أن قصة يوسف (ع) من غيب الماضي الذي يوحيه إليه، وما كان يعلمه، وأن أكثر الناس لا يؤمنون بالقرآن، ولو حرص على إيمانهم لتعنّتهم، وأنه لا يسألهم عليه أجرا، حتّى يعرضوا عنه، وإنما هو تذكير للناس وعظة لهم ثم ذكر تعالى، أن هذا الإعراض شأنهم في آياته في السماوات والأرض، وأن أكثرهم لا يؤمن به إلّا وهم مشركون ثم أنكر عليهم، أنهم لا يحذرون أن يؤاخذهم على تعنّتهم، بغاشية من عذابه، أو تأتيهم الساعة بغتة، وهم لا يشعرون.
ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم، أن هذا سبيله يدعو إليه على بصيرة، هو ومن اتّبعه، ولا يأتيهم بما يقترحونه من الآيات على سبيل التعنّت، ثم ذكر سبحانه، أنه لم يرسل من قبله إلّا رجالا مثله، من أهل القرى، فلم يرسل ملائكة كما يقترحون، وأمرهم أن يسيروا في الأرض، لينظروا كيف كانت عاقبة المكذّبين قبلهم وذكر تعالى، أن دار الآخرة خير للمتقين، من دنياهم التي أعمتهم ثم ذكر جلّ شأنه أنه لم يهلك المكذبين قبلهم، إلا بعد أن استيأس الرسل، وظنّوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا به من هلاكهم، وأنّ نصره جاءهم بعد هذا، فنجّى من يشاء من المؤمنين، ولم يردّ أحد عذابه عن القوم المجرمين لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) .
стр. 982
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يوسف» «١»
أقول: وجه وضعها بعد سورة «هود» زيادة على الأوجه الستة السابقة، أن قوله تعالى في مطلعها: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [الآية ٣] مناسب لقوله سبحانه في مقطع تلك: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود/ ١٢٠] .
وأيضا فلما وقع في سورة هود:
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) . وقوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود/ ٧٣] .
ذكر هنا حال يعقوب مع أولاده، وحال ولده الذي هو من أهل البيت مع إخوته، فكان كالشرح، لإجمال ذلك.
وكذلك قال تعالى في سورة «يوسف» : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ [الآية ٦] . فكان ذلك كالمقترن بقوله تعالى في هود: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [الآية ٧٣] .
وقد روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن «يونس» نزلت، ثم «هود» ، ثم «يوسف» «٢» .
وهذا وجه آخر، من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث، لترتيبها في النزول هكذا.
стр. 983
المبحث الرابع مكنونات سورة «يوسف» «١»
١- أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [الآية ٤] .
هي الخرثان، وطارق، والذيال، والكتفان، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، كما ورد في حديث مرفوع أخرجه الحاكم في «مستدركه» «٢» .
٢- لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ [الآية ٨] .
قال قتادة: هو بنيامين، شقيقه.
أخرجه ابن أبي حاتم.
٣- قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [الآية ١٠] .
стр. 984
قال قتادة: كنا نحدّث أنه روبيل، وهو أكبر إخوته وهو ابن خالة يوسف «١» .
وقال السّدّي: هو يهوذا.
وقال مجاهد: هو شمعون. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
٤- غَيابَتِ الْجُبِّ [الآيتان ١٠ و ١٥] .
قال قتادة: بئر بيت المقدس.
وقال ابن زيد: بحذاء طبريّة «٢» ، بينه وبينها أميال.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وأخرج عن أبي بكر بن عيّاش: أنّ يوسف أقام في الجبّ ثلاثة أيّام.
٥- بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] .
قال ابن عباس: كان دم سخلة «٣» .
أخرجه ابن أبي حاتم «٤» .
٦- فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ [الآية ١٩] .
هو: مالك بن ذعر «٥» . ٧- وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ [الآية ٢١] .
قال ابن عبّاس: كان اسمه:
قطيفير «٦» .
وقال ابن إسحاق: أطيفير «٧» .
أخرجه ابن أبي حاتم.
٧- لِامْرَأَتِهِ [الآية ٢١] .
قال ابن إسحاق: اسمها راعيل بنت رعائيل. أخرجه ابن أبي حاتم.
وقيل: زليخا.
٨- وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها [الآية ٢٦] .
قال ابن عباس: صبيّ في المهد.
وقال مجاهد: ليس من الإنس، ولا من الجنّ، هو خلق من خلق الله.
وقال الحسن: رجل له فهم وعلم.
وقال زيد بن أسلم: كان ابن عمّ لها حكيما.
стр. 985
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وفي «العجائب» للكرماني: قيل: هو رجل من خاصة الملك، له رأي.
وقيل: هو زوجها.
وقيل: هو سنّور «١» في الدار «٢» .
٩- وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ [الآية ٣٦] .
قال ابن عباس: أحدهما، خازن الملك على طعامه، والآخر، ساقيه على شرابه. أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج عن مجاهد، وابن إسحاق:
أن اسم الأول، مجلث «٣» ، والساقي، نبو «٤» ، وفي «المسالك» لأبي عبيد البكري «٥» : أن اسم الأوّل: راشان، والثاني: مرطش.
وقيل: الأول: بشرهم، والثاني:
شرهم.
حكاه السّهيلي.
١٠- لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ [الآية ٤٢] .
هو السّاقي. قاله مجاهد، وغيره.
أخرجه ابن أبي حاتم «٦» .
١١- عِنْدَ رَبِّكَ [الآية ٤٢] .
قال مجاهد: أي الملك الأعظم:
الريّان بن الوليد. أخرجه ابن أبي حاتم.
١٢- فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) .
قال أنس بن مالك: سبع سنين «٧» .
стр. 986
وقال ابن عباس: اثنتي عشرة سنة.
وقال طاوس، والضّحّاك: أربع عشرة سنة. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وفي «العجائب» للكرماني: أنه لبث بكلّ حرف من قوله: (اذكرني عند ربّك) سنة.
١٣- وَقالَ الْمَلِكُ [الآية ٤٣] .
هو ريّان السابق «١» .
١٤- ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ [الآية ٥٩] .
قال قتادة: هو بنيامين. وهو المتكرّر «٢» في السورة.
١٥- فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [الآية ٧٧] .
وقال ابن عباس: يعنون يوسف.
أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ١٦- قالَ كَبِيرُهُمْ [الآية ٨٠] .
قال مجاهد: هو شمعون الذي تخلّف، أكبرهم عقلا.
وقال قتادة: هو روبيل، أكبرهم في السن. أخرج ذلك ابن أبي حاتم «٤» .
١٧- وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [الآية ٨٢] .
قال قتادة: هي مصر، أخرجه ابن أبي حاتم «٥» ، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
١٨- إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [الآية ٩٤] .
قال ابن عبّاس: وجدها من مسيرة ستّة أيّام.
وفي رواية عنه «٦» : ثمانية. وفي أخرى: عشرة. وفي أخرى: من مسيرة
стр. 987
ثمانين فرسخا. أخرج ذلك ابن أبي حاتم «١» .
١٩- الْبَشِيرُ [الآية ٩٦] .
قال مجاهد: هو ابنه يهوذا. أخرجه ابن جرير.
٢٠- سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [الآية ٩٨] .
قال ابن مسعود: أخّرهم إلى السّحر. أخرجه ابن أبي حاتم.
وفي حديث مرفوع: إلى ليلة الجمعة. أخرجه التّرمذي من حديث ابن عباس.
٢١- آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ [الآية ٩٩] .
هما أبوه، وأمه: راحيل. أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة. وأخرج عن السّدّي قال: خالته، واسمها: ليّا.
٢٢- هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [الآية ١٠٠] .
قال سلمان: كان بين رؤياه وتأويلها أربعون عاما.
وقال قتادة: خمسة وثلاثون عاما.
أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج عن الحسن: أن يوسف ألقي في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وعاش في العبودية والملك ثمانين سنة ثم جمع الله له شمله بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
٢٣- وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [الآية ١٠٠] .
قال عليّ بن أبي طلحة: من فلسطين. أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 988
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يوسف» «١»
١- قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [الآية ٣] .
قال الزمخشري:
القصص على وجهين: يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص، وتقول: قصّ الحديث يقصّه قصصا، كقولك شلّه يشلّه شللا، إذا طرده، ويكون «فعلا» بمعنى «مفعول» ، كالنّفض والحسب.
ونحوه النّبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به.
ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصّيد.
وإن أريد المصدر فمعناه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، والمقصوص محذوف لأنّ قوله تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ مغن عنه.
ويجوز أن ينتصب «هذا القرآن» ب «نقصّ» ، كأنه قيل: نحن نقصّ عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بايحائنا إليك.
والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتصّ في كتب الأوّلين، وفي كتب التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن؟
وإن أريد بالقصص المقصوص، فمعناه: نحن نقصّ عليك أحسن ما يقصّ من الأحاديث.
