، بمثل هذه اللفتة، يبقى جديدا أبدا، لأنه يجدّد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس، وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) .
стр. 1030
ومن أدلة الألوهية: إحاطة علم الله بالجنين في بطن أمه، وبالسر المكنون في الصدور، وبالحركة الخفية في جنح الليل، وبكلّ مختف في الليل وظاهر في النهار، وهو سبحانه محيط بكل من تكلّم همسا، أو تكلّم جهرا، فإن كل شيء مكشوف تحت المجهر الكاشف يتبعه شعاع من علم الله، وتتعقبه حفظة تحصي الخواطر والنوايا.
إلا أنها الرهبة الخاشعة التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ الى الله، تطمئن في حماه، وهي تتصور علم الله المحيط بكل شيء. ونلاحظ أن بعض الآيات في سورة الرعد، يلمس آفاق الكون الهائل، مثل الآيات الأربع الأولى من السورة.
وبعض الآيات، يلمس أغوار النفس ومجاهل السرائر، مثل الآيات الممتدة من ٨ الى ١٠ حيث يقول سبحانه:
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) . ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر، تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس، متداخلة متناسقة.
حيث يقول سبحانه:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.
والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان، وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس، حتى اليوم، وعند الذين يعرفون مزيدا عن طبيعتها.
والسورة تذكر هذه الظواهر متتابعة، وتضيف إليها الملائكة والتسبيح والسجود والخوف والطمع، لتصوير سلطان الله، المتفرّد بالقهر والنفع والضّرّ.
وقد سميت السورة بسورة الرعد، لقوله سبحانه:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ.
والرعد هو ذلك الصوت المقرقع المدوّي، وهو أثر من آثار الناموس الكوني الذي صنعه الله، أيّا كانت طبيعته وأسبابه، فهو رجع صنع الله في
стр. 1031
هذا الكون، وهو يحمد ويسبّح بلسان الحال، للقدرة التي صاغت هذا النظام، كما أن كل مصنوع جميل متقن، يسبّح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه، بما يحمله من جمال وإتقان.
وقد اختار التعبير أن يجعل صوت الرعد تسبيحا للحمد، اتّباعا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامتة، لتشارك في المشهد بحركة من جنس حركة المشهد كلّه، وقد انضم الى تسبيح الرعد بحمد الله، تسبيح الملائكة من خوفه ومن تعظيمه، وفي آية أخرى يقول سبحانه:
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى/ ٥] .
وفي الحديث النبوي يقول الرسول (ص) : «أطّت السماء وحق لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم إلّا وفيه ملك راكع أو ساجد يسبّح الله تعالى» .
ثم يعبّر السياق عن خضوع الكائنات جميعها لمشيئة الله تعالى بالسجود، وهو أقصى رمز للعبودية، فتسجد الكائنات ويسجد ظلها معها عند انكسار الأشعة، وامتداد الظلال فإن شخوص الكون كله وظلاله، جاثية خاضعة من طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء، كلّها تسجد لله.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) .
النصف الثاني من سورة الرعد
في النصف الاول من سورة الرعد حدثتنا السورة عن المشاهد الهائلة في آفاق الكون وأعماق الغيب وأغوار النفس.
وفي النصف الثاني من السورة تسترسل الآيات في لمسات وجدانية وعقلية وتصويرية دقيقة رقيقة، حول قضية الوحي والرسالة، وقضية التوحيد والشركاء، ومسألة طلب الآيات واستعجال تأويل الوعيد. وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة.
وتبدأ هذه الجولة بلمسة في طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر، فالأول علم والثاني عمّى:
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [الآية ١٩] .
وتبيّن الآيات طبيعة المؤمنين وطبيعة
стр. 1032
الكافرين، والصفات المميزة لهؤلاء وهؤلاء، ثم يتلوها مشهد من مشاهد القيامة، وما فيها من نعيم للأولين وعذاب للآخرين. ويعقب ذلك لمسة في بسط الرزق وتقديره، وردّ ذلك الى الله سبحانه، فجولة مع القلوب المؤمنة المطمئنة بذكر الله، فوصف لهذا القرآن الذي يكاد يسير الجبال، وتقطّع به الأرض ويكلّم به الموتى فلمسة بما يصيب الكفار من قوارع تنزل بهم، أو تحل قريبا من دارهم، فجدل تهكّمي حول الآلهة المدّعاة، فلمسة عن مصارع الغابرين، ونقص أطراف الأرض منهم حينا بعد حين يختم هذا كله، بتهديد الذين يكذّبون برسالة الرسول (ص) بتركهم للمصير المعلوم.
من ذلك نرى أن الإيقاعات والمطارق المتوالية في شطر السورة الأول، تحضّر المشاعر وتهيّئها لمواجهة القضايا والمسائل في شطرها الثاني وهي على استعداد وتفتّح لتلقّيها وإنّ شطري السورة متكاملان، وكلّ منهما يوقع على الحس طرقاته وإيحاءاته، لهدف واحد وقضية واحدة، هي الإيمان عن يقين كامل وأدلة مقنعة، يطمئن لها القلب وتسكن إليها النفس. قال تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) .
فقلب الكافر في ضلال، وقلب الجاحد مضطرب هواء، وقلب المؤمن يطمئنّ لصلته بالله، والأنس بجواره، والأمن في جانبه وحماه، يطمئن من قلق الوحدة وحيرة الطريق بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير، ويطمئنّ بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضرّ ومن كل شرّ إلّا بما يشاء الله، مع الرّضا بالابتلاء والصبر على البلاء ويطمئنّ برحمة الله في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة.
