← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعلاقة أحدهما بالآخر، وتعيين الحد بينهما، ولم أجد في كتب التفسير شيئا من هذا العلم اللغوي، الذي يبحث في دقائق الفروق. وقد ورد «الشكّ» في خمس عشرة آية في سور مختلفة، جاء في ست منها موصوفا بالوصف «مريب» كما أشرنا. و «الشكّ» نقيض اليقين، فاليقين ثبوت العلم، أما الشكّ فهو نقيضه. وكأنه حال من التردد بعيد عن الاستقرار. والذي أراه أنه أضعف من «الريب» ، ولو لم يكن ذلك لما وصف «الشكّ» في ست آيات ب «مريب» ، منها قوله تعالى: وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) [إبراهيم] . ويدلنا هذا على أن «الشك» قد ورد في تسع آيات أخرى غير موصوف بهذا الوصف، ويبدوا أنها تعني اليقين الثابت، كقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] . إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: ١٠٤] . قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] . بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) [النمل] . إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [سبأ: ٢١] . أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) [ص] . فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤] . بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) [الدخان] . ألا ترى أن كلمة «الشكّ» في هذه الآيات التسع تعني التردد وعدم اليقين، وهي أضعف في دلالتها على المعنى من «الشكّ» موصوفا «بمريب» في الآيات الست التي أشرنا إلى بعض منها؟ إن «الشكّ» قد ورد في سورة يونس، الآية ٩٤، في أسلوب الشرط وهو من أساليب الإنشاء. وأساليب الإنشاء في جملتها لا تحتمل الصدق

стр. 107

والكذب، بخلاف أسلوب الخبر الذي يحتملهما. وعندي أن استعمال «الشكّ» في الآيات التسع، قد ورد إمّا في حشو جملة الشرط، وإما بعد «بل» للإضراب، وإما في حشو جملة الاستفهام، وإما في جملة توحي بالتردّد وعدم الاستقرار، كما في قوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [سبأ: ٢١] . وقوله تعالى أيضا: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) [الدخان] . وقوله تعالى: فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤] . وعلى هذا كان استعمال الريب ألزم وأوجب لما يقتضي المقام أن تستعمل فيه، ولا يمكن أن يحل «الشكّ» محلّه. ألا ترى أن قوله تعالى: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [الكهف: ٢١] . تقرير حق وبيان وعلم بأمر محقق، وهذا يؤذن ألا يستعمل فيه ما قد يفهم منه الضعف والتردّد، فاستبعدت كلمة «الشكّ» واستعملت كلمة «الريب» ، ولا يمكن أن تؤدي الاولى ما تؤديه الثانية. ومثل هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: ٥] . وقوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) [الحج] . وقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [السجدة] . وقوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى: ٧] . وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية: ٢٦] . ألا ترى أن قيام الساعة، والبعث، ويوم القيامة، ويوم الجمع حق لا مراء فيه، فإثباته وبيانه يتطلب أن تؤدي الألفاظ هذه الحال المقتضاة، فكان ان استعمل «الريب» ، ولم يستعمل «الشك» . تلكم لغة التنزيل في تخير اللفظ، وأحكام الأداء، وإصابة دقائق المعاني. ٢- قال تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) .

стр. 108

أقول استعمال «المدّ» في هذه الآية استعمال لطيف دقيق، فهو غير «المدّ» المعروف بمعنى البسط، وهو استعمال خاص بهذه اللغة الشريفة. قال الزمخشري «الكشاف ١: ٦٧» : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الآية ١٥] : من مدّ الجيش وأمدّه إذا زاده، وألحق به ما يقوّيه ويكثّره. وكذلك مدّ الدواة وأمدّها: زادها ما يصلحها. ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومدّه الشيطان في الغيّ وأمدّه: إذا وأصله بالوساوس حتى يتلاحق غيّه انهماكا فيه. فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المدّ في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت: كفاك دليلا على أنه من المدد دون المدّ، قراءة ابن كثير وابن محيصن: (ويمدّهم) ، وقراءة نافع: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له. فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى الى قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [الأعراف: ٢٠٢] ؟ قلت: إما أن يحمل على أنهم لمّا منعهم الله ألطافه التي يمنحها للمؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددا. وأسند إليه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بسبب كفرهم. وإما على منع القسر والإلجاء، وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، والتخلية بينه وبين إغواء عباده. فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان في الإمهال، وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين، ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام. وفي قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) . العمه: مثل العمى. قال الزمخشري: «الكشّاف ١: ٦٩» ، «والعمه مثل العمى، إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي

стр. 109

خاصة، وهو التحيّر والتردّد، لا يدري أين يتوجّه. ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي: الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضا عمهاء أي: لا منار بها» . انتهى كلام الزمخشري. أقول: العمى والعمه متقاربان كلّ التقارب في الدلالة وبينهما فرق ما بين العامّ والخاص. اللغة: الذي أراه أن مادة المعنى في هاتين الكلمتين العين والميم، ثم يأتي الصوت الثالث ليعيّن المعنى، فيدلّ بالفتح في «العمى» على المعنى العام، ويدلّ بالهاء في «العمه» على المعنى الخاص. قلت: بالفتح، وذلك أن الفتح بعد الميم في «العمى» وليس فوق الميم، هو صوت ثالث، فلما أطلق قليلا قليلا ولّد ما اصطلح عليه الألف المقصورة، وحقيقته فتحة لها طول معين يتجاوز الفتحة المألوفة، وهو صوت ثالث في هذه الكلمة كالصوت الصامت في «العمه» وهو الهاء. ٣- قال تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [الآية ٢٠] . أقول: أراد- جلّ وعلا- في قوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ كلما أضاء البرق لهم مشوا في ضوئه. وهذا المعنى يدفعنا أن نقول في لغتنا العربية المعاصرة: «إن هذه المسألة في ضوء العلم الحديث مقبولة» وليس: على ضوء العلم الحديث. أقول: والذي دفع المعربين في عصرنا إلى استعمال: «على ضوء العلم» هو التأثر باللغات الغربية ولا سيما الفرنسية والإنكليزية. ٤- لن: قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) . قال الزمخشري: في «الكشّاف ١: ١٨١» : فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ قلت: «لا» و «لن» أختان في نفي المستقبل، إلّا أنّ في «لن» توكيدا وتشديدا، تقول لصاحبك: لا أقيم غدا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم

стр. 110

غدا كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم. وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه، أصلها «لا أن» ، وعند الفرّاء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل حرف مقتضب لتأكيد نفي المستقبل. أقول: ويبدوا لي أنّ قول الفرّاء أوجه، وإن أصلها «لا» وهذا يعني أن التنوين عرض لها. وعلى هذا ألا يصح أن نقول: إنّ «إذا» أو «إذن» جاءت من «إذا» ، وإنّ «من» الموصولة أو الشرطية هي من «ما» ، ثم كان الاختصاص بعد ذلك في الاستعمال، بعد أن غبر عليها الزمان. ٥- قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [الآية ٣١] . قال الزمخشري: «في الكشّاف ١: ١٢٦» : وعلّم آدم مسمّيات الأسماء. ثم عرضهم، أي: عرض المسمّيات. أقول: ذهب المفسرون إلى هذا التأويل بسبب الضمير «هم» ، الذي يعود إلى جماعة العاقلين، والأسماء حقّها أن يكون الضمير العائد عليها هو «ها» للتأنيث، فيكون الفعل «عرضها» . أقول أيضا: لعل هذا الاختصاص في الضمائر في الاستعمال لم يكن واضحا وضوحا كافيا في الحقب البعيدة من تاريخ العربية. وجاء في «الكشّاف» : وقرأ عبد الله: عرضهن، وقرأ أبيّ: عرضها. ٦- قال تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) . قال الزمخشري: الباء التي في «الباطل» إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء، خلطته به، كان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه. أقول: كأن الأصوات الصامتة الساكنة التي ندعوها في كتب العربية القديمة «الحروف الصّحاح» هي مادة المعاني في الألفاظ، ثم تأتي الأصوات الصائتة التي دعيت «أحرف العلة» ،