стр. 989
واشتقاق «القصص» من قولهم: قصّ أثره إذا أتبعه، لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه، شيئا فشيئا.
والقصّة الخبر، وهو القصص، وقصّ عليّ خبره، والخبر هو المقصوص.
والقصّة: الأمر والحديث، واقتصصت الحديث: رويته على وجهه.
والقصّ: البيان، والقصص الاسم.
والقاصّ: الذي يأتي بالقصّة على وجهها، كأنّه يتتبّع معانيها وألفاظها.
والقصص: جمع القصّة، (بالكسر) التي تكتب.
أقول: ولما كانت القصة الخبر، أو الأمر يقصه صاحبه أو يكتبه، توصّل المعربون في العصر العباسيّ إلى أن تكون القصّة لديهم ما يكتبه صاحب الحاجة، على رقعة يقدّمها إلى الخليفة، أو الأمير، أو صاحب المظالم وغيرهم من أولي الأمر، يطلب فيها حقا له اغتصب مثلا، أو ظلامة أخرى لحقته. وهذه الرقعة دعيت قصّة، فكان صاحب الأمر ينظر في جلسة خاصة، أو يوم مخصوص في القصص بين يديه، ويوقّع فيها الجواب.
ويحسن بنا أن نقول: إن المعاصرين قد اصطلحوا على القصّة الجديدة، فاتّخذوها مقابلا ل عند الإفرنج، وهي نمط أدبيّ شاع في عصرنا الحاضر، منذ أواخر القرن الماضي، تقليدا ومحاكاة لما عند الغربيين من هذا الفن.
وقد يقال: إنه كان للعرب حكايات ومقامات، فهل هي أصل هذا الفن الجديد؟ أو أن المعاصرين اتخذوها بداية يستوحون منها؟
الجواب: ليس شيئا من هذا اعتمده أهل هذا العصر، الذين يكتبون «القصة المعاصرة» .
وقد نشأت لديهم القصة القصيرة، وربما أقصر منها، أي: القصرى، والقصة الطويلة، أي: الرواية.
٢- وقال تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) .
وقوله تعالى: يا أَبَتِ قرئ بالحركات الثلاث.
ولنبسّط القول في هذه المسألة
стр. 990
اللغوية التاريخية، فنسرد أقوال المفسّرين، واللغويين الأقدمين، كما جاء بها الزّمخشري في «الكشاف» ، ثم نعقّب القول فيها، وما يبدو لنا من هذه المواد التاريخية.
قال الزمخشري «١» : التاء في «يا أبت» ، تاء تأنيث وقعت عوضا من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف.
فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكّر؟ قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة. فإن قلت:
فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟
قلت: لأن تاء التأنيث والإضافة يتناسبان، في أنّ كلّ واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.
فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء، وتبقى التاء ساكنة؟
قلت: امتنع ذلك فيها، لأنّها اسم، والأسماء حقّها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنّما جاز تسكين الياء، وأصلها أن تحرّك تخفيفا، لأنها حرف لين. وأما التاء، فحرف صحيح نحو كاف الضمير، فلزم تحريكها.
فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة، الجمع بين العوض والمعوّض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا يجوز «يا أبتي» لا يجوز «يا أبت» .
قلت: الياء والكسرة قبلهما شيئان، والتاء عوض من أحد الشيئين وهو الياء، والكسرة غير متعرّض لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلّا إذا جمع بين التاء والياء لا غير. ألا ترى إلى قولهم: «يا أبتا» مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعدّ ذلك جمعا بين العوض والمعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.
فإن قلت: فقد دلّت الكسرة في يا «غلام» على الإضافة، لأنّها قرينة الياء ولصيقتها.
فإن دلّت على مثل ذلك في: «يا أبت» ، فالتاء المعوّضة لغو، وجودها كعدمها. قلت: بل حالها مع التاء
стр. 991
كحالها مع الياء، إذا قلت: يا أبي. فإن قلت: فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمّها؟ قلت: أمّا من فتح فقد حذف الألف من «يا أبتا» ، واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ، ويجوز أن يقال: حرّكها بحركة الياء المعوّض منها في قولك: «يا أبي» .
وأمّا من ضمّ، فقد رأى اسما في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، فقال: «يا أبت» كما تقول: «يا تبّة» ، من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الإضافة.
أقول: هذا النمط من المعالجة يكثر عند اللغويين، حينما يعرضون لمسائل صرفية، فيرتكبون من الشطط ما يرتكبون، ويتعسّفون تعسفا في سبيل الوصول إلى ما يريدون.
قالوا: إنّ «التاء» في «يا أبت» عوض من ياء الإضافة في قولهم: «يا أبي» .
أقول: ولم كانت التاء وهي صوت ساكن في علم الأصوات، عوضا من صوت مصوّت هو الياء الليّنة الممدودة وطبيعة هذه، تختلف كل الاختلاف عن طبيعة تلك؟
وإذا كانت هذه التاء، كما زعموا، عوضا من ياء الإضافة، فهلّا قالوا في التاء في «ربّت» ، و «ثمّت» أنها عوض من صوت آخر هو الياء أو غيره؟ لم يقولوا شيئا من ذلك، وإنما أشاروا إلى زيادتها في تلك المواد.
وقالوا في التاء من «لات» في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) [ص] .
إنها تاء التأنيث، وقيل، للمبالغة، وقيل لهما جميعا «١» .
أقول: إذا كانت التاء للتأنيث فكيف تلزم الكسر؟ وما رأينا تاء للتأنيث تلزم الكسر. وتاء التأنيث يوقف عليها بالهاء، وقالوا إنّ «أبت» يوقف عليها فتكون التاء هاء، فهل وقف على هذه التاء فصارت هاء؟ لم يؤثر شيء من ذلك.
وماذا نقول في جواز فتحها وضمّها؟
ولم يؤثر عن بعضهم أنه قرأ بالفتح او
стр. 992
الضم. وإذا كسرت أو ضمّت فهل تكون للتأنيث؟ ولم نعرف لهذا الضرب من تاء التأنيث نظائر.
وإذا كان الأب مذكرا فما فائدة تاء التأنيث؟ وإذا قالوا لنا إن «أبت» مع التاء نظير: حمامة ذكر، ورجل ربعة، فالردّ عليهم أن التاء في «حمامة» هي للتأنيث، ولكنها وصفت بذكر لإبعاد التأنيث الحقيقي. أما التاء في «ربعة» ، فهي ليست تاء تأنيث وإن كان اللفظ مؤنثا، وهو كالتأنيث في «حمزة» ، و «عرفة» من أعلام الذكور، وعلى هذا فقولهم: إن «أبت» والتاء فيها مثل حمامة ذكر، ورجل ربعة، قول متهافت.
وأما قولهم: إن «يا أبت» هي مثل «يا أبي» ، ولكن الياء امتنعت، لأنّ التاء عوض منها، ولا يجتمع عوض ومعوّض منه.
قلت: إن التاء ليست عوضا، وأشرت إلى اختلاف الصوتين طبيعة ومخرجا وحيّزا، ولكني أقول الآن: إن الياء كأنها موجودة، اجتزئ منها بالكسرة، فلم تحذف. ومثل هذا قولنا: يا قوم ويا ربّ، فحذفنا الياء، أي: المدّ الطويل، واجتزأنا منه بالحركة القصيرة، التي هي شيء من الياء الليّنة، وهذا يعني أن «يا قوم» هي «يا قومي» وقصر المدّ يؤدّي غرضا صوتيا، هو تخفيف الطول.
إذن فكيف نقول الآن في «يا أبت» ، بعد أن بينّا ضعف الأقوال الصرفية، المتكلّفة التي يرفضها العلم اللغوي من نواح عدة.
أقول: إن «التاء» في «يا أبت» زيادة، وهذه الزيادة قد كانت من إحساس العربي القديم، أن الأسماء الثنائية أسماء ناقصة، فلا بد من أن تكون ثلاثية، ألا ترى أنهم في الجمع والنسب والتصغير جعلوا: «شفة» ، و «سنة» ، و «أب» ، و «أم» ، كلمات ثلاثية، فجاءوا بالواو تارة، وبالهاء تارة أخرى، فقالوا: سنوات، وسنهات، وسنويّ، وسنيّة، وشفويّ، وشفهيّ، وشفاه، وشفهية، وآباء، وأمّهات، وأبويّ، وأمويّ.
وإذا زيدت التاء في «أب» على هذا النحو في اللغة القديمة، فقد زيدت في «ربّ» ، و «ثمّ» ، و «ثمّ» ، على أنها صارت ثلاثية بالتضعيف. وإلى هنا، آمل أن تكون المسألة قد اكتسبت الإيضاح الكافي.
стр. 993
٣- وقال تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [الآية ٤] .
القول في «رأيت» ، أي: رأى في نومه حلما.
الفعل رأى في العربية، يكون رؤية ورأيا بالعين، ويكون رأيا بالعقل، بمعنى علم واعتقد، كقولهم: فلان يرى العقل خير سلاح، ويكون رأى رؤيا في النوم، كما في الآية. ويفرّق بينها في المصدر. كما بيّنا.