وليس أشقى على وجه الأرض ممّن يحرمون طمأنينة الأنس الى الله. ليس أشقى ممّن يعيش لا يدري لم جاء، ولم يذهب، ولم يعاني في الحياة؟
ليس أشقى في الحياة، ممّن يشقّ طريقه فريدا وحيدا شاردا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.
وإن هناك شدائد في الحياة، لا يصمد لها بشر، إلّا أن يكون مرتكنا الى الله، مطمئنّا الى حماه، مهما أوتي
стр. 1033
من القوة والثبات والصلابة والاعتداد.
ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله:
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) .
التناسق الفني في سورة الرعد
ممّ نلحظه في سورة الرعد عنايتها بالمقابلة بين الإيمان والكفر، والهدى والضلال، والاطمئنان والحيرة. وحين تعرضت السورة لرسم مشاهد الكون، عنيت بإبراز المشاهد المتقابلة من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وشخوص وظلال، وجبال راسية، وأنهار جارية، وزبد ذاهب، وماء باق، وقطع من الأرض متجاورات مختلفات، ونخيل صنوان وغير صنوان ومن ثم تطّرد هذه التقابلات في كل المعاني وكل الحركات وكل المصائر في السورة، لتناسق التقابل المعنوي في السورة مع التقابلات الحسية، وتتّسق في الجو العام.
ومن ثم يتقابل الاستعلاء في الاستواء على العرش، مع تسخير الشمس والقمر، ويتقابل ما تغيض الأرحام مع ما تزداد، ويتقابل من أسرّ القول مع من جهر به، ومن هو مستخف بالليل مع من هو سارب بالنهار ويتقابل الخوف مع الطمع تجاه البرق، ويتقابل تسبيح الرعد حمدا مع تسبيح الملائكة خوفا، وتتقابل دعوة الحق لله مع دعوة الباطل للشركاء، ويتقابل من يعلم مع من هو أعمى، ويتقابل الذين يفرحون من أهل الكتاب بالقرآن مع من ينكر بعضه، ويتقابل المحو مع الإثبات في الكتاب.
وبالإجمال، تتقابل المعاني وتتقابل الحركات وتتقابل الاتجاهات، لتنسيق الجو العام في الأداء. وهذا التناسق الفني، من بدائع الإعجاز في القرآن الكريم، هذا القرآن العجيب الذي لو كان من شأن قرآن أن تسيّر به الجبال أو تقطّع به الأرض أو يكلّم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثّرات ما تتحقق معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلّفين الأحياء، فإذا لم يستجيبوا له فقد آن أن ييأس منهم المؤمنون، وأن يدعوهم ويتركوهم، حتى يأتي وعد الله للمكذّبين، قال تعالى:
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ
стр. 1034
الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
(٣١) .
ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقّته وتكيّفت به، أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس، وبهذه النفوس، خوارق أضخم وأبعد آثارا في أقدار الحياة، بل أبعد أثرا في شكل الأرض، ذاته، فكم غيّر الإسلام والمسلمون من وجه الأرض الى جانب ما غيّروا من وجه التاريخ؟
وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها، طبيعته في دعوته وفي تعبيره، طبيعته في موضوعه وفي أدائه، طبيعته في حقيقته وفي تأثيره، إنّ طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة يحسّها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجّه إليه ويوحي به. والذين تلقوه وتكيفوا به سيّروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تاريخ الأمم والأجيال. وقطّعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد. وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، نعني الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام والتحول الذي حصل في نفوس العرب وحياتهم أضخم بكثير من تحوّل الجبال عن رسوخها، وتحوّل الأرض عن جمودها، وتحوّل الموتى عن الموت:
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً.
وهو الذي يختار نوع الحركة وأداتها في كل حال. فإذا كان قوم بعد هذا القرآن لم تتحرك قلوبهم، فما كان أجدر بالمؤمنين الذين يحاولون تحريكها ان ييأسوا من القوم، وأن يدعوا الأمر لله فلو شاء سبحانه لخلق الناس باستعداد واحد للهدى، وهدى الناس جميعا على نحو خلقه الملائكة، لو كان يريد.
لقد شاء الله ﷻ أن يوجد الإنسان على وجه الأرض، ومعه العقل والإرادة والاختيار والكسب، حتى يتميّز المؤمن من الكافر، والمستقيم من العاصي. وبذلك تتحقّق الحكمة الإلهية في تنوّع الخلق واختلاف مشاربهم:
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) [هود] .
стр. 1035
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الرّعد» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الرعد» بعد سورة «محمّد» . ونزلت سورة «محمّد» بعد سورتين من سورة «النساء» ، وكان نزول سورة «النساء» فيما بين صلح الحديبيّة وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة «الرعد» في ذلك التاريخ أيضا، وعلى هذا تكون سورة «الرعد» من السّور التي نزلت بالمدينة، وقيل إنها نزلت بمكّة، لأنها تجري في أغراض السّور التي نزلت بها، وقال الأصمّ:
إنّها مدنيّة بالإجماع. وكأنه لم يقم وزنا لهذا القول، ولا شيء في أن تجري بعض السور المدنية في أغراض السور المكيّة، لأن المشركين الذين نزلت فيهم السور المكية لم ينقطع أمرهم بعد الهجرة، وكان كثير منهم يحيط بالمدينة، وكانت دعوتهم لا تزال قائمة، ومما يؤيد أن هذه السورة مدنية، قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) .