стр. 111

ويتبعها «الحركات» التي هي بعضها أو جنسها، لتخص هذه المعاني بخصوصيات مفيدة. ألا ترى أن «لبس، يلبس» بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع تعني الخلط، وأنها غير «لبس، يلبس» بكسر ففتح فهذه من اللّباس. وإن مصدر الاولى «اللّبس» بفتح اللام، ومصدر الثانية «اللّبس» بضمها؟ أقول: كان على اللغويين، وأصحاب المعجمات أن يستشهدوا بالآية للدلالة على معنى «الخلط» في ترجمة «لبس» . ٧- قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) . قوله جل شأنه: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، أي فدية. أقول: وانصراف «العدل» إلى الفدية شيء من الكلم الإسلامي، الذي عرفناه في لغة القرآن. ٨- عثو: قال تعالى وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) . جاء في كتب اللغة: قال ابن سيده: عثا عثوّا وعثي عثوّا: أفسد أشدّ الإفساد. وقال: وقد ذكرت هذه الكلمة في المعتل بالياء على غير هذه الصيغة من الفعل، وقال في الموضع الذي ذكره: عثي في الأرض عثيّا وعثيّا وعثيانا، وعثى يعثى عن كراع وهو نادر، كل ذلك أفسد. وقال كراع: عثى يعثى مقلوب من عاث يعيث، فكان يجب على هذا يعثي إلّا أنه نادر، والوجه عثي في الأرض يعثى. وقرأ القرّاء كلهم: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) بفتح الثاء من عثي يعثى عثوّا، وهو أشدّ الفساد، وفيه لغتان أخريان لم يقرأ بواحدة منهما: إحداهما عثا يعثو، قال ذلك الأخفش وغيره، ولو جازت القراءة بهذه اللغة، لقرئ: «ولا تعثوا» ولكن القراءة سنّة ولا يقرأ إلّا بما قرأ القرّاء به. واللغة الثانية: عاث يعيث. قال الأزهري: واللغة الجيّدة عثي يعثى، لأنّ يفعل لا يكون إلّا فيما ثانيه وثالثه أحد حروف الحلق.

стр. 112

أقول: وهذه اللغة التي قرأ بها عامة القرّاء وَلا تَعْثَوْا، لم تبق في العربية المعاصرة، بل بقي مقلوبها وهو عاث يعيث. ومن المفيد أن أشير إلى أنّ بين الأجوف والناقص تبادلا في الصيغ، يتبين في طائفة من الأفعال منها: رأى وراء، وأنى وآن، وعثا وعاث وغير ذلك. ٩- قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) . أقول: عقّب الله- جل وعلا- على القتل الذي عبّر عنه بسفك الدماء بالإجلاء عن الديار. وهذا يعني أن العدوان بالإجلاء يأتي بعد اقتراف القتل في قسوته وفظاعته. ١٠- قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) . أقول: إن لغة الحوار تستدعي استحضار الأحوال الماضية، وهذا يسوّغ بل يوجب استعمال صيغة الفعل الحاضر في سياق الماضي، فجاء في الآية: نؤمن، فلم تقتلون أنبياء الله، وقد عبّر عنه أهل العلم من المتقدمين بقولهم: حكاية حال ماضية. ١١- قال تعالى: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً [الآية ١٢٨] . إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) . وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) . أقول: المراد بمادة «أسلم» في هذه الآيات الخضوع والإذعان، وقوله تعالى: مُسْلِمَيْنِ لَكَ مخلصين لك وجهينا، وهو من قوله تعالى: أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ. أي: أخلص وجهه وأذعن وخضع. ومن هنا كانت كلمة «الإسلام» بمصطلحها المعلوم مشيرة إلى أن «المسلم» من أسلم وجهه لربه، وخضع وأذعن وأطاع. ١٢- قال تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) .

стр. 113

قال الزمخشري في «الكشّاف ١: ١٩٦» : صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد منتصب على قوله آمَنَّا بِاللَّهِ «١» ، وهي فعلة من «صبغ» ، كالجلسة من «جلس» ، وهي الحالة التي يقع فيها الصبغ. والمعنى: تطهير الله، لأنّ الإيمان يطهّر النفوس. والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمّونه المعمودية، ويقولون هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيا حقّا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنّا بالله، وصبغنا الله بالإيمان صبغة، لا مثل صبغتنا، وطهّرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا. أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته، ولم نصبغ صبغتكم. وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة، كما تقول: لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرم. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً يعني أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهّرهم من أو ضار الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته. أقول: لقد احتملت كلمة «الصبغة» هذا المعنى الاصطلاحي، وهو التطهير حتى صرنا نجدها في مصطلح غير المسلمين، بمعنى التطهير والتقديس، فالصبّاغ مثلا في عربية صابئة اليوم، هو الذي يقوم بعمل الصبغ، أي: التطهير بصب الماء على من يريد التطهّر، برسوم معرفة لدى الصابئة. ١٣- وقال تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [الآية ١٤٨] . الجهة (بكسر الجيم) والوجهة والوجهة (بكسر الواو وضمّها) واحد. والذي جاء في لغة التنزيل: «الوجهة» بكسر الواو، والذي درجت عليه العربية أن فاء الكلمة إذا كان مكسورا حذف في الغالب في المصادر نحو: «عدة» و «سنة» بكسر عين الكلمة إشارة للواو المكسورة التي حذفت، وقد تحذف الواو وهي مفتوحة إذا كانت فاء الكلمة نادرا نحو «سعة» و «ضعة» ، وقد يكون الفتح على السين والضاد بسبب العين الصوت الثالث في الكلمة.

стр. 114

هذه ملاحظات وليست قواعد لأننا نعرف أن في العربية كثيرا من الكلم تبدأ بواو مكسورة فلا تحذف الواو ولا تبدل نحو وصال ووفاق. ولكننا نجد وجاه ووجاه قد تحوّلت الى تجاه وتجاه، ووراث إلى تراث، ووصاد إلى إصاد، وغير هذا ممّا اشتملت عليه فرائد العربية. وإبدال الواو «ياء» بسبب كسر ما قبله، لا يقتصر على كون الواو فاء الكلمة، فقد تبدل الواو ياء في المصادر للأفعال الجوف نحو: الصّون مصدر «صان» ، ولكنك تقول الصّيان والصّيانة، والقوم مصدر «قام» ، ولكنك تقول القيام والقيامة. وقد تجد الاسم من هذه المصادر بالواو مع كسرة ما قبله نحو الصّوان للشيء الذي يصان به، ولك أن تقول الصّوان بالضم، كما تقول «القوام» بالكسر، وقوام الأمر نظامه ونصابه وملاكه. وتقول في المصادر على «فعلة» بالكسر غيلة من الفعل «غال يغول» كما تقول «طيلة» و «ميتة» وغير ذلك. ١٤- قال تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [الآية ١٨٧] . والمعنى: تظلمون أنفسكم وتنقصونها حظّها من الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة «الكشاف ١: ٢٣٠» . أقول: لقد تعقّبت الفعل «اختان» ، وهو «افتعل» من «خان» ، فلم أحظ به في غير الآية الكريمة المشار إليها. وليس لنا في العربية المعاصرة غير الفعل المجرد «خان» . غير أن المزيد «اختان» جاء ليؤدي فائدة خاصة، تنأى به عن معنى الفعل المجرد. ١٥- قال تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [الآية ١٩١] . قوله حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ في الآية يعني: حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم. والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه رجل ثقف، أي سريع الأخذ لأقرانه، قال: فإمّا تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود أقول: وهذا المعنى في مادة «ثقف» لا نعرفه في العربية المعاصرة، وذلك أن «الثقافة» بمعناها المعاصر غلبت على الكلمة، حتى نسي الناس أنّ الأصل فيها للثقاف، وهو الآلة التي

стр. 115

تعضّ الرماح وتقبضها لتقويمها، والثقف هو القبض والضبط. ١٦- قال تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [الآية ١٩٦] . قال الزمخشري (الكشاف ١: ٢٣٩- ٢٤٠) : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقال: أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف، أو مرض أو عجز. قال الله تعالى: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٣] . وحصر إذا حبسه عدوّ عن المضيّ، أو سجن، ومنه قيل للمحبس: الحصير وللملك الحصير لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء، مثل: صدّه وأصدّه، وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، كل منع عنده من عدو كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار. فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي: فما تيسّر منه. والهدي ما أهدي إلى مكّة من النّعم، وقرئ: (حتّى يبلغ الهديّ محلّه) بالتخفيف والتشديد الواحدة هدية وهديّة. ثم أطلق الهدي أو الهديّ على جميع الإبل، وإن لم تكن هديا تسمية للشيء ببعضه. وقال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [الآية ١٩٦] النسك: شاة. وعن كعب بن عجرة أن رسول ا (ص) قال له: «لعلّك آذاك هو امّك» ؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» . والنّسك مصدر، وقيل: جمع نسيكة. وقرأ الحسن: أو نسك بالتخفيف. ١٧- قال تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [الآية ٢٢٦] قال الزمخشري في «الكشاف ١: ٢٦٨» : «قرأ عبد الله: آلوا من نسائهم. وقرأ ابن عباس: يقسمون من نسائهم: فإن قلت كيف عدّي ب «من» ، وهو معدّى ب «على» ؟ قلت: قد ضمّن في هذا القسم