٤- وقال تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [الآية ٦] .
ما التأويل؟
التأويل في الآية هو «تأويل الأحاديث» ، والأحاديث الرؤيا، وتأويلها عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف (ع) أعبر للرؤيا وأصحّهم عبارة لها ويجوز أن يراد بتأويل الأحاديث معاني كتب الله وسنن الأنبياء.
وفي التنزيل: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ [الآية ١٠٠] ، أي: عبارتها.
وقال أهل اللغة: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلا وتأوّلته بمعنى.
وأمّا قول الله- : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف/ ٥٣] .
فقال أبو إسحاق: معناه، هل ينظرون إلّا ما يؤول إليه أمرهم من البعث.
وهذا التأويل هو قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران/ ٧] ، أي: لا يعلم متى يكون أمر البعث.
أقول: هذا هو التأويل في القرآن، فأين نحن منه الآن؟
التأويل في لغة عصرنا يعني التفسير والشرح بشيء خاص، وهذا الشيء الخاص قد يجعل للمسألة تفسيرين أو أكثر، وإن منها ما فيه افتئات على الحقيقة.
وكأن التأويل أحيانا في استعمال المعاصرين، ضرب من التحريف والتزوير المقبول على علّاته، ولم يفطن المعاصرون إلى أن «التأويل» ، هو الرجوع إلى «الأوّل» .
٥- وقال تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [الآية ٩] .
стр. 994
قوله تعالى: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي: يقبل عليكم إقبالة واحدة، لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد سلامة محبّته لهم، ممّن يشاركهم فيها وينازعهم إيّاها.
أقول: وهذا من مجازات القرآن البديعة، واستعمال الوجه وخلوّه، لمعنى الإقبال من كون الرجل يقبل بوجهه، وهو كقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن/ ٢٧] .
٦- وقال تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) .
المعنى: بعض السيارة، أي: بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق.
بالتاء على المعنى، لأن بعض السيّارة سيارة.
وقرئ: «تلتقطه» بالتاء على المعنى، لأن بعض السيارة سيارة.
أقول: وعلى هذا تكون «بعض» دالة على الجمع، وليس الواحد، كما ذهب غير واحد من أهل عصرنا.
ثم إن «السيارة» اسم جمع، وبناء «فعّالة» من أبنية الجمع القديم، كالبغّالة، والجمّالة، والحمّارة لأصحاب البغال والجمال والحمير، ومنه الرجّالة، والجلّابة، والميّارة.
أقول: وهذا بناء من أبنية الجمع القديم، ولا سيما لأصحاب الحرف كالطّحّانة، والدّهّانة، والصّبّاغة، وغيرهم، للعاملين في حرف الطحن للحبوب، والعاملين في بيع الدهان، والعاملين في الصباغة.
وما زال هذا الجمع واسع الاستعمال في العربية السائرة، كالسّمّاكة لباعة السّمك، والسفّانة للعاملين في السفن، والحصّانة لأصحاب الخيل، وغير ذلك كثير.
٧- وقال تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [الآية ١٧] .
والمعنى: وما أنت بمصدّق لنا.
أقول: وهذا غير بعيد من «المؤمن» ، وهو واحد المؤمنين، كالمؤمن بالله فهو مصدّق لله، مقرّ بحقيقته، وعدله، ووحدانيته، وسائر صفاته، جلّ شأنه.
٨- وقال تعالى: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] .
والمعنى: بدم ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب
стр. 995
وعينه، كما قالوا للكذّاب: هو الكذب بعينه والزّور بذاته «١» .
أقول: وقولهم: شاهد عدل، هو من هذا الباب، أي شاهد ذو عدل، أو من باب الوصف بالمصدر مبالغة، كما قلنا في الآية.
٩- وقال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [الآية ٢٢] .
أي: آتيناه حكمة وعلما.
ودلالة الحكم على الحكمة، ممّا أثبتته لغة التنزيل، وذلك لأن «الحكم» في غير لغة القرآن قد يفيد الحكمة، ولكنّه نادر كل النّدرة والغالب فيه مصدر الفعل «حكم» ، وهذا الفعل مشهور معروف في دلالته الكثيرة.
١٠- وقال تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [الآية ٢٣] .
المراودة: مفاعلة من «راد يرود» ، إذا جاء وذهب، كأنّ المعنى: خادعته عن نفسه، أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء، الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه، ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمّل، لمواقعته إيّاها.
أقول: وغلبت «المراودة» على محاولة خداع المرأة، لأجل النيل من شرفها وعفّتها، وذلك لأن المعربين لم يعرفوا استعمالات راود الأخرى، التي تبتعد عن هذه المحاولة الدنيئة، وهذا الضيق في المعنى من سمات لغة العصر.
ومن هذه الدلالات لهذا الفعل، قوله تعالى: قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) .
والمراودة هنا هي المخادعة أيضا، ولكنها لا تتصل بالاعتداء على العفة والشرف، كما رأينا في الآية: ٢٣.
والمراودة هنا في هذه الآية الأخيرة، هي ضرب من الاجتهاد والاحتيال، لانتزاع إخوة يوسف لأخيهم، الذي سأل عنه يوسف، وهو أخو يوسف وشقيقه «بنيامين» .
وقوله تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ قيل: كانت سبعة، ومن أجل كثرة الأبواب استعمل الفعل المضاعف، فالتضعيف يفيد الكثرة.
стр. 996
و «هيت» قرئ بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وبناؤه كبناء أين وعيط.
و «هيت» كجير. وهيت كحيث.
وهئت بمعنى تهيّأت، ويقال: هاء يهيء، مثل جاء يجيء: إذا تهيّأ.
وهيّئت لك.
وأما في الأصوات فللبيان، كأنه قيل: لك أقول هنا، كما تقول: هلمّ لك.
أقول: لعلّي أميل إلى تفسير من يقول هئت بمعنى تهيّأت، فهذا تفسير يؤيد ما نعرف من معاني الفعل «هيا» ، فهو يفيد «الكون» و «الوجود» كما في مادة «هيئة» في العربية، وهي بهذا المعنى في اللغة العبرانية، ومعنى «هئت» ، أي: كنت ووجدت أي: «ها أنا ذا» .
١١- وقال تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [الآية ٢٤] .
همّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه، قال:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيدا ولا همّا، أي ولا أكاد أن أفعله كيدا، ولا أهمّ بفعله همّا.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، أي: همّت بمخالطته، وَهَمَّ بِها أي وهمّ بدفعها عنه.
أقول: إن فعل الهمّ بالنسبة إلى امرأة العزيز في هذه الآية يعني القصد والعزيمة على فعل الشّرّ، ولعل انصراف «الهم» إلى القصد إلى الشر في هذه الآية، قد حمل الضيم على «الهمّ» في معناه العام، وهو القصد دون أن يعيّن مسراه، أشرّ أريد به أم خير. وهذا الانصراف لم يكن إلا لدى غير العارفين بمعاني العربية.
وفي اللغة المعاصرة، الكثير من هذا النوع الذي تنصرف فيه المادة اللغوية إلى شيء خاص لم يكن لها في الحقيقة، ألا ترى أن قول المعاصرين:
إن هذا الشيء ممتاز، يريدون به الجيد والغاية في الجودة، وهو في الحقيقة ممتاز بصفة أو بشيء، قد يكون حسنا وقد يكون غير حسن.
١٢- وقال تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ [الآية ٢٥] .
والمعنى: وتسابقا إلى الباب على
стр. 997
حذف الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف/ ١٥٥] على تضمين «استبقا» معنى «ابتدرا» .
أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة الفعل «استبق» ، أي: تسابق، والثاني هو المتداول المتعالم.
١٣- وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا [الآية ٣٠] .
قالوا: النّسوة اسم مفرد لجمع المرأة، وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللّمّة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث.
أقول: لا أرى أن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة، والذي أراه أنه جمع وهو على أبنية الجمع نظير نساء سواء بسواء.
وأما مسألة عدم لحوق تاء التأنيث للفعل، فهذا يتصل بلغة القرآن التي ورثت خصائص العربية. ومن خصائص العربية التاريخية، أنّ علامة التأنيث فيها لم تأخذ مكانها الثابت، ومن أجل إثبات هذه الحقيقة التاريخية، تعالوا معنا لنستقري كلمة «طائفة» في لغة التنزيل لنتبيّن لحوق تاء التأنيث وعدمه قال تعالى:
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [آل عمران/ ٦٩] .
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا [آل عمران/ ٧٢] .
فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء/ ١٠٢] .
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا [النساء/ ١٠٢] .
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ [الأعراف/ ٨٧] .
فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة/ ١٢٢] .
وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا [الأعراف/ ٨٧] .
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران/ ١٥٤] .