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في الآية ١٣ منها:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وتبلغ آياتها ثلاثا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن، كما يقصد من السور الثلاث المذكورة قبلها، ولهذا ذكرت هذه
стр. 1036
السورة بعدها، وقد ابتدئت بمقدمة ذكر فيها أن الذي أنزل إليه من ربه هو الحقّ، وأن الذي يمنعهم من تصديقه أنه يدعو الى التوحيد وهم لا يؤمنون به، وقد استطرد فيها الى إثبات هذا التوحيد، ثم عاد السياق الى المقصود من الكلام على تنزيل القرآن، فذكر شبهتين لهما عليه وأخذ في إبطالهما، وبهذا ينحصر المقصود من هذه السورة في هذه الأمور الثلاثة.
المقدمة الآيات [١- ٦]
قال الله تعالى: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) فأقسم سبحانه بهذه الحروف أنّ ما أنزله هو آيات الكتاب، وأن ما أنزل إليه منه هو الحق، ولكن الذي يمنعهم من تصديقه أنه يدعو الى التوحيد وهم لا يؤمنون به ثم استطرد السياق من هذا الى إثبات توحيده جلّ وعلا، فذكر أنه سبحانه هو الذي رفع السماوات بغير عمد، وسخّر الشمس والقمر يجريان لأجل مسمّى، ودبّر أمر خلقه وفصّل آياته لهم لعلّهم بلقائه يؤمنون ثم ذكر غير هذا من الآيات الدالّة على توحيد الله تعالى، وأنه لا بد لهم من لقائه، وعجب من إنكارهم بعد هذا أن يخلقوا من جديد بعد أن يصيروا ترابا، وهدّدهم عليه بأنهم ستوضع الأغلال في أعناقهم، وأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ثم ذكر أنهم يستعجلونه سبحانه بهذا: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) .
رد شبهتهم الأولى على القرآن الآيات [٧- ٢٦]
ثم قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) فذكر شبهتهم الأولى على القرآن، وهي إنكارهم له وطلب آية غيره، وقد ردّ عليهم بأن النبي (ص) إنما هو منذر، فليس بيده إجابتهم الى تلك الآيات، وبأن كل قوم لهم هاد يبعث بالآية التي تناسبهم في علمه بأحوالهم ثم ذكر من علمه بأحوالهم أنه يعلم ما تحمل كلّ أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، الى غير هذا ممّا ذكره في إثبات علمه ليرضوا
стр. 1037
بما اختاره لهم من آياته ثم انتقل السّياق من إثبات علمه تعالى إلى إثبات قدرته على ما يقترحونه من تلك الآيات، فذكر أنه جلّ شأنه هو الذي يريهم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال، وأنه يسبّح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ثم ذكر أنهم يجادلون في وحدانيته سبحانه وهو شديد المحال، وهو الذي إذا دعي أجاب لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الآية ١٤] وشركاؤهم لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفّيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لأنه لا يمكنه أن يستجيب له ثم ذكر تعالى أن له يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وأمر النبي (ص) أن يسألهم قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٦] وأن يجيب عن سؤاله بأنه الله لأنه لا ربّ لها غيره، وأن ينكر منهم مع هذا أن يتّخذوا من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، وأن يذكر لهم أنه لا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات والنور، ثم أمره أن يسألهم:
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الآية ١٦] وأمر النبي (ص) أن يجيب عنه بأنه خالق كل شيء وهو الواحد القهّار ثم ضرب مثلا لحقّه وباطلهم بعد تلك الأمثال، شبّه فيه حالهما بحال ماء أنزله من السماء فسالت به أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، وبحال ذهب أو قد عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع فاحتمل زبدا أيضا، فما يبقى تحت الزبد من الماء والذهب الخالص مثل للحقّ، والزبد مثل للباطل فأما الزبد فيذهب ويفنى وكذلك الباطل، وأما الماء والذهب الخالص فيبقى كل منهما لينتفع منهما الناس به، وكذلك الحقّ.
ثم وعد أهل الحق الذين استجابوا له بأن لهم الحسنى، وأوعد أهل الباطل الذين لم يستجيبوا له بأن لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم وبئس المهاد، ثم ذكر أنه لا يمكن أن يسوّى بين الفريقين في ذلك، وانه لا يتذكّر هذا إلّا أولو الألباب، وهم الذين يوفون بعهده ولا ينقضون ميثاقهم، ويصلون ما أمر به أن يوصل، ويخشونه ويخافون سوء حسابهم، ويصبرون ابتغاء وجهه، ويقيمون الصلاة، وينفقون ممّا رزقهم سرّا وعلانية، ويدرءون بالحسنة السيئة. ثم وعدهم بأن لهم عقبى الدار، جنات
стр. 1038
عدن يدخلونها إلخ، وأوعد الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (٢٦) .
رد شبهتهم الثانية على القرآن الآيات [٢٧- ٤٣]
ثم قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) .
فذكر شبهتهم الثانية على القرآن، وهي شبهتهم الأولى بعينها، وقد أجابهم أوّلا بأنه يضل من يشاء فلا يؤمن، ولو أجيب الى ما يقترحه من الآيات، ويهدي إليه من أناب فيؤمن بغير اقتراح آيات ثم وصف من أناب بأنهم الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكره سبحانه، الى غير هذا مما وصفهم به.