стр. 116

المخصوص معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين. ويجوز أن يراد لهم: (من نسائهم تربّص أربعة أشهر) كقوله: لي منك كذا. والإيلاء من المرأة أن يقول: «والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا، على التقييد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق» . أقول: هذا هو معنى «الإيلاء» في الآية، وأصله القسم. وجاء في كتب اللغة: والألوة، والألوة، والألوة، والأليّة على فعيلة، والأليّا كله اليمين، والجمع ألايا. قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الأليّة برّت رواه ابن خالويه: قليل الإلاء، يريد الإيلاء فحذف الياء، والفعل آلى يؤلي إيلاء: حلف، وتألّى يتألّى تألّيا وأتلى يأتلي ائتلاء. وفي التنزيل العزيز: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ [النور ٢٢] . وقال أبو عبيد: «لا يأتل» هو من ألوت. أي: قصّرت. وقال الفرّاء: الائتلاء: الحلف. وقرأ بعض أهل المدينة: ولا يتألّ، وهي مخالفة للكتاب من تألّ، وهي مخالفة للكتاب من تألّيت، وذلك أن أبا بكر- ﵁ حلف أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة وقرابته الذين ذكروا عائشة، فأنزل الله- هذه الآية، وعاد أبو بكر إلى الإنفاق عليهم. وقد تألّيت وأتليت وآليت على الشيء وآليته، على حذف الحرف: أقسمت. أقول: ولم يبق من هذا الفعل في العربية المعاصرة إلا قول المعربين: فلان لا يألو جهدا، أي لا يقصّر، وهو معنى آخر عرفته العربية في عصورها المتتابعة، وليس هذا موطن الشاهد في [الآية ٢٢٦] . كما بقي قولهم: آليت على أن أقوم بما يجب عليّ بمعنى عزمت وأقسمت. ومما يجب أن نلاحظه أن هذا الاستعمال الأخير لا يرد في اللغة المعاصرة إلّا فعلا ما ضيا ليس غير.

стр. 117

١٨- قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [الآية ٢٢٨] . البعولة: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة. ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر، من قولك: بعل حسن البعولة. يعني: وأهل بعولتهن. أقول: وردت «فعولة» من أبنية التكسير فيما كان مفردة «فعل» بالفتح فالسكون نحو الحزونة، والسهولة، والفحولة، والخيوطة، جموع حزن، وسهل، وفحل، وخيط. ولقد جرت العامية الحضرية في العراق على شيء من هذا، نحو سير للجلد يقال في جمعه: «سيورة» ، وفي «مهر» يقولون: «مهورة» . فائدة : من أسلوب القرآن في الحفاظ على نظام الجمل في حدودها، وأقسامها، وتساوق بعضها مع بعض، أن الآية قد تأتي غير كاملة، فيما يتطلبه المعنى لغرض من الوفاء بنظام هذه الجملة القرآنية، لتأتي منسجمة مع سائر الجمل في الآيات قبلها وبعدها، ومن ذلك قوله تعالى: ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) «١» . أقول: إن نهاية الآية كان يمكن أن تنتهي عند قوله تعالى: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ من الآية التالية ٢٢٠، وهي تكملة لقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى بيد أن من حكمته تعالى أن يحافظ على النظام البديع في نظم جرى على هذا. وأنت إذا أردت أن تستوفي هذه النماذج التي تتصل بلغة القرآن ونظامها وبنائها، وجدت الشيء الكثير. ألا ترى أنّ في قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) . عناية ما بعدها عناية لما توافر لهذا الأسلوب الحكيم البليغ من النظم البديع، متمثّلا في الكسر في كلمة (الداع) ، والاستعاضة عن الكسر الطويل بكسر قصير؟ فليس هذا شيئا يتصل برسم القرآن، وهو مما درج عليه القائلون في

стр. 118

أنه «خط المصحف» . إن كلمة (الداع) كان ينبغي أن تكون «الداعي» بالياء الطويلة، وهو شيء متطلب صحيح واجب، واستبعاد هذه الحركة الطويلة يخدم البناء القرآني في جعل هذه الكلمة «الداع» ، بالحركة القصيرة منسجمة مع الحركة التي تليها في «إذا» وهي الكسرة القصيرة. وليس شيء من الاقتصار على القول ب «رسم المصحف» ، أن تأتي الكلمة «دعان» بالنون متلوّة بحركة قصيرة هي الكسرة القصيرة، وكان حقّها الحركة الطويلة فترسم ياء «دعاني» . إن ذلك ليخدم هذا البناء البديع فيتهيّأ منه، أن تكون «وقفة» على (دعان) ، فيحسن بهذا الوقف النظم والبناء، ولا يتم هذا الحسن لو كان الوقف على «دعاني» بالياء. ١٩- قال تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (٢٣١) . قال الزمخشري «في الكشاف ١: ٢٧٧» : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً كان الرجل يطلّق المرأة، ويتركها حتى يقرب انقضاء عدّتها، ثم يراجعها لا عن حاجة، ولكن ليطوّل العدّة عليها، فهو الإمساك ضرارا. أقول: لقد حفلت لغة القرآن بالمصطلح الحضاري العلمي، ولعل التجربة اللغوية في توفير المصطلح تتمثل بجلاء في العربية القرآنية الشريفة، التي برهنت أن العربية لغة الفكر في شتّى صوره. إن «الإمساك ضرارا» في مسألة الطلاق من الكلم الفني ذي الدلالة الاجتماعية في هذه اللغة العريقة القديمة. ٢٠- قال تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [الآية ٢٣٢] . روي أن الآية نزلت في معقل بن يسار، حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول. وقيل: في جابر بن عبد الله، حين عضل بنت عمّ له، والوجه أن يكون خطابا له. كذا ذكر الزمخشري. والعضل: الحبس والتضييق. ومنه: عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، وأنشد لا بن هرمة:

стр. 119

وإن قصائدي لك فاصطنعني ... عقائل قد عضلن عن النكاح وجاء في «لسان العرب» في الكلام على هذه الآية (عضل) : أن العضل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يضارّها ولا يحسن عشرتها، ليضطرّها بذلك إلى الافتداء بمهرها الذي أمهرها، سمّاه الله تعالى عضلا، لأنه يمنعها حقّها من النفقة، وحسن العشرة، كما أن الوليّ إذا منع حرمته من التزويج، فقد منعها الحق الذي أبيح لها من النكاح إذا دعيت إلى كفء لها. أقول: و «العضل» بهذا المعنى شيء له خصوصية دلالية خاصة أشارت إليه الآية. وهذه الخصوصية أكسبت اللفظ دلالة الاصطلاح الإسلامي الذي عرف من الآية الكريمة. ٢١- وقال تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [الآية ٢٣٦] . قوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً معناه إلّا أن تفرضوا لهنّ فريضة، أو حتى تفرضوا. وفرض الفريضة تسمية المهر. أقول: و «الفريضة» بهذا الاستعمال كلمة مفيدة، يصح أن نجد لها مكانا في العربية المعاصرة، فكثيرا ما تستعمل في عصرنا الفعل: «عيّن» فيقال: عيّن له مكافأة أو معونة أو شيئا مثل هذا. ٢٢- وقال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [الآية ٢٣٩] . قوله: فَرِجالًا، أي: فصلّوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام. وقرئ: فرجالا بضمّ الراء، ورجالا بالتشديد، ورجلا. أقول: و «الرجال» : جمع راجل، ومثله «قيام» : جمع قائم وغير ذلك، وقد يتّضح هذا من قوله تعالى: أَوْ رُكْباناً، والركبان: جمع راكب، فكأنّ الآية أشارت لمن يمشي على رجليه، أو لمن هو راكب. وكثيرا ما يأتي اللفظ في العربية واحدا، ودلالته على اثنين، مثلا فالرّجال: جمع راجل كما في الآية، والرجال: جمع رجل أيضا. ٢٣- وقال تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [الآية ٢٥٩] .