فأنت تجد أن التاء لحقت الفعل في آيات، وعرّي الفعل عنها في آيات أخرى، كما تجد آيات أخرى أسند الفعل فيها إلى ضمير الجمع المذكر وهو من غير شكّ، مراعاة للمعنى، على جهة التغليب للمذكر.
стр. 998
وإذا قرأنا قوله تعالى:
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات/ ٩] .
فالمراعاة في هذه الآية لجمع الذكور في قوله تعالى: اقْتَتَلُوا، ثم جاء قوله تعالى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فعاد ضمير الاثنين مراعاة للفظ المثنى، وهو «طائفتان» .
أقول: هذا كله من خصائص هذه اللغة الشريفة، التي سجّلت الكثير من خصائص هذه اللغة التاريخية.
١٤- وقال تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا [الآية ٣٠] .
قوله تعالى: شَغَفَها، أي خرق حبّه شغاف قلبها، حتى وصل إلى الفؤاد، والشّغاف حجاب القلب، قال قيس بن الخطيم:
إنّي لأهواك غير ذي كذب ... قد شفّ منّي الأحشاء والشّغف
وقال النابغة:
وقد حال همّ دون ذلك والج ... مكان الشّغاف تبتغيه الأصابع
وقرئ: شغفها بمعنى تيّمها، وشغفه الهوى إذا بلغ منه، وفلان مشغوف بفلانة، وقراءة الحسن: شعفها، بالعين المهملة، هو من قولهم: شعفت بها، كأنه ذهب بها كلّ مذهب.
وشعفه الحبّ: أحرق قلبه، وقيل:
أمرضه.
وقال الليث: وشعفة القلب: رأسه عند معلّق النّياط.
أقول: إذا كان الفعل بالغين المعجمة، فأصله من «شغاف القلب» أي: حجابه، وإذا كان بالعين المهملة، فأصله من «شعفة القلب» أي رأسه، وفي كلا الوجهين، برعت العربية في توليد الأفعال، ذات الدلالات المعنوية العقلية، من الأصول الحسّية.
١٥- وقال تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) .
قوله تعالى: بَدا لَهُمْ فاعله مضمر، لدلالة ما يفسّره عليه، وهو:
لَيَسْجُنُنَّهُ، والمعنى:
بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي فقالوا ليسجننّه، والضمير في «لهم» للعزيز وأهله.
ومن هذا قولهم: وبدا لي بداء، أي: تغيّر رأيي على ما كان عليه.
стр. 999
أقول: وليس من هذا قول المعاصرين: وبدا لي أن أفعل كذا وكذا، ويبدو لي أنّ الأمر كذا وكذا، فالفاعل فيها ظاهر، وهو المصدر من أن والفعل، وأن واسمها وخبرها.
١٦- وقال تعالى: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٣٨] .
قوله تعالى: ما كانَ لَنا أي: ما صحّ لنا معشر الأنبياء، أن نشرك بالله.
أقول: وهذا من معاني «كان» ، وقد مرّ بنا نظيره في آيات أخرى.
١٧- وقال تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [الآية ٤٠] .
قوله تعالى: ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي: ما أنزل الله بتسميتها من حجّة.
أقول: أساء المعاصرون استعمال هذه الآية، واقتباسها في مواطن يمتنع اقتباسها امتناعا مطلقا، فيقولون مثلا:
هذه أخبار ما أنزل الله بها من سلطان، أي: محض كذب وباطل.
والكذب والباطل لا يمكن بأي حال أن ينزل بها حجة من الله، وليس هذا كحال الأمم السالفة، التي أشار إليها الله في آياته، فقد كانوا يعبدون أصناما وأوثانا، ما أنزل الله بها حجّة، توجب عبادتها، فليس هذا مثل ذاك.
١٨- وقال تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ [الآية ٤٣] .
القول في هذه الآية على «البقرات والسنبلات واليابسات» فكلّها جمع مؤنث بالألف والتاء، وهذا الجمع من الجموع التي تنصرف إلى القلة في الغالب. أقول في الغالب، لأنه قد يأتي من الأسماء المؤنّثة وغيرها، ما لا يجمع إلّا بالألف والتاء، فلا يمكن في هذه الحالة أن ينصرف إلى القلة إلّا بقرينة كالعدد وغيره، فإذا قلنا مثلا:
حمامات، فهي جمع كثرة إلّا إذا قلنا:
سبع حمامات. أمّا الجموع في الآية، فهي للقلة من غير أن تكون مقيّدة بالعدد «سبع» ، ألا ترى الى قوله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [البقرة/ ٧٠] .
وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما [الأنعام/ ١٤٦] .
ولو أريد الكثرة أيضا لقيل «سنابل» ،
стр. 1000
إلّا أن تقيد «السنابل» بعدد كما جاء في الآية:
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة/ ٢٦١] .
١٩- وقال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) .
و: «تعبرون» للرؤيا.
قالوا: عبر الرؤيا يعبرها عبرا وعبارة، وعبرها: فسّرها، وأخبر ما يؤول إليه أمرها.
وعدّي الفعل باللام في الآية، كما في: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ [النمل/ ٧٢] . أي: ردفكم.
وقال الزجّاج: هذه اللام أدخلت على المفعول للتبيين، والمعنى إن كنتم تعبرون وعابرين، وتسمّى هذه اللام لام التعقيب، لأنّها عقّبت بالإضافة.
وقال الجوهري: أصل الفعل باللام، كما يقال: إن كنت للمال جامعا.
أقول: وجيء بهذه اللام، لأن المفعول قد تقدّم الفعل، وهذا يحسن في كل جملة، حصل فيها هذا التقديم، ألا ترى أنك تقول: إنّي للخبز آكل، وعلى هذا يكون ما قاله الجوهري سديدا ولعل اللام قد جيء بها، لأن المفعول معرّف بالألف واللام، وهذه اللام تقوّي المفعولية.
٢٠- وقال تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [الآية ٤٥] .
قرئ: وَادَّكَرَ بالدال.
قال الزمخشري، وهو الفصيح «١» .
وكان ينبغي أن يكون جواب الزمخشري: أن «ادّكر» بالدال هي القراءة المشهورة، والقراءة سنّة متّبعة، فقد تخرج عن المشهور الشائع من الأبنية والأقيسة.
وقال الزمخشري: إن أصل «اذّكر» هو «تذكّر» ، والصحيح أن الأصل هو «اذتكر» أي: أن الفعل «ذكر» قد بني على «افتعل» ، فيكون «اذتكر» ، فيبدل من التاء دالا، فيكون «اذدكر» ، كما تقول في «زحم» ازدحم. وقد يحصل الإدغام، أي: إدغام الذال في الدال، فيكون «اذّكر» ، كما تقول «ادّعى» ، والأصل «ادتعى» . فأما أن يدغم «الدال» الذي أصله التاء في الذال،
стр. 1001
ويكون «ادّكر» فهو شيء لا نعرفه إلّا في «ادّخر» ، والأصل «ذخر» .
وقوله تعالى: بَعْدَ أُمَّةٍ، أي: بعد مدّة طويلة، وكما تكون الأمّة قوما وتكون زمنا، ومثله القرن والجيل، وغير ذلك.
٢١- وقال تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .
قوله تعالى: يُغاثُ النَّاسُ من الغوث أو من الغيث، يقال غيثت البلاد إذا مطرت. هذا هو قول الزمخشري.
ولنبسط القول في هذه الكلمة المفيدة.
يقال: غاث الغيث الأرض:
أصابها، ويقال: غاثهم الله، وأصابهم غيث، وغاث الله البلاد يغيثها غيثا إذا أنزل بها الغيث.
ومنه الحديث: فادع الله يغيثنا (بفتح الياء) .
وغيثت الأرض، تغاث غيثا، فهي مغيثة ومغيوثة: أصابها الغيث. وغيث القوم: أصابهم الغيث.
قال الأصمعي: أخبرني أبو عمرو بن العلاء، قال: سمعت ذا الرّمة يقول:
قاتل الله أمة بني فلان، ما أفصحها! قلت لها: كيف كان المطر عندكم؟
فقالت: غثنا ما شئنا.
أقول: هذا هو معنى الغيث، وهو المطر يراد به الرحمة والخير والحياة، ومن هنا صارت العربية إلى الغوث ومنه الإغاثة، والغوث بمعنى النجدة والمعونة والمساعدة. وكأنّ التحوّل من الياء إلى الواو، وسيلة، لاستحداث معنى جديد، بينه وبين الأصل القديم وشيجة رحم. ألا ترى أن من هذا بين وبون، وعين وعون، وغير هذا.
أمّا قوله تعالى: يَعْصِرُونَ، فقد ذكر الزمخشري، أنهم يعصرون العنب والزيتون والسّمسم.
أقول: ومن قرأ «يعصرون» بالبناء إلى المفعول كانت قراءته وجيهة، وهو من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة. ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى ينجون، كأنّه قيل: يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي:
يغيثهم الله، ويغيث بعضهم بعضا.