ثم أجابهم ثانيا بأنه أرسل النبي (ص) في أمّة هي آخر الأمم، فخصّه بمعجزة القرآن ليتلوها عليهم. فيبقى إعجازها قائما بينهم رحمة بهم، وهم مع هذا يكفرون به ولا يقدّرون رحمته ثم أمره أن يؤمن به، ويتوكّل عليه، ويتوب إليه، ولا يلتفت إليهم.
ثم أجابهم ثالثا بأنه لو كان هناك قرآن سيّرت به الجبال، أو قطّعت به الأرض، أو كلّم به الموتى، لكان هذا القرآن الذي لا يؤمنون به، وذكر أنّ الأمر له في إنزال ما ينزّله من الآيات، وأنه لو شاء سبحانه لهدى الناس جميعا من غير معجزة من المعجزات، وذكر أنهم لا يزالون تصيبهم، بتعنّتهم في طلب الآيات، قارعة من سبي أو قتل، أو تحلّ قريبا من دارهم، حتى يأتي وعده تعالى بنصر المؤمنين عليهم ثم ذكر سبحانه أنه قد استهزأت قبلهم أمم باقتراح الآيات على رسلهم، فأملى لهم ثم أخذهم بما أخذهم به من العقاب، وانتقل السياق من هذا إلى إثبات قدرته جلّ شأنه، عليهم، وعجز آلهتهم عن دفع شيء عنهم، فذكر أنه لا يكون من هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن لا يقوم على شيء، وأمرهم تعالى أمر تعجيز أن يسمّوا هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم له وذكر أنهم يدّعون له شركاء لا يعلمهم لعدم وجودهم، وإنّما يأخذون في هذا
стр. 1039
بظاهر من القول، وليس عندهم شيء من العلم، وقد زيّن لهم ما هم فيه، وصدّوا عن السبيل، فلا يمكن اهتداؤهم ثم أوعدهم بأن لهم عذابا في الحياة الدنيا وعذابا أشق منه في الآخرة ووعد المتقين بأن لهم جنة تجري من تحتها الأنهار، أكلها دائم وظلّها.
ثم أجابهم رابعا بأن أهل الكتاب يفرحون بهذا القرآن الذين لا يؤمنون به، وإن كان من أحزابهم من ينكر بعضه لمخالفته لما عندهم وأمر النبي (ص) أن يعبده ولا يشرك به، وأن يدعو إليه وحده ثم ذكر أنه أنزل القرآن حكمة عربية لا يصح طلب آية بعدها وحذّر النبي (ص) من أن يتّبع أهواءهم فيما يطلبونه من الآيات، بعد أن جاءه من العلم ما لا يصح معه اتباع أهوائهم.
ثم أجابهم خامسا بأنه أرسل رسلا من قبله، وكانوا بشرا مثله لهم أزواج وذرّيّة، فلا يمكنهم أن يأتوا بآية إلا بأذنه، ولكل أجل قدّره لآياته كتاب، لا تمكن مخالفته، وكل ما يحصل من محو أو إثبات يأتي على وفق ما فيه ثم ذكر للنبي (ص) أنه قد يريه بعض ما يعدهم من العذاب وقد يتوفّاه قبله، فليس هذا من شأنه، وإنما عليه أن يبلغهم وعليه هو حسابهم ثم نبههم إلى أن ما يعدهم به قد حصل بعضه، فذكر ما حصل من انتقاص المسلمين أطراف أرضهم، وأنه قد حكم بنصر المؤمنين عليهم، وهو حكم لا معقب له ولا تأخير فيه ثم ذكر أنه قد مكر من كان قبلهم فلم يفدهم مكرهم، لأن له المكر جميعا، يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفّار لمن عقبى الدار: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) .
стр. 1040
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الرّعد» «١»
أقول: وجه وضعها بعد سورة «يوسف» : أنه سبحانه قال في آخر تلك: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) [يوسف] . فذكر الآيات السمائية والأرضية مجملة، ثم فصّل في مطلع هذه السورة.
فقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) تفصيل الآيات الأرضية.
هذا مع اختتام سورة يوسف بوصف الكتاب، ووصفه بالحق، وافتتاح هذه بمثل ذلك «٢» ، وهو من تشابه الأطراف.
стр. 1041
المبحث الرابع مكنونات سورة «الرّعد» «١»
١- وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ [الآية ١٣] .
نزلت في أربد بن قيس، وعامر بن الطّفيل. كما أخرجه الطبراني «٢» وغيره.
٢- وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) .
قال عكرمة: هو عبد الله بن سلام. قال سعيد بن جبير: هو جبريل.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
وقال ابن عباس: هم اليهود والنّصارى. أخرجه ابن جرير «٣» وأخرج عن قتادة، قال: كنّا نحدّث أنّ منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميما الدّاري «٤» .
стр. 1042
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرّعد» «١»
١- قاله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) .
أقول: أراد تعالى بقوله: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أنه سبحانه خلق فيها من أنواع الثّمرات جميعها زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت.
وقيل: أريد بالزّوجين: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة.
وأمّا قوله جلّ وعلا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فالمراد يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا.
وقرئ: يغشّي، بالتشديد.