стр. 120

قال الزمخشري «في الكشاف ١: ٣٠٧» : لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغيّر، والهاء أصلية أو هاء السكت، واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأنّ لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء يتغيّر بمرور الزمان. وقيل: أصله «يتسنّن» ، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة، كتقضّي البازي. ويجوز أن يكون معنى لَمْ يَتَسَنَّهْ لم تمرّ عليه السنون التي مرّت عليه، يعني هو بحالة كما كان، كأنه لم يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد الله: (فانظر إلى طعامك، وهذا شرابك لم يتسنّ) ، وقرأ أبي: (لم يسّنّه) ، بإدغام التاء في السين. أقول: إن كلمة «سنة» مثل شفة من الكلم الثنائي، الذي تحوّل في العربية إلى ثلاثي إفادة من الواو أو الهاء، وقد ذهب اللغويون القدامى إلى أن الواو أو الهاء أصل ثالث، ذهب عن الكلمة فردّ إليها في الكلمات التي قامت على الأصل وهو المفرد «سنة» ، فقالوا في الجمع سنوات وسنهات، كما قالوا شفاه وشفهات وشفوات، وقالوا في المنسوب: سنويّ وسنهيّ، كما قالوا: شفويّ وشفهيّ، وقالوا في الفعل سانه كما قالوا شافه، والمسانهة معروفة كالمشافهة وكذلك المساناة. وقد تجاوزت العربية هذا الحدّ في جعل الصوت الثالث في «السنة» واوا، أو هاء، فأفادت من التاء علامة التأنيث فيها، فكانت الصوت الثالث في مادة «سنت» فقالوا: رجل سنت: قليل الخير، والجمع سنتون ولا يكسّر. وأسنتوا فهم مسنتون: أصابتهم سنة وقحط وأجدبوا، ومنه قول ابن الزّبعرى: عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف والتاء في «سنت» عند سيبويه على بدل التاء من الياء، ولا نظير له إلّا قولهم ثنتان، حكى ذلك أبو علي. وفي «الصحاح» : أصله من السنة قلبوا الواو تاء ليفرقوا بينه وبين قولهم: أسنى القوم إذا أقاموا سنة في موضع. وقال الفرّاء: توهّموا أن الهاء أصلية إذ وجدوها ثالثة فقلبوها تاء، تقول منه أصابتهم السنة، بالتاء.

стр. 121

وفي الحديث: وكان القوم مسنتين، أي مجدبين أصابتهم السنة، وهي القحط والجدب. وفي حديث أبي تميمة: الله الذي إذا أسنت أنبت لك، أي: إذا أجدبت أخصبك. ويقال: تسنّت فلان كريمة آل فلان إذا تزوّجها في سنة القحط. وفي «الصحاح» يقال: تسنّتها إذا تزوّج رجل لئيم امرأة كريمة، لقلّة مالها وكثرة ماله. والسّنتة والمسنتة: الأرض التي لم يصبها مطر فلم تنبت، عن أبي حنيفة، قال: فإن كان بها يبيس من يبيس عام أوّل فليست بمسنتة، ولا تكون مسنتة حتى لا يكون بها شيء. وقالوا: عام سنيت مسنت: جدب. وسانتوا الأرض: تتبّعوا نباتها. فأنت ترى أن «السنة» تصرفت بها العربية فكانت منها فوائد كثيرة. ٢٤- قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ٢٧٩] . قول تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [الآية] [٢٧٩] فاعلموا بها من «أذن بالشيء» إذا علم به، وقرئ: فأذنوا بها، والمعنى فأعلموا بها غيركم. وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلّا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ لأنّ المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله. «الزمخشري ١: ٣٢٢» . أقول: والإذن بمعنى الإعلام ليس ممّا نعرفه في غير هذه الآية. أما قول الزمخشري إن الإذن هو الاستماع، فهو إشعار لنا أن «الإذن» ، وهو المصدر من الفعل «أذن» ، قد جاء من «الأذن» ، وهي عضو السمع، كما أن «المعاينة» جاءت من العين، و «الأنفة» جاءت من الأنف. ٢٥- قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [الآية ٢٨٦] . قال الزمخشري «في الكشاف ١: ٣٣٢» : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، ينفعها ما كسبت من خير، ويضرّها ما

стр. 122

اكتسبت من شرّ، لا يؤاخذ بذنبها غيرها، ولا يثاب غيرها بطاعتها. فإن قلت: لم خصّ الخير بالكسب، والشرّ بالاكتساب؟ قلت: في «الاكتساب» اعتمال، فلمّا كان الشرّ ممّا تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال» . أقول: لو استقرينا الآيات الكريمة في سائر سور القرآن، لنتبيّن حقيقة ما ذهب إليه الزمخشري من أن الفعل المزيد «اكتسب» ، قد خصّ بالشرّ في حين أن الفعل المجرّد «كسب» ، قد خصّ بالخير، لاهتدينا إلى أنّ المزيد والمجرّد بمعنى، وأنّ الفعل المجرّد يأتي للخير كما يأتي في الشرّ، ومثله الفعل المزيد «اكتسب» ، وسنعرض لطائفة من الآيات: قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [الآية ٢٦٧] . لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [الآية ٢٦٤] . يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) [الأنعام] . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ [الآية ١٣٤] . لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [الآية ٢٨٦] . إنّ الفعل «كسب» ، في هذه الآيات يجيء خاصا بالخير، غير أننا نجد هذا الفعل خاصا بالشر كما في قوله تعالى: وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) [الأعراف] . أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) [يونس] . وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ [النساء: ١١١] . وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً [النساء: ١١٢] . ونأتي إلى المزيد «اكتسب» ، فنجده، قد خصّ بالشر، كما في قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النور: ١١] . لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [الآية ٢٨٦] .

стр. 123

كما نجد هذا الفعل المزيد، قد خصّ بالخير، كما في قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء: ٣٢] . لقد بدا لنا أن لا فرق بين المجرّد والمزيد، وأنّ الاختصاص الذي ذهب إليه الزمخشري غير حاصل في كلام الله ، وذلك ممّا أفدناه من الآيات التي أشرنا إليها، وهي قليل من كثير. والذي سوّغ للزمخشري أن يذهب إلى القول بالاختصاص، والتفريق بين «كسب» ، و «اكتسب» ، أنّ الفعل الأول قد سبقة المجرور باللام، وأنّ الفعل الثاني قد سبقة المجرور ب «على» . ومن المعلوم أنّ استعمال اللام في الجرّ يفيد هذا الذي دفع الزمخشري إلى القول بالاختصاص بالخير، كما أنّ استعمال «على» يفيد ما ذهب إليه من الاختصاص بالشر، كقولنا: يوم لك ويوم عليك. فالاختصاص بالخير أو الشر قد جاء من استعمال الخافض، وهو اللّام في الأوّل، و «على» في الثاني.

стр. 124

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «البقرة» «١» أمّا قوله تعالى الم [الآية ١] ، فإن هذه الحروف أسكنت، لأنّ الكلام ليس بمدرج، وإنّما يكون مدرجا، لو عطف بحرف العطف، وذلك أنّ العرب تقول في حروف المعجم كلّها بالوقف، إذا لم يدخلوا حروف العطف، فيقولون: «ألف باء تاء ثاء» ويقولون: «ألف وباء وتاء وثاء» . وكذلك العدد عندهم، ما لم يدخلوا حروف العطف فيقولون: «واحد اثنان ثلاثة» . وبذلك، وعلى أنه ليس بمدرج، قطعت ألف «اثنين» ، وهي من الوصل. فلو كان وصلها بالذي قبلها، لذهبت، ولكن هذا من العدد والعدد والحروف كلّ واحد منها شيء مفصول على حياله. ومثل ذلك المص (١) [الأعراف] ، الر «٢» والمر [الرعد] ، وكهيعص (١) [مريم] وطسم (١) «٣» ويس (١) [يس] ، وطه (١) [طه] ، وحم (١) «٤» وق [ق] وص [سورة ص] . إلا أنّ قوما قد نصبوا يس (١) وطه (١) وحم (١) «٥» وهو

стр. 125

كثير في كلام العرب، وذلك أنّهم جعلوها أسماء كالأسماء الأعجمية «هابيل» و «قابيل» . فإمّا أن يكونوا جعلوها في موضع نصب ولم يصرفوها كأنّه قال: «اذكر حم وطس ويس» ، أو جعلوها كالأسماء، التي هي غير متمكّنة فحرّكوا آخرها واحدة كفتح «أين» ، وكقول بعض الناس (الحمد لله) بكسر الدال. وقرأ بعضهم (ص) و (ن) و (ق) «١» بالفتح، وجعلوها أسماء ليست بمتمكّنة فألزموها حركة واحدة وجعلوها أسماء للسورة، فصارت أسماء مؤنّثة. ومن العرب من لا يصرف المؤنث إذا كان وسطه ساكنا نحو «هند» و «جمل» و «دعد» . قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الرابع] : وإنّي لأهوى بيت هند وأهلها على هنوات قد ذكرن على هند وهو يجوز في هذه اللغة أو يكون سمّاها بالحرف، والحرف مذكّر، وإذا سمّي المؤنث بالمذكّر لم ينصرف، فجعل ص وما أشبهها، اسما للسورة ولم يصرف، وجعله في موضع نصب. وقرأ بعضهم (صاد والقرآن) «٢» فجعلها من «صاديت» ثم أمر، كما تقول «رام» ، كأنه قال: «صاد الحقّ بعملك» اي: تعمّده «٣» ، ثم قال وَالْقُرْآنِ [ص: ١] فأقسم، ثم قال بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) [ص] . فعلى هذا وقع القسم. وذلك أنّهم زعموا أن «بل» هاهنا انّما هي «إنّ» فلذلك صار القسم عليها «٤» .