وقيل: «يعصرون» يمطرون، من
стр. 1002
أعصرت السّحابة. وفيه وجهان: إمّا أن يضمّن أعصرت معنى مطرت، فيعدّى تعديته، وإما أن يقال: الأصل أعصرت عليهم، فحذف الجارّ، وأوصل الفعل.
أقول: وبين قوله تعالى: يُغاثُ، وقوله: يَعْصِرُونَ على الوجهين حسن مناسبة فيها إصابة للمعنى.
٢٢- وقال تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [الآية ٥١] .
وقوله تعالى: حَصْحَصَ الْحَقُّ أي:
ثبت واستقرّ.
٢٣- وقال تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [الآية ٥٣] .
قالوا في قوله تعالى: إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي، إلّا البعض الذي رحمه ربّي بالعصمة، كالملائكة.
ويجوز أن يكون «ما رحم» في معنى الزمن، أي: إلّا وقت رحمة ربي، يعني أن النفس أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان.
أقول: وهذا الوجه الأخير حسن، وهو أن يثبت أنه قد يلمح إلى وجه من وجوه استعمال «ما» ، هذا الوجه المبهم الذي يفيد الزمن. ٢٤- وقال تعالى: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) .
وقوله تعالى: مَكِينٌ أي: ذو مكانة.
وهذه من باب الاشتقاق من الاسم، فكلمة «مكان» هي الأصل الذي جاء منه هذا الوصف، وجاء منه جميع ما يتصل بهذه الكلمة من فعل واسم مثل:
مكن، ويمكن، وأمكن، وإمكان، ومكنة، ومكّن، وتمكين وغير ذلك.
أقول: إن «المكان» أصل في جميع ما يتصل بهذه المادة، لمنزلة «المكان» في العربية فكرا، وواقعا، وسلوكا.
ومن المفيد أن نشير إلى أن «المكان» جاء من «الكون» ، بمعنى الوجود والهيئة، ولمنزلته التي أخذها في تفكير العرب، صار أصلا لحاجات كثيرة.
٢٥- وقال تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ [الآية ٥٩] .
أقول: أراد الجهاز عدّة السفر من الزاد، وما يحتاج إليه المسافرون من الميرة. والجهاز بهذا المعنى غير معروف في العربية الفصيحة المعاصرة، ولكن شيئا منه معروف في عامية
стр. 1003
[بعض البلاد العربية] ، فهم يقولون:
جهاز العروس لما تزوّد به من أمتعة، وأثاث، ورياش، وملبس وغير ذلك، وكأن الكلمة أوشك أن يمحي ظلّها.
ولكننا في عصرنا نقول: الجهاز الإداري، والجهاز الفني في الحكومة وغير ذلك، وهذا كله من العربية الجديدة. على أن «الجهاز» بكسر الجيم من أسماء الأدوات والآلات في العصر الحديث، فالجديد من المخترعات الميكانيكية يسمى كله جهازا، وجمعه أجهزة.
وهذا مولّد جديد بني على «فعال» جريا على كثير من آلاتهم وأدواتهم.
٢٦- وقال تعالى: وَنَمِيرُ أَهْلَنا [الآية ٦٥] .
والميرة الطعام يمتاره الإنسان.
وجلب الطعام للبيع.
وقالوا: وهم يمتارون لأنفسهم، ويميرون غيرهم ميرا.
أقول: وقد ورث العراقيون أصولا عربية في العصر الحديث، ممّ استعمله الأتراك في الشؤون العسكرية، فكان في تنظيمات الجيش العراقي مديرية الميرة.
٢٧- وقال تعالى: قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ [الآية ٦٦] .
أقول: اجتزئ بكسرة النون عن الياء في «تؤتوني» ، وذلك أحفل في السماع في التلاوة المستجادة، من المدّ الطويل الذي يكون في الياء.
لقد مرت بنا نظائر لهذا الاجتزاء بالكسرة، وكان آخرها قوله تعالى:
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) .
ولكن السبب في هذا الاجتزاء بالكسرة، في هذه الآية، أنّها فاصلة، وآخر كلمة في الآية يحسن الوقف عليها، فتطوى الكسرة، ويبقى النون ساكنا.
ومثل هذا كثير في الوقف.
٢٨- وقال تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) .
قوله تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ معناه فلا تحزن ولا تستكن.
стр. 1004
ابتأس الرجل، إذا بلغه شيء يكرهه.
وليس بعيدا أن يكون الفعل ابتأس بهذه الدلالة، إذا كان البأس هو الشدة والعذاب والحرب، والبأساء كالبؤس أيضا.
٢٩- وقال تعالى: قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ [الآية ٧٢] .
قالوا: الصّواع هو السّقاية التي وردت في الآية التي قبلها في قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ. والسّقاية، هي المشربة التي كان يشرب منها الملك، ثم جعل صاعا في السنين الشّداد القحاط، يكال به الطعام.
وقرأ أبو هريرة: نفقد صاع الملك.
وقرأ يحيى بن يعمر: صوغ الملك.
وقرأ سعيد بن جبير: صواغ الملك.
أقول: والقراءة بالعين مرة وبالغين أخرى، دليل تعاقب الصوتين في طائفة من كلمات العربية، مسايرة للّغات الخاصة، وهو ما ندعوه ب «اللهجات» في عصرنا، وسيأتي من هذا الباب قراءات في آيات أخرى سنشير إليها.
стр. 1005
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يوسف» «١»
قال تعالى: إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [الآية ٥١] وقال بعض أهل العلم: «إنّهن راودنه لا امرأة الملك» ، وقد يجوز، وإن كانت واحدة أن تقول (راودتنّ) كما ورد في التنزيل: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران/ ١٧٣] ها هنا واحد، يعني بقوله تعالى لَكُمْ النبيّ (ص) «أبا سفيان» فيما ذكروا.
وقال تعالى: وَهَمَّ بِها [الآية ٢٤] ، فلم يكن همّ بالفاحشة، ولكن دون ذلك ممّا لا يقطع الولاية.
وقال تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الآية ٣] أي نَقُصُّ عَلَيْكَ [الآية ٣] بوحينا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [الآية ٣] «٢» بجعل (ما) اسما للفعل وجعل (أوحينا) صلة.
وقال تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) [الآية ٤] بتكرير الفعل وقد يستغنى بأحدهما. وهذا على لغة الذين قالوا «ضربت زيدا ضربته» ، وهو توكيد مثل قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) [الحجر وص/ ٧٣] .
وأمّا قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) فإن السياق لمّا جعلهم كمن يعقل في السجود والطواعية، جعلهم كالإنس في تذكيرهم، إذا
стр. 1006
جمعهم، كما في قوله تعالى عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] . وقال الشاعر [من الخفيف، وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين] :
صدّها منطق الدّجاج عن القصد ... وضرب الناقوس فاجتنبا
وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل/ ١٨] إذ تكلمت نملة فصارت كمن يعقل وقال سبحانه فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) [الأنبياء/ ٣٣ ويس/ ٤٠] لمّا جعلهم يطيعون، شبّههم بالإنس، مثل ذلك أيضا قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) [فصّلت/ ١١] على هذا القياس، بالتذكير، وليس مذكرا كما يذكر بعض المؤنث. وقال قوم: إنّما قال تعالى: طائِعِينَ لأنهما أتتا وما فيهما، فتوهّم بعضهم «مذكّرا» أو يكون كما قال سبحانه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [الآية ٨٢] وهو يريد أهلها. وكما تقول «صلى المسجد» وأنت تريد أهل المسجد، إلّا أنّك تحمل الفعل على الآخر، كما قالوا: «اجتمعت أهل اليمامة» وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصّلت/ ٣٧] لأنّ الجماعة، من غير الإنس مؤنثة. وقال بعضهم «للّذي خلق الآيات» ولا أراه قال ذلك، الا لجهله بالعربية. قال الشاعر «١» [من البسيط، وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين] :
إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته ... إلى الصّياح وهم قوم معازيل»
فجعل «الدجاج» قوما في جواز اللغة. وقال الآخر وهو يعني الذيب [من الطويل، وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين] :
وأنت امرؤ تعدو على كلّ غرّة ... فتخطئ فيها مرّة وتصيب
وقال الآخر [من الرجز، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين] :
стр. 1007
فصبّحت والطّير لم تكلّم ... جابية «١» طمّت بسيل مفعم «٢»
وقال تعالى: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [الآية ٥] أي: فيتّخذوا لك كيدا.
وليست مثل إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) .
بإيصال الفعل إليها باللام، كما يوصل ب «الى» ، كما تقول: «قدّمت له طعاما» تريد: «قدّمت إليه» . وقال تعالى يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ [الآية ٤٨] ومثله قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [يونس/ ٣٥] وإن شئت كان فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً في معنى «فيكيدوك» ، بجعل اللام مثل اللام في قوله تعالى لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف] وقوله سبحانه لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) إنّما هو: «لمكان ربّهم يرهبون» .