وظاهر الحال أن الفعل «يغشي» ينصب مفعولين وحقيقة ذلك، أنه مجاوز الى مفعول واحد، وأما الثاني فبالخافض، وعرض له الحذف، ثم وصل.
٢- وقال تعالى: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الآية ٦] .
والمراد بقوله سبحانه: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ عقوبات أمثالهم من المكذّبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا.
والمثلة: العقوبة بوزن السّمرة.
والمثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة.
стр. 1043
أقول: وهذه من موادّ القرآن التي لا نعرفها في عربية معاصرة.
٣- وقال تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) .
والمعنى: سواء عنده من استخفى، أي: طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهرا بالنهار يبصره كلّ أحد.
أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة إلا المزيد «سرّب» ، و «تسرّب» ومعناهما شيء آخر ذو خصوصية أخرى، فيقال مثلا: سرّب خبرا، وتسرّب الخبر، وكلّه شي مولّد جديد.
٤- وقال تعالى: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) .
و (السّحاب) في الآية يفيد الجمع بدلالة الوصف (الثّقال) .
ومن المفيد أن نعرض لكلمة «السحاب» في لغة التنزيل، لنرى تصاقب الجمع والإفراد فيها، قال تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [البقرة/ ١٦٤] .
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) [الطور] .
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف/ ٥٧] .
فالسحاب في الآية الأولى مفرد بدلالة الوصف (المسخّر) ، ومثله في الآية الثانية وأما الآية الثالثة ففيها شيء آخر، فقد وصف السحاب بصفة الجمع (الثقال) ، ثم عاد الضمير عليه في (سقناه) فعدّ مفردا.
وحقيقة الأمر أن «السحاب مفرد كسائر أسماء الجمع، كالنخل والشجر وغيرهما، ولكن هذه الأسماء ذات معان تؤدّي الجمع. على أن الشيء يكون مفردا مرةّ وجمعا أخرى باعتبار لفظه، وباعتبار معناه، وهذا من خصائص لغة التنزيل.
٥- وقال تعالى: وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) .
المحال والمماحلة سواء، وهما مصدر الفعل «ماحل» ، ويعنيان شدة المماكرة والمكايدة.
أقول: مصدر «فاعل» قياسي، فهو الفعال والمفاعلة، مثل سابق سباقا ومسابقة، ولكن قد يشيع بناء من هذين المصدرين ويكاد الآخر ينسى فلا يرد
стр. 1044
في نثر المعربين وشعرهم وكلامهم.
ألا ترى أنهم يقولون «نفاق» ولا يقولون: منافقة ويقولون: مجاراة ومباراة ولا يقولون: جراء وبراء، ويقولون مراسلة وملاعنة، وقلّما تجد رسالا ولعانا. وهذا كله من خصائص هذه اللغة العريقة.
٦- وقال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً [الآية ١٧] .
قالوا: معنى (جفاء) باطلا.
قال الفرّاء: أصله الهمزة، والجفاء، ما نفاه السّيل.
وجفأ الوادي: مسح غثاءه، وقيل:
الجفاء كما يقال الغثاء.
أقول: والجفاء بهذا المعنى من الكلم المفيد الذي حسن استعماله في لغة التنزيل.
٧- وقال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الآية ١٨] .
والمراد ب (الحسنى) الجزاء الحسن.
والحسنى ضدّ السّوأى، وهو مصدر كالنّعمى والبؤسى وغيرهما.
وقد يكون أصل هذا المصدر الصفة، فهو مؤنّث أحسن، مثل أعلى وعليا، وأقصى وقصيا، ثم حوّله الاستعمال الكثير الى المصدر كتحوّل العافية والعاقبة الى المصدر، وأصلهما اسم الفاعل.
وهذا كلّه من سعة هذه العربية التي تفنّن بها أهل اللّسن والفصاحة.
٨- وقال تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (٢٦) .
أقول: والمعنى: وما الحياة الدنيا في جنب نعيم الآخرة إلّا شيء يسير كعجالة الراكب، وهو ما يتعجّله من تميرات، أو شربة سويق، أو نحو ذلك «١» .
وقوله تعالى: فِي الْآخِرَةِ ضرب من الإيجاز الجميل، والمعنى كما أشرنا من قول الزمخشريّ.
ثم إنّ جعل الحياة الدنيا متاعا، إشارة الى أن نعيمها زائل، وأنها لا تدوم، وأنها تافهة قليلة الغناء كغلّة المتاع الذي يتزوّد به المسافر، وهو بلغة يتبلّغ بها مدة سفره. وما زال «المتاع» زاد الراكب والمسافر في عصرنا، وإن أخذ يزول بسبب من تقدّم
стр. 1045
الحضارة، وتهيؤ الوسائل المتقدّمة في السفر وما يتصل به.
ومن عجيب، أن مواد هذه الكلمة تدل على القلة ذلك أن «المتعة» (مثلّثة الميم) هي البلغة، ويقول الرجل لصاحبه، أبغني متعة أعيش بها، أي:
ابغ لي شيئا آكله، او زادا أتزوّد به، أو قوتا اقتاته.
٩- وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) .
قرئت: (طوبى لهم وحسن مآب) برفع (طوبى) ونصبها.
أقول: والنّصب على معنى الدّعاء.
وطوبى: مصدر كالبشرى والنّعمى ونحو ذلك، وقوله تعالى: طُوبى لَهُمْ، أي: أصبتم خيرا وطيبا على إرادة الدعاء. واستعمال اللام في لَهُمْ مؤذن بذلك كقولهم سلاما لك، كما تقول أيضا سلام لك، وكله دعاء.