стр. 126

وقد اختلف الناس في الحروف التي في فواتح السور، فقال بعضهم: «إنّما هي حروف يستفتح بها» فإن قيل «هل يكون شيء من القرآن ليس له معنى» ؟. فإنّ معنى هذه أنه ابتدأ بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى. فجعل هذا، علامة لانقطاع ما بينهما، وذلك موجود في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول [من الرجز، وهو الشاهد الخامس] : بل. وبلدة ما الإنس من آهالها «١» أو يقول [من الرجز، وهو الشاهد السادس] : بل. ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا «٢» ف «بل» ليست من البيت ولا تعدّ في وزنه، ولكن يقطع بها كلام ويستأنف آخر «٣» . وقال قوم: «إنّها حروف، إذا وصلت، كانت هجاء لشيء يعرف معناه، وقد أوتي بعض الناس علم ذلك. وذلك أن بعضهم، كان يقول: «الر» و «حم» و «ن» هذا هو اسم «الرحمن» جل وعزّ، وما بقي منها، فنحو هذا» . وقالوا: قوله تعالى كهيعص (١) [مريم] كاف، هاد، عالم، صادق، فأظهر من كل اسم منها حرفا ليستدلّ به عليها. فهذا يدلّ، على أن الوجه الأوّل لا يكون إلّا وله معنى. لأنه يريد معنى الحروف. ولم ينصبوا من هذه الحروف شيئا غير ما ذكرت لك، لأن الم وطسم (١) وكهيعص (١) ليست مثل شيء من

стр. 127

الأسماء، وإنما هي حروف مقطّعة. وقرأ قوله تعالى الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران] بفتح الميم، لأنّها لقيها حرف ساكن، فلم يكن من حركتها بدّ. فان قيل: «فهلّا» حرّكه بالجر» ؟ فان هذا لا يلزم فيها، وإنما أرادوا الحركة، فإذا حرّكوها بأي حركة كانت، فقد وصلوا الى الكلام بها، ولو كانت كسرت لجاز، ولا أعلمها إلّا لغة «١» . وقال بعضهم: «فتحوا الحروف التي للهجاء، إذا لقيها الساكن ليفصلوا بينها وبين غيرها. وقالوا: «من الرجل» ففتحوا لاجتماع الساكنين. ويقولون «هل الرجل» و «بل الرجل» وليس بين هذين وبين «ومن الرجل» فرق، إلّا أنّهم قد فتحوا «من الرجل» لئلّا تجتمع كسرتان، وكسروا إِذِ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٩٣] . وقد اجتمعت كسرتان لأنّ «من» أكثر استعمالا في كلامهم من «إذ» ، فأدخلوها الفتح ليخفّ عليهم. وإن شئت قلت: «ألم» حروف منفصل بعضها من بعض، لأنّه ليس فيها حرف عطف، وهي أيضا منفصلة ممّا بعدها، فالأصل فيه أن تقول (ألم الله) فتقطع ألف اللَّهُ «٢» إذا كان ما قبله منفصلا منه كما قلت «واحد، اثنان» فقطعت. وكما قرأ القراء ن وَالْقَلَمِ [القلم: ١] فبيّنوا النون لأنّها منفصلة «٣» . ولو كانت غير منفصلة لم تبين إلّا أن يلقاها أحد الحروف الستة. ألا ترى أنّك تقول «خذه من زيد» و «خذه من عمرو» فتبيّن

стр. 128

النون في «عمرو» ولا تبيّن في «زيد» . فلمّا كانت ميم ساكنة، وبعدها حرف مقطوع مفتوح، جاز أن تحرّك الميم بفتحة الألف، وتحذف الالف في لغة من قال: «من أبوك» فلا تقطع. وقد جعل قوم (نون) بمنزلة المدرج، فقرأوا (نون والقلم) فأثبتوا النّون ولم يبيّنوها. وقالوا يس (١) وَالْقُرْآنِ [يس] «١» فلم يبيّنوا أيضا. وليست هذه النّون ها هنا بمنزلة قوله كهيعص (١) [مريم] وطس تِلْكَ [النمل: ١] وحم (١) عسق (٢) [الشورى] . فهذه النونات لا تبيّن في القراءة، في قراءة أحد، لأنّ النّون قريبة من الصاد، فالصّاد والنّون من مخرج طرف اللسان. وكذلك التّاء والسّين في طس تِلْكَ وفي حم (١) عسق (٢) [الشورى] ، فلذلك لم تبيّن النون إذ قربن منها. وتبيّنت النون في يس (١) ون لبعد النون من الواو، لأنّ النون بطرف اللسان، والواو بالشّفتين. وقال: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) وقال فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [الآيات ١٧٣ و ١٨٢ و ٢٠٣] فنصبهما بغير تنوين. وذلك أنّ كلّ اسم منكور نفيته ب «لا» ، وجعلت «لا» الى جانب الاسم، فهو مفتوح بغير تنوين، لأنّ «لا» مشبّهة بالفعل، كما شبّهت «إنّ» و «ما» بالفعل. و (فيه) في موضع خبرها، وخبرها رفع، وهو بمنزلة الفاعل، وصار المنصوب بمنزلة المفعول به، و (لا) بمنزلة الفعل. وإنّما حذفت التنوين منه لأنّك جعلته و «لا» اسما واحدا، وكلّ شيئين جعلا اسما لم يصرفا «٢» . والفتحة التي فيه لجميع الاسم، بني عليها، وجعل غير متمكّن. والاسم الذي بعد «لا» في موضع نصب عملت فيه «لا» . وأما قوله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

стр. 129

يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس] «١» فالوجه فيه الرفع، لأنّ المعطوف عليه لا يكون إلّا رفعا ورفعته، لتعطف الاخر عليه. وقد قرأها قوم نصبا، وجعلوا الاخر (رفعا) على الابتداء. وقوله فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [الآية ١٩٧] ، فالوجه النصب «٢» لأنّ هذا نفي ولأنّه كلّه نكرة. وقد قرأ قوم (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فرفعوه كلّه «٣» ، وذلك أنّه قد يكون هذا المنصوب كلّه، مرفوعا في بعض كلام العرب، قال الشاعر «٤» [من البسيط وهو الشاهد السابع] : وما صرمتك حتّى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل «٥» وهذا جواب لقوله «هل فيه رفث أو فسوق» ، فقد رفع الأسماء بالابتداء، وجعل لها خبرا، فلذلك يكون جوابه رفعا. وإذا قال «لا شيء» فإنّما هو جواب «هل من شيء» لأن «هل من شيء» قد أعمل فيه «من» بالجر، وأضمر الخبر، والموضع مرفوع، مثل: «بحسبك أن تشتمني» فإنّما هو: «حسبك أن تشتمني» . فالموضع مرفوع، والباء قد عملت. وقد قرأ قوم: (فلا رفث ولا فسوق)

стр. 130

ولا جدال في الحجّ) «١» فرفعوا الأوّل على ما يجوز في هذا من الرفع، أو على النهي، كأنّه قال «فلا يكونن فيه رفث ولا فسوق» كما تقول «سمعك إليّ» تقولها العرب فترفعها، وكما تقول للرجل: «حسبك» و «كفاك» . وجعل الجدال (نصبا) على النفي. وقال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الثامن] : ذاكم وجدّكم الصّغار بأسره ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب «٣» فرفع أحدهما ونصب الأخر. وأمّا قوله تعالى لا فِيها غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] فرفع، لأنّ «لا» لا تقوى أن تعمل إذا فصلت، وقد فصلتها ب «فيها» فرفع على الابتداء ولم تعمل «لا» . وقوله فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) ف «فيه» و «عليه» و «إليه» ، وأشباه ذلك في القرآن كثير. وذلك أنّ العرب، إذا كان قبل هذه الهاء التي للمذكّر ياء ساكنة، حذفوا الياء التي تجيء من بعد الهاء أو الواو، لأنّ الهاء حرف خفي، وقع بين حرفين متشابهين، فثقل ذلك. فمن كان من لغته إلحاق الواو إذا كان قبلها كسرة، ولم يكن قبلها الياء، ترك الهاء مضمومة، إذا كان قبلها الياء الساكنة، ومن كان من لغته إلحاق الياء، ترك الهاء مكسورة إذا كان قبلها الياء الساكنة. وكذلك إذا كان قبل الهاء ألف ساكنة أو واو فإنّه يحذف الواو التي تكون بعد الهاء، ولكن الهاء لا تكون إلّا مضمومة نحو فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ [الشعراء: ٤٥] وقوله تعالى فَكَذَّبُوهُ «٤» وقوله