وقال تعالى: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ [الآية ٩] وليس الأرض هاهنا بظرف. ولكن حذف منها «في» ثم أعمل فيها الفعل، كما تقول «توجّهت مكّة» .
وقال تعالى: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [الآية ١٤] و «العصبة» و «العصابة» جماعة ليس لها واحد «٣» ك «القوم» و «الرّهط» .
وقال تعالى: بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] بجعل «الدّم» «كذبا» لأنه كذب فيه كما تقول «الليلة الهلال» فترفع، وكما قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة/ ١٦] «٤» .
وقال تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ [الآية ١٩] بالتذكير بعد التأنيث لأنّ «السيّارة» في المعنى للرجال «٥» .
وقال تعالى: مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي [الآية ٢٣] أي: أعوذ بالله معاذا. جعله بدلا من اللفظ بالفعل، لأنه مصدر، وإن كان غير مستعمل مثل «سبحان» ، وبعضهم يقول «معاذة الله» ، ويقول «ما
стр. 1008
أحسن معناة هذا الكلام» ، يريد المعنى.
وقال تعالى: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) أي «إلّا السجن أو عذاب أليم لأنّ أن» الخفيفة، وما عملت فيه، اسم بمنزلة «السّجن» .
وقال تعالى: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) [الآية ٣٢] فالوقف عليها (وليكونا) لأن النون الخفيفة إذا انفتح ما قبلها، فوقفت عليها، جعلتها ألفا ساكنة بمنزلة قولك «رأيت زيدا» ، ومثله قوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) [العلق] الوقف عليها لَنَسْفَعاً (١٥) .
وقال تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) بإدخال النون في هذا الموضع، لأن هذا موضع تقع فيه «أي» ، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه، دخلته النون، لأن النون تكون في الاستفهام، تقول «بدا لهم أيّهم يأخذون» أي استبان لهم.
وقال تعالى: وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) فإحدى الباءين لوصل الفعل الى الاسم، والاخرى دخلت ل «ما» وهي الأخيرة.
وقال تعالى وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [الآية ٤٥] وإنّما هي «افتعل» من «ذكر» فأصلها «اذتكر» ، ولكن اجتمعا في كلمة واحدة، ومخرجاهما متقاربان، وأرادوا ان يدغموا، والأول حرف مجهور، وإنما يدخل الاول في الآخر، والآخر مهموس، فكرهوا أن يذهب منه الجهر، فجعلوا في موضع التاء حرفا من موضعها مجهورا، وهو الدال لأن الحرف الذي قبلها مجهور. ولم يجعلوا الطاء، لأن الطاء مع الجهر مطبقة. وقد قرأ بعضهم (مذّكر) في سورة القمر «١» فأبدل التاء ذالا ثم أدخل الذال فيها. وقد قرئت هذه الآية (أن يصّلحا بينهما صلحا) [النساء/ ١٢٨] «٢»
стр. 1009
وهي «أن يفتعلا» من «الصلح» ، فكانت التاء بعد الصاد، فلم تدخل الصاد فيها للجهر والإطباق. فأبدلوا التاء صادا، وقرأ بعضهم (يصطلحا) وهي الجيدة لما لم يقدر على إدغام الصاد في التاء، حوّل في موضع التاء حرف مطبق.
وقال تعالى ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [الآية ٧٦] بالتأنيث، وقال تعالى وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [الآية ٧٢] لعودة الضمير الى «الصّواع» و «الصّواع» مذكّر، ومنهم من يؤنّث «الصّواع» «١» و «أريد» هاهنا «السّقاية» وهي مؤنثة.
وهما اسمان لواحد مثل «الثّوب» و «الملحفة» ، مذكّر ومؤنث لشيء واحد.
وقال تعالى خَلَصُوا نَجِيًّا [الآية ٨٠] بجعل «النجيّ» للجماعة مثل قولك: «هم لي صديق» .
وقال تعالى يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [الآية ٨٤] فإذا سكتّ، ألحقت في آخره الهاء، لأنّها مثل ألف الندبة.
وقال تعالى تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [الآية ٨٥] فزعموا أنّ (تفتأ) «تزال» فلذلك وقعت عليه اليمين، كأنهم قالوا: «والله لا تزال تذكر يوسف» .
وقال تعالى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الآية ٩٢] بعد الْيَوْمَ وقف ثم ورد الاستئناف «٢» بقوله تعالى: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [الآية ٩٢] فدعا لهم بالمغفرة مستأنفا.
وقال تعالى قالَ كَبِيرُهُمْ [الآية ٨٠] فزعموا أنه أكبرهم في العقل، لا في السّنّ.
وفي قوله تعالى عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [الآية ٨٣] أريد الذي تخلّف عنهم، معهما، وهو كبيرهم في العقل.
стр. 1010
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يوسف» «١»
إن قيل: لم قال تعالى إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الآية ٤] ولم يقل ثلاثة عشر كوكبا وهو أوجز وأخصر، والذي رآه كان أحد عشر كوكبا غير الشمس والقمر؟
قلنا: قصد عطفهما على الكواكب تخصيصا لهما بالذكر وتفضيلا لهما على سائر الكواكب، لما لهما من المزية والرتبة على الكل، ونظيره تأخير جبريل وميكائيل عن الملائكة ﵈، ثم عطفهما عليهم، إن قلنا إنهما غير مرادين بلفظ الملائكة، وكذا قوله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة/ ٢٣٨] إن قلنا إنها غير مرادة بلفظ الصلوات. فإن قيل: ما الحكمة في تكرار رأيت؟
قلنا: قال الزمخشري: ليس ذلك تكرارا، بل هو كلام مستأنف وضع جوابا لسؤال مقدر من يعقوب ﵇، كأنه قال له بعد قوله تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الآية ٤] كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها؟ فقال مجيبا له رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) وقال الزجّاج: إنما كرر الفعل تأكيدا لما طال الكلام كما في قوله تعالى وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) [الروم] وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وقال غيره، إنما كرره تفخيما للرؤية وتعظيما لها.
فإن قيل: لم أجريت مجرى العقلاء في قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ وفي قوله
стр. 1011
ساجِدِينَ (٤) وأصله رأيتها ساجدة؟
قلنا: لمّا وصفها بما هو من صفات من يعقل، وهو السجود أجرى عليها حكمه، كأنها عاقلة، وهذا شائع في كلامهم أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة المقارنة، ونظيره قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا [النمل/ ١٨] وقوله تعالى في وصف السماء والأرض قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) [فصّلت] .
فإن قيل: لم قال تعالى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [الآية ١٢] وكانوا عاقلين بالغين، وأنبياء أيضا في قول البعض، وكيف رضي يعقوب ﵇ لهم بذلك؟
قلنا: على قراءة الياء لا إشكال، لأن يوسف ﵇ كان يومئذ دون البلوغ فلا يحرم عليه اللعب، وعلى قراءة النون نقول كان لعبهم المسابقة والمناضلة، ليعوّدوا أنفسهم الشجاعة لقتال الأعداء لا للهو، وذلك جائز بالشرع، ويعضد هذا قولهم كما ورد في التنزيل إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [الآية ١٧] وإنّما سموه لعبا لأنه في صورة اللعب. ويرد على أصل السؤال أن يقال: كيف يتورّعون عن اللعب وهم قد فعلوا ما هو أعظم حرمة من اللعب، وأشدّ، وهو إلقاء أخيهم في الجبّ على قصد القتل.
فإن قيل: لم اعتذر إليهم يعقوب ﵇ بعذرين أحدهما إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [الآية ١٣] لأنه كان لا يصبر عنه ساعة واحدة، والثاني خوفه عليه من الذئب، فأجابوه عن أحد العذرين دون الآخر؟
قلنا: حبه إيّاه، وإيثاره له، وعدم صبره على مفارقته، هو الذي كان يغيظهم ويؤلمهم، فأضربوا عنه صفحا، ولم يجيبوا عنه.
فإن قيل: لم قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ [الآية ١٥] وهو يومئذ لم يكن بالغا، والوحي إنما يكون بعد الأربعين؟
قلنا: المراد به وحي الإلهام، لا وحي الرسالة الذي هو مخصوص بما بعد الأربعين ونظيره قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص/ ٧] وقوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ ٦٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى وَلَمَّا بَلَغَ
стр. 1012
أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[الآية ٢٢] وقال في حق موسى ﵇ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [القصص/ ١٤] .
قلنا: المراد ببلوغ الأشدّ دون الأربعين سنة على اختلاف مقداره، والمراد بالاستواء بلوغ الأربعين أو الستين، وكان إيتاء كل واحد منهما، الحكم والعلم، في ذلك الزمان، فأخبر عنه كما وقع.
فإن قيل: لم وحّد الباب في قوله تعالى وَاسْتَبَقَا الْبابَ [الآية ٢٥] بعد جمعه في قوله وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [الآية ٢٣] .