١٠- وقال تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) . وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ، أي: أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ.
أقول: واستعمال (أمّ) وإضافتها للكتاب لتوليد هذا المعنى، أو قل هذا المصطلح يؤيّده ما درج عليه العرب من النظر الى كلمة (أمّ) ، التي أضافوها الى كلمات لا حصر لها لتوليد مسمّيات كثيرة، يأخذك العجب إذا ما أردت أن تعرف طرائق إدراكهم للأشياء، واختيار الكلم لذلك.
وحسبك أن تنظر في كتاب «المرصّع» لمجد الدين ابن الأثير «١» وهو في الآباء والأمهات والأبناء والذوات والذوين، لتدرك آفاق هذه اللغة البعيدة المرامي.
١١- وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الآية ٣١] .
قال الزمخشري «٢» في وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً جوابه محذوف، كما تقول
стр. 1046
لغلامك: لو أنّي قمت إليك، وتترك الجواب.
والمعنى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ عن مقارّها، وزعزعت عن مضاجعها، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ حتّى تتصدّع وتتزايل قطعا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف كما قال تعالى:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر/ ٢١] .
أقول: وهذا الأسلوب من حذف الجواب يخدم الغرض البلاغي، وهو أن يدع السامع يتفكّر في عظم ما يريد الله سبحانه أن يفعله.
أما قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا فالمراد بها: أفلم يعلم.
قيل: هي لغة قوم من النّخع.
وقيل: إنّما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمّنه معناه، لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنّه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمّن ذلك، قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم
ويدل عليه أنّ عليّا وابن عبّاس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا:
أفلم يتبيّن، وهو تفسير أَفَلَمْ يَيْأَسِ.
١٢- وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) .
وقوله تعالى: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أي: لا رادّ لحكمه، والمعقّب الذي يكرّ على الشيء فيبطله، وحقيقته:
الذي يعقبه أي: يقفّيه بالردّ والإبطال.
ومنه قيل لصاحب الحقّ: معقّب لأنه يقفّي غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد:
حتى تهجّر في الرّواح وهاجها ... طلب المعقّب حقّه المظلوم
والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس.
أقول: وهذه كلمة فنّيّة هي من أوائل ما عرف من المصطلح القضائي.
стр. 1047
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرّعد» «١»
قال تعالى: كُلٌّ يَجْرِي [الآية ٢] يعني كلّه كما تقول «كلّ منطلق» أي:
كلّهم.
وقال تعالى: رَواسِيَ [الآية ٣] فواحدتها «راسية» .
وقال تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الآية ٥] . وفي موضع آخر: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) [النمل] فالآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام والأول حرف، كما تقول «أيوم الجمعة زيد منطلق» . ومن أوقع استفهاما آخر جعل قوله تعالى:
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً [المؤمنون/ ٨٢، والصافّات/ ١٦ و ٥٣، وق/ ٣، والواقعة/ ٤٧] ظرفا لشيء مذكور قبله، ثم جعل هذا الذي استفهم عنه استفهاما آخر، وهذا بعيد. وإن شئت لم تجعل في (أإذا) استفهاما وجعلت الاستفهام في اللفظ على (أإنّا) ، كأنك قلت «يوم الجمعة أعبد الله منطلق» وأضمرت فيه. فهذا موضع قد ابتدأت فيه (إذا) وليس بكثير في الكلام. ولو قلت «اليوم إنّ عبد الله منطلق» لم يحسن وهو جائز. وقد قالت العرب «ما علمت إنّه لصالح» يريد: إنّه لصالح ما علمت.
وقال تعالى: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) فقوله سبحانه:
مُسْتَخْفٍ أي: ظاهر. و (السارب) :
المتواري.
стр. 1048
وأمّا (المعقّبات) في قوله تعالى:
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [الآية ١١] فإنما أنّثت لكثرة ذلك منها نحو «النّسابة» و «العلّامة» ، ثم ذكّر السياق لأن المعنى مذكّر، فقال تعالى:
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ «١» [الآية ١١] .
وقال تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) وبِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) [آل عمران، وغافر/ ٥٥] «٢» بجعل بِالْغُدُوِّ يدل على الغداة وإنما «الغدوّ» فعل. وكذلك (الإبكار) إنما هو من «أبكر» «إبكارا» .
والذين قالوا (الأبكار) «٣» احتجّوا بأنهم جمعوا «بكرا» على «أبكار» . و «بكر» لا تجمع لأنه اسم ليس بمتمكّن، وهو أيضا مصدر مثل «الإبكار» فأما الذين جمعوا فقالوا إنما جمعنا «بكرة» و «غدوة» . ومثل «البكرة» و «الغدوة» لا يجمع هكذا. لا تجيء «فعلة» و «أفعال» وانما تجيء «فعلة» و «فعل» .
وقال تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ [الآية ١٦] فهذه (أم) التي تكون منقطعة من أول الكلام.
وقال تعالى: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الآية ١٧] تقول: «أعطني قدر شبر» وقدر شبر» وتقول: «قدرت» و «أنا أقدر» «قدرا» فأما المثل ففيه «القدر» و «القدر» .
وقال تعالى: أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ [الآية ١٧] أي: «ومن ذلك الذي يوقدون عليه زبد مثل هذا» .