стр. 131

فَأَنْجَيْناهُ «١» وأشباه هذا في القرآن كثير «٢» : ومن العرب من يتمّ، لأنّ ذلك من الأصل، فيقول (فكذّبوهو) (فأنجيناهو) و (فألقى موسى عصاهو) و (لا ريب فيهو هدى للمتقين) ، وهي قراءة أهل المدينة «٣» وقد قرأ قوم إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات: ٥٠] فألقوا الواو، وشبّهوا الساكن بالياء والواو والالف. وهذا ليس بجيّد في العربية، وأجوده (منهو نذير) تلحق الواو وإن كانت لا تكتب. وكل هذا إذا سكت عليه، لم تزد على الهاء شيئا. ولا تكسر هذه الهاء، إلّا أنّ تكون قبلها ياء ساكنة، أو حرف مكسور. وإنّما يكسر بنو تميم. فأمّا أهل الحجاز فإنّهم يضمّون بعد الكسر، وبعد الياء أيضا، قال ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) . وأهل الحجاز، يقرءون (من بعد هو) فيثبتون الواو في كل موضع. ومن العرب من يحذف الواو والياء في هذا النحو أيضا، وذلك قليل قبيح يقول: «مررت به قبل» «به قبل» يكسرون ويضمّون ولا يلحقون واوا ولا ياء، ويقولون «رأيته قبل» فلا يلحقون واوا. وقد سمعنا بعض ذلك من العرب الفصحاء. وقد قرأ بعض القراء (فيه هدى) فأدغم الهاء الأولى في هاء هُدىً لأنّهما التقتا وهما مثلان «٤» . وزعموا أنّ من العرب من يؤنّث «الهدى» «٥» . ومنهم من يسكّن هاء الإضمار للمذكّر قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد التاسع] . فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له ارقان

стр. 132

وهذا في لغة أسد السراة، زعموا كثير «١» . وقوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) فيه لغتان، منهم من يقوله بالوقف إذا وصل، ومنهم من يلحق فيها الواو. وكذلك هو في كل موضع من القرآن والكلام، إلّا أنّ يكون ما قبلها مكسورا أو ياء ساكنة، فإن كانت ياء ساكنة أو حرفا مكسورا نحو «عليهم» و «بهم» و «من بعدهم» ، فمن العرب من يقول: «عليهمي» فيلحق الياء، ويكسر الميم والهاء ومنهم من يقول: «عليهمو» فيلحق الواو، ويضم الميم والهاء ومنهم من يقول: «عليهم» و «عليهم» ، فيرفعون الهاء ويكسرونها، ويقفون الميم، ومنهم من يقول: «عليهمو» فيكسرون الهاء، ويضمّون الميم ويلحقون الواو ومنهم من يقول: «عليهمي» فيضمون الهاء، ويكسرون الميم، ويلحقون الياء. وكلّ هذا إذا وقفت عليه، فاخره ساكن، والذي قبله مكسور، وهو بمنزلة ما قبله ياء. وهذا في القرآن كثير «٢» . ومنهم من يجعل «كم» في «عليكم» و «بكم» ، إذا كانت قبلها ياء ساكنة أو حرف مكسور، بمنزلة «هم» ، وذلك قبيح لا يكاد يعرف، وهي لغة لبكر وائل سمعناها من بعضهم يقولون «عليكمي» و «بكمي» ، وأنشد الأخفش «٣» قال سمعته من بكر بن

стр. 133

وائل «١» [من الطويل وهو الشاهد العاشر] : وإن قال مولاهم على جل حاجة ... من الأمر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا «٢» وكل هذا، إذا لقيه حرف ساكن، حرّكت الميم بالضم، إن كان بعدها واو، فان كان بعدها واو حذفت الواو، وان كان ياء حذفت الياء، وحرّكت الميم بالكسر. وكذلك الهاء التي للواحد المذكّر، من نحو «مررت به اليوم» و «رأيته اليوم» . وزعموا أنّ بعض العرب، يحرّك الميم، ولا يلحق ياء ولا واوا في الشعر، وذا لا يكاد يعرف. وقال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الحادي عشر] : تالله لولا شعبتي من الكرم ... وشعبتي فيهم من خال وعمّ فأمّا قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) فإنّما دخله حرف الاستفهام، وليس لذكره السواء، لأنّه إذا قال في الاستفهام: «أزيد عندك أم عمرو» وهو يسأل أيّهما عندك فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحقّ بالاستفهام من الاخر. فلمّا جاءت التسوية في قوله أَأَنْذَرْتَهُمْ أشبه بذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية. ومثلها سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦] ولكن أَسْتَغْفَرْتَ ليست بممدودة، لأنّ الألف التي فيها ألف وصل، لأنّها من «استغفر» «يستغفر» فالياء مفتوحة من «يفعل» واما أَأَنْذَرْتَهُمْ ففيها ألفان ألف «أنذرت» وهي مقطوعة، لأنّه يقول «ينذر» ، فالياء مضمومة، ثمّ جعلت معها ألف الاستفهام، فلذلك مدّدت وخفّفت الاخرة منهما، لأنّه لا تلتقي همزتان «٣» . وقال أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [الزخرف] . وقال بعضهم: إنّه على قوله

стр. 134

تعالى أَفَلا تُبْصِرُونَ وجعل قوله تعالى أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ بدلا من تُبْصِرُونَ. لان ذلك عنده بصر منهم، أن يكون عندهم هكذا، وهذه «أم» التي تكون في معنى «أيّهما» . وقد قال قوم «إنّها يمانيّة» ، وذلك أن أهل اليمن، يزيدون «أم» في جميع الكلام. وأمّا ما سمعنا من اليمن، فيجعلون «أم» مكان الألف واللام الزائدتين، يقولون «رأيت امرجل» و «قام امرجل» . يريدون «الرجل «١» . ولا يشبه أن تكون أَمْ أَنَا خَيْرٌ على لغة أهل اليمن. وقد زعم أبو زيد «٢» أنّه سمع أعرابيّا فصيحا، ينشدهم «٣» [من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر] : يا دهر أم كان مشيي رقصا ... بل قد تكون مشيتي ترقّصا «٤» فسأله فقال: «معناه ما كان مشيي رقصا ف «أم» ها هنا زائدة. وهذا لا يعرف. وقال علقمة بن عبدة «٥» [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر] : وما القلب لها أم ما ذكره ربعيّة «٦» ... يخطّ لها من ثرمداء قليب يريد «ما ذكره ربعيّة» يجعله بدلا من «القلب» ، وقال بعض الفقهاء: «إنّ معناه أنّه قال فرعون أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) [الزخرف] أم أنتم بصراء» . وقال الشاعر «٧» [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر] :

стр. 135

فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «١» يريد: «أأنت أحسن أم أمّ سالم» . فأضمر أحسن. يريد: «أليس أنا خيرا من هذا الذي هو مهين» . ولها موضع آخر تكون فيه منقطعة من الكلام، كأنّك تميل الى أوله قال: لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [يونس] . وهذا لم يكن قبله استفهام، وهذا قول العرب: «إنّها لإبل» ثم يقولون «أم شاء» (وقولهم) «لقد كان كذا وكذا أم حدّثت نفسي» ، ومثل قول الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الخامس عشر] : كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرّباب خيالا «٣» وليس قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ لأنه شك، لكنه قال هذا ليقبّح صنيعهم، كما تقول: «ألست الفاعل كذا وكذا» ليس تستفهم، إنّما توبّخه. ثم قال بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [السجدة: ٣] . ومثل هذا في القرآن كثير، قال سبحانه فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) [الطور] ثمّ قال أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ [الطور: ٣٠] (و) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ [الطور: ٣٧] كل هذا، على استفهام الاستئناف. وليس ل «أم» غير هذين الموضعين، لأنّه أراد أن ينبّه، ثمّ ذكر ما قالوا عليه، يعني النبي (ص) ليقبح ما قالوا عليه، نحو قولك للرجل «الخير أحبّ إليك أم الشرّ» ؟ وأنت تعلم أنه يقول «الخير» ولكن أردت أن تقبّح عنده ما صنع. وأمّا قوله تعالى وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان: ٢٤] فقد نهاه عن الإثم والكفور جميعا. وقد قال بعض الفقهاء «٤» : «إنّ «أو» تكون بمنزلة الواو وقال [من المتقارب وهو الشاهد السادس عشر] : يهينون من حقروا شأيه ... وإن كان فيهم يفي أو يبرّ