قلنا: لأن إغلاق الباب للاحتياط، لا يتم إلّا بإغلاق أبواب الدار جميعها، سواء أكانت كلها في جدار الدار أو لا، وأمّا هربه منها إلى الباب، فلا يكون إلا إلى باب واحد، إن كانت كلها في جدار الدار، ولأن خروجه في وقت هربه، لا يتصور إلا من باب واحد منها، وإن كان بعض الأبواب داخل بعض، فإنه أول ما يقصد الباب الأدنى لقربه، ولأن الخروج من الباب الأوسط والباب الأقصى، موقوف على الخروج من الباب الأدنى، فلذلك وحّد الباب.
فإن قيل: لم قال تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها [الآية ٢٦] ولم يكن قوله شهادة؟
قلنا: لمّا أدى معنى الشهادة في ثبوت قول يوسف ﵇، وبطلان قولها، سمي شهادة، فالمراد بقوله شَهِدَ: أعلم، وبيّن، وحكم.
فإن قيل: قدّ قميصه من دبر يدلّ على أنها كاذبة، وأنها هي التي تبعته، وجذبت قميصه من خلفه فقدّته، وأما قدّه من قبل، فكيف يدل على أنها صادقة «١» ؟
قلنا: يدل من وجهين: أحدهما أنه إذا طالبها وهي تدفعه عن نفسها بيدها أو برجلها، فإنها تقد قميصه من قبل بالدفع. الثاني: أنه يسرع خلفها وهي هاربة منه، فيعثر في مقادم قميصه فيشقه. ويرد على الوجه الثاني أنه مشترك الدلالة من جهة العثار الذي هو نتيجة الإسراع، لأنه يحتمل أن يكون
стр. 1013
إسراعا في الهرب منها، وهي خلفه فيعثر، فينقدّ قميصه من قبل.
فإن قيل: لم قال تعالى وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ [الآية ٣١] وإنما يقال خرجت إلى السوق، وطرقت عليه الباب فخرج إليّ؟
قلنا: إذا كان الخروج بقهر وغلبة، أو بجمال وزينة، أو بآية وأمر عظيم، فإنما يعدّى ب «على» ، ومنه قولهم خرج علينا في السفر قطاع الطريق، وقوله تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص/ ٧٩] وقوله تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ [مريم/ ١١] .
فإن قيل: كيف شبّهن يوسف ﵇ بالملك، فقلن كما ورد في التنزيل ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) وهنّ ما رأين الملائكة قط؟
قلنا: إن كن ما رأين الملائكة، فقد سمعن وصفها. الثاني: أن الله تعالى قد ركز في الطباع حسن الملائكة، كما ركز فيها قبح الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن بالملك، وكل متناه في القبح بالشيطان.
فإن قيل: لم ورد على لسان يوسف ﵇ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وترك الشيء، إنما يكون بعد ملابسته والكون فيه، يقال ترك فلان شرب الخمر، وأكل الربا، ونحو ذلك إذا كان فيه ثم أقلع عنه، ويوسف ﵇ لم يكن على ملّة الكفّار قطّ؟
قلنا: الترك نوعان: ترك بعد الملابسة ويسمى ترك انتقال، وترك قبل الملابسة ويسمى ترك إعراض، كقوله تعالى في قصة موسى ﵇ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف/ ١٢٧] وموسى ﵇ ما لابس عبادة فرعون ولا عبادة آلهته في وقت من الأوقات، وما نحن فيه من النوع الثاني، وسيأتي نظير هذا السؤال في سورة الأعراف في قوله تعالى أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) [الأعراف/ ٨٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية ٤٠] فسّر الأمر بالنهي، أو بما جزء منه النهي، وهما ضدّان؟
قلنا: فيه إضمار أمر آخر، تقديره أمر اقتضى أن لا تعبدوا إلا إياه، وهو
стр. 1014
كقوله تعالى فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
(٥٦) [العنكبوت] فإنه باعتبار تقديم المفعول في معنى الحصر كما قال في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة] . الثاني أن فيه إضمار نهي تقديره: أمر ونهي، ثم فسر الأمرين بقوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية ٤٠] .
الثالث: أن قوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا وإن كان مضادا للأمر من حيث اللفظ، فهو مرافق له من حيث المعنى، فلم قلتم إن تفسير الشيء بما يضاده صورة، ويوافقه معنى، غير جائز بيان موافقته معنى، من وجهين: أحدهما أن النهي عن الشيء أمر بضده، وعبادة الله ضد لا عبادة الله. الثاني أن معنى مجموع قوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أعبدوه وحده، فيكون تفسيرا للأمر المطلق.
فإن قيل: الأنبياء ﵈، أعظم الناس زهدا في الدنيا، ورغبة في الآخرة، فلم ورد على لسان يوسف ﵇ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ [الآية ٥٥] طلب أن يكون معتمدا على الخزائن، متولّيا لها، وهو من أكبر مناصب الدنيا؟ قلنا: إنما طلب ذلك ليتوصّل به إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق، وبسط العدل، ونحوه، ممّا يبعث له الأنبياء، ولعلمه أن أحدا غيره، لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء لوجه الله تعالى، وسعيا لمنافع العباد ومصالحهم لهم، لا لحبّ الملك والدنيا، ونظيره قوله تعالى وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف/ ١٨٨] يعني لو كنت أعلم أي وقت يكون القحط، لادّخرت لزمن القحط طعاما كثيرا، لا للحرص، لكن لأتمكّن من إعانة الضعفاء والفقراء، وقت الضرورة والمضايقة، ويحتمل أن يكون علم تعيّنه بذلك العمل، فكان طلبه واجبا عليه.
فإن قيل: كيف جاز ليوسف ﵇ كما ورد في التنزيل أن يأمر المؤذّن أن يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) وذلك بهتان وتسريق بالصواع لمن لم يسرقه، وتكذيب للبريء، واتهام من لم يسرق بأنّه سرق؟
قلنا: قوله تعالى إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) تورية عمّا جرى منهم مجرى السرقة، وتصوّر بصورتها، من
стр. 1015
فعلهم بيوسف ما فعلوه أو لا. الثاني:
أن ذلك القول كان من المؤذّن بغير أمر يوسف ﵇، كذا قاله بعض المفسرين.
الثالث: أنّ حكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية، التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب ﵇ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص/ ٤٤] وقول إبراهيم ﵇ في حق زوجه هي أختي لتسلم من يد الكافر، وما أشبه ذلك.
فإن قيل: لم تأسّف يعقوب ﵇ على يوسف دون أخيه بقوله يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [الآية ٨٤] والرّزء الأحدث أشدّ على النفس وأعظم أثرا؟
قلنا: إنما يكون أشدّ إذا تساوت المصيبتان في العظم ولم يتساويا هنا، بل فقد يوسف كان أعظم عليه وأشدّ من فقدان أخيه فإنما خصّه بالذكر، ليدلّ على أنّ الرّزء فيه مع تقادم عهده، ما زال غضّا طريّا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ [الآية ٨٤] والحزن لا يحدث بياض العين لا طبّا ولا عرفا؟
قلنا: قال ابن عباس: أي من البكاء، لأن الحزن سبب البكاء، فأطلق اسم السبب وأراد به المسبّب، وكثرة البكاء، قد تحدث بياضا في العين يغشى السواد، وهكذا حدث ليعقوب ﵇، وقيل إذا كثرت الدموع محقت سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر.
فإن قيل: لم قال يعقوب ﵇ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) مع أن من المؤمنين من ييأس من روح الله، أي من فرجه وتنفيسه، أو من رحمته على اختلاف القولين، إمّا لشدّة مصيبته، أو لكثرة ذنوبه، كما جاء في الحديث في قصة الذي أمر أهله، إذا مات أن يحرقوه ويذروا رماده في البر والبحر، ففعلوا به ذلك، ثم إن الله غفر له، كما جاء مشروحا في الحديث المشهور، وهو من الصحاح، مع أنه يئس من رحمة الله تعالى، وضم إلى يأسه ذنبا آخر وهو اعتقاده أنه إذا أحرق وذري رماده لا يقدر الله على إحيائه وتعذيبه، ومع هذا كله يغفر له، فدلّ على أنه لم يمت كافرا؟
قلنا: إنّما ييأس من روح الله الكافر لا المسلم عملا بظاهر الآية، وكل
стр. 1016
مؤمن يتحقّق منه اليأس من روح الله، فهو كافر في الحال، حتى يعود إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله وأمّا الرجل المغفور له في الحديث، فلا نسلّم أنه لم يكفر، ثم إن الله تعالى لمّا أحياه في الدنيا، عاد إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله تعالى، فلذلك غفر له، وقد يكون قد عاد إلى رجاء روح الله تعالى، قبل موتته الأولى، ولم يتسع له الزمان أن يرجع عن وصيته التي أوصى بها أهله، فمات مسلما فلذلك غفر له.
فإن قيل: في قوله تعالى وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [الآية ١٠٠] كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله تعالى؟
قلنا: لعله كان السجود عندهم تحية وتكرمة كالقيام والمصافحة عندنا.
وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن بوضع الجبهة على الأرض، إلا أن قوله تعالى وَخَرُّوا يأبى ذلك، لأنّ الخرور عبارة عن السقوط، ولا يرد عليه قوله تعالى وَخَرَّ راكِعاً [ص/ ٢٤] لأنهم قالوا أراد به ساجدا، فعبّر عن السجود بالركوع، كما عبر عن الصلاة في قوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) [البقرة] أي صلّوا مع المصلين. وقيل له: أي لأجله، فاللام للسببية لا لتعدية السجود إلى يوسف ﵇، فالمعنى وخرّوا لأجل يوسف سجّدا لله تعالى، شكرا على جمع شملهم به، وقيل الضمير في له، يعود إلى الله تعالى، وهذا الوجه يدفعه قوله تعالى يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [الآية ١٠٠] .
فإن قيل: لم ذكر يوسف ﵇ نعمة الله تعالى في إخراجه من السجن، فقال كما ورد في التنزيل وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [الآية ١٠٠] ولم يذكر نعمته عليه في إخراجه من الجبّ وهو أعظم نعمة، لأن وقوعه في الجبّ كان أعظم خطرا؟
قلنا: إنما ذكر هذه النعمة دون تلك النعمة، لوجوه: أحدها: أنّ محنة السجن ومصيبته، كانت أعظم لطول مدتها، فإنه لبث فيه بضع سنين، وما لبث في الجبّ إلّا مدّة يسيرة. الثاني:
أنه إنما لم يذكر الجب، كي لا يكون في ذكره توبيخ وتقريع لإخوته، عند قوله لهم كما ورد في التنزيل لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الآية ٩٢] .
الثالث: أن خروجه من السجن،
стр. 1017
كان مقدمة لملكه وعزه، فذلك ذكره، وخروجه من الجبّ، كان مقدمة الذل والرق والأسر، فلذلك لم يذكره.
الرابع: أن مصيبة السجن، كانت أعظم عنده، لمصاحبة الأوباش والأراذل وأعداء الدين بخلاف مصيبة الجب، فإنه كان مؤنسه فيه جبريل وغيره من الملائكة ﵈.
فإن قيل: لم قال تعالى على لسان يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً [الآية ١٠١] وهو يعلم أنّ كلّ نبيّ لا يموت إلّا مسلما؟
قلنا: يجوز أن يكون دعا بذلك، في حالة غلبة الخوف عليه، غلبة أذهلته عن ذلك العلم، في تلك الساعة.
الثاني: أنه دعا بذلك، مع علمه، إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة، في طلب سعادة الخاتمة، وتعليما للأمّة، وطلبا للثواب.
فإن قلنا: كيف يجتمع الإيمان والشرك، وهما ضدّان، حتى قال تعالى وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ؟
قلنا: معناه وما يؤمن أكثرهم، بأن الله تعالى خالقه ورازقه وخالق السماوات والأرض، قولا إلّا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا. الثاني، أن المراد بها المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولا، ويشركون بقلوبهم اعتقادا.
الثالث أن المراد بها تلبية العرب، كانوا يقولون: لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك فكانوا يؤمنون بأوّل تلبيتهم بنفي الشريك، ويشركون بآخرها بإثباته.
فإن قيل: هذه التلبية، توحيد كلها ولا شرك فيها، لأن معنى قولهم إلّا شريكا هو لك: إلا شريكا هو مملوك لك، موصوفا بأنك تملكه، وتملك ما ملك، واللام هنا للملك، لا لعلاقة الشركة وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون حقيقيّا، ويحتمل أن يكون مجازيّا بيان الأول، أنّا إن قلنا إن اللام حقيقة في المعنى العام في مواردها، وهو الاختصاص، يكون قولهم: لا شريك لك، عامّا في نفي كلّ شريك، يضاف إلى الله تعالى بجهة اختصاص ما، فيدخل في النفي من جهة لفظ الشريك المضاف بجهة المملوكية، وهو شريك زيد وعمرو ونحوهما، ثم يقع عليه الاستثناء، فيكون استثناء حقيقيا وإن قلنا إنها مشتركة بين المعاني الثلاثة الموجودة
стр. 1018
في موارد استعمالها، وهي الملك والاستحقاق، ويقال الاختصاص، فقولهم: لا شريك لك يكون عامّا أيضا، عند من يجوّز حمل المشترك على مفهومه في حالة واحدة، فيكون الاستثناء أيضا حقيقيا كما مر وأما على قول من لا يجوّز ذلك يكون النفي واردا على أحد مفهوماته، وهو علاقة الشركة، فيكون الاستثناء بعده مجازيّا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو نوع من أنواع البلاغة مذكور في علم البيان، وشاهده قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
معناه: إن كان هذا عيبا ففيهم عيب، وهذا ليس بعيب فلا يكون فيهم عيب، فكذا هنا معناه: إن كان الشريك المملوك لك، يصلح شريكا فلك شريك، وهو لا يصلح شريكا لك، فلا يكون لك شريك، لأن كلّ ما يدعي أنه شريك لك، فهو مملوك لك، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم/ ٢٨] . قلنا: على الوجه الأول إنه ليس بصحيح، لأنه لو جعلنا اللام حقيقة في المعنى العام وهو الاختصاص، يلزم منه الكفر حيث وجد نفي الشريك من غير استثناء، لأنه يلزم منه نفي ملكه تعالى، شريك زيد وعمر ونحوهما، وهو كفر، واللازم منتف، لأنه إيمان محض بلا خلاف.
فإن قيل: إنّما لم يكن كفرا مع عمومه، لأن الحقيقة العرفية عند عدم الاستثناء، نفي كل شريك يضاف إلى الله تعالى بعلاقة الشريك، لا نفي كل شريك، يضاف إليه بجهة ما، فصارت الحقيقة اللغوية مهجورة بالحقيقة العرفية، عند عدم الاستثناء، والجواب عن أصل السؤال، أنه سؤال حسن محقق، وأن هذه التلبية توحيد محض على التقديرين، فإن صح النقل أن النبي ﵊ نهى عنها، فإنما نهى عنها لأنها توهم إثبات الشريك، لمقتضى الاستثناء عند قاصري النظر، وهم عوام الناس، فلهذه المفسدة نهى عنها.
стр. 1019
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يوسف» «١»
قوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) . وهذه استعارة، لأنّ الكواكب والشمس والقمر ممّا لا يعقل، فكان الوجه أن يقال. ساجدة.
ولكنها لما أطلق عليها فعل من يعقل، جاز أن توصف بصفة من يعقل، لأن السجود من فعل العقلاء. وهذا كقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) [النمل] ، فلما كانت النمل في هذا القول، مأمورة أمر من يعقل، جرى الخطاب عليها جريه على من يعقل. مثل ذلك قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصّلت/ ٢١] ، لأنها لمّا شهدت عليهم شهادة العقلاء المخاطبين، أجروا- كما في هذا الخطاب- مجرى العقلاء المخاطبين.
ومن الشاهد على ذلك قول عبدة بن الطبيب:
إذ أشرف الدّيك يدعو بعض أسرته ... لدى الصّباح وهم قوم معازيل «٢»
стр. 1020
فلما جعله بمنزلة الداعي جعل الديكة بمنزلة القوم المدعوّين، وجعلهم أسرة له وأسرة الرجل قومه ورهطه. والمعازيل الذين لا سلاح معهم. فكأنه جعله مستنصرا من لا نصرة له، ولا غناء عنده. وقريب من ذلك قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) [الشعراء] على أحد القولين. فكأنّ السياق، ردّ خاضعين إلى أصحاب الأعناق، لا إلى الأعناق، لأن الخضوع منهم يكون على الحقيقة.
وقد يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى في ذكر الكواكب والشمس والقمر:
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) إنما حسن على تأويل تلك الرؤيا. وتأويلها يتناول من يعقل من إخوة يوسف وأبويه.
فجرى الوصف على تأويل الرؤيا، ومصير العقبى. وهذا موضع حسن، ولم يمض لي كما تقدم.
وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] وهذه استعارة.
لأن الدم لا يوصف بالكذب على الحقيقة. والمراد بذلك- والله أعلم- بدم مكذوب فيه، والتقدير بدم ذي كذب.
وإنما يوصف الدم بالمصدر الذي هو (كذب) على طريق المبالغة. لأن الدعوى التي علقت بذلك الدم، كانت غاية في الكذب.
وقال بعضهم: قد يجوز أيضا أن يكون «كذب» هاهنا، صفة لقول محذوف يدلّ عليه الحال. فكأنّ التقدير: وجاءوا على قميصه بدم، وجاءوا بقول كذب، إذ كانت إشارتهم إلى آثار الدم في القميص، قد صحبها قول منهم يؤكد تلك الحال، وهو قولهم: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [الآية ١٧] . والقول الأول أصوب. ومن غرائب التفسير ما روي عن أبي عمرو بن العلاء «١» أنه قال: سمعت