وقال تعالى: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الآية ٢٤] أي:
يقولون «سلام عليكم» .
وقال سبحانه: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) ف طُوبى في موضع رفع يدلّك على ذلك رفع وَحُسْنُ مَآبٍ وهو يجري مجرى «ويل لزيد» لأنك قد تضيفهما بغير لام تقول «طوباك» ، ولو لم تضفها لجرت مجرى «تعسا لزيد» . وإن قلت: «لك طوبى» لم
стр. 1049
يحسن، كما لا تقول: «لك ويل» .
وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ [الآية ٣٣] فهذا في المعنى «أفمن هو قائم على كلّ نفس مثل شركائهم» ، وحذف، فصار وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يدلّ عليه.
стр. 1050
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الرّعد» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) ولم يقل ومن هو سارب بالنهار، ليتناول معنى الاستواء المستخفي والسّارب، وإلّا فقد تناول واحدا هو مستخف وسارب: أي ظاهر، وليتناسب لفظ الجملة الأولى والثانية، فإنه قال في الجملة الأولى مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الآية ١٠] .
قلنا: قوله تعالى: وَسارِبٌ معطوف على وَمَنْ لا على مستخف، فيتناول معنى الاستواء اثنين. الثاني: أنه وإن كان معطوفا على مستخف، إلا أن (من) هنا في معنى التثنية كقوله:
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فكأن المعنى: سواء منكم اثنان:
مستخف بالليل، وسارب بالنهار.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (١٤) أي في ضياع وبطلان، والكفّار يدعون الله تعالى في وقت الشدائد والأهوال، ومشارفتهم الغرق في البحر، فيستجيب لهم؟
قلنا: المراد: وما عبادة الكافرين الأصنام إلّا في ضلال، ويعضده قوله تعالى قبله في الآية نفسها: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي يعبدون.
فإن قيل: كيف طابق قولهم كما ورد في التنزيل لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [يونس/ ٢٠] قوله سبحانه: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) .
стр. 1051
قلنا: هو كلام جرى مجرى التعجّب من قولهم، لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله (ص) لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية فإذا جحدوا آياته ولم يعتدّوا بها، وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعا يتعجّب منه فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشدّ تصميمكم على كفركم.
فإن قيل: كيف المطابقة بين قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الآية ٣٣] وقوله سبحانه بعد ذلك في الآية نفسها: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ.
قلنا: فيه محذوف تقديره: أفمن هو رقيب على كل نفس صالحة وطالحة، يعلم ما كسبت من خير وشر، ويعدّ لكل جزاء، كمن ليس كذلك وهو الصنم؟ ثم ابتدأ السياق بقوله تعالى:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ أو تقديره: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحّدوه وجعلوا له شركاء، أو التقدير: أفمن كان بهذه الصفة يغفل عن أهل مكّة وأقوالهم وأفعالهم، وجعلوا لله شركاء. فإن قيل: كيف اتصل قوله تعالى في الآية نفسها: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ بما قبله، وهو قوله تعالى وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الآية ٣٦] .
قلنا: هو جواب للمنكرين، معناه:
قل إنما أمرت فيما أنزل اليّ بأن أعبد الله ولا أشرك به. فإنكارهم لبعضه إنكار لعبادة الله تعالى وتوحيده، كذا أجاب به الزمخشري، وفيه نظر.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أثبت لهم مكرا، ثم نفاه عنهم، بقوله تعالى في الآية نفسها: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً [الآية ٤٢] ؟
قلنا: معناه أن مكر الماكرين مخلوق له، ولا يصير إلا بإرادته فبهذه الجهة، صحت إضافة مكرهم إليه سبحانه. الثاني: أنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة الى مكره، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون، فيعكس مكرهم عليهم، فإثباته لهم باعتبار الكسب، ونفيه عنهم باعتبار الخلق.
стр. 1052
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الرّعد» «١»
قوله تعالى: أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الآية ٥] . و (جديد) استعارة. لأن أصله هاهنا مأخوذ من الجدّ، وهو القطع.
يقال: قد جدّ الثوب، فهو جديد بمعنى مجدود. إذا قطع من منسجه، أو قطع لاستعمال لابسه. والمراد، والله أعلم، إنّا لفي خلق جديد، أي قد فرغ من استئنافه، وأعيد الى موضع ثوابه وعقابه، فصار كالثوب الذي قطع «٢» منسجه بعد الفراغ من عمله.
وقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الآية ٦] . وهذه استعارة. والمراد بها مضيّ المثلاث، وهي «العقوبات» للأمم السالفة من قبلهم، وتقدّمها أمامها. وقولهم:
خلت الدار. أي مضى سكانها عنها.
وخلوا هم. أي مضوا عن الدار وتركوها. وقولهم: القرون الخالية، أي الماضية.
والعقوبات على الحقيقة لم تمض «٣» ، وإنما مضى المعاقبون بها.
فكأنهم ذكّروا بالعقوبات الواقعة قبلهم، ليعتبروا بها.
وقوله سبحانه:
стр. 1053
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [الآية ٨] . وهذه استعارة عجيبة. لأن حقيقة الغيض إنما يوصف بها الماء دون غيره. يقال: غاض الماء وغضته «١» ، ولكن النطفة لمّا كانت تسمّى ماء، جاز أن توصف الأرحام بأنها تغيضها في قرارتها، وتشتمل على نفاعاتها «٢» . فيكون ما غاضته من ذلك الماء سببا لزيادة، بأن يصير مضغة، ثم علقة ثم خلقة مصوّرة. فذلك معنى قوله تعالى: وَما تَزْدادُ. وقيل أيضا: معنى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ.