стр. 136

يقول: «يفي ويبرّ» . وكذلك هي عندهم ها هنا، وإنّما هي بمنزلة «كل اللحم أو التمر» إذا رخّصت له في هذا النحو. فلو أكل كلّه أو واحدا منه لم يعص. فيقع النهي عن كل ذا في هذا المعنى، فيكون إن أكل الكل أو واحدا (قد) عصى. كما كان في الأمر إن صنع واحدا أطاع. وقال وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات] ومعناه «ويزيدون» ، ومخرجها في العربية أنك تقول: «لا تجالس زيدا أو عمرا أو خالدا» فإن أتى واحدا منهم أو كلّهم، كان عاصيا. كما أنّك إذا قلت: «اجلس الى فلان أو فلان أو فلان «فجلس الى واحد منهم أو كلّهم كان مطيعا. فهذا مخرجه من العربية. وأرى الذين قالوا: «إنّما» أو «بمنزلة الواو» إنّما قالوها رأوها في معناها. وأما وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فإنما يقول وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ عند الناس» ، ثم قال أَوْ يَزِيدُونَ «١» عند الناس» لأنّ الله ﵎ لا يكون منه شكّ. وقد قال قوم إنّما «أو» ها هنا بمنزلة «بل» «٢» وقد يقول الرجل: «لأذهبنّ إلى كذا وكذا» ثم يبدو له بعد، فيقول «أو أقعد» فقال ها هنا وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ عند الناس «ثم قال أَوْ يَزِيدُونَ عند الناس» أي أن الناس لا يشكّون أنهم قد زادوا. والوجه الاخر هكذا، أي «فكذا حال الناس فيهم» أي: أن الناس يشكون فيهم. وكذا حال «أم» المنقطعة، ان شئت جعلتها على «بل» ، فهو مذهب حسن. وقال متمّم بن نويرة «٣» [من الوافر وهو الشاهد السابع عشر] : فلو كان البكاء يردّ شيئا ... بكيت على جبير أو عفاق «٤» على المرأين إذ هلكا جميعا ... بشأنهما وحزن واشتياق «٥»

стр. 137

وقال ابن أحمر «١» [من الطويل وهو الشاهد الثامن عشر] : فقلت البثي شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاك ما قد غيّبتني غيابيا «٢» وأمّا قوله تعالى أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) [الصافات] . فان هذه الواو واو عطف كأنّهم قالوا: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) فقيل لهم: «نعم وآباؤكم الأوّلون» فقالوا أَوَآباؤُنَا، وقوله أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ [يس: ٧٧] ، أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [السجدة: ٢٦] وأشباه هذا في القرآن كثير. فالواو مثل الفاء في قوله تعالى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه: ١٢٨] وقوله أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] وإن شئت جعلت هذه الفاآت زائدة. وإن شئت، جعلتها جوابا لشيء، كنحو ما يقولون «قد جاءني فلان» فيقول «أفلم أقض حاجته» ، فجعل هذه الفاء معلّقة بما قبلها. وأما قوله خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [الآية ٧] فإنّ الختم، ليس يقع على الأبصار. إنّما قال خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ثم قال وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ مستأنفا. وقوله خَتَمَ اللَّهُ لأنّ ذلك، كان لعصيانهم الله، فجاز ذلك اللفظ، كما تقول: «أهلكته فلانة» إذا أعجب بها، وهي لا تفعل به شيئا، لأنه هلك في اتّباعها. أو يكون «ختم» حكم بها أنّها مختوم عليها. وكذلك فَزادَهُمُ اللَّهُ [الآية ١٠] على ذا التفسير، والله اعلم. ثم قال تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [الآية ٨] فجعل اللفظ واحدا، ثم قال وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [الآية ٨] فجعل اللفظ جميعا، وذلك أنّ «من» اللفظ بها لفظ واحد، ويكون جميعا في المعنى، ويكون اثنين. فان لفظت بفعله على معناه، فهو صحيح. وإن جعلت فعله على لفظه واحدا، فهو صحيح وممّا جاء من ذلك قوله تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ

стр. 138

لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس: ٤٢] وقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [يونس: ٤٣] وقال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ [الأحزاب: ٣١] فقال يَقْنُتْ فجعله على اللفظ، لأنّ اللفظ في مَنْ مذكّر وجعل تَعْمَلْ ونُؤْتِها على المعنى. وقد قرأ بعضهم: (ويعمل) «١» فجعله على اللفظ لأنّ لفظ مَنْ مذكّر. وقد قرأ بعضهم: (ومن تقنت) «٢» فجعله على المعنى لأنه يعني امرأة. وهي حجّة على من قال: «لا يكون اللفظ في «من» على المعنى إلّا ان تكون «من» في معنى «الذي» ، فأمّا في المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في «من» على المعنى» . وقولهم هذا خطأ، لأنّ هذا الموضع الذي فيه (ومن تقنت) مجازاة. وقد قالت العرب «ما جاءت حاجتك» فأنّثوا «جاءت» لأنّها ل «ما» ، وإنّما أنّثوا، لان معنى «ما» هو الحاجة. وقد قالت العرب أو بعضهم «من كانت أمّك» فنصب وقال الشاعر «٣» [من الطويل هو الشاهد التاسع عشر] : تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان «٤» ويروى (تعال فإن) . وقد جعل (من) بمنزلة رجل. قال الشاعر «٥» [من الرمل وهو الشاهد العشرون] :

стр. 139

ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّ لي شرّا لم يطع «١» فلولا أنّها نكرة بمنزلة «رجل» ، لم تقع عليها «ربّ» . وكذلك (ما) نكرة إلّا أنّها بمنزلة «شيء» . ويقال: إنّ قوله تعالى هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣] على هذا. جعل (ما) بمنزلة «شيء» ولم يجعلها بمنزلة «الذي» فقال: «ذا شيء لديّ عتيد» . وقال الشاعر «٢» [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والعشرون] : ربّ ما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحلّ العقال «٣» فلولا أنّها نكرة بمنزلة «من» لم تقع عليها «ربّ» . وقد يكون هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ على وجه آخر، أخبر عنهما خبرا واحدا كما تقول: «هذا أحمر أخضر» . وذلك أن قوما من العرب يقولون: «هذا عبد الله مقبل» . وفي قراءة ابن مسعود «٤» (وهذا بعلي شيخ) «٥» [هود: ٧٢] كأنه أخبر عنهما خبرا واحدا، أو يكون كأنّه رفعه على التفسير، كأنه إذا قال: هذا ما لَدَيَّ، قيل: «ما هو» ؟ أو علم أنه يراد ذلك منه فقال عَتِيدٌ أي ما عندي عتيد. وكذلك (وهذا بعلي شيخ) . وقال الراجز «٦» [وهو الشاهد الثاني والعشرون] : من يك ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيّف مشتّي «٧» وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨] ف «ما» ها هنا اسم ليست له

стр. 140

صلة لأنّك إن جعلت يَعِظُكُمْ بِهِ صلة ل (ما) صار كقولك: «إنّ الله نعم الشيء» أو «نعم شيئا» فهذا ليس بكلام. ولكن تجعل (ما) اسما وحدها، كما تقول: «غسلته غسلا نعمّا» تريد به: «نعم غسلا» . فإن قيل: «هي بمنزلة» «يا أيّها الرّجل» لأنّ «أيّ» هاهنا اسم ولا يتكلم به وحده، وحتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف هاهنا. لأنك إذا قلت «غسلته غسلا نعمّا» فإنّما تريد المبالغة والجودة، فاستغني بهذا حتى تكلّم به وحده. ومثل «ما أحسن زيدا» (ما) هاهنا وحدها اسم، وقوله «إني ممّا أن أصنع كذا وكذا» (ما) ها هنا وحدها اسم، كأنّه قال تعالى: «إنّي من الأمر» أو «من أمري صنيعي كذا وكذا» وممّا جاء على المعنى قوله سبحانه كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الآية ١٧] لان «الذي» يكون للجميع، كما قال وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) [الزّمر] . قال تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٩] ولا تكون المفاعلة إلّا من شيئين، فإنّه إنّما يقول: «يُخادِعُونَ اللَّهَ عند أنفسهم يمنّونها أن لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في أنفسهم» ذلك لحجّة الله الواقعة على خلقه بمعرفته. وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [الآية ٩] وقال بعضهم يَخْدَعُونَ «١» كأنّه يقول: «يخدعون أنفسهم بالمخادعة لها» وبها نقرأ. وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول: «باعدته مباعدة» و «جاوزته مجاوزة» في أشياء كثيرة. وقد قال وَهُوَ خادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢] فذا على الجواب. يقول الرجل لمن كان يخدعه، إذا ظفر به «أنّا الذي خدعتك» ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. وكذلك وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الآية ٥١] على الجواب. والله لا يكون منه المكر

стр. 141

والهزء. والمعنى: أنّ المكر حاق بهم، والهزء صار بهم. وأمّا قوله سبحانه: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [الآية ١٠] فمن فخّم، نصب الزاي، فقال: فَزادَهُمُ «١» ومن أمال كسر الزّاي فقال: (زادهم) «٢» لأنها من «زدت» أوّلها مكسور. فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو، وهم بعض أهل الحجاز، ويقولون أيضا (ولمن خاف مقام ربّه) «٣» و (فانكحوا ما طاب لكم من النّساء) «٤» و (وقد خاب) «٥» ولا يقولون (قال) ولا (زار) لأنّه يقول (قلت) و (زرت) فأوّله مضموم. فإنّما يفعلون هذا في ما كان أوّله من «فعلت» مكسورا إلّا أنّهم ينحون الكسرة كما ينحون الياء في قوله وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ [الإنسان: ٢١] . وقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) [الشمس] «٦» . ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم وما كان من نحو هذا من بنات الواو، وكان ثالثا نحو وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) [الشمس] «٧» ونحو وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) [الشمس] «٨» فإنّ كثيرا من العرب يفخّمه، ولا يميله، لأنّها ليست بياء فتميل إليها، لأنّها من

стр. 142

«طحوت» و «تلوت» . فإذا كانت رابعة فصاعدا أمالوا، وكانت الإمالة هي الوجه، لأنّها حينئذ قد انقلبت الى الياء. ألا ترى أنك تقول «غزوت» و «أغزيت» ومثل ذلك وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) [الشمس] «١» وقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) [الأعلى] «٢» ووَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) [الليل] «٣» أمالها لأنّها رابعة، و «تجلّى» فعلت منها بالواو، لأنها من «جلوت» و «زكا» من «زكوت يزكو» ووَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) [الشمس] «٤» من «الغشاوة» . وقد يميل ما كان منه بالواو نحو (تلاها) و (طحاها) ناس كثير «٥» ، لأنّ الواو تنقلب الى الياء كثيرا، مثل قولهم في (حور) (حير) وفي «مشوب» «مشيب» وقالوا «أرض مسنيّة» إذا كان يسنوها المطر. فأمالوها الى الياء، لأنّها تنقلب إليها. وأمالوا كلّ ما كان نحو «فعلى» و «فعلى» نحو «بشرى» و «مرضى» و «سكرى» ، لان هذا لو ثنّي كان بالياء فمالوا إليها. وأمّا قوله تعالى بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [الآية ١٠] ، وبها نقرأ. فيعني «يكذبون على الله وعلى الرسل» . جعل السياق «ما» والفعل اسما للمصدر، كما جعل «أن» والفعل اسما للمصدر في قوله «أحبّ أن تأتيني» ، وأمّا المعنى فإنّما هو «بكذبهم» و «تكذيبهم» . وأدخلت «كان» ، لتخبر أنه كان فيما مضى، كما تقول: «ما أحسن ما كان عبد الله» فأنت تتعجّب من عبد الله لا من «كونه» . وإنّما وقع التعجّب في اللفظ على كونه وبعضهم «٦» قرأ: (بما

стр. 143

كانوا يكذّبون) على معنى يجحدون، لأن الجحود كفر. وقال فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] وليس هذا في معنى «فاصدع بالذي تؤمر به» . لو كان هذا المعنى لم يكن كلاما حتى تجيء ب «به» ولكن «اصدع بالأمر» جعل «ما تؤمر» اسما واحدا. وقال لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [آل عمران: ١٨٨] يقول «بالإتيان» يجعل «ما» و «أتوا» اسما للمصدر. وإن شئت قلت: «أتوا» ها هنا «جاءوا» كأنه يقول: «بما جاءوا» يريد «جاءوه» كما تقول «يفرحون بما صنعوا» أي «بما صنعوه» ومثل هذا في القرآن كثير. وتقديره «بكونهم يكذبون» ف «يكذبون» «١» مفعول ل «كان» كما تقول: «سرني زيد بكونه يعقل» أي: بكونه عاقلا. وأما قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [الآية ١١] فمنهم من يضمّ أوله، لأنّه في معنى «فعل» فيريد أن يترك أوله مضموما ليدل على معناه «٢» ، ومنهم من يكسره، لأنّ الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم والكسر القياس «٣» . ومنهم من يقول في الكلام: «قد قول له» و «قد بوع المتاع» إذا أراد «قد بيع» و «قيل» . جعلها واوا حين ضمّ ما قبلها، لأنّ الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم. ومنهم من يروم الضمّ في «قيل» مثل رومهم الكسر في «ردّ» ، لغة لبعض العرب ان يقولوا «ردّ» فيكسرون الراء ويجعلون عليها حركة الدال التي في موضع العين. وبعضهم لا يكسر الراء ولكنه يشمّها الكسر، كما يروم في «قيل» الضم. وقال

стр. 144

الفرزدق «١» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والعشرون] : وما حلّ من جهل حبا حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنّف «٢» سمعناه ممّن ينشده من العرب هكذا. وأمّا قوله تعالى أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ [الآية ١٣] فقد قرأ هما قوم مهموزتين جميعا «٣» ، قرءوا: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ «٤» [الآية ٦] وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] «٥» وقرءوا أَإِذا «٦» أَإِنَّا «٧» كل هذا، يهمزون فيه همزتين وكل هذا، ليس كلام العرب، إلّا شاذا «٨» . ولكن إذا اجتمعت همزتان شتّى ليس بينهما شيء فان إحداهما تخفّف في جميع كلام العرب إلّا في هذه اللغة الشاذة القليلة، وذلك أنّه إذا اجتمعت همزتان في كلمة

стр. 145

واحدة، أبدلوا الاخرة منهما أبدا، فجعلوها، إن كان ما قبلها مفتوحا، ألفا ساكنة، نحو «آدم» و «آخر» و «آمن» وإن كان ما قبلها مضموما، جعلت واوا، نحو «أوزز» إذا أمرته ان يؤز، وإن كان ما قبلها مكسورا، جعلت ياء، نحو «ايت» وكذلك إن كانت الاخرة متحركة، بأي حركة كانت، والأولى مضمومة، او مكسورة، فالآخرة تتبع الأولى نحو «أن أفعل» من «أأب» فتقول «أووب» . ونحو «جاء» في الرفع والنصب والجر. فاما المفتوحة، فلا تتبعها الاخرة إذا كانت متحركة، لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها. ولكن تكون على موضعها، فإن كانت مكسورة، جعلت ياء، وإن كانت مضمومة جعلت واوا، وان كانت مفتوحة جعلت أيضا واوا لأنّ الفتحة تشبه الألف. وأنت إذا احتجت إلى حركتها، جعلتها واوا، ما لم يكن لها أصل في الياء معروف، فهذه الفتحة ليس لها أصل في الياء فجعلت الغالب عليها الواو، نحو «آدم» و «أوادم» . فلذلك جعلت الهمزتان إذا التقتا، وكانتا من كلمتين شتّى، مخففة إحداهما، ولم يبلغ من استثقالهما، ان تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة. ولأن اللتين في كلمة واحدة، لا تفارق إحداهما صاحبتها، وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كلّ واحدة منها على حالها أثقل منهما كلمتين لأنّ ما في الكلمتين: كلّ واحدة على حالها، فتخفيف الاخرة أقيس كما أبدلوا الاخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الاولى. فمن خفف الاخرة في قوله كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا قال (السفهاء ولا) فجعل الألف في (ألا) واوا «١» . ومن خفّف الأولى، جعل الألف التي في (السفهاء) كالواو، وهمز ألف (ألّا) «٢» . وأمّا أَأَنْذَرْتَهُمْ فإنّ الأولى لا تخفّف، لأنّها أوّل الكلام. والهمزة، إذا كانت أوّل الكلام لم تخفّف، لأن المخفّفة ضعفت، حتى صارت كالساكن، فلا يبتدأ بها. وقد
следующие страницы →