أي ما تنقص بإسقاط العلق، وإخراج الخلق. ومعنى: وَما تَزْدادُ أي ما تلده لتمام، وتؤدي خلقه على كمال.
فيكون الغيض هاهنا عبارة عن النقصان، والازدياد عبارة عن التمام.
وقوله سبحانه: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الآية ١٣] . وهذه استعارة. لأن التسبيح في الأصل تنزيه الله سبحانه عن شبه المخلوقات، وتبرئته من مدانس الأعمال، وقبائح الأفعال. وهذا لا يتأتّى من الرعد، الذي هو إصكاك أجرام السحاب بعضها ببعض.
فالمراد، والله أعلم، أنّ أصوات الرعود تقوى بها الدلالة على عظيم قدرة الله سبحانه، وبعده عن شبه الخليقة المقدّرة، وصفات البرية المدبّرة. إذ كان الرعد كما قلنا إنما تغلظ أصواته، وتعظم هزّاته على حسب تعاظم صفحات السحاب الممتدّة، وتراكم الغيوم المطبقة. وهي مع هذه الأحوال، من ثقل أجرامها، وتكاثف غمامها معلّقة بمناطات الهواء الرقيق، لولا دعائم القدرة وسماكها، وعلائق الجبريّة ومساكها، لما حمل عشر معشارها، ولا استقل ببعض أجزائها.
ومن عجيب أحواله أنه أيضا مع ما ذكرنا من تثاقل أردافه، وتعاظل «٣» التفافه ينفشّ «٤» انفشاش الهباء
стр. 1054
المتداعي، والغثاء المتلاشي. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
ومعنى تسبيح الرعد بحمده سبحانه:
دلالته على أفعاله التي يستحق بها الحمد، كما يقول القائل: هذه الدار تنطق بفناء أهلها. أي تدل على ذلك بخلاء ربوعها، وتهدّم عروشها.
وقد يجوز أن يكون معنى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أن الرعد يضطر الناس الى تسبيح الله سبحانه عند سماعه، فحسن وصفه بالتسبيح لأجل ذلك، إذ كان هو السبب فيه. وهذا معروف في كلامهم.
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) . وهذه استعارة. لأن أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلّل. إمّا باللسان الناطق عن الجملة أو بآثار الصنعة وعجائب الخلقة. ثم نقل فصار اسما لهذا العمل المخصوص الذي هو من أركان الصلاة، لأنه يدل على تذلّل الساجد لخالقه، بتطامن شخصه، وانحناء ظهره. وقد ذكر في بعض الأخبار أن جدنا جعفر «١» بن محمد ﵉ سئل عن العلّة فيما كلف الله سبحانه من أعمال الصلاة وسائر العبادات، فقال: أراد الله سبحانه بذلك إذلال الجبّارين. فإذا تمهّد ما ذكرنا، كان في ذكر «الضلال» فائدة حسنة، وهو أن الظل الذي هو في سجود الشخص وهو غير قائم بنفسه، إذا ظهرت فيه أعلام الخضوع للخالق تعالى، بما فيه من دلائل الحكمة وعجائب الصنعة، كان ذلك أعجب من ظهور هذه الحال في البنية القائمة بنفسها، والمعروفة بشخصها.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) . وهذه استعارة.
والمراد بضرب الأمثال، والله أعلم، معنيان: أحدهما أن يكون تعالى أراد
стр. 1055
بضربها تسييرها في البلاد، وإدارتها على ألسنة الناس. من قولهم: ضرب فلان في الأرض. إذا توغّل فيها وأبعد في أقاصيها. ويقوم قوله تعالى:
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) مقام قوله ضرب بها في البلاد.
والمعنى الآخر في ضرب المثل، أن يكون المراد به نصبه للنّاس بالشهرة، لتستدل عليه خواطرهم، كما تستدل على الشيء المنصوب نواظرهم. وذلك مأخوذ من قولهم: ضربت الخباء إذا نصبته، وأثبت طنبه «١» ، وأقمت عمده، ويكون قوله سبحانه: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ [الآية ١٧] . الى هذا الوجه. أي ينصب منارهما، ويوضح أعلامهما، ليعرف المكلّفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه.
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الآية ٣٣] وهذه استعارة. والمراد به أنه تعالى محص على كل نفس ما كسبت، ليجازيها به. وشاهد ذلك قوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران/ ٧٥] . أي ما دمت له مطالبا، ولأمره مراعيا، لا تمهله للحيلة، ولا تنظره للغيلة «٢» .
وإذا لم يصح إطلاق صفة القيام على الله سبحانه حقيقة، فإن المراد بها قيام إحصائه على كل نفس بما كسبت، ليطالبها به، ويجازيها عنه بحسبه.
والقيام والدوام هاهنا بمعنى واحد.
والماء الدائم هو القائم الذي لا يجري.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [الآية ٤١] .
وهذه استعارة. وقد اختلف الناس في المراد بها، فقال قوم: معنى ذلك نقصان أرض المشركين، بفتحها على المسلمين. وقال آخرون: المراد بنقصانها موت أهلها، وقيل موت علمائها.
وعندي في ذلك قول آخر، وهو أن يكون المراد بنقص الأرض، والله